← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 20876

قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير

عبير بنت عبد الله النعيم

Полный текст (980 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

في سورة الطلاق، إلاّ أنها يخرج عن دلالتها المطلقات قبل البناء من ذوات القروء، فهن مخصوصات من هذا العموم بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ فهي في ذلك عام مخصوص بمخصص منفصل (١). ولقد سبق ابن عاشور في القول بأن الآية محكمة الطبري وابن عطية والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، ولألوسي والقاسمي، والشنقيطي أي جميع من اعتمدتهم في هذا البحث (٢). حجة القائلين: إن الآية منسوخة: قالوا: إن الآية تقرر بما فيها من عموم أن كل مطلقة عدتها ثلاثة أقراء، على الاختلاف في المراد بالقرء. وآية سورة الطلاق تقرر أن عدة اليائسة من المحيض وعدة الصغيرة التي لم تحض، إذا طلقتا ثلاثة أشهر كما تقرر أن عدة الحامل مطلقة أومتوفى عنها هي

стр. 492

وضع حملها. أما آية الأحزاب فتقرر أن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها. وكل ذلك مخالف لما في الآية من اعتداد المطلقات بثلاثة قروء، متعارض معها في هذا الحكم، فهو ناسخ لها إذن (١). قال ابن الجوزي: " ذهب جماعة من القدماء إلى أن هذه الآية منسوخة فقالوا: إن قوله: : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ كان يجب على كل مطلقة أن تعتد ثلاثة قروء فنسخ من ذلك حكم الحامل بقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ونسخ حكم الآيسة والصغيرة من ذلك بقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ ونسخ حكم المطلقة قبل الدخول بقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ وهذا مروي عن ابن عباس ﵄ وقتادة ولكن ابن عباس استثنى " (٢). ورواية ابن عباس ﵁ أخرجها النسائي في الكبرى قال: " في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٣) وقال

стр. 493

تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٢) فأول ما نسخ من القرآن القبلة وقال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ فنسخ من ذلك " قال تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٣) (٤). وقال قتادة: " قوله جل وعز: : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ جعل عدة المطلقة ثلاث حيض، ثم إنه نسخ منها عدة المطلقة التي طلقت ولم يدخل بها زوجها , قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ فهذه ليس عليها عدة إن شاءت تزوجت من يومها، وقد نسخ من الثلاثة قروء اثنان ,

стр. 494

﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ فهذه العجوز قد قعدت من الحيض ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فهذه البكر التي لم تبلغ الحيض فعدتها ثلاثة أشهر وليس الحيض من أمرهما في شيء. ثم نسخ من الثلاثة قروء الحامل فقال: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فهذه أيضا ليست من القروء في شيء إنما أجلها أن تضع حملها " (١). حجة القائلين: إن الآية محكمة: قال ابن عطية: " و (المطلقات) لفظ عموم يراد به الخصوص في المدخول بهن، ولم تدخل في العموم المطلقة قبل البناء ولا الحامل ولا التي لم تحض ولا القاعد " (٢). وقال الشوكاني: " قوله: : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ يدخل تحت عمومه المطلقة قبل الدخول، ثم خصص بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ (٣) فوجب بناء العام على الخاص، وخرجت من هذا العموم المطلَّقة قبل الدخول، وكذلك خرجت الحامل بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾

стр. 495

وكذلك خرجت الآيسة بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ " (١). كما أكّد الشنقيطي هذا المعنى بقوله: " ظاهر هذه الآية شمولها لجميع المطلقات، ولكنه بين في آيات أخر خروج بعض المطلقات من هذا العموم، كالحوامل المنصوص على أن عدتهن وضع الحمل، في قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وكالمطلقات قبل الدخول المنصوص على أنهن لا عدة عليهن أصلاً، بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ أما اللواتي لا يحضن، لكبر أو صغر، فقد بين أن عدتهن ثلاثة أشهر في قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ " (٢). القول الراجح: إن الآية محكمة وليست منسوخة , كما قرّر ذلك ابن عاشور بناءً على القاعدة حيث يقول: "والحق أن دعوى كون المخصص المنفصل ناسخاً، أصلٌ غيرُ جدير بالتأصيل؛ لأن تخصيص العام هو وروده مُخْرَجاً منه بعض الأفراد بدليل، فإن مجيء العمومات بعد الخصوصات كثير، ولا يمكن فيه القول بنسخ

стр. 496

العام للخاص لظهور بطلانه ولا بنسخ الخاص للعام لظهور سبقه، والناسخ لا يسبق , وبعد فمهما لم يقع عمل بالعموم فالتخصيص ليس بنسخ " (١). قال ابن الجوزي: " واعلم أن القول الصحيح المعتمد عليه: أن هذه الآية كلها محكمة لأن أولها عام في المطلقات , وما ورد في الحامل والآيسة والصغيرة فهو مخصوص من جملة العموم وليس على سبيل النسخ " (٢). وأما ما روي عن ابن عباس وقتادة ففيها: ثم استثنى، فنسخ منهن، وهذا تخصيص لا نسخ: خصصّ الله عموم المطلقات، بمقتضى الآيات التي زعموها ناسخة، وبمقتضى الحديث المروي في عدة الأمة، فأصبحن مقصورات على ذوات الأقراء، المدخول بهن، الحرائر غير الحوامل، وتولت تلك الآيات وذلك الحديث عدة الآيسات، والصغيرات، والإماء والحوامل، وقررت أن المطلقة غير المدخول بها لاعدة عليها (٣). ٢ - مثال التقوى: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٤). اختلف المفسرون في هذه الآية , فمنهم من ذهب إلى أنها منسوخة بقوله

стр. 497

تعالى من سورة التغابن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) , ومنهم من قال بأنها محكمة , وآية التغابن مبينة ومخصصة. وقد ذكر هذا الخلاف ابن عاشور في تفسيره وبيّن بأنه لا تعارض بين الآيتين , فقال: " وهذه الآية أصل عظيم من أصول الأخلاق الإسلامية. والتَّقوى تقدّم تفسيرها عند قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) , وحاصلها امتثال الأمر، واجتناب المنهي عنه، في الأعمال الظَّاهرة، والنَّوايا الباطنة. وحقّ التقوى هو أن لا يكون فيها تقصير، وتظاهر بما ليس من عمله، وذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ لأنّ الاستطاعة هي القدرة، والتَّقوى مقدورة للنَّاس. وبذلك لم يكن تعارض بين الآيتين، ولا نسخ، وقيل: هاته منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ لأنّ هاته دلّت على تقوى كاملة كما فسَّرها ابن مسعود: أن يطاع فلا يعصى، ويُشكر فلا يكفر، ويذكر فلا يُنْسى، ورووا أنّ هذه الآية لمَّا نزلت قالوا: «يا رسول الله من يَقوىَ لهذا» فنزلت قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فنسَخَ هذه بناء على أنّ الأمر في الآيتين للوجوب، وعلى اختلاف المراد من التقويين " (٣). ورجّح ابن عاشور كما تقدم أن الآية محكمة، وأن آية التغابن مبينة

стр. 498

ومخصصة لها وذلك بناءً على القاعدة، وهذا قوله: " والحقّ أنّ هذا بيان لا نسخ، كما حقَّقه المحقِّقون، ولكن شاع عند المتقدّمين إطلاق النَّسخ على ما يشمل البيان " (١). وممن سبق ابن عاشور إلى هذا الترجيح الطبري في تفسيره، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وكذلك أبو حيان والألوسي ومستندهم في ترجيحهم هذا على العقل، وكذلك القاسمي، وحجته في ذلك: أن لكل آية معناها فلا تعارض بين الآيتين، وذكر ابن كثير، والشوكاني الأقوال في ذلك ولم يرجحوا، وكذلك الشنقيطي بعد ابن عاشور ذكر الأقوال ولم يرجح (٢). حجة القائلين بأن الآية منسوخة: قالوا: إن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. استدلوا بما رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ قال نسخت قوله: اتقوا الله حق تقاته (٣). وخلاصة ما قالوه هم وغيرهم في توجيهها: إن قوله ﴿حَقَّ

стр. 499

تُقَاتِهِ﴾ يُراد به القيام بجميع ما استحقه من طاعة، واجتناب معصيته. وقالوا: هذا أمر تعجز عنه الخلائق فكيف بالواحد منهم؟ فوجب أن تكون منسوخة، وأن يعلق الأمر بها بالاستطاعة " (١). كما استدل أصحاب هذا القول بما روي عن ابن مسعود ﵁ في تفسير هذه الآية بأنه: " أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر " (٢). حجة القائلين بأن الآية محكمة: استدلوا برواية أخرى لابن عباس ﵁ بطريق علي بن أبي طلحة أنه قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ إنها لم تنسخ، ولكن حقّ تقاته أن تجاهد في الله حق جهاده، ثم ذكر تأويله الذي ذكرناه سابقاً " (٣). قال ابن عطية: " وهذه الآيات متفقات، فمعنى هذه: اتقوا الله حقَّ تقاته فيما استطعتم، وذلك أن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هو بحسب أوامره ونواهيه، وقد جعل تعالى الدين يسراً، وهذا هو القول الصحيح، وألا يعصي ابن آدم جملة لا في صغيرة ولا في كبيرة، وألا يفتر في العبادة أمر متعذر في جبلة البشر، ولو كلف

стр. 500

الله هذا لكان تكليف ما لا يطاق، ولم يلتزم ذلك أحد في تأويل هذه الآية " (١). قال القرطبي: " وهذا أصوب - أي الإحكام - لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع والجمع ممكن فهو أولى " (٢). كما استظهر أبو حيان هذا القول فقال: " إنّ قوله: حقّ تقاته من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، كما تقول: ضربت زيداً شديد الضرب، أي الضرب الشديد , فكذلك هذا أي اتقوا الله الاتقاء الحق، أي الواجب الثابت. أما إذا جعلت التقاة جمعاً فإنَّ التركيب يصير مثل: اضرب زيداً حق ضرابه، فلا يدل هذا التركيب على معنى: اضرب زيداً كما يحق أن يكون ضرابه , بل لو صرح بهذا التركيب لاحتيج في فهم معناه إلى تقدير أشياء يصح بها المعنى، والتقدير: اضرب زيداً ضرباً حقاً كما يحق أن يكون ضرب ضرابه. ولا حاجة تدعو إلى تحميل اللفظ غير ظاهره وتكلف تقادير يصح بها معنى لا يدل عليه ظاهر اللفظ " (٣). ويقول ابن الجوزي في معنى هذه الآية أيضاً: " والاختلاف في نسخها وإحكامها، يرجع إلى اختلاف المعنى المراد بها، فالمعتقد نسخها يرى أن «حق تقاته» الوقوف على جميع ما يجب له ويستحقه، وهذا يعجز الكل عن الوفاء به، فتحصيله من الواحد ممتنع، والمعتقد إحكامها يرى أن «حق تقاته» أداء ما يلزم العبد على قدر طاقته، فكان قوله تعالى: «ما استطعتم» مفسراً ل «حق تقاته»

стр. 501

لا ناسخاً ولا مخصصاً " (١). القول الراجح: إن الآية محكمة غير منسوخة , كما قررّ ذلك ابن عاشور في تفسيره بناءً على القاعدة، ومما يعضد هذا الترجيح قاعدة أخرى هي: (إن لكل آية مقامها الذي يجري عليه استعمال كلماتها، فلا تعارض بين الآيات). وفي ذلك يقول القاسمي بعد أن أبطل القول بأن الآية منسوخة قال: "وهذا الزعم لم يصب المحز، فإن كلا الآيتين سيق في معنى خاص به، فلا يتصور أن يكون في هذه الجملة طلب مالا يستطاع من التقوى، بل المراد منها دوام الإنابة له تعالى وخشيته وعرفان جلاله وعظمته قلباً وقالباً، وهذا من المستطاع لكل منيب " (٢). كما ردّ عدد من العلماء هذا النسخ , ومنهم أبو جعفر النحاس حيث يقول: " معنى قول الأولين: نسخت آية التغابن هذه الآية أي نزلت بنسختها وهما واحد. وإلا فهذا لا يجوز أن ينسخ؛ لأن الناسخ هو المخالف للمنسوخ من جميع جهاته، الرافع له، المزيل حكمه " (٣). وذكر الرازي أيضا قول المحققين في ردّ القول بالنسخ وإبطاله، وساق حجتهم من وجوه فقال: " الأول: ما روي عن معاذ أنه ﵁ قال له: «هل تدري ما حق الله على العباد؟ قال الله ورسوله أعلم، قال: هو أن يعبدوه ولا

стр. 502

يشركوا به شيئاً» وهذا لا يجوز أن ينسخ. الثاني: إن معنى قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أي كما يحق أن يتقى، وذلك بأن يجتنب جميع معاصيه، ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ لأنه إباحة لبعض المعاصي، وإذا كان كذلك صار معنى هذا ومعنى قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ واحداً لأن من اتقى الله ما استطاع فقد اتقاه حق تقاته، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ما لا يستطاع من التقوى، لأن الله سبحانه أخبر أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها والوسع دون الطاقة ونظير هذه الآية قوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (١). فإن قيل: أليس أنه تعالى قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٢) , قلنا: سنبين في تفسير هذه الآية أنها جاءت في القرآن في ثلاثة مواضع , وكلها في صفة الكفار لا في صفة المسلمين , أما الذين قالوا: إن المراد هو أن يطاع فلا يعصى فهذا صحيح والذي يصدر عن الإنسان على سبيل السهو والنسيان فغير قادح فيه لأن التكليف مرفوع في هذه الأوقات، وكذلك قوله: أن يشكر فلا يكفر، لأن ذلك واجب عليه عند خطور نعم الله بالبال، فأما عند السهو فلا يجب، وكذلك قوله: أن يذكر فلا ينسى، فإن هذا إنما يجب عند الدعاء والعبادة وكل ذلك مما لا يطاق، فلا وجه لما ظنوه أنه منسوخ " (٣).

стр. 503

٣ - مثال قتل العمد: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (١). اختلف المفسرون في هذه الآية، فمنهم من ذهب إلى أنها منسوخة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٢).، وجمهور المفسرين على أنها محكمة، وقد ساق هذا الخلاف ابن عاشور في تفسيره، وأشار إلى سببه فقال: " هذا مقام قد اضطربت فيه كلمات المفسّرين كما علمت، وملاكه أنّ ما ذكره الله هنا في وعيد قاتل النفس قد تجاوز فيه الحدّ المألوف من الإغلاظ، فرأى بعض السلف أنّ ذلك موجب لحمل الوعيد في الآية على ظاهره، دون تأويل، لشدّة تأكيده تأكيداً يمنع من حمل الخلود على المجاز، فيُثبت للقاتل الخلودَ حقيقة، بخلاف بقية آي الوعيد، وكأنّ هذا المعنى هو الذي جعلهم يخوضون في اعتبار: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (٤) لأنّ قوله: ومن يفعل ذلك إمّا أن يراد به مجموع الذنوب المذكورة، فإذا كان فاعل مجموعها تنفعه التوبة ففاعل بعضها وهو القتل عمداً أجدر، وإمّا أن يراد فاعل

стр. 504

واحدة منها فالقتل عمداً مما عُدَّ معها. ولذا قال ابن عباس ﵁ لسعيد بن جبير: إنّ آية النساء آخر آية نزلت وما نسخها شيء. ومن العجب أن يقال كلام مثل هذا، ثم أن يُطال وتتناقله الناس وتمرّ عليه القرون، في حين لا تعارض بين هذه الآية التي هي وعيد لقاتل النفس وبين آيات قبول التوبة. وذهب فريق إلى الجواب بأنّها نُسخت بآية: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، بناء على أنّ عموم (من يشاء) نَسَخ خصوصَ القتل. وذهب فريق إلى الجواب بأنّ الآية نزلت في مِقْيَس بن صُبابة (١)، وهو كافر فالخلود لأجل الكفر " (٢). وممن ذهب إلى أن هذه الآية محكمة غير منسوخة بناء على أنها من قبيل العام: الطبري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني والقاسمي، والشنقيطي , وكذلك الألوسي رجّح أن الآية محكمة بناء على أنها خبر والخبر لا يجوز نسخه (٣).

стр. 505

حجة القائلين بأن الآية منسوخة: قال ابن حزم: "نسخت بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وبالآية التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (١): ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ " (٢). حجة القائلين بأن الآية محكمة: استدلوا بما روي عن سعيد بن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة - أي هذه الآية-، فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ﴾ هي آخر ما نزل وما نسخها شئ (٣). كما أن حجتهم في ذلك: أن الآية موضع عموم وخصوص، لا موضع نسخ، كما ذكر ذلك ابن عطية (٤) ..

стр. 506

قال القرطبي: " وهذا مذهب أهل السنة وهو الصحيح، وإن هذه الآية مخصوصة، ودليل التخصيص آيات وأخبار، وقد أجمعوا على أن الآية نزلت في مقيس بن صبابة، وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن صبابة، فوجد هشاما قتيلا في بني النجار فأخبر بذلك النبي ﷺ ، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه وأرسل معه رجلا من بني فهر، فقال بنو النجار: والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي الدية، فأعطوه مائة من الإبل، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة فعدا مقيس على الفهري فقتله بأخيه وأخذ الإبل وانصرف إلى مكة كافرا مرتدا، وجعل ينشد: قتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع حللت به وتري وأدركت ثورتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع فقال رسول الله ﷺ : (لا أؤمنه في حل ولا حرم) , وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة. وإذا ثبت هذا بنقل أهل التفسير وعلماء الدين فلا ينبغي أن يحمل على المسلمين، ثم ليس الأخذ بظاهر الآية بأولى من الأخذ بظاهر قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (١) ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ والأخذ بالظاهرين تناقض فلابد من التخصيص " (٢).

стр. 507

القول الراجح: إن الآية محكمة وليست منسوخة كما قرر ذلك ابن عاشور وعدد من العلماء , وهي من العام الذي خصص. وقال الطبري مرجحاً أن الآية محكمة: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه إن جازاه جهنم خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويتفضَّل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إيّاها ثم يخرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١). فإن ظن ظان أن القاتل إن وجب أن يكون داخلا في هذه الآية، فقد يجب أن يكون المشرك داخلا فيه، لأن الشرك من الذنوب، فإن الله عز ذكرُه قد أخبر أنه غير غافر الشرك لأحد بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ والقتل دون الشرك " (٢). وأما قول من قال أنها مخصصة في الكفار فقد ردّه ابن عاشور فقال: " وهو جواب مبني على غلط لأنّ لفظ الآية عامّ إذ هو بصيغة الشرط فتعيّن أنّ

стр. 508

«من» شرطية وهي من صيغ العموم فلا تحمل على شخص معيّن؛ إلاّ عند من يرى أنّ سبب العامّ يخصّصه بسببه لا غيرُ، وهذا لا ينبغي الالتفات إليه. وهذه كلّها ملاجئ لا حاجة إليها، لأنّ آيات التوبة ناهضة مجمع عليها متظاهرة ظواهرها، حتّى بلغت حدّ النصّ المقطوع به، فيحمل عليها آيات وعيد الذنوب كلّها حتّى الكفر. على أنّ تأكيد الوعيد في الآية إنّما يرفع احتمال المجاز في كونه وعيداً لا في تعيين المتوعّد به وهو الخلود , إذ المؤكّدات هنا مختلفة المعاني فلا يصحّ أن يعتبر أحدها مؤكّداً لمدلول الآخر بل إنّما أكَّدت الغرض. وهو الوعيد، لا أنواعه. وهذا هو الجواب القاطع لهاته الحيرة , وهو الذي يتعيّن اللجوء إليه، والتعويل عليه" (١). كما ذكر الرازي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأضاف وجوهاً تمنع من تخصيص هذه الآية بالكافر، وهذا قوله: " وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى أمر المؤمنين بالمجاهدة مع الكفار ثم علمهم ما يحتاجون إليه عند اشتغالهم بالجهاد، فابتدأ بقوله: ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ فذكر في هذه الآية ثلاث كفارات: كفارة قتل المسلم في دار الإسلام، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الحرب، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الذمة وأهل العهد، ثم ذكر عقيبه حكم قتل العمد مقرونا بالوعيد، فلما كان بيان حكم قتل الخطأ بيانا لحكم اختص بالمسلمين كان بيان حكم القتل العمد الذي هو كالضد لقتل الخطأ، وجب أن يكون أيضا مختصا بالمؤمنين، فإن لم يختص بهم فلا أقل من دخولهم فيه. الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية:

стр. 509

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (١) وأجمع المفسرون على أن هذه الآيات إنما نزلت في حق جماعة من المسلمين لقوا قوما فأسلموا فقتلوهم وزعموا أنهم إنما أسلموا من الخوف، وعلى هذا التقدير: فهذه الآية وردت في نهي المؤمنين عن قتل الذين يظهرون الإيمان؛ وهذا أيضا يقتضي أن يكون قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ نازلا في نهي المؤمنين عن قتل المؤمنين حتى يحصل التناسب، فثبت بما ذكرنا أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يمنع من كونها مخصوصة بالكفار " (٢). وقال الشنقيطي: " الذي يظهر أن القاتل عمْداً مؤمن عاص له توبة، كما عليه جمهور علماء الأمة، وهو صريح قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾، وادعاء تخصيصها بالكفار لا دليل عليه، ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (٣) " (٤). ومما يقوي هذا الترجيح أيضاً قاعدة (إذا ثبت الحديث وكان في في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له) , وقد توافرت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه: " يخرج من

стр. 510

النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان" (١)، وصرح تعالى بأن القاتل أخو المقتول في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (٢) وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٣) فسماهم مؤمنين مع أن بعضهم يقتل بعضا، ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين في قصة الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس (٤)؛ لأن هذه الأمة أولى بالتخفيف من بني إسرائيل , لأن الله رفع عنها الآصار والأغلال التي كانت عليهم" (٥). كما يعضد هذه الترجيح قاعدة (النسخ لا يقع في الأخبار) والآية من قبيل الخبر، والأخبار لا تحتمل النسخ , وقد رجّح بها بعض العلماء، منهم النحاس حيث قال: " وهذا لا يقع فيه ناسخ ولا منسوخ لأنه خبر " (٦) كما ذكر ذلك ابن الجوزي في تفسيره (٧).

стр. 511

٤ - مثال حق الثمر يوم حصاده: قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١). اختلف أهل العلم في المراد بهذا الحق المذكور هنا , وهل هو محكم أو منسوخ أو محمول على الندب؟ فذهب ابن عمر، وعطاء، ومجاهد وسعيد بن جبير، إلى أن الآية محكمة، وأنه يجب على المالك يوم الحصاد أن يعطي من حضر من المساكين القبضة ونحوها. وذهب ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، والحسن، والنخعي، وطاووس، وأبو الشعثاء، وقتادة، والضحاك وابن جريج، أن هذه الآية منسوخة بالزكاة ,وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف. وقالت طائفة من العلماء: إن الآية محمولة على الندب لا على الوجوب (٢). وقد ساق ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره، ورجّح بأن الآية محكمة بناء

стр. 512

عل القاعدة وأنها مخصصة ومبينة بآيات أخرى ومن قوله: "وعلى القول المختار: فهذه الآية غير منسوخة، ولكنّها مخصّصة ومبيَّنة بآيات أخرى وبما يبيّنه النَّبي ﷺ فلا يُتعلّق بإطلاقها، وعن السدّي أنَّها نسخت بآية الزّكاة يعني: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ (١) وقد كان المتقدّمون يسمّون التّخصيص نسخاً " (٢). وممن وافق ابن عاشور على أن هذه الآية عامة وما جاء بعدها مخصص لها لا ناسخ لها: ابن عطية، والرازي والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشنقيطي، فيرون أنه لا تعارض بين الآيتين، وإنما تنبني هذه على الندب وتلك على الفرض (٣). وساق الشوكاني الخلاف في الآية ولم يرجح (٤). أما الطبري فيرى أن الآية منسوخة بآية الزكاة (٥).

стр. 513

حجة القائلين بأن الآية محكمة: قالوا: هذا الحق باق لم ينسخ بالزكاة , فيوجبون إطعام من يحضر الحصاد لهذه الآية. ومما يؤيده أنه تعالى ذم الذين يصرمون ولا يتصدقون، حيث قصّ علينا سوء فعلهم وانتقامه منهم، قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ (١) (٢). قال ابن الحنفية أيضاً وعطاء ومجاهد وعيرهم من أهل العلم: بل قوله ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ ندب إلى إعطاء حقوق من المال غير الزكاة، والسنة أن يعطي الرجل من زرعه عند الحصاد وعند الذر , وعند تكديسه في البيدر، فإذا صفا وكال أخرج من ذلك الزكاة " (٣). ولابن العربي رأي جيد حيث يرى أن المقصود بالآية الزكاة الواجبة فيقول: " هذه آية محكمة لم تنسخ، محكمة لم تشكل وذلك أن قوله تعالى:

стр. 514

﴿وَآتُوا﴾ مبين في الإعطاء. وقوله: ﴿حَقَّهُ﴾ مفسر في المعطى نص فيه مجمل في مقداره حتى بينه النبي ﷺ بقوله: " فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بنص أو سانية نصف العشر " ويقول ﷺ : " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " فاقتضت الآية وجوب الحق فيما أنعم الله به من بركات الأرض، وبين النبي ﵇ مقدار ذلك الحق كما بين كيفية الصلاة والصيام " وأعداد" الكل، فإذ قد بين النبي ﵇ ذلك الحق وعيّنه فلا وجه لذكر حق سواه وقد قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ (١) ثم قال في موضع آخر ﴿أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ (٢) ذلك قد علَّمناه المبين المبلغ المعلم الثابت صلوات الله عليه وسلامه، فلا يصح مع هذا أن يقال إن آية الزكاة نسختها وهي الزكاة بعينها ولا معارضة بينهما فإنه قد قال تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣) وهي في أجناس من الأموال، وبيّن في هذه الآية بعض أجناس الأموال الزكاتية، فاتفقتا واطردتا وانتظمتا ولم تتعارضا، وكما لا يصح أن يقال إنه نسخها إيجاب العشر لأن ذلك بيان للمقدار، فكيف يكون بيان مقدار الشيء نسخاً له وهذا بين لمن تأمله والله أعلم " (٤).

стр. 515

حجة القائلين بأن الآية منسوخة: حجتهم في ذلك أن الآية مكية، وآية الزكاة مدنية في السنة الثانية بعد الهجرة (١). قال الطبري: " وقال آخرون: كان هذا شيئا أمر الله به المؤمنين قبل أن تفرض عليهم الصدقة المؤقتة , ثم نسخته الصدقة المعلومة فلا فرض في مال كائنا ما كان زرعا كان أو غرسا إلا الصدقة التي فرضها الله فيه. ثم ذكر من قال ذلك فيما يرويه بسنده عن ابن عباس ﵁ قال: " نسخها العشر , ونصف العشر ". إلى أن يقول الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: كان ذلك فرضًا فرضه الله على المؤمنين في طعامِهم وثمارهم التي تُخْرجها زروعهم وغرُوسهم، ثم نسخه الله بالصدقة المفروضة، والوظيفة المعلومةِ من العشر ونصف العشر. وذلك أن الجميع مجمعون لا خلاف بينهم: أنّ صدقة الحرث لا تؤخذ إلا بعد الدِّياس والتنقية والتذرية، وأن صدقة التمر لا تؤخذ إلا بعد الجفاف " (٢). القول الراجح: إن الآية محكمة لا منسوخة كما قرر ذلك ابن عاشور، وممن ذهب إلى ذلك فيمن جاء بعد ابن عاشور الشنقيطي في أضواء البيان حيث يقول: " ومراده أن

стр. 516

شرع الزكاة بيان لهذا الحق لا نسخ له " (١). وأما قول من قال أن الآية مكية، وآية الزكاة مدنية فإنه يقال: إن فرضها في مكة، وأما تقدير أنصبائها، وتقدير الأموال الزكوية، وتبيان أهلها فهذا في المدينة، وعليه فيكون ابتداء فرضها في مكة من باب تهيئة النفوس، وإعدادها لتتقبل هذا الأمر، حيث إن الإنسان يخرج من ماله الذي يحبه حباً جماً، يخرج منه في أمور لا تعود عليه ظاهراً بالنفع في الدنيا، فلما تهيأت النفوس لقبول ما يفرض عليها من ذلك، فرضه الله - تعالى - فرضاً مبيناً مفصلاً، وذلك في المدينة (٢). ٥ - مثال التولي: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٣) اختلف المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال: فمنهم من ذهب إلى أنها منسوخة وهو قول عطاء بن أبي رباح قال نسخها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا

стр. 517

مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (١) أي فنسخ التخفيف عنهم والإطلاق لهم أن يولوا ممن هو أكثر من هذا العدد , بقوله تعالى في السورة نفسها. والقول الثاني: إنها مخصوصة , وهو قول الحسن حيث قال: ليس الفرار من الزحف من الكبائر إنما كان في أهل بدر خاصة هذه الآية ومن يولهم يومئذ دبره، ومنهم من ذهب إلى أنها محكمة وحكمها باق إلى يوم القيامة، وأنها عامة والآية الثانية مخصصة لها، وهو قول ابن عباس (٢). والقول الثالث: هو الذي رجحه ابن عاشور في تفسيره مستندا في ذلك إلى القاعدة الترجيحية التي نحن بصدد الحديث عنها، وفي ذلك يقول: " وحكم هذه الآية باق غير منسوخ عند جمهور أهل العلم، وروي هذا عن ابن عباس، وبه قال مالك، والشافعي، وجمهور أهل العلم، لكنهم جعلوا عموم هذه الآية مخصوصاً بآية: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ " (٣). وممن سبق ابن عاشور إلى هذا الترجيح بناءً على القاعدة ابن عطية، والرازي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي.

стр. 518

ورجّح الطبري ومثله القرطبي هذا القول بناءً على أنه لا يوجد دليل على النسخ (١). حجة القائلين بأن الآية منسوخة: زعموا أنها منسوخة بقوله تعالى في السورة نفسها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ إلى تمام الآيتين (٢) أي فنسخ التخفيف عنهم والإطلاق لهم أن يولوا ممن هو أكثر من هذا العدد (٣). حجة القائلين بأن الآية خاصة في أهل بدر: استدلوا بما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: نزلت في يوم بدر ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ (٤). وبين الرازي في تفسيره وجه قولهم أنها مختصة بيوم بدر وذلك من عدة

стр. 519

أمور: أحدها: إن رسول الله ﷺ كان حاضراً يوم بدر ومع حضوره لا يعد غيره فيه، أما لأجل أنه لا يساوي به سائر الفئات , بل هو أشرف وأعلى من الكل، وأما لأجل أن الله تعالى وعده بالنصر والظفر فلم يكن لهم التحيز إلى فئة أخرى. وثانيها: إنه تعالى شدد الأمر على أهل بدر، لأنه كان أول الجهاد ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه، لزم منه الخلل العظيم، فلهذا وجب عليهم التشدد والمبالغة، ولهذا السبب منع الله في ذلك اليوم من أخذ الفداء من الأسرى (١). وذكر القرطبي أن أصحاب هذا القول احتجوا بقوله تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فقالوا: هو إشارة إلى يوم بدر (٢). حجة القائلين بأن الآية محكمة وأنها من قبيل العموم: قالوا: إن الحكم المذكور في هذه الآية كان عاماً في جميع الحروب، بدليل أن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (٣) عام فيتناول جميع السور، أقصى ما في الباب أنه نزل في واقعة بدر، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٤).

стр. 520

قال ابن كثير: " وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر، وإن كان سبب النزول فيهم، كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم، من أن الفرار من الزحف من الموبقات، كما هو مذهب الجماهير والله أعلم " (١) قال ابن عاشور: " (والوجه في الاستدلال أن هذه الآية اشتملت على صيغ عموم في قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ إلى قوله ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وهي من جانب آخر مطلقة في حالة اللقاء من قوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ (٢) فتكون آيات ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ ... ﴾ (٣) مخصصة لعموم هاته الآية بمقدار العدد ومقيدة لإطلاقها اللقاء بقيد حالة ذلك العدد" (٤).

стр. 521

القول الراجح: إن الآية محكمة وليست منسوخة , والعموم الذي يفيده قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ قد خصص بما في الآيتين، فلم يعد كل من يولي الكفار دبره في القتال مستحقاً للوعيد الذي في الآية، وإنما قصر هذا الوعيد على من فرّ أمام عدو لا يزيد على مثليه (١). ومما يعضد هذا الترجيح قاعدة (الأصل عدم النسخ مالم يقم دليل صحيح صريح على خلاف ذلك)، وقد رجّح بها الطبري فقال: " وإنما قلنا هي محكمة غير منسوخة، لما قد بينا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره أنه لا يجوز أن يحكم لحكم آية بنسخ، وله في غير النسخ وجه، إلا بحجة يجب التسليم لها، من خبر يقطع العذر، أو حجة عقل، ولا حجة من هذين المعنيين تدل على نسخ حكم قول الله : ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ " (٢). كما يعضد هذا القول ويقويه القاعدة الترجيحية (النسخ لا يقع في الأخبار) وقد ذكر ابن العربي أن النسخ هنا لا يجوز لأنه وعيد، والوعيد لا ينسخ لأنه خبر (٣).

стр. 522

وردّ أبو حيان على من استدل بقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بأنه خاص بيوم بدر فقال: " وهذا القول بأن الإشارة بقوله يومئذ لا يظهر إلى يوم بدر؛ لأنّ ذلك في سياق الشرط وهو مستقبل فإن كانت الآية نزلت يوم بدر قبل انقضاء القتال فيوم بدر فرد من أفراد لقاء الكفار فيندرج فيه ولا يكون خاصاً به وإن كانت نزلت بعده فلا يدخل يوم بدر فيه بل يكون ذلك استئناف حكم في الاستقبال" (١).

стр. 523

الفصل الرابع قواعد الترجيح المتعلقة بالقراءات ورسم المصحف وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: القراءات المتواترة حق كلها نصاً ومعنى لا يجوز ردها أو رد معناها. المبحث الثاني: الأصل توافق القراءات في المعنى. المبحث الثالث: اختلاف القراءات في ألفاظ القرآن الكريم يكثر المعاني في الآية الواحدة. المبحث الرابع: تأتي القراءة في معنى الترجيح لأحد المعاني القائمة من الآية. المبحث الخامس: التفسير الموافق لرسم المصحف مقدم على غيره من التفاسير

стр. 524

المبحث الأول القراءات المتواترة حق كلها نصاً ومعنى لا يجوز ردها أو رد معناها صورة القاعدة: إذا ثبتت القراءة فلا يجوز ردها أو ردّ معناها، بل يجب قبولها وقبول معناها، وكل طاعن أو راد لها أو لمعناها الذي تؤدي إليه فقوله ردّ عليه (١). شرح مفردات القاعدة: القراءة لغة: مشتقة من مادة (قرأ) وهي مصدر للفعل قرأ، يقال: قرأ يقرأ قرآناً وقراءة، فكل منهما مصدر للفعل، وهو على وزن " فعالة"، وهذا اللفظ يستعمل للمعاني التالية: ١ - الجمع والضم: أي جمع وضم الشيء إلى بعضه، ومنه قولهم: (وما قرأتْ الناقة جنيناً) أي لم تضم رحمها على ولد. ٢ - التلاوة: وهي النطق بالكلمات المكتوبة، ومنه قولهم: (قرأت الكتاب) أي تلوته، وسميت التلاوة قراءة؛ لأنها ضم لأصوات الحروف في الذهن لتكوين الكلمات التي ينطق بها (٢). اصطلاحاً: لعلماء القراءات تعريفات متعددة للقراءات (٣) أذكر منها تعريف

стр. 525

ابن الجزري وهو: " علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة " (١). المتواترة: التواتر في اللغة: التتابع، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (٢) أي واحدا بعد واحد (٣). اصطلاحاً: القراءة التي نقلها جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهى السند (٤). وهذه القاعدة من القواعد التي اعتنى بها ابن عاشور في تفسيره حيث يقول: " اتفق علماء القراءات والفقهاء على أن كل قراءة وافقت وجها في العربية , ووافقت خط المصحف أي مصحف عثمان , وصح سند راويها؛ فهي قراءة صحيحة لا يجوز ردها " (٥). ولابن عاشور موقف مختلف في القراءات المتواترة حيث يرى أن القراءة إذا كانت متواترة فإنها غنية عن بقية الشروط التي نص عليها العلماء , وتواترها

стр. 526

كاف لقبولها. ومن قوله في ذلك: " وما ذكر من شرط موافقة القراءة لما في مصحف عثمان لتكون قراءة صحيحة تجوز القراءة بها، إنما هو بالنسبة للقراءات التي لم تُرو متواترة " (١). ومما يدل على استحضاره أيضاً لهذه القاعدة في تفسيره أنه بعد أن ذكر رد أبي بكر السراج (٢) لقراءة (ملك) .. علّق بعد ذلك قائلاً: " وكلتاهما صحيحة ثابتة كما هو شأن القراءات المتواترة " (٣). أقوال العلماء في هذه القاعدة: قال ابن الجزري: " كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، سواء أكانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة، أو

стр. 527

عن غيرهم من الأئمة المقبولين .. " (١). وقال الزرقاني: "لعلماء القراءات ضابط مشهور يزنون به الروايات الواردة في القراءات فيقول كل قراءة وافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديرا ووافقت العربية ولو بوجه وصح إسنادها ولو كان عمن فوق العشرة من القراء فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن " (٢). وهذا الضابط نظمه صاحب الطيبة فقال: وكل ما وافق وجه النحو ... وكان للرسم احتمالا يحوي وصح إسنادا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان وحيثما يختل ركن أثبت ... شذوذه لو أنه في السبعة (٣). الأمثلة التطبيقية على القاعدة: ١ - قراءة "الأرحام": قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٤).

стр. 528

اختلف القراء في قراءة الأرحام بين نصب الميم وكسرها (١)، وقد ساق ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره فقال: " ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ قرأه الجمهور بالنصب عطفاً على اسم الله , وقرأه حمزة بالجرّ عطفاً على الضمير المجرور، فعلى قراءة الجمهور يكون: "الأرحام " مأموراً بتقواها على المعنى المصدري أي اتّقائها، وهو على حذف مضاف، أي اتّقاء حقوقها، فهو من استعمال المشترك في معنييه، وعلى هذه القراءة فالآية ابتداء تشريع وهو ممّا أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وعلى قراءة حمزة يكون: تعظيماً لشأن الأرحام أي التي يسأل بعضكم بعضاً بها، وذلك قول العرب: «ناشدتك اللَّه والرحم» (٢). كما روي في «الصحيح»: أنّ النبي ﷺ حين قرأ على عتبة بن ربيعة سورة فصّلت حتّى بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (٣) فأخذت عتبة رهبة وقال: ناشدتك اللَّه والرحم " (٤). ومما يدل على استحضار ابن عاشور لهذه القاعدة في تفسيره أنه بعد أن أشار إلى تضعيف النحاة لقراءة الجر قال: " وهو ظاهر محمل هذه الرواية , وإن

стр. 529

أباه جمهور النحاة استعظاماً لعطف الاسم على الضمير المجرور بدون إعادة الجارّ، حتّى قال المبرّد: «لو قرأ الإمام بهاته القراءة لأخذت نعلي وخرجت من الصلاة» وهذا من ضيق العطن وغرور بأنّ العربية منحصرة فيما يعلمه " (١). وممن استحضر هذه القاعدة من المفسرين وذهب إلى ما ذهب إليه ابن عاشور: الرازي والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والألوسي، والقاسمي، حيث ذكروا كلا القراءتين وأخذوا بها وبمعناها , وذلك بناء على أن كلا القراءتين متواترتان (٢). في حين أن الشوكاني وقف موقفاً مختلفاً حيث أخذ بقراءة الجر مع أنه لا يرى أنها متواترة، وإنما احتج بها لورود مثلها في أشعار العرب، كما في قول بعضهم: وحسبك والضحاك سيف مهند ... وقول الآخر: وقد رام آفاق السماء فلم يجد ... له مصعداً فيها ولا الأرض مقعداً فسواها في موضع جرّ عطفاً على الضمير في فيها. ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ (٣) (٤).

стр. 530

أما الطبري وابن عطية فقد رجّحا في تفسيريهما، قراءة النصب ولم يجيزا غيرها، وردّا قراءة الجر (١). حجة أصحاب القول الأول وهم الذين يرون الأخذ بكلا القراءتين: حجتهم في ذلك أن كلا القراءتين متواترتان حيث ذكرهما مجاهد في السبعة، والداني في التيسير، والشاطبي في نظمه (٢) والجزري في النشر، وبناء على أن كلا القراءتين متواترتان ذهب معظم المفسرين إلى الأخذ بهما وبمعناهما. وقد بيّن أبو علي الفارسي وجه كل قراءة فقال: " من نصب الأرحام احتمل انتصابه وجهين: أحدهما: أن يكون معطوفاً على موضع الجار والمجرور. والآخر: أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿وَاتَّقُوا﴾، التقدير: اتقوا الله الذي تساءلون به. واتقوا الأرحام أي اتقوا حق الأرحام فصلوها ولا تقطعوها. وأما من جرّ الأرحام فإنه عطفه على الضمير المجرور بالباء " (٣). حجة أصحاب القول الثاني وهم الذين ردوا قراءة الجر: ردّ الطبري هذه القراءة معللاً ذلك بأن العرب لا تعطف بظاهر من الأسماء على مكني في حال الخفض، إلا في ضرورة شعر، وهذا قوله: " والقراءة التي لا نستجيز لقارئٍ أن يقرأ غيرها في ذلك، النصب: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ
следующие страницы →