← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 20876

قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير

عبير بنت عبد الله النعيم

Полный текст (980 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها " وعاب ابن عاشور على الطبري طعنه في هذا التأويل بأن جواب لولا لا يتقدم عليها وذكر قول أبي عبيدة ومن قوله: " ويدفع هذا الطعن أن أبا عبيدة لما قال ذلك علمنا أنه لا يرى منع تقديم جواب (لولا)، على أنه قد يجعل المذكور قبل (لولا) دليلاً للجواب والجواب محذوفاً لدلالة ما قبل (لولا) عليه. ولا مفرّ من ذلك على كل تقدير فإن (لولا) وشرطها تقييد لقوله: (وهمّ بها) على جميع التأويلات، فما يقدّر من الجواب يقدّر على جميع التأويلات " (١). . ٤ - حرص ابن عاشور على الترجيح بين أقوال المفسرين، كما أنه لا يكتفي بالترجيح فقط، وإنما يذكر سبب الترجيح، فعلى سبيل المثال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢). ذكر خلاف المفسرين وترددهم في المراد من التفث من قوله ﴿تَفَثَهُمْ﴾ وبعد أن ساق أقوال المفسرين رجّح ما يراه راجحاً , وذكر أن ذلك يؤيده ما جاء في السنة. وهذا قوله: " وعندي: أن فعل (ليقضوا) ينادي على أن التفث عمل من أعمال الحج , وليس وسَخاً ولا ظفراً ولا شعراً. ويؤيده ما روي عن ابن عمر وابن عباس آنفاً. وأن موقع (ثمّ) في عطف جملة الأمر على ما قبلها ينادي على معنى التراخي الرتبي فيقتضي أنّ المعطوف بـ (ثمّ) أهم مما ذكر قبلها فإن أعمال

стр. 912

الحج هي المهم في الإتيان إلى مكة، فلا جرم أن التفث هو من مناسك الحجّ وهذا الذي درج عليه الحريري في قوله في المقامة المكية: «فلمّا قضيت بعون الله التفث، واستبحت الطيبَ والرفث، صادف موسم الخَيف، معمعان الصيف» (١). . ٥ - من مميزاته أيضاً أنه لا يكتفي فقط بالترجيح بالقاعدة، وإنما يناقش ويوجّه، ويلوم بعض المفسرين لأنهم لم يلتزموا بالترجيح ضمن القاعدة. على سبيل المثال عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (٢) من سورة البلد رجّح ابن عاشور أن المراد بالكبد التعب الذي يلازم أصحاب الشرك وذلك لتناسب هذا المعنى مع السياق، وعاب على المفسرين إبعادهم في تفسير الكبد وعدم اعتبارهم للسياق حيث يقول: " وقد تعددت أقوال المفسرين في تقرير المراد بالكَبَد، ولم يعرج واحد منهم على ربط المناسبة بين ما يفسِّر به الكَبَد وبين السياق المسوق له الكلام وافتتاحِه بالقسم المشعر بالتأكيد وتوقع الإنكار، حتى كأنَّهم بصدد تفسير كلمة مفردة ليست واقعة في كلام يجب التِئامُه، ويَحِق وئامه. وقد غضُّوا النظر عن موقع فِعل (خلقنا) على تفسيرهم الكبد إذ يكون فعل (خلقنا) كمعذرة للإِنسان الكافر في ملازمة الكَبد له إذ هو مخلوق فيه. وذلك يحط من شدة التوبيخ والذم، فالذي يلتئم مع السياق ويناسب القسم أن الكبد التعب الذي يلازم أصحاب الشرك من اعتقادهم تعدد

стр. 913

الآلهة " (١). وكذلك عند قوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (٢) أبطل عمل بعض المفسرين كالزمخشري في مقارنته بين جبريل والرسول ﷺ ، وعاب عليه عدم النظر إلى سياق الآيات بغية التأصيل للمذهب الاعتزالي ومن قوله: " والمعنى: أن الذي تخاصمونه وتكذبونه وتصفونه بالجنون ليس بمجنون وأنكم مخالطوه وملازموه وتعلمون حقيقته فما قولكم عليه: «إنه مجنون» إلا لقصد البهتان وإساءة السمعة. فهذا موقع هذه الجملة مع ما قبلها وما بعدها، والقصد من ذلك إثبات صدق محمد ﷺ ولا يخطر بالبال أنها مسوقة في معرض الموازنة والمفاضلة بين جبريل ومحمد ﵉ والشهادة لهما بمزاياهما حتى يشم من وفرة الصفات المجراة على جبريل أنه أفضل من محمد ﷺ ولا أن المبالغة في أوصاف جبريل مع الاقتصاد في أوصاف محمد ﷺ تؤذن بتفضيل أولهما على الثاني .. ومن أسمج الكلام وأضعف الاستدلال قول صاحب «الكشاف»: " وناهيك بهذا دليلاً على جلالة مكانة جبريل ﵇ ومباينة منزلته لمنزلة أفضل الإنس محمد ﷺ إذا وازنت بين الذِّكْرين وقايست بين قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ (٣)، وبين قوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ

стр. 914

بِمَجْنُونٍ﴾ (١) اهـ. وكيف انصرف نظرُه عن سياق الآية في الرد على أقوال المشركين في النبي ﷺ ولم يقولوا في جبريل شيئاً لأن الزمخشري رام أن ينتزع من الآية دليلاً لمذهب أصحاب الاعتزال من تفضيل الملائكة على الأنبياء، وهي مسألة لها مجال آخر، على أنك قد علمتَ أن الصفات التي أجريت على (رسول) في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ إلى قوله: (أَمِينٍ)، غيرُ متعين انصرافُها إلى جبريل فإنها محتملة الانصراف إلى محمد ﷺ وقد يطغى عليه حب الاستدلال لعقائد أهل الاعتزال طغياناً يرمي بفهمه في مهاوي الضَّآلة، وهل يسمح بال ذي مسكة من علم بمجاري كلام العقلاء أن يتصدى متصد لبيان فضل أحد بأن ينفي عنه أنه مجنون، وهذا كله مبني على تفسير: ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ بجبريل فأما إن أريد به محمد ﷺ أوْ هو وجبريل ﵉ فهذا مقتلَع من جذره. ولا يخفى أن العدول عن اسم النبي العَلَم إلى (صَاحِبُكُمْ) لما يؤذن به (صَاحِبُكُمْ) من كونهم على علم بأحواله، وأما العدول عن ضميره إن كان المراد بـ (رسول) خصوص النبي ﷺ فمن الإظهار في مقام الإِضمار للوجه المذكور وإذا أريد بـ (رسول) كلاهما فذكر (صَاحِبُكُمْ) لتخصيص الكلام به " (٢).

стр. 915

وهذا من أهم مميزاته فيما يتعلق بالترجيح، وأما مميزاته في التفسير بشكل عام فأذكر منها: ١ - إنه يردّ على أهل العقائد الضالة ويبين بطلان دعواهم في التفسير ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: " ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). قال ابن عاشور: " قفُّوا على صريح كفرهم بالقرآن وغيره من الشرائع بكلام كَنَّوْا به عن إبطال حقية الإِسلام بدليل سفسطائي , فجعلوا كثرة أموالهم وأولادهم حجة على أنهم أهل حظ عند الله تعالى، فضمير (وَقَالُوا) عائد إلى (الذين كفروا) من قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ (٢) وهذا من تمويه الحقائق بما يحفّ بها من العوارض فجعلوا ما حف بحالهم في كفرهم من وفرة المال والولد حجةً على أنهم مظنة العناية عند الله وأن ما هم عليه هو الحق. وهذا تعريض منهم بعكس حال المسلمين بأن حال ضعف المسلمين، وقلة عددهم، وشظِف عيشهم حجة على أنهم غير محظوظين عند الله، ولم يتفطنوا إلى أن أحوال الدنيا مسببة على أسباب دنيوية لا علاقة لها بأحوال الأولاد. وهذا المبدأ الوهمي السفسطائي خطير في العقائد الضالة التي كانت لأهل الجاهلية والمنتشرة عند غير

стр. 916

المسلمين، ولا يخلو المسلمون من قريب منها في تصرفاتهم في الدين ومرجعها إلى قياس الغائب على الشاهد وهو قياس يصادف الصواب تارة ويخطئه تارات. ومن أكبر أخطاء المسلمين في هذا الباب خطأ اللجَأ إلى القضاء والقدر في أعذارهم، وخطأ التخلق بالتوكل في تقصيرهم وتكاسلهم. فجملة ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ عطف على جملة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ الخ، وقولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ كالنتيجة لقولهم: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾، وإنما جيء فيه بحرف العطف لترجيح جانب الفائدة المستقلة على جانب الاستنتاج الذي يومئ إليه ما تقدمه وهو قولهم: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ فحصل من هذا النظم استدلال لصحة دينهم ولإِبطال ما جاء به الإِسلام ثم الافتخار بذلك على المسلمين والضعة لِجانب المسلمين بإِشارة إلى قياس استثنائي بناء على ملازمة موهومة، وكأنهم استدلوا بانتفاء التعذيب على أنهم مقرّبون عند الله بناء على قياس مساواة مطوي فكأنهم حصروا وسائل القرب عند الله في وفرة الأموال والأولاد. ولولا هذا التأويل لخلت كلتا الجملتين عن أهم معنييهما وبه يكون موقع الجواب بـ ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أشدّ اتصالاً بالمعنى، أي قل لهم: إن بسط الرزق وتقتيره شأن آخر من تصرفات الله المنوطة بما قدره في نظام هذا العالم، أي فلا ملازمة بينه وبين الرشد والغي، والهدى والضلال، ولو تأملتم أسباب الرزق لرأيتموها لا تلاقي أسباب الغي

стр. 917

والاهتداء، فربما وسع الله الرزق على العاصي وضيّقه على المطيع وربما عكس فلا يغرنهم هذا وذاك فإنكم لا تعلمون. وهذا ما جعل قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مصيباً المحزّ. فأكثر الناس تلتبس عليهم الأمور فيخلطون بينها ولا يضعون في مواضعها زيْنها وشَيْنها (١). ٢ - يطرح بعض الأمور المشكلة ويجيب عليها كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ (٢) حيث يقول: " فإن قلت هل تكون هذه الآية حجة للذين قالوا من علمائنا: إن إعجاز القرآن بالصرفة، أي أعجز الله المشركين عن معارضته أي صرفهم عن محاولة المعارضة لتقوم الحجة عليهم، فتكون الصرفة من جملة الأكنة التي جعل الله على قلوبهم. قلت: لم يحتجّ بهذه الآية أصحاب تلك المقالة لأنك قد علمت أن الأكنة تخييل , وأن الوقر استعارة وأن قول النظر (ما أدري ما أقول) بهتان ومكابرة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ " (٣) ... . ٣ - لم يغرق ابن عاشور في ذكر الإسرائيليات، ولم يذكر الروايات

стр. 918

والأخبار غير الصحيحة، التي تتعلق بقصص الأنبياء، كما فعل كثير من المفسرين بالمأثور، وهذه مزية تسجل له , وليس معنى هذا أن تفسيره قد سلم من الإسرائيليات تماماً، فقد ورد فيه بعضها، ولكن تلك الإسرائيليات قليلة جداً فيه إذا ما قورن بالتفاسير الأخرى. ٤ - من مميزاته أيضاً في التفسير أنه إذا رأى تفسيراً مخالفاً لما عليه جمهور المفسرين نبّه إلى ذلك، وبيّن أنه لم يسبقه إليه أحد , كما جاء عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ (١) ذكر ابن عاشور أن الأمر بالاستماع حقيقته الإنصات والإصغاء، وأن جمهور المفسرين حملوا الاستماع على حقيقته، ثم ذكر أن ابن عطية نحا إلى حمل (استمع) على المجاز، أي انتظر. قال: «لأن محمداً ﷺ لم يؤمر بأن يستمع في يوم النداء؛ لأن كل مَن فيه يستمع وإنما الآية في معنى الوعيد للكفار فقيل لمحمد ﷺ تحسس هذا اليوم وارتقبه فإن فيه تبّين صحة ما قلته» اهـ. ثم ذكر ابن عاشور أنه لم يسبقه إلى هذا المعنى أحد (٢). ٥ - تمكنه من اللغة، الأمر الذي جعله يرد على من لا يحسن اختيار الألفاظ في القرآن الكريم، ويصحح العبارات الخاطئة، فعلى سبيل المثال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ

стр. 919

كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (١) قال: " وسمَّى الطيبي هذا الانتقال إلى ذكر داود وسليمان تخلصاً، والوجه أن يسميه استطراداً أو اعتراضاً وإن كان طويلاً، فإن الرجوع إلى ذكر أحوال المشركين بعدما ذكر من قصة داود وسليمان وسبأ يرشد إلى أن إبطال أحوال أهل الشرك هي المقصود من هذه السورة (٢). ٦ - يتكلم عن ضلالات بعض الفرق ويبيّن عقائدهم، كما حصل ذلك عند حديثه عن البابية والبهائية في معرض تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٣) حيث يقول: " وقد أجمع الصحابة على أن محمداً ﷺ خاتم الرسل والأنبياء، وعُرف ذلك وتواتر بينهم وفي الأجيال من بعدهم، ولذلك لم يترددوا في تكفير مسيلمة والأسود العَنْسِي , فصار معلوماً من الدين بالضرورة , فمن أنكره فهو كافر خارج عن الإِسلام ولو كان معترفاً بأن محمداً ﷺ رسول الله للناس كلّهم ... إلى أن يقول: " ولذلك لا يتردد مسلم في تكفير من يُثبت نبوةً لأحد بعد محمد ﷺ وفي إخراجه من حظيرة الإِسلام، ولا تعرف

стр. 920

طائفة من المسلمين أقدمت على ذلك إلا البابِيَّة والبَهائية وهما نحْلتان مشتقة ثانيتهما من الأولى. وكان ظهور الفرقة الأولى في بلاد فارس في حدود سنة مائتين وألف وتسربت إلى العراق وكان القائم بها رجلاً من أهل شيراز يدعوه أتباعه السيد علي محمد، كذا اشتهر اسمه، كان في أول أمره من غلاة الشيعة الإِمامية. أخذ عن رجل من المتصوفين اسمه الشيخ أحمد زين الدين الأَحسائي الذي كان ينتحل التصوف بالطريقة الباطنية , وهي الطريقة المتلقاة عن الحلاج. وكانت طريقته تعرف بالشيخية، ولما أظهر نحلته علي محمد هذا لقبَ نفسه بَاب العلم فغلب عليه اسم الباب. وعرفت نحلته بالبَابِيّة وادعى لنفسه النبوءة وزعم أنه أوحي إليه بكتاب اسمه «البيان» وأن القرآن أشار إليه بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (١)، وكتاب «البيان» مؤلف بالعربية الضعيفة ومخلوط بالفارسية. وقد حكم عليه بالقتل فقتل سنة (١٢٦٦ هـ) في تبريز. ... وأما البهائية فهي شعبة من البابِيّة تنسب إلى مؤسسها الملقّب ببهاء الله واسمه ميرزا حُسين عَلي من أهل طهران تتلمذ للباب بالمكاتبة وأخرجته حكومة شاه العجم إلى بغداد بعد قتل الباب. ثم نقلته الدولة العثمانية من بغداد إلى أدرنة , ثم إلى عكا، وفيها ظهرت نحلته وهم يعتقدون نبوة الباب وقد التفّ حوله أصحاب نحلة البابيّة وجعلوه خليفة البَاب فقام اسم البهائية مقام اسم البَابية فالبهائية هم البابية. وقد كان البهاء بَنى بناء في جبل الكرمل ليجعله مدفناً

стр. 921

لرفات (الباب) وآل أمره إلى أن سجنته السلطنة العثمانية في سجن عَكا فلبث في السجن سبعَ سنوات ولم يطلق من السجن إلا عند ما أُعلن الدستور التركي فكان في عداد المساجين السياسيين الذين أُطلقوا يومئذٍ فرحل منتقلاً في أوروبا وأميركا مدة عامين ثم عاد إلى حيفا فاستقرّ بها إلى أن توفي سنة (١٣٤٠ هـ) وبعد موته نشأ شقاق بين أبنائه وإِخوته فتفرقوا في الزعامة وتضاءلت نحلتهم. فمن كان من المسلمين متّبعاً للبَهائية أو البابية فهو خارج عن الإِسلام مرتدّ عن دينه تجري عليه أحكام المرتدّ. ولا يرث مسلماً ويرثه جماعة المسلمين ولا ينفعهم قولهم: إنا مسلمون ولا نطقهم بكلمة الشهادة لأنهم يثبتون الرسالة لمحمد ﷺ ولكنهم قالوا بمجيء رسول من بعده. ونحن كفَّرنا الغُرابية من الشيعة لقولهم: بأن جبريل أرسل إلى علي ولكنه شُبّه له محمد بعليّ إذ كان أحدهما أشبه بالآخر من الغراب بالغراب (وكذبوا) فبلغ الرسالة إلى محمد ﷺ فهم أثبتوا الرسالة لمحمد ﷺ ولكنهم زعموه غير المعيّن من عند الله. وتشبه طقوس البهائية طقوس الماسونية إلا أن البهائية تنتسب إلى التلقي من الوحي الإِلهي، فبذلك فارقت الماسونية وعُدّت في الأديان والملل ولم تعد في الأحزاب (١).

стр. 922

المبحث الثاني المآخذ على منهج ابن عاشور في الترجيح ١ - إهماله لبعض القواعد الترجيحية والتي نصّ عليها في تفسيره في باب الأسماء والصفات، وذلك لتبنيه مذهبا بدعيا في العقيدة , وهو المذهب المنسوب إلى أبي الحسن الشعري، فنجده لا يكتفي بحكاية المذهب، بل يناصره، ويجمع الأدلة لتأييده وتقرير أفكاره. ومن ذلك: إهماله العمل بالقاعدة الترجيحية والتي كان يرجح بها، كقاعدة: " الأصل إطلاق اللفظ على ظاهره مالم يأتي دليل يصرفه عن ذلك. والتي ترجح إثبات الصفات على ظاهرها ومن ذلك: دلالة قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ (١) نفى ابن عاشور صفة العجب لله تعالى , حيث يقول: " وقرأ حمزة والكسائي وخلف (بَلْ عَجِبْتُ) بضم التاء للمتكلم فيجوز أن يكون المراد: أن الله أسند العجب إلى نفسه. ويُعرَف أنه ليس المراد حقيقةَ العجب المستلزمة الروعة والمفاجأة بأمر غير مترقب بل المراد التعجيب أو الكناية عن لازمه، وهو استعظام الأمر المتعجب منه. وليس لهذا الاستعمال نظير في القرآن ولكنه تكرر في كلام النبوة منه قوله ﷺ " إن الله ليعجب من رجلين يَقتُل أحدهُما الآخرَ يدخلان الجنة يقاتل هذا في

стр. 923

سبيل الله فيُقتل ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد " (١) بهذا اللفظ , يعني ثم يسلم القاتل الذي كان كافراً فيقاتل فيستشهد في سبيل الله". (٢) وسيأتي الحديث عن مثل هذه الأمثلة مفصلاً في مبحث أثر عقيدة ابن عاشور في صياغة القواعد والترجيح بها من الفصل السابع. ٢ - رجّح ابن عاشور بين بعض القراءات الصحيحة صراحة وكان الأولى أن يأخذ بها جميعاً دون ترجيح أحدها على الأخرى وإن كان هذا قليلا جداً في تفسيره، والغالب عليه عدم الترجيح بين القراءات المتواترة، ولكن لما أنه وقع في تفسيره، أحببت أن أنبه عليه ومن أمثلة ذلك: ترجيحه قراءة الصاد على السين في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٣) حيث قال: " وقد قرأ باللغة الفصحى (بالصاد) جمهور القراء وقرأ (بالسين) ابن كثير في رواية قنبل، والقراءة بالصاد هي الراجحة لموافقتها رسم المصحف وكونها اللغة الفصحى " (٤). ٣ - نقله من الكتاب المقدس التوراة والإنجيل المحرفة في بيان كلام الله فيقول: (وجاء في سفر كذا)، وحمل قصص القرآن على ما ورد فيها،

стр. 924

وحاول التوفيق بينه وبينها مما يُشعر بثقته فيها، مع أنه ذكر الإجماع على تحريفه (١) ومن الأمثلة على ذلك ما جاء عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٢). حيث ذهب عامة المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن المسخ في هاتين الآيتين كان مسخاً حقيقياً وصورياً , مسخت قلوب المعتدين في السبت، ومسخت صورهم قردة، أي أجسامهم تحولت من الصور البشرية إلى صورة القردة، بقدرة الله القادر على كل شيء قدير، فقد قال لهم: كونوا فكانوا (٣). في حين شذّ ابن عاشور وغيره عن تفسير الجماعة في الآية حيث ذهب إلى أن المسخ كان معنوياً لا حقيقياً وصورياً، مسخت قلوبهم فقط مستنداً في ذلك إلى أنه لم يرد مسخ في كتب تاريخ اليهود، حيث قال بعد إيراده قول الجمهور وقول مجاهد: " والعبرة حاصلة على كلا الاعتبارين، والأول أظهر في العبرة؛ لأن فيه اعتبارهم بأنفسهم واعتبار الناس بهم بخلاف الثاني، والثاني أقرب للتاريخ؛ إذ لم ينقل مسخ في كتب تاريخ العبرانيين، والقدرة صالحة للأمرين " (٤).

стр. 925

وقد ردَّ هذا القول جميع المفسرين المحققين؛ لأجل مخالفته لظاهر القرآن الكريم، وشذوذه عن قول عامة المفسرين. قال الطبري: " وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهر ما دل عليه كتاب الله مخالف. وذلك أن الله أخبر في كتابه أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبيهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (١).، وأن الله تعالى ذِكْره أصعَقَهم عند مسألتهم ذلك ربهم، وأنهم عبدوا العجل، فجعل توبتهم قتل أنفسهم، وأنهم أمروا بدخول الأرض المقدسة فقالوا لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (٢) فابتلاهم بالتيه. فسواء قائل قال: هم لم يمسخهم قردة، وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير - وآخر قال: لم يكن شيء مما أخبر الله عن بني إسرائيل أنه كان منهم - من الخلاف على أنبيائهم، والنكال والعقوبات التي أحلها الله بهم. ومن أنكر شيئا من ذلك وأقر بآخر منه، سئل البرهان على قوله، وعورض -فيما أنكر من ذلك- بما أقر به، ثم يسأل الفرق من خبر مستفيض أو أثر صحيح. هذا مع خلاف قول مجاهد قول جميع الحجة التي لا يجوز عليها الخطأ والكذب فيما نقلته مجمعة عليه. وكفى دليلا على فساد قول، إجماعها على تخطئته " (٣). ومما يدل أيضاً لى أن المسخ كان حقيقياً وحسياً ظاهر النص في الآيتين المذكورتين: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ

стр. 926

كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. وكذلك ما ثبت في الحديث الصحيح أنه سيكون مسخ في هذه الأمة، ففي حديث أبي مالك الأشعري ﵁ مرفوعاً: والله ما كذبني سمع النبي ﷺ يقول: " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف , ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم يعني الفقير لحاجة فيقولوا ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة. " (١). والمبحث الخامس من الفصل الثاني في هذا البحث يُظهر مدى اهتمامه بالكتب المقدسة. ٤ - خالف إجماع العلماء في بعض المسائل الفقهية، ومن ذلك ربا الفضل فقد ذهب إلى جوازه فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) بعد أن ذكر الأحاديث الواردة في الربا قال: " فلأجل هذه الأحاديث الستة أثبت الفقهاء ثلاثة أنواع للربا في اصطلاح الشرع: ... الأول: ربا الجاهلية وهو زيادة على الدين لأجل التأخير. ... الثاني: ربا الفضل وهو زيادة في أحد العوضين في بيع الصنف بصنفه من الأصناف المذكورة في حديث أبي سعيد وعُبادة بن الصامت. ... الثالث: ربا النسيئة وهو بيع شيء من تلك الأصناف بمثله مؤخّراً. وزاد المالكية نوعاً رابعاً: وهو ما يؤول إلى واحد من الأصناف بتهمة التحيّل على الربا ....

стр. 927

وعندي أنّ أظهر المذاهب في هذا مذهب ابن عباس، وأنّ أحاديث ربا الفضل تحمل على حديث أسامة " إنّما الربا في النسيئة " ليجمع بين الحديثين " (١). وترجيحه هذا معارض بأمرين: الأول: رجوع ابن عباس ﵁ عن القول بجواز ربا الفضل، وقد نقل رجوعه الحازمي في الاعتبار، روى بسنده عن حبيب بن أبي ثابت قال: سمعت ابن عباس ﵁ يقول: " إنما كنت أفتي فيه برأيي وقد تركته، وذلك أن أسامة بن زيد ﵁ حدثني أن رسول الله ﷺ قال: (لا ربا إلا في الدين) (٢) (٣) ... . ... الثاني: إن الإجماع منعقد على تحريم ربا الفضل، وقد نقل الإجماع جماعة من العلماء منهم: ابن المنذر (٤)، والنووي (٥)، وابن حزم (٦)، وابن قدامة (٧)، وابن، وابن قيم الجوزية (٨) .. وإذا حصل الإجماع فلا تجوز مخالفته. وكذلك مسألة عدة الأمة المتوفى عنها زوجها فقد حكى العلماء الإجماع فيها ورجّح ابن عاشور خلافه فقال: " وإن إجماع فقهاء الأسلام على تنصيف عدة الوفاة في الأمة المتوفى زوجها لمن معضلات المسائل الفقهية، فلنا أن ننظر

стр. 928

إلى حكمة مشروعية عدة الوفاة، وإلى حكمة مشروعية التنصيف لذي الرق، فيما نصف له فيه حكم شرعي، فنرى بمسلك السبر والتقسيم أن عدة الوفاة إما أن تكون لحكمة تحقق النسب أو عدمه، وإما أن تكون لقصد الإحداد على الزوج، لما نسخ الإسلام ما كان عليه أهل الجاهلية من الإحداد حولاً كاملاً، أبقى لهن ثلث الحول، كما أبقى للميت حق الوصية بثلث ماله، وليس لها حكمة غير هذين؛ إذ ليس فيها ما في عدة الطلاق من حكمة انتظار ندامة المطلق، وليس هذا الوجه الثاني بصالح للتعليل؛ لأنه لا يظن بالشريعة أن تقرر أوهام أهل الجاهلية، فتبقي منه تراثاً سيئاً، ولأنه قد عهد من تصرف الإسلام إبطال تهويل أمر الموت والجزع له، الذي كان عند الجاهلية عرف ذلك في غير ما موضع من تصرفات الشريعة، ولأن الفقهاء اتفقوا على أن عدة الحامل من الوفاة وضع حملها، فلو كانت عدة غير الحامل لقصد استبقاء الحزن لاستوتا في العدة، فتعين أن حكمة عدة الوفاة هي تحقق الحمل أو عدمه، فلننقل النظر إلى الأمة نجد فيها وصفين: الإنسانية والرق، فإذا سلكنا إليهما طريق تخريج المناط، وجدنا الوصف المناسب لتعليل الاعتداد الذي حكمته تحقق النسب هو وصف الإنسانية؛ إذ الحمل لا يختلف حاله باختلاف أصناف النساء وأحوالهن الاصطلاحية أما الرق فليس وصفاً صالحاً للتأثير في هذا الحكم، فالوجه أن تكون عدة الوفاة للأمة كمثل الحرة، وليس في تنصيفها أثر، ومستند الإجماع قياس مع وجود الفارق " (١) ... .

стр. 929

المبحث الثالث أثر عقيدة ابن عاشور في صياغة القواعد والترجيح بها إن المتتبع للتفسير يجد أن ابن عاشور قد ذهب إلى ما ذهبت إليه الأشاعرة في معظم آيات الأسماء والصفات، وقد صرّح في أكثر من موضع بأنه أشعري يلتزم بمذهب الأشاعرة في الاعتقاد، ولذلك فقد كان لذلك أثر في ترجيحاته في ضوء قواعد الترجيح المتعلقة بالنص القرآني؛ يتجلى ذلك بعد التتبع للمسائل الخلافية والتي أورد فيها ابن عاشور أقوالاً مختلفة في تفسيرها حيث يظهر أثر المعتقد عنده في ترجيحاته ومن ذلك ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١): قال: " وهذه الآية أسعد بمذهبنا أيها الأشاعرة من عدم وجوب الهدى كله على الله تعالى ..... " (٢). ومما تقدم ندرك بالضرورة أثر عقيدة ابن عاشور على تفسيره , وعلى صياغة القواعد الترجيحية , ومن تلك القواعد التي ظهرت لي من خلال تفسيره والتي كان لعقيدته أثر عليها هي الآتي: أولاً: قاعدة: الله منزّه عن الأعراض: هذه القاعدة ذكرها ابن عاشور في تفسيره، وطبقها ولكنه أخطأ في

стр. 930

استخدامها بسبب أشعريته، فمثلا: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١) قال: "فأهل الإيمان إذا سمعوا أو أطلقوا وصفي الرحمن الرحيم لا يفهمون منه حصول ذلك الانفعال الملحوظ في حقيقةِ الرحمة في متعارف اللغة العربية لسطوع أدلة تنزيه الله تعالى عن الأعراض، بل إنه يراد بهذا الوصف في جانب الله تعالى إثباتُ الغرض الاسمي من حقيقة الرحمة , وهو صدور آثار الرحمة من الرفق واللطف والإحسان والإعانة؛ لأن ما عدا ذلك من القيود الملحوظة في مسمى الرحمة في متعارف الناس لا أهمية له لولا أنه لا يمكن بدونه حصول آثاره فيهم ألا ترى أن المرء قد يرحم أحداً ولا يملك له نفعاً لعَجز أو نحوه. وقد أشار إلى ما قلناه أبو حامد الغزالي في «المقصد الأسنى» بقوله: «الذي يريد قضاء حاجة المحتاج ولا يقضيها فإن كان قادراً على قضائها لم يسمَّ رحيماً إذ لو تمت الإرادة لوفَّى بها وإن كان عاجزاً فقد يسمى رحيماً باعتبار ما اعتوره من الرحمة والرقة ولكنه ناقص، وبهذا تعلم أن إطلاق نحو هذا الوصف على الله تعالى ليس من المتشابه لتبادر المعنى المراد منه بكثرة استعماله وتحقق تنزه الله عن لوازم المعنى المقصود في الوضع مما لا يليق بجلال الله تعالى كما نطلق العليم على الله مع التيقن بتجرد علمه عن الحاجة إلى النظر والاستدلال وسبق الجهل، وكما نطلق الحي عليه تعالى مع اليقين بتجرد حياته عن العادة والتكون، ونطلق القدرة مع اليقين

стр. 931

بتجرد قدرته عن المعالجة والاستعانة. فوصفه تعالى بالرحمن الرحيم من المنقولات الشرعية فقد أثبت القرآن رحمة الله في قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١) فهي منقولة في لسان الشرع إلى إرادة الله إيصال الإحسان إلى مخلوقاته في الحياة الدنيا وغالبُ الأسماء الحسنى من هذا القبيل (٢). . الرد على ابن عاشور: هذا الذي ذكره ابن عاشور في تأويل صفة الرحمة بإرادة الرفق واللطف والإحسان هو مذهب المتأولة من أشعرية ومعتزلة وغيرهما (٣). . وقد ردّ ابن القيم هذا التأويل فقال في " مختصر الصواعق": " الوجه الثامن عشر: إن الله فرق بين رحمته ورضوانه المنفصل، فقال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ (٤). . فالرحمة والرضوان صفته، والجنة ثوابه. وهذا يبطل قول من جعل الرحمة ثواباً منفصلاً مخلوقاً، وقول من قال: هي إرادة الإحسان، فإن إرادته الإحسان هي من لوازم الرحمة فإنه يلزمه من الرحمة أن يريد الإحسان إلى المرحوم فإذا انتفت حقيقة الرحمة انتفى لازمها وهو إرادة الإحسان " (٥).

стр. 932

٢ - قاعدة: وجوب صرف اللفظ (الصفة) إلى المجاز بعلاقة اللزوم: ذكر ابن عاشور هذه القاعدة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١). فقال: " والغضب المتعلق بالمغضوب عليهم هو غضبُ اللَّهِ , وحقيقة الغضب المعروف في الناس أنه كيفية تعرض للنفس يتبعها حركة الروح إلى الخارج وثورانها فتطلب الانتقام، فالكيفيةُ سبب لطلب الانتقام وطلب الإنتقام سبب لحصول الانتقام , والذي يظهر لي أن إرادة الانتقام ليست من لوازم ماهية الغضب بحيث لا تنفك عنه ,ولكنها قد تكون من آثاره، وأن الغضب هو كيفية للنفس تعرض من حصول ما لا يلائمها فتترتب عليه كراهية الفعل المغضوب منه وكراهية فاعله، ويلازمه الإعراض عن المغضوب عليه ومعاملتُه بالعُنف وبقطع الإحسان وبالأذى، وقد يفضى ذلك إلى طلب الانتقام منه فيختلف الحد الذي يثور عند الغضب في النفس باختلاف مراتب احتمال النفوس للمنافرات واختلاف العادات في اعتبار أسبابه، فلعل الذين جعلوا إرادة الانتقام لازمة للغضب بنَوا على القوانين العربية. وإذْ كانت حقيقة الغضب يستحيل اتصاف الله تعالى بها وإسنادُها إليه على الحقيقة للأدلة القطعية الدالة على تنزيه الله تعالى عن التغيرات الذاتية والعرضية، فقد وجب على المؤمن صَرف إسناد الغضب إلى الله عن معناه الحقيقي، وطريقةُ أهل العلم والنظر في هذا الصرف أن يصرف اللفظ إلى المجاز بعلاقة اللزوم أو

стр. 933

إلى الكناية باللفظ عن لازم معناه فالذي يكون صفة لله من معنى الغضب هو لازمه، أعني العقاب والإهانة يوم الجزاء واللعنة أي الإبعاد عن أهل الدين والصلاح في الدنيا أو هو من قبيل التمثيلية " (١). الرد على ابن عاشور: هذا الذي ذكره ابن عاشور في تأويل صفة الغضب هو مذهب الأشاعرة. قال الشيخ الهراس في شرح العقيدة الواسطية عند قول المصنف ابن تيمية: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢) , ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ (٣): تضمنت هذه الآيات إثبات بعض صفات الفعل لله من الرضا والغضب واللعن والكره والسخط والمقت والأسف، وهي عند أهل الحق صفات حقيقية لله على ما يليق به، ولا تشبه ما يتصف به المخلوق من ذلك، ولا يلزم منها ما يلزم في المخلوق فلا حجة للأشاعرة والمعتزلة على نفيها , ولكنهم ظنوا أن اتصاف الله بما يلزمه أن تكون هذه الصفات فيه على نحو ما هي في المخلوق وهذا الظن الذي ظنوه في ربهم أرداهم فأوقعهم في حمأة النفي والتعطيل " (٤).

стр. 934

وقال شارح العقيدة الواسطية الشيخ زيد فياض في " الروضة الندية ": " ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب، والرضا والعداوة والولاية والحب، والبغض، ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى كما يقولون مثل ذلك في السمع، والبصر، والكلام، وسائر الصفات، ولا يقال أن الرضا إرادة الإحسان والغضب إرادة الانتقام فإنه نفي للصفة. ويُقال لمن تأول الغضب والرضا لم تأولت ذلك؟ فلا بد أن يقول: لأن الغضب غليان دم القلب والرضا والميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله تعالى، فيُقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب، ويقال له أيضاً، وكذلك الإرادة والمشيئة فينا ميل الحي إلى الشيء أو إلى ما يلائمه ويناسبه , فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته عنه سواء، فإن جاز هذا جاز ذلك وإن امتنع هذا امتنع ذاك فإن قالوا: الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد وإن كان كل منهما حقيقة قيل له: إن الغضب والرضا الذي يوصف به الله مخالف لما يوصف به العبد، وإن كلاً منهما حقيقة، فإذا كان ما يقوله في الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات لم يتعين التأويل، بل يجب تركه، وصفات الله تليق به، وصفات العبد تليق به بل لو قيل غضب ملك خازن النار وغضب غيره من الملائكة لم يجب أن يكون مماثلاً لكيفية غضب الآدميين، فغضب الله أولى " (١).

стр. 935

٣ - قاعدة: الفعل القبيح لا يليق إسناده إلى الله تعالى حقيقة: ذكر ابن عاشور هذه القاعدة في معرض تفسيره لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١) فقال: " وفعل: (يستهزئ) المسند إلى الله ليس مستعملاً في حقيقته , لأن المراد هنا أنه يفعل بهم في الدنيا ما يُسمى بالاستهزاء بدليل قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ولم يقع استهزاء حقيقي في الدنيا فهو إما تمثيل لمعاملة الله إياهم في مقابلة استهزائهم بالمؤمنين، بما يشبه فعل المستهزئ بهم وذلك بالإملاء لهم حتى يظنوا أنهم سلموا من المؤاخذة على استهزائهم فيظنوا أن الله راض عنهم أو أن أَصنامهم نفعوهم حتى إذا نزل بهم عذاب الدنيا من القتل والفضح علموا خلافَ ما توهموا فكان ذلك كهيئة الاستهزاء بهم , والمضارع في قوله: (يستهزئ) لزمن الحال. ولا يحمل على اتصاف الله بالاستهزاء حقيقة عند الأشاعرة لأنه لم يقع من الله معنى الاستهزاء في الدنيا، ويحسن هذا التمثيل ما فيه من المشاكلة. ويجوز أن يكون ﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ حقيقة يوم القيامة بأن يأمر بالاستهزاء بهم في الموقف وهو نوع من العقاب فيكون المضارع في (يستهزئ) للاستقبال، وإلى هذا المعنى نَحَا ابن عباس والحسن في نقل ابن عطية، ويجوز أن يكون مراداً به جزاءُ استهزائهم من العذاب أو نحوه من الإذلال والتحقير والمعنى يذلهم وعبر عنه بالاستهزاء مجازاً ومشاكلة، أو مراداً به مآلُ الاستهزاء من رجوع الوبال

стр. 936

عليهم. وهذا كله وإن جاز فقد عينه هنا جمهور العلماء من المفسرين كما نقل ابن عطية والقرطبي وعينَّه الفخر الرازي والبيضاوي وعيَّنه المعتزلة أيضاً لأن الاستهزاء لا يليق إسناده إلى الله حقيقة لأنه فعلٌ قبيحٌ ينزه الله تعالى عنه كما في «الكشاف» وهو مبني على المتعارف بين الناس " (١). الرد على ابن عاشور: الأرجح في هذا كله، أن تثبت هذه الأوصاف لله تعالى كما وردت بذلك الآيات والأحاديث على ما يليق بجلاله وعظمته من غير أن يشتق له اسم أو صفة , لا يقال: ماكر ولا مخادع ولا مستهزئ تعالى الله عن ذلك (٢). قال ابن القيم في " مدارج السالكين": " فنسبة الكيد والمكر ونحوهما إليه سبحانه من إطلاق الفعل عليه تعالى والفعل أوسع من الاسم. ولهذا أطلق الله على نفسه أفعالاً لم يتسم منها بأسماء الفاعل كأراد وشاء، وأحدث ولم يسم بالمريد والشائي والمحدث كما لم يسم نفسه بالصانع والفاعل والمتقن وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه، فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء , وقد أخطأ أقبح الخطأ من اشتق له من كل فعل اسما وبلغ بأسمائه زيادة على الألف فسماه الماكر، والمخادع، والفائن، والكائد ونحو ذلك وكذلك باب الأخبار عنه بالاسم أوسع من تسميته به فإنه يخبر عنه بأنه شيئ موجود ومذكور ومعلوم ومراد ولا يسمى بذلك " (٣)

стр. 937

وقال ابن القيم أيضاً في " أعلام الموقعين ": " وقد قيل إن تسمية ذلك مكراً وكيداً واستهزاءً وخداعاً من باب الاستعارة ومجاز المقابلة نحو: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (١) , ونحو قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢) وقيل: وهو أصوب، بل تسمية ذلك حقيقة على بابه، فإن المكر إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي، وكذلك الكيد والمخادعة، ولكنه نوعان قبيح، وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقه، وحسن، وهو إيصاله إلى من يستحقه عقوبة له، فالأول مذموم، والثاني ممدوح، والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يحمد عليه، عدلاً منه وحكمة وهو تعالى يأخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب، لا كما يفعل الظلمة بعباده، وأما السيئة فهي فعلة مما يسوء، ولا ريب أن العقوبة تسوء صاحبها فهي سيئة له حسنة من الحكم العدل " (٣). ٤ - نفي الوصف لا يستلزم صحة الاتصاف: قال ابن عاشور عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (٤): " والاستحياء والحياء واحد،

стр. 938

فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استقدم واستأخر واستجاب، وهو انقباض النفس من صدور فعل، أو تلقيه لاستشعار أنه لا يليق أو لا يحسن في متعارف أمثاله، فهو هيئة تعرض للنفس هي من قبيل الانفعال يظهر أثرها على الوجه وفي الإمساك عن ما من شأنه أن يُفعل. والاستحياء هنا منفي عن أن يكون وصفاً لله تعالى , فلا يحتاج إلى تأويل في صحة إسناده إلى الله، والتعللُ لذلك بأن نفي الوصف يستلزم صحة الاتصاف تعللٌ غير مسلم " (١). الرد على ابن عاشور: ما ذكره ابن عاشور من نفي صفة الحياء لله تعالى مخالف لما عليه مذهب السلف من إثبات الصفات على ما جاءت من غير تكييف ولا تحريف , فلله ﵎ حياء يليق بجلاله وعظمته، وما ذكره ابن عاشور هو من توهم تشبيه الخالق بالمخلوق، فإثبات الصفة لله تعالى، يكون إثباتاً كاملاً، منزهاً عن التشبيه من جميع وجوهه، وقد ذكر الحياء في غير ما حديث، فيجب إثبات الصفة في جميع مواردها من القرآن والسنة على ما يليق به (٢) قال الألوسي في "روح المعاني": " وللناس في ذلك مذهبان: فبعض يقول بالتأويل إذ الانقباض النفساني مما لا يحوم حول حظائر قدسه سبحانه، فالمراد بالحياء عنده الترك اللازم للانقباض، وجوّز جعل ما هنا بخصوصه من باب المقابلة لما وقع في كلام الكفرة بناءً على ما روي أنهم قالوا: ما يستحي رب محمد أن يضرب الأمثال بالذباب، والعنكبوت، وبعض، وأنا والحمد لله منهم لا يقول بالتأويل بل يمر هذا وأمثاله مما جاء عنه سبحانه في الآيات والأحاديث على ما جاءت , ويكل علمها بعد التنزيه عما في الشاهد إلى عالم الغيب والشهادة " (٣). ٥ - قاعدة: إذا كانت الصفة تستلزم الجسم تعيّن صرف اللفظ عن ظاهره بالدليل العقلي: ذكر ابن عاشور هذه القاعدة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ

стр. 939

إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ (١) فقال: " والإتيان حضور الذات في موضع من موضع آخر سبق حصولها فيه وأسند الإتيان إلى الله تعالى في هذه الآية على وجه الإثبات , فاقتضى ظاهره اتصاف الله تعالى به، ولما كان الإتيان يستلزم التنقل أو التمدد ليكون حالاً في مكان بعد أن لم يكن به حتى يصح الإتيان وكان ذلك يستلزم التنقل الجسم والله منزه عنه، تعين صرف اللفظ عن ظاهره بالدليل العقلي، فإن كان الكلام خبراً أو تهكماً فلا حاجة للتأويل، لأن اعتقادهم ذلك مدفوع بالأدلة وإن كان الكلام وعيداً من الله لزم التأويل، لأن الله تعالى موجود في نفس الأمر لكنه لا يتصف بما هو من صفات الحوادث كالتنقل والتمدد لما علمت، فلا بد من تأويل هذا عندنا على أصل الأشعري في تأويل المتشابه، وهذا التأويل إما في معنى الإتيان أو في إسناده إلى الله أو بتقدير محذوف من مضاف أو مفعول، وإلى هذه الاحتمالات ترجع الوجوه التي ذكرها المفسرون: الوجه الأول: ذهب سلف الأمة قبل حدوث تشكيكات الملاحدة إلى إقرار الصفات المتشابهة دون تأويل فالإتيان ثابت لله تعالى، لكن بلا كيف فهو من المتشابه كالاستواء والنزول والرؤية أي هو إتيان لا كإتيان الحوادث. فأما على طريقة الخلف من أئمة الأشعرية لدفع مطاعن الملاحدة فتجيء وجوهٌ منها: الوجه الثاني: أقول يجوز تأويل إتيان الله بأنه مجاز في التجلي والاعتناء إذا كان الضمير راجعاً لمن يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، أو بأنه مجاز في تعلق القدرة التنجيزي بإظهار الجزاء إن كان الضمير راجعاً للفريقين، أو هو مجاز في

стр. 940

الاستئصال يقال أتاهم الملك إذا عاقبهم قاله القرطبي، قلت وذلك في كل إتيان مضاف إلى منتقم أو عدو أو فاتح كما تقول: أتاهم السبع بمعنى أهلكهم وأتاهم الوباء ولذلك يقولون أتى عليه بمعنى أهلكه واستأصلَه، فلما شاع ذلك شاع إطلاق الإتيان على لازمه وهو الإهلاك والاستئصال قال تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ (١). الوجه الثالث: إسناد الإتيان إلى الله تعالى إسناد مجازي وإنما يأتيهم عذاب الله يوم القيامة أو في الدنيا وكونه ﴿في ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ زيادة تنويه بذلك المظهر ووقعه لدى الناظرين. الوجه الرابع: يأتيهم كلام الله الدالُّ على الأمر ويكون ذلك الكلام مسموعاً من قِبَل ظلل من الغمام تحفه الملائكة. الوجه الخامس: أن هنالك مضافاً مقدراً أي يأتيهم أمر الله أي قضاؤه بين الخلق أو يأتيهم بأس الله بدليل نظائره في القرآن أو يأتي أمر ربك وقوله: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ (٢) ولا يخفى أن الإتيان في هذا يتعين أن يكون مجازاً في ظهور الأمر. الوجه السادس: حذف مضاف تقديره، آيات الله أو بيناته أي دلائل قدرته أو دلائل صدق رُسُله ويبعِّده قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ إلاّ أن

стр. 941

يرجع إلى الوجه الخامس أو إلى الوجه الثالث. الوجه السابع: أن هنالك معمولاً محذوفاً دل عليه قوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) والتقدير أن يأتيهم الله بالعذاب أو ببأسه. والأحسن تقدير أمر عام يشمل الخير والشر لتكون الجملة وعْداً ووعيداً " (٢) ... . الرد على ابن عاشور: الذي ينبغي أن يقرر في صفتي الإتيان والمجيء هو مذهب السلف الصالح. إتيان ومجيء يليق بجلال الله وعظمته منزهاً عن جميع التشبيه الذي يخطر في عقول المعطلة (٣) ... . قال عبد الباقي الحنبلي: " ومنها نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف , بل يثبت الحنابلة ما أثبته رسول الله ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، وكذلك ما أنزل الله عز اسمه في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وفي قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية، ونؤمن بذلك بلا كيف فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل فانتهينا إلى ما أحكمه وكففنا عن الذي يتشابه،

стр. 942

وقال مالك: إياكم والبدع قيل: وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته لا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون، وفي صحف إدريس لا تروموا أن تحيطوا بالله خبرة فإنه أعظم وأعلى أن تدركه فطن المخلوقين " (١). ٧ - قاعدة: إذا كانت الصفة تقتضي التحيّز تعيّن أن يكون المراد غير حقيقة: ذكر هذه القاعدة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ (٢) حيث يقول: " والكرسي شيء يُجلس عليه مُتركب من أعواد أو غيرها موضوعة كالأعمدة متساوية، عليها سطح من خشب أو غيره بمقدار ما يسع شخصاً واحداً في جلوسه، فإن زاد على مجلس واحد وكان مرتفعاً فهو العرش. وليس المراد في الآية حقيقة الكرسي إذ لا يليق بالله تعالى لاقتضائه التحيّز، فتعين أن يكون مراداً به غير حقيقته. والجمهور قالوا: إنّ الكرسي مخلوق عظيم، ويضاف إلى الله تعالى لعظمته، فقيل هو العرش، وهو قول الحسَن. وهذا هو الظاهر لأنّ الكرسي لم يذكر في القرآن إلاّ في هذه الآية وتكرّر ذكر العرش، ولم يَرِد ذكرهما مقترنين، فلو كان الكرسي غير العرش لذكر معه كما ذُكرت السماوات مع العرش في قوله تعالى:

стр. 943

﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (١) وقيل الكرسي غير العرش، فقال ابن زيد هو دون العرش وروى في ذلك عن أبي ذَر ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: " ما الكرسيُ في العرش إلاّ كحلقة من حديد ألقيَتْ بين ظهري فلاة من الأرض " وهو حديث لم يصح. وقال أبو موسى الأشعري والسُدى والضحاك: الكرسي موضع القدمين من العرش، أي لأنّ الجالس على عرش يكون مرتفعاً عن الأرض فيوضع له كرسي لئلا تكون رجلاه في الفضاء إذا لم يتربَّع، وروي هذا عن ابن عباس. وقيل: الكرسي مثلَ لعلم الله، وروي عن ابن عباس لأنّ العالم يجلس على كرسي ليعلّم الناس. وقيل: مثل لملك الله تعالى كما يقولون فلان صاحب كرسي العراق أي ملك العراق " (٢). الرد على ابن عاشور: ما ذكره ابن عاشور في تفسير معنى الكرسي وأنه غير مراد على حقيقته قول تردّه الآثار، فقد صحّ عن ابن عباس: " ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال: موضع القدمين ولا يقدر قدر عرشه " (٣)، وفيه: إثبات القدمين لله على ما يليق بجلال الله وعظمته.

стр. 944

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية لما سئل عن العرش والكرسي فأجاب: الحمد لله بل العرش موجود بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها , وكذلك الكرسي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع جمهور السلف. وقد نقل عن بعضهم أن كرسيه علمه , وهو قول ضعيف ,فإن علم الله وسع كل شيء كما قال: ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما والله يعلم نفسه , ويعلم ما كان وما لم يكن , فلو قيل وسع علمه السموات والأرض لم يكن هذا المعنى مناسبا لا سيما وقد قال تعالى ولا يؤوده حفظهما أي لا يثقله ولا يكرثه وهذا يناسب القدرة لا العلم , والآثار المأثورة تقتضى ذلك لكن الآيات والأحاديث في العرش أكثر من ذلك صريحة متواترة (١) ... .

стр. 945

الخاتمة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. والصلاة والسلام على رسول الله إمامنا في جميع الحالات وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد .. فقد وفقني الله تعالى بكرمه ومنته إلى إتمام هذه الرسالة، وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله، فهو الموفق، وهو الملهم، والهادي إلى الطريق المستقيم، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وحسبي أنني استطعت بهذه الرسالة أن أنير الطريق للسالك في هذا الفن، وأن أبين المعالم لمن أراد البحث والترجيح بين الأقوال للوصول إلى الحقيقة، وساهمت بقدر ضئيل في خدمة القرآن الكريم، واستطعت أن أكشف الصورة عن القواعد الترجيحية المتعلقة بالنص في تفسير ابن عاشور، وفي الختام أذكر بعض النتائج والأمور المستخلصة من هذا البحث على النحو التالي: ١ - إن ابن عاشور كان عالماً فذاً ومصلحاً كبيراً، له تأثيره في إصلاح التعليم بجامع الزيتونة، والذي كان له الأثر الكبير في إعداد القيادات الإصلاحية في المغرب العربي الإسلامي. ٢ - اعتنى الشيخ ابن عاشور في تفسيره بتفاصيل المذهب المالكي، ولعل الداعي له أن أغلب أهل بلده مالكية، ومع أنه تتلمذ على المذهب المالكي إلا أنه غير متعصب له، ولا مقلد، بل قد بلغ رتبة الاجتهاد، معتمداً في ذلك على الدليل من النص والإجماع والقياس.

стр. 946

٣ - نحا ابن عاشور في تفسيره لآيات العقائد المذهب المنسوب لأبي الحسن الأشعري في أغلب المسائل العقدية، إلا القليل، وقد بينت ذلك في المبحث الثالث من الفصل السابع عند الحديث عن أثر عقيدة ابن عاشور في صياغة القواعد والترجيح بها. ٤ - إن القواعد التي ذكرها ابن عاشور والمتعلقة بالعقيدة متفق عليها أو على أصلها؛ لكن الخلاف وقع في تطبيقها عنده بسبب جذور عقدية وهي تأثره بالمذهب الأشعري. ٥ - من خلال هذا البحث تبيّن لي توسع ابن عاشور وإلمامه بشتى أنواع العلوم الشرعية حيث رجَّح بناءً على فهمه لدلالة الآيات، ودلالة السنة النبوية والآثار، وبناءً على القواعد اللغوية والإعرابية ونحوها. ولكن من خلال هذه الدراسة المتخصصة في قواعد الترجيح المتعلقة بالنص في تفسير ابن عاشور تبين الآتي: ١ - حرص ابن عاشور على تقديم القول الذي تؤيده الآيات القرآنية. ٢ - اعتنى ابن عاشور على الاقتصار على المعنى الظاهر للآية وبيّن أنه الأصل، ولكنه خالف أحياناً في هذه القاعدة ولجأ إلى التأويل ولا سيما في آيات العقيدة متأثراً بالأشاعرة. ٣ - بيّن ابن عاشور في تفسيره أن الأولى إعمال اللفظ القرآني بكلا معنييه الحقيقي والمجازي متى أمكن، ويرى أن المعاني المتعددة التي يحتملها اللفظ بدون خروج عن أساليب الكلام العربي البليغ، معانيَ في تفسير الآية.

стр. 947

٤ - قرّر ابن عاشور في تفسيره وجوب حمل اللفظ على حقيقته إلا إذا وجد صارف يصرفه عن المعنى الحقيقي، وذكر بأن المعنى المجازي أحياناً قد يكون أرجح من الحقيقي؛ لكونه أسبق إلى الفهم من معناه الحقيقي. ٥ - استعان ابن عاشور بما جاء في التوراة لتأييد القول الذي يذهب إليه لا سيما إذا تساوت الأقوال في القوة فإنه يجد ما جاء في التوراة لطيفة تعينه على الترجيح، ولكن قد يبالغ ابن عاشور أحياناً حين نجده يرد قولاً للمفسرين لكونه لم يجده في كتب بني إسرائيل. ٦ - اعتنى ابن عاشور بالقواعد الترجيحية المتعلقة بالنسخ، ومن ذلك أنه يرى أن الأصل عدم النسخ إلا إذا قام الدليل على ذلك، وقد حرّر كثيراً من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين النسخ والإحكام، كما قرّر في تفسيره أن النسخ لا يقع في الأخبار وإنما يجوز وقوعه في الأمر والنهي. ٧ - قررّ ابن عاشور في تفسيره أن الزيادة على النص ليست بنسخ، كما ذهب في تفسيره إلى أن تخصيص العام وتقييد المطلق لا يعدّ نسخاً، وإن المتقدمين هم الذين اصطلحوا على تسمية ذلك نسخاً. كما يرى ابن عاشور أن إجماع العلماء يعدّ ناسخاً ولكن بشرط أن يكون هذا الإجماع مستند إلى نص شرعي، فيكون النص هو الناسخ الحقيقي للحكم. ٨ - اعتمد ابن عاشور على القراءات المتواترة، وذلك بخلاف حال كثير من المفسرين الذين شحنوا تفاسيرهم بالقراءات المتعددة الصحيحة والشاذة. ٩ - يرى ابن عاشور أن تواتر القراءات القرآنية هو الشرط الرئيس لقبول القراءات، وأما الشروط الثلاثة التي اشترطها العلماء من موافقتها وجهاً في

стр. 948

العربية, وموافقتها خط المصحف، وصحة سندها، إنما هي شروط في قبول القراءات إذا كانت غير متواترة عن النبي ﷺ ، وأما القراءة المتواترة فهي غنية عن هذه الشروط لأن تواترها يجعلها حجة في العربية، ويغنيها عن الاعتضاد بموافقة المصحف المجمع عليه. ١٠ - أشار ابن عاشور في تفسيره إلى أن الأصل توافق القراءات في الآية الواحدة في المعنى، وإن حصل اختلاف في المعنى لم يكن حمل أحد القراءتين على الأخرى متعينا، بل إن الاختلاف يعدّ أمراً مطلوباً حيث يكثِّر المعاني في الآية الواحدة. ١١ - اعتبر ابن عاشور القراءة القرآنية مرجحاً لأحد المعاني إذا اختلفت المعاني في الآية، كما اعتمد رسم المصحف في الترجيح حيث ذهب إلى أن التفسير الموافق لرسم المصحف مقدمٌ على غيره من التفاسير. ١٢ - اعتنى ابن عاشور بالسياق القرآني، فهو كثيراً ما يرجّح بعض الأقوال بناءً على مناسبته للسياق، كما حرص على ترجيح القول الذي لا يصادم نظم الآية ولا ترتيبها. ١٣ - عالج ابن عاشور كثيراً من الآيات التي تبدو متعارضة عند النظرة الأولى لها وبيّن أن لكل آية مقامها، ومناسبتها التي ذكرت فيها فلا تعارض بين الآيات. ١٤ - حرص ابن عاشور على التعرف على عادات القرآن ومعهوده في التفسير، واعتمد أسلوب القرآن في الترجيح بين الأقوال. ١٥ - ذهب ابن عاشور إلى أن الألفاظ تدل على المعاني، وأن أي زيادة في

стр. 949

لفظ الكلمة فيه زيادة في معناها. ١٦ - بيّن ابن عاشور في تفسيره أن جميع المعاني التي تتحملها جمل القرآن، تعتبر مرادة بها، وأن فيه من المعاني والمقاصد أكثر مما تحتمله الألفاظ، وهذا لكونه معجزة الإسلام الخالدة، ولذلك فهو يرى أنه إذا اختلفت المعاني حول الآية وكانت جميعها مما يحتملها اللفظ فالأولى الأخذ بها جميعاً ما لم يوجد قرينة أو دليل يرجح أحدهما.

стр. 950

التوصيات: ولعل هذه الخاتمة فرصة لإبداء مقترحاتي حول هذا الموضوع خاصةً وموضوعات الدراسات القرآنية عموماً، وهي: أولاً: أن تتم دراسة مستقلة في مقدمات ابن عاشور التي افتتح بها تفسيره , لأنك إذا قارنتها بما كتبه معاصروه لن تجد وجهاً للمقارنة ألبتة، فهي من الأعلاق النفيسة ذات الشأو البعيد تحتاج إلى عناية ودراسة متخصصة. ثانياً: أقترح إخراج كتب ابن عاشور المخطوطة وتحقيقها، ثم طباعتها ليستفيد منها طلبة العلم. ثالثاً: أن يقوم أحد الباحثين بدراسة مقارنة بين قواعد الترجيح في التفسير من حيث القوة والأَوْلى في تقديم العمل بها، لا سيما عندما تتنازع أكثر من قاعدة حول تفسير الآية فيحتاج إلى معرفة درجة قوة كل منهما وأيهما أقوى حتى تقدَّم في اعتماد الترجيح. رابعاً: نظراً لتميّز ابن عاشور في تحرير المسائل وترجيحها فإنني أرى دراسة القواعد الترجيحية المتعلقة بالسنة عنده، وأما اللغة فهي قيد الدراسة. خامساً: نظراً للارتباط الوثيق بين علم أصول الفقه وقواعد الترجيح، فحبذا لو يتمّ تدريس بعض أبواب أصول الفقه وطرق الاستنباط في الدراسات العليا بقسم القرآن وعلومه. وكذا يتم تدريس التفسير الفقهي وأنواعه في الدراسات العليا بكليات الشريعة. وأخيراً أحمد الله العلي القدير على توفيقه وتيسيره على إنجاز هذا
следующие страницы →