عنها وقع السؤال والجواب، وفيه الإشارة إلى عِظم هاتين الصلاتين لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان، وفي غيرهما طائفة واحدة، وفيه الإشارة أيضاً إلى شرف الوقتين المذكورين، وقد ورد أن الرزق يقسم بعد صلاة الصبح وأن الأعمال ترفع آخر النهار فمن كان حينئذ في طاعة بورك في رزقه وفي عمله، وهذا يترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما والاهتمام بهما، وفيه تشريف هذه الأمة على غيرها، ويستلزم تشريف نبيها على غيره وفيه الإخبار بالغيوب وهذا يترتب عليه زيادة الإيمان، كما فيه الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتى نتيقّظ ونتحفّظ في الأوامر والنواهى ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربنا وسؤال ربنا عنا، وفيه إعلامنا بحب ملائكة الله لنا لنزداد فيهم حباً ونتقرب إلى الله بذلك، وفيه كلام الله تعالى مع ملائكته وغير ذلك من الفوائد" (١) .
стр. 37
٧- أنهما محَلّ الغفلة، وأشهر ما يقع فيه المباشرة للأعمال والاشتغال بالأمور (١) ، "فوجوب الذكر المحمول على ظاهره فيهما وجوب له في غيرهما من باب الأولى، قال ابن عباس رضى الله عنهما: لم يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر فإنه تعالى لم يجعل له حداً ينتهى إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله ... ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى صلاتي الصبح والعصر لأن المواظبة عليهما – لما أشير إليه من صعوبتهما بما يعتري الإنسان في وقتيهما من الشغل - دالة على غاية المحبة لله، حاملة على المواظبة على غيرهما من الصلوات وجميع الطاعات بطريق الأولى" (٢) . وفى نظم الدرر تفسيراً لآية ص: "قال (بالعشي) ، تقوية للعامل وتذكيراً للغافل، (والإشراق) أي في وقت ارتفاع الشمس عند انشغال الناس في الأشغال، واشتغالهم بالمآكل والملاذ من الأقوال والأفعال، تذكيراً لهم وترجيعاً عن مألوفاتهم إلى تقديس ربهم سبحانه" (٣) . وفي تفسير المنار: "خُصّ هذان الوقتان بالذكر لأنهما طرفا النهار، ومن افتتح نهاره بذكر الله واختتمه به، كان جديراً بأن يراقبه تعالى ولا ينساه فيما بينهما، وأهم الذكر فيهما صلاتا الفجر والعصر اللتين تحضرهما ملائكة الليل وملائكة النهار، ويشهدان عند الله تعالى بما وجدا عليه العبد كما ورد فى الصحيح" (٤) .
стр. 38
ولا يقدح فيما ذكرته هنا نقلاً عن بعض أهل العلم، ما قال به الآلوسي وصاحب الظلال من أن الوجه في اختصاصهما بالذكر "أنهما وقتا فراغ فيكون الذكر فيهما ألصق بالقلب" (١) وأصفى، لأن محل هذا الفراغ يكون عقيب الانتهاء من الاشتغال بأمورالحياة والمباشرة للأعمال الدنيوية وقبيل البدء بها، والعبد مطالب بذكر الله في كل حال.
٨- أن مقصوده الحضُّ على مخالفة ما كان عليه المشركون، "فإنهم كانو يجتمعون على عبادة الأصنام في الكعبة بكرةً وعشياً" فأمروا بالتسبيح في أوقات كانوا يذكرون فيها الفحشاء والمنكر" (٢) .
стр. 39
وغني عن البيان أن الحكم على أيٍّ من الأوجه السابقة، متوقف بالدرجة الأولى على مدارسة مقامات الأحوال وسياقات الآيات على ما سيأتى بيانه، كما أن الذهاب إلى أن الوقتين يطلقان ويراد بهما الدوام كما يقال فعله صباحاً ومساءاً إذا داوم عليه - على ما قال به كثير من المفسرين في عديد من المواضع التي ورد فيها ذكر الآنين – لا يتماشى مع القول بالتخصيص (١) ، وأقصى ما يمكن القول به أنه إذا تسنى للملائكة ملازمة التسبيح على الدوام فإن بني البشر لا يمكنهم فعل ذلك لاحتياجهم إلى الأكل والشرب وتحصيل ذلك وما شابهه من ملبوس ومأكول ومركوب فكانت الإشارة بالتسبيح في تلك الأوقات التي إذا أتى العبد فيها بتسبيح الله كان كأنه لم يفتر، وهو إذا نزه ربه في أول النهار وآخره فإن الله تعالى مظهره في أوله وهو دنياه وفي آخرته وهو عقباه، وذلك لأن مريد العموم قد ينكر الطرفين ويفهم منهما الوسط كقوله ﵇: (لو أن أولكم وآخركم ولم يذكر وسطكم ففهم منه المبالغة في العموم.. وكذا الأمر بالنسبة للصلاة فإن العبد إذا صلى ركعتين حسب له صرف ساعتين من التسبيح وهكذا بالنسبة لسائر الصلوات التي يحصل له بأدائها صرف سبع عشرة ساعة فما بقي له وهو سبع ساعات هو ما بين نصف الليل وثلثيه، لأن ثلثيه ثمان ساعات ونصفه ست ساعات وما بينهما السبع وهذا القدر لو نامه الإنسان لكان كثيراً وإليه الإشارة بقوله: (قم الليل إلا قليلاً.. المزمل /٤) وزيادة القليل على النصف هي ساعة فيصير سبع ساعات مصروفة إلى النوم والنائم مرفوع عنه القلم، فيقول الله لملائكته عبدي صرف جميع أوقات تكليفه في تسبيحي فلم يبق لكم أيها الملائكة عليهم المزية إذا ادعيتم بقولكم: (ونحن نسبح نحمدك ونقدس لك.. البقرة /٣٠) على سبيل الانحصار بل هم مثلكم فمقامهم مثل مقامكم في أعلى عليين (٢) .
стр. 40
المبحث الثاني:
التسبيح بالغدو والآصال بين القائلين بالحقيقة والقائلين فيه بالمجاز
ذهب غير واحد من أهل التأويل إلى أن المراد بالتسبيح في الآيات التي ورد الأمر به في وقتي العشي والإبكار أو الغدو والآصال.. الصلاة، كذا أورده الحافظ ابن كثير عن الحسن والضحاك، حيث قالا فيما نقله عنهما: " (يسبح له فيها بالغدو والآصال) يعني: الصلاة" (١) وبنحوه روى "سعيد بن جبير عن ابن عباس: كل تسبيح في القرآن هو الصلاة" (٢) ، كما قال به سعيد بن المسيب ومجاهد وقتادة (٣) .
وإطلاقه عليها من إطلاق اللازم على الملزوم فهو كناية عنها، أو هو من إطلاق الجزء على الكل، فنوع مجازه مرسل وعلاقته الجزئية، إذ التسبيح جزء من الصلاة، والنكتة في ذلك كونها مشتملة على تسبيح الله وتنزيهه، أو الزمانية ووجهه أن "الزمان كثيراً ما يطلق ويراد به ما يقع فيه كما يقال: صلى الصبح والمراد صلاته، وقد يعكس فيراد بالصلاة زمانها نحو: قربت الصلاة أى وقتها، وقد يراد بها مكانها كما قيل فى قوله تعالى: (ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى.. النساء/٤٣) أن المراد بالصلاة: المساجد" (٤) .
وفى تحديد تلك الصلوات المرادة في هذين الوقتين المباركين "أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد أنهما عبارة عن صلاتي الصبح والعصر.. وخُصّا بالذكر لشرفهما" (٥) ، كذا أخرجه الحافظ ابن كثير عن ابن عباس قائلا: "يعني بالغدو: صلاة الغداة، ويعني بالآصال: صلاة العصر. وهما أول ما افترض الله من الصلاة، فأَحبَّ أن يَذكرهما وأن يذكّر بهما عباده" (٦) ، وباعتبارهما طرفي النهار، فما يقع بينهما يجُبُّه الصلاة فيهما.
стр. 41
وفى رواية أخرى لابن عباس أن المراد من "التسبيح بكرة: صلاة الفجر، والتسبيح أصيلاً: صلاة العِشاء" (١) ، كما أورد الآلوسي عن قتادة نحواً مما رُوى عن ابن عباس إلا أنه قال: "أشار بهذين الوقتين إلى صلاة الغداة وصلاة العصر، وهو أظهر مما رُوي عن الحَبر" (٢) يقصد فى روايته القائلة بأنهما صلاتا الفجر والِعشاء.
وأبعد من جنح إلى أن المراد بالأصيل: الظهر والعصر، وبالعشيّ: المغرب، بزعم أن المراد بذكرهما شمول ساعات النهار أوسائر أوقات اليوم والليلة، وأن ما يقرب من الشيئ يجوز أن يطلق عليه اسمه (٣) ، وأشد منه بعداً: الزعم بأن الأصيل: صلاة العشاء، لما ذكرنا، وكذا الزعم بأن "الإبكار عبارة عن أول النهار إلى النصف، والعشي عبارة عن النصف إلى آخر النهار فيدخل فيه كلُّ الأوقات" (٤) . إذ القول باللتيا والتى لا يخلو - على ما سنذكر- عن كدر.
стр. 42
وأجاز طائفة من أهل العلم جعل المأمور به من التسبيح: قول (سبحان الله) بقصد إجلاله تعالى وتنزيهه - قولاً واعتقاداً- عن كل عيب فيكون الحمل فيه على الحقيقة، وإنما خَصّ التسبيح من جملة الذكر وأنواعه لأنه يعني "التنزيه عما لا يجوز على الله من النقائص فهو من أكمل الذكر لاشتماله على جوامع الثناء والتمجيد، ولأن في التسبيح إيماء إلى التبرؤ مما يقوله أهل الكفر والنفاق في حق الله وفى حق نبيه ﷺ والمؤمنين بدعوته، فيكون فى معنى قول الله تعالى: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم.. النور/١٦) ، فإن كلمة (سبحان الله) يكثر أن تقال فى مقام التبرؤ من نسبة ما لايليق كقول النبيّ ﷺ : (سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس) ، وقول هند بنت عتبة حين أخذ ﷺ -على النساء البيعة (أن لا يزنين) : سبحان الله أو تزني الحرة؟ (١) .
стр. 43
قال أبو حيان: الظاهر أن قوله تعالى: (وسبح بحمد ربك) أمر بالتسبيح مقروناً بالحمد، وحينئذ إما أن يراد اللفظ، أى: قل (سبحان الله والحمد لله) ، أو يراد المعنى: أي نزهه سبحانه عن السوء وأثنِ عليه بالجميل، وفي خبرٍ ذكره ابن عطية: (من سبح عند غروب الشمس سبعين تسبيحة غربت بذنوبه، وقال أبو مسلم: لا يبعد حمل ذلك على التنزيه والإجلال. والمعنى: اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات، وعلى ذلك حمله العزّ ابن عبد السلام، واختار الإمام الرازي حمل التسبيح على التنزيه من الشرك وتابعه في ذلك الآلوسي، قال الفخر: إنه أقرب إلى الظاهر وإلى ما تقدم ذكره، يعني في الآيات التي جاء فيها الأمر بالصبر قبيل الأمر بالتسبيح كما في قوله: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل.. طه/١٣٠) وقوله: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب.. ق/٣٩) وقوله: لأنه سبحانه صبّره أولاً على ما يقولون من التكذيب وإظهار الكفر والشرك، والذى يليق بذلك أن يؤمر بتنزيهه تعالى عن قولهم حتى يكون مظهراً لذلك وداعياً إليه.
стр. 44
واعتُرض بأنه لا وجه حينئذ لتخصيص هذه الأوقات بالذكر، وأُجيب بأن المراد بذكرها، الدلالة على الدوام كما فى قوله تعالى: (بالغداة والعشي.. الأنعام/٥٢، الكهف/٢٨) ، مع أن لبعض الأوقات مزية لأمر لا يعلمه إلا الله تعالى، ورُدّ بأنه يأباه (مِن) التبعيضية في قوله في آية طه (ومن آناء الليل) على أن هذه الدلالة يكفيها أن يقال: قبل طلوع الشمس وبعده لتناوله الليل والنهار، فالزيادة تدل على أن المراد خصوصية الوقت.. وعورض ما قاله الإمام - للمرة الثانية- بأن الأنسب بالأمر بالصبر، الأمر بالصلاة ليكون ذلك إرشاداً لما تضمنه قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة.. البقرة/٤٥) ، وأيضاً الأمر الآتي أوفق بحمل الأمر بالتسبيح على الأمر بالصلاة (١) .
وحمل الأمر بالتسبيح على أي من الوجهين السابقين، بهذا. مما التبست فيها الطرائق، ولا يسعنا أن نجزم بطريقة هي أسلم ولا أقرب إلى فهم المعنى المراد، من أن نكل أمر الحسم أو الترجيح في هذا الشأن إلى سياقات الآيات وقرائن أحوالها، فهذان - في تقديري- كافيان وحدهما وكفيلان بمعرفة ما إذا كان المراد من التسبيح ظاهره أو المراد منه التجوز فيكون بمعنى الصلاة. إذ من الإجحاف أن نحمل كل الآيات الآمرة بالتسبيح في ذينك الوقتين على معنى واحد، أو نجعلها - على تعددها وتنوع سياقاتها- تسير على وتيرة واحدة.
стр. 45
فهناك من الآيات الآتية على هذا النمط ما ينصبّ حديثها حول تواقيت الصلاة، سيما ما ذكر فيها الوقتان بلفظ (الطرف) الذى يعنى أول النهار أوآخره، سواء ما جاء منه على صيغة التثنية كما في قوله سبحانه: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل.. هود/١١٤) ، أو بأسلوب الجمع كما في قوله عز من قائل: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار.. طه/١٣٠) .. وكذا ما ذكرا فيه بلفظ (قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) كما فى الآية سالفة الذكر، ونظيرها في قوله سبحانه: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. ومن الليل فسبحه وأدبار السجود.. ق/٣٩، ٤٠) .. أو ما كان نصّاً في سرد أوقات الصلاة الأخرى مما هو في معنى ما ذكر كما الحال في قوله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون.. الروم/١٧، ١٨) .. فمثل هذا يجمل حمل الأمر بالتسبيح فيه على معنى الصلاة إذ ليس ثمة ماهو أدل على تحديد مواقيت الصلاة على وجه التقصّي كتاباً وسنة، من حركة الشمس بكرةً وأصيلاً وما يحدث إبان دوران الأرض حولها وما يطرأ على الأرض إثر غروبها من تغيرات كونية وتعاقبٍ الليل والنهار.
стр. 46
وهناك من التسبيح مما جاء فى حق الأنبياء، ما يومِىء إلى ما كان في شرائع من قبلنا من صلاة كانت لهم على نحو معين في أول النهار وقبيل انتهائه، وهذا ضرب آخر من التسبيح ذكره الفيروزابادى قائلاً في شأنه بعد أن عدّد ما ورد في حق الملائكة وما جاء فى حق نبينا محمد ﷺ : "وأما ... التي للأنبياء، فالأولى لزكريا، علامة على ولادة يحيى: (قال رب اجعل لي آية) إلى قوله: (وسبح بالعشيّ والإبكار.. آل عمران/٤١) ، الثاني في وصيته لقومه على محافظة وظيفة التسبيح: (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً.. مريم/١١) ، والثالث في موافقة الجبال والظباء والحيتان والطير لداود في التسبيح (يسبحن بالعشيّ والإشراق.. ص/١٨) " (١) ، وهذا كسابقه لا معنى له إلا بالحمل على المجاز لما سيأتى من ورود آثار تدل على مشروعية صلاة كانت لهم في هذين الوقتين تقضي بتأدية ركعتين أول النهار - هما أشبه بصلاة الضحى في شريعتنا الغراء - وركعتين قبيل انتهائه.
وهناك ما أخبرت الآيات بتسبيحه في الوقتين المباركين بما لا يمكن لنا فهمه ولا يتأتى لنا إدراكه، من نحو ذاك الذى يحدث مما لا يُتصور أن يقع منه كلام نعيه أو صلاة أو سجود نبصره، من الجمادات والحادثات التى يقول سبحانه فى شأنها: (ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال.. الرعد/١٥) ، ويقول: (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق.. ص/١٨) . فإن هذا وأضرابه مع دخوله في عموم قول الله تعالى: (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. الإسراء/٤٤) ، لا يتأتى منه - في حدود بشريتنا وفي نطاق معرفتنا- قول ولا يصدر منه فعل إلا ما كان منه على سبيل المعجزة أو الكرامة.
стр. 47
فالأليق بمثل هذا أن يحمل على معنى الانقياد والتسخير الذى يصدر عن طواعية (١) على سبيل الاستعارة بالكناية، أو على وجه الحقيقة على أن يخول الأمر فيه لخالقه فهو سبحانه العليم بأسرار خلقه.
وهناك من الآي ما سبق الأمرَ فيها بالتسبيح في الوقتين، الأمرُ بالذكر، فناسب - لكون التسبيح واحداً من أنواعه وفرداً من جملته- أن يجعل من قبيل عطف الخاص على العام، وبالتالي فيكون معنى التسبيح فيه على ظاهره، ولك أن تتأمل مصداق ذلك في قوله سبحانه: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال. رجال.. النور/٣٦، ٣٧) ، وقوله جل ذكره: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلا.. الأحزاب/٤١، ٤٢" ... كما يُفضّل عند الاقتصار على الذكر في نفس الوقتين كما هو الشأن في نحو قوله تعالى: (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً. ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلاً.. الإنسان/٢٥، ٢٦) أن يحمل المطلق فيه على المقيد.
فالذي يطمئن إليه الباحث، أن مراعاة هذه الضوابط ووضعها في الاعتبار وملاحظتها عند تحديد المراد من التسبيح أو الذكر في وقتي الغدو والآصال، هو مما يساعد على فهم ما يهدف إليه النص القرآني، ويكون من التكلف والجور التسوية بين النصوص وجعلها على نحو ما فعل جلّ المفسرين على نمط واحد، إما أن يراد منها التنزيه وحمل المعنى على ظاهره بقول (سبحان الله) ، أو يراد منها الصلاة.. هكذا دون ما إبصار لمواقعها ولا إنعام نظر فيما يعين من القرائن على حملها على الوجه الصحيح، وينشأ عن ذلك تحميل النصوص مالا تحتمل أو صرفها عما يدل السياق بقرائن الأحوال على تحديد مراد الله منها.
стр. 48
ولنبحر في أعماق تيك الآيات، كيما يتسنى لنا – من خلال الوقوف على المعاني المقصودة من التسبيح - التعرف على وجهها الصحيح، وما إذا كان المراد بالتسبيح فيها ظاهره الموضوع لها في اصطلاح التخاطب، أم المراد به بمعونة السياق وقرائن الأحوال التجوز، أم أن الأمر فيه، له اعتلاق بهذا وذاك فيكون على ما قال ابن عاشور في المقدمة التاسعة: "فمختلف المحامل التي تسمح بها كلمات القرآن وتراكيبه وإعرابه ودلالته، من اشتراك وحقيقة ومجاز، وصريح وكناية، وبديع ووصل ووقف، إذا لم تفضِ إلى خلاف المقصود من السياق، يجب حمل الكلام على جميعها" (١) . ولتكن بداية حديثنا بما يحسن استخدامه من التسبيح، لغير ما وضع له في اصطلاح التخاطب.
أولاً: ما يجمل فيه حمل التسبيح بطرفي النهار على المجاز
١- ما يتصل منها بمواقيت الصلاة:
وتفريعاً عما سبق ذكره فإننا عندما نجيل البصر في سورتي هود وطه الوارد فيهما بعضاً من الآيات التي تحدثت عن التسبيح طرفي النهار، نجد أن أولى هاتين السورتين مكية عدا ثلاث آيات منها، كما نلحظ أن من بين هذه الثلاث قوله جل ذكره: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل.. هود/١١٤) ، وبإرجاعنا البصر كرة أخرى إلى ثاني هاتين السورتين نرى أنها كذلك مكية عدا قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها. ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى. ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خيراًوأبقى.. طه/١٣٠، ١٣١) .
стр. 49
وهذا يدعونا الى مزيد من التبصر فيما يعين على فهم المراد من التسبيح، فالآيتان اللتان تحدثتا عن طرفي النهار في السورتين، نزلتا بالمدينة أى بعد فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء والمعراج، وفى إحدهما أمر بالصلاة صراحة، وفيها وفي أختها تحديد لتواقيت الصلاة، وقد أعمل فقهاء الأمة فيهما عقولهم كيما يستنطقوا منهما ومما جاء على شاكلتهما من نحو قوله سبحانه: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرأن الفجر.. الإسراء/٧٨) (١) ، مواقيت الصلاة التي فرضها الله على المؤمنين من عباده وجعلها بعد أن كلفهم بالحفاظ عليها، كتاباً موقوتاً، وأمرٌ كهذا يمثل في الإسلام عمود الدين الذي لايقوم إلا به، وأول ما فرض الله على عباده وأول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة وأخر وصية رسول الله ﷺ لأمته.. يستأهل أن يوجد في القرأن ما يشير إليه ويحدد معالمه.
على أن ما استقر في ضمير الباحث هنا يعد من وجهة نظره قرائن حالية بل ولفظية كذلك، ترجح من كفة جعل المراد من التسبيح الصلاة، وتدل على أن المقصود بطرفي النهار: هما صلاتا الصبح والعصر على ما قال به الحسن في إحدى روايتيه، وكما ارتآه قتادة والضحاك وابن زيد والجمهور.
стр. 50
وما ذكره الحافظ ابن كثير في تفسير آية هود من احتمال "أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء" (١) بناء على فرضية الخمس بالمدينة على ما روى عن الحسن، هو من زخرف القول، لوقوع حادثة الإسراء والمعراج قبل الهجرة، وفرضية الصلاة ليلته عند التحقيق، فقد أورد ابن سعد في طبقاته الكبرى أنها كانت قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً، كما أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما ما يدل على فرضية الصلاة في تلك الليلة المباركة، ففي سردهما لقصة الإسراء والمعراج بطولها، ذكرا أن النبي ﷺ (ذُهب به إلى سدرة المنتهى، وأوحى الله إليه عندئذ ما أوحى.. وفيها فرضت الصلوات الخمس على المسلسين) ، كما أخرجا قوله ﷺ عند تحدى كفار مكة: (لما كذبتني قريش قمت في الحِجر (٢) فجلّى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه) (٣) يقول صاحب فقه السيرة: "وفي صبيحة ليلة الإسراء جاء جبريل وعلّم رسول الله ﷺ كيفية الصلاة وأوقاتها، وكان ﵇ قبل مشروعية الصلاة يصلي ركعتين صباحاً ومثليهما مساءً كما كان يفعل إبراهيم ﵇" (٤) .
стр. 51
والقول بأن المدلول اللغوي لـ (الطرَف) وهو نهاية الشيئ، لا يعين على حمل المعنى على الصلاة، يرد عليه بأنه يجوز أن يراد بـ (الطرف) طائفة من الشيىء، فإنه أحد معانيه كما في الصحاح والقاموس (١) ، ومما يعد قرينة على صحة ما ذكرت من أمر حمل التسبيح في مثل هذا المقام على معنى الصلاة، وجعل ذلك من قبيل المجاز المرسل لعلاقة الجزئية لإطلاق البعض وهو التسبيح وإرادة الكل، ما أخرجه الحاكم عن فضالة عن وهب الليثي من أن النبي ﷺ قال له: (حافظ على العصرين) قال: قلت وما العصران يا رسول الله؟ قال: (صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) .. فإذا أُضيف إلى هذا ما أفاده ذكر أوقات الليل فى الآيات سالفة الذكر من دلالة ظاهرة على تعيين المراد وتحديد الصلوات الأخرى المتعينة فيها ازداد الأمر وضوحاً وتأكد لنا صحة ما ارتأيناه، فقد ترجح لدى كثير من أهل التأويل أن صلاة الزلف الواردة في قوله جل ذكره: (وزلفاً من الليل) مرا د بها صلاتا المغرب والعشاء، وهذا - على ما ترجح لديّ أيضاً- هو المختار لكونه الأدخل في حمل مقابله وهو (طرفي النهار) على ظاهره، والأوفق مع قوله جل ذكره في آية طه: (ومن آناء الليل) بعد قوله: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها.. طه/١٣٠، ١٣١) (٢) وقوله في آية ق (ومن الليل فسبحه) بعد قوله: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب.. ق/٣٩، ٤٠) .
стр. 52
وما كان كذلك كان أولى في التقديم وفي الحمل على معنى الصلاة مما قيل من أن معنى (زلفاً) قُرَباً، فيكون حقه على هذا -كما في الكشاف- أن يعطف على الصلاة أي أقم الصلاة طرفي النهار وأقم الصلاة زلفاً من الليل، أي صلوات تتقرب بها إلى الله كان واجباً عليه ﷺ ، أو العشاء والوتر على ما ذهب إليه أبوحنيفة، أو المجموع كما يقتضيه ظاهر الجمع، (١) إذ القول بأىٍّ من هذه الآراء لا يخلو عن كدر، وبخاصة مع ما نقله ابن كثير والشوكاني عن "الحسن فى رواية ابن المبارك عن مبارك بن فضالة عنه (وزلفاً من الليل) يعني المغرب والعشاء، قال رسول الله ﷺ : (هما زلفا الليل المغرب والعشاء) كذا قال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والضحاك أنها صلاة المغرب والعشاء" (٢) ، فضلاً عن أن تكرار التأدية لصلاتي المغرب والعشاء يمكن أن يتحقق معه معنى الجمع، ناهيك عما سبق ذكره أن آية هود وجلَّ ما جاء على شاكلتها مما تقدم، قد نزل بالمدينة، وهذا يتلائم معه ما ذكرنا.
ويأتي في معنى (زلفاً من الليل) قوله في آية طه: (ومن آناء الليل) إذ الآناء - وهو بوزن أفعال ومفرده (إني) و (أنو) بالياء والواو وكسر الهمزة، و (إنا) بالكسر والقصر- هو على ما ترجح "وقتا المغرب والعشاء" (٣) قال الراغب في مفرداته: "قال الله تعالى: (غير ناظرين إناه.. الأحزاب/٥٣) أى وقته" (٤) .
стр. 53
وفي إشارة صريحة لمعنى التسبيح في الليل الوارد في آية ق "ذهب غير واحد إلى أن المراد بالتسبيح الصلاة على أنه من إطلاق الجزء أو اللازم على الكل أو الملزوم، وعليه فالمراد بالصلاة قبل الطلوع الصبح وقبل الغروب العصر، قاله قتادة وابن زيد والجمهور وأخرجه الطبراني في الأوسط وابن عساكر عن جرير بن عبد الله مرفوعاً، (ومن الليل) صلاة العتمة (وإدبار السجود) النوافل بعد المكتوبات كذا أخرجه ابن جرير عن ابن زيد" ونص عليه الآلوسي في تفسيره. (١)
والوجه في الاهتمام بـ (آناء الليل) وزلفه، "أن الليل وقت تميل فيه النفوس إلى الدعة، فيُخشى أن يتساهل في أداء الصلاة فيه" (٢) وعلل له الفخر الرازي بقوله: "لأن الجمعية -أي جمع القلب والهمة- فيه أكثر، وذلك لسكون الناس وهدوء حركاتهم وتعطيل الحواس عن الحركات وعن الأعمال، ولذلك قال : (إن ناشئة الليل هى أشد وطئاً وأقوم قيلاً.. المزمل/٦) وقال: (أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر ويرجو رحمة ربه.. الزمر/٩) ولأن الليل وقت السكون والراحة فإذا صرف إلى العبادة كانت على الأنفس أشق وللبدن أتعب، فكانت أدخل في استحقاق الأجر والفضل" (٣) .
стр. 54
وبرأيي أن النكتة البلاغية لجمع (طرف) فى قوله جل شأنه: (ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار) على الرغم من أن للنهار طرفان ورد ذكرهما فى قوله: (وأقم الصلاة طرفي النهار) ، وقوعه في حال الجمع معمولاً لـ (سبح) ووقوعه في حال التثنية معمولاً لـ (أقم الصلاة) وفي هذا ما يشير إلى أن الصلاة وإن كان الأمر فيها قاصراً على طرفي النهار أوله وآخره، وهما على ما ترجح (الفجر والعصر) فإنه لا يعني أن يخلو سائر يوم المسلم من تسبيح لله وشغل للسان بذكره، وأنه إذا كان للنهار طرفان يتم شغلهما بتأدية الصلاة التي لا تشغل حيزاً كبيراً من الوقت، فإن ثمة طرفان آخران يستغرقان سائر ساعات النهار ينبغي ملؤهما مع سابقيهما، بالتقديس والتنزيه لصاحب العظمة والكبرياء ﷻ ، أولهما عند انتهاء النصف الأول من الطرف الأول من النهار وهو طرف سير الشمس في قوس الأفق، وبلوغ سيرها وسطه، والمعبر عنه بالزوال، والثاني عند ابتداء النصف الثاني من القوس والذي يوافق الشطر الأول من النصف الثاني من النهار، فيكون للنهار أربعة أطراف أوله وآخره، وآخر نصفه الأول وأول نصفه الثاني (١) والكل مستغرق بالتسبيح ولذا نزع الخافض.. وتكون الدلالة على فضيلة الصبح والعصر في الآية المجموع فيها مفردة (الطرف) من أوجه ثلاثة هي:
стр. 55
التقديم في قوله: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) ، والتكرير بذكرهما ثانية مندرجين تحت (أطراف النهار) ، وإرادة الاختصاص بالذكر بعد التعميم المشتمل على ساعات النهار، أو بضميمة قوله (آناء الليل) ، المستغرق لجميع ساعات اليوم والليلة اهتماماً، كذكر جبريل بعد الملائكة في قوله: (تنزل الملائكة والروح فيها.. القدر/٤) ، والصلاة الوسطى بعد الصلوات جميعاً في قوله: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى.. البقرة/٢٣٨) ، وذلك لضيق وقت آخر النهار المخصص لصلاة المغرب، ولكون الصبح وقت نوم (١) ، وإن كنت لا أرى بأساً في الاستئناس في ذلك من إمكانية أن يكون السر في جمع طرف حاصلاً من كون الطرف يتكرر في كل نهار ويعود، فتكون (أل) في النهار للجنس الشامل لكلّ نهار ويكون الجمع باعتبار تعدد النهار وأن لكلٍّ طرفان، أو يكون من باب إطلاق الجمع على المثنى وهو متسع فيه في العربية عند أمن اللبس كقوله تعالى: (فقد صغت قلوبكما.. التحريم/٤) ، والذي حسن جمعه هنا على أىٍّ وقوعه مشاكلة لجمع آخر هو قوله: (ومن آناء الليل) (٢) ، ومهما يكن من أمر فقد أجمع المتأولون على أن التسبيح في آية طه بمعنى الصلاة، ساق هذا الإجماع ابن عطية وعلل هل الطاهر بقوله: "لذلك صار فعل التسبيح منزلاً منزلة اللازم لأنه في معنى صلّ" (٣)
стр. 56
والنكتة في تصدير الآيتين الكريمتين بالأمر بالصبر قبيل الأمر بالتسبيح، الإعلام بأعظم ما يستعان به في شتى مصائب الدنيا، وهذا مما يعضد من شأن حمل التسبيح على معنى الصلاة، بل ويعين على التشيع له في سائر ما دلت القرائن على استعماله في ذات المعنى، إذ هو الأنسب مع الأمر بالصبر ليكون إرشاداً لما تضمنه قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة.. البقرة/٤٥) (١) .
على أن ما قيل في شأن الآيات الآمرة بالتسبيح، المحددة لمعالم أوقات الصلاة، وكذا ما ذكر في أمر نزولها بالمدينة دون سائر آيات السورة التي وردت فيها.. يقال مثله في قوله سبحانه في سورة الروم: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون.. الروم/١٧) ، ففي المصاحف المتداولة بين أيدينا أن هذه الآية، هي الآية الوحيدة من بين سائر آيات السورة البالغ عددها ستين آية، التي نزلت بالمدينة المنورة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- الأمر الذي يومِىء إلى أن التسبيح الوارد فيها - بالنظر إلى تلك القرينة- يراد به الصلاة، وأن المراد بـ (عشياً) بعدها، هو صلاة العصر لكونه المتصل به والمقابل لقوله: (وحين تصبحون) ، بل إن هذا مما نص عليه الدامغاني في الوجوه والنظائر ودل عليه الأثر فقد أخرج عبد الرازق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والطبراني والحاكم وصححه، عن أبي رزين قال: جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس فقال: هل تجد الصلوات الخمس فى القرآن؟ فقال: نعم. فقرأ (فسبحان الله حين تمسون) : صلاة المغرب، (وحين تصبحون) : صلاة الفجر، (وعشياً) : صلاة العصر (وحين تظهرون) : صلاة الظهر ... وأخرج ابن أبى شيبة وابن جرير وابن المنذر عنه قال: جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة (فسبحان الله حين تمسون) : المغرب والعشاء، (وحين تصبحون) : الفجر، (وعشياً) : العصر، (وحين تظهرون) : الظهر.. وذهب الحسن إلى نحو ذلك (٢)
стр. 57
ولا يستقيم لنا مع هذا، ما ذكره ابن عاشور من أن التسبيح في هذه الأوقات "سلك به مسلك الإطناب لأنه مناسب لمقام الثناء" (١) لأن هذا التعليل ناشىء عن القول بحمل التسبيح على ظاهره، والآثار ترده ... كما لا صحة لما اختاره الرازى وتابعه فيه - بقوة وبحماس زائدين- الآلوسي، من حمل التسبيح في الآية الكريمة على ظاهره من معنى التنزيه، زاعمَين أنه "أقوى والمصير إليه أولى، لأنه يتضمن الأول" (٢) يعنى معنى الصلاة.. أما أولاً: فلما ذكرت، وأما ثانياً: فلأن عكس ما قالاه هو الصحيح، لكون الصلاة مشتملة عليه وعلى غيره. وإذا كان الوجه فيما اختاراه وتعصبا له تنزيهه سبحانه عن صفات النقص ووصفُُه بصفات الكمال، بالأمر المطلق الذي لا يختص بنوع دون نوع فيكون الأمر به أمر بالصلاة (٣) ، فإن فيما تركاه يتناول التنزيه بالقلب وهو الاعتقاد الجازم، وباللسان مع ذلك وهو الذكر الحسن، وبالأركان معهما وهو العمل الصالح الذى يأتي على قمته التلبس بالصلاة عمود الدين ورأسه في الإسلام، وتلك - وأيم الله - هى ثمرة التنزيه وذروته، لكونها ثمرة الثاني وهما معاً ثمرة الأول ... ذلك أن الإنسان إذا اعتقد شيئاً ظهر من قلبه على لسانه، وإذا قال ظهر صدقه في مقاله، وإذا عمل ظهرت حجته في أحواله وأفعاله، فاللسان ترجمان الجنان، والأركان برهان اللسان. وعليه فتنزيهه سبحانه بالصلاة من قِبل العبد برهان على تنزيهه من قِبله لسواها، وهي لاشتمالها على الذكر باللسان والقصد بالجنان والعمل بالأركان -لا جرم- كانت أفضل الأعمال، فهي في التحقيق تنزيه له سبحانه بما هو أعم وأشمل.
стр. 58
ولقد ناقض الفخر الرازي نفسه تناقضاً شديداً حين ألمع في موطن آخر إلى أن التسبيح في آية الروم عينها مراد به الصلاة، بل راح - وهو الذى تعصب بشدة لحمل المعنى فيها على ظاهره- راح يستدل بها ويجعلها عمدة في الاحتجاج على إفادة التسبيح لمعنى الصلاة. فقد ذكر في تفسيره لقول الله تعالى مخاطباً نبيه زكريا ﵇: (واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار.. آل عمران/٤١) ، أن قوله: (وسبح) المراد منه (وصلِّ) لأن الصلاة تسمى تسبيحاً، قال تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) - واستطرد يقول مفصحاً عن علة مجازيتها – وأيضاً الصلاة مشتملة على التسبيح، فجاز تسمية الصلاة بالتسبيح" (١) .
فما يكون موقف الآلوسي من هذا ياترى وهو الذى كان ينبغي عليه أن يأخذ هذا الكلام ويبني عليه موقفه متكئاً على ما ورد من الآثار، بدل أن يقول: "وأنا بالإمام اقتدى فى دعوى أولوية الحمل على الظاهر" (٢) ، وبدل أن يتكلف له ويبني عليه رأيه مكرراً ومؤكداً على ما ذكره الفخر وقائلاً: "واختار الإمام الرازي حمل التسبيح على التنزيه فقال: إنه أقوى والمصير إليه أولى لأنه يتضمن الصلاة" (٣) ، على الرغم من بطلان هذا الادعاء، وأن العكس من ذلك هو الصحيح؟
على أن قولنا المدعوم بالقرائن وبالآثار التى تقطع بمفاد التسبيح في حق آية الروم وما يجمل حمل معناه عليه بمعونة السياق، لا يمنعنا بحال – إحقاقاً للحق - من التسليم بما ذكره ابن عاشور من أن ما ذكر بهذا الصدد لا يعنى أن الصلوات الخمس وأوقاتها هى المراد تحديداً من الآية، أو أن الآية نص قطعي فيها وفي تحديد أوقاتها، ولكن نقول بأن الآية الكريمة "نسجت على نسج صالح لشموله الصلوات الخمس وأوقاتها وذلك من إعجاز القرأن لأن الصلاة وإن كان فيها تسبيح ويطلق عليها السُّبحة فلا يطلق عليها: سبحان الله" (٤) .
стр. 59
والقول بهذا أيّاً ما كان الأمر فيه يقتضي أن يكون الخطاب موجهاً - بالطبع - إلى المؤمنين (١) ، ومناسبة ذلك مع سابقه أنه سبحانه لما وعدهم بحسن مصيرهم فى قوله قبل: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم فى روضة يحبرون.. الروم/١٤، ١٥) .. لقَّنهم شكر نعمته بإقامة الصلوات في أجزاء اليوم والليلة (٢) ، و (سبحان) على هذا مصدر واقع بدل فعل الأمر بالتسبيح، والتقدير (فسبحان الله سبحاناً) وعليه تُخرّج رواية نافع بن الأزرق سالفة الذكر، ويكون المراد بقوله (سبحان) أمر بأن يقولوا (سبحان الله) وهو مجاز كما قلنا عن الصلاة، أو كناية عنها، لأن الصلاة تشتمل على قول (سبحان ربي العظيم.. سبحان ربي الأعلى) .
وقد حدا القول بجعل المراد من التسبيح في آية الروم التنزيه وحمل الأمر على ظاهره خلافاً لما ذكرنا من حملٍ وتوجيه خطاب ... حدا أصحابه القائلين به لأن يتعسفوا ويجعلوا الخطاب في قوله (تمسون) و (تصبحون) و (تظهرون) تابعاً للخطاب الذي قبله في قوله: (الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون.. الروم/١١) ، فيكون بهذا خطاباً موجهاً للمشركين على طريقة الالتفات من ضمائر الغيبة المبتدئة من قوله: (أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون. أولم يسيروا في الأرض فينظروا.. الروم/٨، ٩) ، ويكون المقصود من قول (سبحان الله) إنشاء تنزيه لله عما نسبوه من العجز عن إحياء الناس بعد موتهم، وإنشاء ثناء عليه.. علماً بأن هذا الخطاب يفصل بينه وبين الأمر بالتسبيح بالإمساء والإصباح خمس آيات، وفي ذلك فضلاً عما دلت القرائن والآيات على نقيضه، من البعد والتكلف ما لا يخفى.
стр. 60
والزعم بأن الفاء في قوله (فسبحان الله) هي فاء الفصيحة وهي تقتضي اتصال ما بعدها بما قبلها، يرد عليه أن هذا ليس شرطاً فيها، وهو إن سلم فإنه لا ينافي كون الخطاب لآهل الإيمان، ولعل هذا ما أشار إليه أبو السعود بقوله: "الفاء لترتيب ما بعدها بما قبلها، أي إذا علمتم ذلك – يعني مصير من جاء ذكرهم في قوله جل وعلا (وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون.. الروم /١٦) – فسبحوا الله تعالى تسبيحه اللائق في هذه الأوقات واحمدوه، فإن الإخبار بثبوت الحمد له تعالى ووجوبه على المميزين من أهل السموات والأرض في معنى الأمر به على أبلغ وجه وآكده" (١) ، أو أنها للاستئناف أو للابتداء.
والادعاء بأن الأنسب والأغلب أو المتعين في استعمال مصدر (سبحان) ، أن يجعل الخطاب فيه موجهاً للمشركين لكثرة وروده في القرأن على هذا النحو في مثل قوله: (سبحانه وتعالى عما يشركون.. يونس/١٨، النحل/١، الروم/٤٠، الزمر/٦٧) ، وعلى ما تقضيه أقوال أئمة اللغة (٢) .. يردّه أيضاً- بضميمة القرائن والأدلة سالفة الذكر- هذه الآية الكريمة من سورة الروم، وكذا ما جاء فى نحو قوله جل ذكره فى مخاطبة نبيه محمد ﷺ : (وسبح بحمد ربك حين تقوم.. الطور/٤٨) ، وقول الأعشى في داليته:
(وسبح على حين العشيّات والضحى) .
стр. 61
وفي الاعتراض بجملة (وله الحمد في السموات والأرض) في آية الروم بين الظروف إشعار بأن تسبيح المؤمنين لله ليس لمنفعة تعود عليه سبحانه فهو الغني عن العالمين، بل لمنفعة المسبحين أنفسهم، لأن الله محمود في السموات والأرض من غير وقوع الحمد منهم، فهو غني عن حمدهم، وقد أفاد تقديم المجرور في (وله الحمد) ، القصر الادعائي لجنس الحمد على الله تعالى، لأن حمده هو الحمد الكامل على نحو قولهم: فلان الشجاع (١) .
وتوسيطه بين أوقات التسبيح إنما هو للاعتناء بشأنه والإشعار بأن حقها أن يجمع بينهما كما ينبئ عنه قوله تعالى: (ونحن نسبح بحمدك.. البقرة /٣٠) ، وقوله: (فسبح بحمد ربك.. الحجر /٩٨، والنصر /٣) (٢) ، ولعل هذا يفسره ما جاء عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) يتأول القرآن (٣) ، وعنها أنها فقدته ﷺ ذات ليلة، فظنت أنه ذاهب إلى بعض نسائه، فتحستسه فإذا هو راكع أو ساجد يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت) فقالت: بأبي أنت وأمي، إني لفي شأن وإنك لفي شأن آخر (٤) .
٢- ما جاء في حق الأنبياء السابقين:
стр. 62
هذا وقد ورد في التنزيل صدور الأمر بالتسبيح في حق بعض الأنبياء السابقين لنبينا محمد ﷺ كما في قوله جل شأنه في حق زكريا ﵇: (قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار.. آل عمران/٤١) ، وقوله: (قال رب اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً. فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوه بكرة وعشياً.. مريم/١٠،١١) ، وكذا قوله فى حق نبى الله داود ﵇ بعد توجيه الخطاب لخاتم المرسلين ﷺ : (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب. إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق.. ص/١٧، ١٨) .
وقد كان لأمر التسبيح الصادر من الله على سبيل الإلزام فى حق نبيي الله زكريا وداود، ما يستدعي التعجب من بديع صنع الله، ويستوجب – من ثمّ - التسبيح على ما أعطى سبحانه من نعم وما أسبغ من فضل، فقد طمع زكريا ﵇ بعد أن رأى أن الله يرزق مريم ﵍ فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، أن يرزقه الله الولد، وهو وإن كان شيخاً كبيراً قد وهن منه العظم، واشتعل فيه شيب الرأس، وكانت امرأته هي الأخرى مع ذلك كبيرة وعاقراً، إلا أنه لم يقطع الرجاء في نيل ما تأمله وصبت نفسه إليه، ثقة منه في رحمة الله وقدرته على خرق نواميس الكون، فراح يسأل ربه ويناديه نداء خفياً وكان الجواب الفوري، الماثل هو ودعاؤه في قول الله تعالى: (رب هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي فى المحراب أن الله يبشرك بيحيى.. آل عمران/٢٨، ٢٩) .
стр. 63
وقد أعرب بعض المفسرين عن مدى تعجبهم لطلب زكريا، ودعاهم ذلك لأن يقولوا إنما أخفى دعاءه - يعني المفاد من قوله تعالى: (إذ نادى ربه نداء خفياً.. مريم/٣) - لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكِبَره، كذا حكاه الماوردي، وكان الوازع لدى زكريا ﵇ خوفه أن تتصرف عصبته من بعده في الناس تصرفاً سيئاً، فسأل الله ولداً يرثه في النبوة ويرث من آل يعقوب ويكون مرضياً عند ربه، واستجاب الله دعاءه وكان من عجيب ما انتابه من إجابة الله له، أن طلب من ربه أن يجعل له علامة يستدل بها على وجود الولد منه كيما تستقر نفسه ويطمئن قلبه، ولِتلك أجابه سبحانه أيضاً و (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار.. آل عمران/ ٤١) ، أي جعلت آيتك التي طلبت، أن تحبس لسانك عن الكلام ثلاثة أيام بلياليهن وأنت صحيح سويّ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة وغير واحد، اعتُقل لسانه من غير مرض ولا علة، وقال ابن زيد بن أسلم كان يقرأ ويسبِّح ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة، ولهذا قال في آية مريم (فخرج على قومه من المحراب) يعني الذي بُشر فيه بالولد (فأوحى إليهم) بإشارة خفيفة سريعة (أن سبحوا بكرة وعشياً) موافقة له فيما أُمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله وشكراً لله على ما أولاه، كذا قال مجاهد ووهب وقتادة (١) ، ويحتمل أنهم كانوا يصلُّون معه في محرابه هاتين الصلاتين فكان يخرج إليهم فيأذن لهم – يعني بكلام - فلما اعتُقل لسانه خرج إليهم كعادته فأذن لهم بغير كلام" (٢) .
стр. 64
ولكون الأمر في حق داود لا يقل غرابة عما كان في حق زكريا فقد استوجب هو الآخر تسبيحاً وتنزيهاً لصاحب القوى والقدر ﷻ ، وعن غرابة ما في أمره يقول سبحانه: (إنا سخرنا الجبال معه) أي جعلناها مصاحبة له منقادة ذلولاً كالجمل الأنف (يسبحن بالعشي والإشراق) .
وقد تباينت كلمة أهل العلم في شأن التسبيح في حق هذين النبيَينِ المباركين -عليهما وعلى نبينا أفضل السلام وأزكى التسليم - فارتأى بعضهم أن المراد بالتسبيح في حقهما هو التسبيح اللساني بقول (سبحان الله) ، فحملوا بذلك، الأمر على ظاهره.. والوجه فيه بمقتضى قولهم، أن العادة جارية أن كلّ من رأى أمراً عجب منه أو رأى فيه بديع صنعة أو غريب حكمة يقول (سبحان الله.. سبحان القادر المقتدر) ، وهكذا كان الأمر في حقهما فزكريا- ﵇ لما رأى حصول الولد من شيخ وعاقر، عجب من ذلك فسبح وأمر قومه بالتسبيح، وبمثل ذلك فعل داود عندما عاين الجبال تؤوب معه وتشاركه - بطريق الاقتداء به - عبادة الله تعالى وتقديسه.
стр. 65
وذهب الراسخون منهم إلى أن "المراد بالتسبيح الصلاة مجازاً بعلاقة الاشتمال، وهو المروي عن ابن عباس وقتادة وجماعة" (١) وهذا يعني أن ثمة صلاة خاصة بهم كانت تؤدى - كما سبقت الإشارة - في هذين الوقتين، بواقع ركعتين في أول النهار وركعتين في آخره، والظاهر أن هذه من بقية ما ورثوه عن إبراهيم- ﵇ ... وقد كان نبينا صلوات الله وسلامه عليه، يقتدي بهما وبه في صلاته طوال فترة بقائه بمكة قبل أن تفرض عليه الصلوات الخمس، لكونهما ولكونه داخليِن فيمن قال سبحانه في حقهم آمراً (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.. الأنعام/٩٠) ، يقول البوطي: "كان ﵇ قبل مشروعية الصلاة يصلي ركعتين صباحاً ومثليهما مساء (٢) كما كان يفعل إبراهيم ﵇ " (٣) .
стр. 66
والحق أن الأدلة التي اتكأ عليها أولئك الراسخون من غير ما ذكرنا، ترشح القول بحمل التسبيح على الصلاة، بل وترجح من كفة الذهاب إلى أن الأولين منهما يمثلان في شريعتنا ركعتي الضحى، فقد ذكروا أن تخصيص هذين الوقتين بالذكر واختصاصهما بمزيد شرف، وشدة الموافقة فيهما لقوله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار.. هود/١١٤) يصلح أن يكون سبباً لتعيينهما للصلاة والعبادة، فإن لفضيلة الأزمنة والأمكنة أثراً في فضيلة ما يقع فيهما من العبادات وهذا أصفى (١) ، ويشعر به مجيئ الأمر بالتسبيح في آية آل عمران عقب الأمر بالذكر الكثير، والتصريح فيها بقيام زكريا ﵇ في محراب الصلاة، وذلك في قوله: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب.. آل عمران/٣٩) ، وكذا قوله في آية مريم: (فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً.. /مريم١١) ، كما يشعر به تقييد الوقتين بالباء كما في آيتي آل عمران وص، أو بالظرفية كما في آية مريم، وكذا الاحتجاج على مشروعية صلاة الضحى بآية (ص) .
стр. 67
ففضلاً عما اتفق المفسرون عليه من جواز إطلاق التسبيح عليها بقولهم عنها: (سُبحة الضحى) أي صلاة الضحى، وبما روي عن عائشة في شأنها: (وإني لأسبحها) أي لأصليها (١) ، فقد ورد ما يدل صراحة على أنها هي بعينها، من ذلك ما جاء عن أم هانئ قالت: (دخل علينا رسول الله ﷺ فدعا بوَضوء فتوضأ ثم صلى الضحى، وقال يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق) (٢) ، وعن طاووس عن ابن عباس قال: هل تجدون ذكر صلاة الضحى في القرآن، قالوا: لا، فقرأ (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق) ، وقال: كان يصليها داود ﵇، وقال: (لم يزل في نفسي شيئ من صلاة الضحى حتى وجدتها في قوله: (يسبحن بالعشي والإشراق) (٣) ، وهي رواية عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء الخراساني عنه، وفي رواية أخرى عنه: ماعرفت صلاة الضحى إلابهذه الآية، وثالثة أخرجها الطبراني في الأوسط وابن مردويه عنه أيضاً قال: كنت أمر بهذه الآية (يسبحن بالعشي والإشراق) ، فما أدري ما هي حتى حدثتني أم هانئ، أن رسول الله ﷺ صلّى يوم فتح مكة صلاة الضحى ثمان ركعات.. فقال ابن عباس: ظننت ان لهذه الساعة صلاة لقوله تعالى: (يسبحن بالعشي والإشراق) ، ولأهل الأثر والحديث في صلاة الضحى كلام طويل، وقد ورد فيها كما قال الشيخ ولي الدين العراقي أحاديث كثيرة مشهورة حتى قال محمد بن جرير الطبري: إنها بلغت مبلغ التواتر ومن ذلك حديث أم هانئ الذي في الصحيحين، وكذا ما رواه أبو داود من طريق كريب عنها، أنها قالت: صلّى ﵊ سُبحة الضحى، ومسلم في كتاب الطهارة من طريق أبي مرّة عنها أيضاً، وفيه ثم
стр. 68
صلى ثماني ركعات سبحة الضحى، وابن عبد البر في التمهيد من طريق عكرمة بن خالد أنها قالت: قدم رسول الله ﷺ مكة فصلى ثمان ركعات، فقلت ما هذه الصلاة؟ قال: هذه صلاة الضحى (١) .
والزعم بأن تلك الصلاة كانت صلاة شكر من قِبَل النبي ﷺ لذلك الفتح العظيم صادفت ذلك الوقت، أو أنها كانت قضاء عما شغل به ﷺ تلك الليلة من حزبه فيها، خلافُ ظاهر الخبر السابق عنها (٢) ، وما جاء عن عائشة بنفي صلاة النبي لها حمله القائلون بالإثبات، على نفي رؤيتها ربما في بداية مشروعيتها، وذلك لما ورد عنها بعد ذلك من إثبات كما في نحو ما رواه مسلم وأحمد وابن ماجة أنها قالت: كان رسول الله- ﷺ يصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله تعالى.. وقد شهد أيضاً بأنه ﵊ كان يصليها على ما قال الحاكم، أبو ذر الغفاري وأبو سعيد وزيد بن أرقم وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وأبوالدرداء وعبد الله بن أبي أوفى وعتبان بن مالك وعتبة بن عبد السلمي ونعيم بن همام الغطفاني وأبو أمامة الباهلي وأم هانئ وأم سلمة. ومن القواعد المعروفة أن المثبِت مقدم على النافي، على أن رواية الإثبات أكثر بكثير من رواية النفي وتأويلها أهون من تأويل غيرها، وتمام الكلام في ذلك في كتب الحديث والفقه وحسبنا منه ما ذكرنا مما اقتضاه المقام (٣) .
стр. 69
والحق أن ماسيق قبلاً من أمر الصلاتين اللتين كان يؤديهما زكريا في محرابه وأمر بهما قومه، وما ذكر هنا في حق داود ﵇، وماقيل في أمر استنباط المفسرين من أنه حيث كانت صلاة لداود وقصَّت على طريق المدح عُلم منه مشروعيتها، وأنه ﵇ كان يصلي مسبحاً فيهما ... لمما يستجمع منه كيفية صلاة من كان قبلنا ويستشف من خلاله أن صلاة البكرة أو الإشراق كانت – بالإضافة إلى ركعتين أخريين وقت العصر بالعشي – مفروضة في حق الأمم السابقة، وأن ذلك أضحى شرعاً لنا حتى فرضت الصلوات الخمس، فصارت ركعتا الإشراق بعد فرض الصلوات سنة في حق هذه الأمة، وأن هذا العمل – بموجب قوله تعالى في حق نبينا: (أولئك الذين هدى الله فبهداه اقتده.. الأنعام/٩٠) ، وقوله في حق أمته: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر.. الأحزاب/٢١) ، وبموجب تقرير شرعنا لها إضافة لما خص الله هذه الأمة ونبيها به – ملزم لنا ويُعمل به.
كما يستكنه مما سبق أن ما روي في الصحيح عن عائشة من أن الصلاة فرضت ركعتين فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أُقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر (١) .. مرجح لما قلنا من أن الصلاة المفروضة في بداية الأمر – أعني قبل فرضية الصلوات الخمس، وطوال فترة بقائه ﷺ بمكة - كانت ركعتي الضحى ومثليهما بالعشي، وبعد الأمر بالخمس ليلة الإسراء أقرت الرباعية منها على حالها ركعتين ركعتين في السفر وزيدت في الحضر، وعليه فما نقل عن أبي العالية من أن الصلاتين الواجبتين في ابتداء الحال كانتا متعينتين – وتحديداً - بصلاة الصبح والعصر (٢) ، فيه نظر.
стр. 70
وهذه وإن كانت إطالة لأمر فقهي إلا أن الذي دعى إليها كثرة ما دار بين أهل التأويل من لغط حول مجازية التسبيح في الآيات التي مرت بنا، فهي إطالة استدعاها المقام والقصد منها إثبات صحة ما ارتأيناه من حمل التسبيح على المعنى المجازي له وهو الصلاة.
هذا وقد أورد الحافظ ابن كثير طرفاً مما كان عليه نبي الله داود من أمر العبادة مما يعد مَعْلماً لهذه الأمة، وزاداً لها في طريقها إلى الله، كما أفاد في تفسيره أن جوانب تعبده ﵇ لم تكن قاصرة على ما ذكرنا من صلاة ركعتين بكرة ومثليهما عشياً، ونقل عن قتادة قوله: (أُعطي داود ﵊ قوة في العبادة وفقهاً في الإسلام) ، وذكر أنه (كان يقوم ثلث الليل ويصوم نصف الدهر) وهذا ثابت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ في قوله: (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفرُّ إذا لاقى، وإنه كان أوّاباً) وهو الرَّجَّاع إلى الله في جميع أموره وشئونه (١) .
٣- ما تعلق بتسبيح الجبال وسجود الظلال:
стр. 71
وعلى نحو ما كانت دلالة التسبيح في حق نبي الله داودعليه السلام مجازية، كذا كانت دلالته في حق الجبال مجازية أيضاً، وهذا من البداهة بمكان، بلْه أن المجاز في حق داود منصرف كما قلنا إلى معنى الصلاة، لكون التسبيح جزءاً منها فهي علاقة جزئية لمجاز مرسل ... بينا هو في حق الجبال له دلالة مغايرة، فهو تجوز عن التسخير والانقياد وإن كان تسخيراً وانقيادًا يحمل معنى الطواعية على ما يدعو إليه نسق الآية ويدل عليه قوله سبحانه: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين.. فصلت/١١) ، فالفعل (يسبح) الواقع من نبي الله داودعليه السلام والموصوف به الجبال، مستخدم في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب، ومستعمل في حقهما بمعناه المجازي، وإن اختلفت دلالة المجاز فيهما كلٌّ بحسبه.
ونظير هذا في الحمل على المجاز والقول به جعل التسبيح بمعنى الترجيع، فإن التأويب (١) الذي جاء مرادفاً للتسبيح هو في اللغة بمعنى الترجيع وترديد الصوت، وعليه فتكون الجبال الشامخات قد أمرت من قِبَل القادر المقتدر سبحانه أن تُرجِّع معه وتجيبه بأصواتها وتسبح تبعاً له واقتداءً به، ويكون المراد من الآية، الإخبار بـ"أنه تعالى سخر الجبال معه عند إشراق الشمس وآخر النهار، كما قال (ياجبال أوبي معه والطير.. سبأ/١٠) " (٢) ، "وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه إذا مر به الطير وهو سابح في الهواء فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور، لايستطيع الذهاب بل يقف في الهواء ويسبح معه" (٣) .
стр. 72
وأغرب صاحب (الجُمَل) حين جعل التسبيح مجازاً عن السير، أي أنها كانت تسير إلى حيث يريد فيكون قد جعل السير تسبيحاً للدلالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته، أوعلى اعتبار أن (يسبحن) من السباحة فيكون المعنى: سيري معه بالنهار كله (١) ، فإن هذا وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة على اعتبار أن التأويب سير النهار كله، والسّرى سير الليل كله، إلا أن السياق في الآية لايساعده، وأغرق في الإغراب من ذكر أن التسبيح في حق الجبال إنما هو تقديس بلسان الحال! إذ لا اختصاص بتسبيحهن الحالي بالوقتين، وكذا لا اختصاص له حينئذ بكونه معه، كما أن التقييد بالوقتين المذكورين يأباه (٢) .
ونظير ذلك في الغرابة جعْل التسبيح للجبال مجازاً عن الفيئ، فإن هذا المعنى لايسوغ بحال جعله مجازاً عن التسبيح وإن استقام جعله مجازاً عن السجود، وليس هذا الأخير قاصراً على الجبال بل يعمها وغيرها مما يتأتى أن يكون له فيئٌ أو ظلّ، لذا جاء التعبير به في قوله تعالى: (ألم ترأن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب.. الحج/١٨) . يقول أبو العالية فيما نقله عنه الحافظ ابن كثير: "ما في السماء نجم ولا شجر ولا قمر إلا يقع لله ساجداً حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه، وأما الجبال والشجر فسجودهما بفيئِ ظلالهما عن اليمين والشمائل" (٣) .
والحاصل أن السجود للجبال يصح جعله مجازاً عن الفيئ، لأنه لاوجه فيه للاختصاص لكونه واقعاً منها ومن غيرها على كل حال، أما التسبيح الذي خُصّت به مع داوود فله وجه آخر هو ما ذكرناه آنفا واستقر عليه أمرنا.
стр. 73
وفي التعبير بالمضارع (يسبحن) في حقهن والعدول به عن (مسَبِّحات) مع أن الأصل في الحال الإفراد، دلالة على تجدد التسبيح حالاً بعد حال، نظير ما وقع في قول الأعشى:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة إلى ضوء نار في يفاع تحرق
فلصيغة الفعل خصوصية في الدلالة على حدوثه، ولا كذلك اسم الفاعل (١) .
ويجئ التعبير بالظرف في قوله تعالى: (إنا سخرنا الجبال معه) متناغماً مع السياق وكاشفاً عن عظمة الله وتفرده بالخلق والإيجاد، ومسوقاً مساق التعليل لقوة داود ﵇ في الدين وأوابيته إلى مرضاته جل في علاه، ومؤكداً في الوقت ذاته على مدى المشاركة في تأدية هذه المهمة الجليلة، مهمة التنزيه والتقديس لقيوم السموات والأرض.
والشيئ بالشيئ يذكر فإن المتأمل لآية الرعد: (وله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال.. الرعد/١٥) ، يجد مصداق مابين أيدينا، فقد خُص فيئ الظلال - بما فيها ظلال الجبال - بالسجود دون التسبيح لكونه الأدوم والأبقى ولأنه الأظهر، لذا ساغ جعله - أعني السجود- مجازاً عن الفيئ، قال مجاهد: "سجود كل شئ فيؤه وذكر الجبال فقال: سجودها فيؤها" (٢) .
стр. 74
ولعدم اختصاص أهل الكفر بسجود ظلالهم بالغدو والآصال، تنوزع في حمل المعنى في آية الرعد على الحقيقة أو المجاز بما لم يتنازع عليه في حمل تسبيح الجبال على المجاز في آية ص، حتى ذهب بعضهم إلى القول بالجمع في آية الرعد بين الحقيقة والمجاز، وعلق أبو السعود على ذلك بالقول بأنه "لايخفى ما في الشقوق من النظر" (١) ، ومنشأ النزاع يكمن في ضمير (ظلالهم) العائد ـ كما يفيده السياق في الآية - على الكفار والتعبير عن سجودها بقوله: (كرهاً) ، أمر مستغرب إذ أنى لظلالهم أن تُخص بالسجود ويتحقق فيها معنى الانقياد وأصحابها أصلاً لا يتأتى منهم سجود قط؟ وأنى لمن هذا حالهم أن يجعلوا في مقابلة من عناهم سبحانه بقوله: (ولله يسجد من السموات والأرض) وهو شامل ـ بالطبع ـ لمن أتوه طوعاً من الملائكة وصالحي الإنس والجن وهم الذين يتصور منهم السجود على جهة الحقيقة؟.
فمن قائل ممن حمل المعنى على ظاهر معناه، إن المراد حقيقة السجود فإن الكفرة حالة الاضطرار يخصونه سبحانه بالسجود كما جاء في قوله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين.. العنكبوت/٦٥) ، ومن قائل بجواز أن يخلق الله في الظلال أفهاماً وعقولاً تسجد بها لله كما خلقها للجبال حين اشتغلت بالتسبيح وظهر فيها آثار التجلي كذا ذكره ابن الأنباري، ومن قائل: إنه عبر بالطوع عن سجود الملائكة ﵈ والمؤمنين، وبالكره عن سجود من ضمه السيف إلى الإسلام فراح يسجد لله نفاقاً.
стр. 75
بيد أن هذه الأقوال جميعاً يعكر صفوها مساقُ الآية، فهي تنبئ بأن العالم كله مقهور لله خاضع لما أراده منه، مقصور على مشيئته لايكون منه إلا ما قدر، وأن الذين يعبدون غيره ويقصدون سواه كائنا من كانوا داخلين تحت القهر، ويدل على هذا تشريك ظلالهم في السجود، وهي ليست أشخاصاً يتصور منها السجود بالهيئة المخصوصة، ولكنها داخلة تحت مشيئته تعالى في الإمداد والتقلص والفيئ والزوال فهو يصرفها حسبما أراد، كما قال: (أولم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله.. النحل/٤٨) ، غاية ما هنالك أن في ذكرها إشعار بأنها بريئة منهم ومن فعالهم القبيحة، وفي ذلك إعلام على عظمة الخالق جلّ وعلا الذي دانت له المخلوقات بأسرها وخضع له كل شيئ.
كما يعكر صفو القول باختصاص سجود الكافر حال الضرورة والشدة لله سبحانه أن ذلك لا يجدي، فإن سجوده للصنم حال الاختيار والرخاء مخل بالقصر المستفاد من تقديم الجار والمجرور في قوله: (وله يسجد من في السموات والأرض.. الرعد/١٥) ، وقوله: (ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة.. النحل/٤٩) ، ويلحق بالكافر فيما ذكرنا المنافق الذي لم يخلص في سجوده لله، كذا يعكر صفو القول بأن الله يخلق في الظلال أفهاماً وعقولاً تدرك معنى السجود وتفعله، وقياسها في ذلك على الجبال، أن الجبال يمكن أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة أما الظلّ فعَرضٌ لايتصور قيام الحياة به، وإنما يكون سجوده بميله من جانب إلى جانب واختلاف أحواله ـ سيما في الوقتين اللذين يظهر فيهما ذلك بوضوح ـ كما أراد سبحانه.