Полный текст (9 345 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
المؤيد بالحكمة، الشادخ الغرة الواضح التحجيل، النبي الأمي المكتوب في التوراة والإنجيل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (المؤيد بالحكمة)، أي: بالقرآن حين طولب بالمعجزة أو بالعلم الوافي والعمل الكافي.
قوله: (الغرة ٩ الغرة: بياض في جبهة الفرس. والشادخة: هي الغرة إذا فشت في الوجه من الناصية إلى الأنف، والتحجيل: البياض في قوائم الفرس مأخوذ من الحجل وهو الخلخال. هذه الألفاظ واردة على التلميح أو الاقتباس من قوله ﷺ : "إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل"، أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. يعني أن هذه العلامة هي الفارقة بين هذه الأمة وبين سائر الأمم. وبين هذا المعنى قوله صلوات الله عليه "لكم سيماء ليست لغيركم". استعار لتنويه شأنه وأنه ممتاز عن سائر الأنبياء، كما أن أمته ممتازة عن سائر الأمم بما ذكرنا.
قوله: (الأمي)، المغرب: الأمي منسوب إلى أمة العرب، وهي لم تكن تكتب ولا تقرأ، فاستعير لكل من لا يعرف الكتابة ولا القراءة. راعى المناسبة بين الأمي والمكتوب، أي: لم يكن كاتبا ًوكان مكتوباً.
стр. 37
وعلى آله الأطهار، وخلفائه من الأختان والأصهار، وعلى جميع المهاجرين والأنصار. اعلم أن متن كل علم، وعمود كل صناعة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الأختان)، الجوهري: الختن: كل من كان من قبل المرأة كالأب أو الأخ، وفي العرف هو زوج الابنة، و"الأصهار" جمع صهر، وهو عند الخليل: أهل بيت المرأة، ومن العرب من يجعل الصهر من الأحماء والأختان جميعاً يقال: صاهرت إليهم إذا تزوجت فيهم. وتقديم الأختان على الأصهار كتقديم هارون على موسى في قوله تعالى: (بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) [طه: ٧٠].
قوله: (متن كل علم)، الجوهري: المتن من الأرض: ما صلب وارتفع ومنه سمي الظهر متناً. ثم سمي به أصول العلم وقواعده دون دقائقه وزوائده؛ لأنها تتفرع عليها كما أن الأعضاء تتقوم بالظهر.
قوله: (وعمود كل صناعة)، أي: أصولها، الأساس: يقال للظهر: عمود البطن، وهو مذكور في عمود الكتاب، أي: في فصه ومتنه، واجعل ذلك في عمود بطنه: أي ظهره لأنه يمسك البطن ويقومه؛ فصار كالعمود له.
قوله: (كل صناعة)، قيل: إن معلومات كل علم إما أن تحصل بالتمرن على العمل كحصول معلومات النحو بمطارحة الإعراب، ومعلومات صناعتي البلاغة والفصاحة بتتبع خواص تراكيب الكلام إفادة ودلالة وترتيباً، أو بالنظر والاستدلال. فخص الأول بالصناعة، والثاني بالعلم. وينتقض هذا بما ذكره: "وإن بز أهل الدنيا بصناعة الكلام"،
стр. 38
طبقات العلماء فيه متدانية، وأقدام الصناع فيه متقاربة أو متساوية، إن سبق العالِمُ العالِمَ لم يسبقه إلا بخطى يسيرة، أو تقدم الصانعُ الصانعَ لم يتقدمه إلا بمسافة قصيرة، وإنما الذي تباينت فيه الرتب، وتحاكت فيه الركب،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبقوله: "وهما علم المعاني وعلم البيان" وبقوله: "علم النحو واللغة"، والحق أن كل علم مارسه الرجل سواء كان استدلالياً أو غيره حتى صار كالحرفة له سمي صنعة. قال المصنف في قوله تعالى: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [المائدة: ٦٣]: "كل عامل لا يسمى صانعاً، ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه".
قوله: (طبقات العلماء)، الأساس: الناس طبقات ومنازل ودرجات بعضها أرفع من بعض. ومضى طبق بعد طبق: عالم من الناس بعد عالم. قال العباس:
تنقل من صالب إلى رحم … إذا مضى عالم بدا طبق
قوله: (بخطى)، الخطى: جمع الخطوة وهي: ما بين القدمين، وجمع القلة خطوات. استعملت في موضع القلة لقوله: "يسيرة"، كقوله تعالى: (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: ٢٢٨] في موضع أقراء.
قوله: (بمسافة)، الأساس: ومن المجاز: كم مسافة هذه الأرض؟ أي: بعدها. وأصلها موضع سوف الأدلاء يتعارفون حالها من قرب وبعد. والسوف شم التراب.
قوله: (تحاكت)، أي: تصاكت. يقال: هذا الأمر قد تحاكت فيه الركب، أي: اشتد. ويحتمل أن يكون كناية عن تجاثي المناظرين للبحث، و"الاستبقا": التسابق في العدو، و"التناضل" الترامي. يقال: تناضل القوم بالكلام والأشعار.
стр. 39
ووقع فيه الاستباق والتناضل، وعظم فيه التفاوت والتفاضل، حتى انتهى الأمر إلى أمد من الوهم متباعد، وترقى إلى أن عد ألف بواحد؛ ما في العلوم والصناعات من محاسن النكت والفقر، ومن لطائف معان يدق فيها مباحث للفكر، ومن غوامض أسرار محتجبة وراء أستار لا يكشف عنها من الخاصة إلا أوحديهم وأخصهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حتى انتهى)، غاية "تباينت" والمعنى ينظر إلى ما روي: "الناس كإبل مئة، لا تجد فيها راحلة"، وقول البختري:
ولم أر أمثال الرجال تفاوتاً … لدى المجد حتى عد ألف بواحد
قوله: (ما في العلوم)، "ما" موصولة، وهي مع صلتها خبر "الذي تباينت".
قوله: (من محاسن)، الجوهري: الحسن: نقيض القبح، والجمع محاسن على غير قياس، كأنه جمع محسن.
قوله: (النكت)، الأساس: كل نقطة من بياض في سواد، أو عكسه نكتة، ومن المجاز: جاء بنكتة ونكت في كلامه.
قوله: (الفقر)، الأساس: ومن المجاز يقال: في كلامه وشعره فقرة وهي: فصل أو بيت شعر. والفقرة في النثر كالبيت في النظم، والفقر في الأصل حلي يصاغ على شكل فقر الظهر.
قوله: (أوحديهم)، الياء للمبالغة كأحمري، كقوله:
стр. 40
وإلا واسطتهم وفصهم، وعامتهم عماة عن إدراك حقائقها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومشركي كافر بالفرق
يقال: هو واحد قومه وأوحدهم، وهو واحد أمه، أي: لم تلد مثله.
قوله: (واسطتهم)، واسطة الشيء: أجوده، ومنه واسطة القلادة، وقوم وسط وأوساط: خيار. وأنشد في "الأساس" لزهير:
هم وسطاء يرضى الأنام بحكمهم … إذا نزلت إحدى الليالي العظائم
قوله: (وفصهم)، أي: صفوتهم، الأساس: ومن المجاز: أتيتك من فصه. أي: محزه وأصله. قال:
ورب امرئ خلته مائقاً … ويأتيك بالأمر من فصه
ومنه فصوص الأخبار.
قوله: (وعامتهم)، قيل: الضمير راجع إلى "العلماء"، ويجوز أن يعود إلى "الخاصة" على تأويل الجمع، أي: أكثر الخواص غافلون.
قوله: (عماة)، هو جمع العامي، كعناة للعاني، وهو الأسير. بمعنى الأعمى، أو أنها من الأعماء، الجوهري: المعامي من الأرضين: الأغفال التي ليس فيها أثر عمارة، وهي الأعماء أيضاً.
стр. 41
بأحداقهم، عناة في يد التقليد لا يمن عليهم بجز نواصيهم وإطلاقهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال رؤبة:
وبلد عامية أعماؤه … كأن لون أرضه سماؤه
قوله: (بأحداقهم)، إما أن يتعلق "بعماة" على منوال قولهم: رأيته بعيني وقبضته بيدي، أو أن يتعلق بـ "إدراك"، أي: لا يدركون الحقائق بأحداقهم، أي: لا تظهر لهم ظهور المحسوس حتى ينظروا بأحداقهم، تعريضاً بنفسه لبعد إدراك غوره، وكمال فطانته. جانس بين "عماة" و"عناة" تجنيس المضارعة لقرب المخرج بين الميم والنون، وبين العامة والعماة تجنيس قلب.
قوله: (لا يمن)، يروى مجهولاً، أي: لا ينعم عليهم. يقال: من عليه مناً، أي: أنعم. ومعروفاً. وفاعله "التقليد" إذا روي بالياء و"اليد" إذا روي بالتاء، روي عن المصنف: كانوا إذا أرادوا إطلاق أسير جزوا ناصيته مذلة وهواناً. وأنشدوا:
إذا جزت نواصي آل بدر … فأدوها وأسرى في الوثاق
المعنى: قد جززتم نواصيهم، والحال أنهم أسراء فأدوا حينئذ غرامة الجز إلينا أو أطلقوهم.
هذا مثل ضربة المصنف للعالم المقلد الذي لا خلاص له من يد التقليد، وبالغ فيه وأفرط،
стр. 42
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما بالغ في التفريط الواحدي حيث قال: ومن شرف علم التفسير وعزته في نفسه، أنه لا يجوز القول فيه بالعقل والتدبر والرأي والتفكر دون السماع والأخذ عمن شاهدوا التنزيل بالرواية والنقل، ثم شدد فيه بفعل الصحابة والتابعين، واستدل بحديث جندب عن رسول الله ﷺ : "من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ". قال صاحب: "الجامع": أخرجه الترمذي، وأبو داود، وزاد رزين زيادة لم أجدها في "الأصول": "ومن قال برأيه فأخطأ فقد كفر". وبحديث ابن عباس عن رسول الله ﷺ : "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار" أخرجه الترمذي.
فيقال: أما قوله: لا يجوز القول فيه بالرأي والتفكر، ففيه تفصيل كما سيجيء. ونحن نوافقه في أن الرأي لا مدخل له في التفسير، وأن الرأي الذي يؤدي إلى باطل أو جهل لا نعتبره في التأويل، وهو المعني بالمنع والتشديد، لكن نخالفه أن نمنع الرأي بالكلية! وكيف لا وهو قد أتى في كتابه مما لم ينقل عن الصحابة من التأويلات بما لا يدخل تحت الحصر؟ وكيف يمنع الاستنباط والأئمة الأربعة والعلماء الراسخون قد استنبطوا من القرآن علوماً جمة كالفقه، والأصولين، والنحو، والمعاني، والأخلاق، وغير ذلك؟ وليس كل ما قالوه سمعوه، ورد هذا ينتهي إلى سد باب عظيم في الدين.
стр. 43
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال أبو الدرداء: لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً كثيرة. أخرجه في "شرح السنة".
وسئل علي ﵁: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ قال: "لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهم يعطيه الله رجلاً في القرآن" أخرجه الشيخان وغيرهما.
وقال حجة الإسلام في "الإحياء": ينبغي أن يكون اعتماد العلماء في العلوم على بصيرتهم وإدراكهم بصفاء قلبهم، لا على الصحف والكتب، ولا على تقليد ما سمعوا من غيرهم، فإنه إن اكتفى بحفظ ما يقال كان وعاء للعلم لا عالماً.
قال ابن الجوزي: قالوا: التفسير: إخراج الشيء من مقام الخفاء إلى مقام التجلي، والتأويل: نقل الكلام عن موضعه إلى ما يحتاج في إثباته على دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ. وقيل: التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل، والتأويل رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر.
стр. 44
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكواشي: التفسير: هو الوقوف على أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها، ولا يجوز ذلك إلا بالسماع. والتأويل: ما يرجع في كشفه إلى معنى الكلمة. بيان ذلك: لو قيل: ما معنى "لا ريب"؟ فنقول: لا شك؛ فهذا تفسير. فإن قيل: فقد نفيت الريب وقد ارتابوا؛ فإن أجبت وقلت: إنه في نفسه صدق، وإذا تؤمل وجد كذلك فانتفى عنه الريب؛ فهذا تأويل.
تلخيصه: التفسير: ما يتعلق بالرواية، والتأويل ما يتعلق بالدراية. يؤيده قول محيي السنة في "المعالم": التأويل صرف الآية إلى معنى محتمل موافق لما قبلها وبعدها، غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط فقد رخص فيه لأهل العلم. ومنه قول مسلم بن يسار: إذا حدثت عن الله فأمسك، واعلم ما قبله وما بعده. نقل عن كتاب "الزهد" للإمام أحمد بن حنبل ﵁. ومسلم بن يسار تابعي.
وأما معنى الحديث الثاني فمنطبق على مذهبنا. وأما الأول فقد فسره صاحب "الجامع" وقال: يحمل النهي على وجهين:
стр. 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحدهما: أن يكون له رأي وميل من طبعه وهواه فيتأول على وفق رأيه، ولو لم يكن له ذلك الهوى [لكان] لا يلوح له ذلك.
وثانيهما: أن يتسارع إلى التفسير بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيه من الإضمار، والتقديم، والتأخير، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر.
وتحرير هذا المعنى: أن المبتدع إذا جاء بمجمل في المتشابه على وفق بدعته، فأصاب رأيه- لأن محامل المتشابه كثيرة- فإنه مخطئ في التأويل؛ حيث لم يرده إلى المحكم، أو إلى ما كان عليه السلف الصالح، وأن الجاهل إذا قال في قوله تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً … ) [الإسراء: ٥٩]: الناقة لم تكن عمياء، لا يعلم أن المراد بها: آية مبصرة.
وذكر في "الإحياء": أن الطامات وهي صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها إلى أمور لم تسبق منها إلى الأفهام- كدأب الباطنية- من قبل البدعية المنهي عنها؛ فإن الصرف عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بالنقل عن الشارع، ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل عقلي حرام. مثال ذلك: قولهم في قوله تعالى: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) [طه: ٢٤] ويشيرون إلى القلب أنه الطاغي على كل أحد.
وقال صاحب "جامع الأصول": وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة؛ تحسيناً للكلام، وترغيباً للمستمع، وهو ممنوع، وإن كان المقصد صحيحاً.
стр. 46
ثم إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح، وأنهضها بما يبهر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثم إن أملأ العلوم)، قيل: المليء: الغني المقتدر. وقد ملؤ ملاءة وهو أملأ منه على أفعل التفضيل. ومنه قول شريح: اختر أملأهم، أي: أقدرهم. ولا يجوز أن يكون من قولهم: ملأت الإناء ملئاً فهو مملوء، لأنه متعد ولا معنى له ها هنا.
قلت: بل هذا الثاني أحسن لكن على أنه لازم ليتفرع على الاستعارة الترشيح وهو قوله: "بما يغمر القرائح" فإنه لا يناسب الغني المقتدر. قال المصنف في "المقدمة": ملئ الإناء بفتح الميم وكسر اللام، أي: امتلأ.
وفي "إقناع" المطرزي: ملأ الوعاء وهو ملآن بفتح الميم واللام. فالاستعارة في "أملأ"، والقرينة الإضافة. "وبما يغمر" ترشيح. و"ما" إبهامية و"من" للبيان، أي: أكثر العلوم امتلاء بالذي يغمر القرائح، وهو غرائب نكت علم التفسير.
و"يغمر" أي: يستر ويعلو، من غمره الماء، أي: علاه وغلبه.
قوله: (القرائح)، وهي جمع قريحة، وهي أول ما يخرج من البئر. فاستعمل في محله مجازاً، ثم استعير للطبيعة من حيث صدور العلوم منها كالماء للبئر، يقال: لفلان قريحة، ويراد منه أنه مستنبط للعلوم.
قوله: (وأنهضها)، أي: أقومها، من قولهم: نهض النبت إذا استوى. "يبهر": يغلب.
стр. 47
الألباب القوارح، من غرائب نكت يلطف مسلكها، ومستودعات أسرار يدق سلكها؛ علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه، وإجالة النظر فيه كل ذي علم كما ذكر الجاحظ في كتاب "نظم القرآن"،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (القوارح)، وهي جمع القارحة. والقارح: هو الكامل السن من الخيل إذا بلغ خمس سنين.
قوله: (لا يتم لتعاطيه)، أي: لا يستبد ولا يستقل لتناوله كل صاحب علم، ولا يتصدى له إلا رجل برع في العلمين المختصين بالقرآن. فقوله: "لا يتصدى" خبر "فالفقيه".
قوله: (كما ذكر الجاحظ)، الكاف في موضع النصب على المصدر، أي: أذكر لك ذكراً مثل ذكر الجاحظ. واعلم أن التمييز بين الكلامين عسر جداً؛ لأنه لا يخلو من أن ينتهي كلام الجاحظ إلى قوله: "ولقد رأيت إخواننا"، أو إلى قوله: "إلا رجل قد برع" وحينئذ الاستثناء من كلام المصنف، ويقدر مثله لكلام الجاحظ. وذكر صاحب "المطلع" هذه الألفاظ إلى قوله: وهما علم المعاني وعلم البيان. أو لا يكون ها هنا من كلام الجاحظ شيء. بمعنى: أنه كان للجاحظ كلام يشبه معناه هذا المعنى فشبهه به، وأتى بمعناه دون ألفاظه.
أما الاحتمال الأول فمما لا سبيل إليه؛ لأن من ذاق معرفة تراكيبه، وتتبع خواص بلاغته، واقتفى آثار فصاحته- علم ضرورة أن قوله: "وكان مسترسل الطبيعة منقادها" إلى آخره لم يخرج إلا من في مثله.
روي أن الفرزدق حين استنشد ذا الرمة قصيدته التي مستهلها:
نبت عيناك عن طلل بحزوى … عفته الريح وامتنح القطارا
стр. 48
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعد الناسبون إلى تميم … بيوت المجد أربعة كبارا
يعدون الرباب وآل بكر … وعمراً ثم حنظلة الخيارا
ويذهب بينها المرئي لغواً … كما ألغيت في الدية الحوارا
وقائل الأبيات الثلاثة جرير. وقد ضمنها ذو الرمة قصيدته فاستعادها منه ثم قال: والله لقد علكهن من هو أشد لحيين منك. سلمنا لكن لا يليق ممن هو بصدده في منصب الفصاحة أن يكثر نقل كلام الغير إكثاره هذا. على أن المشار إليه بقوله: "تلك الطرائق وتلك الحقائق" هو قوله: "محاسن النكت والفقر".
وأما الاحتمال الثاني فبعيد أيضاً؛ لأن هذا لا يصلح أن يكون دليلاً على ما حذف من كلام الغير. والذي نقوله ونعتمد عليه: هو الاحتمال الثالث؛ فإن كلامه إلى انتهائه مسدى مبانيه ملتحم معانيه، نسجه على منوال متين محكم، فصله غير مقصر، ووصله غير مردم؛ فألبست خرائد مخدرات الأفكار لاستباحة ألباب أرباب الأنظار.
أسس معاقد قواعده على المعنى البديع، وشيد مقاصير قصره ببيان علم البديع، وأفرغ
стр. 49
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من قطر الجزالة على أساس البلاغة ما صيره رتباً، كأنه سد يأجوج فلن تستطيع له نقباً، فالفاء في قوله: "فالفقيه" نتيجة عما قدمه؛ أي: إذا كان الأمر كما ذكرت من أن كل صاحب علم غير مليء لتعاطيه، وقولي موافق لقول الجاحظ؛ فالفقيه كذا، والمتكلم كذا، وهلم جرا على آخره. هذا ولو حصل للناظر كلام الجاحظ تحقق له ما هو المطابق.
ثم إني بعد برهة من الزمان عثرت على فائدة بخط الإمام همام الدين الخوارزمي: "قوله: "فالفقيه": الظاهر أن هذا قول الجاحظ يحكيه المصنف. وبرواية العلامة برهان الدين المطرزي: أنه كلام المصنف. وهو الوجه". انتهى كلامه.
وعلى ما فسرنا كلامه يمكن التنكير في قوله: "رجل" فإنه للتفخيم والتهويل وعنى به نفسه في حاق معناه ولو كان من كلام الجاحظ لفاتت النكتة. ومثله قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) إلى قوله: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) [الأعراف: ١٥٨] عدل عن المضمر إلى الظاهر لما في طريقة الالتفات من مزية البلاغة، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به واتباعه هو هذا الشخص الموصوف كائناً من
стр. 50
فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوي والأحكام، والمتكلم وإن بز أهل الدنيا في صناعة الكلام،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان إظهاراً للنصفة، وتفادياً من العصبية. على أني تتبعت ما نقله المصنف من كلام الزجاج، وابن جني، ووجدت أكثره منقولاً بحسب المعنى، وأشرت في موضعه إلى ما نقله من كلام ابن السكيت. والذي يوجه به كلام صاحب "المطلع": أن عطف قوله: "وتمهل" على قوله: "قد برع" من باب العطف التلقيني كقوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) [البقرة: ١٢٤] فهو عطف على الكاف في "جاعلك".
قال صاحب "الجامع": هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ. المشهور صاحب الكلام والجدل والتصانيف المختلفة، وهو من أهل البصرة، وأحد شيوخ المعتزلة، قدم بغداد وأقام بها مدة، وكان تلميذ أبي إسحاق النظام.
قوله: (الفقيه)، الفقه: هو العلم بالأحكام الفرعية الشرعية المكتسب من أدلتها التفصيلية، والكلام: هو علم يبحث فيه عن ذات الله وصفاته وأفعاله، وعن الممكنات وأحوالها، وعن الملائكة والأنبياء، والأشقياء والسعداء في دار البقاء، على قانون الإسلام.
قوله: (برز)، أي: فاق "الأقران" جمع قرن بالكسر وهو كفؤك في الحرب، وبالفتح:
стр. 51
وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ، والنحوي ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أهل زمانك ومثلك في السن.
"بز" أي: غلب، "القصص" بالكسر: جمع قصة، وبالفتح: مصدر والاسم أيضاً، ثم استعمل موضع المصدر، والسماع بكسر القاف.
قوله: (ابن القرية)، بكسر القاف وتشديد الراء وكسرها، وتشديد الياء وفتحها، هو أيوب بن القرية، أحد الفصحاء، نقل الكتب القديمة إلى العربية. والقرية اسم أمه، وهي في اللغة حوصلة الطائر. قتله الحجاج، وتكلم عند القتل: لكل جواد كبوة، ولكل شجاع نبوة، ولكل حكيم هفوة؛ فصار مثلاً.
قوله: (الحسن البصري)، قال صاحب "الجامع": هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن، إمام وقته في كل فن وعلم وزهد وورع. قيل: إنه لقي علياً ﵁ بالمدينة، وأما بالبصرة فإن رؤيته إياه لم تصح فيها.
قوله: (أوعظ)، الوعظ: كلام يلين القلوب القاسية، ويرغب الطباع النافرة.
قوله: (والنحوي)، النحو: هو معرفة أحوال الكلم، وكيفية تركيباتها من جهة الإعراب.
стр. 52
وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روى الأنباري: أن أبا الأسود الدؤلي قال: دخلت على علي ﵁، فوجدت في يده رقعة قال: إني تأملت كلام الناس فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء، فأردت أن أضع لهم شيئاً يرجعون إليه ثم ألقاها وفيها: "الكلام كله ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف؛ فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبئ به، والحرف ما جاء لمعنى. وقال: أنح هذا النحو، وأضف إليه ما وقع إليك. قال أبو الأسود: كان ما وقع إلي إن وأخواتها ما خلا لكن، فلما عرضتها عليه قال: وأين لكن؟ ثم قال: ما أحسن هذا النحو! فسمي النحو نحواً".
قوله: (سيبويه)، قال الأنباري: هو أبو بشر عمرو بن عثمان، وسيبويه لقب، ومعناه بالفارسية: رائحة التفاح. وكان من أهل فارس من البيضاء، ومنشؤه بالبصرة، وصنف كتاباً لم يسبقه أحد قبله ولا لحقه أحد بعده.
قوله: (واللغوي)، الجوهري: اللغة أصلها لغى أو لغو، والهاء عوض، وجمعها لغى، مثل برة وبرى، ولغات أيضاً، الأساس: إذا أردت أن تسمع من الأعراب فاستلغهم، أي: فاستنطقهم، وتقول: اسمع لغواهم. يقال: لغوت بكذا: لغطت به، ومنه اللغة.
وفي الاصطلاح: هو معرفة أفراد الكلم وكيفية أوضاعها.
стр. 53
علك اللغات بقوة لحييه؛ لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق؛ إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما علم المعاني وعلم البيان،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (علك)، أي: مضغ ولاك واللحي: منبت اللحية من الإنسان. عبر عن كثرة ممارسة الرجل اللغات العويصة الصعبة واستنباطه الشعب المستخرجة منها بحيث لا يتأتى منها شيء بهذه العبارة.
قوله: (ولا يغوص)، يقال: غاص في الماء. عدي بـ "على" لإرادة معنى الاستعلاء، يقال: فلان يغوص على حقائق العلم أي: يتوغل فيها.
قوله: (قد برع)، يقال: برع الرجل وبرع بالضم أيضاً براعة: فاق أصحابه فهو بارع.
قوله: (علم المعاني)، وهو تتبع خواص التركيب في الإفادة ليحترز عن الخطأ في التطبيق، و"علم البيان" هو معرفة إيراد المعنى الواحد المأخوذ من المعاني في طرق مختلفة الدلالة بالخفي والأخفى لتمام المراد من المبالغة، نبه بتكرار لفظ "علم" على استحقاق كل منهما أن يسمى علماً برأسه، ولم يرد بالاختصاص أنهما لم يستعملا إلا في كلام الله المجيد، بل أراد أنهما لم يستعملا في كلام كاستعمالهما في التنزيل، وأن الواقف على اسراره مفتقر إليها كل الافتقار.
قال صاحب "المفتاح": الويل كل الويل لمن يتعاطى التفسير وهو فيهما راجل. وقال: لا علم في باب التفسير بعد علم الأصول، أقرأ منهما على المرء لمراد الله من كلامه، ولا
стр. 54
وتمهل في ارتيادهما آونة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أعون على تعاطي تأويل مشتبهاته، ولا أنفع لدرك لطائف نكاته، ولا أكشف للقناع عن وجه إعجازه.
وقال المصنف: "حتى يعلموا أن في عداد العلوم الدقيقة علماً لو قدروه حق قدره، لما خفي عليهم أن العلوم كلها مفتقرة إليه وعيال عليه". وقال: "كم آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول قد ضيم وسيم الخسف بالتأويلات الغثة والوجوه الرثة؛ لأن من أول ليس من هذا العلم في عير ولا نفير، ولا يعرف قبيلاً من دبير".
ويقال أيضاً: إن كتابه هذا مما ضيم وسيم الخسف حيث أجري على ظواهره، ولم يفتش عن مكنون ضمائره، وأن من تصدى له ليس له نصيب واف ولا حظ وافر من هذين العلمين، حتى احتجبت عنه مستترات دقائقه، وعمت عليه مستودعات حقائقه.
قوله: (تمهل)، أي: سبق واتأد، من الألفاظ المشتركة، المغرب: تمهل في الأمر: اتأد فيه، وتمهل أيضاً: تقدم، من المهل بالتحريك وهو التقدم. قال الأعشى:
إن محلاً وإن مرتحلاً … وإن في السفر إذ مضوا مهلاً
والمقام يحتمل المعنيين. و"تمهل" عطف على "برع".
قوله: (في ارتيادهما)، هو افتعال من راد الكلام: إذا طلبه.
قوله: (آونة)، جمع أوان، كأزمنة وزمان. وأفعلة من جموع القلة.
стр. 55
وتعب في التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة الله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولا ارتياب أن هذا الفن فن- كما قال صاحب "المفتاح"- لا تلين عريكته، ولا تنقاد قرونته لمجرد استقراء صوره، وتتبع مظان أخوات لها؛ بل لابد من ممارسات كثيرة ومراجعات طويلة مع فضل إلهي. لكنهم قد يعبرون عن المعنى بضده تهكماً أو تمليحاً، وعلى هذا بنى المصنف كلامه. يعني من حق الاهتمام بشأن هذين العلمين أن يستفرغ المحصل جهده، ويفني فيهما عمره، وذلك قليل نزر لمن يبتغي كشف أسرار كلام الله المجيد، ونحوه في الأسلوب قوله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ .... ) [البقرة: ١٤٤] قال المصنف: ومعناه كثرة الرؤية.
يعني: من حق اهتمامك بشأن القبلة- مع كثرة تقلب وجهك في السماء- أن تكون أكثر مما وجد منك وشوهد ن حالك؛ لأن أصل أمرك أن تستقبل قبلة آبائك؛ لكونه أدعى للعرب إلى الإيمان، ولوجوب مخالفة اليهود.
وفي عكسه وضع "خطى" في قوله: "خطى يسيرة" موضع خطوات يعني: أنك ترى تفاوتاً كبيراً بين عالِمٍ وعالِمٍ في متون العلوم وأصولها، وإذا أمعنت النظر وحققت عرفت أن التفاوت يسير.
قوله: (في التنقير)، التنقير: الفحص والبحث. استعير من نقر الطائر، الأساس: من المجاز نقرت عن الخبر ونقرت عنه: بحثت.
قوله: (وبعثته)، من: بعثته على الشيء: إذا استحثثته وحرضته عليه.
قوله: (مظانهما)، وهو جمع مظنة، ومظنة الشيء: موضعه ومألفه الذي يظن كونه فيه.
قوله: (لطائف حجة الله)، قيل: هي القرآن: أي: من اللطائف الكائنة في القرآن. وألطف
стр. 56
وحرص على استيضاح معجزة رسول الله، بعد أن يكون آخذاً من سائر العلوم بحظ، جامعاً بين أمرين: تحقيق وحفظ، كثير المطالعات، طويل المراجعات، قد رجع زماناً ورجع إليه، ورَدَّ ورُدّ عليه، فارساً في علم الإعراب، مقدماً في حملة الكتاب، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منه: أن المراد بلطائف حجة الله ما في القرآن من إثبات الحجج وإقامة البينات على وجه دقيق لطيف، مثل ورودها على أسلوب الاستدراج وإرخاء العنان، وما فيه من وجه الإعجاز الدال على معجزة رسول الله ﷺ من الفصاحة والبلاغة والإخبار عن المغيبات.
قوله: (على استيضاح)، وهو: أن تضع يدك على عينيك تنظر هل تراه.
قوله: (طويل المراجعات)، أي: طالما رجع إلى العلماء النحارير، ثم رجع إليه التلامذة مدة مديدة.
قوله: (قد رجع)، جملة منفصلة بيان قوله: "طويل المراجعات"، ويجوز أن تكون حالاً من المستتر في "طويل".
قوله: (مسترسل الطبيعة)، المغرب: الإرسال خلاف التقييد. ومنه: الوصية بالمال المرسل يعني المطلق غير المقيد بصفة الثلث أو الربع.
الجوهري: استرسل الشعر، أي: صار سبطاً. وبعير رسل، أي: سهل السير.
الأساس: استرسل الشيء إذا تسلس، وفي مشية هذه الدابة استرسال: إذا لم يكن فيها سرعة، وناقة رسلة: فيها لين. والمناسب في هذا المقام أن يكون من السير السهل، واللين لاستدعاء المنقاد إياه، وسهولة السير لإرخاء الراكب الزمام، وانقيادها لانثناء زمامها. استعار
стр. 57
مشتعل القريحة وقادها، يقظان النفس دراكاً للمحة وإن لطف شانها، منتبهاً على الرمزة وإن خفي مكانها، لاكزاً جاسياً، ولا غليظاً جافياً،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لجودة سماحة القريحة وسهولة تأتيها للمعاني الدقيقة سهولة سير الناقة بسبب إرخاء زمامها وانقيادها عند انثنائه.
قوله: (وقادها)، تكميل لقوله: "مشتعل القريحة"؛ لئلا يتوهم أن قريحته كنار العرفج في أنها متقاصرة البقاء سريعة الاشتقال. وهما تكميل لقوله: "مسترسل الطبيعة"؛ لدفع توهم الجمودة. وإنما خصت القريحة بالاشتعال- وهي مستعارة من أول الماء المستنبط من البئر مكا مر- لإيهام الجمع بين الضدين. قال أبو العلاء:
تبين فوقه ضحضاح ماء … وتبصر فيه للنار اشتعالا
قوله: (دراكاً)، فعالاً من الدرك، أي: كثير الدرك لدقيق المعاني.
قوله: (منتبهاً)، نبهته على الشيء أوقفته، وانتبه مطاوع له، ومنتبهاً هو السماع.
قوله: (على الرمزة)، وهي الإشارة والإيماء بالحاجب.
قوله: (لاكزاً)، الكز: هو الانقباض واليبس. رجل كَزٌّ وقوم كُزٌّ بالضم.
قوله: (جاسياً)، جسأت يده من العمل تجسأ جسئاً: صلبت، والاسم: الجسأة مثل الجرعة. وهي في الدواب: يبس المعطف.
قوله: (جافياً)، الأساس: ثوب جاف: غليظ، وهو من جفاة العرب، المغرب: الجفاء غالب على أهل البدو، وهو الغلظ في العشرة، والخرق في المعاملة، وترك الرفق. وفي الكلام
стр. 58
متصرفاً ذا دربة بأساليب النظم والنثر، مرتاضاً غير ريض بتلقيح بنات الفكر،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إيماء إلى اللف والنشر؛ فإن كل واحد من المنفيين تأكيد لكل من المثبتين السابقين.
قوله: (ذا دربة بأساليب)، وهي جمع أسلوب، وهي الفنون، الأساس: سلكت أسلوب فلان: طريقته، وكلامه على أساليب حسنة. والدربة: التجربة والاعتياد.
قوله: (النظم)، وهو الكلام الموزون المقفى مع قصده. وعلم الشعر مندوب إليه، عن عمر ﵁: عليكم بديوانكم. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فيه تفسير كتابكم.
قوله: (مرتاضاً)، والمرتاض: الذي تمت رياضته، والريض: الذي يستحق الرياضة، ولم يرض بعد، وشارف أن يراض.
الأساس: راض الدابة رياضة وارتاضت دابته. ومهر ريض: لم يقبل الرياضة ولم يمهر المشي، وناقة ريض: عسير.
قوله: (بنات الفكر)، قالوا: هي المقدمات التي إذا ركبت تركيباً خاصاً أدت إلى المطلوب، والفكر: هو حركة النفس من المطالب إلى تلك الأوائل والرجوع منها إليها، و"التلقيح": عبارة عن ترتيب تلك المبادئ وجعلها مؤدية إلى المطالب. أو يقال: إن بنات
стр. 59
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفكر هي النتيجة، ومنه بنت الشفة للكلام. وفي قوله: "تلقيح بنات الفكر" دقيقة جليلة، وهي: أن الأصل في التلقيح بعد الاستعارة أن يطلق على استعمال الشخص القوة المفكرة بأن يرتب أموراً حاصلة في الذهن، ليتوصل بها إلى تحصيل ما ليس بحاصل، والمحصول منه بعد الترتيب يسمى نتيجة، وفعله تلقيحاً. والمصنف يسمي النتيجة بنات الفكر، وجعل التلقيح في النتيجة. وهذا المعنى موجود في الكنايات التلويحية. قال حسان:
يغشون حتى ما تهر كلابهم … لا يسألون عن السواد المقبل
فإن النتيجة الحاصلة من مفهوم المشطور الأول أن الضيفان تغشاهم، وكلابهم لا تنبح، ثم نتيجته أنها لما شاهدت وجوهاً إثر وجوه استأنستهم، ثم نتيجته أن الممدوح مضياف، ثم أنه جواد.
ثم اكتفى بهذا القدر من البيان فبنى اسم الفاعل وهو قوله: "مرتاضاً" من "افتعل" للتصرف لإظهار ما ينبغي حصوله بالتكرار، ثم أكد ذلك بقوله: "غير ريض"؛ لئلا يتوهم أن "مرتاضاً" من تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه. ونحن نقتفي آثاره ونلقح بنات فكره؛ فإن قوله: "مرتاضاً غير ريض" من بنات فكره، ثم ما نكدح فيه هو التلقيح. وهذه المعاني الدقيقة المستنبط منها هي النتيجة، ثم تكرارنا هذه المعاني مرة بعد أخرى في تركيب غب تركيب هو الارتياض.
стр. 60
قد علم كيف يرتب الكلام ويؤلف، وكيف ينظم ويرصف، طالما دفع إلى مضايقه، ووقع في مداحضه ومزالقه .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كيف يرتب)، مفعول "علم" على تأويل قد علم ما يجاب به كيف يرتب.
واعلم أن معرفة ترتيب الكلام وترصيفه، ونظم التركيب وتأليفه من الأصول المعتبرة في فن البلاغة والفصاحة. قال صاحب "المفتاح": "وإنها لمحك البلاغة ومنتقد البصيرة". وقد قصر بعض الأئمة البلاغة على معرفة الفصل والوصل. ومن وقف على كتابنا المترجم بـ "التبيان" ظهر له من قسم المعاني في باب الفصل والوصل عنوانها، ومن قسم البيان في ترشيح الاستعارة وتجريدها، والمشاكلة فيها بيانها، ومن قسم البديع في الائتلاف والتكرير، والترقي، والتكميل والتتميم أنواع شجونها، ومن فن الفصاحة من باب أوصاف الألفاظ المفردة والمركبة أصناف شجونها.
قوله: (طالما)، قال المطرزي: "ما" في "طالما" و"قلما" كافة بدليل عدم اقتضائهما الفاعل، وتهيئتهما لوقوع الفعل بعدهما، وحقهما أن تكتب موصولة بهما، كما في: ربما وإنما وأخواتهما؛ للمعنى الجامع بينهما، كذا قاله المحققون منهم ابن جني.
وقال ابن درستويه: لا يجوز أن يوصل بـ "ما" شيء من الأفعال سوى نِعم وبِئس. والقول هو الأول، هذا إذا كانت كافة، فأما إذا كانت مصدرية فليس إلا الفصل.
ومن الاتفاقات الحسنة أني دفعت إلى هذا المضيق ووقعت في هذا المقام الدحض،
стр. 61
ولقد رأيت إخواننا في الدين من أفاضل الفئة الناجية العدلية، الجامعين بين علم العربية والأصول الدينية، كلما رجعوا إلي في تفسير آية فأبرزت لهم بعض الحقائق من الحجب؛ أفاضوا في الاستحسان والتعجب، واستطيروا شوقاً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وسئلت عن موقع هذه الجملة في الكلام. فأجبت أنها داخلة في حيز المنصوبات: إما خبر مثلها، أو حال من ضمير "علِمَ" على التأويل، وأنها مستأنفة على أنها ترجيع للمعنى الذي اعتنى بشأنه مرة بعد مرة، وتطرية لذكر ما اهتم به كرة بعد كرَّة؛ وذلك أنه لما ذكر أولاً "قد برع في علمين مختصين بالقرآن" أتبعه بقوله: "وتمهل في ارتيادهما آونة" وحين ثنى بقوله: "بعد أن يكون أخذ من سائر العلوم بحظ" عقبه بقوله: "قد رجع زماناً ورُجع إليه" وكما قال: "ذا دربة بأساليب النظم" كر إلى قوله: "طالما دُفع إلى مضايقه" ولهذا السر قال صاحب "المفتاح": هذا العلم لا تلين عريكته ولا تنقاد قرونته … إلى آخره.
قوله: (العدلية)، قيل: إنما سموا أنفسهم بأهل العدل والتوحيد؛ لأنهم نفوا صفات الله التي أثبتها الأشاعرة من القدماء؛ لئلا يلزم التعدد في القديم المقابل للتوحيد، وأوجبوا على الله تعالى الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية؛ لئلا يلزم الظلم عليه تعالى المقابل للعدل.
قوله: (فأبرزت)، معطوف على "رجعوا" و"أفاضوا" جواب "كلما"، والجملة الشرطية ثاني مفعولي "رأيت"، وكلما لعموم الأوقات. و"ما" مع ما بعدها من الفعل في تأويل المصدر.
قوله: (واستطيروا)، أي: استفزوا، قيل: استطير فلان فرحاً؛ إذا حلق به كأنه حُمِلَ على الطيران لخفته، قال:
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم … طاروا إليه زرافات ووحدانا
стр. 62
إلى مصنف يضم أطرافاً من ذلك، حتى اجتمعوا إلي مقترحين أن أُملي عليهم في الكشف عن حقائق التنزيل، .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أطرافاً)، مستعار من أطراف المدينة- وهي سوادها ونواحيها- للكلام المبسوط ذي الذيول والتتميمات، و"من ذلك" بيان "أطرافاً"، والمشار إليه ما دل عليه "أبرزت"، وهو المبرز المملي المكرر، وفيه وجهان:
أحدهما: أن يراد به ضم ذلك المبرز، وجمع ذلك المتفرق في مصنف.
وثانيهما: أن يراد مصنف يحتوي جنس "ذلك" المبرز وأمثاله، فـ "ذلك" ها هنا مثل "تلك" في قوله تعالى: (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة: ١١١] قال: أشير بها إلى الأماني المذكورة، أو أريد: أمثال تلك الأمنية أمانيهم، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. هذا هو الوجه.
قوله: (مقترحين)، الاقتراح: الاستدعاء والطلب. اقترحت عليه شيئاً: سألته من غير روية، الراغب: اقترحت الجمل: ابتدعت ركوبه، واقترحت كذا على فلان: ابتدعت التمني عليه، واقترحت بئراً: استخرجت [منه] ماءً قراحاً.
قوله: (أن أملي عليهم)، قال في "المقدمة": أمليت عليه الكتاب. فالتقدير: أن أملي عليهم كتاباً في الكشف. ويجوز أن يكون من باب قوله: يجرح في عراقيبها نصلي، أي: أن
стр. 63
وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، فاستعفيت، فأبوا إلا المراجعة والاستشفاع بعظماء الدين وعلماء العدل والتوحيد.
والذي حداني على الاستعفاء على علمي أنهم طلبوا ما الإجابة إليه علي واجبة؛ لأن الخوض فيه كفرض العين؛ ما أرى عليه الزمان من رثاثة أحواله، وركاكة رجاله، وتقاصر هممهم عن أدنى عدد هذا العلم، فضلاً أن تترقى إلى الكلام المؤسس على علمي المعاني والبيان،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أجعل الإملاء مظروفاً للكشف، ومكاناً له. المعنى: لا يتجاوز الإملاء الكشف، فالكشف هو المملى.
قوله: (فاستعفيت)، أي: طلبت الإعفاء، عطف على "اجتمعوا"، والاستثناء في قوله: "إلا المراجعة" مفرغ. وفي "أبوا" معنى النفي.
قوله: (لأن الخوض فيه)، إما علة "طلبوا"، أي: طلبوا مني المملى؛ لأن خوضي فيه كفرض العين، أو علة "واجبة".
قوله: (رثاثة أحواله)، الأساس: رجل رث الهيئة، وكلام رث: غث سخيف.
الجوهري: فلان في هيئته رثاثة، أي: بذاذة.
قوله: (عدد هذا العلم)، الجوهري: العدد: جمع عدة. وهي الاستعداد. والعدة أيضاً: ما أعددته لحوادث الدهر من المال والسلاح.
قوله: (فضلاً)، مصدر فعل محذوف، وهو حال من "هممهم" أي: تفضل فضلاً، أي: تجاوز تجاوزاً. يستعمل هذا في موضع يستبعد فيه الأدنى ويراد به استحالة ما فوقه؛ ولهذا يقع بين كلامين متغايرين معنى نحو "لكن".
стр. 64
فأمليت عليهم مسألة في الفواتح، وطائفة من الكلام في حقائق سورة البقرة، وكان كلاماً مبسوطاً كثير السؤال والجواب، طويل الذيول والأذناب، وإنما حاولت به التنبيه على غزارة نُكَتِ هذا العلم، وأن يكون لهم مناراً ينتحونه، ومثالاً يحتذونه، فلما صمم العزم على معاودة جوار الله، والإناخة بحرم الله، فتوجهت تلقاء مكة، وجدت في مجتازي بكل بلد من فيه مسكة من أهلها- وقليل ما هم- عطشى الأكباد إلى العثور على ذلك المملى، متطلعين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فأمليت)، عطف على "فأبوا"، و"الفواتح" هي الحروف المبسوطة في أوائل السور. واسم "كان" في قوله: "كان كلاماً مبسوطاً" ضمير يرجع إلى المملى، وفي "به" إلى قوله: "كلاماً مبسوطاً". "حاولت": طلبت. الجوهري: حاولت الشيء: أردته.
قوله: (مُسكة)، أي: بقية، الجوهري: يقال: فيه مسكة من خير، أي: بقية.
الأساس: ومن المجاز: أنه ذو مسكة وتماسك: ذو عقل.
قوله: (متطلعين)، متشوفين. حال من الضمير العائد إلى "من" في "عطشى"، وهو مفعول ثان لـ "وجدت". فانظر إلى اختلاف العبارات من معبر واحد. فإن "من" في قوله: "من فيه مسكة" لما كان يستوي فيه الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث اعتبرها في كلامه أجمع. قال أولاً اعتباراً للفظ: "فيه"، ثم اعتداداً للمعنى: "هم"، ثم نظراً إلى الجمع بمعنى الجماعة "عطشى"، وإلى الجمع بمعنى العقلاء "متطلعين"؛ وذلك أن الذي عنده مسكة لما لم يوجد إلا واحد بعد واحد وحده، والقليل إذا تُطلع إلى كماله اعتد كثيراً، فكثرهم في قوله: "عطشى"، وجمعهم في "متطلعين".
قوله: (إلى العثور)، الأساس: ومن المجاز قولك: عثر على كذا: اطلع عليه.
стр. 65
إلى إيناسه، حراصاً على اقتباسه، فهز ما رأيت من عطفي، وحرك الساكن من نشاطي، فلما حططت الرحل بمكة، إذا أنا بالشعبة السنية، من الدوحة الحسنية، الأمير الشريف الإمام شرف آل رسول الله أبي الحسن علي بن حمزة بن وهاس- أدام الله مجده، وهو النكتة والشامة في بني الحسن، مع كثرة محاسنهم، وجموم مناقبهم- أعطش الناس كبداً، وألهبهم حشى، وأوفاهم رغبة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلى إيناسه)، الإيناس: الإبصار. يقال: نست منه رشداً، أي: أبصرته، وهو أيضاً خلاف الإيحاش.
قوله: (فهز)، الفاء جيء للسببية، و"ما" فاعل هز، والعائد محذوف، و"من" للتبعيض. قال المصنف في قوله تعالى: (وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [البقرة: ٢٦٥]: من للتبعيض، مثلها في قولهم: هز من عطفي، أي: حصل في بعض الارتياح؛ لأن هز العطف- وهو الجانب- كناية عن تحصيل السرور، أو عن التنبه عن الغفلة.
قوله: (إذا أنا بالشعبة)، العامل في "إذا" فاجأت، و"الدوحة": الشجرة العظيمة ذات أغصان وشعب.
"الأمير" بدل من: "الشعبة" أو عطف بيان، وهذا البيان يخرج الكلام عن الاستعارة إلى التشبيه، كقوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧].
(الشامة): الخال. فلان نكتة في قومه وشامة، أي: علم ومشار إليه.
قوله: (أعطش الناس)، حال من "الشعبة" على رأي من يجعل "أفعل كذا" نكرة؛ لأن الإضافة غير محضة، بدليل قولهم: مررت برجل أفضل الناس، أي: أفضل من الناس، على إثبات "من" كأنه قيل: من باقي الناس. ويؤيده مجيء "من" صريحاً فيما عطف عليه في قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) [البقرة: ٩٦]، والمسألة مذكورة في
стр. 66
حتى ذكر أنه كان يحدث نفسه- في مدة غيبتي عن الحجاز مع تزاحم ما هو فيه من المشاده- بقطع الفيافي وطي المهامه، والوفادة علينا بخوارزم، ليتوصل إلى إصابة هذا الغرض، فقلت: قد ضاقت على المستعفي الحيل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"اللباب". ويروى "أعطش" مرفوعاً خبر لمبتدأ محذوف. وكان أبو الحسن مشهوراً بابن وهاس السليماني، وهو فقيه مكة، مدحه المصنف بقوله:
ولولا ابن وهاس وسابغ فضله … رعيت هشيماً واستقيت مصردا
قوله: (من المشاده)، وهي الشواغل، الأساس: وهو مشدوه، وهو في مشاده: في مشاغل. وقيل: قياس واحده مشدة، وهو غير مستعمل.
والفيفاء: الصحراء الملساء، والجمع الفيافي، والمهامه: جمع مهمه، وهو المفاوز البعيدة.
قوله: (والوفادة)، من الوفد، المغرب: الوفد: القوم يفدون على الملك يأتون في أمر فتح أو تهنئة، الأساس: ومن المجاز: الحاج وفد الله.
قوله: (علينا)، اعلم أن في اختلاف الضمائر على سبيل الالتفات عدة نكات: عدل أولاً من التكلم عن نفسه وحده إلى الجماعة؛ لمناسبتها لفظ الوفادة، تعظيماً لنفسه، ثم رجع إلى الواحد في قوله: "على المستعفي"، ووضع المظهر موضع المضمر للإشعار بالقصور والعجز، ثم طوى ذكر نفسه في "ففرغ" هضماً وانكساراً وتنبيهاً على أن الفراغ كان بتسديد الله وتوفيقه، لا من نفسه. وكذا في قوله: "يقدر" ليعم المقدرين؛ تفخيماً لهذا الأمر، ثم رجع عوده إلى بدئه في قوله: "أفيضت علي" ليخص نفسه بإفاضة البركات عليها. وفي قوله: "آيات هذا البيت"، و"بركات" اقتباس من قوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ* فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
стр. 67
وعيت به العلل، ورأيتني قد أخذت مني السن، وتقعقع الشن، وناهزت العشر التي سمتها العرب دقاقة الرقاب، ........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعيت)، هو من العي، يقال: عييت بأمري، إذا لم تهتد لوجهه، أي: كثرة الأعذار أعيتني. قال في "المقدمة": يقال: عي في الأمر وعي به بمعنى، أي: عجز عنه. فقوله: "وعيت به العلل" الباء للتعدية. أي: أعيته العلل.
ويجوز أن يكون التركيب من القلب المقبول لتضمنه معنى لطيفاً. والأصل أنه عيي بالعلل، لكن لما طالت العلل صارت كأنها متضجرة منه لكثرة تكررها عليه فأسند العي إليها مبالغة.
قوله: (أخذت مني السن)، أي: نقصت الشيخوخة من قواي، كقوله تعالى: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ) [يس: ٦٨] وحقيقته: أن العمر استوفى مني حقه. فنبه الشيخ به على الخطأ الذي عليه الناس؛ فإنهم يزعمون أن الإمداد في العمر زيادة، فقال: هو في الحقيقة نقصان.
قوله: (وتقعقع)، التقعقع: صوت يبس القربة، أي: جف جلده. "ناهزت": أشرفت.
قوله: (دقاقة الرقاب)، مثل يضرب في الهلاك. والعشر المشار إليه ما بين الستين إلى السبعين، روى الصغاني في "كشف الحجاب عن أحاديث الشهاب" في قسم الحسان عن أبي هريرة: "معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين"، وعنه: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين".
стр. 68
فأخذت في طريقة أخصر من الأولى، مع ضمان التكثير من الفوائد والفحص عن السرائر، ووفق الله وسدد، ففرغ منه في مقدار مدة خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وكان يقدر تمامه في أكثر من ثلاثين سنة! وما هي إلا آية من آيات هذا البيت المحرم، وبركة أفيضت علي من بركات هذا الحرم المعظم، أسأل الله أن يجعل ما تعبت فيه منه سبباً ينجيني، ونوراً لي على الصراط يسعى بين يدي وبيميني، ونعم المسؤول.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مدة خلافة أبي بكر)، أي كان يقدر تمامه في مدة خلافة الخلفاء الراشدين وهي ثلاثون سنة، ففرغ منه في مدة خلافة أقصرهم مدة، وهي سنتان وأربعة أشهر. وفيه تمليحان.
قوله: (ما تعبت فيه منه سبباً ينجيني)، يجوز أن يكون الضمير في "فيه" عائداً إلى "ما"، وفي "منه" إلى الله تعالى، و"منه" حال من "سبباً" قدم للاهتمام، وأن يكون الضمير في "فيه" لله تعالى، أي: في طاعة الله تعالى وسبيله، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) [العنكبوت: ٦٩]، وفي "منه" لـ "ما". المعنى: يجعل ما تعبت منه في سبيل الله سبباً لنجاتي.
قوله: (بين يدي وبيميني)، أي: يسعى متقدماً علي وجنيباً لي. اقتبس من قوله تعالى: (يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) [الحديد: ١٢]، والله أعلم.
стр. 69
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة فاتحة الكتاب
مكية، وقيل: مكية ومدنية؛ لأنها نزلت بمكة مرة وبالمدينة أخرى.
وتسمى أم القرآن؛ لاشتمالها على المعاني التي في القرآن:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة فاتحة الكتاب، وهي سبع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (سورة فاتحة الكتاب مكية، وقيل: مكية ومدنية)، الكواشي: والصحيح أنها مكية. والقاضي: وقد صح أنها مكية. لقوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي) [الحجر: ٨٧]، وهو مكي.
قوله: (لاشتمالها على المعاني التي في القرآن)، أي: القرآن يفصل معنى ما أجملته "الفاتحة": ومنه سميت مكة أم القرى؛ لدحو الأرض من تحتها. قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: وسميت "الفاتحة": أم الكتاب؛ لأنها يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة.
стр. 70
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القاضي: وهي مشتملة على الحكم النظرية والأحكام العملية التي هي سلوك الطريق المستقيم، والاطلاع على مراتب السعداء ومنازل الأشقياء. ويمكن أبسط من هذا بأن يقال: إنها مشتملة على أربعة أنواع من العلوم التي هي مناط الدين:
أحدها: علم الأصول، ومعاقده: معرفة الله وصفاته، وإليها الإشارة بقوله: (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ومعرفة النبوات وهي المرادة بقوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، ومعرفة المعاد وهو المومى إليه بقوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ).
وثانيها: علم الفروع، وأسه العبادات، وهو المراد بقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ).
والعبادات: بدنية ومالية، وهما مفتقرتان إلى أمور المعاش من المعاملات والمناكحات، ولابد لها من الحكومات، فتمهدت الفروع على هذه الأصول.
وثالثها: علم ما به يحصل الكمال، وهو علم الأخلاق. وأجله الوصول إلى الحضرة الصمدانية والالتجاء إلى جناب الفردانية، والسلوك لطريقه والاستقامة فيها، وإليه الإشارة بقوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ* اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).
ورابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم السالفة والقرون الخالية: السعداء منهم والأشقياء، وما يتصل بها من وعد محسنهم، ووعيد مسيئهم، وهو المراد بقوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ). ونبين هذا المعنى مزيد كشف إذا شرعنا في تفسيرها على هذا النمط، فليكن على ذكر منك ليكون حاكماً فيصلاً.
стр. 71
من الثناء على الله بما هو أهله، ومن التعبد بالأمر والنهي، ومن الوعد والوعيد؛ وسورة الكنز، والوافية لذلك، وسورة الحمد، والمثاني؛ لأنها تثنى في كل ركعة، وسورة الصلاة؛ لأنها تكون فاضلة أو مجزئة بقراءتها فيها، وسورة الشفاء، والشافية. وهي سبع آيات بالاتفاق،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومن التعبد بالأمر والنهي)، الأساس: تعبدني فلان واعتبدني: صيرني كالعبد له. وتعبد فلان: تنسك، وقعد في متعبده. وعدي بالباء لتضمنه معنى التكليف، أي: كلفه بالأمر والنهي تعبداً، أي: بالمأمور والمنهي. ويجوز أن تكون الباء كما في كتبت بالقلم، والأمر والنهي على حقيقتهما.
قوله: (والوافية لذلك)، أي: تسمى الكنز والوافية للمعنى المذكور، وهو اشتماله على المعاني.
قوله: (في كل ركعة)، أي: صلاة، قال الله تعالى: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) [البقرة: ٤٣] وقيل: لأنها تثنى بسورة أخرى في كل ركعة.
قوله: (لأنها تكون فاضلة أو مجزئة)، تعليل لوجه مناسبة اسم الصلاة للفاتحة، فإن الحنفية يقولون: إنما سميت سورة الصلاة؛ لكونها فاضلة، أي: قراءتها في الصلاة أولى من غيرها، والشافعية يعللون التسمية بأن الصلاة إنما تكون مجزئة بها.
стр. 72
إلا أن منهم من عد (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) دون التسمية، ومنهم من مذهبه على العكس.
[(بسم الله الرحمن الرحيم) ١]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلا أن منهم من عد (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) دون التسمية، ومنهم من مذهبه على العكس)، قال في "المرشد": إن وقفت على (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) كان آخر آية على مذهب أهل المدينة والبصرة، وهو جائز، وليس بحسن؛ لأن "غير" مجروراً متعلق به على الوصفية أو البدلية، ومنصوباً على الحالية أو الاستثنائية، وجوازه إنما يكون بالخبر المروي أنه ﷺ كان يقف عند أواخر الآيات. وهذا آخر آية عند من ذكرت، فهذا وجه جوازه. تم كلامه.
قلت: القول الثاني أولى؛ لأن (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) لا يناسب وزانه وزان فواصل السورة، ولما روى محيي السنة في "شرح السنة" عن ابن جريج، أخبرني أبي، عن سعيد ابن جبير: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) [الحجر: ٨٧] هي أم القرآن. قال أبي: وقرأها علي سعيد بن جبير حتى ختمها، ثم قال: (بسم الله الرحمن الرحيم)، الآية السابعة، قال سعيد: قرأها علي ابن عباس كما قرأتها عليك ثم قال: (بسم الله الرحمن الرحيم) الآية السابعة.
стр. 73
قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها على أن التسمية ليست بآية من الفاتحة، ولا من غيرها من السور، وإنا كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها، كما بدئ بذكرها في كل أمر ذي بال، وهو مذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه، ومن تابعه؛ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قراء المدينة والبصرة والشام)، قال في "الشعلة": من مكة ابن كثير، ومن الكوفة عاصم والكسائي يعتقدون أن البسملة من "الفاتحة" ومن كل سورة، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير، ومذهب الشافعي وعطاء والزهري وابن المبارك ﵃، ومن الكوفة أيضاً حمزة يعتقد أنها من "الفاتحة" ليس إلا، والقرآن جميعه بمنزلة سورة واحدة، وهذا قول سعيد بن المسيب. ومن البصرة أبو عمرو، ومن المدينة نافع، ومن الشام ابن عامر على أنها ليست بآية من "الفاتحة" ولا من غيرها. وما في "النمل" بعض آية. وهذا قول ابن مسعود، ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد ﵃.
قوله: (في كل أمر ذي بال)، روى الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح فيه بذكر الله فهو
стр. 74
ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة. وقراء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وعليه الشافعي ﵁، وأصحابه؛ ولذلك يجهرون بها.
وقالوا: قد أثبتها السلف في المصحف مع توصيتهم بتجريد القرآن؛ ولذلك لم يثبتوا (آمين)، فلولا أنها من القرآن لما أثبتوها.
وعن ابن عباس ﵄: من تركها فقد ترك مئة وأربع عشرة آية من كتاب الله.
فإن قلت: بم تعلقت الباء؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبتر، أو قال: أقطع".
النهاية: البال: الحال والشأن. وأمر ذو بال، أي: شريف يحتفل به ويهتم. والبال في غير هذا: القلب.
وقيل: إنما قيل: ذو بال؛ لأنه من حيث إنه يشغل القلب كأنه ملكه، وكان صاحب بال. ويجوز أن يقال للأمر الخطير: ذو بال، على الاستعارة المكنية، ويجعل قوله: "أبتر" ترشيحاً لها على نحو (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) [الكوثر: ٣] كما جعله صلوات الله عليه ذا رأس وذروة سنام في قوله: "رأس الأمر الإسلام، وذروة سنامه الجهاد" الحديث أخرجه الترمذي.
قوله: (من تركها فقد ترك مئة وأربع عشرة آية)، هذا القول إما للتغليب أو للتغليظ على التوبيخ، أو يدخل فيه ما في "النمل"؛ لأن النفي وارد على ترك ما تصدق عليه البسملة، أو على أن البسملة ينبغي أن تصدر بها سورة "براءة" أيضاً على اعتقاده. وينصره ما رويناه عن
стр. 75
قلت: بمحذوف تقديره: بسم الله أقرأ، أو أتلو؛ لأن الذي يتلو التسمية مقروء، كما أن المسافر إذا حل أو ارتحل .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترمذي وأبي داود: سأل ابن عباس عثمان ﵄: ما حملكم على أن لا تكتبوا "بسم الله الرحمن الرحيم" يعني في "البراءة". الحديث.
قوله: (بمحذوف)، لأن حروف الجر لا تنفك عن متعلق؛ لأن وضعها لإفضاء معاني الأفعال إلى الأسماء، غير أنها تدل على مطلق الفعل، ولابد في تخصيصه من قرينة. وفيما نحن فيه القرينة ما يتبع التسمية، وهو قوله: (الحَمْدُ لِلَّهِ)، وهو مقروء متلو، فدل ذلك على أن المضمر: أقرأ أو أتلو، والتعليل في قوله: "لأن الذي يتلو" لتعيين المقدر.
وكان الأنسب أن يقال: الذي يتلو التسمية القراءة؛ لأن الابتداء بالتسمية غنما يكون في الفعل الذي يريد أن يفعله المسمي، يدل عليه قوله: "كل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله الرحمن الرحيم كان مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له"، والمضمر الفعل لا المفعول، كما أن تسمية الذابح إنما يتلوها الذابح لا المذبوح.
قال: صاحب "الانتصاف": "الذي يقدره النحاة هو: أبتدئ فعل القراءة، والعام
следующие страницы →