قال: بلى محمد بن واسع، وحسان بن أبي سنان، ومالك بن دينار الذي يمشي في الناس بمثل زهد أبي ذر في زمانه. قال جعفر: ولو كان مالك في بني إسرائيل كان ينبغي أن يتحدث بحديثه.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، قال: سمعت مالك بن دينار يقول في دعائه: اللهم أقبل بقلوبنا إليك حتى نعرفك حسنًا، وحتى نرعى عهدك حسنًا، وحتى نحفظ وصيتك حسنًا، اللهم سومنا سيما الإيمان، وألبسنا لباس التقوى، اللهم نتوب إليك قبل الممات، ونلقي بالسلام قبل اللزام، اللهم انظر إلينا منك نظرة تجمع لنا بها الخير كله، خير الدنيا وخير الآخرة. ثم يقف مالك عن كلامه فيقول: أتحسبون أني أعني خير الدنيا الدينار والدرهم؟ إنما أعني العمل الصالح حتى ألقاك يوم ألقاك وأنت عني راض، رغبة ورهبة إليك، يا إله السماء وإله الأرض. قال: ثم يبكي بكاءً خفيفا، فنبكي معه ﵀.
"الزهد" ص ٣٩٢
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، قال: كانت الغيوم تجيء وتذهب ولا تمطر، فيقول مالك: أنتم تستبطئون المطر، وأنا أستبطئ الحجارة، إن لم تمطر حجارة فنحن بخير.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا المغيرة ابن حبيب قال: تعاهدت مالكا ذات ليلة، فجئت وقد لبست وطيفة في ليالي الشتاء، قال: فطرحت نفسي على باب البيت، قال: فدخل مالك فاستقبل القبلة وأخذ بلحيته، وجعل يقول: يا رب، إذا جمعت الأولين والآخرين فحرم شيبة مالك على النار.
"الزهد" ص ٣٩٣
стр. 562
٤٢٥ - ما جاء في زهد عبد اللَّه بن غالب وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا مالك بن دينار قال: سمعت عبد اللَّه بن غالب الحذاء يقول في دعائه: اللهم إنا نشكو إليك سفه أحلامنا، ونقص علمنا، واقتراب آجالنا، وذهاب الصالحين منا، قال مالك: وكان يوجد من قبره ريح المسك، فانطلقت فأخذت منه في جرابي، فلم أزل أشم منه ريح المسك.
"الزهد" ص ٣٠٢
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا هارون، حدثنا ضمرة، عن السري بن يحيى، قال: قال عبد اللَّه بن غالب: لقد ذهب الطاعون الجارف ببني وما شبعت من حديثهم، أما النهار فكما ترون -قال: وكان يصلي فيما بين الظهر والعصر، وما بين المغرب والعشاء يسبح تسبيحا كثيرا دائما- وأما الليل فأقول: الحقوا بأمكم.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا سلام بن مسكين، قال: لقي الحسنُ عبدَ اللَّه بن غالب، قال: فقال له الحسن: لو رفقت. قال: فقال: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] فقام ثم خرّ فسجد.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سليمان، حدثنا قريش بن حيان العجلي، عن مالك بن دينار، قال: مررنا بعبد اللَّه بن غالب في يوم فطر فأخرج سكرًا، فأعطى كل رجل منا سكرةً فأكلها، ثم غدونا.
"الزهد" ص ٣٠٣
стр. 563
٤٢٦ - ما جاء في زهد عطاء الخراساني وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثني الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جابر قال: كنا نغازي مع عطاء الخراساني، وكان يحيي الليل صلاة، فإذا ذهب من الليل ثلثه أو نصفه نادى وهو في فسطاطه نداء يسمعنا: يا عبد الرحمن بن يزيد، ويا يزيد بن يزيد، يا هشام بن الغاز، ويا فلان بن فلان قوموا فتوضئوا وصلوا، قيام هذا الليل وصيام هذا النهار أيسر من شراب الصديد ومقطعات الحديد، الوحاء ثم الوحاء، ثم يقبل على صلاته.
"الزهد" ص ٤٥٧ - ٤٥٨
٤٢٧ - ما جاء في زهد ابن جريج وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرزاق قال: أهل مكة يقولون: أخذ ابن جريج الصلاة من عطاء، وأخذها عطاء من ابن الزبير، وأخذها ابن الزبير من أبي بكر ﵁، وأخذها أبو بكر من النبي ﷺ ، قال عبد الرزاق: ما رأيت أحدًا أحسن صلاة من ابن جريج.
"الزهد" ص ٢٣٣
٤٢٨ - ما جاء في زهد محمد بن النضر وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، أخبرنا حسن بن الربيع، حدثني عبثر أبو زبيد قال: اختفى عندي محمد بن النضر أربعين يومًا، فما رأيته نائمًا؛ ليلًا ولا نهارًا.
"الزهد" ص ١٠٨
стр. 564
٤٢٩ - ما جاء في زهد عبد اللَّه بن عون وأخباره
قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه وذكر ابن عون، فقال: كان لا يكري دوره من المسلمين. قلت: لأي علة؟ قال: لئلا يروعهم.
قال: وكان لابن عون جمل يستقي الماء؛ فإذا غلام ابن عون قد ضرب الجمل، فذهب بعينه، فجاء الغلام وقد أرعب، فظن أنهم قد شكوه، فلما رآه قد أرعب قال: اذهب فأنت حر لوجه اللَّه.
"أخبار الشيوخ وأخلاقهم" (٣٦٤)، "الورع" (٢٦٩)
٤٣٠ - ما جاء في زهد الأسود بن كلثوم وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ابن علية، أخبرني سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال قال: كان منا رجل -يقال له: الأسود بن كلثوم- وكان إذا مشى لا يجاوز بصره قدمه، وكان يمر وفي الجدر يومئذ قصر بالنسوة، ولعل إحداهن تكون واضعة -يعني: ثوبها أو خمارها- فإذا رأينه راعهن، ثم يقلن: كلا، إنه أسود بن كلثوم. فلما قرب غازيًا، قال: اللهم إن نفسي هذِه تزعم في الرخاء أنها تحب لقاءك، فإن كانت صادقة فارزقها ذلك وإن كانت كارهة، قال إسماعيل: فاحملها عليه، وقال مرة: فارزقها ذلك وإن كرهت، وأطعم لحمي سباعا وطيرًا، فانطلق في جبل فدخلوا حائطًا، فنذر بهم العدو، فجاءوا فأخذوا بثلمة في الحائط، فنزل الأسود عن فرس فضربها حتى غارت فخرجت، وأتى الماء ثم توضأ وصلى، قال: يقول العجم: هكذا استسلام العرب إذا استسلموا. ثم تقدم فقاتل حتى قتل ﵀، قال: فمر عظم الجيش
стр. 565
بعد ذلك بذلك الحائط، فقيل لأخيه: لو دخلت فنظرت ما بقي من عظام أخيك ولحمه، قال: لا، دعا أخي بدعاء فأستجيب له، فلست أعرض في شيء من ذلك.
"الزهد" ص ٢٥٦
٤٣١ - ما جاء في زهد وهيب بن الورد وأخباره
نقل المروذي عنه: قال: سمعت ابن المبارك يقول: ما جلست إلى أحد كان أنفع لي من مجالسة وهيب، وكان لا يأكل من الفواكه، وإذا انقضت السنة وذهبت الفواكه، يكشف عن بطنه، وينظر إليها ويقول: يا وهيب! ما أرى بك بأسًا، ما أرى تركك للفواكه ضرك شيئًا.
سمعت أبا عبد اللَّه يقول، وذكر وهيب بن الورد، فقال: قد كلمه ابن المبارك فيما يجيء من مصر، وإنما أراد ابن المبارك أن يسهل عليه، ولم يدر أنه يشدد عليه، وكان لا يأكل مما يجيء من مصر إلا الزيت.
قال: سمعت محمد بن حبيس -خادم وُهيب- يقول: كلم إبراهيم بن أدهم وهيبًا فيما يجيء من مصر. قال: فحال الناس بين إبراهيم وبين وهيب من أن يسمع كلامه، قال أبو بكر بن خلاد: فقيل لابن حبيس: لو سمع كلامه أيش ترى كان يصنع؟ قال: كان -واللَّه- لا يأكل إلا زبيب الطائف، يقتصر عليه حتى يلقى اللَّه .
"الورع" (٣١٦ - ٣١٨)
٤٣٢ - ما جاء في زهد مالك بن مغول وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد اللَّه بن إدريس قال: سمعت مالكًا -يعني: ابن مغول- قال: سئل مرة ما بقي من صلاتك؟ وكان قد كبر، قال:
стр. 566
الشطر خمسون ومائتا ركعة.
"الزهد" ص ٤١٨
٤٣٣ - ما جاء في زهد عبد اللَّه بن المبارك وأخباره
قال المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: كان عندي مولى لابن المبارك، فذكر عن ابن المبارك، قال: الأمر ما كان عليه داود الطائي.
قال المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه، وذكر ورع ابن المبارك؛ فقال: إنما رفعه اللَّه بمثل هذا.
"الورع" (٢١ - ٢٢)
قال المروذي: وذكر أبو عبد اللَّه يومًا ابن المبارك؛ فقال: ما رفعه اللَّه إلا بخشية كانت له، ما أخرجت خراسان مثل ابن المبارك، ولا بعد ابن المبارك مثل يحيى بن يحيى.
قال المروذي: سمعت سلمة بن سليمان المروزي، يقرأ علينا كتاب عبد اللَّه. فقالوا له: قلُ: ابن المبارك. فقال سلمة: إذا قيل بمكة: عبد اللَّه، فهو ابن عباس. وإذا قيل بالمدينة: عبد اللَّه، فهو ابن عمر. وإذا قيل بالكوفة: عبد اللَّه، فهو ابن المبارك.
قال المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: كان أبو تميلة يقول: هذا الشعر في ابن المبارك:
كنت فخرًا لمرو فصـ ... ـارت مرو كسائر البلدان
هذا معنى ما نظمه أبو تميلة، إلا لفظه.
"الورع" (٣٩٣ - ٣٩٥)
قال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: قد قيل لابن المبارك: كيف يُعرف العالم الصادق؟ فقال: الذي يزهد في الدنيا، ويُقبل على أمر آخرته.
стр. 567
فقال أبو عبد اللَّه: نعم، هكذا يريد أن يكون.
"الورع" (٤٠٠)
قال المروذي: وحدثنا القاسم بنُ محمد قال: سمعتُ إسحاق بن راهويه يقول: كنت صاحب رأي، فلما أردتُ أن أخرج إلى الحج، عمدتُ إلى كُتب عبد اللَّه بن المبارك، واستخرجتُ منها ما يوافق رأي أبي حنيفة من الأحاديث، فبلغت نحوًا من ثلاثمائة حديث.
فقلت: أسأل عنها مشايخ عبد اللَّه، الذين هم بالحجاز والعراق، وأنا أظن أن ليس يجترئ أحد أن يخالف أبا حنيفة، فلما قدمت البصرة، جلستُ إلى عبد الرحمن بن مهدي، فقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من أهل مرو. قال: فترحم على ابن المبارك، وكان شديد الحبّ له.
فقال: هل معك مرثية رثي بها عبد اللَّه؟
فقلت: نعم.
فأنشدته قول أبي تُميلة يحيى بن واضح الأنصاري:
طرق الناعيان إذ نبهاني ... بقطيع من قادح الحدثان
قلت للناعيات: من تنعيان؟ ... قالا: أبا عبد ربِنّا الرحمان
فأثار الذي أتاني حزنًا ... وفؤاد المصاب ذو أحزان
ثم فاضت عيناي وجدًا وشجوًا ... بدموع تحادر الهطلان
стр. 568
فلئن كانت القلوب تبكي ... لقلوب الثقات من إخوان
قد تبكيه بالدماء وفي الأجـ ... ـواف لذع كحرقة النيران
لتقيٍّ مضى فريدًا حميدًا ... مالَهُ في الرجالِ إن عُدَّ ثان
يا خليلي يا ابن المبارك عبد اللـ ... ـهَ خليتنا لهذا الزمان
حين ودعتنا فأصبحت محمو ... دًا حليف الحنوط والأكفان
قدس اللَّه مضجعًا أنت فيه ... وتلقاك فيه بالرضوان
أرض هيت فازت بك الدهر إذ ... صرت غريبًا بها عن الإخوان
لا قريب بها ولا مؤنس يؤ ... نس إلا التُّقى مع الإيمان
ولمرو قد كنت فخرًا فصارت ... أرض مرو كسائر البلدان
أوحَشَتْ بعدكم مجالس علمٍ ... حين غاب الريس اللهفان
لهف نفسي عليك لهفًا بك الدْ ... هر وفجعًا لفاجع لهفان
стр. 569
يا قريع القراء والسابق الأ ... وَل يوم الرهان عند الرهان
ومقيم الصلاة والقائم الـ ... ـلَيل إذ نام راهب الرهبان
ومؤاتي الزكاة والصدقات الـ ... ـدهر في السر منك والإعلان
صائم في هواجر الصيف يومًا ... قد يضر الصيام بالضمّان
دائبًا في الجهاد والحج والعمـ ... ـرة يتلو منزَّل القرآن
دائمًا لا يمله يطلب الفوْ ... ز وليس المُجِدُّ كالمتوان
عين فابكيه حين غاب بواكيـ ... ـه بهاطل وساكب السيلان
إن ذكرناك ساعة قط إلا ... هاج حزني وضاق عني مكاني
ولعمري لئن جزعت على فقـ ... ـدك إني لموجع ذو استكان
خافق القلب ذاهب الذهن عبـ ... ـد اللَّهِ أهذي كالواله الحيران
أتلوى مثل السليم لديغ الرْ ... قش قد مس جلده النابان
стр. 570
بدلًا كنت من أخي العلم سفيا ... ن ويوم الوداع من سفيان
كنت للسر موضعًا ليس يخشى ... منك إظهار سره الكتمان
وبرأي النعمان كنت بصيرًا ... حين تبغى مقايس النعمان
قال: فما زال ابن مهدي يبكي، وأنا أنشده حتى إذا ما قلت:
وبرأي النعمان كنت بصيرًا.
قال لي: اسكت، قد أفسدت القصيدة. قلت: إن بعد هذا أبياتًا حسانًا.
فقال: دعها، تذكر رواية عبد اللَّه عن أبي حنيفة في مناقبه؟ ! ما تُعرف له زلة بأرض العراق، إلا روايته عن أبي حنيفة، ولوددتُ أنه لم يرو عنه، وأني كنت أفتدي ذلك بعظم مالي.
فقلت: يا أبا سعيد! لم تحمل على أبي حنيفة كل هذا! لأجل هذا القول: إنه كان يتكلم بالرأي، فقد كان مالك بن أنس، والأوزاعي، وسفيان يتكلمون بالرأي!
فقال: تقرن أبا حنيفة إلى هؤلاء! ما أشبه أبا حنيفة في العلم إلا بناقة شاردة فاردة ترعى في واد خصب، والإبل كُلها في واد آخر.
قال إسحاق: ثم نظرتُ بعد، فإذا الناس في أمر أبي حنيفة على خلاف ما كنا عليه بخراسان.
"الورع" (٤٠١)
стр. 571
٤٣٤ - ما جاء في زهد أيوب بن وائل الراسبي وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، أخبرت عن سيار، حدثنا مرجى بن وادع قال: قال لي أيوب بن وائل الراسبي: يا مرجى، لا تهتم للدنيا واهتم للآخرة، فإن رجلا من أصحابك أصابته حاجة شديدة، فخرج ذات ليلة فدلي عليه من السماء كيس دراهم، فسقط على كتفه فهو ينفق منه زمانا، وربما انقلب على الفراش فيوجع جنبه.
"الزهد" ص ٣٣٦ - ٣٣٧
٤٣٥ - ما جاء في زهد أيوب بن النجار وأخباره
قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه، وذكر ورع أيوب بن النجار فقال: قد كان خرج من ماله كله، قد رأيته بمكة، ومعه رشاء يستقي به من بئر زمزم.
قلت لأبي عبد اللَّه: قد قال قادم الديلمي: قيل لإبراهيم بن أدهم: ألا تشرب من زمزم؟ فقال: لو وجدت رشاء أو دلوا لاستقيت.
وقيل لوهيب بن الورد: ألا تشرب من زمزم؟ فقال: بأي دلو؟
قال أبو عبد اللَّه: ما ظننت أن وهيبًا قال هذا، ولا ظننت أن أحدًا نظر هذا غير أيوب بن النجار.
"الورع" (٦)
٤٣٦ - ما جاء في زهد يزيد بن زريع وأخباره
قال المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه، وذكر ورع يزيد بن زريع؛ فقال: قد تنزه عن ميراث أبيه (١).
سمعت عبد الوهاب يقول: سمعت أبا سليمان الأشقر -وكفاك بأبي
стр. 572
سليمان- قال: قد تنزه يزيد بن زريع عن خمسمائة ألف من ميراث أبيه، فلم يأخذه.
"الورع" (١١ - ١٢)
٤٣٧ - ما جاء في زهد داود بن يحيى بن يمان وأخباره
قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: قدم داود بن يحيى بن يمان، وأيش كان؟ ! ما كان أنسكه!
"الورع" (٣٥)
٤٣٨ - ما جاء في زهد أبي الخلال وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبيد اللَّه بن ثور، حدثتني أمي عن عمتها العيناء قالت: كان أبو الخلال فوق غرفة فيأتي بعض أبوابها، فيشرف على شق من ناحية الحي فينادي: يا فلان، ثم يقبل على الشق الآخر فينادي: يا فلان يا فلان، ثم يقبل على الشق الآخر فيقول مثله، حتى يأتي على الأركان الأربعة، قالت: ثم يقول: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] ثم يقبل على صلاته يوم مات وهو ابن عشرين ومائة سنة.
"الزهد" ص ٣١٤ - ٣١٥
٤٣٩ - ما جاء في زهد عيسى بن يونس وأخباره
قال المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه، وذكر ورع عيسى بن يونس؛ فقال: قدم، فرفع في حصن منقوب، فأمروا له بمائة ألف -أو قال: بمال- فلم يقبل. وتدري ابن كم كان عيسى؟ ! كأنه أراد به كأنه كان حدثًا.
"الورع" (٢٤)
стр. 573
٤٤٠ - ما جاء في زهد يوسف بن أسباط وأخباره
قال المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه قال: وذكر له رجل ورع يوسف بن أسباط؛ أنه كان ينزل فيما أقطعوا بطرسوس، فلما تبايعوا اعتزل يوسف بن أسباط، وكره مبايعتهم، فاستحسن أبو عبد اللَّه فعل يوسف ﵀، وكره أبو عبد اللَّه البيع، ولم ير بأسًا أن يستولي.
"الورع" (٢٥)
ونقل المروذي عنه: سمعت شعيب بن حرب يقول: وقيل له: يوسف بن أسباط من أين كان يأكل؟ فقال شعيب: البر عشرة أجزاء؛ تسعة في طلب الحلال، يوسف أحكم التسعة.
وسمع علي بن شعيب يقول: لما فارق شعيبٌ يوسف بن أسباط زوده طعامًا، فقال شعيبٌ لابنه: طعام يوسف بقوه لي، وكلوا أنتم طعامنا.
"الورع" (٢٨ - ٢٩)
٤٤١ - ما جاء في زهد سفيان بن عينية وأخباره
قال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: تعرف سعيد بن عبد الغفار؟
قال: لم أره، وقد بلغني خبره.
قلت: حكى سعيد أن ابن عيينة أعطاه درهمين يشتري له من جدة سمكًا، فلقيه ابن أخي نافع بن محرز، أو غيره، فقال له: تعرف موضعًا أشتري لسفيان سمكًا بدرهمين؟ فقال له: يا أبا سعيد، وتحمل لسفيان بضاعة! ! فتبسم أبو عبد اللَّه، وقال: ﵀.
قال أبو عبد اللَّه: اجتمعوا على سفيان، فقالوا له: لو أخبرتنا جمعنا لك. فقال لهم: وجدتم مقالًا فقولوا.
"الورع" (٢٣)
стр. 574
٤٤٢ - ما جاء في زهد شعيب بن حرب وأخباره
قال المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه، وذكر ورع شعيب بن حرب؛ فقال: لقد دقق! ليس لك أن تُطين الحائط من خارج؛ لئلا يخرج في الطريق.
سمعت ابن حرب يقول: ما احتملوا لأحد ما احتملوا لوهيب، وكان يشرب بدلوه.
"الورع" (٨)
قال المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: سمعت شعيب بن حرب يقول: سألت سفيان، قلت: قرابة لي مع هؤلاء آخذ منه مالًا مضاربة؟
فقال: ما أحب أن تكون لهم قهرمانًا.
"أخبار الشيوخ وأخلاقهم" (٢٦٢)
٤٤٣ - ما جاء في زهد أبي داود الحفري وأخباره
قال المروذي: وقال لي أبو عبد اللَّه يومًا: قد رأينا قومًا صالحين، وذكر ابن إدريس، وأبا داود الحفري، وحسينًا الجعفي، وسعيد بن عامر، فأما حسين فكان يشبه بالراهب، ما رأيت أفضل من حسين الجعفي بالكوفة، وسعيد بن عامر بالبصرة.
قال: ورأيت أبا داود الحفري، وعليه جبة خلقة، قد خرج القطن منها -بين المغرب والعشاء- يُصلي بترجيح من الجوع.
وذكر عنده سليمان وصبره على الفقر.
"الزهد" ص ٤٠٢
٤٤٤ - ما جاء في زهد محمد بن أدريس وأخباره
نقل المروذي عن الإمام أحمد: وسمعت علي بن شعيب يقول: لما قدم شعيب بن حرب على يوسف بن أسباط رأى عنده شابا يكلم
стр. 575
يوسف، ويغتاظ له، قال: ويرفع صوته. فقال شعيب: ترفع صوتك!
فقال له يوسف: يا أبا صالح! إنه محمد بن إدريس إنه يدري من أين يأكل -قال أبو عبد اللَّه: كان محمد بن إدريس رجلًا من الثغر- قال شعيب: بأبي أنت وأمي نذرت إذا رأيتك أن أحدثك.
قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه، وذكر محمد بن إدريس الذي كان بالثغر؛ فقال: كان ذلك أرجلهم، ذاك كان يأكل من الأسل -يعني: من نتفه.
ثم قال أبو عبد اللَّه: أبو يوسف الغسولي قد خلف ابن إدريس، يريد بذلك: الورع.
"الورع" (٣٠ - ٣١)
٤٤٥ - ما جاء في زهد محمد بن عبد اللَّه بن إدريس وأخباره
قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: كان محمد بن عبد اللَّه بن إدريس يؤمُّنا، وكان منقبضًا، يصلي ثم يدخل. قلت له: أجيز ابن إدريس؟ فقال له: إما أن تختارني، وإما أن تختار المال. فرد المال. فقال: أما الذي كان؛ فإنه بعث إليه بمال يفرقه، فرده ولم يقبله.
قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: كان محمد أفضل من أبيه؛ عبد اللَّه بن إدريس.
سمعت عبد الوهاب يقول: كان ابن إدريس يجري على ابنه محمد وعلى زوجته عشرة في كل شهر من قطيعة عمر بن الخطاب ﵁.
قال المروذي: قال: وقدم من الحج وأصحاب الحديث عند أبيه، فقالوا له: الحديث، إن حدثتنا وإلا شكوناك إلى محمد! فقال: أنا أحدثكم، ولا تشكوني إليه.
"الورع" (٤٦ - ٤٩)
стр. 576
٤٤٦ - ما جاء في زهد مخة أخت بشر بن الحارث وأخبارها
قال عبد اللَّه بن أحمد: كنت مع أبي في يوم من الأيام في المنزل، فدق داقٌّ الباب، قال أبي لي: اخرج فانظر من بالباب؟ قال: فخرجت فإذا امرأة قالت لي؟ استأذن لي على أبي عبد اللَّه.
قال: فاستأذنته؛ فقال: أدخلها.
قال: فدخلت، فسلمت عليه، وقالت له: يا أبا عبد اللَّه أنا امرأة أغزل بالليل في السراج، فربما طفئ السراج، فأغزل في القمر فعلي أن أبين غزل القمر من غزل السراج؟
قال: فقال لها: إن كان عندك بينهما فرق فعليك أن تبينى ذلك.
قال: قالت له: يا أبا عبد اللَّه أنين المريض شكوى؟
قال: أرجوا ألا يكون شكوى، ولكنه اشتكاء إلى اللَّه.
قال: فودعته وخرجت. قال: فقال لي: يا بني ما سمعت قط إنسانًا سأل عن مثل هذا؟ ! اتبع هذِه المرأة فانظر أين تدخل.
قال: فاتبعتها، فإذا قد دخلت إلى بيت بشر بن الحارث، وإذا هي أخته.
قال: فرجعت فقلت له؛ فقال: محال أن تكون مثل هذِه إلا أخت بشر.
"تاريخ بغداد" ١٤/ ٤٣٦ - ٤٣٧، "بحر الدم" (١٢٨٤).
وقال عبد اللَّه: جاءت مخة أخت بشر إلى أبي، فقالت له: إني امرأة رأس مالي دانقين، أشتري القطن، فأردنه، فأبيعه بنصف، فأتقوت بدانق من الجمعة إلى الجمعة، فمر ابن طاهر الطائف، ومعه مشعل، فوقف يكلم أصحاب المصالح، فاستغنمت ضوء المشعل، فغزلت طاقات، ثم غاب عني المشعل، فعلمت أن للَّه فيَّ مطالبة، فخلصني خلصك اللَّه.
стр. 577
فقال لها: تخرجين الدانقين، ثم تبقين بلا رأس مال حتى يعوضك اللَّه خيرًا.
قال عبد اللَّه: فقلت لأبي: يا أبه، لو قلت لها: لو أخرجت الغزل الذي أدركت فيه الطاقات! فقال: يا بني سؤالها لا يحتمل التأويل.
ثم قال: من هذِه؟
قلت: مخة أخت بشر بن الحارث. فقال: من ههنا أتيت.
"تاريخ بغداد" ١٤/ ٤٣٧، "بحر الدم" (١٢٨٤)
٤٤٧ - ما جاء في زهد بشر بن الحارث الحافي وأخباره
قال أبو بكر المروذي: قال أبو عبد اللَّه: وسمعت أبا صالح بن مشكان يقول: قال لي جعفر بن أبي خالد: أقرئ بشر بن الحارث مني السلام، قال: فقال لي: قل له: إنك ثقيل فتخفف -يعني: من الذنوب.
قال أبو بكر: قلت لأبي عبد اللَّه: أرويه عنك، فأجازه.
"الورع" (٤٣)
قال المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه وذكر بشر بن الحارث؛ فقال: لقد كان فيه أُنس، وما كلمته قط.
"الورع" (٢٣٥)
قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: وذكر بشر بن الحارث؛ فقال: ﵀، لقد كان فيه أُنس، وذكر له شيء من أمر الورع.
قال: فقال: يُسأل عن مثل هذا بشر لو كان حيا كان موضعًا لهذا، هذا موضع بشر، وأنا لا ينبغي لي أن أتكلم في هذا.
"الورع" (٢٦٨)
قال المروذي: وقال لي أبو عبد اللَّه: بشر بن الحارث كان يأكل من غلة بغداد؟
стр. 578
قلت: لا، هو كان ينكر على من يأكل.
فقال: إنما قوي بشر؛ لأنه كان وحده، لم يكن له عيال، ليس من كان معيلًا كمن كان وحده، لو كان إليّ ما باليت ما أكلت.
"الورع" (٣١١ - ٣٢٠)
٤٤٨ - ما جاء في زهد عطاء بن محمد الحراني وأخباره
قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه، وذكر ورع عطاء بن محمد الحراني، فذكر من ورعه، قال: كان إذا قدم مكة حمل معه أحمال طعام، وقال: لا أنافس أهل مكة في سعرهم. وكان يتأول هذِه الآية: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
قال أبو عبد اللَّه: ما بلغني عن أحد أنه نظر في هذا غير هذا.
"الورع" (٥)
٤٤٩ - ما جاء في زهد محمد بن الضحاك وأخباره
قال المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول، وذكر محمد بن الضحاك صاحب بشر بن الحارث؛ فقال: كان أبوه الضحاك شيخًا سليمًا، قد كتب عن إسرائيل، وكان يعلم بني محمد، وكان إذا ذهب حمل إداوة فيها ماء. ثم قال أبو عبد اللَّه: هو يأخذ منهم، ولا يرى أن يشرب من مائهم، وجعل يعجب من سلامته.
"أخبار الشيوخ وأخلاقهم" (٢٣٠)
стр. 579
مدونة الحنابلة (١)
الجامع لعلوم الإمام أحمد
تأليف
خالد الرباط - سيد عزت عيد
(بمشاركة الباحثين بدار الفلاح)
«ملاحق وفهارس»
[المجلد الحادي والعشرون]
стр. 580
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة لدار الْفَلاح وَلَا يجوز نشر هَذَا الْكتاب بِأَيّ صِيغَة أَو تَصْوِيره PDF إِلَّا بِإِذن خطي من صَاحب الدَّار الْأُسْتَاذ/ خَالِد الرِّبَاط
الطبعة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
رقم الْإِيدَاع بدار الْكتب
١٩١٩٤/ ٢٠٠٩
دَار الْفَلاح للبحث العلمي وَتَحْقِيق التراث
١٨ شَارِع أحمس - حَيّ الجامعة - الفيوم
ت: ٠١٠٠٠٠٥٩٢٠٠
Kh_rbat@hotmail.com
стр. 581
الْجَامِعُ لِعُلوْم الإِمَامِ أَحْمد
[٢١]
стр. 582
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 583
أخطاء طباعية واستدراكات
لوحظ الأخطاء الآتية في "الجامع لعلوم الإمام" بعد الطباعة (*)