وعلى نحو ما كانت دلالة التسبيح في حق نبي الله داودعليه السلام مجازية، كذا كانت دلالته في حق الجبال مجازية أيضاً، وهذا من البداهة بمكان، بلْه أن المجاز في حق داود منصرف كما قلنا إلى معنى الصلاة، لكون التسبيح جزءاً منها فهي علاقة جزئية لمجاز مرسل ... بينا هو في حق الجبال له دلالة مغايرة، فهو تجوز عن التسخير والانقياد وإن كان تسخيراً وانقيادًا يحمل معنى الطواعية على ما يدعو إليه نسق الآية ويدل عليه قوله سبحانه: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين.. فصلت/١١) ، فالفعل (يسبح) الواقع من نبي الله داودعليه السلام والموصوف به الجبال، مستخدم في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب، ومستعمل في حقهما بمعناه المجازي، وإن اختلفت دلالة المجاز فيهما كلٌّ بحسبه.
ونظير هذا في الحمل على المجاز والقول به جعل التسبيح بمعنى الترجيع، فإن التأويب (١) الذي جاء مرادفاً للتسبيح هو في اللغة بمعنى الترجيع وترديد الصوت، وعليه فتكون الجبال الشامخات قد أمرت من قِبَل القادر المقتدر سبحانه أن تُرجِّع معه وتجيبه بأصواتها وتسبح تبعاً له واقتداءً به، ويكون المراد من الآية، الإخبار بـ"أنه تعالى سخر الجبال معه عند إشراق الشمس وآخر النهار، كما قال (ياجبال أوبي معه والطير.. سبأ/١٠) " (٢) ، "وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه إذا مر به الطير وهو سابح في الهواء فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور، لايستطيع الذهاب بل يقف في الهواء ويسبح معه" (٣) .
стр. 72
وأغرب صاحب (الجُمَل) حين جعل التسبيح مجازاً عن السير، أي أنها كانت تسير إلى حيث يريد فيكون قد جعل السير تسبيحاً للدلالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته، أوعلى اعتبار أن (يسبحن) من السباحة فيكون المعنى: سيري معه بالنهار كله (١) ، فإن هذا وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة على اعتبار أن التأويب سير النهار كله، والسّرى سير الليل كله، إلا أن السياق في الآية لايساعده، وأغرق في الإغراب من ذكر أن التسبيح في حق الجبال إنما هو تقديس بلسان الحال! إذ لا اختصاص بتسبيحهن الحالي بالوقتين، وكذا لا اختصاص له حينئذ بكونه معه، كما أن التقييد بالوقتين المذكورين يأباه (٢) .
ونظير ذلك في الغرابة جعْل التسبيح للجبال مجازاً عن الفيئ، فإن هذا المعنى لايسوغ بحال جعله مجازاً عن التسبيح وإن استقام جعله مجازاً عن السجود، وليس هذا الأخير قاصراً على الجبال بل يعمها وغيرها مما يتأتى أن يكون له فيئٌ أو ظلّ، لذا جاء التعبير به في قوله تعالى: (ألم ترأن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب.. الحج/١٨) . يقول أبو العالية فيما نقله عنه الحافظ ابن كثير: "ما في السماء نجم ولا شجر ولا قمر إلا يقع لله ساجداً حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه، وأما الجبال والشجر فسجودهما بفيئِ ظلالهما عن اليمين والشمائل" (٣) .
والحاصل أن السجود للجبال يصح جعله مجازاً عن الفيئ، لأنه لاوجه فيه للاختصاص لكونه واقعاً منها ومن غيرها على كل حال، أما التسبيح الذي خُصّت به مع داوود فله وجه آخر هو ما ذكرناه آنفا واستقر عليه أمرنا.
стр. 73
وفي التعبير بالمضارع (يسبحن) في حقهن والعدول به عن (مسَبِّحات) مع أن الأصل في الحال الإفراد، دلالة على تجدد التسبيح حالاً بعد حال، نظير ما وقع في قول الأعشى:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة إلى ضوء نار في يفاع تحرق
فلصيغة الفعل خصوصية في الدلالة على حدوثه، ولا كذلك اسم الفاعل (١) .
ويجئ التعبير بالظرف في قوله تعالى: (إنا سخرنا الجبال معه) متناغماً مع السياق وكاشفاً عن عظمة الله وتفرده بالخلق والإيجاد، ومسوقاً مساق التعليل لقوة داود ﵇ في الدين وأوابيته إلى مرضاته جل في علاه، ومؤكداً في الوقت ذاته على مدى المشاركة في تأدية هذه المهمة الجليلة، مهمة التنزيه والتقديس لقيوم السموات والأرض.
والشيئ بالشيئ يذكر فإن المتأمل لآية الرعد: (وله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال.. الرعد/١٥) ، يجد مصداق مابين أيدينا، فقد خُص فيئ الظلال - بما فيها ظلال الجبال - بالسجود دون التسبيح لكونه الأدوم والأبقى ولأنه الأظهر، لذا ساغ جعله - أعني السجود- مجازاً عن الفيئ، قال مجاهد: "سجود كل شئ فيؤه وذكر الجبال فقال: سجودها فيؤها" (٢) .
стр. 74
ولعدم اختصاص أهل الكفر بسجود ظلالهم بالغدو والآصال، تنوزع في حمل المعنى في آية الرعد على الحقيقة أو المجاز بما لم يتنازع عليه في حمل تسبيح الجبال على المجاز في آية ص، حتى ذهب بعضهم إلى القول بالجمع في آية الرعد بين الحقيقة والمجاز، وعلق أبو السعود على ذلك بالقول بأنه "لايخفى ما في الشقوق من النظر" (١) ، ومنشأ النزاع يكمن في ضمير (ظلالهم) العائد ـ كما يفيده السياق في الآية - على الكفار والتعبير عن سجودها بقوله: (كرهاً) ، أمر مستغرب إذ أنى لظلالهم أن تُخص بالسجود ويتحقق فيها معنى الانقياد وأصحابها أصلاً لا يتأتى منهم سجود قط؟ وأنى لمن هذا حالهم أن يجعلوا في مقابلة من عناهم سبحانه بقوله: (ولله يسجد من السموات والأرض) وهو شامل ـ بالطبع ـ لمن أتوه طوعاً من الملائكة وصالحي الإنس والجن وهم الذين يتصور منهم السجود على جهة الحقيقة؟.
فمن قائل ممن حمل المعنى على ظاهر معناه، إن المراد حقيقة السجود فإن الكفرة حالة الاضطرار يخصونه سبحانه بالسجود كما جاء في قوله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين.. العنكبوت/٦٥) ، ومن قائل بجواز أن يخلق الله في الظلال أفهاماً وعقولاً تسجد بها لله كما خلقها للجبال حين اشتغلت بالتسبيح وظهر فيها آثار التجلي كذا ذكره ابن الأنباري، ومن قائل: إنه عبر بالطوع عن سجود الملائكة ﵈ والمؤمنين، وبالكره عن سجود من ضمه السيف إلى الإسلام فراح يسجد لله نفاقاً.
стр. 75
بيد أن هذه الأقوال جميعاً يعكر صفوها مساقُ الآية، فهي تنبئ بأن العالم كله مقهور لله خاضع لما أراده منه، مقصور على مشيئته لايكون منه إلا ما قدر، وأن الذين يعبدون غيره ويقصدون سواه كائنا من كانوا داخلين تحت القهر، ويدل على هذا تشريك ظلالهم في السجود، وهي ليست أشخاصاً يتصور منها السجود بالهيئة المخصوصة، ولكنها داخلة تحت مشيئته تعالى في الإمداد والتقلص والفيئ والزوال فهو يصرفها حسبما أراد، كما قال: (أولم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله.. النحل/٤٨) ، غاية ما هنالك أن في ذكرها إشعار بأنها بريئة منهم ومن فعالهم القبيحة، وفي ذلك إعلام على عظمة الخالق جلّ وعلا الذي دانت له المخلوقات بأسرها وخضع له كل شيئ.
كما يعكر صفو القول باختصاص سجود الكافر حال الضرورة والشدة لله سبحانه أن ذلك لا يجدي، فإن سجوده للصنم حال الاختيار والرخاء مخل بالقصر المستفاد من تقديم الجار والمجرور في قوله: (وله يسجد من في السموات والأرض.. الرعد/١٥) ، وقوله: (ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة.. النحل/٤٩) ، ويلحق بالكافر فيما ذكرنا المنافق الذي لم يخلص في سجوده لله، كذا يعكر صفو القول بأن الله يخلق في الظلال أفهاماً وعقولاً تدرك معنى السجود وتفعله، وقياسها في ذلك على الجبال، أن الجبال يمكن أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة أما الظلّ فعَرضٌ لايتصور قيام الحياة به، وإنما يكون سجوده بميله من جانب إلى جانب واختلاف أحواله ـ سيما في الوقتين اللذين يظهر فيهما ذلك بوضوح ـ كما أراد سبحانه.
стр. 76
والخليق بالقبول حمل السجود في حق الكفارعلى الانقياد ـ أي على المجازـ والوجه البلاغي في ذلك، أن تحقيق انقياد الكل لله تعالى في الإبداع والإعدام، أدخل في التوبيخ على اتخاذ أولياء من دونه سبحانه، من تحقيق سجودهم له جل وعلا، والنكتة في تخصيص انقياد العقلاء المدلول عليه بقوله في آية الرعد (مَن) بالذكر مع كون غيرهم أيضاً كذلك، أنهم العمدة وانقيادهم دليل على انقياد غيرهم، والوجه في تخصيص الغدو والآصال بالذكر مع أن انقياد الظلال متحقق في جميع أوقات وجودها، ظهور ذلك فيهما (١) .
ثانياً: ما يجمل فيه حمل التسبيح بطرفي النهار على الحقيقة
وإن كان من حمل للتسبيح على ظاهره وعلى ما هو الأصل المعهود فيه والمعلوم، من ذكر اللسان بقول (سبحان الله) واعتقاد تنزيهه سبحانه من السوء، والثناء عليه بالخير لا سيما في وقتي الغدو والآصال لما يتجدد فيهما من نعم الله الظاهرة.. فهو يَمْثُل فيما أومأت لإفادته دلالات السياق وقرائن الأحوال في نحو قوله تعالى: (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً. لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً.. الفتح/٨، ٩) ، وقوله: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً.. الأحزاب/٤٢) ، وقوله: (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً. ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً.. الإنسان/٢٥، ٢٦) .
١) آية الفتح والمناسب لعود الضمير في معطوفاتها:
стр. 77
أورد الآلوسي في آية الفتح وتحديداً في قوله منها: (وتسبحوه) قراءة ابن مسعود وابن جبير: (وتسبحوا الله) ، كذا بالاسم الجليل مكان الضمير (١) ، وتلك – لعمري- قرينة كافية تدعو لعدم الالتفات لرأي القائلين بعود الضمائر الثلاث في (وتعزروه وتوقروه وتسبحوه) إلى الرسول ﷺ ، وعلى رأس هؤلاء الإمام البقاعي في نظم الدرر، ليكون المعنى على زعمه وزعمهم: (أرسلناه إليكم لتؤمنوا به وتعينوه على كل من ناوأه وتجتهدوا في حسن اتباعه وفي تبجيله وإجلاله، وتنزهوه عن كل وصمة من إخلاف الوعد بدخول مكة والطواف بالبيت الحرام ونحو ذلك (٢) ، إذ في تأويل الأخير من هذه المعطوفات الثلاثة على هذا المعنى من التكلف ما لا يخفى.
على أن عود الضمير في الأولين منها أي في قوله جل شأنه: (وتعزروه وتوقروه) لأقرب مذكور أعني للرسول- ﷺ لقوله قبلها: (لتؤمنوا بالله ورسوله) .. مع كاف الخطاب العائد عليه أيضاً في قوله قبل: (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً.. الفتح/٨) ، لمما يوهن هو الآخر- بضميمة ما تأكد لنا من عوده في (تسبحوه) إلى الله في القراءة سالفة الذكر- من شأن الميل إلى جعل الضمائر الثلاث لله سبحانه، وهو ما ترجح لدى الزمخشري والآلوسي والبيضاوي والطاهر (٣) ومن لف لفهم وحجل بقيدهم، لكون المعنى حينذاك: أرسلناه إليكم لتنصروا الله وتوقروه وتعظموه وتنزهوه، إذ في تقدير الآية على هذا النحو من الإخلال بالمعنى وبعود الضمائر في (وتعزروه وتوقروه) ومن استعمال كلمة التعزير بالذات التي هي في معنى الإعانة والإمداد بأسباب القوة اللتين حاشاه سبحانه أن يتصف بهما لكونها مما لا يليق بجلال الله وعظمة سلطانه.. ما لا يخفى.
стр. 78
والعجب كل العجب أن يجنح أئمة التفسير إلى مثل هذا القول المؤدي إلى هذه اللوازم الشنيعة، بل والمفضي إلى ما هو أشنع منها بما ورد في الكلمة من قراءات أخرى، فقد "قرأ الجحدري (تعزروه) بفتح التاء وضم الزاي مخففاً، وفي رواية عنه فتح التاء وكسر الزاي مخففاً، وروي هذا عن جعفر الصادق ﵁، وقُرأ بضم التاء وكسر الزاي مخففاً، وقرأ ابن عباس ومحمد بن اليماني: (تعززوه) بزاءين من العزة أي تجعلوه عزيزاً " (١) .
стр. 79
والزعم بضرورة القول بهذا، "لئلا يلزم فك الضمائر من غير ضرورة"، على ما ادعاه الآلوسي، وأورده الشهاب في حاشيته على البيضاوي (١) ، وكذا الزعم بأن "من فرق الضمائر فقد أبعد" على ما ذكر الزمخشري (٢) ، زعم باطل، ذلك أن فك الضمائر والذهاب مذهب عود الأولين منها إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعود الثالث إليه سبحانه - فضلاً عن تعين القول به لدلالة السياق من خلال المعنى وعود الضمائر، وللقراءة الواردة عن ابن مسعود وابن جبير- هو من الطي والنشر، أو ما يسمى باللف والنشر، وهذا من أعظم أبواب المحسنات المعنوية في علم البديع، وهو على ما ذكر البلاغيون: أن يذكر متعدد - كما هو الحال في النظم الكريم: (وتعزروه وتوقروه وتسبحوه) - ثم يذكر ما لكلٍّ من أفراده شائعاً من غير تعيين اعتمادأً على تصرف السامع في تمييز ما لكلِّ واحد منها، ورده إلى ما هو له، وهو في هذه الآية - على ما ترجح لدينا - يتمثل في جعل الأولين عائداً إلى الرسول، وفي الأخير راجعاً إلى الله، وفي العود على هذا النحو من تهيئة النفوس وإعدادها كيما تتلقى ما يذكر من النشر العائد في الآية إلى اللف قبلاً.. ما فيه، وحسب صاحب الذوق البلاغي أن يدرك كيف وقع العود على الطريقة الذي ذكرنا موقعه، وكيف تمت الفائدة على أتم وجه وأحسنه، وتحقق الغرض بأبلغ ما يكون، وحسبه كذلك أن يأتنس للوقوف على جمال هذا الصبغ من البديع، بتلاوة قوله سبحانه: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله.. القصص/٧٣) ، وقوله: (فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب.. الإسراء/١٢) ، وقول ابن الرومي مادحاً:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم في الحادثات إذا دجون نجوم
стр. 80
فيها معالم للهدى ومصابح تجلوا الدجى والأخريات رجوم (١)
فإذا ما تقرر هذا – وهو متقرر بمشيئة الله تعالى – فإن الأليق لمعنى التسبيح في الآية الكريمة من سورة الفتح، أن يجعل المعنى فيه على ظاهره، وقد تنبه لهذا ونوه إليه الدامغاني (٢) وله في ذلك حق فالمقام مقام تعجب والآية مدنية وليس فيها ما يدعو إلى القول بحثّ المؤمنين على صلاة بغداة أو عشيّ، وليس فيها كذلك ما يشير من قريب أو بعيد إلى تواقيت للصلاة على نحو ما سبق في آيات هود وطه والروم، وتأتي التسبيح فيها من المؤمنين للرسول ﷺ في البكرة والأصيل أعني في الوقتين المخصصين لذلك فيما يجئ عادة لإفراد الله سبحانه بالتقديس إجلالاً وتعظيماً وتنزيهاً، أمر لا يقبله من له مسكة من عقل.
فلا جرم إذن والحال هكذا من جعل الأمر بالتسبيح بحمد الله مسوقاً لحث المؤمنين، والصحابة منهم على جهة الخصوص، على تنزيهه سبحانه والثناء عليه بماهو أهل، أنْ أرسل فيهم نبيه محمد ﷺ شاهداً ومبشراً ونذيراً، و (إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.. آل عمران/١٦٤) ، وذلك يستلزم أن يكون التقدير في الآية والمعنى: أرسلناه إليكم لتؤمنوا به وتقوّوا من أزره وتعينوه على إظهار دينه على كل دين، وعلى مناصرة دعوته، وتمنعوا عنه كل ما يكيده - مبالغين في ذلك - باليد واللسان والسيف والجنان، وأن تؤثروه على أنفسكم ولا تجهروا له بالقول تعظيماً له وتفخيماً ولا تقدموا بين يديه، وأن تسبحوا من منّ به عليكم كل بكرة وكل عشية حمداً له وشكراً.
стр. 81
ولا حجة فيما ذكره الطاهر وهو من مؤيدي عود الضمائر الثلاثة على الله، من أن "إفراد الضمائر مع كون المذكور قبلها اسمين، دليل على أن المراد أحدهما وأن القرينة على تعيين المراد، ذكر (وتسبحوه) " (١) .. لأنا نقول إن إفراد الضمائر مع كون المذكور قبلهما اسمين، لا يمنع من أن يكون الأولان منها راجعين إلى الاسم الأخير، بل هذا هو الأوقع لكونه الأقرب ذكراً والأوفق في عود الضمير، والأدخل في تصحيح المعنى.
وغني عن البيان أن نشير إلى أن لفظ (التسبيح) ، ما جاء في القرآن – على كثرته – إلا وهو مصروف إلى الله، وشذوذ هذا الموضع عن القاعدة بلا سبب بل ومع وجود ما يفيد عكسه هو شذوذ في الفهم.
٢) السياق والمقام في آية الأحزاب:
والغريب في أمر ابن عاشور أن يسوق ما جاء في نظير ذلك من آية الأحزاب (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً.. الأحزاب/٤١، ٤٢) ، ويذهب به إلى العكس مما ذكره في آية الفتح، وحجته الواهية في ذلك اختلاف السياق، على الرغم من أن كلامه في اختلاف السياق هذا، هو غاية في التناقض.
стр. 82
ففي التماسه الوجه في زيادة قوله سبحانه في آية الأحزاب (وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً..الأحزاب/٤٦) عقب قوله: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً.. الأحزاب/٤٥) ، وعقب قوله قبل: (يا أيها الذين أمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً. وسبحوه بكرة واًصيلا.. الأحزاب/٤١، ٤٢) .. يشير إلى أن النكتة في ذلك مجيئ الآية في سياق تنزيه النبي ﷺ عن مطاعن المنافقين والكافرين في تزوج زينب بنت جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة بزعمهم أنها زوجة ابنه (١) .. على الرغم من أن نفس العلة أو قريباً منها يمكن التماسها والقول بها في آية الفتح لورودها هي الأخرى - على حد قوله هو- في سياق إبطال شك الذين ارتابوا في أمر الصلح، والذين كذبوا بوعد الفتح والنصر (٢) ... سيما مع تعجب المسلمين الصريح من بنود الصلح وقولهم على ما جاء في الصحيحين: (سبحان الله كيف يُردُّ من أسلم من المشركين إليهم وقد جاء مسلماً) ، والتفتوا إلى رسول الله يسألونه: أنكتب هذا يارسول الله، قال: نعم، بل مع قول عمر بن الخطاب للرسول ﷺ على ما ورد في الصحيحين أيضاً: ألستَ نبي الله حقاً قال: بلي، قلت: ألستَ على حق وعدوّنا على باطل، قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، قال: بلى، قلت: ففيم نٌعطى الدنية في ديننا إذن، قال: إني رسول الله ولستُ أعصيه، وهو ناصري) ... وقول أبي بكر له حين أتاه في هذا: (إنه رسول الله ولن يعصيَ ربه ولن يضيعه الله أبدًا) ... ونظير ذلك في بلوغ التعجب لدى الصحابة غايته، ما جاء في الصحيح عن سهل بن سعيد ﵁، فقد قال يوم صفين: (أيها الناس، اتهموا رأيكم، لقد رأيتُني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله لرددته) .
стр. 83
ويفاد مما سبق أن الأمر في حمل التسبيح في قوله سبحانه في سورة الأحزاب: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً. وسبحوه بكرة وأصيلاً.. الأحزاب/٤١، ٤٢) على ظاهره بيّنٌ، بل إنه من الوضوح بمكان، فذكر الله يعني "ذكر اللسان وهو المناسب – على حد قول الطاهر – لموقع الآية مما قبلها وما بعدها" (١) ، أما مناسبته لما قبلها فلما ذكرنا، وأما مناسبته لما بعدها فلأن التسبيح وهو إيقاع التنزيه لفاطر السموات والأرض جل في علاه، عن كل شائبة نقص مما لا يليق به بإثبات أضداد ما لا يليق أو نفي ما لا يليق بقول: (سبحان الله) .. هو واحد مما يشمله ذكر الله، والوجه في تخصيصه بالذكر، الإشعار ببيان فضله على سائر الأذكار، لكون معناه تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال، وفي سر تقييده بالغدو والآصال، بيان لفضل هذين الوقتين على سائر الأوقات لتعاقب ملائكة الليل والنهار بهما، ولما يتجدد فيهما من نعم الله الظاهرة، إلى غير ذلك مما سبق ذكره في المبحث الأول.
وهذا التقييد وحده، هو في حد ذاته دليل على حمل المعنى على ظاهره، فما بالك وقد توفرت القرائن الأخرى من خلال السياق على جعله على حقيقته وعلى ما هو الأصل فيه، ويأتي على رأس هذه القرائن تقييد الذكر بالكثرة، وإيثار التعبير بكلمة (الآصال) التي لا يتوسع فيها لتشمل ما تشمله كلمة (العشي) لكونها لا تطلق إلا على ما قبيل غروب الشمس مباشرة، وهو ما لا تصح الصلاة فيه، فذكرها مما يُعد قرينة أخرى تدل على حمل التسبيح على ظاهره وعلى تخصيص الوقتين به، وعلى جعل القول بأن "كلا الأمرين - الذكر والتسبيح- متوجه إليهما- يعني إلى الوقتين بكرة وأصيلاً- كقولك صم وصلّ يوم الجمعة" (٢) قولاً بادي الضعف، لذا مرضه أكثرهم بقولهم (وقيل) لأنه تجوز بغير ضرورة.
стр. 84
يقول الشهاب في تعليقه على قول البيضاوي (وقيل الفعلان موجهان إليهما) : "قوله: (وقيل الفعلان) أي: (اذكروا) و (سبحوه) ومرضه لأنه على تفسيره بغلبة الأوقات، يكون شاملاً لهما فلا حاجة لتعلقه بالأول على التنازع" (١) ، وأضيف أن العطف في قوله (بكرة وأصيلاً) ينبو عنه التمثيل بما ذكره الزمخشري والآلوسي من قولك (صم وصلّ يوم الجمعة) ، إذ ليس ثمة ما يدل على التفريق بين الوقتين، ولا ذَكر ذلك أحد من أهل العلم، غاية ما يمكن قوله في هذا جواز "أن يكون المراد بالذكر المأمور به، تكثير الطاعات والإقبال عليها، فإن كل طاعة من جملة الذكر، ثم خُص من ذلك التسبيح بكرة وأصيلاً" (٢) .
وأشد مما ذكر ضعفاً ما ادعاه الرازي في موضع مشابه، وتحديداً أثناء تفسيره لقول الله تعالى في حق زكريا: (واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار.. آل عمران/٤١) من استدلال على إرادة الصلاة من التسبيح، من "أنا لو حملناه على التسبيح والتهليل لم يبق بين هذه الآية وبين ما قبلها وهو قوله تعالى (واذكر ربك) فرق، وحينئذ يبطل، لأن عطف الشيئ على نفسه غير جائز" (٣) ، ويعني بذلك أن التسبيح في معنى الذكر، وعليه فيتعين حمله على معنى الصلاة.. فإن ما ذكره يرد عليه ما بين الذكر والتسبيح من عموم وخصوص، وآية آل عمران وإن صح ما ذكره من أن التسبيح فيها بمعنى الصلاة لما سبق أن ذكرنا من القرائن الدالة على ذلك، إلا أن تعليله سالف الذكر هو الذي فيه نظر، والحقيقة فيه ما ذكرت.
стр. 85
ويتعين من خلال كل ما سبق من مقدمات جعل العطف في قوله (وسبحوه) على (واذكروا) "من عطف الخاص على العام اهتماماً بالخاص لأن معنى التسبيح، التنزيه عما لا يجوز على الله من النقائص فهو من أكمل الذكر لاشتماله على جوامع الثناء والتحميد، ولأن في التسبيح إيماء إلى التبرؤ مما يقوله المنافقون في حق النبي ﷺ ... وكلمة (سبحان الله) يكثر أن تقال في مقام التبرؤ من نسبة ما لا يليق إلى أحد" (١) ، سيما إذا تعلق الأمر بسيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه.
والسر البلاغي في هذا العطف، عطف (وسبحوه) الخاص على (اذكروا) العام، الإشعار بالعناية بأمر الخاص وتعظيم شأنه وذلك بذكره مرتين، مرة مندرجاً تحت العام، ومرة بلفظه، ومثل هذا اللون من الإطناب الذي اقتضاه المقام واستدعاه السياق وجاء مطابقاً لمقتضى الحال، مطلوب وهو مما كثر وروده في القرآن، وحسبنا مما جاء فيه قول الله تعالى: (تنزل الملائكة والروح.. القدر/٤) ، وقوله (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى.. البقرة / ٢٣٨) ، فذكْرُ جبريل معطوفاً على الملائكة على الرغم من دخوله في عداد المعطوف عليهم يؤذن بمزيد تكريم له وعظم شأن في حقه، وكأنه جنس آخر غير جنس الملائكة، وعطف الصلاة الوسطى وهي واحدة من الصلوات داخلة في عمومها يجيئ تنبيها إلى مزية المعطوف وزيادة فضله.. وهكذا دواليك.
الأمر الذي يعني شيوع هذا اللون من العطف في جيد الكلام وأبلغه كلما اقتضاه المقام ودعت إليه الأحوال.. فأنى لما جاء على صورته وورد على شاكلته أن يدّعى فيه نحو ما ادعاه الفخر الرازي من أنه من عطف الشيئ على نفسه، ويحكم عليه من ثمّ بعدم جوازه؟
стр. 86
يقول الزمخشري بعد أن نص على أن التسبيح من جملة الذكر وأفصح عن حمل الأمر فيهما على ظاهره: "إنما اختصه من بين أنواعه اختصاص جبريل وميكائيل - يقصد في قوله تعالى (من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين.. البقرة/٩٨) - ليبين فضله على سائر الأذكار لأن معناه تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال وتبرئته من القبائح" ويستطرد منوهاً عن مكانته وقائلاً: "ومثال فضله على غيره من الأذكار فضل وصف العبد بالنزاهة من أدناس المعاصي، وبالطهر من أرجاس المآثم، على سائر أوصافه من كثرة الصلاة والصيام والتوفر على الطّاعات كلها والاشتمال على العلوم والاشتهار بالفضائل ا. هـ) (١) ، وهو في معنى ما ذكر.
ولعل الوجه في هذا العطف، وفي تخصيص الذكر المأمور به أولاً بالكثرة دون التسبيح، أنه "بتفسير الذكر الكثير بما يعم أغلب الأوقات لا تبقى حاجة إلى تعلق الظرفين المختصين بالفعل الأول" كذا ذكره الآلوسي (٢) ، وبمثل ما ذكره تُلتمس العلة فيما دلت القرائن عليه، لا أن يضرب عنها وعن معلولها الصفح ويثني عنهما العِطف، وسيأتي الكلام - بمشيئة الله تعالى- عن معنى الذكر الكثير وعن فضله إبان حديثنا عن مقام الحث عليه بالمبحث الثالث.
стр. 87
لكن ما تجدر الإشارة إليه هنا أنه وابتناءً على ما سبق، فإن اطلاق الذكر في وقتي التسبيح في نحو قوله تعالى:) واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً.. الإنسان/٢٥) ، جمعا بين الأدلة وطرقاً للباب على وتيرة واحدة، يرجح أن يكون من إطلا ق الكل وإرادة الجزء فيكون بذلك من المجاز المر سل لعلاقة الكلية، ولا يبعد أن يدخل في هذا قوله تعالى في سورة الأعراف: (واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال.. الأعراف/٢٠٥) ، ليفيد إطلاق الذكر كي يعم سائر الأحوال والأوقات، وتقييد الوقتين المذكورين بأفضله وأشمله وهو التسبيح فيكون من باب حمل المطلق على المقيد، كما أن التسبيح يطلق – على ما سبق تقريره - ويراد به الصلاة مجازاً.
ثالثاً: ما يجمل حمله من التسبيح على معناه الكنائي
سبق أن ذكرتُ أن من مشهور إطلاقات العرب قولهم: (إني لآتيه بالغدايا والعشايا) يرومون به استدامة المجئ واستمراره، وقد جاء القرآن في هذا على طريقتهم في التكنية بهذين الوقتين عن نفس هذا المعنى، ومن الأمثلة الواضحة في ذلك قوله سبحانه عن أهل الجنة: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً.. مريم/٦٢) .
стр. 88
وقد صدرت عبارات كثيرة من أهل التأويل تشير إلى أن المقصود بذكر الوقتين فيما كان الأمر فيهما بالدعاء مثلاً أو بالتسبيح أو الذكر، استيعاب الزمان والدلالة على الدوام، وعقبت على ذلك بضروة أن توضع الآيات تلك في سياقاتها لتفهم وتحمل على وجهها الصحيح، ذلك أنه يشتم من كلامهم، أنهم يقصرون المعنى فيما يمكن حمله على الكناية كما في الآية المذكورة وكذا ما جاء على شاكلتها على معنى الاستدامة ويجعلونه حقيقة فيه، وربما حمّلوا الآية بسبب هذا ما لا تحتمل، والذي ينبغي الالتفات إليه أن الكناية أخت الحقيقة إذ ليس هنالك ما يمنع من إرادة المعنى الأصلي للفظ مع المعنى الكنائي، وذلك ما أراده البلاغيون بقولهم عنها أنها: (لفظ أطلق وأريد به لازم معناه، مع جواز إرادة معناه الأصلي) .
وعلى نحو ما أغرب البعض في الاقتصار على المعنى الكنائي لِما يحسن حمله عليه، كما فعل ابن عاشور والآلوسي مثلاً في تناولهما لقوله سبحانه: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.. الأنعام/٥٢) على ما ذكرته لهما قبلاً، لم يتوسط آخرون فقصروه على الحقيقة وربما حمّلوا المعنى في الآية بسبب هذا أيضاً ما لا تحتمل، ونذكر على سبيل المثال ما ذكره الطاهر في معنى الغدو والآصال الواردين في قول الله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال. رجال.. النور/٣٦، ٣٧) ، يقول: "المراد بالغدو: وقت الغدو وهو الصباح، لأنه وقت خروج الناس في قضاء شئونهم، والآصال جمع أصيل وهو آخر النهار" (١) ، مع أن سياق الآية ناطق بغير ذلك، ولك أن تستشعر مصداق ذلك عندما تبصر صدر الآية ذاتها، وكذا وأنت تقرأ قوله تعالى بعد: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.. الآية) .
стр. 89
هذا وقد تردد المفسرون في متعلق الجار والمجرور في قوله: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال) ، فقيل هو من تمام التمثيل المشار إليه في قوله قبل: - (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونه لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيئ عليم.. النور/٣٥) ، فيكون للجار والمجرور متعلق، هو الفعل المذكور (يوقد) ، والمعنى: يوقد المصباح في بيوت أذن الله لها أن ترفع وهذا ما قاله الرماني، وقيل إن شبه الجملة متعلق بمحذوف وهذا المحذوف صفة لمشكاة على ما ذكره الحوفي ونقله عنه الآلوسي وابن عاشور، والمعنى: مثل نوره كمشكاة مستقرة أو كائنة في بيوت أذن الله أن ترفع، وما بينهما اعتراض، أو صفة لمصباح، وقيل بل للزجاجة.
ومهما يكن من أمر فشبه الجملة على هذه الأقوال الأربعة قيد للممثل به قصد منه المبالغة فيه، وسوغ مجيئ (بيوت) جمعاً مع أن موصوفه المحتمل (مشكاة) أو (مصباح) أو (زجاجة) مفرد، كون المراد بذلك الموصوف الجنس، فتساوى الإفراد والجمع لذا كان تنوين الموصوف للنوعية لا الفردية (١) .
стр. 90
والأظهر عندي أن يكون متعلق الجار والمجرور أعني في قوله (في بيوت) هو الفعل (يسبح) ، ولا يرد على ذلك أن فيه تكرير لشبه الجملة المتعلق به لكون قوله (فيها) الذي وليه متعلق به أيضاً، أو وجود أكثر من متعلِّق بالفعل الواحد ... لأنا نقول أن لهذا التكرير سره البلاغي وهو التأكيد والتذكير بما بعد في الجملة، والإيذان بأن ما تقدم من شبه الجملة هو للاهتمام بتلك البيوت والتشويق إلى متعلق المجرور وهو التسبيح، ويكون قوله (في بيوت) ...إلخ، غير مرتبط بما قبله لكونه استئنافاً قصد به بيان حال من حصلت لهم الهداية لذلك النور والإشادة ببعض أعمالهم (١) ، ونظير ما ذُكر في التكرير للتأكيد قوله تعالى: (ففي رحمة الله هم فيها خالدون.. آل عمران/١٠٧) (٢) .
وفي النسق الكريم من آية النور تنويه بالمساجد وإعلام بضرورة إيقاع الصلاة والذكر فيها كما في الحديث: (صلاة في المسجد - أي الجماعة- تفضل صلاته في بيته بسبع وعشرين درجة) .
стр. 91
ويعضد من شأن هذا المساق المعبر فيه بالظرفين والمشاد فيه بملازمة المسجد وبمواصلة الذكر والدعاء فيه سيما في الوقتين المباركين، ما ينبئ به أمثال قوله تعالى مثنياً على الصحابة الكرام عليهم الرضوان: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي.. الأنعام/٥٢) ، وقوله: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي..الكهف/٢٨) .. وكذا ما جاءت به الأحاديث الدالّة على فضل المشي إلى المساجد والتردد عليها وانتظار الصلاة فيها بعد الصلاة من نحو قوله ﷺ : (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح) (١) ، وقوله: (ألا أدلكم على ما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط) (٢) وقوله: (لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة) (٣) ، وقوله: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده) (٤) ، وقوله: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان) ثم تلا قوله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر..التوبة/١٨) (٥) .. إلى آخر ما جاء في هذا، والوجه في تخصيص الرجال في الآي والأحاديث، أنهم الغالب على المساجد والذين الأصل فيهم أن تكون صلاتهم بها كما في الحديث: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) .
المبحث الثالث
أهم المقامات التي ورد التعبير فيها بطرفي النهار في آي التنزيل
стр. 92
ويجدر بنا بعد أن عرجنا على دلالات التعبير عن طرفي النهار - حقيقة ومجازاّ وكناية - بمقابلاتها المتعددة في النظم الكريم، وبعد أن وقفنا - ما وسعنا الجهد - على بعضٍ من أسرار تنوع هذه المقابلات ومزايا مجيئها على النحو الذي انصبت فيه، وفاء بحق السياق.. أن نبحر للتعرف على المقامات التي وردت فيها تيك المقابلات طمعاً في استجلاء المزيد من دلائل الإعجاز في كتاب الله العزيز، ورجاء الوقوف على بعض أسرار نظمه وبدائع كلمه، ولنبدأ بآخر ما انتهينا إليه وهو:
مقام الإشادة بالصحابة في ملازمة بيوت الله وإعمارها صباح مساء بالذكر والدعاء:
ويسترعي انتباهنا في هذا المقام آيتان وردتا في حق الصحابة الإجلاء عليهم الرضوان، هما قوله سبحانه: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.. الأنعام/ ٥٢) ، وقوله: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.. الكهف/٢٨) ، أي دائبِين على الدعاء في جميع الأوقات سيما ما كان منها في طرفي النهار، ففي الكشاف أنه بعد أن "ذكر غير المتقين من المسلمين وأمر بإنذارهم ليتقوا - يعني في قوله: (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه وليّ ولا شفيع لعلهم يتقون.. الأنعام/٥) - أردفهم ذكر المتقين منهم وأمره بتقريبهم وإكرامهم، وأن لا يطيع فيهم من أراد بهم خلاف ذلك، وأثنى عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم أي عبادته، ويواظبون عليها. والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام" (١) .
стр. 93
وللآيات الواردة في هذا المقام قصة مؤداها أن رءوساً من المشركين قالوا لرسول الله ﷺ : لو طردت عنا هؤلاء الأعبد - يعنون فقراء المسلمين وهم عمار وصهيب وبلال وخباب وسلمان وأضرابهم رضوان الله عليهم- وأرواح جبابهم - وكانت عليهم جباب من صوف - جلسنا إليك وحادثناك، فقال ﵊: ما أنا بطارد المؤمنين، فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت، فقال: نعم، طمعاً في إيمانهم ... وفي رواية أحمد والطبراني وابن جرير والبيهقي أنهم قالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا؟ أنكون نحن تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم عنك واجعل لنا منك مجلساً تعرف به العرب فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا قعوداً مع هؤلاء فنزل جبريل بها (١) .
стр. 94
والحق أن آخر هذا الكلام - الذي أراد الزمخشري وغيره من أهل التأويل الربط بينه وبين الآية الخامسة من سورة الأنعام - لا يستقيم مع أوله ولا يتمشى مع سياق الآيات، إذ أنّى لقوم أن يصدر عنهم مثل هذه الأقوال أن يجعلوا ممن (يخافون أن يحشروا إلى ربهم) ، أو يكونوا من المسلمين على ما أقر به الزمخشري، أو يرجى منهم على سبيل التحقيق ما ذكره سبحانه في قوله (لعلهم يتقون) .. اللهم إلا أن يكون السبب في نزولها هو ما اقترحه بعض الصحابة على رسول الله ﷺ تعقيباً على ما صدر من أولئك المنكرين، نحو ما روي من "أن عمر ﵁ قال: لو فعلت حتى تنظر إلى ما يصيرون، قال: فاكتب بذلك كتابا فدعا بصحيفة وبعليّ ﵁ ليكتب فنزلت، فرمى بالصحيفة واعتذر عمر عن مقالته" (١) ... فهذا عندي افضل مما قاله الزمخشري ومما تكلف له أبو السعود الذي ذكر أنه ﷺ "أمر بتوجيه الإنذار إلى من يتوقع من أهل الكفر التأثر في الجملة، وهم المجوزون منهم للحشر سواء كانوا جازمين بأصله كأهل الكتاب وبعض المشركين أو مترددين، أما المنكرون له فهم خارجون ممن أمر بإنذارهم ا. هـ" (٢)
قال سلمان وخباب: فينا- أي آية الأنعام – نزلت، فكان رسول الله ﷺ يقعد معنا ويدنو منا حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم.. الكهف/٢٨) .
стр. 95
وفي التعبير عمن نزلت في حقهم هذه الآيات في الموضعين بالموصول، الإيماء إلى تعليل الأمر بملازمتهم، وبما في حيز الصلة الداعية إلى إدامة الصحبة، أي لأنهم أحرياء بذلك لأجل إقبالهم على الله فهم الأجدر بالمقارنة والمصاحبة (١) ، وهم وإن كانوا عند أهل الكفر والنفاق مؤخرين فهم عند الملك الأعلى مقدمون، وقوله: (يريدون وجهه) فيهما، في موضع الحال من ضمير يدعون أي يدعونه تعالى مخلصين له الدين، والوجه في تقييده به تأكيد علِّيتِه للنهي في آية الأنعام (ولا تطرد) ، وللأمر في آية الكهف (واصبر نفسك) ، والإعلام بأن الإخلاص من أقوى موجبات الإكرام المضاد للطرد والحاضّ على الصبر، وفي التنوع بمجيئ العلة تارة بالنهي وتارة أخرى بالأمر، تأكيد على ملازمة من في حقهم نزلت هذه الآيات ومواصلتهم من قِبَل النبيّ بجميع الأوجه، وعليه فلا وجه لما ادعاه أبو حيان في البحر من أن آية الكهف أبلغ من التي في الأنعام.
ولا يسيئن أحد الظن برسول الله ﷺ أن طاوع من أشار عليه بطردهم بقوله: نعم، وأن في طردهم ظلم، لأنه ﷺ إنما عين لجلوسهم وقتاً معيناً سوى الوقت الذي كان يحضر فيه أكابر قريش، وأن غرضه من الجلوس مع أولئك الأكابر هو إدخالهم في الإسلام حتى لا يفوتهم خير الدين والدنيا والآخرة فكان ترجيح هذا الجانب أولى، وأقصى ما يقال ان هذا كان اجتهاداً منه ﷺ والخطأ في الاجتهاد مغفور والمخطئ فيه على أيّ حال مأجور.
وتبقى دلالة السياق على إفادة التعبير بالغداة والعشي للديمومة، سيما مع ما سبق من أن العرب تستعمل هذين اللفظين في التكنية عن هذا المعنى كما في قولهم: (إني آتيه بالغدايا والعشايا) ، ويريدون بذلك الاستدامة في فعل المجئ إليه.
مقام التذرع بالصبر والتسلية بأحوال السابقين:
стр. 96
ومما يجب التفطن له أن أغلب المواضع التي جاء فيها الذكر الموقوت بطرفي النهار في آي التنزيل وأكثرها شيوعا.. هو ما جاء في حق النبي محمد ﷺ ، وأن أغلب هذه المواضع سبق الأمرَ بالذكر والتسبيح فيها، الأمرُ بالتحلي بالصبر فقد جاء ما يفيد هذا وذاك في القرآن سبع مرات وذلك قوله مخاطباً إياه: (واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولاتكن من الغافلين.. الأعراف/٢٠٥) ، وقوله: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل.. هود/١١٤) ، وقوله: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها.. طه /١٣٠) ، وقوله في نفس الآية والسورة: (ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) ، وقوله: (فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار.. غافر/٥٥) ، وقوله (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب.. ق/٣٩) ، وقوله: (فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أوكفوراً واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً.. الدهر/٢٥، ٢٦) .
стр. 97
والمتبصر لهذه الآيات يرمق أن الطريقة التي عبر بها عن طرفي النهار في حقه ﷺ فريدة من نوعها، إذ هي - فضلاً عن تنوعها- قد غطّت كل الأساليب التي ورد ذكرها وتم التعبير بها في القرآن عن هذين الوقتين المباركين، وهذا لم يُعهد مثله في سائر المقامات - على ما تم تقصّيه- فقد جاء التعبير عن أول النهار وآخره بـ (الغدو والآصال) وذلك عقب الأمر بالذكر في آية الأعراف، وبـ (بكرة وأصيلاً) عقب الأمر به مصحوباّ بالأمر بالصبر في آية الإنسان، كما جاء التعبير عنهما بـ (طرفي النهار) في آية هود وذ لك عقيب الأمر بإقامة الصلاة، وبـ (قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) وبـ (قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) في آيتي طه وق عقيب الأمر فيهما بالصبر والتسبيح، وبـ (أطراف النهار) عقيب الأمر بالتسبيح فقط في عجز الآية سالفة الذكر من سورة طه، وبـ (العشي والإبكار) عقيب الأمر به مصحوباَ بالأمر بالصبر والاستغفار في آية غافر.
стр. 98
كما يلحظ انفراد هذا المقام بالتعبير عن أول النهار وآخره بـ (طرفي النهار) و (أطراف النهار) إذ التوقيت بهاتين العبارتين اللتين وردتا بالتثنية تارة وذلك عن الأمر بإقامة الصلاة، وبالجمع أخرى عند الأمر بالتسبيح - على تنوعها- لم يأتيا على هذا النحو إلا في حقه ﷺ ، ونظير ذلك في تنوع الأسلوب عند الأمر بالتسبيح، يقال في التعبير عن ذينك الوقتين بـ (قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) كذا بإضافة الطلوع والغروب للشمس، وبـ (قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) بإضافة الطلوع فقط إليها، فهذان الموضعان لم يخاطب بهما أيضا على هذا النحو ولم يأتيا على هذه الشاكلة إلا في حقه صلوات الله وسلامه عليه، ناهيك عن مجيئ التعبير عن الوقتين مما لم يخصه وحده بل عمّه مع غيره كما في قوله: (يا أيّها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً.. الأحزاب/٤١، ٤٢) . بل إن من مظاهر التنوع في الأساليب التي عرضت في هذا المقام.. مجيئ الأمر بما ذكرنا من ذكر أو تسبيح مقيدًا أحياناً بالجار والمجرور أو بالحال كما في آية الأعراف التي قُيد الذكر بها في الوقتين بقوله: (في نفسك) وبقوله: (تضرعاً وخيفة) ، ومعللاً أحياناً كما في قوله: (وسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) ، ويأتي خالياً من كل ذلك أحياناً أخرى كما في سائر الآيات المذكورة.
стр. 99
والوجه في هذا التنوع والشمول - فيما أرى - مع تكرار الأمر بالصبر والتنزيه والتلبس بسائر ألوان العبادات الأخرى من نحو الاستغفار وإقامة الصلاة وذكر الله ... يَمْثُل في أن ما حظي ﷺ به مما حباه الله من كرامة ومكانة خُص بهما في الدنيا والآخرة (١) دون سائر أقرانه من النبيين بما فيهم أولي العزم من الرسل، يستأهل وفاء بحق النعمة أن يقابل بالمزيد من إعلان الولاء لله والتذرع بالصبر لمواجهة سيل البلاء الذي يعرِض لمن كان هذا حاله، باعتبار أن المرء يبتلى على قدر دينه فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه (٢) .. يفسر هذا ويؤيده ما جاء عن ابن مسعود فيما أورده البخاري ومسلم قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك فمسسته، فقلت: إنك لتوعك وعكاً شديداً، فقال: أجل، إني أوعك كما يوعِك رجلان منكم قال: فقلت ذلك أن لك أجرين، فقال- ﷺ : أجل.. وكذا ما جاء في نحو ما أورده البخاري عن ابن عمر قال: بينا النبي- ﷺ ساجد وحوله ناس من قريش، جاء عقبة ابن أبي معيط بسلا جزور فقذفه على ظهره ﷺ .. وما أورده الطبري
стр. 100
وابن إسحاق من أن بعضهم عمد إلى قبضة من التراب فنثرها على رأسه ﷺ وهو يسير في بعض سكك مكة (١) ، إلى غير ذلك مما عرض له صلوات الله وسلامه عليه من فنون الاستهزاء والغمز واللمز كلما مشى بينهم أو مرّ بهم في طرقاتهم أو نواديهم مما يضيق المقام بذكره.
كما يستأهل أن يقابل كذلك بالمزيد مما يستعان فيه بالله من ألوان العبادة من نحو تنزيه الله وقيام الليل وصيام النهار إلى غير ذلك من الأعمال المرضية له سبحانه، من نحو ما جاء في الصحيحين عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه - أي تتشقق- فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ (٢) ... ونحوه في الصحيحين أيضاً عن ابن مسعود ﵁ قال: صليت مع النبي- ﷺ ليلة فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء، قيل وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه (٣) ... وفيهما عن ابن عمر ﵄ قال: نهي رسول
стр. 101
الله ﷺ عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: إني لست مثلكم (١) .
ولنا أن نتأمل بشئ من التفصيل ماجاء في سورة ص حيث لم يقتصر الحديث على نبي الله داود، بل ذكر عقب قصته قصة سليمان وأيوب كما جاء ذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذا الكفل فكأنه يقول (اصبر على ما يقولون) واعتبر بحال سائر الأنبياء، ليعلمه أن كل واحد منهم كان مشغولاً بهمٍّ خاص وحزن خاص فحينئذ يعلم أن الدنيا لا تنفك عن الهموم والأحزان وأن استحقاق الدرجات العالية عند الله لا يتحصل عليها إلا بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا.. وفي آية غافر أيضاً التي سبق الأمرَ بالتسبيح فيه بطرفي النهار، الأمرُ بالصبر حيث يقول جل ذكره (فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار) ، لقد جاءت هذه الآية الكريمة عقب الحديث عن فرعون وملإه وما كان من مآلهم وسوء خاتمتهم وذلك بعد أن وقى الله ذاك الذي كان يكتم إيمانه خوفاً منهم.. سيئات ما مكروا على عظم الخطر، فقد جاهر بإيمانه عندما استوجب المقام ذلك وراح يدعو قومه آملاً في أن ترق قلوبهم لدعوة نبي الله موسى ﵇، وطفق على الجانب الآخر يذب عن الكليم ما اشتور القوم لفعله من أمر قتله وهو يصرخ فيهم مقيماً حجته: (أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم.. غافر/٢٨) (٢)
стр. 102
وذلك بعد أن أوغر الفرعون صدور جنده وكل من حوله بدعاوى كاذبة، همّ بسببها للتخلص منه (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد.. غافر/٢٦) .
الأمر الذي يعني أن الصدع بكلمة الحق مهمة خطيرة وصعبة وقد تكلف الإنسان حياته، ويعكس مدى عناد أهل الباطل وقساوة قلوبهم. وذلك كله يستوجب من صاحب الدعوة الصبر الجميل والمزيد من التحمل في مواصلة الطريق إلى نهايته إذ العا قبة في آخر المطاف للتقوى كما أنها دائماً تكون للمتقين، لذا أعقب العزيز الذي لا يغلب ذلك بقوله: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار. ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب. هدىً وذكرى لأولي الألباب.. غافر/٥١ ـ ٥٤) .
стр. 103
ولما كان التقدير بعد أن تقدم الوعد المؤكد بنصرة الرسل وأتباعهم: (ولقد آتيناك يا محمد الهدى والكتاب كما آتينا موسى، ولننصرنك مثل ما نصرناه وإن زاد إبراق قومك وإرعادهم فإنهم لايعشرون فرعون (١) فيما كان فيه من الجبروت والقهر والعز والسلطان والمكر، ولم ينفعه من ذلك كله شيئ) ، سبب عنه قوله: (فاصبر) أي على أذاهم فإنا نوقع الأشياء في أتم محالها على ما بنينا عليه أحوال هذه الدار من إجراء المسببات على أسبابها، ثمّ علل ذلك بقوله ـ صارفاً القول عن مظهر العظمة الذي هو مدار النصرة، إلى اسم الذات الجامع لجميع الكمالات التي من أعظما إنفاذ الأمر وصدق الوعد (إنّ وعد الله حق) يعني في إظهار دينك وإعزاز أمرك فقد رأيت ما اتفق لموسى ﵇ مع أجْبر أهل ذلك الزمان وما كان له من العاقبة، فاصبر ولا تستبطئ النصر إذن فإنه واقع لك لا محالة كما وقع لموسى من قبل (٢) .
стр. 104
ولما تكفل هذا الكلام من التثبيت بإنجاز المرام أمر بالإعراض عن ارتقاب النصر والاشتغال بتهذيب النفس موجهاً الخطاب إلى أعلى الخلق ليكون من دونه من باب الأولى فقال (واستغفر لذنبك) أي من كل عمل كامل ترتقي منه إلى أكمل، وحال فاضل تصعد به إلى أفضل (١) فيكون ذلك شكراً منك فتستن به أمتك، ولما أمره بالاستغفارعند الترقية في درجات الكمال أمره بالتنزيه عن كل شائبة، والإثبات لكل رتبة كمال، لافتاً القول إلى صفة التربية والإحسان، لأنه من أعظم مواقعها فقال: (وسبح بحمد ربك) لكونه المحسن إليك المربي لك فلا تشتغل عنه بشيئ، وإنما "جعل الأمران معطوفين على الأمر بالصبر لأن الصبر هنا لانتظار النصر الموعود ولذلك لم يؤمربه لما حصل النصر في قوله: (إذا جاء نصر الله والفتح) فقد اكتفى بقوله (فسبح بحمد ربك واستغفره) لأن ذلك مقام محض الشكر دون الصبر" (٢) .
وفي أمره - ﷺ -بالاستغفار تعريض بأن أمته مطالبون بذلك بالأحرى فهو أشبه ما يكون بقوله: (ولقد أوحى إليك وإلى الذين قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك.. الزمر/٦٥) ، وفي الأمر به وبالتسبيح دلالة على أنهما داخلان في سياق التفريع على الوعد بالنصر إيذاناً بتحقيقه وكناية رمزية عن كونه واقع لا محالة (٣) .
стр. 105
وفي وجه تصدير الأمر بالصبر في قوله في آية طه (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) ، وقوله في آية ق: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) ، وقوله في آية الإنسان: (فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفوراً. واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً) إثر ما بدر من أهل الشرك من أقوال آثمة وفي بيان النكتة في ذلك، يشير البقاعي إلى أنه لما كانت أقوالهم لا تليق بالجناب الأقدس لجهالة قائليها، وهي في جملتها أقوال تُخرج الحليم عن حلمه وكان الصبر شديداً على النفس منافراً للطبع، لكون النفس مجبولة على النقائص مشحونة بالوساوس، أمر سبحانه بالصبر ليفيد أن ما يقولونه إنما هو بإرادته سبحانه، وأنه موجب لتنزيهه وكماله لأنه تعالى هو الذي قهر قائله على قوله، وإلا فلو كان الأمر بإرادة ذلك القائل استقلالاً لكان ذلك في غاية البعد عنه لأنه موجب للهلاك (١) .
стр. 106
وفي تغيير السياق في قوله من آية طه (ومن آناء الليل) ، إيذان بأن العبادة في هذه الأحيان هي أيضاً من الأمور المرضية لله سبحانه لاجتماع القلب وهدوء الرجل والخلو بالرب، ولأن العبادة إذ ذاك أشق وأدخل في التكليف كانت كذلك أفضل عند الله، وإنما جاء الجزاء بكلمة الإطماع (لعلك ترضى) ولم يجئْ بما يفيد اليقين أو يدل على الجزم، لئلا يأمن مكر الله، وذلك لما كان الغالب على الإنسان النسيان وكان الرجاء عنده أوفر، والمعنى: كن على ذُكر من ربك وسبح بحمده في هذه الأوقات بالذات، رجاء أن يدوم رضاك بهذا المقدار الواجب من الصلوات والتسبيحات دون زيادة رفقاً بك وبأمتك (١) فتنعم في ذلك الجوار الرضي وتطمئن في ذاك الحمى الآمن بما تنال في الدنيا من ثواب، تسبب فيه اجتهادك في الطاعة وإظهارك دين الله وإعلاؤك أمره (٢) ، وفي ذلك - بالطبع - من الثواب ما يؤهلك ويجعلك تستحق ما ادخره الله لك في الآخرة من شفاعة ودرجة عالية، وهو في معنى قوله: (ولسوف يعطيك ربك فترضى.. الضحى/٥) ، وقوله: (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً.. الإسراء/٧٩) ، وكذا ما صح عنه ﷺ من حديث أنس: (لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته وخبّأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) ، وقوله تعالى على لسان جبريل عندما بكى ﷺ وهو يتلو قول الله تعالى في سورة إبراهيم (رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه منّي ومن عصاني فإنك غفور رحيم.. إبراهيم/٣٦) ، وقوله في عيسى: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.. المائدة /١١٨) : قل له يا جبريل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك.
стр. 107
وإنما أثرت جُلّ الآيات الواردة في هذا المقام التعبير بالربوبية المضافة إليه ﷺ سواء فيما يخص الذكر عامة أو ما يتعلق بالتسبيح بحمده خاصة ليدل على نهاية الرحمة والتقريب والفضل والإحسان، والمقصود منه أن يصير العبد فرحاً عند سماع هذا الاسم فيستحضر معنى أسمائه وصفاته، ويستجلي معاني كرمه وآلائه، ذلك أن لفظ الرب مشعر بالتربية والفضل وعند سماع هذا الاسم يتذكر العبد أقسام نعم الله عليه (١) ، وإن كان عقله بالحقيقة عاجزاً عن أن يصل إلى أقل أقسامها كما قال تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.. إبراهيم/٣٤) فعند انكشاف هذا المقام يقوى الرجاء به والاعتماد عليه واللجوء إليه والثقة فيه.
مقام الاستغراق والاستيعاب لجميع الأحوال:
стр. 108
ويبدو هذا المعنى بوضوح في آية الأعراف: (واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال.. الأعراف/٢٠٥) فإن الأمر بذكر الله في هذه الآية الكريمة وحمله على ظاهره في تخصيص الوقتين المذكورين دون سائر الأوقات، غير مستساغ ولا يساعد عليه السياق، ذلك أن الاستغراق في الأحوال يستتعبه استغراق في الأوقات كيما تستوعب جميع ما يقوم به الإنسان في سائر شئون حياته، سيما وأن لكل حالة يقدم عليها أو يهم بها – حتى فيما يظن أنه مشغلة عن ذكر الله من نحو دخول السوق أو الخلاء – دعاء أو ذكر وارد يلزم المسلم التزود به، وفي الحديث الذي ذكره البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن سلام قال: قال موسى ﵇: يارب ما الشكر الذي ينبغي لك؟ فأوحى الله تعالى إليه: أن لا يزال لسانك رطباً من ذكري. قال: يا رب إني أكون على حال أُحِلُّك أن أذكرك فيها، قال: وما هي؟ قال: أكون جنباً، أو على الغائط.. فقال: وإن كان، قال: يا رب فما أقول؟ قال: تقول (سبحانك وبحمدك جنبني الأذى، وسبحانك وبحمدك فقني الأذى) ، قلت: قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يذكر الله تعالى على كل أحيانه (١) ، يقول عبد الله بن أبي الهزيل فيما نقله عنه ابن القيم: (إن الله تعالى ليحبّ أن يذكر في السوق، ويحب أن يذكر على كل حال، إلا في الخلاء) ، ويكفي في هذا الحال استشعار الحياء والمراقبة، والنعمة عليه في هذه الحالة، وهي من أجلّ الذكر. فذكر كل حال بحسب ما يليق بها، واللائق بهذه الحال التقنع بثوب الحياء من الله تعالى وإجلاله وذكر نعمته عليه.. إذ النعمة في تيسير خروجه كالنعمة في التغذي به، وكان علي ابن أبي طالب إذا خرج من الخلاء، مسح بطنه وقال: (يا لها من نعمة لو يعلم الناس قدرها) ، وكان بعض السلف يقول: (الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى فيّ
стр. 109
قوته وأذهب عني مضرته) (١) .
على أن المتأمل لدلالة السياق في إطلاق الذكر، حتى في غير آية الأعراف، يلمس أن الاستيعاب الذي يكتنفه يتجاوز دائرة أحوال الإنسان ليمتد وليشمل ألواناً أخرى مما يلهج به الذاكرون وتطمئن به قلوبهم، وذلك من نحو قراءة القرآن ومن نحو الدعاء والتحميد والتكبير والتهليل والبسملة والحوقلة وغير ذلك مما يشتمل على تمجيد الله وتقديسه.
وأحسب أني فيما قلت، لم أذهب بعيداً عما قاله الطاهر من أن المقصود من قوله في آية الأعراف (بالغدو والآصال) : "استيعاب أجزاء النهار بحسب المتعارف فأما الليل فهو زمن النوم، والأوقات التي تحصل فيها اليقظة خصت بأمر خاص مثل قوله تعالى: (قم الليل إلا قليلاً.. المزمل/٢) ، على أنها تدخل في عموم قوله: (ولا تكن من الغافلين) " (٢) ، ومن أن المقصود من قوله: (ودون الجهر من القول) : "استيعاب أحوال الذكر باللسان، لأن بعضها قد تكون النفس أنشط إليه منها إلى البعض الآخر" (٣) ، يريد أن قوله: (ودون الجهر من القول) ، مراد به الذكر المتوسط بين الجهر والإسرار، وهو المقابل لكلّ من التضرع والخيفة.
стр. 110
وفي تقديري أن التماس علة قصد الشمول لجميع أحوال الذكر اللساني في قوله: (تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول) ، أوقع في النفس وآدب في حق النبي ﷺ من ادعاء "أن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب إلى حسن التفكر"، على ما ذهب إليه الزمخشري والآلوسي (١) ومن حجل بقيدهم، إذ في ذلك من الظن السيئ وإساءة الأدب في حق المعصوم ﷺ ، المنزه عن كل شائبة شرك أو رياء ما فيه، وما يجب أن يترفع عن الوقوع فيه أي مسلم.
وفي مقابلة التضرع بالخيفة لطيفة يجب الالتفات إليها وهي أنه لما كان التضرع الذي هو في معنى التذلل يستلزم الخطاب بالصوت المرتفع في عادة العرب، كنى به عن رفع الصوت مراداً به معناه الأصلي والكنائي.. ثم قوبل بالخفية تارة وذلك في قوله تعالى: (ادعوا ربكم تضرعاً وخفية.. الأعراف/٥٥) ، حينما جهر الصحابة الكرام بالدعاء وفوق المقدار وأمرهم النبي ﷺ بخفض الصوت قائلاً لهم: (إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً) ، (٢) وبالخيفة كما هنا تارة أخرى، فمقابلتها إذن بالتضرع طباق في معنيي اللفظتين الصريحين ومعنييهما الكناءين، فكأنه قيل تضرعاً وإعلاناً وخيفة وإسراراً، وفي ذلك من الشمول والا ستيعاب لجميع أحوال الإنسان، ومن التحذير من الغفلة ما لا يخفى.