الفصل السابع
تقويم منهج ابن عاشور في الترجيح
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: معالم منهج ابن عاشور في الترجيح
ومميزاته
المبحث الثاني: المآخذ على منهج ابن عاشور
في الترجيح.
المبحث الثالث: أثر عقيدة ابن عاشور في صياغة
القواعد والترجيح بها.
стр. 878
المبحث الأول
معالم منهج ابن عاشور في الترجيح ومميزاته
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: صيغ الترجيح عند ابن عاشور.
المطلب الثاني: منهج ابن عاشور في استعمال وجوه الترجيح المطلب الثالث: مميزات الترجيح عند ابن عاشور.
стр. 879
اعتنى ابن عاشور بتحقيق الأقوال وترجيحها على الأصول الصحيحة سواءً في اللغة، أو الفقه، أو السنة، والقراءات، وغير ذلك. مما يدل على قوته العلمية وتمكنه من أصول التفسير، وقد نهج في ترجيحه منهجاً علمياً واضحاً متمثلا في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول
صيغ الترجيح عند ابن عاشور
ويشتمل على:
١ - الترجيح بصيغ التفضيل، ومنها (أظهر، وأشهر، وأرجح، وأصح .. ).
٢ - الترجيح بألفاظ التضعيف أو البعد والبطلان بأحد الألفاظ لأحد الأقوال: ضعيف - بعيد - باطل فيعتبر ترجيحاً للقول الآخر.
٣ - الترجيح بذكر القول الراجح في أول الأقوال وتقديمه.
٤ - الترجيح بذكر القول الراجح فقط دون ذكر بقية الأقوال فيعتبراً اختياراً وترجيحاً لهذا القول.
وإليك التفصيل:
• الترجيح بصيغ التفضيل، ومنها: (أظهر، وأشهر، وأرجح، وأصح .. ):
أكثر ابن عاشور من الترجيح بصيغ أفعل التفضيل في تفسيره، ومن الألفاظ التي استعملها ابن عاشور مرتبة حسب كثرة استعمالها:
стр. 880
أولاً: الترجيح بعبارة (أظهر):
استخدم ابن عاشور عبارة أظهر في الترجيح بين الأقوال، وقد أكثر من استخدامها في أغراض متعددة منها:
١ - في بيان القول الراجح الذي يقتضيه سياق الآية وألفاظها، ومن ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (١) قال: " والمراد من الأبناء , قيل: أطفال اليهود , وقيل: أريد به الرجال بدليل مقابلته بالنساء , وهذا الوجه أظهر وأوفق بأحوال الأمم، إذ المظنون أن المحق والاستئصال إنما يقصد به الكبار، ولأنه على الوجه الأول تكون الآية سكتت عن الرجال إلا أن يقال: إنهم كانوا يذبحون الصغار قطعاً للنسل ويسْبون الأمهات استعباداً لهن ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدريج " (٢).
٢ - الترجيح بها عند تقديم معنى على معنى آخر، ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٣) قال: " والظاهر أن خطابه تعالى هذا للملائكة كان عند إتمام خلق آدم عند نفخ
стр. 881
الروح فيه , أو قبل النفخ، والأول أظهر " (١).
٣ - الترجيح بها في الناحية الإعرابية، ومن ذلك قوله عند قوله تتعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢) قال ابن عاشور: " وجملة: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ تحتمل الحال والاستئناف والأول أظهر (٣)
٤ - الترجيح بأظهر فيما يتعلق بالناحية البلاغية، ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤) قال: " ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً؛ لأن السامع إذا سمع ما تقدم من صفات الثناء عليهم ترقب فائدة تلك الأوصاف، واسم الإشارة هنا حل محل ذكر ضميرهم والإشارة أحسن منه وقعاً؛ لأنها تتضمن جميع أوصافهم المتقدمة فقد حققه التفتزاني في باب الفصل والوصل من الشرح المطول أن الاستئناف بذكر اسم الإشارة أبلغ من الاستئناف الذي يكون بإعادة اسم المستأنف عنه. وهذا التقدير أظهر معنى وأنسب بلاغة وأسعد باستعمال اسم
стр. 882
الإشارة في مثل هاته المواقع " (١).
ثانياً: الترجيح بعبارة (أشهر):
استخدم ابن عاشور هذه العبارة في مواضع متعددة من تفسيره، ومن أبرزها:
١ - ترجيح قراءة على أخرى ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ (٢) قال: " وقرأ حفص عن عاصم ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ﴾ بضم هاء الضمير على أصل الضمير وهي لغة، والكسر أشهر لأن حركة الكسرة بعد الياء أخف" (٣) ... .
٢ - في ترجيح معنى على آخر فيما كان لفظاً يحتمل عدة معاني فإنه يرجح بصيغة التفضيل أشهر في الغالب , ومن ذلك قوله عند قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤): " والقروء جمع قرء بفتح القاف وضمها وهو مشترك للحيض والطهر. وقال أبو عبيدة: إنه موضوع للانتقال من الطهر إلى الحيض، أو من الحيض إلى الطهر، فلذلك إذا أطلق على الطهر أو على الحيض كان إطلاقاً على أحد طرفيه، وتبعه الراغب، ولعلهما أرادا بذلك وجه إطلاقه على الضدين. وأحسب أن أشهر معاني القرء عند
стр. 883
العرب هو الطهر " (١).
٣ - في ترجيح سبب نزول على آخر، ومن ذلك ما جاء عنه في تفسيره قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٢) قال: " وقد تضافرت الروايات عند المفسرين عن أم سلمة، وابن عباس، والحارث بن ضرارة الخزاعي أن هذه الآية نزلت عن سبب قضية حدثت , ذلك أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط إلى بني المصطلق من خزاعة ليأتي بصدقاتهم فلمّا بلغهم مجيئه، أو لمّا استبطأُوا مجيئه، فإنهم خرجوا لتلقيه أو خرجوا ليبلغوا صدقاتهم بأنفسهم وعَليهم السلاح، وأن الوليد بلغه أنهم خرجوا إليه بتلك الحالة وهي حالة غير مألوفة في تلقي المصدقين وحدثته نفسه أنهم يريدون قتله، أو لما رآهم مقبلين كذلك (على اختلاف الروايات) خاف أن يكونوا أرادوا قتله إذ كانت بينه وبينهم شحناء من زمن الجاهلية فولّى راجعاً إلى المدينة .... إلى أن قال: "وقد روي أن سبب نزول هذه الآية قضيتان أخريان، وهذا أشهر " (٣). .
ثالثاً: الترجيح بعبارة (أرجح):
يستخدم ابن عاشور عبارة (أرجح) لأغراض عدة منها:
١ - الترجيح بعبارة أرجح إذا ذكر دليل القول الراجح سواء من كتاب
стр. 884
أو سنة أو غير ذلك ولم يذكر دليل القول المرجوح، مما يجعل للقول الراجح ميزة ترجحه وتؤيده، ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) قال: " وأما جلد الميتة فله شبه من جهة ظاهره كشبه الشعر والصوف، ومن جهة باطنه كشبه اللحم، ولتعارض هذين الشبهين اختلف الفقهاء في الانتفاع بجلد الميتة إذا دُبغ , فقال أحمد بن حنبل: لا يطهر جلد الميتة بالدبغ، وقال أبو حنيفة والشافعي: يطهر بالدبغ ما عدا جلد الخنزير لأنه محرم العين، ونسب هذا إلى الزهري، وألحق الشافعي جلد الكلب بجلد الخنزير، وقال مالك يطْهر ظاهر الجلد بالدبغ لأنه يصير صلباً لا يداخله ما يجاوره، وأما باطنه فلا يطْهر بالدبغ , ولذلك قال: يجوز استعمال جلد الميتة المدبوغ في غير وضع الماء فيه، ومنع أن يصلي به أو عليه.
وقول أبي حنيفة أرجح للحديث الصحيح أن النبي ﷺ رأى شاة ميتة كانت لميمونة أم المؤمنين فقال «هلاَّ أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به» (٢) " (٣).
٢ - ترجيح قراءة على أخرى، ومثاله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
стр. 885
آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (١). قال: " و (الطير) منصوب بالعطف على المنادَى لأن المعطوف المعرَّف على المنادى يجوز نصبُه ورفعه، والنصب أرجح " (٢). .
٣ - ترجيح حكم على آخر، ومثاله عند تفسير قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ (٣) حيث ساق ابن عاشور خلاف الفقهاء فيمن عقد عليها النبي ﷺ ثمّ كفّ عنها، وهل يجوز لها أن تتزوج أم تثبت لها حرمة التزوج برسول الله ﷺ ولا تتزوج، وفيه رجّح ابن عاشور مذهب الإمام مالك فقال: " تثبت حرمة التزوج بهن حفظاً لحرمة رسول الله ﷺ ، وقيل لا يثبت لهن ذلك والأول أرجح " (٤).
٤ - في ترجيح ناحية إعرابية على أخرى حيث قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً
стр. 886
وَسَلَامًا﴾ (١): " واسم الإشارة هو الخبر عن قوله: ﴿وعباد الرحمن﴾ (٢) كما تقدم على أرجح الوجهين (٣).
٥ - الترجيح لكونه الأكثر والغالب في القرآن حيث قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (٤): " وقد اختلف في المراد من هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم، فقيل: هم من بني إسرائيل خالفوا على نبي لهم في دعوته إياهم للجهاد، ففارقوا وطنهم فراراً من الجهاد، وهذا الأظهر، فتكون القصة تمثيلاً لحال أهل الجبن في القتال، بحال الذين خرجوا من ديارهم، بجامع الجبن، وهذا أرجح الوجوه لأن أكثر أمثال القرآن أن تكون بأحوال الأمم الشهيرة وبخاصة بني إسرائيل " (٥). .
٦ - الترجيح بـ " أرجح " لدلالة السياق، ومثاله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ
стр. 887
ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (١) قال: " وجملة (لا يكفون) مضاف إليها (حينَ). وضمير (يكفون) فيه وجهان: أحدهما بدا لي أن يكون الضمير عائداً إلى ملائكة العذاب فمعاد الضمير معلوم من المقام، ونظائر هذا المعاد كثيرة في القرآن وكلام العرب. ومعنى الكف على هذا الوجه: الإمساك وهو حقيقته، أي حين لا يمسك الملائكة اللفح بالنار عن وجوه المشركين. وتكون هذه الآية في معنى قوله تعالى في سورة: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (٢) والوجه الثاني: أن يكون ضمير (يكُفُّون) عائداً إلى الذين كفروا، والكَفّ بمعنى الدّرْءِ والستر مجازاً بعلاقة اللزوم، أي: حين لا يستطيعون أن يدفعوا النار عن وجوههم بأيديهم ولا عن ظهورهم , أي: حين تحيط بهم النار مواجهَةً ومدابرَةً. وذِكر الظهور بعد ذكر الوجوه عن هذا الاحتمال احتراس لدفع توهم أنهم قد يكفّونها عن ظهورهم إن لم تشتغل أيديهم بكفها عن وجوههم وهذا الوجه هو الذي اقتصر عليه جميعُ من لدينا كُتبهم من المفسرين.
والوجه الأول أرجح معنى، لأنه المناسب مناسبة تامة للكافرين الحاضرين المقرعين ولتكذيبهم بالوعيد بالهلاك في قولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ
стр. 888
صَادِقِينَ﴾ (١)، ولقوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾ (٢) " (٣).
رابعاً: الترجيح بعبارة (أصح):
استخدم ابن عاشور عبارة أصح في الترجيح وإن كان لم يكثر منها، ولكنه استخدمها في أغراض متنوعة:
١ - لترجيح سبب نزول آية على سبب آخر، ومن ذلك قوله عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٤): " روى الطّبري عن قتادة قال «كان المسلمون يسبّون أوثان الكفّار فيردّون ذلك عليهم فنهاهم الله أن يستَسبّوا لربّهم». وهذا أصحّ ما روي في سبب نزول هذه الآية وأوفَقُه بنظم الآية " (٥).
٢ - في ترجيح حكم على حكم آخر، ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٦) قال: " وأما
стр. 889
الغاية فاختلفوا أيضاً في الحاصل بعد مضي الأجل، فقال مالك والشافعي: إن رفعته امرأته بعد ذلك يوقف لدى الحاكم، فإما أن يفئ أو يطلق بنفسه، أو يطلق الحاكم عليه، وقال أبو حنيفة: إن مضت المدة ولم يفيءْ فقد بانت منه، واتفق الجميع على أن غير القادر يكفي أن يفيء بالعزم، والنية، وبالتصريح لدى الحاكم، كالمريض والمسجون والمسافر.
واحتج المالكية بأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فدل على أن هنالك مسموعاً؛ لأن وصف الله بالسميع معناه العليم بالمسموعات، على قول المحققين من المتكلمين، لا سيما وقد قرن بعليم، فلم يبق مجال لاحتمال قول القائلين من المتكلمين بأن السميع مرادف للعليم وليس المسموع إلاّ لفظ المولي، أو لفظ الحاكم، دون البينونة الاعتبارية. وقوله (عليم) يرجع للنية والقصد. وقال الحنفية (سميع) لإيلائه، الذي صار طلاقاً بمضي أجله، كأنهم يريدون أن صيغة الإيلاء جعلها الشرع سبب طلاق، بشرط مضي الأمد (عليم) بنية العازم على ترك الفَيئة. وقول المالكية أصح؛ لأن قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ جُعل مفرعاً عن عزم الطلاق لا عن أصل الإيلاء؛ ولأن تحديد الآجال وتنهيتها موكول للحكام" (١).
٣ - استخدم هذه العبارة للترجيح إذا كان دليل القول الراجح صحيحاً , سواءً كان من كتاب أو سنة، ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى:
стр. 890
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١): " وقد اختلف السلف في الإسراء أكان بجسد رسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس أم كان بروحه في رؤيا هي مشاهدة رُوحانية كاملة ورؤيا الأنبياء حق. والجمهور قالوا: هو إسراء بالجسد في اليقظة، وقالت عائشة ومعاوية والحسن البصري وابن إسحاق ﵃: إنه إسراء بروحه في المنام , ورؤيا الأنبياء وحي.
واستدل الجمهور بأن الامتنان في الآية وتكذيبَ قريش بذلك دليلان على أنه ما كان الإخبار به إلا على أنه بالجسد. واتفق الجميع على أن قريشاً استوصفوا من النبي علامات في بيت المقدس وفي طريقه فوصفها لهم كما هي، ووصف لهم عيراً لقريش قافلة في طريق معين ويوم معين فوجدوه كما وصف لهم. ففي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: " بينما أنا في المسجد الحرام بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل. . . " إلى آخر الحديث. وهذا أصح وأوضح مما روي في حديث آخر أن الإسراء كان من بيته أو كان من بيت أم هاني بنت أبي طالب أو من شعب أبي طالب " (٢).
a. الترجيح بألفاظ التضعيف أو البطلان أو البعد بأحد الألفاظ: ضعيف - بعيد - باطل يعتبر ترجيحاً للقول آخر:
стр. 891
ومن ذلك ما جاء عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥)﴾ (١) حيث ذكر أن قول عكرمة في أن الليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان قول ضعيف، ورجَّح القول بأنها في العشر الأواخر من رمضان، ومن قوله: " وتنكير (ليلة) للتعظيم، ووصفها بـ (مباركة) تنويه بها وتشويق لمعرفتها. فهذه الليلة هي الليلة التي ابتدئ فيها نزول القرآن على محمد ﷺ في الغار من جَبل حِرَاءٍ في رمضان قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٢).
والليلة التي ابتدئ نزول القرآن فيها هي ليلة القدر, قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٣)، والأصح أنها: في العشر الأواخر من رمضان , وأنها في ليلة الوتر إلى أن قال: وعن عكرمة: أن الليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان هو قول ضعيف " (٤).
وكذلك ما جاء عنه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ
стр. 892
وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) حيث ذكر أن من الناس من ذهب إلى أن الصلاة الوسطى قُصد إخفاؤها ليحافظ الناس على جميع الصلوات، وردّ هذا القول بقوله: " هذا قول باطل؛ لأن الله تعالى عرَّفها باللام ووصفها فكيف يكون مجموع هذين المعرفين غير مفهوم.
إلى أن يقول: "وأصح ما في هذا الخلاف: ما جاء من جهة الأثر وذلك قولان:
أحدهما: إنها الصبح، هذا قول جمهور فقهاء المدينة، وبه قال مالك، وهو عن الشافعي، لأن الشائع عندهم أنها الصبح، وهم أعلم الناس بما يروى عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو قرينة حال.
القول الثاني: إنها العصر، وهذا قول جمهور من أهل الحديث، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في رواية، وحجتهم ما روي أن النبي ﷺ قال يومَ الخندق حين نسي أن يصلي العصر من شدة الشغل في حفر الخندق، حتى غربت الشمس فقال: «شغلونا أي المشركون عن الصلاة الوسطى، أضرم الله قبورهم ناراً».
والأصح من هذين القولين أولهما لما في «الموطأ» و «الصحيحين» أن عائشة وحفصة أمَرَتا كاتبي مصحفيهما أن يكتبا قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) وأسندت عائشة ذلك إلى رسول الله ﷺ ولم تسنده حفصة، فإذا بطل أن تكون الوسطى هي العصر، بحكم عطفها على الوسطى تعين كونها الصبح، هذا من جهة الأثر " (٢).
стр. 893
b. الترجيح بذكر القول الراجح في الأول وتقديمه:
درج ابن عاشور على ذكر القول الراجح في الأول وتقديمه على بقية الأقوال، ومن أمثلة تقديمه للقول الراجح ما جاء عنه في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). حيث نصّ على أن هذا من كلام امرأة العزيز حيث يقول " ظاهر ترتيب الكلام أن هذا من كلام امرأة العزيز، مضت في بقية إقرارها فقالت: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾. وذلك كالاحتراس مما يقتضيه قولها: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ (٢) من أن تبرئة نفسها من هذا الذنب العظيم ادعاءٌ بأن نفسها بريئة براءة عامة فقالت: : ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، أي ما أبرئ نفسي من محاولة هذا الإثم لأن النفس أمّارة بالسوء وقد أمرتني بالسوء ولكنه لم يقع.
- ثم ذكر ابن عاشور القول الآخر بصيغة التمريض حيث يقول: " وقيل هذا الكلام: كلام يوسف ﵇ متصل بقوله: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ (٣)(٤).
стр. 894
o الترجيح بذكر القول الراجح فقط دون ذكر بقية الأقوال فيعتبراً اختياراً وترجيحاً لهذا القول:
اقتصر ابن عاشور أحياناً على القول الراجح فقط دون أن يعرض لبقية الأقوال، ومثال ذلك ما جاء عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ (١) حيث قال ابن عاشور: " ارتد: رجع، وهو افتعال مطاوع ردّه، أي رد الله إليه قوة بصره كرامة له وليوسف ﵉ وخارق للعادة (٢).
بينما ذكر بعض المفسرين قولاً آخر هو: أن المعنى ارتد بصيراً - أي عليماً - بخبر يوسف (٣)، وهذا القول لم يذكره ابن عاشور لأنه لا يراه.
стр. 895
المطلب الثاني
منهج ابن عاشور في استعمال وجوه الترجيح
ويشتمل على:
١ - الترجيح بدلالة النص القرآني وهو موضوع البحث، ويشتمل:
أولاً: الترجيح بدلالة النص القرآني ذاته:
وفيه عدة مباحث معززة بالأمثلة - راجع الفصل الثاني من هذا البحث -
ثانياً: الترجيح بدلالة النسخ في الآية:
وفيه عدة مباحث معززة بالأمثلة - راجع الفصل الثالث من هذا البحث -
ثالثاً: الترجيح بدلالة القراءة القرآنية، وفيه عدّة مباحث معززة بالأمثلة. راجع الفصل الرابع.
رابعاً: الترجيح بدلالة رسم المصحف، وفيه عدّة مباحث. راجع الفصل الخامس.
خامساً: الترجيح بدلالة السياق القرآني، وفيه عدّة مباحث. راجع الفصل الخامس.
سادساً: الترجيح بدلالة المفردة القرآنية، وفيه عدّة مباحث. راجع الفصل السادس من هذا البحث.
٢ - الترجيح بدلالة الحديث النبوي، وفيه:
أولاً: الترجيح بدلالة حديث نبوي في تفسير الآية.
стр. 896
ثانياً: الترجيح بدلالة حديث نبوي في معنى أحد الأقوال.
ثالثاً: الترجيح بدلالة أسباب النزول.
رابعاً: الترجيح بدلالة إجماع الحجة من أهل التأويل.
خامساً: الترجيح بدلالة عصمة النبوة.
ويمكنني توضيح ذلك من خلال بعض الأمثلة التطبيقية:
أولاً: الترجيح بدلالة حديث نبوي في تفسير الآية:
اعتنى ابن عاشور بالترجيح بحديث النبي ﷺ ، ومن أمثلة ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١): " والظّلم: الاعتداء على حقّ صاحب حقّ، والمراد به هنا: إشراك غير الله مع الله في اعتقاد الإلهية وفي العبادة، قال تعالى: ﴿إنّ الشِّرك لظلم عظيم﴾ (٢) لأنَّه أكبر الاعتداء، إذ هو اعتداء على المستحقّ العظيم، لأنّ من حقّه أن يفرد بالعبادة اعتقاداً وعملاً وقولاً لأنّ ذلك حقّه على مخلوقاته. ففي الحديث " حقّ العباد على الله أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئاً " وقد ورد تفسير الظلم في هذه الآية بالشرك. في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁: " لمّا نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ شَقّ ذلك على المسلمين وقالوا: أيّنا لم
стр. 897
يظلم نفسه " فقال لهم رسول الله ﷺ " ليس كما تَظُنّون إنَّما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿إنّ الشِّرك لظلم عظيم﴾ " (١).
حيث رجّح ابن عاشور في هذه الآية أن الظلم هو الشرك بدلالة الحديث النبوي.
ثانياً: الترجيح بدلالة حديث نبوي في معنى أحد الأقوال:
ومنه ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ (٢).
قال ابن عاشور: " و (قد) مفيد للتحقيق لأنهم لنفاقهم ومَرض قلوبهم يشكّون في لازم هذا الخبر وهو إنباء الله رسوله ﵊ بهم، أو لأنهم لجهلهم الناشئ عن الكفر يظنون أن الله لا يعلم خفايا القلوب , وذلك ليس بعجيب في عقائد أهل الكفر , ففي «صحيح البخاري» عن ابن مسعود ﵁: «اجتمع عند البيت قُرشيان وثقفيّ أو ثقفيان وقرشي كثيرةٌ شُحمُ بطونهم قليلةٌ فِقهُ قلوبهم، فقال أحدهم: أتُرَوْنَ أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ
стр. 898
كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (١) فللتوكيد بحرف التحقيق موقع " (٢).
فأنت تراه هنا لم يورد هذا الحديث في بيان معنى الآية نفسها، وإنما أراد أن يدلل لما ذهب إليه من معناها.
ثالثاً: الترجيح بدلالة أسباب النزول:
عدَّ ابن عاشور أسباب النزول من وجوه الترجيح حيث قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ (٣).
:
" وقوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ عطف على ﴿شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: أي ولا تحلّوا قاصدي البيت الحرام , وهم الحجّاج، فالمراد قاصدوه لحجّه، لأنّ البيت لا يقصد إلاّ للحجّ، ولذلك لم يقل: ولا آمِّين مكة، لأنّ من قصد مكة قد يقصدها لتجر ونحوه، لأنّ من جملة حُرمَة البيت حرمة قاصده. ولا شك أنّ المراد آمِّين البيت من المشركين؛ لأنّ آمِّين البيت من المؤمنين محرّم أذاهم في حالة قصد البيت وغيرها من الأحوال. وقد روي ما يؤيّد هذا في أسباب النزول:
стр. 899
وهو أن خيلاً من بكر بن وائل وردوا المدينة وقائدهم شريح بن ضُبَيْعَة الملقّب بالحُطَم (بوزن زُفر)، والمكنّى أيضاً بابن هند. نسبة إلى أمّه هند بنت حسّان بن عَمْرو بنِ مَرْثَد، وكان الحُطَم هذا من بكر بن وائل، من نزلاء اليمامة، فترك خيلَه خارج المدينة ودخل إلى النبي ﷺ فقال: «إلام تدعو» فقال رسول الله: (إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) فقال: حَسَن ما تدعو إليه وسأنظُرُ ولعلّي أن أسْلِم وأرى في أمرك غِلظة ولي مِن وَرائي مَنْ لا أقطَع أمراً دونهم وخرج فمرّ بسَرْح المدينة فاستاق إبلاً كثيرة ولحقه المسلمون لمَّا أُعلموا به فلم يلحقوه، ثم أقبل الحُطم في العام القابل وهو عام القَضية فسمعوا تلبيَة حُجَّاج اليمامة فقالوا: هذا الحُطَم وأصحابه ومعهم هَدْي هو ممَّا نهبه من إبل المسلمين، فاستأذنوا رسول الله في نَهبهم، فنزلت الآية في النهي عن ذلك , فهي حكم عامّ نزل بعد تلك القضية، وكان النهي عن التعرّض لبُدْن الحُطم مشمولاً لما اشتملت عليه هذه الآية" (١).
رابعاً: الترجيح بإجماع الحجة من أهل التأويل:
رجّح ابن عاشور بعض الأقوال بناءً على الإجماع ومن ذلك ما ذكره عند تفسير قوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ
стр. 900
تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١).
حيث رجّح أن الآية منسوخة بالإجماع - الإجماع المستند إلى الدليل - فقال: " وعلى تفسير الطاقة بالقدرة , فالآية تدل على أن الذي يقدر على الصوم له أن يعوضه بالإطعام، ولما كان هذا الحكم غير مستمر بالإجماع , قالوا في حمل الآية عليه: إنها حينئذٍ تضمنت حكماً كان فيه توسعة ورخصة ثم انعقد الإجماع على نسخه، وذكر أهل الناسخ والمنسوخ أن ذلك فُرِض في أول الإسلام لما شق عليهم الصوم ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢) ونقل ذلك عن ابن عباس ﵁ وفي البخاري عن ابن عمر ﵁ وسلَمةَ بن الأكْوَع ﵁ نسختْها آية ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (٣) ثم أخرج عن ابن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ نَزَل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكيناً تركَ الصوم من يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسَختها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٤)، ورويت في ذلك آثار كثيرة عن التابعين وهو الأقرب من عادة الشارع في تدرج تشريع التكاليف التي فيها مشقة على الناس من تغيير معتادهم كما تدرج في تشريع منع الخمر " (٥).
стр. 901
خامساً: الترجيح بدلالة عصمة النبوة.
رجّح ابن عاشور بعض الأقوال بناءً على عصمة النبوة، ومن ذلك ماجاء عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (١) قال: " وبذلك يظهر أن يوسف ﵇ لم يخالطه همّ بامرأة العزيز؛ لأن الله عصمه من الهمّ بالمعصية بما أراه من البرهان " (٢).
وكذلك ما جاء عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ (٣) حيث قال فيها: "والفتْن والفتون: معاملةُ يلحق منها ضُرّ واضطراب النفس في أنواع من المعاملة يعسر دفعها، من تغلب على القوة وعلى الفِكر، وتقدم في قوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٤).
وعدي " يفتنونك " بحرف (عَن) لتضمينه معنى فعللٍ كان الفَتن لأجله، وهو ما فيه معنى (يصرفونك).والذي أوحي إليه هو القرآن.
هذا هو الوجه في تفسير الآية بما تعطيه معاني تراكيبها مع ملاحظة ما
стр. 902
تقتضيه أدلة عصمة الرسول ﷺ من أن تتطرق إليه خواطر إجابة المشركين لما يطمعون. وللمفسرين بضعة محامل أخرى لهذه الآية استقصاها القرطبي، فمنها ما ليس له حظ من القبول لوهن سنده وعدم انطباقه على معاني الآية، ومنها ما هو ضعيف السند وتتحمله الآية بتكلف " (١).
٣ - الترجيح بدلالة اللغة:
برع ابن عاشور في اللغة العربية، وتعرّض في مقدمة تفسيره للعلوم اللازمة التي يستمد منها علم التفسير، ذكر في أولها علم اللغة العربية ومعرفة قواعدها , وقال أيضاً: " إن القرآن كلام عربي , فكانت قواعد العربية طريقاً لفهم معانيه، وبدون ذلك يقع الغلط وسوء الفهم، لمن ليس بعربي السليقة، ونعني بقواعد العربية مجموع علوم اللسان العربي وهي: متن اللغة والتصريف، والنحو، والمعاني، والبيان " (٢).
وقد اعتمد ابن عاشور الترجيح بدلالة اللغة من عدة نواح منها:
أولا: الترجيح باعتماد المستفيض والمعروف من كلام العرب:
ومن ذلك ما جاء عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ حيث قال: " وليس قوله تعالى: ﴿بِالسِّنِينَ﴾ دليلاً على أنها طالت أعواماً؛ لأن السنين هنا جمع سنة
стр. 903
بمعنى الجدْب لا بمعنى الزمن المقدر من الدهر , فالسنة في كلام العرب إذا عُرِّفت باللام يراد بها سنة الجدب، والقحط وهي حينئذ علم جنس بالغلبة " (١).
ثانيا: الترجيح بدلالة اشتقاق الكلمة وتصريفها:
ومن ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٢):
" والخليل في كلام العرب الصاحب الملازم الذي لا يخفى عنه شيء من أمور صاحبه، مشتقّ من الخِلال، وهو النواحي المتخلّلة للمكان: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ (٣) ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ (٤). هذا أظهر الوجوه في اشتقاق الخليل. ويقال: خِلّ وخُلّ بكسر الخاء وضمّها ومؤنّثهُ: خُلّة بضمّ الخاء، ولا يقال بكسر الخاء .. " (٥).
ثالثا: توظيف ابن عاشور النحو في اختياراته التفسيرية:
اعتنى ابن عاشور بوجوه الإعراب والمسائل النحوية، وقد كان لها أثراً واضحاً في ترجيحاته ومن ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
стр. 904
رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ (١) قال: " وقد تردد المفسرون في محل اللام في قوله: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ وقد ذكر الوجه الصحيح، وأعقبه بخمسة أوجه للمفسرين وعقب عليها بقوله: " وهي وجوه ضعيفة متفاوته الضعف فلا نطيل بتقريرها.
وقد أيد القول الذي رجحه بما ذهب إليه النحاة فقال: " والذي سلكه أهل التدقيق منهم - يعني من المفسرين - أن اللام لام العاقبة ونقل ذلك عن نحاة البصرة (الخليل بن أحمد، وسيبويه، والأخفش، وأصحابهما " (٢).
стр. 905
المطلب الثالث
مميزات الترجيح عند ابن عاشور
ظهرت عناية ابن عاشور بقواعد الترجيح المتعلقة بالنص القرآني من خلال الدلالة على أصح الأقوال، وإليك أبرز مميزاته في الترجيح:
١ - ميّز ابن عاشور بين النسخ وغيره من الأمور المتشابهة، وفرّق بين تخصيص العام والنسخ، كما فرّق بين تقييد المطلق والنسخ، وكذلك بينه وبين البيان والاستثناء، وكان من نتائج تحريه ودقته في مسائل النسخ أن انعكس ذلك على ترجيحاته فمثلاً عند قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١). ذكر بعض العلماء: "إن حكم هذه الآية منسوخ بآية الزكاة، وكان هذا قبل أن تفرض الزكاة , فلما فرضت الزكاة نسخ الله بها كل صدقة في القرآن (٢).
في حين قرر ابن عاشور أن هذه الآية محكمة حيث قال: " وعلى القول المختار فهذه الآية غير منسوخة، ولكنّها مخصّصة ومبيَّنة بآيات أخرى وبما يبيّنه النَّبي ﷺ فلا يُتعلّق بإطلاقها، وعن السدّي أنَّها نسخت بآية الزّكاة يعني: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٣)، وقد كان المتقدّمون يسمّون التّخصيص
стр. 906
نسخاً " (١). .وكذلك قال عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٢) ذهب بعض المفسرين إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣)(٤) أما ابن عاشور فقد ذكر أن الآية محكمة ومن قوله: "والحق أن هذا بيان لا نسخ، كما حققه المحققون، ولكن شاع عند المتقدمين من إطلاق النسخ على ما يشمل البيان (٥).
٢ - إنه يرد على الروافض ويبين أصولهم ويُفنّدُها، فظهرت ترجيحاته حازمة عليهم، فعلى سبيل المثال عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٦) رجَّح ابن عاشور أن أهل البيت هم: أزواج النبي ﷺ .
فقال: "والخطاب موجه إليهن وكذلك ما قبله وما بعده، لا يخالط أحداً شك في ذلك، ولم يفهم منها أصحاب النبي ﷺ والتابعون إلا أن أزواج النبي ﵊ هن المراد بذلك , وأن النزول في شأنهنّ , وأما ما رواه الترمذي عن عطاء بن أبي رباح عن عُمر بن أبي سلمة قال: "لما نزلت على النبي
стр. 907
- ﷺ : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ في بيت أم سلمة دعا فاطمةَ وحسناً وحسيناً فجَلَّلهم بكساء وعليٌّ خلْف ظهره ثم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهِب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً ". وقال: هو حديث غريب من حديث عطاء عن عمر بن أبي سلمة ولم يَسِمْه الترمذي بصحة ولا حُسن، ووسمه بالغرابَة. وفي «صحيح مسلم» عن عائشة: خرج رسول الله غداةً وعليه مرط مرحَّل فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وهذا أصرح من حديث الترمذي. فمَحمله أن النبي ﷺ ألحق أهل الكساء بحكم هذه الآية وجعلهم أهلَ بيته، وبهذا يتضح أن أزواج النبي ﷺ هن آل بيته بصريح الآية، وأن فاطمة وابنيْها وزوجها مجعولون أهل بيته بدعائه أو بتأويل الآية على محاملها. ولذلك هُمْ أهل بيته بدليل السنة، وكل أولئك قد أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، بعضه بالجعل الإلهي، وبعضه بالجعل النبوي. وقد تلقّف الشيعة حديث الكساء فغصبوا وصف أهل البيت، وقصروه على فاطمة وزوجها وابنيهما عليهم الرضوان، وزعموا أن أزواج النبي ﷺ لسن من أهل البيت.
وهذه مصادمة للقرآن بجعل هذه الآية حشواً بين ما خوطب به أزواج النبي. وليس في لفظ حديث الكساء ما يقتضي قصر هذا الوصف على أهل الكساء إذ ليس في قوله: «هؤلاء أهل بيتي» صيغة
стр. 908
قصر , وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ (١) ليس معناه ليس لي ضيف غيرهم، وهو يقتضي أن تكون هذه الآية مبتورة عما قبلها وما بعدها , ويظهر أن هذا التوهم من زمن عصر التابعين، وأن منشأه قراءة هذه الآية على الألسن دون اتصال بينها وبين ما قبلها وما بعدها.
ويدل لذلك ما رواه المفسرون عن عكرمة أنه قال: من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي ﷺ , وأنه قال أيضاً: ليس بالذي تذهبون إليه، إنما هو نساء النبي ﷺ وأنه كان يصرخ بذلك في السوق , وحديث عمر بن أبي سلمة صريح في أن الآية نزلت قبل أن يدعو النبي الدعوة لأهل الكساء وأنها نزلت في بيت أم سلمة. وأما ما وقع من قول عُمر بن أبي سلمة: أن أم سلمة قالت: وأنا معهم يا رسول الله؟ فقال: " أنت على مكانك وأنتِ على خير ". فقد وهم فيه الشيعة فظنوا أنه منعها من أن تكون من أهل بيته، وهذه جهالة لأن النبي ﷺ إنما أراد أن ما سألته من الحاصل، لأن الآية نزلت فيها وفي ضرائرها، فليست هي بحاجة إلى إلحاقها بهم، فالدعاء لها بأن يذهب الله عنها الرجس ويطهرها دعاء بتحصيل أمر حصل وهو مناف بآداب الدعاء كما حرره شهاب الدين القرافي في الفرق بين الدعاء المأذون فيه والدعاء الممنوع منه، فكان جواب النبي ﷺ تعليماً لها. وقد وقع في بعض الروايات أنه قال لأم سلمة: " إنكِ من أزواج النبي " , وهذا أوضح في المراد بقوله: «إنك على خير» " (٢).
стр. 909
٣ - إنه يرد عل الروايات الواهية والأسانيد المغلوطة ويقوّمُها , فمثلاً عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (١) ذكر الطبري وغيره من المفسرين تلك الروايات الواهية ولم يعلق عليها، في حين نجد ابن عاشور ذكر الرواية وبيَّن خطأها، وفي ذلك يقول: " وقد رويت في هذه القصة أخبار مخلوطة، فإياك أن تتسرب إلى نفسك منها أغلوطة، فلا تصْغ ذهنك إلى ما ألصقه أهل القصص بهذه الآية من تبسيط في حال النبي ﷺ حين أمر زيداً بإمساك زوجه، فإن ذلك من مختلقات القصاصين؛ فإما أن يكون ذلك اختلاقاً من القصاص لتزيين القصة، وإما أن يكون كله أو بعضه من أراجيف المنافقين وبهتانهم , فتلقفه القصاص وهو الذي نجزم به.
ومما يدل لذلك أنك لا تجد فيما يؤثر من أقوال السلف في تفسير هذه الآية أثراً مسنداً إلى النبي ﷺ أو إلى زيد أو إلى زينب أو إلى أحد من الصحابة رجالهم ونسائهم، ولكنها كلها قصص وأخبار وقيل وقال. ولسوء فهم الآية كبر أمرها على بعض المسلمين واستفزّت كثيراً من الملاحدة وأعداء الإسلام من
стр. 910
أهل الكتاب. وقد تصدى أبو بكر بن العربي في «الأحكام» لوهن أسانيدها وكذلك عياض في «الشفاء» والآن نريد أن ننقل مجرى الكلام إلى التسليم بوقوع ما روي من الأخبار الواهية السند لكي لا نترك في هذه الآية مهواة لأحد. ومجموع القصة من ذلك: أن النبي ﷺ جاء بيت زيد يسأل عنه فرأى زينب متفضلة، وقيل رفعتْ الريحُ ستار البيت فرأى النبي ﵊ زينب فجأة على غير قصد فأعجبه حسنها وسبَّح اللَّه، وأن زينب علمت أنه وقعت منه موقع الاستحسان وأن زيداً علم ذلك وأنه أحب أن يطلقها ليؤثر بها مولاه النبي ﷺ وأنه لما أخبر النبي ﷺ بذلك قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ (وهو يودّ طلاقها في قلبه ويعلم أنها صائرة زوجاً له).وعلى تفاوت أسانيده في الوهن أُلقي إلى الناس في القصة فانتُقل غَثه وسمينه، وتُحُمِّل خِفه ورزينه، فأخذ منه كلٌّ ما وسعه فهمُه ودينه " (١).
ومن ذلك أيضاً ردّه لتلك الروايات التي وردت في شأن يوسف ﵇ عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢) ... , حيث فصّل في تفسير الآية , وذكر أن الله صرف يوسف عن الهم بها , وأن الله عصمه، وذكر وجه جميل في تفسير الهم من تفسير أبي عبيدة وهو أن هذا على التقديم والتأخير؛ أي تقديم الجواب وتأخير الشرط، كأنه قال: " ولقد همّت به
стр. 911
ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها " وعاب ابن عاشور على الطبري طعنه في هذا التأويل بأن جواب لولا لا يتقدم عليها وذكر قول أبي عبيدة ومن قوله: " ويدفع هذا الطعن أن أبا عبيدة لما قال ذلك علمنا أنه لا يرى منع تقديم جواب (لولا)، على أنه قد يجعل المذكور قبل (لولا) دليلاً للجواب والجواب محذوفاً لدلالة ما قبل (لولا) عليه. ولا مفرّ من ذلك على كل تقدير فإن (لولا) وشرطها تقييد لقوله: (وهمّ بها) على جميع التأويلات، فما يقدّر من الجواب يقدّر على جميع التأويلات " (١). .
٤ - حرص ابن عاشور على الترجيح بين أقوال المفسرين، كما أنه لا يكتفي بالترجيح فقط، وإنما يذكر سبب الترجيح، فعلى سبيل المثال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢). ذكر خلاف المفسرين وترددهم في المراد من التفث من قوله ﴿تَفَثَهُمْ﴾ وبعد أن ساق أقوال المفسرين رجّح ما يراه راجحاً , وذكر أن ذلك يؤيده ما جاء في السنة.
وهذا قوله: " وعندي: أن فعل (ليقضوا) ينادي على أن التفث عمل من أعمال الحج , وليس وسَخاً ولا ظفراً ولا شعراً. ويؤيده ما روي عن ابن عمر وابن عباس آنفاً. وأن موقع (ثمّ) في عطف جملة الأمر على ما قبلها ينادي على معنى التراخي الرتبي فيقتضي أنّ المعطوف بـ (ثمّ) أهم مما ذكر قبلها فإن أعمال
стр. 912
الحج هي المهم في الإتيان إلى مكة، فلا جرم أن التفث هو من مناسك الحجّ وهذا الذي درج عليه الحريري في قوله في المقامة المكية: «فلمّا قضيت بعون الله التفث، واستبحت الطيبَ والرفث، صادف موسم الخَيف، معمعان الصيف» (١). .
٥ - من مميزاته أيضاً أنه لا يكتفي فقط بالترجيح بالقاعدة، وإنما يناقش ويوجّه، ويلوم بعض المفسرين لأنهم لم يلتزموا بالترجيح ضمن القاعدة.
على سبيل المثال عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (٢) من سورة البلد رجّح ابن عاشور أن المراد بالكبد التعب الذي يلازم أصحاب الشرك وذلك لتناسب هذا المعنى مع السياق، وعاب على المفسرين إبعادهم في تفسير الكبد وعدم اعتبارهم للسياق حيث يقول: " وقد تعددت أقوال المفسرين في تقرير المراد بالكَبَد، ولم يعرج واحد منهم على ربط المناسبة بين ما يفسِّر به الكَبَد وبين السياق المسوق له الكلام وافتتاحِه بالقسم المشعر بالتأكيد وتوقع الإنكار، حتى كأنَّهم بصدد تفسير كلمة مفردة ليست واقعة في كلام يجب التِئامُه، ويَحِق وئامه. وقد غضُّوا النظر عن موقع فِعل (خلقنا) على تفسيرهم الكبد إذ يكون فعل (خلقنا) كمعذرة للإِنسان الكافر في ملازمة الكَبد له إذ هو مخلوق فيه. وذلك يحط من شدة التوبيخ والذم، فالذي يلتئم مع السياق ويناسب القسم أن الكبد التعب الذي يلازم أصحاب الشرك من اعتقادهم تعدد
стр. 913
الآلهة " (١).
وكذلك عند قوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (٢) أبطل عمل بعض المفسرين كالزمخشري في مقارنته بين جبريل والرسول ﷺ ، وعاب عليه عدم النظر إلى سياق الآيات بغية التأصيل للمذهب الاعتزالي ومن قوله: " والمعنى: أن الذي تخاصمونه وتكذبونه وتصفونه بالجنون ليس بمجنون وأنكم مخالطوه وملازموه وتعلمون حقيقته فما قولكم عليه: «إنه مجنون» إلا لقصد البهتان وإساءة السمعة. فهذا موقع هذه الجملة مع ما قبلها وما بعدها، والقصد من ذلك إثبات صدق محمد ﷺ ولا يخطر بالبال أنها مسوقة في معرض الموازنة والمفاضلة بين جبريل ومحمد ﵉ والشهادة لهما بمزاياهما حتى يشم من وفرة الصفات المجراة على جبريل أنه أفضل من محمد ﷺ ولا أن المبالغة في أوصاف جبريل مع الاقتصاد في أوصاف محمد ﷺ تؤذن بتفضيل أولهما على الثاني .. ومن أسمج الكلام وأضعف الاستدلال قول صاحب «الكشاف»: " وناهيك بهذا دليلاً على جلالة مكانة جبريل ﵇ ومباينة منزلته لمنزلة أفضل الإنس محمد ﷺ إذا وازنت بين الذِّكْرين وقايست بين قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ (٣)، وبين قوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ
стр. 914
بِمَجْنُونٍ﴾ (١) اهـ.
وكيف انصرف نظرُه عن سياق الآية في الرد على أقوال المشركين في النبي ﷺ ولم يقولوا في جبريل شيئاً لأن الزمخشري رام أن ينتزع من الآية دليلاً لمذهب أصحاب الاعتزال من تفضيل الملائكة على الأنبياء، وهي مسألة لها مجال آخر، على أنك قد علمتَ أن الصفات التي أجريت على (رسول) في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ إلى قوله: (أَمِينٍ)، غيرُ متعين انصرافُها إلى جبريل فإنها محتملة الانصراف إلى محمد ﷺ وقد يطغى عليه حب الاستدلال لعقائد أهل الاعتزال طغياناً يرمي بفهمه في مهاوي الضَّآلة، وهل يسمح بال ذي مسكة من علم بمجاري كلام العقلاء أن يتصدى متصد لبيان فضل أحد بأن ينفي عنه أنه مجنون، وهذا كله مبني على تفسير: ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ بجبريل فأما إن أريد به محمد ﷺ أوْ هو وجبريل ﵉ فهذا مقتلَع من جذره. ولا يخفى أن العدول عن اسم النبي العَلَم إلى (صَاحِبُكُمْ) لما يؤذن به (صَاحِبُكُمْ) من كونهم على علم بأحواله، وأما العدول عن ضميره إن كان المراد بـ (رسول) خصوص النبي ﷺ فمن الإظهار في مقام الإِضمار للوجه المذكور وإذا أريد بـ (رسول) كلاهما فذكر (صَاحِبُكُمْ) لتخصيص الكلام به " (٢).
стр. 915
وهذا من أهم مميزاته فيما يتعلق بالترجيح، وأما مميزاته في التفسير بشكل عام فأذكر منها:
١ - إنه يردّ على أهل العقائد الضالة ويبين بطلان دعواهم في التفسير ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: " ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). قال ابن عاشور: " قفُّوا على صريح كفرهم بالقرآن وغيره من الشرائع بكلام كَنَّوْا به عن إبطال حقية الإِسلام بدليل سفسطائي , فجعلوا كثرة أموالهم وأولادهم حجة على أنهم أهل حظ عند الله تعالى، فضمير (وَقَالُوا) عائد إلى (الذين كفروا) من قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ (٢) وهذا من تمويه الحقائق بما يحفّ بها من العوارض فجعلوا ما حف بحالهم في كفرهم من وفرة المال والولد حجةً على أنهم مظنة العناية عند الله وأن ما هم عليه هو الحق. وهذا تعريض منهم بعكس حال المسلمين بأن حال ضعف المسلمين، وقلة عددهم، وشظِف عيشهم حجة على أنهم غير محظوظين عند الله، ولم يتفطنوا إلى أن أحوال الدنيا مسببة على أسباب دنيوية لا علاقة لها بأحوال الأولاد. وهذا المبدأ الوهمي السفسطائي خطير في العقائد الضالة التي كانت لأهل الجاهلية والمنتشرة عند غير