← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2087

من بلاغة القرآن فى التعبير بالغدو والأصال

محمد دسوقي

Полный текст (141 стр.). Показаны 106–141 · переход к 111.

стр. 106

وفي تغيير السياق في قوله من آية طه (ومن آناء الليل) ، إيذان بأن العبادة في هذه الأحيان هي أيضاً من الأمور المرضية لله سبحانه لاجتماع القلب وهدوء الرجل والخلو بالرب، ولأن العبادة إذ ذاك أشق وأدخل في التكليف كانت كذلك أفضل عند الله، وإنما جاء الجزاء بكلمة الإطماع (لعلك ترضى) ولم يجئْ بما يفيد اليقين أو يدل على الجزم، لئلا يأمن مكر الله، وذلك لما كان الغالب على الإنسان النسيان وكان الرجاء عنده أوفر، والمعنى: كن على ذُكر من ربك وسبح بحمده في هذه الأوقات بالذات، رجاء أن يدوم رضاك بهذا المقدار الواجب من الصلوات والتسبيحات دون زيادة رفقاً بك وبأمتك (١) فتنعم في ذلك الجوار الرضي وتطمئن في ذاك الحمى الآمن بما تنال في الدنيا من ثواب، تسبب فيه اجتهادك في الطاعة وإظهارك دين الله وإعلاؤك أمره (٢) ، وفي ذلك - بالطبع - من الثواب ما يؤهلك ويجعلك تستحق ما ادخره الله لك في الآخرة من شفاعة ودرجة عالية، وهو في معنى قوله: (ولسوف يعطيك ربك فترضى.. الضحى/٥) ، وقوله: (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً.. الإسراء/٧٩) ، وكذا ما صح عنه ﷺ من حديث أنس: (لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته وخبّأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) ، وقوله تعالى على لسان جبريل عندما بكى ﷺ وهو يتلو قول الله تعالى في سورة إبراهيم (رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه منّي ومن عصاني فإنك غفور رحيم.. إبراهيم/٣٦) ، وقوله في عيسى: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.. المائدة /١١٨) : قل له يا جبريل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك.

стр. 107

وإنما أثرت جُلّ الآيات الواردة في هذا المقام التعبير بالربوبية المضافة إليه ﷺ سواء فيما يخص الذكر عامة أو ما يتعلق بالتسبيح بحمده خاصة ليدل على نهاية الرحمة والتقريب والفضل والإحسان، والمقصود منه أن يصير العبد فرحاً عند سماع هذا الاسم فيستحضر معنى أسمائه وصفاته، ويستجلي معاني كرمه وآلائه، ذلك أن لفظ الرب مشعر بالتربية والفضل وعند سماع هذا الاسم يتذكر العبد أقسام نعم الله عليه (١) ، وإن كان عقله بالحقيقة عاجزاً عن أن يصل إلى أقل أقسامها كما قال تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.. إبراهيم/٣٤) فعند انكشاف هذا المقام يقوى الرجاء به والاعتماد عليه واللجوء إليه والثقة فيه. مقام الاستغراق والاستيعاب لجميع الأحوال:

стр. 108

ويبدو هذا المعنى بوضوح في آية الأعراف: (واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال.. الأعراف/٢٠٥) فإن الأمر بذكر الله في هذه الآية الكريمة وحمله على ظاهره في تخصيص الوقتين المذكورين دون سائر الأوقات، غير مستساغ ولا يساعد عليه السياق، ذلك أن الاستغراق في الأحوال يستتعبه استغراق في الأوقات كيما تستوعب جميع ما يقوم به الإنسان في سائر شئون حياته، سيما وأن لكل حالة يقدم عليها أو يهم بها – حتى فيما يظن أنه مشغلة عن ذكر الله من نحو دخول السوق أو الخلاء – دعاء أو ذكر وارد يلزم المسلم التزود به، وفي الحديث الذي ذكره البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن سلام قال: قال موسى ﵇: يارب ما الشكر الذي ينبغي لك؟ فأوحى الله تعالى إليه: أن لا يزال لسانك رطباً من ذكري. قال: يا رب إني أكون على حال أُحِلُّك أن أذكرك فيها، قال: وما هي؟ قال: أكون جنباً، أو على الغائط.. فقال: وإن كان، قال: يا رب فما أقول؟ قال: تقول (سبحانك وبحمدك جنبني الأذى، وسبحانك وبحمدك فقني الأذى) ، قلت: قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يذكر الله تعالى على كل أحيانه (١) ، يقول عبد الله بن أبي الهزيل فيما نقله عنه ابن القيم: (إن الله تعالى ليحبّ أن يذكر في السوق، ويحب أن يذكر على كل حال، إلا في الخلاء) ، ويكفي في هذا الحال استشعار الحياء والمراقبة، والنعمة عليه في هذه الحالة، وهي من أجلّ الذكر. فذكر كل حال بحسب ما يليق بها، واللائق بهذه الحال التقنع بثوب الحياء من الله تعالى وإجلاله وذكر نعمته عليه.. إذ النعمة في تيسير خروجه كالنعمة في التغذي به، وكان علي ابن أبي طالب إذا خرج من الخلاء، مسح بطنه وقال: (يا لها من نعمة لو يعلم الناس قدرها) ، وكان بعض السلف يقول: (الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى فيّ

стр. 109

قوته وأذهب عني مضرته) (١) . على أن المتأمل لدلالة السياق في إطلاق الذكر، حتى في غير آية الأعراف، يلمس أن الاستيعاب الذي يكتنفه يتجاوز دائرة أحوال الإنسان ليمتد وليشمل ألواناً أخرى مما يلهج به الذاكرون وتطمئن به قلوبهم، وذلك من نحو قراءة القرآن ومن نحو الدعاء والتحميد والتكبير والتهليل والبسملة والحوقلة وغير ذلك مما يشتمل على تمجيد الله وتقديسه. وأحسب أني فيما قلت، لم أذهب بعيداً عما قاله الطاهر من أن المقصود من قوله في آية الأعراف (بالغدو والآصال) : "استيعاب أجزاء النهار بحسب المتعارف فأما الليل فهو زمن النوم، والأوقات التي تحصل فيها اليقظة خصت بأمر خاص مثل قوله تعالى: (قم الليل إلا قليلاً.. المزمل/٢) ، على أنها تدخل في عموم قوله: (ولا تكن من الغافلين) " (٢) ، ومن أن المقصود من قوله: (ودون الجهر من القول) : "استيعاب أحوال الذكر باللسان، لأن بعضها قد تكون النفس أنشط إليه منها إلى البعض الآخر" (٣) ، يريد أن قوله: (ودون الجهر من القول) ، مراد به الذكر المتوسط بين الجهر والإسرار، وهو المقابل لكلّ من التضرع والخيفة.

стр. 110

وفي تقديري أن التماس علة قصد الشمول لجميع أحوال الذكر اللساني في قوله: (تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول) ، أوقع في النفس وآدب في حق النبي ﷺ من ادعاء "أن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب إلى حسن التفكر"، على ما ذهب إليه الزمخشري والآلوسي (١) ومن حجل بقيدهم، إذ في ذلك من الظن السيئ وإساءة الأدب في حق المعصوم ﷺ ، المنزه عن كل شائبة شرك أو رياء ما فيه، وما يجب أن يترفع عن الوقوع فيه أي مسلم. وفي مقابلة التضرع بالخيفة لطيفة يجب الالتفات إليها وهي أنه لما كان التضرع الذي هو في معنى التذلل يستلزم الخطاب بالصوت المرتفع في عادة العرب، كنى به عن رفع الصوت مراداً به معناه الأصلي والكنائي.. ثم قوبل بالخفية تارة وذلك في قوله تعالى: (ادعوا ربكم تضرعاً وخفية.. الأعراف/٥٥) ، حينما جهر الصحابة الكرام بالدعاء وفوق المقدار وأمرهم النبي ﷺ بخفض الصوت قائلاً لهم: (إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً) ، (٢) وبالخيفة كما هنا تارة أخرى، فمقابلتها إذن بالتضرع طباق في معنيي اللفظتين الصريحين ومعنييهما الكناءين، فكأنه قيل تضرعاً وإعلاناً وخيفة وإسراراً، وفي ذلك من الشمول والا ستيعاب لجميع أحوال الإنسان، ومن التحذير من الغفلة ما لا يخفى.

стр. 111

على أن قوله: (ولا تكن من الغافلين) في الدلالة على شدة الانتفاء والنهي أبلغ وأقوى من نحو (ولا تغفل) ، وذلك لأنه في أولى العبارتين يفرض جماعة يحق عليهم وصف الغافلين فيحذر من أن يكون منهم أو في زمرتهم وذلك أبين للحالة المنهي عنها، والخطاب هنا وإن كان خاصاً بالرسول ﷺ وموجهاً إليه، إلا أن مراده العموم لكل من يصلح له الخطاب من الأمة لوجوب الاقتداء به، وهو وإن كان في حقه واجباً ففي حقها هي مستحسن طالما أنه لم يثبت لها فرضيته أو الانتهاء عنه كالوصال في الصوم (١) . مقام الثناء والشكر على النعمة:

стр. 112

ونرمق هذا المعنى في حديث القرآن عن نبي الله زكريا ﵇ فقد جاء الأمر بالذكر والتسبيح له ولقومه في قوله سبحانه: (واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار.. آل عمران/٤١) ، وقوله: (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً.. مريم/١١) ، وجاء التكليف بذلك في سياق الحديث عن مناقبه ﵇ إعلاماً باصطفائه واستحقاقه شرف النبوة وتشريفه بتكاليفها وأعمالها، وحسبنا دلالة على ذلك ما أخبرت به وأفصحت عنه الآيات السابقة واللاحقة للآيات المذكورة في السورتين من أمر اجتهاده ﵇ في الطاعة والعبادة، من نحو ما أفاده قوله سبحانه: (وهو قائم يصلي في المحراب...آل عمران/٣٩) كذا بلفظ القيام المعبر عنه باسم الفاعل الدال على الملازمة والثبوت على أمر الصلاة لله جل وعلا والقيام بين يديه.. ومن أمر إقباله على الدعاء من غير تأخير، وهو ما ينبىء عنه تقديم الظرف على الفعل في قوله: (هنالك دعا زكريا ربه.. آل عمران/٣٨) (١) .. وأمر خضوعه ﵇ وإلحاحه في الطلب، على ما جاء في قوله: (إذ نادى ربه نداءاً خفياً.. مريم/٣) ، "أي كما يفعل المحب القريب مع حبيبه المقبل عليه في قصد خطاب السرّ، الجامع بين شرف المناجاة ولذاذة الانفراد بالخلوة" (٢) ... وأمر إيثاره فيما طلب، رضاء الله وحظ الآخرة على ما ينتظره أي والد قد بلغ من الكبر عتياً ومن العمر أرذله من ولده، من شدّ أزر ومن إعانة على ظروف الحياة وصروفها ... وأمر تطلعه ﵇ بدل ذلك إلى أن تمتد فيه وفي نسله شجرة النبوة والعلم والعمل، إرضاء لصاحب المنّة والفضل سبحانه، القائل حكاية عنه وعلى لسانه: (فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً.. مريم /٦) .. وأمر مبالغته في التضرع المفاد من عدم مخاطبة الملك المبشِّر له بيحيى والمنادِي له، بملابسة أنه المباشر بما يعد

стр. 113

مندوحة له لو فعل، وإيثاره على ذلك مناجاة ربه بالقول: (ربّ أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر.. آل عمران /٤٠) ... وأمر تسليم زمام شئونه إلى مولاه وخالقه حين خاطبه الملَك بقوله: (كذلكَ الله يفعل ما يشاء.. آل عمران/٤٠) ، وقوله: (قال كذلك قال ربك هو علىّ هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا.. مريم/٩) ... وأمر امتثاله حين طلب من ربه أن يجعل له آية تدل على العلوق، أو ليتلقى بها تلك النعمة بالشكر حين حصولها أو الوعد بها دون تأخير، حتى تظهر ظهوراً معتاداً (١) ... وأمر ملازمته أثناء كل ذلك وقبله وبعده، الثناء على الله بما هو أهل كما حكى القرآن عنه قوله: (رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء.. آل عمران/٣٨) ، وقوله: (رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين.. الأنبياء /٨٩) . ولا عجب إذن لمن كان هذا حاله أن يقَابل ثناؤه على الله، بثناء منه سبحانه على وجه لائق به، وأن تأتي الشهادة له بذلك في قوله عز من قائل: (فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجة إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين.. الأنبياء/٩٠) .

стр. 114

والوجه في ارتباط الأمرله ﵇ بالتسبيح الكثير، الإيذان بتأدية هذه المهمة الجليلة التي كلف بها على أتم وجه. والوجه في جعل الآية التي طلبها ليتلقى بها هذه النعم من قبل أن يُرزقها، الصمت التام عن محادثة الخلق ثلاثة أيام بلياليهن، الإشعار بغرابة ما طلبه وأجيبه في أعراف الناس، والإعلام بعدم مقدرتهم على استيعابه، وقبل اللتيا تخليص المدة بذكر لا يشغل لسانه بغيره توفراً منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة وشكرها، يقول الآلوسي في معنى ما أخبر به تعالى عن ذلك في قوله: (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار.. آل عمران/٤١) : "أي لا تقدر على تكليمهم من غير آفة، وهو الأنسب بكونه آية والأوفق لما في سورة مريم" (١) ، يعني من قول الله تعالى: (قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليالٍ سوياً. فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً.. مريم/١٠، ١١) .

стр. 115

وعليه فالمرجح أن يراد من عدم التكلم ظاهره، ويحتمل من غير المرجح أن يكون كناية عن الصيام لأنهم كانوا إذ ذاك إذا صاموا لم يكلموا أحداً، وإلى ذلك ذهب عطاء وهو خلاف الظاهر، وإنما خالف الظاهر لأنه "لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر، وأحسن الجواب ما كان منتزعاً من السؤال"، كذا في مدارك التنزيل (١) ، فيكون الوجه في عدم تكليم الناس الإشارة إلى أنه غير ممنوع من التكلم بذكر الله تعالى وتخليص المدة لشكره، بحيث لا يُشغل لسانه بغيره، ولا تنافي – بالطبع – بين ما أفاده أبو البركات وغيره من أمر حمل التسبيح على ما ذكر وحمله على معنى الصلاة، لكونه كما قلنا وكما هو معلوم جزءاً منها، ولكونه مقيداً ومفسراً بما في نحو قوله: (يصلي في المحراب) كذا بالتصريح بنوع العبادة وبالمراد من التسبيح. مقام الحض على صلاتي الفجر والعصر بخاصة: هذا وتكمن النكتة في مجيئ التأكيد على صلاتي الصبح والعصر تارة بصيغة الأمر كما في قوله: (وأقم الصلاة طرفي النهار) ، وتارة بالتكرار أو ما يشبهه كما في قوله: (فسبح وأطراف النهار) بعد قوله في نفس الآية والسورة (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) ... في الإعلام بمزيد فضلهما، والقصد إلى أن تكون الصلاة أول أعمال المسلم إذا أصبح، وأخر أعماله إذا أمسى لتكون السيئات الحاصلة فيما بين ذلك ممحوة بالحسنات الحافّة بها، وهذا مشير إلى حكمة كراهة الحديث بعد صلاة العشاء حفاظاً على الصلاة بصفة عامة، وما كان منها في أوقات الغفلة بصفة خاصة (٢) .

стр. 116

وقد أفاد إيثار كلمة (أقم) في آية هود على سواها، تأكيد الأمر على صلاتي الصبح والعصر ذلك أن "الأمر بالإقامة - على حد ما ذكر الطاهر - يؤذن بأنه عمل واجب لأن الإقامة إيقاع العمل على ما يستحق وهذا يقتضي أن يكون المراد بالصلاة هنا الصلاة المفروضة ... ولكون الطرفان ظرفين لإقامة الصلاة المفروضة، فقد علم أن المأمور إيقاع صلاة في أول النهار وهو الصبح وصلاة آخره وهي العصر" (١) . كما أفاد تكراره في آية طه جواز أن يراد بالنهار في قوله (فسبح وأطراف النهار) ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس، واندراج الوقتين المذكورين في قوله (قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) - من ثم - في هذا الجمع، وانما جاء التكرار بلفظ الجمع للمشاكلة لـ (آناء الليل) أو لأن لكل من الطرفين أولاً وآخراً فجمعه باعتبار تعدد النهار وأن لكلٍّ طرفاً، أو لأن المراد الجنس الشامل لكلِّ نهار، على ما سبق ذكره (٢) . وقد جاءت التعدية بالباء في قوله: (فسبح بحمد ربك.. طه/١٣٠، ق/٣٩) رغم أن الفعل يتعدى بنفسه كما في قوله: (وسبحه.. الإنسان /٢٦) ، وقوله: (وسبحوه.. الأحزاب ٤٢) وقوله: (سبح اسم ربك الأعلى.. الأعلى /١) ، لتفيد المصاحبة وليكون المعنى سبح ربك متلبساً ومقترناً بحمده، فيكون فيه حذف المفعول لحصول العلم به من غير ذكر، والقول بأن المراد التنزيه أي نزهه واقرن التنزيه بحمده لا يساعد عليه السياق لأن الباء يترجح معها إرادة معنى الصلاة، إذ في كل ركعة منها تقرأ الفاتحة وهي حمد لله تعالى (٣) .

стр. 117

أما دخول الفاء على عامله (فسبح) فالسر فيه هو أنه لما قدم عليه الجار والمجرور للاهتمام شابه تقديم أسماء الشرط المفيدة معنى الزمان، فعومل الفعل معاملة جواب الشرط كقوله ﷺ : (ففيهما مجاهد) أي الأبوين، وقوله تعالى: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك.. الإسراء /٧٩) (١) ، والقول بأنها مفسرة، فيه نظر.. والزعم بأنها زائدة للدلالة على لزوم ما بعدها لما قبلها – كما ذكر الآلوسي (٢) - يرده ما ذكرنا. وعن بلاغة التنوع بين قوله تعالى: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) في آية طه، وقوله في آية ق بلفظ (وقبل الغروب) وعن سر مجيئ الأول مضافاً إلى الشمس والثاني بدونها.. ذكر الكرماني والغرناطي والفيروزابادي أنه في ق راعى القياس وفي طه راعى الفواصل ومقاطع الآي، وهم جميعاً في ذلك قد حجلوا بقيد الخطيب الإسكافي الذي أوضح أن "فواصل أكثر الآيات في سورة طه أو آخرها ألف فعدل إلى (غروبها) وهو الأصل، لأن الطلوع مضاف إلى الشمس، وحق الغروب أن يكون مضافاً إلى ضميرها، وضميرها بعدها ألف، وأما سورة ق ففواصلها مردوفة بواو أو ياء (السجود) و (أدبار) و (القعيد) و (العتيد) و (المريج) . والغروب متى ذكر علم أنه أريد به غروبها فكان ذلك أشبه بالفواصل التي تقدمتها في المكانين فلذلك اختلفا" (٣) .

стр. 118

وفي تقديري أن ما ذكروه بخصوص تنوع السياق في آيتي (طه) و (ق) والمقارنة بينهما لا يشفي العِلّة ولا يروي الغُلّة، إذ الاقتصار على جعل النكتة في ذلك منحصرة على رعي الفواصل ينتابه القصور الشديد في التعرف على سياقات الآيات في الموضعين، وبرأيي أن مجييء الأمر بالتسبيح في آية (طه) وهي الآية الوحيدة المستثناة مع ما بعدها، بنزولها في المدينة دون آيات السورة، ومجيؤه في آية (ق) وهي ضمن آيات السورة مكية، وحمل التسبيح فيهما على معنى الصلاة - كما سبق تقريره وعلى ماهو المرجح لدينا- الإشعار بمدى أهمية الصلاة في أي زمان ومكان وعلى أي نحو من الأنحاء، والإعلام بضرورة الاستدامة عليها والصبر والمثابرة على أدائها والدعوة إليها، وبيان عظيم مكانتها بين أركان الدين لكونها عموده وأن لا معنى لإسلام المرء بدونها لكونها ناهيته عن الفحشاء والمنكر والبغي، والإعلام كذلك بمدى حاجة المسلم لما خُص منها في الوقتين من محو سيئات ومن رفع درجات، يعضد ذلك قوله فيما ولي آية طه المذكورة: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى.. طه /١٣٢) . مقام الحث على الإكثار من ذكر الله والاستدامة عليه:

стр. 119

وهو ما يجمل أو يتعين حمل الأمر بالتسبيح بطرفي النهار فيه على ظاهره، سواء تعلق الخطاب في ذلك الأمر بالرسول ﷺ كما في قوله تعالى: (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً. ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً.. الإنسان /٢٥، ٢٦) ، أو تعلق بغيره كما في قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال. رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة.. النور /٣٦، ٣٧) ، وقوله: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً. وسبحوه بكرة وأصيلاً..الأحزاب /٤١، ٤٢) إلى غير ذلك مما تعد علاقة التسبيح فيه بالنسبة إلى الذكر المطلق علاقة خاص بعام، فيحمل الخاص فيه على العام بأن يجعل العام فيما نحن بصدده وهو الذكر المطلق، في سائر الأوقات. ويختص بالعشي والإبكار ما تعلق منه بأمر التسبيح.. ويستأنس لذلك ويدل عليه قول الطاهر في آية الأحزاب: "والذكر: ذكر اللسان وهو المناسب لموقع الآية بما قبلها وبعدها" (١) ، وقوله: "عطف (وسبّحوه) على (اذكروا الله) عطف الخاص على العام، اهتماماً بالخاص لأن معنى التسبيح التنزيه عما لا يجوز على الله من النقائص فهو من أكمل الذكر لاشتماله على جوامع الثناء والتمجيد" (٢) وعلى هذا، القياس في سائر ما ذكرنا في هذا المقام طرقاً للباب على وتيرة واحدة.

стр. 120

على أن ما قاله في معنى الذكر، لا يمنع أن يدخل فيه - على ما أفاد في موضع آخر- الصلوات المفروضات لقوله: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل.. هود /١١٤) وكذلك النوافل التي هي في حق النبي ﷺ دائرة بين المفروض وغير المفروض وفي حق غيره لا تتخطى دائرة المسنون والمندوب، كما يشمل ذكر اسم الرب: تبليغ الدعوة والموعظة بتخويف عقابه ورجاء ثوابه (١) ، إلى غير ذلك مما يقرب إلى الله وللسان منه علقة، وفي روح المعاني عن ابن عباس: المراد به توحيد الله بقول (لا إله إلا الله) وعنه المراد به تلاوة كتابه وقيل ذكر أسمائه الحسنى (٢) ، وهو في معنى ما تقدم. أما التسبيح الذي يجمل حمل الآيات سالفة الذكر فيه، على ظاهره فمراده - كما مربنا - التنزيه بالقول وبالاعتقاد، عن كل شيئ كان على خلاف ما أخبر به سبحانه وعن كل صفة أو شائبة نقص، والإثبات لكل كمال.

стр. 121

ومما جاء في فضل الذكر الكثير الوارد في آية الأحزاب، ما روي عن ابن عباس ومجاهد: (أن لا ينسى جلّ شأنه) ، وقيل أن يذكر سبحانه بصفاته العلى وأسمائه الحسنى وينزه عن كلّ ما لا يليق به، وعن مقاتل: هو أن يقال: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) على كل حال، وقال بعضهم: مرجع الكثرة العرف (١) . وفي الحديث عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : (إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا ركعتين جميعاً، كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات) (٢) ، ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن الأمر في الذكر الكثير ليس قاصراً على عمل الليل كما قد يفهم من الحديث بل إنه ليشمل ويعمّ - على ما أفادة ابن القيم - كل عمل، يقول ﵀: "أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكراً لله فأفضل الصُّوَّام أكثرهم ذكراً لله في صومهم وأفضل المتصدقين أكثرهم ذكراً لله في صدقتهم وأفضل الحجاج أكثرهم ذكراً لله في حجهم، وهكذا سائر الأعمال ا. هـ" (٣) ، ويؤيده ما ذكره ابن أبي الدنيا في حديثه المرسل، عندما سؤل ﷺ : أي أهل المسجد خير؟ قال: (أكثرهم ذكراً لله ، قيل: وأي أهل الجنازة خير؟ قال: (أكثرهم ذكراً لله ، قيل: فأي المجاهدين خير؟ قال: (أكثرهم ذكراً لله ، قيل فأي الحجاج خير؟ قال: (أكثرهم ذكراً لله ، قيل: وأي العوّاد أو العبّاد خير؟ قال: (أكثرهم ذكراً لله . قال أبو بكر: (ذهب الذاكرون بالخير كله) (٤) .

стр. 122

وفي الحديث الذي رواه أبو الدرداء يقول ﷺ : (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (ذكر الله تعالى) (١) ، وعن أبي موسى الأشعري قال: قال ﷺ : (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت) (٢) ، وفي حديث أبي هريرة قال ﷺ : يقول الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإٍ ذكرته في ملإٍ خير منهم) (٣) .

стр. 123

ومن الأحاديث الحاثّة على التسبيح قوله ﷺ : (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد) (١) ، وقوله: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) (٢) ، وقوله: (لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس) (٣) ، وقوله: (من قال سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) (٤) ، وقوله: (من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) (٥) ، وقوله: (أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل من جلسائه، كيف يكسب ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة) (٦) ، وقوله حين جاءه فقراء المهاجرين وقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل من أموالهم يحجون ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون فقال: ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة

стр. 124

ثلاثاً وثلاثين (١) وزاد مسلم في روايته فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله فقال رسو ل الله ﷺ : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) . ومما جاء في فضل الذكر والتسبيح المضاعف ما روته أم المؤمنين جويرية بنت الحارث من أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ما زلت على الحال الذي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، فقال ﷺ : لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن (سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته) (٢) ، وعن سعد ابن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل، فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء سبحان الله عدد ما خلق في الأرض، سبحان الله عدد ما بين ذلك، سبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك) (٣) .

стр. 125

وفي الأثر عن ابن مسعود: (لأن أسبح الله تعالى تسبيحات أحب إليّ من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله ، وجلس عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود فقال ابن مسعود: (لأن آخذ في طريق أقول فيه: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إليّ من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله ، فقال عبد الله بن عمرو: (لأن آخذ في طريق فأقولهن أحب إليّ من أن أحمل عددهن على الخيل في سبيل الله (١) . مقام موافقة الجبال والطيرلتسبيح نبي الله داود ﵇: وفي ذلك يقول سبحانه: (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب. إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق. والطيرَ محشورةً كلٌّ له أوّاب.. ١٧- ١٩) ، وقد سبق أن ألمعنا إلى أن مفردة التسبيح هنا في حق كلٍّ مستخدمة على غير ظاهر معناها ومستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب من معنى التنزيه وقول: سبحان الله، وأن التجوز في حق تسبيح الجبال بالعشي والإبكار، مغاير للتجوز الذي هوفي حق داود ﵇، ذلك أن استعمالها تجوزاً في حق داود استعمال بما يليق به من معنى الصلاة لكونه المستساغ في حقه، واستعمالها تجوزاً في حق الجبال والطير استعمال بمعنى التسخير والانقياد وهو تسخير وانقياد يحمل - كما قلنا - معنى الطواعية على ما يومئ إليه السياق ويدل عليه قوله (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين.. فصلت /١١) ، فهو تقديس بلسان قالٍ لائق بهن نظير تسبيح الحصى المسموع في كف النبي ﷺ .

стр. 126

وأضيف أن المقام هنا هو الذي أملى ذلك الفهم، وأعان عليه التقييد بالوقتين المذكورين (العشي والإشراق) واختصاص تسبيحهن بكونه معه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فـ (مع) في النظم الكريم متعلقة بالتسخير، وإيثارها على اللام للدلالة على أن تسخير الجبال له- ﵇ لم يكن بطريق التصرف الكلي فيها كتسخير الريح وغيرها لسليمان، بل بطريق التبعية له والاقتداء به في عبادة الله وتلك هي نكتة التأخير للظرف، وإنما "قدم في سورة الأنبياء فقيل: (وسخرنا مع داود الجبال.. الأنبياء/٧٩) لذكر داود ثمة فقدم مسارعة للتعيين ولا كذلك هنا" (١) . والنكتة في مجيئ التسبيح بلفظ المضارعة (يسبحن) دون اسم الفاعل (سابحات) استحضار تلك الصورة العجيبة الخارقة للعادة، في الذهن. وكونها في معنى (مسبحات) ، فإن صيغة الفعل تدل على الحدوث والتجدد ليفيد المعنى أن تسبيحهن معه إنما كان يحدث شيئاً بعد شيئ وحالاً بعد حال وكأن السامع حاضر تلك الجبال يسمعها تسبح (٢) .

стр. 127

والأمر على عكس ذلك في حق الطير، فإنه لما لم يكن في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئا بعد شيئ لا جرم جيئ به اسماً لا فعلاً، وذلك للدلالة على أنها مجموعة إليه طوعاً من كلّ جانب دفعة واحدة، ولو قال: (وسخرنا الطير يُحشَرن) - على تقدير أن الحشر يحصل من حاشرها شيئاً بعد شيئ والحاشر هو الله لكان خُلفاً، لأن حشرها جملة واحدة والتعبير عن ذلك باسم الجمع دون الجمع، أبلغ في الدلالة على القدرة.. ووضْع (الأوّاب) – الذي هو في معنى الرجّاع - موضع (المسبِّح) إما لبيان أنها ترفع التسبيح، والمرجِّع رجَّاع لأنه يرجع إلى فعْله رجوعاً بعد رجوع، وإما لأن الأوّاب وهو التوّاب الكثير الرجوع إلى الله وطلب مرضاته، من عادته ودأبه أن يكثر ذكر الله ويديم تسبيحه وتقديسه (١) ، ومهما يكن من أمر فإن في هذا وما قبله تعريض بالكفار، لأنه في معنى أن الجبال والطير فعلت أو فُعل بها ذلك على الرغم من أنها أشدّ صلابة ونفرة من قومك وأعسر ضبطاً.

стр. 128

على أن في اختيار ما هو شديد الصلابة ومقابلته بما هو شديد النفرة ليكونا مضرب المثل في مشاركة نبي الله دادو ﵇ في التسبيح، دقيقة أخرى ملفتة ألا وهي عدم استبعاد أن يكون التنوين في (كلٌّ) عوضاً عما يشمل الطير والجبال معاً وليس الطير فحسب، ذلك أن غرض السياق بالتعبير عن تسخير أثقل الأشياء وأثبتها، وإتباعه بأخفها وأكثرها انتقالاً، الكشف عن خروج الكل إبان ترنيم داود عن مألوفه، وإفادة أنه كلما رجع عن حكمه وما هو فيه من الشغل بالخلق إلى تسبيح الحق، رجّعت معه بذلك الجبال والطير كلٌّ بطريقته التي اعتادها وفقهها عن الله تعالى خالقه، وقد جعل الخبر (أوّاب) في حقهما بلفظ التذكير ولم يجعل مؤنثاً للإعلام بشدة زجلهما بالتأويب وعظمته، وفي مجيئه مفرداً إشارة إلى أنهما في الطواعية في التأويب قد بلغا الغاية حتى لكأنهما الشيئ الواحد، كما أفاد الإفراد أيضاً شمول الحكم لكل فرد منها ولو جمع لطرقه احتمال أن الحكم على المجموع بقيد الجمع (١) وسبحان من هذا كلامه. التسبيح في مقام التكذيب والسخرية والاستهزاء:

стр. 129

ففي آية الفرقان التي يقول سبحانه فيها: (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً (١) .. الفرقان /٥) ، إخبار عما كان يدعيه أهل الكفر - قاتلهم الله – من أنه ﷺ يكذب عليهم ويتكلف حفظ ما يملى عليه مما سطره الأقدمون بعد أن يتكلف تحصيله بالانتساخ لكونه أمياً، وذلك في أوقات انشغال الناس عنه فهو يفعل ذلك – في زعمهم وفي خيالهم المريض - كلّ صباح قبيل انتشار الناس إلى أعمالهم وعشياً حين يأوون إلى مساكنهم، فما يملى عليه بكرة يقرؤه عليهم عشية وما يملى عليه عشية يقرؤه عليهم بكرة، وهذا المعنى مفاد من صيغة الافتعال (اكتتبها) الدال على التكلف لحصول ذلك الفعل، ومن دلالة السياق على التكنية بفعل ذلك في الغدو والآصال عن الاستمرار وكثرة الممارسة لتلقي هذه الأساطير، وقد عنوا أنها تملى عليه خفية لئلا يقف الناس على حقيقة الحال.. وهذه – تالله - فرية وجرأة عظيمة منهم على الله وعلى رسوله ﷺ ، وكلامهم هذا ظاهر العوار لمن كان له أدنى بصيرة أو استبصار، فهو كلام لا يتفوه به من له مسكة من عقل أو مثقال حبة من مروءة، فإن من المعلوم الذي لا يخفى على ذي لبّ أن لو لازم إنسان شيئاً عشرة أيام بكرة وعشياً لم يبق ممن يعرفه ويطلع على أحواله أحد حتى يعرف ذلك منه فلو أنكره بعد لافتضح فضيحة لا يُغسل عنه عارها أبد الدهر، فكيف والبلد صغير والرجل عظيم شهير، وقد ادّعوا أنه مصرٌّ على ذلك لا ينفك عنه إلى حين مقالتهم وبعدها، وعيّروه بأنه معدم يحتاج إلى المشي في الأسواق، وهو يدعوهم في كل ملإ إلى المعارضة ولو بسورة من مثله

стр. 130

- وفيهم الكتاب والشعراء والبلغاء والخطباء وهم أكثر منه مالاً وأعظم أعواناً - فلا يقدرون (١) . لأجل هذا جاء الجواب المستأنف المتضمن بطلان ما ادعوه، في صورة تهديد (قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض.. الفرقان /٦) ، قصداً إلى الإفحام وبطلاناً لدعاويهم الباطلة وإقامة للحجة البالغة. ومما سبق ندرك أن إسنادهم الاكتتاب إليه ﷺ إسناد مجازي لأنه سببه، والقرينة ما هو مقرر ومعروف لدى الجميع من أنه أميّ لا يكتب ولا يقرأ، وقد جاء الإملاء تفريعاً على الاكتتاب وإيماء إلى أن املاءها عليه إنما يحصل بعد كتابتها ليقرأها أو ليحفظها، فالتعبير بالإملاء استعارة عن الإلقاء للحفظ بعد الكتابة لا الإلقاء للكتابة كما هو معروف ... وعلى جعل المعنى: أراد اكتتابها أو طلب كتابتها فأمليت عليه أو على كاتبه يبقى الإملاء على ظاهره (٢) .

стр. 131

واختلفوا في معنى السر الوارد في الآية السابقة على سبيل التهديد فمن قائل في معناه: أن العالم بكل سر في السموات والأرض هو وحده الذي يمكنه إنزال مثل هذا الكتاب، ومن قائل بأن المعنى أنه أنزله من يعلم السر فلو كذب عليه لانتقم منه لقوله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين.. الحاقة /٤٤، ٤٥) ، ومن قائل بأن المعنى أنه سبحانه يعلم كل سر خفي في السموات والأرض ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد لرسوله ﷺ مع علمكم بأن ما يقوله حق، كما يعلم كذلك باطن أمر رسول الله وبراءته مما تتهمونه به، وهو سبحانه مجازيكم ومجازيه على ما علم منكم وعلم منه (١) ، والوجه في جعل (قل أنزله الذي يعلم السر) جواباً لشبهتهم ورداً على استهزائهم أيّاً ما كان المعنى أنه ﷺ لما تحداهم بالمعارضة وظهر عجزهم عنها فلو كان هو الذي أتى بالقرآن بأن استعان بأحد لكان من الواجب عليهم أيضاً أن يستعينوا بهذا الواحد فيأتوا بمثله، فلما عجزوا عن ذلك أيضاً ثبت أنه وحي الله وكلامه، سيما وأن هذا القرآن الذي لا يجارى في فصاحته مبرأ عن النقص والعيوب ومشتمل على الإخبار عن الغيوب وعلى أنواع العلوم التي لا يحيط بها إلا العالم بجميع المعلومات ولا يحيط بها سواه (٢) فأين يقع إذن علم حفاظ الأساطير ورواتها من ذلك وماذا يساوي بجوار هذا الخضم الذي لا ساحل له؟. التسبيح في مقام الوعد والوعيد: جاء التعبير بطرفي النهار في مقام الحديث عن الوعد في قول الله تعالى: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً.. مريم /٦٢) ، بينا جاء عن مقام الوعيد في قوله: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ... غافر/٤٦) .

стр. 132

أما الموعود به في آية مريم بحصول الرزق لهم بكرة وعشياً، فقد ورد في سياق الحديث عن أهل الجنة الذين تابوا في الدنيا من بعد ظلمهم وأنابوا إلى ربهم واتبعوا سبيله، وذلك قوله: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً. إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا. جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتياً.. مريم /٥٩- ٦١) ، وبصرف النظر عما إذا كان هذا في حق اليهود أم في حقهم والنصارى أم في حق قوم من المسلمين لكونها عامة ولا دليل على التخصيص.. فإن الاستثناء فيها على أي حال وعلى ما ذكره في البحر ظاهره الاتصال، والمنعوتون فيها بالتوبة والإيمان والعمل الصالح هم المشار إليهم بما جاء في قوله (أولئك يدخلون الجنة) ، وهم إنما استحقوا ذلك بموجب الوعد المحتوم الذي أخذه الله على نفسه. والوجه البلاغي في التعبير باسم الإشارة في جانبهم، الإشادة بهم لأجل توبتهم والتنويه بشأنهم، ومجيئ المضارع الدال على الحال للإشارة إلى أنهم لا يُمطلون في الجزاء، وفي قوله: (ولا يظلمون شيئاً) تنبيه على أن فعلهم السابق لا يضرهم ولا ينقص أجورهم، والمراد من قوله في حق الوعد (مأتياً) أي منجزاً، لأن فعل الوعد بعد صدوره وإيجاده إنما هو تنجيزه، ومجيؤه هكذا مع أن المأتي هو الذي يأتيه غيره هو من قبيل الإسناد العقلي أو الاستعارة فقد استعير الإتيان لحصول المطلوب المترقب تشبيهاً لمن يحصِّل الشيئ بعد أن سعى لتحصيله بمن مشى إلى مكان حتى أتاه، وتشبيهاً للشيئ المحصل بالمكان المقصود، فهي استعارة تمثيلية اقتصر من أجزائها على إحدى الهيئتين وهي تستلزم الهيئة الأخرى لأن الثاني لا بد له من آت، والكلمة في سياق جملتها تعليل لجملة (التي وعد الرحمن عباده بالغيب) والمعنى فيه والتقدير: يدخلون الجنة وعداً من الله واقعاً.

стр. 133

و (اللغو) في قوله بعد: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً) كناية عن انتفاء أقل المكدرات في الجنة وعن جعل مجازاة المؤمنين في الجنة بضد ما كانوا يلاقونه في الدنيا من أذى المشركين ولغوهم، والاستثناء المنقطع في نسق الآية – إلا إذا جعل بمعنى الكلام السالم من العيب فيكون متصلاً – هو من تأكيد المدح بما يشبه الذم كما في قول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وهو يفيد نفي سماع اللغو بالطريق البرهاني الأقوى، والاتصال على هذا على طريق الفرض والتقدير ولولا ذلك لم يقع موقعه من الحسن والمبالغة (١) . وقوله في محل الشاهد: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً) وارد على عادة المتنعمين في هذه الدار، فقد أخرج ابن المنذر عن يحيى بن كثير قال: كان العرب في زمانها إنما لها أكلة واحدة فمن أصاب أكلتين سمي فلان الناعم، فأنزل الله تعالى هذا يرغب عباده فيما عنده، وروي نحو ذلك عن الحسن.

стр. 134

وقد سبق بيان أن حمل معنى الوقتين على ظاهره – خلافاً لما ذهب إليه جلّ أهل التأويل من أن التعبير بالبكرة والعشي مراده دوام رزقهم ودروره – هو المناسب في حال ارتباط الرزق في سياق الآية بالمأكل والمشرب وهو الملائم لحال المؤمنين في الزهادة والانشغال بمتع الجنة الأخرى، ولا يرد على ما ذكرت أن حمل المعنى على الدوام مؤيد بمجيئ الجملة في صورة الإسمية وهذا يدل على ثبوت ذلك ودوامه فيفيد التكرر المستمر وهو أخص من التكرر المفاد بالفعل المضارع وأكثر، لأنا نقول أن هذا حاصل بالاقتصار على الإطعام في البكرة والعشي أيضاً، وإلا فليس في الجنة بكرة ولا عشي، فهم إنما يؤتون به على ما كانوا يشتهون به في الدنيا لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلّون فيها، (١) فقد جاء في بعض الآثار أن أهل الجنة يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب، ومن ذلك ما أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق أبان عن الحسن وأبي قلابة قالا: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هل في الجنة من ليل؟ قال: وما هيجك على هذا؟ قال: سمعت الله تعالى يذكر في الكتاب: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً) فقلت: الليل من البكرة والعشي، فقال ﷺ : (ليس هناك ليل وإنما هو ضوء ونور يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو، وتأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا وتسلم عليهم الملائكة ﵈ . نسأل الله أن يجعلنا منهم وأن يحشرنا في زمرتهم.

стр. 135

أما الوعيد المتحدث عنه في قوله: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ... غافر /٤٦) ، فقد جاء في سياق ما يعرض لآل فرعون من سوء العذاب وأشده، قصداً إلى تعظيم أمر النار وكناية عن استدامتهم فيها – عياذاً بالله من ذلك – وناسب أن تأتي هذه الآية الكريمة في ثنايا الحديث عن مؤمن آل فرعون الذي ذكرنا طرفاً من قصته إبان عرضنا لما جاء في قوله سبحانه من نفس السورة: (واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار.. غافر /٥٥) ، وفي أعقاب ما صدر منه من نصح قومه وتحذيره إياهم من مغبة وسوء ما ينتظرهم من عقابي الدنيا والآخرة إن هم خالفوا ما دعاهم إليه نبيهم موسي ﵇، وبعد قوله لهم فيما قال: (إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب.. غافر /٣٠) ، وقوله: (ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار. تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار.. غافر /٤١، ٤٢) ، وقوله بعد أن استفرغ الوسع وأخلص النصح: (فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد.. غافر /٤٤) ، وبعد جواب الله على ذلك بقوله: (فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب. النار يعرضون عليها غدواً وعشياً.. غافر/٤٥، ٤٦) . ومعنى عرضهم على النار أن أرواحهم تشاهد المواضع التي أعدت لهم في جهنم على ما جاء في الصحيح عن عبد الله بن عمر: إن أحدكم إذامات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة) .

стр. 136

والشاهد في حديثنا في الآية وهو (النار) ، المعروض عليها آل فرعون غدواً وعشياً، يجوز أن تكون بدلاً مفرداً من نوع المطابقة من (سوء العذاب) ، وجملة (يعرضون عليها) حالاً منها أو من الآل، أو تكون خبراً لمبتدأ محذوف وهو الضمير العائد على (سوء العذاب) وجملة (يعرضون) تفسير لها في موضع الحال، فيكون بين هذه الآية والتي قبلها شبه كمال اتصال كأنه قيل: ماسوء العذاب؟ فقيل هو النار، ويجوز وهو الأبلغ في تحقيق الغرض من السياق - أعني الدلالة على التهويل والتفخيم من شأن ما يعرض له آل فرعون غدواً وعشياً - أن تكون (النار) هي المبتدأ وجملة (يعرضون عليها غدواً وعشياً) في موقع الخبر عنها ويكون مجموع الجملة من المبتدأ والخبر بدل اشتمال من جملة (وحاق بآل فرعون سوء العذاب) ، لأن سوء العذاب إذا أريد به الغرق كان مشتملاً على موتهم، وموتهم يشتمل على عرضهم على النار غدواً وعشياً.

стр. 137

وفي هذا الوجه من التعظيم من أمر النار والتهويل من عذابها والتخويف من العرض عليها والإحراق بها ما ليس في غيره (١) ومنشأ التعظيم أن المذكور في الآية علىالوجه الأول عذاب واحد هو ما يحدث لهم في البرزخ، أما في الأخير فالمذكور عذابان عذاب الغرق في الدنيا، وما يلحق به من عذاب قبل عذاب يوم القيامة (٢) ، أو منشؤه - على ما في الكشف ونقله عنه الآلوسي - الإجمال والتفسير في كيفية تعذيبهم وإفادة كل من الجملتين نوعاً من التهويل، أما الأول (٣) منهما فالإحاطة بعذاب يستحق أن يسمى سوء العذاب وأما الثاني فهو النار المعروض عليها غدواً وعشياً (٤) "وإنما كان الغرق سوء عذاب لأن الغريق يعذب باحتباس النّفَس مدة وهو يطفو على الماء ويغوص فيه ويرعبه هول الأمواج وهو موقن بالهلاك ثم يكون عُرضة لأكل الحيتان حياً وميتاً وذلك ألم في الحياة وخزي بعد الممات يُذكرون به بين الناس" (٥) .

стр. 138

والسر في إفادة تعظيم النار في هذا الوجه وبيان كيفيتها - دون ما تضمنه جعل النار بدلاً من سوء العذاب - أنك إذا فسرت (سوء العذاب) بالنار فقد بالغت في تعظيم سوء العذاب ثم استأنفت بـ (يعرضون عليها) تتميماً لقوله (وحاق بآل فرعون) من غير مدخل للنار فيما سيق له الكلام، أما إذا جئت بالجملتين من غير نظر إلى المفردين وأن أحدهما تفسير للآخر، فقد قصدت بالنار قصد الاستقلال حيث جعلتها معتمد الكلام وجئت بالجملة الثانية بياناً وإيضاحاً للأولى، كأنك قد آذنت بأنها أوضح لاشتمالها على ما لا أسوء منه وهو النار، على أن من موجبات تقديم المسند إليه إنباؤه عن التعظيم مع اقتضاء المقام له وها هنا كذلك على ما لا يخفى، ناهيك عما يفيده التركيب من تقوية للحكم كما في نحو (زيد ضربته) ، وفيما ذكر يقول صاحب الكشف فيما نقله عنه الآلوسي: "هذا هو الوجه، وأُيد بقراءة من نصب (النار) بناءاً على أنها ليست منصوبة بأخص أو بأعني بل بإضمار فعل يفسره (يعرضون) مثل: (يُصْلَون) فإن عرضهم على النار إحراقهم بها، من قولهم: (عرض الأسارى على السيف) أي قتلهم به، وهو من باب الاستعارة التمثيلية يُشَبّه حالهم بحال متاع يبرز لمن يريد أخذه، وفي ذلك جعْل النار كالطالب الراغب فيهم لشدة استحقاقهم الهلاك" (١) . وسواء جُعلت (النار) مع ما بعدها بدلاً من جملة (وحاق بآل فرعون) أو بدلاً مفرداً من (سوء العذاب) ، فالمذكرو في الآية عذاب قبل عذاب يوم القيامة المشار إليه بقوله في نفس السورة والآية (ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) . نسأل الله المعافاة وحسن العاقبة. الخاتمة

стр. 139

وبعد، فقد آن لنا أن نحط الرحال أعقاب هذه الرحلة الميمونة التي تم التطواف فيها حول الدقائق واللطائف المفادة من التعبير عن هذين الوقتين المباركين لطرفي النهار، (العشي والإبكار) أو (الغدو والآصال) أو (الغداة والعشي) ، لنخلص إلى أن ما ورد من حديث للقرآن حول هذين الوقتين هو مما يستأهل التأمل والتدبر ويستحق المزيد من إعمال الذهن وكدّ الفكر، ذلك أن النظرة العجلى لغير المتأمل يبدو منها أنها مجرد مترادفات أو متقابلات جيئ بها لمجرد التعبير عن وقتين اعتادهما الإنسان كلما أشرقت شمس يومه أو غربت فلا يحظيان منه - من ثمّ - بكثير اهتمام، بينا الأمر في الحقيقة على العكس من ذلك تماماً. والشيئ الذي زاد الطين بلة ويبعث - أيضاً - على الأسى هو أن الذين الأصل فيهم التأمل والتدبر لما في كتاب الله تعالى من أهل التأويل من المفسرين - على سعة علمهم وعظم مكانتهم - ينتاب كثير من معالجاتهم لآي القرآن بسبب عدم التدقيق وإنعام النظر في مراعاة مقتضى الحال في سياق النظم، شيئ من القصور والتناقض، ومن عدم وضع للأمور في نصابها، كما يشوبها أحياناً- وتلك ثالثة الأسافي- عدم الالتفات إلى ما يخدم النص من نصوص أخرى تعين بضميمة قرائن الأحوال ومعونة السياق على فهم النص الفهم الصحيح.

стр. 140

وإلا فما معنى ان تجعل الضمائر الثلاثة مثلاً في قول الله تعالى: (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً. لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً.. الفتح /٨، ٩) - وهذا مجرد مثال - عائدة إلى الرسول ﷺ مع قراءة ابن مسعود وابن جبيرالواردة في الآية الكريمة والتي جاء فيها (لتؤمنوا بالله ورسوله وتسبحوا الله) كذا بالاسم الجليل مكان الضمير؟ وما الذي يدعو إلى ليّ معنى التسبيح كيما يتناسب مع هذا الرأي الواهي الذي يُضرب من خلاله أي القرآن بعضه ببعض؟ أو جعلها جميعا عائدة إلى الله فيلوى من أجل ذلك معنى التعزير والتوقير ويُخرج بهذه الكلمات عما وضع لها في اصطلاح التخاطب حتّام يستقيم مع ذاك الرأ ي على ضعفه، وما الدافع أمام الإصرار على طرح ما يصح حمل المعنى عليه حملاً صحيحأً من أمر اللف والنشر مع لطافته ووجاهة القول به على ما سبق ذكره.. وما معنى أن يذهب بالآيات الوارد فيها ذكر الوقتين إلى الحمل في معنى التسبيح على الظاهر من قول (سبحان الله) ، مع ما تفيده قرائن الأحوال وما ترشحه سياقات الآيات من أفضلية حمله على معنى الصلاة أعني على المجاز، أو أن يفعل العكس من ذلك، أو أن يقال بالوجهين هكذا دون ما التفات إلى ما يعين على الوصول إلى ما صح من ذلك أو ترجح.

стр. 141

أن الأمر بهذا يفرض على كل من أراد أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يخدم دينه وكتاب ربه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أن يقيم - قدر الطاقة - من التأويل ما اعوج، فمجال البحث في التنزيل فسيح ومتسع ويحتاج إلى مزيد من استجلاء الدقائق والحقائق، وليس أفضل في حياة أي باحث منصف بل ولا في حياة أهل الحق جميعاً من الوصول إلى الحقيقة سيما لو كانت تلك الحقيقة تمس كتاب الله تعالى، ولم لا وهو موئلهم الذي إليه عن الخلاف يئلون ومعقلهم الذي إليه في النوازل يعقلون وحصنهم الذي به من وساوس الشيطان يتحصنون وحكمة ربهم التي إليها يحتكمون وفصل قضائه بينهم الذي إليه ينتهون وحبله الذي به من الهلكة يعتصمون. فالله نسأل أن يجعلنا من أهل الحق وممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير، وهو نعم المولى ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. *******