← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 20876

قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير

عبير بنت عبد الله النعيم

Полный текст (980 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

كاف لقبولها. ومن قوله في ذلك: " وما ذكر من شرط موافقة القراءة لما في مصحف عثمان لتكون قراءة صحيحة تجوز القراءة بها، إنما هو بالنسبة للقراءات التي لم تُرو متواترة " (١). ومما يدل على استحضاره أيضاً لهذه القاعدة في تفسيره أنه بعد أن ذكر رد أبي بكر السراج (٢) لقراءة (ملك) .. علّق بعد ذلك قائلاً: " وكلتاهما صحيحة ثابتة كما هو شأن القراءات المتواترة " (٣). أقوال العلماء في هذه القاعدة: قال ابن الجزري: " كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، سواء أكانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة، أو

стр. 527

عن غيرهم من الأئمة المقبولين .. " (١). وقال الزرقاني: "لعلماء القراءات ضابط مشهور يزنون به الروايات الواردة في القراءات فيقول كل قراءة وافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديرا ووافقت العربية ولو بوجه وصح إسنادها ولو كان عمن فوق العشرة من القراء فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن " (٢). وهذا الضابط نظمه صاحب الطيبة فقال: وكل ما وافق وجه النحو ... وكان للرسم احتمالا يحوي وصح إسنادا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان وحيثما يختل ركن أثبت ... شذوذه لو أنه في السبعة (٣). الأمثلة التطبيقية على القاعدة: ١ - قراءة "الأرحام": قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٤).

стр. 528

اختلف القراء في قراءة الأرحام بين نصب الميم وكسرها (١)، وقد ساق ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره فقال: " ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ قرأه الجمهور بالنصب عطفاً على اسم الله , وقرأه حمزة بالجرّ عطفاً على الضمير المجرور، فعلى قراءة الجمهور يكون: "الأرحام " مأموراً بتقواها على المعنى المصدري أي اتّقائها، وهو على حذف مضاف، أي اتّقاء حقوقها، فهو من استعمال المشترك في معنييه، وعلى هذه القراءة فالآية ابتداء تشريع وهو ممّا أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وعلى قراءة حمزة يكون: تعظيماً لشأن الأرحام أي التي يسأل بعضكم بعضاً بها، وذلك قول العرب: «ناشدتك اللَّه والرحم» (٢). كما روي في «الصحيح»: أنّ النبي ﷺ حين قرأ على عتبة بن ربيعة سورة فصّلت حتّى بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (٣) فأخذت عتبة رهبة وقال: ناشدتك اللَّه والرحم " (٤). ومما يدل على استحضار ابن عاشور لهذه القاعدة في تفسيره أنه بعد أن أشار إلى تضعيف النحاة لقراءة الجر قال: " وهو ظاهر محمل هذه الرواية , وإن

стр. 529

أباه جمهور النحاة استعظاماً لعطف الاسم على الضمير المجرور بدون إعادة الجارّ، حتّى قال المبرّد: «لو قرأ الإمام بهاته القراءة لأخذت نعلي وخرجت من الصلاة» وهذا من ضيق العطن وغرور بأنّ العربية منحصرة فيما يعلمه " (١). وممن استحضر هذه القاعدة من المفسرين وذهب إلى ما ذهب إليه ابن عاشور: الرازي والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والألوسي، والقاسمي، حيث ذكروا كلا القراءتين وأخذوا بها وبمعناها , وذلك بناء على أن كلا القراءتين متواترتان (٢). في حين أن الشوكاني وقف موقفاً مختلفاً حيث أخذ بقراءة الجر مع أنه لا يرى أنها متواترة، وإنما احتج بها لورود مثلها في أشعار العرب، كما في قول بعضهم: وحسبك والضحاك سيف مهند ... وقول الآخر: وقد رام آفاق السماء فلم يجد ... له مصعداً فيها ولا الأرض مقعداً فسواها في موضع جرّ عطفاً على الضمير في فيها. ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ (٣) (٤).

стр. 530

أما الطبري وابن عطية فقد رجّحا في تفسيريهما، قراءة النصب ولم يجيزا غيرها، وردّا قراءة الجر (١). حجة أصحاب القول الأول وهم الذين يرون الأخذ بكلا القراءتين: حجتهم في ذلك أن كلا القراءتين متواترتان حيث ذكرهما مجاهد في السبعة، والداني في التيسير، والشاطبي في نظمه (٢) والجزري في النشر، وبناء على أن كلا القراءتين متواترتان ذهب معظم المفسرين إلى الأخذ بهما وبمعناهما. وقد بيّن أبو علي الفارسي وجه كل قراءة فقال: " من نصب الأرحام احتمل انتصابه وجهين: أحدهما: أن يكون معطوفاً على موضع الجار والمجرور. والآخر: أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿وَاتَّقُوا﴾، التقدير: اتقوا الله الذي تساءلون به. واتقوا الأرحام أي اتقوا حق الأرحام فصلوها ولا تقطعوها. وأما من جرّ الأرحام فإنه عطفه على الضمير المجرور بالباء " (٣). حجة أصحاب القول الثاني وهم الذين ردوا قراءة الجر: ردّ الطبري هذه القراءة معللاً ذلك بأن العرب لا تعطف بظاهر من الأسماء على مكني في حال الخفض، إلا في ضرورة شعر، وهذا قوله: " والقراءة التي لا نستجيز لقارئٍ أن يقرأ غيرها في ذلك، النصب: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ

стр. 531

وَالأرْحَامَ)، بمعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، لما قد بينا أن العرب لا تعطف بظاهرٍ من الأسماء على مكنيّ في حال الخفض، إلا في ضرورة شعر " (١). كما وصف مكي هذه القراءة بأنها قبيحة عند البصريين، قليلة في الاستعمال، بعيدة عن القياس، لأن المضمر في "به" عوض من التنوين، والمضمر المخفوض لا ينفصل عن الحرف، ولا يقع بعد حرف العطف، ولأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان، يحسن في أحدهما ما يحسن في الآخر، ويقبح في أحدهما ما يقبح في الآخر فكما لا يجوز: واتقوا الله الذي تسألون بالأرحام، فكذلك لا يحسن: تساءلون به والأرحامِ (٢). وكذلك استبعد المهدوي (٣) هذه القراءة (٤). وعلق الزمخشري عليها بأنها غير سديدة (٥)، كما ردّ ابن عطية هذه القراءة بقوله: " ويرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان (٦):

стр. 532

أحدهما: أن ذكر الأرحام فيما يتساءل به لا معنى له في الحض على تقوى الله، ولا فائدة فيه أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها، وهذا تفرق في معنى الكلام وغض من فصاحته، وإنما الفصاحة في أن يكون لذكر الأرحام فائدة مستقلة. والوجه الثاني: أن في ذكرها على ذلك تقريراً للتساؤل بها والقسم بحرمتها، والحديث الصحيح يرد ذلك في قوله ﷺ : «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» (١). وذكر الرازي في تفسيره الوجوه التي ذكرها العلماء والتي تقتضي فساد هذه القراءة فقال: " أولها: قول أبي علي الفارسي: المضمر المجرور بمنزلة الحرف، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر (٢). وثانيها: قول علي بن عيسى: إنهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع , فلا يجوز أن يقال: اذهب وزيد، وذهبت وزيد بل يقولون: اذهب أنت وزيد، وذهبت أنا وزيد. قال تعالى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ (٣) مع أن المضمر المرفوع قد ينفصل فإذا لم يجز عطف المظهر على المضمر المجرور

стр. 533

مع انه أقوى من المضمر المجرور بسبب أنه قد ينفصل، فلأن لا يجوز عطف المظهر على المضمر المجرور مع أنه ألبتة لا ينفصل كان أولى. وثالثها: قال أبو عثمان المازني: المعطوف والمعطوف عليه متشاركان، وإنما يجوز عطف الأول على الثاني لو جاز عطف الثاني على الأول، وههنا هذا المعنى غير حاصل، وذلك لأنك لا تقول: مررت بزيدوك، فكذلك لا تقول: مررت بك وزيد ". ثم علّق الرازي على هذه الأوجه بقوله: " واعلم أن هذه الوجوه ليست وجوها قوية في دفع الروايات الواردة في اللغات، وذلك لأن حمزة أحد القراء السبعة، والظاهر أنه لم يأت بهذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عن رسول الله ﷺ ، وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة، والقياس يتضاءل عند السماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التي هي أوهن من بيت العنكبوت " (١). القول الراجح: هو صحة ما ذهب إليه ابن عاشور ومن سبقه من المفسرين من وجوب الأخذ بكلا القراءتين، وذلك أن كل قراءة منهما قراءة متواترة عن النبي ﷺ (٢). أما من ردَّ قراءة الجر فقد اعترض عليه عدد من العلماء منهم القرطبي , ومن قوله:

стр. 534

" ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي ﷺ تواترا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي ﷺ , فمن رد ذلك فقد رد على النبي ﷺ ، واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور، ولا يُقلَّد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تتلقى من النبي ﷺ ، ولا يشك أحد في فصاحته " (١). وذكر أبو حيان أن ما ذهب إليه أهل البصرة وتبعهم فيه الزمخشري (٢) وابن عطية من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار، ومن اعتلالهم لذلك غير صحيح، وأن الصحيح مذهب الكوفيين في ذلك وأنه يجوز. وعلق على قول ابن عطية وردّه لقراءة الجر ووصفه بأنه: "جسارة قبيحة منه لا تليق بحاله ولا بطهارة لسانه , حيث عمد إلى قراءة متواترة عن رسول الله ﷺ قرأ بها سلف الأمة، واتصلت بأكابر قراء الصحابة الذين تلقوا القرآن من في رسول الله ﷺ بغير واسطة عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأقرأ الصحابة أُبيّ بن كعب ,عمدَ إلى ردّها بشيء خطر له في ذهنه، وجسارته هذه لا تليق إلا بالمعتزلة كالزمخشري، فإنه كثيراً ما يطعن في نقل القراء وقراءتهم، وحمزة ﵁: أخذ القرآن عن سليمان بن مهران الأعمش، وحمدان

стр. 535

بن أعين، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد الصادق، ولم يقرأ حمزة حرفاً من كتاب الله إلا بأثر. وكان حمزة صالحاً ورعاً ثقةً في الحديث، وهو من الطبقة الثالثة، ولد سنة ثمانين وأحكم القراءة وله خمس عشرة سنة، وأمَّ الناس سنة مائة، وعرض عليه القرآن من نظرائه جماعة منهم: سفيان الثوري، والحسن بن صالح. ومن تلاميذه جماعة منهم إمام الكوفة في القراءة والعربية أبو الحسن الكسائي، وقال الثوري وأبو حنيفة ويحيى بن آدم: غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض " (١). كما أن هذا القول تعضده قاعدة أخرى وهي: (اختلاف القراءات في ألفاظ القرآن الكريم يكثّر المعاني القائمة في الآية الواحدة) وهذه القاعدة رجّح بها ابن عاشور، ومما يدل عليها من خلال المثال السابق قول ابن عاشور: " فعلى قراءة الجمهور يكون الأرحام مأموراً بتقواها على المعنى المصدري أي اتّقائها، وهو على حذف مضاف، أي اتّقاء حقوقها، فهو من استعمال المشترك في معنييه، وعلى هذه القراءة فالآية ابتداء تشريع وهو ممّا أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾. وعلى قراءة حمزة يكون تعظيماً لشأن الأرحام أي التي يسأل بعضكم بعضاً بها، وذلك قول العرب: «ناشدتك اللَّه والرحم " (٢). ٢ - قراءة الشركاء:

стр. 536

قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (١). اختلف المفسرون تعالى في قراءة قوله: ﴿زَيَّنَ﴾ (٢). وقد ذكر ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره فقال: " قرأ الجمهور: (زَيَّنَ) بفتح الزاي ونصب: (قتل) على المفعوليّة لـ (زيَّن)، ورفعِ شركاؤهم على أنّه فاعل: (زين)، وجرّ (أولادهم) بإضافة قَتْل إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله. وقرأه ابن عامر: (زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائِهم) ببناء فعل (زين) للنّائب، ورفع (قتل) على أنه نائب الفاعل، ونصب (أولادهم) على أنَّه مفعول (قتل)، وجَرّ (شركائهم) على إضافة (قتل) إليه من إضافة المصدر إلى فاعله، وكذلك رسمت كلمة (شركائهم) في المصحف العثماني الّذي ببلاد الشّام، وذلك دليل على أنّ الّذين رَسموا تلك الكلمة راعوا قراءة (شركائهم) بالكسر وهم من أهل الفصاحة والتّثبت في سند قراءات القرآن، إذ كتب كلمة (شركائهم) بصورة الياء بعد الألف، وذلك يدلّ على أنّ الهمزة مكسورة ". ثم فسّر ابن عاشور المعنى على قراءة ابن عامر بقوله: " والمعنى، على هذه

стр. 537

القراءة: أنّ مزيِّنا زَيَّن لكثير من المشركين أن يَقْتُلَ شركاؤُهم أولادَهم، فإسناد القتل إلى الشّركاء على طريقة المجاز العقلي إمّا لأنّ الشّركاء سبب القتل إذا كان القتل قُرباناً للأصنام، وإمَّا لأنّ الّذين شرعوا لهم القتل هم القائمون بديانة الشّرك مثل عمرو بن لُحي ومن بعده، وإذا كان المراد بالقتل الوأْدَ، فالشركاء سببَ وإن كان الوأد قُرباناً للأصنام وإن لم يكن قرباناً لهم (وهو المعروف) فالشركاء سبب السبب، لأنه من شرائع الشرك " (١). ومما يؤكد استحضار ابن عاشور لهذه القاعدة أنه بعد أن أشار إلى من ضعّف هذه القراءة ردّ عليه فقال: " وهذه القراءة ليس فيها ما يناكد فصاحة الكلام؛ لأنّ الإعراب يُبيِّن معاني الكلمات ومواقعها، وإعرابها مختلف من رفع ونصب وجرّ بحيث لا لبس فيه، وكلماتها ظاهرٌ إعرابها عليها، فلا يعدّ ترتيب كلماتها على هذا الوصف من التّعقيد المخلّ بالفصاحة ... . وليس في الآية ممّا يخالف متعارف الاستعمال إلاّ الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، والخَطْبُ فيه سهل: لأنّ المفعول ليس أجنبياً عن المضاف والمضاف إليه، وجاء الزمخشري في ذلك بالتّهويل، والضّجيج والعويل، كيف يفصَل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول. وقال أيضاً بعد أن ذكر رأي ابن عطية في هذه القراءة وتضعيفه لها: " وهذا لا يثبت ضعف القراءة لأن الندور لا ينافي الفصاحة " (٢).

стр. 538

كما استغرب ابن عاشور استبعاد الطبري لهذه القراءة فقال: " ومن العجيب قول الطّبري: " والقراءَة الّتي لا أستجيز غيرها بفتح الزاي ونصب: (القتل) وخفض: (أولادهم) ورفع: (شركائهم). وذلك على عادته في نصب نفسه حكماً في التّرجيح بين القراءات " (١) (٢).

стр. 539

وموقف ابن عاشور ممن رد تلك القراءة يبيّن لنا مدى امتثال ابن عاشور لهذه القاعدة وهي (القراءات المتواترة حق كلها نصاً ومعنى لا يجوز ردها ولا رد معناها). وممن استحضر هذه القاعدة من المفسرين وذهب إلى ما ذهب إليه ابن عاشور: القرطبي، وأبو حيان، والألوسي، والقاسمي (١). في حين ردّ الطبري وابن عطية والرازي، والشوكاني قراءة ابن عامر (٢). ولم يشر ابن كثير ولا الشنقيطي إلى هذه القراءة. حجة أصحاب القول الأول وهم اللذين أخذوا بكلا القراءتين وبمعنييهما: حجتهم في ذلك أن كلا القراءتين متواترتان عن النبي ﷺ (٣). قال ابن عاشور بعد أن أشار إلى توهين الزمخشري لقراءة ابن عامر قال: " وهذا جري على عادة الزمخشري في توهين القراءات المتواترة، إذا خالفت ما دُوّن عليه علم النّحو، لتوهّمه أنّ القراءات اختيارات وأقيسة من القُرّاء، وإنَّما

стр. 540

هي روايات صحيحة متواترة وفي الإعراب دلالة على المقصود لا تناكد الفصاحة , ومُدوّناتُ النّحو ما قصد بها إلاّ ضبط قواعد العربيّة الغالبة ليجري عليها النّاشئون في اللّغة العربيّة، وليست حاصرة لاستعمال فصحاء العرب، والقرّاءُ حجّة على النّحاة دون العكس " (١). وكذلك نقل القاسمي في تفسيره كلاما جيداً للناصر في الانتصاف ومن قوله: " لقد ركب الزمخشري متن عمياء، وتاه في تيهاء، وأنا أبرأ إلى الله، وأبرئ حملة كتابه، وحفظة كلامه، مما رماهم به، فإنه تخيل أن القراء أئمة الوجوه السبعة، اختار كل منهم حرفاً به اجتهاداً، لا نقلاً وسماعاً، فلذلك غلط ابن عامر في قراءته هذه، وأخذ يبين أن وجه غلطه رؤيته الياء ثابتة في (شركائهم)، ... إلى أن قال: ولم يعلم الزمخشري أن هذه القراءة بنصب الأولاد، والفصل بين المضاف والمضاف إليه بها يعلم ضرورة أن النبي ﷺ قرأها على جبريل، كما أنزلها عليه، ثم تلاها النبي ﷺ على عدد التواتر من الأئمة، ولم يزل عدد التواتر من يتناقلونها، ويقرؤون بها، خلفاً عن سلف، إلى أن انتهت إلى ابن عامر، فقرأها أيضاً كما سمعها، فهذا معتقد أهل الحق في جميع الوجوه السبعة أنها متواترة جملة وتفصيلاً عن أفصح من نطق بالضاد ﷺ فإذا علمت العقيدة الصحيحة فلا مبالاة بعدها بقول الزمخشري، ولا بقول أمثاله ممن لحن ابن عامر" (٢).

стр. 541

حجة أصحاب القول الثاني وهم الذين أخذوا قراءة الجمهور بالنصب وردوا قراءة ابن عامر بالضم: وصف الطبري هذه القراءة بأن معناها غير فصيح في كلام العرب (١). وقال بعد أن رجّح قراءة الجمهور ورد قراءة ابن عامر: وإنما قلت: "لا أستجيز القراءة بغيرها؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه، وأن تأويل أهل التأويل بذلك ورد، ففي ذلك أوضح البيان على فساد ما خالفها من القراءة " (٢) ... . وكذلك ضعّفها ابن عطية بقوله: " وهذه قراءة ضعيفة في استعمال العرب، وذلك أنه أضاف القتل إلى الفاعل وهو الشركاء، ثم فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، ورؤساء العربية لا يجيزون الفصل بالظروف في مثل هذا إلا في الشعر (٣). القول الراجح هو ما ذهب إليه ابن عاشور وغيره من المفسرين من الأخذ بكلا القراءتين؛ وذلك لتواترهما عن النبي ﷺ . وعرض أبو حيان إلى قراءة ابن عامر وموقف النحاة منها وذكر ما يدلل على استحضاره لهذه القاعدة فقال: " فجمهور البصريين يمنعونها - متقدموهم ومتأخروهم- ولا يجيزون ذلك إلا في ضرورة الشعر، وبعض النحويين أجازها وهو الصحيح لوجودها في هذه القراءة المتواترة المنسوبة إلى العربي الصريح

стр. 542

المحض ابن عامر الآخذ القرآن عن عثمان بن عفان قبل أن يظهر اللحن في لسان العرب، ولوجودها أيضاً في لسان العرب في عدة أبيات قد ذكرناها في كتاب منهج السالك من تأليفنا ولا التفات إلى قول ابن عطية " (١). قال الشاطبي في فرش سورة الأنعام: وزين في ضم وكسر ورفع قتـ ... ـل أولادهم بالنصب شاميهم تلا ويخفض عنه الرفع في شركاؤهم ... وفي مصحف الشاميين بالياء مثلا ومفعوله بين المضافين فاصل ... ولم يلف غير الظرف في الشعر فيصلا كلله در اليوم من لامها فلا ... تلم من مليمي النحو إلا مجهّلا ومع رسمه زجّالقلوص أبي مزا ... دة الأخفش النحوي أنشد مجملا (٢) كما ذكر الألوسي كلاماً جميلاً يدل على مدى استحضاره لهذه القاعدة أيضاً حيث يقول: " وبعد هذا كله لو سلمنا أن قراءة ابن عامر منافية لقياس العربية , لوجب قبولها أيضاً بعد أن تحقق صحة نقلها كما قبلت أشياء نافت القياس مع أن صحة نقلها دون صحة القراءة المذكورة بكثير، وما ألطف قول الإمام على ما حكاه عنه الجلال السيوطي، وكثيراً ما أرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهد في تقريره ببيت مجهول فرحوا به وأنا شديد التعجب منهم لأنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلاً على صحته فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلاً على صحته كان أولى " (٣).

стр. 543

٣ - قراءة مصرخي: قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). وردت قراءتان في قوله: بمصرخي: قرأ حمزة (بمصرخي) بكسر الياء، وهي لغة حكاها الفراء، وقطرب (٢)، وأجازها أبو عمرو , والباقون بفتحها. وقد اتفق العلماء جميعاً على قراءة الفتح، واضطربت أقوال بعضاً منهم في قراءة الجر، وهي قراءة حمزة فمن مجترئ عليها، ملحن لقارئها، ومن مجوز لها من غير ضعف، ومن مجوز لها بضعف (٣).

стр. 544

وقد فصّل في ذلك ابن عاشور فقال: "قرأ الجمهور (بِمُصرِخيَّ) بفتح التحتية مشددةً. وأصله بمصرخِييَ بياءين أولاهما ياء جمع المذكر المجرور، وثانيتهما ياء المتكلم، وحقها السكون فلما التقت الياءان ساكنتين وقع التخلص من التقاء الساكنين بالفتحة لخفة الفتحة. وقرأ حمزة وخلَف «بِمُصرِخيِّ» بكسر الياء تخلصاً من التقاء الساكنين بالكسرة؛ لأن الكسر هو أصل التخلص من التقاء الساكنين. قال الفراء: تحريك الياء بالكسر لأنه الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، إلا أن كسر ياء المتكلم في مثله نادر. وأنشد في تنظير هذا التخلص بالكسر قول الأغلب العِجْلي (١): قال لها هل لكِ ياتَا فيَّ ... قالت له: ما أنتَ بالمرضيِّ (٢). أراد هل لكِ فيّ يا هذه " (٣). وقال أبو علي الفارسي: " زعم قطرب أنها لغة بني يربوع , وعن أبي عمرو بن العلاء أنه أجاز الكسر، واتفق الجميع على أن التخلص بالفتحة في مثله

стр. 545

أشهر من التخلص بالكسرة وإن كان التخلص بالكسرة هو القياس، وقد أثبته سند قراءة حمزة " (١). ثم ذكر ابن عاشور مايدل على ردّ بعض القراء لقراءة حمزة وهي قراءة الجر فقال: " وقد تحامل عليه الزجاج وتبعه الزمخشري، وسبقهما في ذلك أبو عُبيد، والأخفش بن سعيد، وابن النحاس، ولم يطلع الزجاج والزمخشري على نسبة ذلك البيت للأغلب العِجلي ... . وذكر بعدها ما يدل على تواتر قراءة حمزة، واستحضاره لهذه القاعدة حيث يقول: "وهذه الشروط متوفرة في قراءة حمزة " (٢).ووممن أخذ بهذا القول ممن سبقه من المفسرين القرطبي حيث ذكر قول من ردّ قراءة الجر وذكر ما يفيد ضرورة الأخذ بكلا القراءات المتواترة، وكذلك فعل أبو حيان، والألوسي (٣). أما الطبري فم يذكر هذه القراءة، وذكرها ابن عطية والرازي والشوكاني حيث ذكروا قراءة حمزة ورد بعض القراء لها ولم يعلقوا على ذلك (٤). أما القاسمي فلم يذكر هذه القراءة (٥).

стр. 546

حجة من أخذ بكلا القراءتين ولم يرد قراءة الجر: حجتهم في ذلك أن القراءتين متواترتان ولذلك يجب قبولهما. قال مكي: " عدّ هذه القراءة بعض الناس لحناً، وليست بلحن، إنما هي مستعملة، وقد قال قطرب: إنها لغة في بني يربوع يزيدون على ياء الإضافة ياء، وأنشد هو وغيره شاهداً على ذلك: ماض إذا ماهمَّ بالمضي ................ قال لها: هل لك ياتافي (١). وقال الألوسي في توجيه قراءة الجر: " إن الأصل بمصرخين لي فأضيف وحذفت نون الجمع للإضافة , فالتقت ياء الجمع الساكنة وياء المتكلم , والأصل فيها السكون فكسرت لالتقاء الساكنين وأدغمت .. كما ردّ الألوسي على من طعن في قراءة الجر فقال: " وقد وهموا طعناً وتقليداً فإن القراءة متواترة عن السلف والخلف فلا يجوز أن يقال فيها: إنها خطأ أو قبيحة أو رديئة " (٢). قال ابن عاشور: " والذي يظهر لي أن هذه القراءة قرأ بها بنو يَربوع من تميم، وبنو عِجل بن لُجيم من بكر بن وائل، فقرأوا بلهجتهم أخذاً بالرخصة للقبائل أن يقرأوا القرآن بلهجاتهم وهي الرخصة التي أشار إليها قول النبي ﷺ : " إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه ". كما تقدم في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير " (٣).

стр. 547

حجة من ردّ قراءة حمزة وهي قراءة الجر (بمصرخيِّ): قال الفراء: " وقد خفض الياء من قوله بمصرخي: الأعمش ويحيى بن وثاب جميعا، ولعلها من وهم القراء طبقة يحيى فإنه قلّ من سلم منهم من الوهم , ولعله ظن أن الباء في قوله: بمصرخي خافضة لجملة هذه الكلمة , وهذا خطأ؛ لأن الياء من المتكلم خارجة من ذلك " (١). وقال الزجاج: "هذه قراءة رديئة لا وجه لها إلا وجه ضعيف" (٢). كما ضعّف الزمخشري هذه القراءة بقوله: "وقرئ: بمصرخي بكسر الياء وهي ضعيفة واستشهد لها: قال لها هل لك ياتا في ... قالت له ما أنت بالمرضي وكأنه قدر ياء الإضافة ساكنة وقبلها ياء ساكنة فحركها بالكسر لما عليه أصل التقاء الساكنين , ولكنه غير صحيح؛ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو عصاي فما بالها وقبلها ياء؟ فإن قلت: جرت الياء الأولى مجرى الحرف الصحيح لأجل الإدغام فكأنها ياء وقعت ساكنة بعد حرف صحيح ساكن فحركت بالكسر على الأصل. قلت: هذا قياس حسن ولكن الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر تتضاءل إليه القياسات " (٣). القول الراجح: هو ما ذهب إليه ابن عاشور من الأخذ بكلا القراءتين المتواترتين وفي ذلك

стр. 548

يقول: " واستقر الأمر على قبول كل قراءة صح سندها ووافقت وجهاً في العربية ولم تخالف رسم المصحف , وهذه الشروط متوفرة في قراءة حمزة هذه كما علمت آنفاً فقصارى أمرها أنها تتنزل منزلة ما ينطق به أحد فصحاء العرب على لغة بعض قبائلها بحيث لو قرئ بها في الصلاة لصحت عند مالك وأصحابه " (١). كما أخذ القشيري بقراءة الجر وردّ على من ردّها فقال: " والذي يغني عن هذا أن ما يثبت بالتواتر عن النبي ﷺ فلا يجوز أن يقال فيه هو خطأ أو قبيح أو ردئ، بل هو في القرآن فصيح، وفيه ما هو أفصح منه، فلعل هؤلاء أرادوا أن غير هذا الذي قرأ به حمزة أفصح " (٢).وقال القرطبي: " واستقر الأمر على قبول كل قراءة صح سندها ووافقت وجهاً في العربية ولم تخالف رسم المصحف ". (٣) ٤ - قراءة " لا تحسبن ": قال تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٤). اختلف القراء في قراءة ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ فمنهم من قرأها بتاء الخطاب (لا

стр. 549

تحسبن)، ومنهم من قرأها بياء الغيبة (لا يحسبن) (١)، وقد ساق ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره فقال: " وقراءة الجمهور: (تحسبن) بتاء الخطاب , وقرأ ابن عامر وحمزة وحده بياء الغيبة فصار (الذين كفروا) فاعلّ (يحسبن) فيبقى لـ (يحسبن) مفعول واحد هو (معجزين) " (٢). ويتضح من هذا المثال تطبيق ابن عاشور لهذه القاعدة حيث أخذ بكلا القراءتين كما ردّ على أبي حاتم، والنحاس، والفرّاء تضعيفهم هذه القراءة؛ لأن فعل الحسبان يقتضي مفعولين، وذكر أن هذا جرأة على قراءة متواترة , وذلك بناء على مايراه ويراه غيره من المفسرين من أن القراءات المتواترة حق كلها نصاً ومعنى لا يجوز ردها أو رد معناها. ثم ذكر ابن عاشور قول الزجاج بأن المفعول الأول محذوف تقديره: أنفسهم، وحسّن قوله فقال: " وقد وفق لأن الحذف ليس بعزيز في الكلام. كما قوّى قول الزمخشري أن (في الأرض) هو المفعول الثاني، أي لا يحسبوا ناساً معجزين في الأرض (يعني ما من كائن في الأرض إلا وهو في متناول قدرة الله إن شاء أخذه، أي فلا ملجأ لهم في الأرض كلها) بقوله: «وهذا معنى قوي جيّد» " (٣).

стр. 550

وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين ابن عطية، والرازي، والقرطبي وأبو حيان، وابن كثير، والألوسي حيث ذكروا كلا القراءتين، قراءة السبعة " لا تحسبن" وقراءة حمزة وابن عامر وذكروا توجيهاً لكل منها واقتصر ابن كثير على قراءة التاء "ولا تحسبن" ولم يذكر القراءة الأخرى، وردّ الألوسي بعد أن ساق كلا القراءتين على من اعترض على قراءة حمزة (١). وذكر الشوكاني كلا القراءتين , وساق قول النحاس في تخطئته لقراءة حمزة ولم يعلق على ذلك (٢). في حين رجّح الطبري قراءة لا تحسبن بالتاء، وضعف القراءة بالياء (٣) حجة أصحاب القول الأول وهم الذين يرون الأخذ بكلا القراءتين: حجتهم في ذلك أن كلا القراءتين متواترتان حيث ذكرهما مجاهد في السبعة، والداني في التيسير، والجزري في النشر. قال مكي: "من قرأ " لا تحسبن" أنه ظاهر النص، على الخطاب للنبي ﷺ ، وهو الفاعل، والذين كفروا، ومعجزين مفعولا حسب" (٤). وقال أبوعلي: "ومن قال (يحسبن) بالياء جاز أن يكون فاعل الحسبان أحد

стр. 551

شيئين: إما أن يكون قد تضمن ضميراً للنبي ﷺ ، كأنه: لا يحسبن النبي ﷺ الذين كفروا معجزين، فالذين في موضع نصب بأنه المفعول الثاني، ويجوز أن يكون فاعل الحسبان: الذين كفروا أنفسهم سبقوا " (١). وذكر الرازي لقراءة حمزة عدة أوجه: أحدها: أن يكون معجزين في الأرض هما المفعولان، والمعنى لا يحسبن الذين كفروا أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطمعوا هم في مثل ذلك. وثانيها: أن يكون فيه ضمير الرسول ﷺ لتقدم ذكره في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٢) والمعنى: لا يحسبن الذين كفروا معجزين. وثالثها: أن يكون الأصل ولا يحسبنهم الذين كفروا معجزين، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول (٣). حجة أصحاب القول الثاني وهم الذين ردوا قراءة ابن عامر وحمزة: حجتهم في ذلك ضعيفة في العربية. قال الطبري: "وقد كان بعضهم يقول: "لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا" بالياء، وهو مذهب ضعيف عند أهل العربية; وذلك أنّ "تَحْسَبَ" محتاج إلى منصوبين. وإذا قرئ "يَحْسَبَنَّ" لم يكن واقعا إلا على منصوب واحد، غير أني أحسب أن قائله بالياء ظنّ أنه قد عمل في "مُعْجِزِينَ" وأن منصوبه الثاني " في الأرض"، وذلك لا

стр. 552

معنى له، إن كان ذلك قصد (١). وضعَّف النحاس قراءة حمزة بقوله: " وما علمت أحدا من أهل العربية بصريا ولا كوفيا إلا وهو يخطئ قراءة حمزة، فمنهم من يقول: هي لحن، لأنه لم يأت إلا بمفعول واحد ليحسبن. وقال أيضاً: في هذه القراءة يكون " الذين كفروا " في موضع نصب. قال: ويكون المعنى ولا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين في الأرض " (٢). وقال الفراء: "هو ضعيف، وأجازه على ضعفه، على أنه يحذف المفعول الأول " (٣). القول الراجح: هو ما ذهب إليه ابن عاشور وغيره من المفسرين من الأخذ بكلا القراءتين، وذلك أن كلا القراءتين متواترتان ولا يمكن الطعن في أحد منهما. وردّ الطبري وغيره من العلماء لهذه القراءة غير سديد، وذلك أن هذه القراءة قراءة متواترة، والقراءة المتواترة لا يجوز ردّها ولا ردّ معناها، وقد نعذر أهل العربية في تضعيفهم لهذه القراءة؛ لأنهم ليسوا من أهل الاختصاص في هذا العلم، أما الطبري وهو المفسر العالم بالقراءات قد نعجب كيف يغيب عنه مثل هذا الأمر ولكننا نلتمس له العذر كما تقدم من أن الطبري لم تكن هذه

стр. 553

القراءات حاضرة عنده لكونه متقدم , ولم يكن عند حكمه على هذه القراءة قد رسى علم القراءات. قال الألوسي: " وأيا ما كان فالقراءة المذكورة صحيحة وإن اختلفت مراتب تخريجاتها قوة وضعفا، ومن ذلك يعلم ما في قول النحاس ما علمت أحدا من أهل العربية بصريا ولا كوفيا إلا وهو يخطئ قراءة حمزة فيه من الهذيان والجسارة على الطعن في متواتر من القرآن ولعمري لو كانت القراءة بالرأي لكان اللائق بمن خفي عليه وجه قراءة حمزة أن لا يتكلم بمثل ذلك الكلام ويتهم نفسه ويحجم عن الطعن في ذلك " (١). ومن هنا نرى اهتمام ابن عاشور بهذه القاعدة والتزامه بها وليس ذلك بغريب عليه فهو إمام في القراءات. وفيما يشبه هذا المثال دافع ابن عاشور عن قراءة ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ (٢). حيث طعن أبو حاتم السجستاني (٣) في هذه القراءة فردّ عليه العلامة ابن

стр. 554

عاشور وقال: " وقرأه ابن عامر وحمزة وحفص وأبو جعفر (ولا يحسبن) بالياء التحتية. وهي قراءة مشكلة لعدم وجود المفعول الأول لحسب فزعم أبو حاتم هذه القراءة لحنا, وهذا اجتراء منه على أولئك الأئمة وصحة روايتهم , واحتج لها أبو علي الفارسي بإضمار مفعول أول يدل عليه قوله: (إنهم لا يعجزون) أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا واحتج لها الزجاج بتقدير (أن) قبل (سبقوا) فيكون المصدر سادا مسد المفعولين وقيل: حذف الفاعل لدلالة الفعل عليه والتقدير: ولا يحسبن حاسب" (١). ٥ - قراءة " بضنين ": قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ (٢). اختلف القراء تعالى في قراءة (بضنين) بين الضاد والظاء (٣). وقد ساق ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره فقال: " وقد اختلف القراء في قراءته، فقرأه نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر وخلف وروَح عن يعقوب بالضاد الساقطة التي تخرج من حافة اللسان مما يلي الأضراس، وهي القراءة الموافقة لرسم المصحف.

стр. 555

وقرأه الباقون بالظاء المشالة التي تخرج من طرف اللسان وأصول الثنايا العُليا، وذكر في «الكشاف» أن النبي ﷺ قرأ بهما، وذلك مما لا يحتاج إلى التنبيه، لأن القراءتين مَا كانتا متواترتين إلا وقد رُويتا عن النبي ﷺ " (١). ومما سبق يتبين لنا مدى تطبيق ابن عاشور لهذه القاعدة، ويؤكد هذا قوله بعد ذلك: "ولا شك أن الذين قرأوه بالظاء المشالة من أهل القراءات المتواترة , وهم ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب قد رووه متواتراً عن النبي ﷺ , ولذلك فلا يقدح في قراءتهم كونُها مخالفة لجميع نسخ مصاحف الأمصار، لأن تواتر القراءة أقوى من تواتر الخط إن اعتبر للخط تواتر. وما ذُكر من شرط موافقة القراءة لما في مصحف عثمان لتكون قراءة صحيحة تجوز القراءة بها، إنما هو بالنسبة للقراءات التي لم تُرْو متواترة كما بيناه في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير " (٢). وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين في الأخذ بكلا القراءتين ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والقاسمي، حيث ذكروا كلا القراءتين , ولم يرجحوا أحدهما على الأخرى ,فدلّ ذلك أنهم أخذوا بكلا القراءتين (٣).

стр. 556

في حين مال الطبري إلى القراءة بالضاد (١)، ومال الألوسي إلى القراءة بالظاء (٢). أما عن الحجج التي استند إليها أصحاب كل قراءة في اختياراتهم لها فهي الآتي: حجة أصحاب القول الأول وهم الذين يرون الأخذ بكلا القراءتين: حجتهم في ذلك أن كلا القراءتين متواترة، وقد فسر أصحاب هذا القول كل قراءة بما يلي: قال مكي في كتابه "الكشف عن وجوه القراءات السبع": " (بضنين) قرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء، على معنى " متهم"، أي ليس محمد بمتهم في أن يأتي من عند نفسه بزيادة فيما أوحي إليه، أو ينقص منه شيئاً، ودل على ذلك أنه لم يتعد إلا إلى مفعول واحد، قام مقام الفاعل، وهو مضمر فيه، و " ظننت" إذا كانت بمعنى " اتهمت" لم تتعدَّ إلا إلى مفعول واحد، وقرأ الباقون بالضاد على معنى "ببخيل"، أي ليس محمد ببخيل في بيان ما أوحي إليه وكتمانه، بل يبثه ويبينه للناس " (٣). وقال ابن كثير: " وقوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أي: وما محمد

стр. 557

على ما أنزله الله إليه بظنين، أي: بمتهم. ومنهم من قرأ ذلك بالضاد، أي: ببخيل، بل يبذله لكل أحد. قال سفيان بن عُيَينة: ظنين وضنين سواء، أي: ما هو بكاذب، وما هو بفاجر. والظنين: المتهم، والضنين: البخيل .. وكلاهما متواتر، ومعناه صحيح " (١). حجة أصحاب القول الثاني وهم الذين أخذوا بقراءة الضاد وردُّوا الأخرى: حجتهم في ذلك: موافقتها لرسم المصحف، وبذلك رجّح الطبري هذه القراءة بقوله: " وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب: ما عليه خطوط مصاحف المسلمين متفقة، وإن اختلفت قراءتهم به، وذلك (بِضَنِينٍ) بالضاد، لأن ذلك كله كذلك في خطوطها. فإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين بالصواب في ذلك: تأويل من تأوّله، وما محمد على ما علَّمه الله من وحيه وتنزيله ببخيل بتعليمكموه أيها الناس، بل هو حريص على أن تؤمنوا به وتتعلَّموه " (٢). حجة أصحاب القول الثالث، وهم الذين أخذوا بقراءة الظاء: حجتهم في ذلك أن المعنى يقتضي هذه القراءة لمناسبتها للمقام. قال أبو علي الفارسي: " معنى (بظنين) أي: بمتهم، وهو من ظننت بمعنى اتهمت، ولا يجوز أن تكون هي المتعدية إلى مفعولين، ألا ترى أنه لو كان منه

стр. 558

لوجب أن يلزمه مفعول منصوب؟ لأن المفعول الأول كان يقوم مقام الفاعل إذا تعدى الفعل إلى المفعول الأول، فلا بد من ذكر الآخر، وفي أن لم يذكر الآخر دلالة على أنه ظننت التي معناها: اتهمت " (١). قال ابن عطية: " ورجح أبو عبيد قراءة: الظاء مشالة؛ لأن قريشاً لم تبخل محمداً ﷺ فيما يأتي به وإما كذبته، فقيل ما هو بمتهم " (٢). وقد رجح الألوسي هذه القراءة وهذا قوله: "ورجحت هذه القراءة عليه - أي القراءة بالظاء- بأنها أنسب بالمقام لاتهام الكفرة له صلى الله تعالى عليه وسلم، ونفي التهمة أولى من نفي البخل وبأن التهمة تتعدى بعلى دون البخل فإنه لا يتعدى بها إلا باعتبار تضمينه معنى الحرص ونحوه " ... إلى أن ذكر الألوسي قول الطبري وترجيحة لقراءة الضاد معللا ذلك بأن الضاد خطوط المصاحف كلها , وتعقبه الألوسي بقوله: ولعله أراد بالمصاحف المتداولة فإنهم قالوا بالظاء خط مصحف ابن مسعود " (٣). القول الراجح: أن نأخذ بكلا القراءتين ولا نرجح قراءة على أخرى وذلك أن كلا القراءتين متواترتين عن النبي ﷺ ، حيث ذكرها الداني في التيسير والجزري في النشر (٤).

стр. 559

وهذا هو الذي رجحه ابن عاشور بناءً على القاعدة، وعمل به أكثر المفسرين، أما ما رجحه الطبري من قراءة الضاد على القراءة الأخرى لكون خطوط المصاحف بها فقد قدمت فيما سبق ما ذكره ابن عاشور حيث قعّد قاعدة في ذلك وهي (أنما ذُكر من شرط موافقة القراءة لما في مصحف عثمان لتكون قراءة صحيحة تجوز القراءة بها، إنما هو بالنسبة للقراءات التي لم تُرْو متواترة) ثم أضاف قول أبي عبيدة حيث يقول: " وقد اعتذر أبو عبيدة عن اتفاق مصاحف على كتابتها بالضاد مع وجود الاختلاف فيها بين الضاد والظاء في القراءات المتواترة بأن قال " ليس هذا بخلاف الكتاب لأن الضاد والظاء لا يختلف خطهما في المصاحف إلا بزيادة رأس إحداهما على رأس الأخرى فهذا قد يتشابه ويتدانى " اهـ قال ابن عاشور: " يريد بهذا الكلام أن ما رسم في المصحف ليس مخالفة من كتاب المصاحف للقراءات المتواترة أي أنهم يراعون اختلاف القراءات المتواترة فيكتبون بعض نسخ المصاحف على اعتبار اختلاف القراءات وهو الغالب. وههنا اشتبه الرسم فجاءت الظاء دقيقة الرأس، ولا أرى للاعتذار لأنه لما كانت القراءتان متواترتين عن النبي ﷺ اعتمد كتاب المصاحف على إحداهما , وهي التي قرأ بها جمهور الصحابة وخاصة عثمان ابن عفان وأوكلوا القراءة الأخرى إلى حفظ القارئين. وإذا تواترت قراءة (بضنين) بالضاد الساقطة و (بظنين) بالظاء المشالة علمنا

стр. 560

أن الله أنزله بالوجهين وأنه أراد كلا المعنيين" (١).

стр. 561

المبحث الثاني الأصل توافق القراءات في المعنى صورة القاعدة: إن اتحاد معنى القراءتين أولى من اختلافه؛ فإذا وجد قول يجمع معنى القراءات في الآية، وأمكن القول بمقتضاها جميعاً على معنى واحد فهو أولى الأقوال بتفسير الآية (١). وقد اعتنى ابن عاشور بهذه القاعدة، حيث قرّر في المقدمة الثانية من تفسيره أن الأصل توافق القراءات في مدلول اللفظ المختلف في قراءته (٢). أقوال العلماء في القاعدة: قال مكي في توجيهه لأحد القراءات: "وحمل القراءتين على معنى واحد أحسن" (٣). وقرر السمين الحلبي هذه القاعدة عند مناقشته لبعض القراءات بقوله: "الأصل توافق القراءات " (٤). وكذلك الألوسي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ

стр. 562

يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (١) ... وتوجيهه لقراءة يهدي ذكر قراءة حمزة والكسائي (يَهْدِى) كَيَرْمِي، وهو إما لازم بمعنى يهتدي كما هو أحد استعمالات فعل الهداية على المعول عليه، أو متعد أي لا يهدي غيره، ورجح هذا بأنه الأوفق بما قبل فإن المفهوم منه نفي الهداية لا الاهتداء، وقد يرجح الأول بأن فيه توافق القراءات معنى وتوافقها خير من تخالفها (٢). الأمثلة التطبيقية على القاعدة: ١ - قراءة " مالك ": قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣). اختلف القراء في قراءة (مَالِكِ) (٤) وبناء عليه اختلفوا في معناها: وقد ساق ابن عاشور هذا الاختلاف في تفسيره فقال: " وقوله (ملك) قرأه

стр. 563

الجمهور بدون ألف بعد الميم. وقرأه عاصم والكسائي ويعقوب وخلف (مالك) بالألف. ثمّ فسّر ابن عاشور كلا القراءتين فقال: " فالأول: صفة مشبهة صارت اسماً لصاحب المُلك (بضم الميم). والثاني: اسم فاعل من ملك إذا اتصف بالمِلك (بكسر الميم) وكلاهما مشتق من مَلَك، فأصل مادة ملك في اللغة ترجع تصاريفها إلى معنى الشد والضبط كما قاله ابن عطية، ثم يتصرف ذلك بالحقيقة والمجاز، والتحقيق والاعتبار، وقراءة (ملك) بدون ألف تدل على تمثيل الهيئة في نفوس السامعين لأن المَلِك بفتح الميم وكسر اللام هو ذو المُلك بضم الميم والمُلك أخص من المِلك، إذ المُلك بضم الميم هو التصرف في الموجودات والاستيلاء ويختص بتدبير أمور العقلاء وسياسة جمهورهم وأفرادهم وموَاطنهم فلذلك يقال: مَلِك الناس ولا يقال: مَلك الدواب أو الدراهم، وأما المِلك بكسر الميم فهو الاختصاص بالأشياء ومنافعها دون غيره " (١). ثم يذكر ابن عاشور ما يؤكد هذه القاعدة حيث قال بعد أن ذكر القراءتين: " وقد تصدى المفسرون والمحتجون للقراءات لبيان ما في كل من قراءة (ملك) بدون ألف وقراءة (مالك) بالألف من خصوصيات بحسب قَصْر النظر على مفهوم كلمة ملك ومفهوم كلمة (مالك)، وغفلوا عن إضافة الكلمة إلى يوم الدين، فأما والكلمة مضافة إلى يوم الدين فقد استويا في إفادة أنه المتصرف

стр. 564

في شؤون ذلك اليوم دون شبهة مشارك. ولا محيصَ عن اعتبار التوسع في إضافة (ملك) أو (مالك) إلى (يوم) بتأويل شؤون يوم الدين. على أن (مالك) لغة في (ملك) ففي «القاموس»: «وكأمير وكتف وصاحب ذُو الملك» (١). وممن استحضر هذه القاعدة من المفسرين وذهب إلى ما ذهب إليه ابن عاشور ابن عطية والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي ... (٢) ومفهوم قولهم جميعا أنه وإن كان لكل كلمة أو قراءة خاصية إلا أنهما يعودان لمعنى واحد وهو الملكية. أما الطبري فقد رجّح قراءة (ملك) وذكر تعليلاً على ذلك سيأتي (٣). حجة أصحاب القول الأول وهم الذين يرون الأخذ بكلا القراءتين وأن القراءتين متوافقتان في المعنى: قال الرازي: " والجواب: إن الله تعالى مالك الموجودات، وملكها، بمعنى أنه تعالى قادر على نقلها من الوجود إلى العدم، أو بمعنى أنه قادر على نقلها من صفة إلى صفة، وهذه القدرة ليست إلا لله تعالى، فالملك الحق هو الله ، إذا عرفت أنه الملك الحق فنقول: إنه الملك ليوم الدين وذلك لأن

стр. 565

القدرة على إحياء الخلق بعد موتهم ليست إلا لله، والعلم بتلك الأجزاء المتفرقة من أبدان الناس ليس إلا لله، فإذا كان الحشر والنشر والبعث والقيامة لا يتأتى إلا بعلم متعلق بجميع المعلومات وقدرة متعلقة بجميع الممكنات، ثبت أنه لا مالك ليوم الدين إلا الله " (١). وقال القرطبي: "اختلف العلماء أيما أبلغ: ملك أو مالك؟ والقراءتان مرويتان عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر " (٢). حجة أصحاب القول الثاني وهم الذي اختاروا قراءة (ملك) بدون ألف بعد الميم وبنوا عليه معناها: قال الطبري: " وأولى التأويلين بالآية وأصح القراءتين في التلاوة عندي التأويلُ الأول، وهي قراءةُ من قرأ "مَلِكِ" بمعنى "المُلك". لأن في الإقرار له بالانفراد بالمُلك، إيجابًا لانفراده بالمِلْك، وفضيلة زيادة المِلك على المالك، إذْ كان معلومًا أن لا مَلِك إلا وهو مالكٌ، وقد يكون المالكُ لا ملكًا. وبعدُ، فإن الله جلّ ذكره، قد أخبر عبادَه في الآية التي قبل قوله: ﴿مَالِكِ﴾ (٣) أنه مالكُ جميع العالمين وسيَّدهم، ومُصلحُهم، والناظرُ لهم، والرحيم بهم في الدنيا والآخرة، بقوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٤).
следующие страницы →