← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر وأعن (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا) وجعله قيماً لإقامة أود ذوي الألباب، فلا ترى فيه عوجاً، لا يحوم حول معانيه سوى الاستقامة، لأنها من الكلمات التامات، ولا ينزل بساحته الاعوجاج، إذ هو من المعجزات الباهرات، آياته صادعة وبيناته ساطعة، وزواجره وازعة، وزواخره فارعة، فكما لا يقف على إدراك بلاغته إلا الذوق، لا يسع كنه معرفة معانيه نطاق الطوق، أصفى مشارع موارده عن لوث الحدوث، ووصمه الانصرام، كما حمى شوارع مصادره أن تنعت بما ينمى إلى الانعدام، فما هو إلا من صفات مخترع الكائنات، ونعوت مبدع الأرض والسماوات، منشئ الأحياء ومنشر الأموات. أحمده على سوابغ نعمه حمداً يبلغ رضاه، وأسأله الصلاة والسلام على خير خلقه، محمد نبيه ومصطفاه، الخاتم لما سبق، والفاتح لما انغلق، دافع جيشات الأباطيل، قامع صولات الأضاليل، وعلى آله وأصحابه الكرام البهاليل.

стр. 2

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أما بعد، فإن كتاب الله المجيد هو قانون الأصول الدينية، ودستور الأحكام الشرعية، وهو المختص من بين سائر الكتب السماوية بصفة البلاغة، التي تقطعت عليها أعناق العتاق، وونت عنها خطى الجياد في السباق. والموفق من العلماء الأعلام، وأنصار ملة الإسلام من كانت مطامح نظره، ومسارح فكره، الجهات التي تضمنت لطائف النكت المكنونة، واشتملت على أسرار المعاني المصونة، فلم يوفق لتصنيف أجمع لتلك الدقائق، وتأليف أنفع لدرك تلك الحقائق، وأكشف للقناع عن وجه إعجاز التنزيل، وأعون في مداحض الكلام على تعاطي التفسير والتأويل إلا الحبر الهمام: أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، شكر الله سعيه؛ إذ مصنفه: "الكشاف عن حقائق التنزيل"، مصنف لا يخفى مقداره، ولا يشق

стр. 3

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ غباره. اتضح بيانه، وأضاء برهانه، وعمت أضواؤه، وانجلت سماؤه، تغرق الأفكار في بحار عباراته، ولا تنتهي الأوهام إلى ساحل إشاراته، هزت أريحية الفضل من أعطاف الفضلاء، لاعتلاء ذروته الشامخة، وابتغاء غاياته الباذخة، فكل غاص في تياره لاستخراج درر معان أبهج من نيل الأماني في ظل صحة وأمان، فإن من أراد عظيماً خاطر بعظيمته، ومن رام جسيماً راهن بكريمته، ومن هاب خاب، ومن أحجم أخفق. فقد استخرت الله- مع قلة البضاعة، وقصور الباع في الصناعة- لتصدي شرح مجمله، وحل معضله، وتلخيص مشكله، وتخليص مبهمه، وفسر عويصه، وفك عقوده الموربة، وتبين قيوده المكربة، وانتهاض إحراز قصبات عيون التفاسير، للعلماء النحارير، وخلاصة أفكار المحققين، ونقاوة أنظار المتبحرين، المتقدمين منهم والمتأخرين، لتسهيل وعره، وتيسير صعبه، بعد تتبع مظان العلمين المختصين بالقرآن آونة من الأزمان، والإتقان على الأساليب البديعية، والأفانين البيانية، وتحصيل غرائب اللغة ما لا يكاد إحصاء، ولطائف الإعراب ما لا يضبط إملاء، وعلى نكات علم أصول الدين: فقهه وكلامه، واستنباط فروعه وأحكامه، ولم آل جهداً في جهات المنقول استناداً إلى الأصول، وانتساب القراءات المشهورة

стр. 4

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والشاذة، وبيان وجوهها، وكشف ستورها. هذا: وإن أصعب السبل تقييد القيود المبهمة؛ فإنه بلغ في الغموض وراء حد حل الإلغاز. وهو الذي يعجز الناظر فيه كل الإعجاز. ولم أقتصر على ذلك، بل جمعت معارضات عظماء الشرق، ومناقضات فضلاء الغرب، وتجنبت التعصب في الرد إلا فيما لم يساعد عليه النص القاهر، والنظم الباهر. وعثرت بعد طول المباحثات على أن معرفة إبراز النظم هي أعظم المطالب، وأسنى المقاصد والمآرب، فإنها مسبار البلاغة، ومعيار البراعة؛ إذ بها تنتقد الأقاويل، ويرجح تأويل على تأويل. ثم إن تر خللاً فانسبه إلى الونى والقصور، وإن تعثر على ما تقر به العين فأحله إلى فيضان النور من جناب سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين ﷺ ؛ فإني رأيت- والله الواهب- فيما يرى النائم في أثناء الشروع أو قبيله أنه ﷺ ناولني قدحاً من اللبن وأشار إلي، فأصبت منه، ثم ناولته صلوات الله عليه وسلامه فأصاب منه، وسميت الكتاب بـ: "فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب" وبالله أستعين على ما نويته واعتقدته، وأستعيذ من الزلل فيما نحوته واعتمدته.

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذكر ما يحتاج إلى الكشف من غرائب الخطبة ونكتها إجمالاً وتفصيلاً: أما الإجمال، فإنه ضمنها جميع ما هو مفتقر إليه من المباحث التي تتعلق بالقرآن المجيد براعة للاستهلال: ساق الكلام أولاً في بيان الإنزال والتنزيل، والترتيب والتأليف، والتمييز والتفصيل، والمحكم والمتشابه، بحيث لزم منه ما قصده من بيان المذهب والقول بحدوثه. فلما قضى من ذلك وطره ثنى بذكر منافعه ديناً ودنيا، وثلث في بيان إعجازه وكيفية التحدي به، وكمية المتحدى به، ومن تحدى معه، وربع في بيان اشتماله على النكت واللطائف، ومدح مستخرجها، وذم من تقاعد عنها، إلى غير ذلك. وأما على التفصيل فقوله: (الحمد لله) قال الواحدي: "الحمد قد يكون شكراً للصنيعة، وقد يكون ابتداء الثناء على الرجل. يقال: حمدته على معروفه، وحمدته على علمه وشجاعته".

стр. 6

الذي أنزل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجوهري: "الحمد نقيض الذم، وهو أعم من الشكر. والشكر: الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف" فيقال: ما الحمد إذاً؟ أهو اللفظ المشترك بين المفهومين، أم هو اللفظ الموضوع للثناء المطلق كالمتواطئ، أم هو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر؟ . قال المصنف في "أساس البلاغة": "حمدت الله ومجدته، وأحمد الرجل: جاء بما يحمد عليه، ضد أذم. ومن المجاز: أحمدت صنيعه، وجاورته فأحمدت جواره". فتعين القسم الأخير، وسيجيء تمام تحقيقه في "الفاتحة". قوله: "الذي هو وصلة إلى وصف المعارف بالجمل". وحق الجملة أن تكون معلومة الانتساب عند المخاطب. وإنزال القرآن على ما وصفه. وفائدة إيراده هكذا: إما للنداء على الجميل بما فيه من صفة الكمال، وهي: التكلم بالكلام البليغ الذي بذ بلاغة كل ناطق، وشق غبار كل سابق. وإما للثناء عليه بما أولى عباده هذه النعمة الجسيمة التي هي مفتاح للمنافع الدينية والدنياوية. قوله: (أنزل)، الأساس: "نزل بالمكان، ونزل من علو إلى سفل، وأنزل الكتاب ونزله. ومن المجاز: نزل به مكروه، وأنزلت حاجتي على كريم".

стр. 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإمام والقاضي: "الإنزال عبارة عن تحريك الشيء من الأعلى إلى الأسفل، وذلك لا يتحقق في الكلام؛ وإنما لحقه بتوسط لحوقه الذات الحاملة له، فوصف بصفة حامله لالتباسه به. ويقال: نزلت رسالة الأمير من القصر، وإنما نزل المستمع بها وأداها إلى الناس، وقول الأمير لا يفارق ذاته. ولعل نزول الكتب الإلهية على الرسل عليهم الصلاة والسلام بأن يتلقفه الملك من الله تعالى تلقفاً روحانياً، أو يحفظه من اللوح المحفوظ، فينزل به على الرسول ﷺ ويلقنه". وأما كيفية تلقي الرسول ﷺ [من الملك، فما رويناه عن عائشة ﵂: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : ] "أحياناً يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني، فأعي ما يقول". أخرجه البخاري، ومسلم، ومالك، والترمذي، والنسائي.

стр. 8

القرآن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (القرآن)، القرآن لغة: الجمع، تقول: قرأت الشيء قرآناً، إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض. أبو عبيدة: "سمي قرآناً لأنه يجمع السور فيضمها". وسمي المقروء قرآناً كما سمي المكتوب كتاباً. واصطلاحاً: هو الكلام المنزل على محمد صلوات الله عليه وسلامه، للإعجاز بسورة منه. قيل: هذا حد الشيء بما هو أخفى منه، وبما تتوقف معرفته على معرفته. وأجيب بأن قوله: "بسورة منه" ليس قيداً للفصل، بل بياناً له. واعلم أنه قال أولاً: "أنزل" ثم "نزل" ثم "جعله" إلى قوله: "مختتماً" لبيان ترتيب النزول، فإنه تعالى أولاً أنزله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزله منه متفرقاً على حسب المصالح وكفاء الحوادث، ثم أثبت في المصاحف على التأليف والنظم المثبت في اللوح، ونبه عليه بقوله: "مؤلفاً منظماً، وجعله بالتحميد مفتتحاً، وبالاستعاذة

стр. 9

كلاماً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مختتماً"، إلى آخره، مع ما روعي فيه من صنعة التجنيس الاشتقاقي. هذا هو المراد، لا ما قيل: إنه قال أولاً: خلق القرآن، ثم غيره تقية؛ لأنه صرح بذلك في قوله: "وما هي إلا صفات مبتدأ" إلى آخره. ولقائل أن يقول: إنما عدل استدراجاً كما هو دأب البلغاء، وعليه مخاطبات الأنبياء. قوله: (كلاماً)، الجوهري: "الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير". الإمام: "تركيب "ك ل م" بحسب تقاليبه الستة يفيد القوة والشدة، وسمي الكلام به؛ لأنه يؤثر في الذهن بواسطة القرع في السمع، ومنه الكلم: الجرح. ك م ل: الكامل القوة، بخلاف الناقص. ل ك م: بمعنى الشدة في اللكم، وهو الضرب بمجمع الكف، ظاهر. م ك ل: يقال: بئر مكول، إذا قل ماؤها، فيحصل منها للوارد الشدة. م ل ك: يقال: ملكت العجين، إذا اشتد عجنه، ومنه ملك الإنسان؛ لأنه نوع قدرة. ل م ك: يقال: تلمك البعير، إذا لوى لحييه.

стр. 10

مؤلفاً منظماً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وانتصابه إما لأنه حال موطئة، كقوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً) [يوسف: ٢]، أو مؤكدة كقوله تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ) [الحج: ٧٢] وليس بلازم في المؤكدة أن تكون مقررة لمضمون جملة اسمية، ولا أن يكون مجيئها على إثر جملة عقدها من اسمين لا عمل لهما كما يشعر به ظاهر لفظ "المفصل"؛ لأن ذلك شرط لحذف عاملها على سبيل الوجوب، لا لكونه حالاً مؤكدة. وإما لأنه بدل من القرآن، وهذا أوجه على مذهبه؛ لما أن الحال زيادة في فائدة الجملة، والبدل هو المقصود في الإيراد، والمبدل كالتوطئة، فيفيد التوكيد لما فيه من التنبيه والتكرير، والإجمال والتفصيل. قوله: (مؤلفاً)، التأليف: جمع الحروف أو الكلم لتركيب الكلمة أو الكلام، والنظم: هو الجمع مع ترتيب. الأساس: "هو أليفي وغلفي، وهم ألافي، ولو تألف فلان وحشياً لألف".

стр. 11

ونزله بحسب المصالح منجماً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال: "نظمت الدر ونظمته، ودر منظوم ومنظم، ومن المجاز: نظم الكلام، وهو نظم حسن" فالتأليف يخص اللفظ، والتنظيم يعم اللفظ والمعنى. والتنكير فيهما دل على نوع من التأليف والنظم، لاقتضاء مقام المدح إلى ذلك المعنى، وهو تأليف بديع وتنظيم غريب عجيب. والتأليف دل على أنه بلغ في الفصاحة أقصى غاياتها، والنظم على أنه انتهى في البلاغة مدى نهاياتها؛ لأن الفصاحة تختص بحسن اللفظ مفرداً ومركباً، والبلاغة تعم حسن اللفظ والمعنى، كما تقرر في "التبيان". وانتصابهما على أنهما حالان مترادفتان أو متداخلتان، أو صفتان مخصصتان لكلام؛ ليمتاز عن الكلام النفسي عندنا، وموضحتان عند المصنف؛ لأن عندهم: لا كلام إلا هذا، ولا وجود للكلام النفسي. قوله: (بحسب)، الجوهري: قولهم: ليكن عملك بحسب ذلك، أي: على قدره وعدده. الأساس: "الأجر على حسب المصيبة، أي: بقدرها". المعنى: فرقه بقدر ما تقتضيه الأمور السانحة والحوادث المتجددة. قوله: (منجماً)، أي: دفعة بعد دفعة، حظاً غب حظ، موزعاً على الأوقات. المغرب: "أصله من نجوم الأنواء، وقال: النجم هو الطالع، ثم سمي به الوقت، ثم

стр. 12

وجعله بالتحميد مفتتحاً وبالاستعاذة مختتماً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سمي به ما يؤدى فيه من وظيفة المكاتب، ثم اشتقوا منه فقالوا: نجم الدية إذا أداها نجوماً، ونجم الدين" وانتصابه على الحال من الضمير المنصوب في "نزله" وهو موافق للتنزيل بحسب التفصيل. قوله: (وجعله بالتحميد مفتتحاً)، أي: بسورة "الفاتحة"، "وبالاستعاذة" أي: "المعوذتين". فعل ذلك تفهيماً وتعليماً لما ينبغي أن يفعل، وقد روينا عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم" أخرجه أبو داود. قال الخطابي: "معناه: الأقطع الأبتر الذي لا نظام له". وقد تقرر أن من ختم القرآن تحصل له نعمة عظيمة، فيخاف عين الكمال، فيستعيذ بالله حصانة لها، "كان النبي ﷺ يتعوذ من عين الجان وعين الإنسان، فلما نزلت "المعوذتان" أخذ بهما، وترك ما سوى ذلك". أخرجه النسائي.

стр. 13

وأوحاه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي ذلك الافتتاح وهذا الاختتام رعاية حسن المطلع والمقطع، أما المطلع، فحسنه أن "الفاتحة" كما ترى بلغت في حسن ألفاظها وتنوق معانيها غاية من الكمال، مع تضمنها معنى ما سيق الكلام لأجله- كما سنبينه- وهو المسمى ببراعة الاستهلال. وأما المقطع فحسنه ما آذن إلى استماع ما بدئ به، فـ "المعوذتان" مشيرتان إلى الاستعاذة، لقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [النحل: ٩٨] على أحد الوجهين، ومن ثم قال صلوات الله عليه وسلامه حين سئل: أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال: "الحال المرتحل"، قيل: وما الحال المرتحل؟ قال: "صاحب القرآن، يضرب من أول القرآن إلى آخره، كلما حل ارتحل". أخرجه الترمذي والدارمي عن ابن عباس. فالتحميد يقتضي الاختتام بناءً على أن المجمل يقتضي تفصيله، والاستعاذة تستدعي الافتتاح، فلا انقطاع إذاً، كما قال: فما تقف السهام على قرار … كأن الريش يطلب النصالا قوله: (وأوحاه)، الأساس: "أوحى إليه وأومى إليه: بمعنى، ووحيت إليه وأوحيت إليه: إذا كلمته بما تخفيه عن غيره. وأوحى الله تعالى إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) [النحل: ٦٨]، ووحى وحياً: كتب".

стр. 14

على قسمين: متشابهاً ومحكماً، وفصله سوراً وسوره آيات، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وزاد الجوهري: "الرسالة". قوله: (على قسمين)، انتصب محله حالاً من الضمير المنصوب في "أوحاه" أي: كائناً على قسمين. انتصب "متشابهاً ومحكماً" إما على المدح، بتقدير أعني، ليكونا تفسيرين لقوله: "قسمين" تمدح بالمتشابه لما فيه من تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استنباط المعاني ورده إلى المحكم حيث أمكن. ويجوز أن يكونا بدلين من محل "على قسمين" أو حالين من الضمير المستتر في الظرف الواقع حالاً، فيلزم تداخل الحالين. والمحكم: هو المتضح المعنى، والمتشابه بخلافه. وقد استوعب بهما الأقسام الأربعة من النص والظاهر، والمجمل والمؤول؛ لأن اللفظ الذي يفيد معنى، إما أن لا يحتمل غيره؛ وهو النص، أو احتمل لكن إفادته لذلك المعنى أرجح؛ وهو الظاهر، أو مساو؛ وهو المجمل، أو مرجوح؛ وهو المؤول، والمشترك بين النص والظاهر هو المحكم، وبين المجمل والمؤول هو المتشابه. وقد اقتبس المعنى من قوله تعالى: (آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) [آل عمران: ٧]. قوله: (وفصله)، هو مأخوذ من قولهم: عقد مفصل. الجوهري: "هو أن يجعل بين لؤلؤتين خرزة أو من التفصيل بمعنى التبيين". قوله: (سوراً)، جمع سورة. وانتصب إما على الحال، أو على تضمين "فصل" معنى جعل. أي: جعل القرآن سوراً مفصلاً. والأحسن أن يكون تمييزاً نحو قوله تعالى: (وَفَجَّرْنَا

стр. 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأَرْضَ عُيُوناً) [القمر: ١٢] قال: "وجعلنا الأرض كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك: عيون الأرض". وكذا القول في "وسوره آيات". الجوهري: "السور: حائط المدينة، وجمعه أسوار. والسور أيضاً جمع سورة، مثل: بسر وبسرة، وهي كل منزلة من البناء، ومنه سورة القرآن؛ لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى". قال المصنف: "هي الطائفة من كلام الله المجيد المترجمة، التي أقلها ثلاث آيات". فالآية هي الطائفة الموسومة منه بفاصلة فذة التي أقلها ستة أحرف صورة، نحو: (الرَّحْمَنُ) [الرحمن: ١]. هذا التعريف على مذهب الجمهور سوى الكوفيين ظاهر، لأنهم ما عدوا شيئاً من الفواتح نحو (الم) آية، واستقلالها في المعنى ليس بلازم؛ إذ يجوز الفصل بين الصفات، والبدل والمبدل، والصفة والموصوف، كقوله تعالى: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: ٣ - ٤]، (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ) [الفاتحة: ٦ - ٧]، (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: ٢ - ٣]. ويعني بالفاصلة: تواطؤ القرينتين من النثر على الحرف الأخير أو الوزن، وهو السجع أيضاً. وإليه أومأ الراغب بقوله: "يقال لكل كلام من القرآن منفصل بفصل لفظي: آية".

стр. 16

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "المرشد: (الم) عدها الكوفيون آية، واعتبروا في عدها الوزن؛ لأنه كآخر "حليم"، "عليم". وإذا اعتبر المعنى مع الوزن كان أقوى لمذهبهم في عدها آية؛ لأنه ينضم إلى مشابهته الفواصل كونه جملة مستقلة بنفسها. والآية: العلامة، الجوهري: "أصل آية: أوية بالتحريك. قال سيبويه: موضع العين منها الواو". الفراء: "هي من الفعل فاعلة، وإنما ذهبت منه اللام تخفيفاً، ولو جاءت تامة كانت آيية". الراغب: "في بناء آية ثلاثة أقوال: قيل: هي فعلة، وحق مثلها اعتلال لامه دون عينه كحياة ونواة، لكن صحح لامه لوقوع الياء قبلها كراية.

стр. 17

وميز بينهن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقيل: فعلة، إلا أنها قلبت كراهة التضعيف نحو: طائي في طيئ. وقيل: فاعلة، وأصلها آيية فخففت، فصار: آية، وذلك ضعيف؛ إذ تصغيرها: أيية، ولو كانت فاعلة لقيل: أوية". واشتقاقها إما من "أي" فإنها هي التي تبين أياً من أي، أو من قولهم: أوى إليه. والآية قيل: هي العلامة الظاهرة، وحقيقتها لكل شيء ظاهر هو ملازم لشيء لا يظهر ظهوره، فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته؛ إذ كان حكمهما سواء، وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات. فمن علم ملازمة العلم للطريق المنهج، ثم وجد العلم علم أنه وجد الطريق، وكذا إذا علم شيئاً مصنوعاً علم أنه لابد له من صانع. وقوله تعالى: (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) [العنكبوت: ٤٤] فهي من الآيات المعقولة التي تتفاوت بها المعرفة بحسب تفاوت منازل الناس في العلم. قوله: (ميز)، بالتشديد للمبالغة. الكواشي: "أصل الميز: الفصل بين المتشابهات،

стр. 18

بفصول وغايات، وما هي إلا صفات مبتدأ مبتدع، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقال: مزت بين الشيئين مخففاً، وميزت بين الأشياء مشدداً". قوله: (بفصول وغايات)، قيل: الفصول: الوقوف، و"الغايات": رؤوس الآي. وقد تجتمع الغاية والوقوف، كما في قوله تعالى: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [البقرة: ٣] فالضمير في "بينهن" للآيات، والتحقيق أن الضمير يعود على المجموع من السور والآي، كقوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) [الحجرات: ٩]، (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) [البقرة: ١١١] والضمير لليهود والنصارى بدليل قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى)، ويراد بالفصول رؤوس الآي، وهي الفواصل، جمع فاصلة- كما قررناه- وهي بمنزلة السجع في غير القرآن. قال الله تعالى: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ) [فصلت: ٣]. والغايات: أواخر السور، جمع الغاية، وهي مدى الشيء. والمعنى: فصل عز شأنه القرآن بالسور، وفصل السور بالآيات، وميز بين ذينك الفصلين بالفصول والغايات. وفي هذا التقرير معنى الجمع والتقسيم، والجمع والتفريق. قوله: (وما هي إلا صفات)، هذا التركيب من قصر الصفة على الموصوف على القلب، أي: ليس التأليف والتنظيم، والافتتاح والاختتام، والتفصيل والتمييز إلا صفات شيء حادث؛ لأن حدوث الصفات يوجب حدوث الموصوف. قوله: (مبتدأ)، الزجاج: "المبدئ: الذي ابتدأ كل شيء من غير شيء. والبديع: الذي ابتدع الخلق على غير مثال".

стр. 19

وسمات منشأ مخترع، فسبحان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المطلع: "البديع الذي يبدع الأشياء، أي: يحدثها مما لم يكن، وكذلك المبدئ، العين والهمزة تتبادلان". قوله: (فسبحان)، جواب شرط محذوف، وفيه معنى التعجب، قال المصنف في "النور": الأصل في ذلك أن يسبح الله تعالى في رؤية المتعجب من صنائعه، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه. المعنى: إذ لزم من تلك الأوصاف حدوث القرآن، على أنه أحق الأشياء بعد الله بأن يوصف بالقديم لكونه قائماً بذاته خارجاً منه؛ قال الرسول صلوات الله عليه وسلامه: "وما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه" أخرجه الترمذي عن أبي أمامة، فلينزه المنزه متعجباً قائلاً: سبحان من استأثر بالأولية والقدم! وفي (وسم) نكتة: وهي أنه تعالى وحده اختص بصفة الكمال، وأن غيره موسوم بوسم النقصان. الجوهري: "يقال: وسمته وسماً: إذا أثرت فيه بسمة وكي، والهاء عوض من الواو". وفيه إبطال مذهب الفلاسفة في الماهيات، وإثبات مذهبه في الصفات".

стр. 20

من استأثر بالأولية والقدم، ووسم كل شيء سواه بالحدوث عن العدم، أنشأه كتاباً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (استأثر)، الاستئثار: التفرد والاستبداد والاستقلال. قوله: (بالأولية والقدم)، الجوهري: الأول: نقيض الآخر، والقدم خلاف الحدوث. الأزهري في تفسير قوله تعالى: (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ) [الحديد: ٣] الأول: هو السابق للأشياء كلها، وكان الله موجوداً لا شيء معه، ثم أوجد ما أراد من خلقه، ثم يفني الخلق كلهم، فيبقى تعالى وحده كما كان أولاً. وقلت: فالأولية التي تقتضي سبق الأشياء كلها مستدعية للقدم، والآخرية التي لم تقبل الفناء بعد فناء المحدثات مشعرة بالقدم؛ لأن المحدث يحتاج في إحداثه على سابق؛ ومن ثم جاء في الأدعية عن سيد المرسلين ﷺ : "أنت الأول ليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء"، أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة ﵁، فيكون عطف القدم على الأولية من عطف البيان على المبين، وعطف: "ووسم كل شيء" على "استأثر" من عطف أحد الضدين على الآخر؛ للجامع الوهمي. قوله: (أنشأه)، أي: خلقه على اعتقاده، الجوهري: "أنشأه الله، خلقه، يقال: أنشأ يفعل كذا، أي: ابتدأ، وفلان ينشئ الأحاديث، أي: يضعها". قطع الجملة لتكون بدلاً من جملة: "أنزل" لكونها أوفى بتأدية المقصود منها، فإنه أجرى على

стр. 21

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القرآن أوصافاً تدل على حدوثه ككونه مؤلفاً منظماً، وغير ذلك، لكن دلالتها على المقصود غير صريحة، فصرح بقوله: "أنشأه"، وأدخل بين البدل والمبدل قوله: (وما هي إلا صفات مبتدأ)، إلى آخره، معترضاً مؤكداً لما انتصب له من بيان مذهبه. واعلم أن في أمثال هذا التبجح على نصرة مذهبه جسارة عظيمة على الكلام، ثم على المتكلم؛ إذ عظمه الكلام على قدر عظمة المتكلم، فكلام الله عظيم بعظمته، جليل بجلالته وكبريائه. قال شيخنا شيخ الإسلام وسراج أهل الإيمان، أبو حفص السهروردي قدس الله سره: "كلام الله بعد ونأى بكنهه وغايته، وعظم شأنه، وقهر سلطانه، وسطوع نوره وضيائه. مثاله من عالم الشهادة: الشمس التي ينفع الخلق شعاعها ووهجها؛ إذ لا قدرة للخلق أن تقرب من جرمها. فمن قائل بأن لا حرف ولا صوت؛ لما عظم عليه أن يحضر، ومن قائل: إنه حرف وصوت؛ لما عز عليه أن يغيب، ولكل وجهة هو موليها. فالسبيل الأمثل والطريق الأعدل- أيها الإخوان من الطائفتين- أن تتركا المنازعة والخوض فيما لم يشرع فيه أصحاب النبي ﷺ . فاعملوا في تلاوة كتاب الله وتدبره والعمل بما فيه. والمنازعة في ذلك كمن يأتيهم كتاب من سلطان يأمرهم فيه وينهاهم، وهم يتشاجرون في أن الكتاب: كيف خطه، وكيف عبارته، وأي شيء فيه من صنعة الفصاحة والبلاغة؟ ويذهلون عن صرف الهمم إلى الانتداب لما ندبوا إليه".

стр. 22

ساطعاً تبيانه، قاطعاً برهانه، وحياً ناطقاً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ساطعاً)، الجوهري: "يقال: سطع الغبار والرائحة والصبح يسطع سطوعاً إذا ارتفع". وفي حاشية "الصحاح": "يقال للصبح إذا طلع ضوؤه في السماء مستطيلاً: قد سطع"، وهو مع ما يليه صفتان لـ "كتاباً". قوله: (تبيانه)، الجوهري: "التبيان: البيان، وهو مصدر شاذ؛ لأن مثال هذه المصادر يبنى على الفتح كالتذكار والتكرار، ولم يجيء على الكسر إلا هذه و"التلقاء". قوله: (برهانه)، الأساس: "أبره فلان إذا جاء بالبرهان، وبرهن مولد، والبرهان: بيان الحجة وإيضاحها؛ من البرهرهة، وهي البيضاء من الجواري، كما اشتق السلطان من السليط لإضاءته". قوله: (وحياً ناطقاً)، شبه الوحي في وضوح دلالته على إثبات المعجزة والحجج بالإنسان الذي يتكلم بالبراهين والدلائل، ثم خيل أنه إنسان، ثم نسب إليه على سبيل الاستعارة التخييلية ما كان منسوباً إلى المشبه به عند التكلم، وهو النطق. فإن قلت: بين لي تأليف هذه المنصوبات. قلت: في التركيب ترق وتكميل وتتميم. أما الترقي فهو أن "كتاباً" بدل من الضمير الذي في "أنشأه" فيكون توضيحاً لما أبهمه.

стр. 23

ببينات وحجج، قرآناً عربياً غير ذي عوج، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال اليمني: "الفرق بين ضميري المتكلم والمخاطب وضمير الغائب: أن ضمير الغائب يحتمل أن يكون لكل ظاهر سابق ذكره، فإذا أبدل أفاد البدل بياناً، ولذلك لا يجيزون: ربك وربي رجلاً، وأجازوا: ربه رجلاً". فإن قلت: ها هنا ليس له محمل سوى القرآن؟ قلت: بالنظر إلى نفسه الاحتمال قائم، وان قوله: "وحياً" صفة مخصصة لـ "كتاباً"؛ لأن الكتاب أعم من أن يكون وحياً أو غير وحي. وكذا "قرآناً"؛ لأن الوحي يعم الكتب السماوية جميعها. وأما التتميم والتكميل؛ فلأن جميع الصفات المتواليات مشعرة بكون القرآن كاملاً في نفسه، فتمم بقوله: "مفتاحاً" وكمل بقوله: "مصداقاً لما بين يديه من الكتب السماوية" ليكون مكملاً لغيره. قوله: (ببينات وحجج)، المغرب: "البينة: الحجة، فيعلة من البينونة أو البيان. والحج: القصد، ومنه الحجة؛ لأنها تقصد وتعتمد، إذ بها يقصد الحق المطلوب". قوله: (غير ذي عوج)، قال المصنف: "ما يوجد فيه اعوجاج، ما فيه إلا الاستقامة".

стр. 24

مفتاحاً للمنافع الدينية والدنيوية، مصداقاً لما بين يديه من الكتب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال في "الزمر": "فإن قلت: هلا قيل: مستقيماً، أو غير معوج؟ قلت: فيه فائدتان: إحداهما: نفي أن يكون فيه عوج، كما قال: (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا) [الكهف: ١]. والثانية: أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان". وقال: "العوج بكسر العين في المعاني، وبفتحها في الأعيان، وكذا عن الزجاج". قوله: (مفتاحاً)، هو إما اسم آلة، أي: يفتح به العلوم الدينية: فقهها وأصولها، ومعانيها وإعرابها، وأخلاقها، إلى غير ذلك. تشبيهاً بالمفاتيح في كونها وسيلة إلى فتح المخازن المستوثق عليها. فإن قلت: فعلى هذا القرآن كالمقدمة للعلوم. والواقع بخلافه. قلت: نعم، هي ذريعة على تحقيق معانيه، لكونها متشعبة منه، يتوصل باستعانته إلى تمهيد معاقدها، وتقرير أصولها. أو اسم فاعل من الفتح، كمضراب من الضرب للمبالغة. وكذا القول في "مصداقاً". قوله: (بين يديه)، استعارة تمثيلية كقوله تعالى: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [الحجرات: ١]، والأصل فيه بين الجهتين المسامتتين، لليمين والشمال، ثم استعمل في ظرف المكان بمعنى قدام، ثم في ظرف الزمان بمعنى قبل.

стр. 25

السماوية، معجزاً باقياً دون كل معجز ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (معجزاً)، المعجز: هو الأمر الخارق للعادة على سبيل التحدي. قوله: (دون كل معجز)، دون بمعنى أذنى، ثم استعير في الرتب، يقال: هذا دون ذلك في الشرف، ثم اتسع في كل تجاوز حد، وهو حال من ضمير "باقياً" أي: معجزاً باقياً متجاوزاً في بقائه عن سائر المعجزات. وكذا قوله: "من بين سائر الكتب" حال من ضمير "دائراً" أي: دائراً متفرداً من بين سائر الكتب. الجوهري: "سائر الناس: جميعهم". ذكره في (س ي ر). النهاية: "السائر- مهموز- الباقي، والناس يستعملونه في معنى الجميع، وليس بصحيح. وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث وكلها بمعنى الباقي، ومنه قوله ﷺ : "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام"، أي: باقيه". قيل: "دون" يجوز أن تكون بمعنى بعد، فيكون منصوباً على الظرفية. المعنى: معجزاً باقياً بعد كل المعجزات. واعلم أن قوله: "ساطعاً تبيانه" كناية ساذجة لما يلزم من سطوع تبيانه سطوعه، ولو قيل: ساطع التبيان لكان كناية مشتملة على التصريح؛ لانتقال الضمير من "تبيانه" إلى "ساطع"، ولو اكتفى بقوله: "ساطعاً" لكان تصريحاً محضاً. مثاله قولك: فلان منيع جاره ثم منيع الجار. ويجوز أن يكون استعارة تبعية: استعار لوضوح بيانات القرآن ارتفاع تباشير الصبح، والجامع:

стр. 26

على وجه كل زمان، دائراً من بين سائر الكتب على كل لسان في كل مكان، أفحم به من طولب بمعارضته من العرب العرباء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكشف والجلاء. وأن تكون مكنية بأن شبه التبيان بالصبح، ثم أدخل في جنسه، ثم خيل أنه الصبح بعينه، ثم أطلق اسم المشبه وهو "التبيان" على اسم ذلك المتخيل وهو الصبح المشبه به، ونسب إليه السطوع على طريق التخييلية؛ لتكون قرينة مانعة عن إرادة الحقيقة. قوله: (على وجه كل زمان)، الوجه مستعار للظهور؛ لأن الوجه في الإنسان أظهر شيء، وفي "على" معنى الاستعلاء والغلبة، وفي تخصيص الوجه معنى الاشتهار أيضاً. وكما استوعب "الزمان" كمله باستيعاب الأشخاص بقوله: "على كل لسان"، وتممه باستيعاب المكان بقوله: "في كل مكان"، فبلغ الغاية في توخي المطلوب. قوله: (أفحم)، أي: أسكت، الجوهري: "كلمته حتى أفحمته: إذا أسكته في خصومة". أي: أفحمهم الله ببلاغة القرآن وفصاحته، فما أحاروا ببنت شفة. وتحتمل الهمزة أن تكون للوجدان نحو: أحمدته، وأنحلته، أي: وجدوا مفحمين بسببه؛ فلذلك لم يتصدوا، كما يقال: هاجيناكم فما أفحمناكم. فصل هذه الجملة استئنافاً؛ فكأنه قيل: بين لي كيفية إعجازه؟ قيل: أفحم به من طولب، وأن تكون بياناً؛ لأنه ليس كون القرآن معجزاً إلا هذا. وتحتمل التأكيد أيضاً. قوله: (العرب)، النهاية: "الأعراب ساكنو البادية الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة. والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس- ولا واحد له من لفظه- سواء أقام بالبادية أو المدن، والنسبة إليه أعرابي وعربي". الجوهري: "العرب العاربة: الخلص منهم، أخذ من لفظه وأكد به، كما يقال: ليل لائل، وربما قيل: العرب العرباء".

стр. 27

وأبكم به من تحدى به من مصاقع الخطباء، فلم يتصد للإتيان بما يوازيه أو يدانيه واحد من فصحائهم، ولم ينهض لمقدار أقصر من سورة منه ناهض من بلغائهم، على أنهم كانوا أكثر من حصى البطحاء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أبكم)، الأساس: "تكلم فلان فتبكم عليه إذا: أرتج عليه". ولم أجد في موضع آخر بنى من "بكم" فعلاً سواه. قوله: (تحدى به)، التحدي: طلب المعارضة والمقابلة. الجوهري: "تحديت فلاناً: إذا باريته في فعل ونازعته الغلبة". الأساس: "حدا حدواً، وهو حادي الإبل، وحدا بها حداء: إذا غنى لها. ومن المجاز: تحدى أقرانه: إذا باراهم ونازعهم الغلبة، وأصله في الحداء يتبارى فيه الحاديان ويتعارضان، فيتحدى كل واحد منهما صاحبه، أي: يطلب حداءه، كما تقول: توفاه بمعنى استوفاه". وفي بعض الحواشي الموثوق به: "كانوا عند الحدو يقوم حاد عن يمين القطار، وحاد عن يساره، يتحدى كل واحد منهما صاحبه، بمعنى يستحديه، أي: يطلب منه حداءه، ثم اتسع فيه حتى استعمل في كل مباراة". قوله: (المصاقع)، المصاقع: هو جمع مصقع، وهو الفصيح. الجوهري: "خطيب مصقع، أي: بليغ". قوله: (فلم يتصد)، أي: لم يتعرض. الجوهري: "تصدى له، أي: تعرض، والمصاداة: المعارضة". قوله: (ولم ينهض)، الأساس: "نهض إليه وله نهضاً، واستنهضه للأمر" المعنى: لم يقم لمعارضة أقصر سورة منه قائم.

стр. 28

وأوفر عدداً من رمال الدهناء، ولم ينبض منهم عرق العصبية مع اشتهارهم بالإفراط في المضادة والمضارة، وإلقائهم الشراشر على المعازة والمعارة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الدهناء)، الجوهري: "الدهناء موضع ببلاد تميم، يمد ويقصر، وينسب إليه دهناوي"، الأساس: "الدهناء: أرض ذات رمال". قوله: (عرق العصبية)، النهاية: "العصبي: الذي يعين قومه على الظلم، والتعصب: المحاماة والمدافعة". وفي قوله: "عرق العصبية" استعارة تخييلية، وقوله: "لم ينبض" ترشيح لها؛ لأن النبض- هو الحركة التي تنبعث من أوعية الروح، المؤلفة من انقباض وانبساط- صفة ملائمة للمستعار منه. قوله: (المضارة)، هي الضرار. قوله: (المعازة)، وهي المغالبة، و"المعارة" بالراء المهملة: المعايبة، من المعرة وهي الإثم، وهو يعر قومه، أي: يدخل عليهم مكروهاً، جانس بين "المعازة" و"المعارة" وبين "المضادة" و"المضارة". قوله: (الشراشر)، وهي الأثقال. قال المصنف: ألقى عليه شراشره، أي: جملته، وصرف إليه همه، وهو من الشرشرة، وهي التحريك، قال الكميت:

стр. 29

ولقائهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وتلقى عليه عند كل عظيمة … شراشر من حيي نزار وألبب وفي "المجمل": الشراشر: النفس، يقال: ألقى عليه شراشره، إذا ألقى عليه نفسه حرصاً ومحبة. والمعنى: أنهم إذا دهمهم أمر من المعرة دخلوا فيه بجملتهم تهالكاً وحرصاً ليغلبوا ولا يغلبوا. قوله: (لقائهم)، الأساس: "لقيته لقاء ولقياناً ولقى- بوزن هدى- ولاقيته والتقيته ولقي فلان ألاقي من شر، ويقال: فلان ملقى: ممتحن". المغرب: وقد غلب اللقاء على الحرب. وقال أبو العلاء: وممتحن لقاؤك وهو موت … وهل ينبي عن الموت امتحان؟

стр. 30

دون المناضلة عن أحسابهم الخطط، وركوبهم في كل ما يرومونه الشطط، إن أتاهم أحد بمفخرة أتوه بمفاخر، ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقوله: (المناضلة) وهي المراماة. يقال: ناضلت فلاناً فنضلته إذا غلبته. قوله: (الخطط) وهي جمع خطة، وهي الأمر العظيم أو الشدة، وهو مفعول: "لقائهم". المعنى: لم يتحرك عرق عصبيتهم مع لقائهم الشر والشدائد عند المدافعة عن أحسابهم، ومنه حديث وفد هوازن، قال لهم رسول الله ﷺ : "اختاروا إحدى الطائفتين: إما المال وإما السبي". فقالوا: أما إذا خيرتنا بين المال والحسب فإنا نختار الحسب". أرادوا أن فكاك الأسرى وإيثاره على استرجاع المال حسب وفعال حسن؛ فهو بالاختيار أجدر. وفي "النهاية": "الحسب: بمعنى المحسوب؛ لأنه مما يعده الإنسان من مفاخر نفسه وآبائه". ابن السكيت: "الحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف. والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء". قوله: (يرومونه)، أي: يطلبونه، "والشطط": مجاوزة الحد والقدر. قوله: (إن أتاهم)، بيان وإيضاح لما تقدم من "لقائهم" و"اشتهارهم" و"ركوبهم"، ويحتمل الاستئناف.

стр. 31

وإن رماهم بمأثرة رموه بمآثر، وقد جرد لهم الحجة أولاً والسيف آخراً، فلم يعارضوا إلا السيف وحده، على أن السيف القاضب مخراق لاعب إن لم تمض الحجة حده، فما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أن البحر قد زخر ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بمأثرة)، المأثرة: كل خصلة تؤثر. و"المفخرة" بفتح الخاء وضمها: المأثرة. جميع ذلك مبالغة في عصبيتهم وحميتهم، وأنهم كانوا في عداد من يغلبون ولا يغلبون، ومع ذلك عجزوا عن التحدي والمعارضة. قوله: (وقد جرد لهم الحجة أولاً)، حال من ضمير "أفحم" جيء بها على سبيل الترقي والتدرج لإرادة المبالغة في إعجاز القرآن. قال أولاً: "لمقدار أقصر سورة"، وثانياً: "أنهم كانوا أكثر من حصى البطحاء"، ثم ثالثاً: مع تهالكهم وحرصهم على العصبية، ثم رابعاً: أنه "جرد لهم الحجة أولاً والسيف آخراً"، وتجريد الحجة أولاً والسيف آخراً بمنزلة تخيير المتحدى به بين الإتيان بما يتحدى به، وبين الإقرار بالعجز، كما تقول لمن تباريه: إما أن تأتي بمثله أو تقر بالعجز. قوله: (مخراق لاعب)، الجوهري: المخراق: المنديل يلف ليضرب به. عربي صحيح. قال عمرو بن كلثوم: كأن سيوفنا منا ومنهم … مخاريق بأيدي لاعبينا قوله: (على أن السيف)، هو حال من فاعل: "فلم يعارضوا". قال الحماسي:

стр. 32

فطم على الكواكب، وأن الشمس قد أشرقت فطمست نور الكواكب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فوالله لا أنسى قتيلاً رزيته … بجانب قوسى ما مشيت على الأرض على أنها تعفو الكلوم وإنما … توكل بالأدنى وإن جل ما يمضي قال أبو البقاء: "موضع "على" وما يتصل به حال، والعامل فيه "لا أنسى" أي: ما أنسى هذا الرزء في حال الكلوم. أي: حالي مخالفة لحال غيري في استدامة الحزن". وكذا ما نحن بصدده يقدر أنهم اختاروا معارضة السيف وحده؛ حال علمهم أن السيف وحده مخراق لاعب، فحالهم مخالف لحال غيرهم في اختيارهم السيف العاطل. ويجوز أن يكون حالاً من المفعول وهو السيف. وقد وضع المظهر وهو السيف موضع المضمر لزيادة التقرير وإجرائه مجرى المثل. والفاء في قوله: "فما أعرضوا" نتيجة؛ لأن قوله: "فلم يعارضوا إلا السيف وحده" في قوة أنهم اختاروا معارضة السيف وأعرضوا عن معارضة الحجة، فرتب عليه "فما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم". وفي قوله: "جرد لهم الحجة أولاً والسيف آخراً"، لطيفة: وهي أن التجريد يستعمل في السيوف أصالة، يقال: جردت السيف عن الغمد، ثم يستعمل في غيره مجازاً. وهو قد جعل الحجة في مضائها أصلاً في التجريد، وجعل السيف تابعاً لها. قوله: (طم)، أي: غلب، الجوهري: "جاء السيل فطم الركية، أي: دفنها وسواها. وكل شيء كثر حتى علا وغلب فقد طم". قوله: (الكواكب)، وهو جمع كوكب، الجوهري: كوكب الشيء: معظمه. استعار البحر للقرآن لغزارة فوائده وكثرة فرائده، والشمس لظهور دلائله وسطوع براهينه، ولبلاغتهم الأنهار والنجوم.

стр. 33

والصلاة على خير من أوحي إليه، حبيب الله أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، ذي اللواء المرفوع ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم رشح الاستعارات الأربع بالزخر، والطم، والإشراق، والطمس. ثم راعى بين الكوكبين صنعة الجناس التام، وبين الطم والطمس الجناس المذيل، وبين القرينتين الموافقة في الترصيع. ويجوز أن يكون المستعار له البحر والشمس رسول الله ﷺ ، والكواكب الكفار أنفسهم على طريق المشاكلة، وإلا فمن أين لهم نور وبهاء، ورونق وصفاء! ، وأن تكون الاستعارة تمثيلية بأن شبهت حالة سطوع الآيات القرآنية، وظهور المعجزات النبوية، واضمحلال تلقفاتهم وانطماس مزخرفاتهم بزخور البحر وطمه على الأنهار، وإشراق الشمس وطمسها الأنوار. قوله: (والصلاة على خير من أوحي إليه: حبيب الله أبي القاسم)، هو رسول الله خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خنزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

стр. 34

في بني لؤي، وذي الفرع المنيف في عبد مناف بن قصي، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "جامع الأصول": "إنما اقتصرنا على ذكر نسبه إلى عدنان؛ لأنه لا يكاد يصح لأحد الرواة رواية ولا ضبط الأسماء بعد عدنان". وصفه ثم كناه ثم سماه ثم نسبه، استلذاذاً وتيمناً وافتخاراً. قال: أسامياً لم تزده معرفة … وإنما لذة ذكرناها قوله: (لؤي)، تصغير لأى على وزن لعا: بقر الوحشي، ولأى أيضاً: رجل، وتصغيره: لؤي، ومنه لؤي بن غالب، قاله الجوهري. جانس بين اللواء ولؤي، وبين مناف ومنيف، ومرفوع وفرع، وعبر بجملة قوله: "ذي اللواء المرفوع في بني لؤي" عن ارتفاع مكانته، وعلو شأنه، ونباهة منزلته، تنبيهاً به على أنه العلم المشار إليه. قوله: (ذي الفرع)، فرع كل شيء: أعلاه، يقال: هو فرع قومه للشريف منهم، و"المنيف": العالي، يقال: أناف على كذا: أشرف عليه، و"قصي" تصغير القصا وهو البعد. فإن قلت: هلا أخر "لؤي" عن "قصي" وهو جده الأعلى؟ قلت: قدمه لينبه على مكان نكتة وهي إرادة التكميل؛ فإنه لما ذكر أنه صاحب اللواء

стр. 35

المثبت بالعصمة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المرفوع علم أنه ذو سلطان مطاع، مشتهر في سيادته فرأى أن الوصف بمجرد أنه كذلك غير واف، إذ من الجائز أنه مع ذلك غير عريق في أرومته، فكمل بقوله: "ذي الفرع المنيف". تلخيصه: أنه ذو حسب ظاهر ونسب طاهر، فلو اخر لفات ذلك، إذ في تأخير كل ما حقه التقديم إيذان بمكان لطيفة. قوله: (المثبت بالعصمة)، يقال: ثبت الشيء ثباتاً، وأثبته غيره وثبته بمعنى. والعصمة: الحفظ. أي: ثبته الله بما أوحى إليه على الصراط؛ لئلا يركن إلى ثقيف حين اقترحوا عليه ما اقترحوه فسكت، فنزلت: (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً) [الإسراء: ٧٤] ويسمى هذا الأسلوب بالتلميح.

стр. 36

المؤيد بالحكمة، الشادخ الغرة الواضح التحجيل، النبي الأمي المكتوب في التوراة والإنجيل، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (المؤيد بالحكمة)، أي: بالقرآن حين طولب بالمعجزة أو بالعلم الوافي والعمل الكافي. قوله: (الغرة ٩ الغرة: بياض في جبهة الفرس. والشادخة: هي الغرة إذا فشت في الوجه من الناصية إلى الأنف، والتحجيل: البياض في قوائم الفرس مأخوذ من الحجل وهو الخلخال. هذه الألفاظ واردة على التلميح أو الاقتباس من قوله ﷺ : "إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل"، أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. يعني أن هذه العلامة هي الفارقة بين هذه الأمة وبين سائر الأمم. وبين هذا المعنى قوله صلوات الله عليه "لكم سيماء ليست لغيركم". استعار لتنويه شأنه وأنه ممتاز عن سائر الأنبياء، كما أن أمته ممتازة عن سائر الأمم بما ذكرنا. قوله: (الأمي)، المغرب: الأمي منسوب إلى أمة العرب، وهي لم تكن تكتب ولا تقرأ، فاستعير لكل من لا يعرف الكتابة ولا القراءة. راعى المناسبة بين الأمي والمكتوب، أي: لم يكن كاتبا ًوكان مكتوباً.

стр. 37

وعلى آله الأطهار، وخلفائه من الأختان والأصهار، وعلى جميع المهاجرين والأنصار. اعلم أن متن كل علم، وعمود كل صناعة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الأختان)، الجوهري: الختن: كل من كان من قبل المرأة كالأب أو الأخ، وفي العرف هو زوج الابنة، و"الأصهار" جمع صهر، وهو عند الخليل: أهل بيت المرأة، ومن العرب من يجعل الصهر من الأحماء والأختان جميعاً يقال: صاهرت إليهم إذا تزوجت فيهم. وتقديم الأختان على الأصهار كتقديم هارون على موسى في قوله تعالى: (بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) [طه: ٧٠]. قوله: (متن كل علم)، الجوهري: المتن من الأرض: ما صلب وارتفع ومنه سمي الظهر متناً. ثم سمي به أصول العلم وقواعده دون دقائقه وزوائده؛ لأنها تتفرع عليها كما أن الأعضاء تتقوم بالظهر. قوله: (وعمود كل صناعة)، أي: أصولها، الأساس: يقال للظهر: عمود البطن، وهو مذكور في عمود الكتاب، أي: في فصه ومتنه، واجعل ذلك في عمود بطنه: أي ظهره لأنه يمسك البطن ويقومه؛ فصار كالعمود له. قوله: (كل صناعة)، قيل: إن معلومات كل علم إما أن تحصل بالتمرن على العمل كحصول معلومات النحو بمطارحة الإعراب، ومعلومات صناعتي البلاغة والفصاحة بتتبع خواص تراكيب الكلام إفادة ودلالة وترتيباً، أو بالنظر والاستدلال. فخص الأول بالصناعة، والثاني بالعلم. وينتقض هذا بما ذكره: "وإن بز أهل الدنيا بصناعة الكلام"،

стр. 38

طبقات العلماء فيه متدانية، وأقدام الصناع فيه متقاربة أو متساوية، إن سبق العالِمُ العالِمَ لم يسبقه إلا بخطى يسيرة، أو تقدم الصانعُ الصانعَ لم يتقدمه إلا بمسافة قصيرة، وإنما الذي تباينت فيه الرتب، وتحاكت فيه الركب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وبقوله: "وهما علم المعاني وعلم البيان" وبقوله: "علم النحو واللغة"، والحق أن كل علم مارسه الرجل سواء كان استدلالياً أو غيره حتى صار كالحرفة له سمي صنعة. قال المصنف في قوله تعالى: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [المائدة: ٦٣]: "كل عامل لا يسمى صانعاً، ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه". قوله: (طبقات العلماء)، الأساس: الناس طبقات ومنازل ودرجات بعضها أرفع من بعض. ومضى طبق بعد طبق: عالم من الناس بعد عالم. قال العباس: تنقل من صالب إلى رحم … إذا مضى عالم بدا طبق قوله: (بخطى)، الخطى: جمع الخطوة وهي: ما بين القدمين، وجمع القلة خطوات. استعملت في موضع القلة لقوله: "يسيرة"، كقوله تعالى: (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨] في موضع أقراء. قوله: (بمسافة)، الأساس: ومن المجاز: كم مسافة هذه الأرض؟ أي: بعدها. وأصلها موضع سوف الأدلاء يتعارفون حالها من قرب وبعد. والسوف شم التراب. قوله: (تحاكت)، أي: تصاكت. يقال: هذا الأمر قد تحاكت فيه الركب، أي: اشتد. ويحتمل أن يكون كناية عن تجاثي المناظرين للبحث، و"الاستبقا": التسابق في العدو، و"التناضل" الترامي. يقال: تناضل القوم بالكلام والأشعار.

стр. 39

ووقع فيه الاستباق والتناضل، وعظم فيه التفاوت والتفاضل، حتى انتهى الأمر إلى أمد من الوهم متباعد، وترقى إلى أن عد ألف بواحد؛ ما في العلوم والصناعات من محاسن النكت والفقر، ومن لطائف معان يدق فيها مباحث للفكر، ومن غوامض أسرار محتجبة وراء أستار لا يكشف عنها من الخاصة إلا أوحديهم وأخصهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حتى انتهى)، غاية "تباينت" والمعنى ينظر إلى ما روي: "الناس كإبل مئة، لا تجد فيها راحلة"، وقول البختري: ولم أر أمثال الرجال تفاوتاً … لدى المجد حتى عد ألف بواحد قوله: (ما في العلوم)، "ما" موصولة، وهي مع صلتها خبر "الذي تباينت". قوله: (من محاسن)، الجوهري: الحسن: نقيض القبح، والجمع محاسن على غير قياس، كأنه جمع محسن. قوله: (النكت)، الأساس: كل نقطة من بياض في سواد، أو عكسه نكتة، ومن المجاز: جاء بنكتة ونكت في كلامه. قوله: (الفقر)، الأساس: ومن المجاز يقال: في كلامه وشعره فقرة وهي: فصل أو بيت شعر. والفقرة في النثر كالبيت في النظم، والفقر في الأصل حلي يصاغ على شكل فقر الظهر. قوله: (أوحديهم)، الياء للمبالغة كأحمري، كقوله:

стр. 40

وإلا واسطتهم وفصهم، وعامتهم عماة عن إدراك حقائقها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومشركي كافر بالفرق يقال: هو واحد قومه وأوحدهم، وهو واحد أمه، أي: لم تلد مثله. قوله: (واسطتهم)، واسطة الشيء: أجوده، ومنه واسطة القلادة، وقوم وسط وأوساط: خيار. وأنشد في "الأساس" لزهير: هم وسطاء يرضى الأنام بحكمهم … إذا نزلت إحدى الليالي العظائم قوله: (وفصهم)، أي: صفوتهم، الأساس: ومن المجاز: أتيتك من فصه. أي: محزه وأصله. قال: ورب امرئ خلته مائقاً … ويأتيك بالأمر من فصه ومنه فصوص الأخبار. قوله: (وعامتهم)، قيل: الضمير راجع إلى "العلماء"، ويجوز أن يعود إلى "الخاصة" على تأويل الجمع، أي: أكثر الخواص غافلون. قوله: (عماة)، هو جمع العامي، كعناة للعاني، وهو الأسير. بمعنى الأعمى، أو أنها من الأعماء، الجوهري: المعامي من الأرضين: الأغفال التي ليس فيها أثر عمارة، وهي الأعماء أيضاً.
следующие страницы →