Полный текст (9 345 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فإن قلت: لم قرنت الاستعانة بالعبادة؟ قلت: ليجمع بين ما يتقرب به العباد إلى ربهم وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته، فإن قلت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويمكن أن يعبر بلسان أهل العرفان ويقال: إن الحمد مبادئ حركة المريد، فإن نفس السالك إذا تزكت، ومرآة قلبه إذا انجلت فلاحت فيها أنوار العناية- والعناية هي التي أوجبت الولاية- تجردت النفس الزكية للطلب، فرأت آثار نعم الله عليها سابغة، وألطافه غير متناهية، فحمدت على ذلك وأخذت في الذكر، فكشف لها الحجاب من ما وراء أستار العزة عن معنى رب العالمين، فشاهدت ما سوى الله على شرف الفناء، مفتقرة إلى المبقي محتاجة إلى التربية؛ فترقت لطلب الخلاص من وحشة الإدبار وظلمة السكون إلى الأغيار. فهبت لها من نفحات جناب القدس نسيمات ألطاف الرحمن الرحيم، فعرجت من هذا المقام بلمعات بوارق الجلال من وراء سجاف الجمال إلى الأحد الصمد، المالك الحقيقي، فنادت بلسان الاضطرار في مقام (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: ١٦]: أسلمت نفسي إليك، وألجأت ظهري إليك. وهناك خاضت لجة الوصول، وانتهت إلى مقام العين فحققت نسبة العبودية فقالت: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وهنا انتهاء مقام السالك. ألا ترى إلى سيد الخلق كيف عبر عن مقامه هذا بقوله: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الإسراء: ١]؟ فطلبت التمكين بقوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ* اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، واستعاذت عن التلوين بقوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)، فقصد مستكملاً ورجع مكملاً. وفي كلام صاحب "المفتاح" إيماء إلى هذا المعنى.
قوله: (من جهته)، الضمير راجع إلى "ما يتقرب" يعني أنهم يتقربون بالعبادة، ويطلبون ما هو المحتاج إليه في هذه العبادة، وهو إعانة الله إياهم على العبادة. وهذا التقدير ملائم
стр. 142
فلم قدمت العبادة على الاستعانة، قلت: لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة؛ ليستوجبوا الإجابة إليها. فإن قلت: لم أطلقت الاستعانة؟ قلت: ليتناول كل مستعان فيه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للتفسير الثاني للاستعانة. وعليه يتوجه السؤال بأن يقال: إن كان طلب الإعانة على الطاعة مقدماً على الطاعة، فكيف أخره؟ فيجاب: قدم لكونه وسيلة وأخر لكونه طلباً.
قوله: (ليستوجبوا الإجابة عليها)، الانتصاف: أهل السنة لا يعتقدون وجوب الثواب على الله تعالى، بل يقولون: هو تفضل منه وإحسان، لكنه يجب بإيجابه، فإما أن يكون الزمخشري أراد صدق الخبر، أو أجرى ذلك على قواعده في اعتقاد وجوب الجزاء.
الإنصاف: إن في قوله: "تقديم العبادة كالوسيلة"، إشعاراً بأنهم فعلوا بقدرتهم ليحصلوا ما ليس من قدرتهم، وهو الاستعانة، وكلاهما من فضل الله.
قوله: (ليتناول كل مستعان فيه)، يعني: لم يذكر متعلق الاستعانة لقصد التعميم، فلو ذكر لقصر عليه.
الانتصاف: قوله: أطلق ليشمل في الموضعين ليس بمسلم، فإن الفعل لا عموم له كمصدره، والإطلاق يقتضي الإبهام والشيوع، والنفس إلى المبهم أتوق لتعلق الآمال المختلفة بالمبهم دون المعين.
وقلت: ليس هذا من العام الذي توهمه، ولا من المطلق الذي تصوره؛ بل هو من قبيل المقيد الذي قصد بإطلاقه توخي العموم؛ ولذلك قال: أطلق ليشمل؛ وذلك أن قرائن المقام دلت على أن المستعان فيه ما هو، فلم يلتفت إليه، وقصد الإطلاق؛ ولذلك إذا قصد تقييده بأحد ما هو شائع فيه قيل: هذا تحكم، بخلاف المطلق المتعارف! ألا ترى على كلام صاحب
стр. 143
والأحسن أن تراد الاستعانة به، وبتوفيقه على أداء العبادة، ويكون قوله: (اهْدِنَا) بياناً للمطلوب من المعونة؛ كأنه قيل: كيف أعينكم؟ فقالوا: اهدنا الصراط المستقيم، وإنما كان أحسن لتلاؤم الكلام، وأخذ بعضه بحجزة بعض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"المفتاح": "أو القصد إلى نفس الفعل بتنزيل المتعدي منزلة اللازم- ذهاباً في نحو: فلان يعطي ويمنع: إلى معنى: يفعل الإعطاء- إيهاماً للمبالغة بالطريق المذكور في إفادة اللام الاستغراق"؟ والمذكور قوله: فإذا كان المقام خطابياً مثل: المؤمن غر كريم؛ حمل المعرف باللام- مفرداً كان أو جمعاً- على الاستغراق بعلة إيهام أن القصد إلى فرد دون فرد آخر مع تحقق الحقيقة فيهما يعود إلى ترجيح أحد المتساويين. أولا ترى إلى معنى التعليل في قول المصنف: "لأن من أنعم الله عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا اشتملت عليه"؟ فإن قرائن المقام دلت على أن المتعلق المضمر هو الإسلام؛ فاستدعى معنى العموم إطلاق الإنعام بإطلاقه على الإسلام مجازاً؛ ليشمل كل إنعام. ولو ذكر نعمة الإسلام لاقتصر عليها ولم ينبه على هذه النكتة.
قوله: (والأحسن أن تراد الاستعانة به وبتوفيقه)، أي: الاستعانة بتوفيقه. وقوله: "به" توطئة. فعلى هذا ترك المتعلق للاختصار لقرينة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)؛ لأن الإقامة على أداء العبادة لا تتأتى إلا بالتوفيق.
قوله: (لتلاؤم الكلام)، يقال: لاءمت القوم ملاءمة إذا أصلحت وجمعت بينهم. وإذا اتفق شيئان فقد التأما.
وحجزة الإزار: معقده، وحجزة السراويل: التي فيها التكة.
المعنى: إذا قدر التعميم في "نستعين" لم يوافق "اهدنا"؛ لأن المطلوب في "اهدنا" خاص و"نستعين" عام. وكذا إنما يكون ملائماً لأول الكلام وهو: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إذا قدر التوفيق؛ لأن العبادة لا تتم إلا باستعانة الله وتوفيقه. فعلى هذا قوله: "ويكون قوله: اهدنا" عطف على "أن يراد".
стр. 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولقائل أن يقول: الحمل على العموم أولى؛ لتتوافق ألفاظ هذه السورة الكريمة في المعنى المطلوب منها كما كرر، ولأن التوسل بالعبادة إلى تحصيل مرام يستوعب جميع ما يصح أن يستعان فيه ليدخل فيه التوفيق أيضاً دخولاً أولياً أولى من طلب مجرد التوفيق. ويلائمه أيضاً قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: ٦]؛ لأن صراط المسلمين أعم من العبادات؛ إما دنيا: فالعبادات والاعتقادات وعلم الأخلاق والسياسات والمعاملات والمناكحات وغير ذلك، وإما عقبى: فالنجاة من شدائد البرزخ والحشر والصراط والميزان ومن عذاب النار والوصول إلى دار القرار، والفوز بالدرجات العلى. وكل ذلك مفتقر إلى إعانة الله وفضله. وفي قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: ١٥٣] بعد قوله: (أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً .. ) [الأنعام: ١٥١] الآيات إيماء إلى هذا المعنى. وأيضاً، طرق الضلالات التي يستعاذ منها بقوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) [الفاتحة: ٧] لا نهاية لها، وباستعانته يتخلص من مهالكها.
فإن قلت: المراد بالعبادة في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) هي وما يتعلق بها وما تتوقف عليه؟ قلت: فإذن وافقت الاستعانة في العموم. وأيضاً قوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) مطلق كما قال: "أطلق ليشمل كل إنعام" قال القاضي: والضمير المستكن في الفعلين للقارئ ولسائر الموحدين. أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم، وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها ويجاب إليها؛ ولهذا شرعت الجماعة. انظر إلى هذه الاعتبارات الدقيقة في معنى الشمول والعموم لتعثر على تلك الرمزة وهي كونها أم القرآن ومطلع التنزيل.
стр. 145
وقرأ ابن حبيش: (نستعين) بكسر النون.
[(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) ٦].
هدى: أصله أن يتعدى باللام، أو بـ "إلى"، كقوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء: ٩]، (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى: ٥٢]، فعومل معاملة "اختار" في قوله تعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) [الأعراف: ١٥٥]،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("نستعين" بكسر النون)، قيل: هي لغة بني تميم، فإنهم يكسرون حروف المضارعة إذا لم ينضم ما بعدها، سوى الياء لاستثقال الكسرة عليها.
قوله: (أن يتعدى باللام أو بـ "إلى")، روي عن المصنف: يقال: هداه لكذا وإلى كذا: إذا لم يكن في ذلك، فيصل إليه بالاهتداء، وهداه كذا- بدون اللام و"إلى"- محتمل للحالين بين أن يكون فيه وبين أن لا يكون، حتى لا يجوز أن يقال في قوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: ٦٩]: لسبلنا إلى سبلنا. وفيه بحث لجواز تقدير الإرادة في الأول، أي قوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) أو إرادة تحصلي المراتب العالية في الثاني؛ ومن ثم جمع السبيل، كأنه قيل: من جاهد في سبيل واحد لنهدينهم إلى سبل الخيرات كلها، كما ورد "من عمل بما علم ورثه الله عِلم ما لم يعلم"، ولا فرق بين إلى واللام. وقال في قوله تعالى: (مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ) [آل عمران: ١٩٣] يقال: دعاه لكذا وإلى كذا، وناداه له وإليه، ونحوه: هداه للطريق وإليه؛ وذلك أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص واقعان جميعاً، أي: يجمعها معنى الحصول والوصول.
стр. 146
ومعنى طلب الهداية وهم مهتدون: طلب زيادة الهدى بمنح الألطاف، كقوله: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى) [محمد: ١٧]، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: ٦٩].
وعن علي وأبي ﵄: (اهدنا): ثبتنا، وصيغة الأمر والدعاء واحدة؛ لأن كل واحد منهما طلب،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومعنى طلب الهداية)، على تقدير سؤال وهو أن يقال: كيف طلبوا الهداية وهم مهتدون؟ وهل هذا إلا تحصيل للحاصل؟ وأجاب بجوابين: أحدهما: أنهم طلبوا الزيادة، وثانيهما: طلبوا الثبات. قال القاضي: والمطلوب إما زيادة ما منحوه من الهدى، أو الثبات عليه، أو حصول المراتب المترتبة عليه. فإذا قاله العارف الواصل عنى به: أرشدنا طريق السير لتمحو عنا ظلمات أحوالنا وتميط غواشي أبداننا؛ لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك.
قوله: (الألطاف)، وهي جمع لطف. وهو في عرف المتكلمينك ما يختار عنده المكلف الطاعة وينتهي بسببه عن المعصية. وتمام تقريره سيجيء في أول "البقرة". ومنح الألطاف ها هنا هو التوفيق المراد بالاستعانة على تقريره.
قوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: ٦٩]، تقرير الاستشهاد به أنه تعالى أثبت لهم الجهاد على لفظ الماضي، وأوقع ضمير التعظيم ظرفاً له على المبالغة، أي: في سبيلنا ووجهنا مخلصين لنا، ولا يكون مثل هذا الجهاد إلا هداية لا غاية بعدها. ثم قال: (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) على الاستقبال، وصرح بلفظ "سبلنا"، ولا يستقيم تأويله إلا بما ذكر من طلب الزيادة بمنح الألطاف.
قوله: (وصيغة الأمر والدعاء واحدة؛ لأن كل واحد منهما طلب)، يعني: صيغة الأمر حقيقة في القول للطالب للفعل، وهو المختار.
стр. 147
وإنما يتفاوتان في الرتبة، وقرأ عبد الله: (أرشدنا).
(السراط): الجادة، من سرط الشيء؛ إذا ابتلعه؛ لأنه يسترط السابلة إذا سلكوه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإنما يتفاوتان في الرتبة)، أي: صيغة افعل إما أن تصدر عن مساو للمخاطب أو لا، والأول الالتماس، والثاني إما أن يصدر عمن له الاستعلاء أو لا، والأول الأمر، والثاني الدعاء.
قوله: (وقرأ عبد الله)، إذا قيل: عبد الله مطلقاً، فهو ابن مسعود. قال صاحب "الجامع": كان من خواص رسول الله ﷺ ، وصاحب سره وسواكه ونعله وطهوره في السفر، شهد بدراً وما بعدها من المشاهد، وهاجر إلى الحبشة، وصلى إلى القبلتين، وكان سادساً في الإسلام، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وكان يشبه النبي ﷺ في سمته ودله وهديه.
قوله: (السابلة)، الأساس: مرت السابلة والسوابل، وهم المختلفون في الطرقات لحوائجهم.
الراغب: يقال: الصراط والزراط والسراط. والأصل سرطت الطعام وزردته: إذا ابتلعته. وسمي بذلك تصوراً أنه إما أن يبتلعه سالكه أو يبتلع هو سالكه. ألا ترى أنه قيل: فلان أكلته المفازة إذا أضمرته أو أهلكته، وأكل المفازة إذا قطعها؟ وعلى هذا النحو قال أبو تمام:
رعته الفيافي بعد ما كان حقبة … رعاها وماء الروض ينهل ساكبه
وقيل: قتل أرضاً عالمها، وقتلت الأرض جاهلها.
стр. 148
كما سمي لقماً؛ لأنه يلتقمهم، والصراط، من قلب السين صاداً؛ لأجل الطاء، كقوله: (مصيطر) في (مسيطر)، وقد يشم الصاد صوت الزاي، وقرئ بهن جميعاً، وفصحاهن إخلاص الصاد، وهي لغة قريش، وهي الثابتة في الإمام. ويجمع: سرطاً، نحو: كتاب وكتب، ويذكر ويؤنث كالطريق والسبيل، والمراد به: طريق الحقن وهو ملة الإسلام.
[(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) ٧].
بدل من الصراط المستقيم، وهو في حكم تكرير العامل؛ كأنه قيل: اهدنا الصراط المستقيم، اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم، كما قال: (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) [الأعراف: ٧٥]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وسمي الطريق: اللقم والملتقم على هذا النحو، وذلك في معنى الملقوم، كالنقض بمعنى المنقوض.
قوله: (مسيطر)، المسيطر: المسلط على الشيء، الأساس: وهو مسيطر علينا ومتسيطر: متسلط ومالك.
قوله: (وقرئ بهن)، الضمير عائد على قراءة "سراط" بالسين، وإلى قلبها صاداً، وإلى إشمام الصاد الزاي. قال في "الشعلة": قرأ قنبل بالسين على الأصل، وغيره بإبدالها صاداً لتجانس الطاء في الاستعلاء والإطباق، فإنهم كرهوا أن يخرجوا من السين وهو مهموس مستفل منفتح إلى الطاء وهو مجهور مستعل مطبق.
стр. 149
فإن قلت: ما فائدة البدل، وهلا قيل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم؟
قلت: فائدته التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير والإشعار بأن الطريق المستقيم بيانه وتفسيره: صراط المسلمين، ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده، كما تقول: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان، فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل؛ لأنك ثنيت ذكره مجملاً أولاً، ومفصلاً ثانياً، وأوقعت فلاناً تفسيراً وإيضاحاً للأكرم الأفضل؛ فجعلته علماً في الكرم والفضل، فكأنك قلت: من أراد رجلاً جامعاً للخصلتين فعليه بفلان فهو المشخص المعين؛ لاجتماعهما فيه غير مدافع ولا منازع ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقرأ خلف بإشمام الصاد الزاي، بالغ في طلب المشاكلة بين الزاي والطاء؛ لأنها تزيد على الصاد في الموفاقة للطاء بالجهر.
قوله: (ما فائدة البدل وهلا قيل: اهدنا صراط الذين؟ )، قد يظن أنه سؤالان، وليس به؛ بل هو سؤال واحد، فإنه لما قال: "صراط الذين أنعمت عليهم: بدل من الصراط المستقيم، وهو في حكم تكرير العامل" اتجه لسائل أن يقول: لم أطنب الكلام وكرر المعنى الواحد، وهلا اقتصر على قوله: "اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم"، وما فائدة هذا التكرير؟ يدل عليه تقديم الفائدة في الجواب وكونه منطوياً على جواب واحد.
قوله: (فجعلته علماً في الكرم والفضل)، يعني أن البدل فيه معنى التكرير ومعنى التوضيح. فالتوضيح يرفع الإبهام عن نفس المتبوع، والتوكيد يرفع إبهام ما عسى أن يتوهم في النسبة. وإلى التوكيد الإشارة بقوله: "التوكيد لما فيه من التثنية"، وإلى التوضيح الإشارة بقوله:
стр. 150
و (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) هم المؤمنون، وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام؛ لأن من أنعم الله عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا أصابته واشتملت عليه، وعن ابن عباس ﵄: هم أصحاب موسى ﵇ قبل أن يغيروا، …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"والإشعار بأن الطريق المستقيم بيانه وتفسيره"، ثم إذا اجتمع رفع الإبهامين يصير ذلك المبهم مشخصاً معيناً، وهو المراد بقوله: "فهو المشخص المعين لاجتماعهما فيه غير مدافع ولا منازع"، فإذن الفرق بين التأكيد وعطف البيان والبدل هو: أن البدل يوضح المتبوع كالبيان، ويؤكد أمر المتبوع في النسبة كالتأكيد، وفيه أمر زائد عليهما وهو أنه توكيد لنفس النسبة، وإليه أومأ بقوله: "كأنه قيل: اهدنا الصراط المستقيم، اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم".
قوله: (ليشمل كل إنعام)، تعليل للإطلاق، وقوله: "لأن من أنعم الله عليه" تعليل للاشتمال، يعني أن الأصل أن يذكر متعلق "أنعمت"، وهو الإسلام، فأطلق ليشمل كل إنعام، ثم كنى به عن ذلك المقيد ليؤذن بأن نعمة الإسلام مشتملة على جميع النعم، فلو قيد أولاً، لم يفد هذه الفائدة.
قال الإمام: النعمة عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير. وسيجيء تقرير هذا التعريف في سورة "لقمان" إن شاء الله تعالى.
وقال القاضي: الإنعام إيصال النعمة، وهي في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان؛ فأطلقت لما يستلذه من النعمة وهي اللين، ونعم الله- وإن كانت لا تحصى- منحصرة في جنسين: دنيوي وأخروي.
والدنيوي: إما موهبي كخلق البدن والقوى الحالة فيه ونفخ الروح وإشراقه بالعقل
стр. 151
وقيل: هم الأنبياء، وقرأ ابن مسعود: (صراط من أنعمت عليهم). (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) بدل من (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) على معنى أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من غضب الله والضلال، أو صفة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان، وبين السلامة من غضب الله والضلال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وما يتبعه من القوى كالفهم والفكر، أو كسبي: كتزكية النفس عن الرذائل، وتحليتها بالأخلاق الفاضلة، وكتزيين البدن بالهيئات المستحسنة والمال والجاه.
والأخروي: أن يغفر ما فرط منه، ويرضى عنه ويبوئه في مقعد صدق. والمراد ها هنا القسم الأخير، فإن ما عداه يشترك فيه المؤمن والكافر.
وقلت: الأشبه الحمل على الإطلاق كما ذكر المصنف. نعم الذرائع النعم العاجلة لتحصيل النعم الآجلة؛ ولهذا من الله تعالى على حبيبه بقوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) [الضحى: ٦] إلى آخر السورة.
قوله: (وقيل: هم الأنبياء)، يدل عليه قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ) [مريم: ٥٨] قال: "مِنْ" للبيان؛ لأن جميع الأنبياء منعم عليهم. وأولى الوجوه الأول؛ إذ عم كل من آمن بالله من الأنبياء وغيرهم ليطابق ألفاظ السورة، ويعضده قوله: (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، لا توقيت فيه".
قوله: (على معنى أن المنعم عليهم هم الذين سلموا)، يعني إنما يصح إبدال هذا من ذلك إذا اعتبر مفهوم أحدهما مع منطوق الآخر ليتفقا. ولذلك قال: "هم الذين سلموا من غضب الله"، ووسط ضمير الفصل، وهو من بدل الكل. وإذا جعل (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) صفة لـ (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) كان من قبيل: شجاع باسل؛ من إقامة الوصف مقام الموصوف
стр. 152
فإن قلت: كيف صح أن يقع "غير" صفة للمعرفة وهو لا يتعرف وإن أضيف إلى المعارف؟ قلت: (الذين أنعمت عليهم) لا توقيت فيه، فهو كقوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لرسوخه فيه، فآذن ذلك بأن تلك الذات جامعة لهذين المعنيين، وإليه الإشارة بقوله: "على أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وبين السلامة من غضب الله".
قوله: (لا يتعرف)، يقال: تعرفت ما عند فلان، أي: تطلبت حتى عرفت.
قوله: (لا توقيت فيه)، أي: "الذين أنعمت عليهم"، قريب من النكرة؛ لأنه لم يقصد به قوم بأعيانهم، و"غير المغضوب عليهم" قريب من المعرفة بالتخصيص الحاصل لها بالإضافة. وكل واحد منهما فيه إبهام من وجه واختصاص من وجه.
التخمير: المؤقت في الأصل: هو الذي حد وقته، ثم جعل عبارة عن المحدود.
قوله: (ولقد أمر على اللئيم يسبني)، تمامه:
فمضيت ثمة قلت: لا يعنيني
لم يرد باللئيم لئيماً بعينه، ولا كل اللئام لاستحالته، ولا الحقيقة لاستحالة أن يمر على مجرد الحقيقة لعدمها في الخارج بل لئيماً من اللئام، واللام للعهد الذهني "المعبر عنه بتعريف الجنس على ما سبق في (الْحَمْدُ لِلَّهِ) ".
قال ابن الحاجب: الحقيقة الذهنية معرفة في الذهن، نكرة في الخارج، فقوله: "يسبني" صفة للئيم.
стр. 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الزجاج: وهو بمنزلة قولك: إني أمر على الرجل مثلك فأكرمه، هذا المثال أظهر؛ لأن الأول يحتمل الحال.
وأجيب أنه لا يحتملها؛ لأن القائل يمدح نفسه ويصف أناته وتؤدته، وأن الحلم دأبه وعادته، لا أنه مر على لئيم معين مرة، وأنه احتمل مساءته ومسبته.
وعن بعضهم: لا يحتملها لئلا تكون مقيدة؛ لأن الجملة وهي "يسبني" إذا كانت حالاً تكون مقيدة بخلاف الصفة.
وقلت: دل عطف "فمضيت" و"قلت"- وهما ماضيان- على "أمر" وهو مضارع على إرادة الاستمرار المورث للعادة كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) [فاطر: ٢٩]، وعلى أن المسبة والتغافل إنما يحدثان منه عند مروره عليه.
فإن قلت: جعلت هذا الوجه- أي: عدم التعيين في الصفة والموصوف- أقوى الوجوه وقد روى الترمذي عن عدي بن حاتم: أن رسول الله ﷺ قال: "المغضوب عليهم اليهود والضالون هم النصارى".
قلت: قاله صلوات الله عليه وسلم تعريضاً بعدي؛ يدل عليه: ما روينا عن الترمذي أيضاً عن عدي قال: أتيت رسول الله ﷺ وكنت جئت بغير أمان ولا كتاب، فلما دفعت إليه أخذ بيدي ثم ساق الحديث إلى قوله: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال لي: "يا عدي، ما يفرك من الإسلام أن تقول: "لا إله إلا الله" فهل تعلم من إله سوى الله؟ قلت: لا، ثم قال: أتفر من أن يقال: الله أكبر، فهل تعلم شيئاً أكبر من الله؟ قلت: لا. قال: اليهود مغضوب
стр. 154
ولأن المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم، فليس في (غَيْرِ) إذن الإبهام الذي يأبى عليه أن يتعرف. وقرئ بالنصب على الحال،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عليهم والنصارى ضلال، قلت: فإني حنيف مسلم، فرأيت وجهه تبسط فرحاً" قلت: وكان عدي نصرانياً.
الراغب: إن قيل: كيف فسر على ذلك وكلا الفريقين ضال ومغضوب عليه؟
قيل: خص كل فريق منهم بصفة كانت أغلب عليهم، وإن شاركوا غيرهم في صفات ذم.
إن قيل: ما الفائدة في ترادف الوصفين، وأحدهما يقتضي الآخر؟
قيل: ليس من شرط الخطاب أن يقتصر في الأوصاف على ما يقتضي وصفاً آخر دون ذلك الآخر، ألا ترى أنك تقول: حي سميع بصير، والسمع والبصر يقتضي الحياة؟ ! ثم ليس من شرط ذلك أن يكون ذكره لغواً، وإنما ذكر (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)؛ لأن الكفار قد شاركوا المؤمنين في إنعام كثير، فبين بالوصف أن المراد ليس إلا نعمة مخصوصة.
قوله: (ولأن المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم)، قال أبو البقاء: إن "غير" إذا وقعت بين متضادين وكانا معرفتين تعرفت بالإضافة، كقولك: عجبت من الحركة غير السكون.
الراغب: الضلال والخطأ: العدول عن الطريق المستقيم، وعن الصواب، سواء كان العدول عن ذلك عمداً أو سهواً، وسواء كان يسيراً أو كثيراً، والصواب من الشيء يجري
стр. 155
وهي قراءة رسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب ﵁، ورويت عن ابن كثير. وذو الحال: الضمير في "عليهم"، والعامل "أنعمت"، وقيل: (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ): هم اليهود، لقوله: (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) [المائدة: ٦٠].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجرى القرطاس من المرمى في أنه هو الصواب وباقيه ضلال وخطأ؛ ولهذا قالوا: كوننا أخياراً من وجه واحد، وكوننا أشراراً من وجوه كثيرة.
ولصعوبة الصواب وكونه واحداً، ورد في الألفاظ النبوية: "استقيموا ولن تحصوا"، وعلى هذا النظر قال: "من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد".
وإذا علم هذا، علم أن ليس كل خطأ وضلال يستحق به العقاب الدائم؛ بل كما قد يسمى أكبر الكبائر نحو الكفر ضلالاً وباطلاً وخطاً، قد يسمى بذلك أصغر الصغائر، وقد يتقارب الوصفان جداً وموصوفاهما متباعدان، فعرض الضلال والخطأ عريض، والتفاوت بين أدناه وأقصاه كثير، ولذلك قال للنبي ﷺ : (وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى) [الضحى: ٧] أي: وجدت غير مهتد إلى ما سيق إليك من النبوة والعلم. وقوله: (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [آل عمران: ١٦٤] وقد يعبر عن سوء الاختيار نحو: (فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ) [الشعراء: ٢٠] ويعبر عن الخيبة قال: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ) [القمر: ٤٧].
قوله: (قراءة رسول الله ﷺ ، أي: عادته في القراءة، وإلا فجميع الروايات قراءته، وهذه القراءة شاذة سواء أسندت إلى رسول الله ﷺ أو نسبت إلى ابن كثير؛ لكونها لم تثبت عند الأئمة السبعة. قال الزجاج: ويجوز أن النصب على الحال، أي: أنعمت عليهم لا مغضوباً عليهم، أو
стр. 156
والضالون: هم النصارى لقوله: (قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ) [المائدة: ٧٧]. فإن قلت: ما معنى غضب الله؟ قلت: هو إرادة الانتقام من العصاة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على الاستثناء. وحق "غير" في الاستثناء النصب إذا كان ما بعد إلا منصوباً.
وقال الفراء: لا يجوز الاستثناء؛ لأنه حينئذ بمعنى سوى، فلا يجوز أن يعطف عليها بـ "لا"؛ لأنها نفي وجحد ولا يعطف الجحد إلا على الجحد، ولا يجوز: جاءني القوم إلا زيداً ولا عمراً. وأجازه الأخفش وقال: جاءني القوم إلا زيداً، معناه لا زيد فيجوز العطف عليه بـ "لا" حملاً على المعنى.
وقال أبو البقاء: وذو الحال الضمير في "عليهم"، ويضعف أن يكون حالاً من "الذين"؛ لأنه مضاف إليه، و"الصراط" لا يصح بنفسه أن يعمل في الحال. وقيل: يجوز ويعمل فيها معنى الإضافة.
قوله: (هو إرادة الانتقام)، المعنى ما سبق في الرحمن الرحيم. ولهذه الطريقة مسلك آخر وهو: أن الغضب تغير يحدث عند غليان دم القلب لإرادة الانتقام، وهو على الله تعالى محال، فيحمل على إرادة الانتقام. والقانون في أمثاله هو أن جميع الأعراض النفسانية مثل الرحمة والفرح والسرور والغضب والحياء والمكر والخداع والاستهزاء لها أوائل وغايات، فإذا وصف الله تعالى بشيء منها، يكون محمولاً على الغايات، لا على البدايات. مثاله: الغضب ابتداؤه غليان دم القلب، وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليهم؛ فلفظ الغضب في حق الله تعالى يحمل على إرادة الانتقام كما قاله، لا على غليان دم القلب. قال ابن
стр. 157
وإنزال العقوبة بهم، وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده، نعوذ بالله من غضبه، ونسأله رضاه ورحمته. فإن قلت: أي فرق بين (عَلَيْهِمْ) الأولى، و (عَلَيْهِمْ) الثانية؟ قلت: الأولى: محلها النصب على المفعولية، والثانية: محلها الرفع على الفاعلية. فإن قلت: لم دخلت "لا" في: (وَلا الضَّالِّينَ)؟
قلت: لما في "غير" من معنى النفي كأنه قيل: لا المغضوب عليهم ولا الضالين، وتقول: أنا زيداً غير ضارب،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جني: ولما ذكر النعمة صرح بالخطاب لموضع التقرب من الله بذكر نعمته، وأسند النعمة غليه، ولما صار إلى ذكر الغضب روى عنه تعالى الغضب وانحرف إلى الغيبة، فانظر إلى هذه الأسرار.
قوله: (وأن يفعل)، معطوف على إنزال العقوبة بهم من باب: أعجبني زيد وكرمه.
قوله: محلها الرفع على الفاعلية)، قال أبو البقاء: ليس في "غير المغضوب" ضمير؛ لقيام الجار والمجرور مقام الفاعل؛ ولذلك لم يجمع.
قوله: (لم دخلت لا؟ )، تقرير السؤال: لم دخلت "لا" في (وَلا الضَّالِّينَ) ولا منفي قبله، وإنما يؤتى بـ "لا" بعد حرف العطف إذا كان قبله منفي، يقال: ما جاء زيد ولا عمرو، ولا يقال: جاء زيد ولا عمرو؟
قوله: (لما في "غير" من معنى النفي)، اعلم أن "لا" مزيدة عند البصريين لتوكيد النفي، وعند الكوفيين بمعنى غير.
стр. 158
مع امتناع قولك: أنا زيداً مثل ضارب، لأنه بمنزلة قولك: أنا زيداً لا ضارب. وعن عمر وعلي ﵄ أنهما قرآ: (وغير الضالين).
وقرأ أيوب السختياني: (ولا الضالين) بالهمزة، كما قرأ عمرو بن عبيد: (ولا جأن) [الرحمن: ٣٩، ٥٦، ٧٤]، وهذه لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مع امتناع قولك: أنا زيداً مثل ضارب)، قال الزجاج: النحويون يجوزون أنت زيداً غير ضارب، ولا يجوزون: أنت زيداً مثل ضارب؛ لأن زيداً من صلة ضارب فلا يتقدم عليه. تم كلامه. وذلك أن وقوع المعمول فيما لا يقع فيه عامله ممتنع فامتنع قولك: أنا زيداً مثل ضارب؛ لأن "مثل" مضاف إلى ضارب و"زيداً" معموله، فكما لا يجوز تقدم ضارب على المثل لأنه مضاف إليه للمثل، لا يجوز تقدم "زيداً" عليه. وقولك: أنا زيداً غير ضارب، إنما يجوز؛ لأن "غير" لما كان متضمناً معنى النفي، كان بمنزلة: أنا زيداً لا ضارب، والإضافة في "غير" كلا إضافة.
قوله: (أيوب السختياني)، قال صاحب "الجامع": هو أيوب بن أبي تميمة السختياني كان إماماً ثقة ثبتاً حجة ورعاً، أتى أنساً، وسمع الحسن وابن سيرين. السختياني بسكون الخاء المعجمة وكسر التاء فوقها نقطتان وبالنون، منسوب إلى السختيان: وهي الجلود.
قوله: (جد في الهرب)؛ لأن التقاء الساكنين فيما إذ كان أولهما حرف لين والثاني مدغماً فيه مغتفر، فإذا هرب عن هذا الجائز فقد جد في الهرب.
стр. 159
ومنها ما حكاه أبو زيد من قولهم: شأبة ودأبة.
"آمين": صوت سمي به الفعل الذي هو استجب، كما أن: رويد، وحيهل، وهلم أصوات سميت بها الأفعال التي هي: أمهل وأسرع وأقبل. وعن ابن عباس سألت رسول الله ﷺ عن معنى آمين، فقال: "افعل"،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال ابن جني: ذكر أن أيوب سئل عن هذه القراءة فقال: هي بدل من المدة لالتقاء الساكنين، وحكى اللحياني في الباز: البأز بالهمزة. ووجهه: أن الألف ساكنة ومجاورة لفتحة الباء قبلها. وقد ثبت أن الحرف الساكن إذا جاور الحركة فإنهم ينزلونه منزلة المحتمل بها كما في الوقف على بكر هذا بكر.
قوله: ("آمين" صوت ٩، أي: لفظ سمي به الفعل. قال صاحب "الضوء": إنهم وإن قالوا: إن هذه الأسماء موضوعة مواضع الأفعال إلا أن ذلك تجوز منهم؛ لأنها موضوعة مواضع مصادر سادة مسد أفعالها. فإذا قلت: صه فمعناه: سكوتك بالنصب، أي: اسكت سكوتك ثم أقيم صه مقامه، ولما كان هو ساداً مسد الفعل عبر النحويون بأنه اسم للفعل قصراً للمسافة، وإلا فهو اسم للمصدر في الحقيقة. وقديماً كان يختلج هذا التأويل في صدري حتى ظفرت بنص من قبل أبي إسحاق الزجاج، فإنه ذكر في "آمين" أنه صوت موضوع موضع الاستجابة، كما أن "صه" موضوع موضع السكوت. وقال الزجاج: وحقه من الإعراب الوقف؛ لأنه بمنزلة الأصوات إذ كان غير مشتق من فعل إلا أن النون فتحت لالتقاء الساكنين.
стр. 160
وفيه لغتان: مد ألفه قوصرها، قال:
ويرحم الله عبداً قال آمينا
وقال:
أمين فزاد الله ما بيننا بعدا
وعن النبي ﷺ : "لقنني جبريل: آمين، عند فراغي من قراءة فاتحة الكتاب".
وقال: إنه كالختم على الكتاب، وليس من القرآن، بدليل أنه لم يثبت في المصاحف، وعن الحسن أنه لا يقولها الإمام؛ لأنه الداعي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويرحم الله)، تمامه:
يا رب لا تسلبني حبها أبداً
قوله: (أمين فزاد الله)، تمامه:
تباعد مني فطحل إذ لقيته
البيتان أنشدهما الزجاج.
قوله: (كالختم على الكتاب)، روينا عن أبي زهير النميري قال: قال رسول الله ﷺ لرجل قد ألح في المسألة: "أوجب أن ختم" فقيل: بأي شيء؟ قال: "بآمين" قال أبو زهير: آمين مثل الطابع على الصحيفة. أخرجه أبو داود.
كما أن الختم على الكتاب يمنعه من ظهور ما فيه على غير من كتب إليه- وهو الفساد- كذا الختم في الدعاء يمنعه من الفساد الذي هو الخيبة. لما روينا عن مسلم عن أبي هريرة قال:
стр. 161
وعن أبي حنيفة مثله، والمشهور عنه وعن أصحابه أنه يخفيها.
وروى الإخفاء عبد الله بن مغفل، وأنس عن رسول الله ﷺ ، وعند الشافعي ﵁ يجهر بها. وعن وائل بن حجر أن النبي ﷺ كان إذا قرأ (وَلا الضَّالِّينَ) قال: آمين، ورفع بها صوته. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: لأبي بن كعب: "ألا أخبرك بسورة لم ينزل في التوراة والإنجيل والقرآن مثلها؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: "فاتحة الكتاب، إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته". وعن حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتماً مقضياً، فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال رسول الله ﷺ : "إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم وليعظم الرغبة" أي: في الإجابة.
قوله: (في الكتاب)، المغرب: أكتب الغلام وكتبه: علمه الكتاب، ومنه سلم غلامه إلى مكتب أي: معلم الخط. روي بالتخفيف والتشديد. وأما المكتب والكتاب فمكان التعليم وقيل: الكتاب: الصبيان.
الجوهري: الكتاب: الكتبة، والكتاب أيضاً والمكتب واحد.
وعن المبرد: ومن قال للموضع: الكتاب فقد أخطأ. وفي معناه روينا عن الدارمي عن ثابت بن عجلان الأنصاري: كان يقال: إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم الصبيان بالحكمة صرف ذلك عنهم. يعني بالحكمة: القرآن.
стр. 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال محيي الدين النواوي صاحب "الروضة": ومن الموضوع الحديث المروي عن أبي ابن كعب في فضل القرآن سورة سورة، وقد أخطأ من ذكره من المفسرين. وزاد الصغاني: وضعه رجل من أهل عبادان وقال: لما رأيت الناس اشتغلوا بالأشعار وفقه أبي حنيفة ﵀ وغير ذلك ونبذوا القرآن وراء ظهورهم، أردت أن أضع لكل سورة فضيلة أرغب الناس بها في قراءة القرآن، وقل تفسير خلا من ذكر هذه الفضائل إلا من عصمه الله تعالى، والله أعلم بتحقيقه.
تمت السورة بحمد الله وحسن توفيقه
стр. 163
سورة البقرة
مدنية، وهي مئتان وسبع وثمانون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(الم)]
الم اعلم أنّ الألفاظ التي يتهجى بها أسماء،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة البقرة
مدنية، وهي مئتان وسبع وثمانون آية غير آية نزلت يوم عرفة بمنى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (الألفاظ التي يتهجى بها)، الأساس: تعلم هجاء الحروف وتهجيتها وتهجيها وهو يهجوها ويتهجاها: يعددها. وقيل لرجل من قيس: أتقرأ القرآن؟ فقال: والله ما أهجو منه حرفاً. ومن المجاز: فلانٌ يهجو فلاناً هجاءً: يعد معايبه.
стр. 164
مسمياتها الحروف المبسوطة التي منها ركبت الكلم، فقولك (ضاد) اسم سمى به «ضه» من ضرب إذا تهجيته، وكذلك: ((را))، ((با)): اسمان لقولك: ((ره))، ((به)) وقد روعيت في هذه التسمية لطيفة، وهي أن المسميات لما كانت ألفاظا كأساميها وهي حروف وحدان والأسامي عدد حروفها مرتق إلى الثلاثة، اتجه لهم طريق إلى أن يدلوا في التسمية على المسمى، ........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الحروف المبسوطة)، أي: حروف المباني المنثورة المفردة لا المركبة.
قوله: (ضه)، بغير إفصاح الهاء وإنما كتبت على لفظ الواقف. والضمير في ((تهجيته)) يعود إلى ((ضه))، وقيل: إلى ((ضرب))، وهو أحسن. و ((تسمي)) من قولهم: سميت زيداً: إذا ذكرته، لا من التسمية بمعنى: وضع الاسم للمسمى. وأما التسمية بمعنى الوضع فهو المراد من قوله: ((وقد روعيت في هذه التسمية)).
قوله: (وحدانٌ)، وهو جمع واحدٍ كركبانٍ جمع راكب.
قوله: (اتجه لهم)، يقال: اتجه لأمر كذا، أي: وجه وجهه إليه، الجوهري: اتجه له رأيٌ، أي: سنح.
قال الإمام قطب الدين الفالي تغمده الله بغفرانه: اعلم أن تصدير الاسم بالحرف المسمى يتوقف على ثلاثة أمورٍ:
أحدها: كون المسمى لفظاً؛ إذ لو كان معنًى لا لفظاً لم يمكن تصدير الاسم.
والثاني: كون المسمى حرفاً واحداً ليقع في الصدر.
والثالث: كون الاسم ثلاثياً؛ إذ لو كان الاسم حرفاً واحداً كالمسمى اتحد الاسم والمسمى، ولو كان اثنين لم يستقم أيضاً لوجهين:
стр. 165
فلم يغفلوها، وجعلوا المسمى صدر كل اسم منها كما ترى، إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها لأنه لا يكون إلا ساكنا.
ومما يضاهيها في إيداع اللفظ دلالة على المعنى: التهليل، والحولقة، والحيعلة، والبسملة وحكمها - ما لم تلها العوامل - أن تكون ساكنة الأعجاز موقوفة كأسماء الأعداد، فيقال: ألف لام ميم، كما يقال: واحد اثنان ثلاثه فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما أولاً: فلأن الاسم المتمكن لا يكون على حرفين.
وأما ثانياً: فلأن الحرف الثاني إما أن يكون صحيحاً، أو معتلاً، فإن كان صحيحاً لم يستقم لما مر، وإن كان معتلاً فلا يستقيم أيضاً لذلك، ولأنه قابلٌ للتنوين، وعند التنوين يسقط حرف لعلة، لاجتماع الساكنين. فإذا سقط حرف العلة عاد محذوراً اتحاد الاسم والمسمى، فتعين أن يكون ثلاثياًّ؛ إذ لا احتياج إلى الزيادة في المعنى.
قوله: (فلم يغفلوها)، الأساس: فلاةٌ غفلٌ: لا علم فيها، ونعمٌ أغفالٌ: لا سمة عليها.
المعنى: لم يجعلوا الأسامي أغفالاً لا سمة عليها من المسمى.
وقيل: لم يغفلوها: لم يتركوها، من قولك: أغفلت الشيء، إذا تركته. والضمير راجعٌ إلى الطريق أو إلى اللطيفة أي: ما تركوا تلك الطريق غير مسلوكةٍ، واللطيفة غير مرعية.
قوله: (استعاروا الهمزة مكان مسماها)، أي: مسمى الهمزة مكان مسمى الألف؛ لأن الألف اسم مدةٍ ساكنةٍ قبلها فتحة.
ذكر ابن جني في ((سر الصناعة)): أن الألف في الأصل اسم الهمزة، واستعمالهم إياها في غيرها توسع. وذلك أن الهمزة تصير هذه المدة إذا أتى في آخر الاسم، ثم لما غلب استعمال الألف في هذه المدة أهمل ما وضع عليها.
стр. 166
كقولك: هذه ألف، وكتبت ألفاً، ونظرت إلى ألف وهكذا كل اسم عمدت إلى تأدية ذاته فحسب، قبل أن يحدث فيه بدخول العوامل شيء من تأثيراتها، فحقك أن تلفظ به موقوفا. ألا ترى أنك إذا أردت أن تلقي على الحاسب أجناسا مختلفة ليرفع حسبانها، كيف تصنع؟ وكيف تلقيها أغفالا من سمة الإعراب؟ فتقول: دار، غلام، جارية، ثوب، بساط. ولو أعربت ركبت شططا.
فإن قلت: لم قضيت لهذه الألفاظ بالاسمية؟ وهلا زعمت أنها حروف كما وقع في عبارات المتقدّمين؟ قلت: قد استوضحت بالبرهان النير أنها أسماء غير حروف، فعلمت أن قولهم خليق بأن يصرف إلى التسامح، وقد وجدناهم متسامحين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلى تأدية ذاته فحسب)، الجوهري: أحسبني الشيء: كفاني. وحسبك درهمٌ، أي: كفاك. وذلك أن اللفظ موضوعٌ للمعنى، وحركات اللفظ الإعرابية دالةٌ على أحوال المعنى، فإذا لم يرد باللفظ إلا مجرد معناه يجاء به عرياًّ عما يدل على الأحوال الطارئة عليها عند الإعراب.
قوله: (ليرفع)، أي: ليضبط، الأساس: ومن المجاز: ارفع هذا الشيء: خذه.
قوله: (كما توقع)، صفة مصدرٍ محذوف. وفاعل ((وقع)) ضميرٌ يرجع إلى أنها حروف، الأساس: زعم فلانٌ أن الأمر كيت وكيت زعماً ومزعماً: إذا شك أنه حق أو باطل. وفي قوله مزاعم.: إذا لم يوثق به.
توجيه السؤال: لم قطعت الحكم باسميتها ولم لا تزعم كزعمهم؟
قوله: (قد استوضحت)، الأساس: وضحته وأوضحته واستوضحته: وضعت يدي على عيني أطلب أن يضح لي. واستوضح عن هذا الشيء: بحث عنه.
стр. 167
في تسمية كثير من الأسماء التي لا يقدح إشكال في اسميتها كالظروف وغيرها بالحروف، ومستعملين الحرف في معنى الكلمة، وذلك أن قولك: ((ألف)) دلالته على أوسط حروف ((قال)) و ((قام)) دلالة ((فرس)) على الحيوان المخصوص، لا فضل فيما يرجع إلى التسمية بين الدلالتين.
ألا ترى أنّ الحرف: ما دلّ على معنى في غيره، وهذا كما ترى دال على معنى في نفسه ولأنها متصرف فيها
بالإمالة كقولك: ((با))، ((تا)). وبالتفخيم كقولك: ((يا))، ((ها)). وبالتعريف، والتنكير، والجمع والتصغير، والوصف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كالظروف)، يعني نحو قبل وبعد، ويعدون ((إذا)) و ((متى)) من حروف الشرط؛ لأنهم لما رأوا أن بعض الأسماء بمنزلة الحروف في كونها لا تتم في الاستعمال إلا بانضمام شيءٍ معها، استعاروا لها اسم الحرف.
قوله: (ومستعملين الحرف في معنى الكلمة)، روينا عن الترمذي والدارمي عن ابن مسعودٍ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله مائة حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ)).
قال القاضي: المراد به غير المعنى الذي اصطلح عليه- وهو المعنى اللغوي- فإن تخصيصه به عزفٌ مجددٌ، ولعله سماه باسم مدلوله.
قوله: (وذلك أن قولك ألف)، هذا شروعٌ في البرهان الذي استوضح منه اسمية هذه الألفاظ. أتى بحد الاسم وخواصه من التعريف والتنكير والتصغير.
стр. 168
والإسناد، والإضافة، وجميع ما للأسماء المتصرفة. ثم إنى عثرت من جانب الخليل على نص في ذلك. قال سيبويه: قال الخليل يوما وسأل أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في ((لك)))، والباء التي في ((ضرب))؟ فقيل: نقول: باء، كاف فقال: إنما جئتم بالاسم، ولم تلفظوا بالحرف، وقال: أقول: ((كهْ))، ((بهْ)). وذكر أبو على في كتاب ((الحجة)) في: (يس): وإمالة (يا)، أنهم قالوا: يا زيد، في النداء. فأمالوا وإن كان حرفا، قال: فإذا كانوا قد أمالوا ما لا يمال من الحروف من أجل الياء، فلأن يميلوا الاسم الذي هو ((يس)) أجدر. ألا ترى أنّ هذه الحروف أسماء لما يلفظ بها؟ فإن قلت: من أي قبيل هي من الأسماء: أمعربة أم مبنية؟ ........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من جانب الخليل)، كنايةٌ عن تعظيمه كقولك: المجلس العالي. وحق له ذلك لما روى الأنباري: أن الخليل بن أحمد البصري كان سيد أهل العربية قاطبةً في علمه وزهده واستخراجه مسائل النحو وتعليله. أخذ من أبي عمرو بن العلاء وأخذ منه سيبويه.
قوله: (أقول: كه، به)، بإفصاح الهاء هاهنا للفصل.
قوله: (وذكر أبو علي)، قال الأنباري: هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي، كان من أكابر أئمة النحو، وعلت منزلته في النحو حتى قيل: ما كان بين سيبويه وأبي عليٍّ أفضل منه. صنف كتباً كثيرةً منها كتاب ((الحجة في علل القراءات السبع)).
قوله: (من أي قبيلٍ هي من الأسماء: أمعربةٌ أم مبنية؟ )، السؤال مبنيٌّ على الخلاف في أن الأسماء قبل التركيب هل هي معربةٌ أم مبنية؟
стр. 169
قلت: بل هي أسماء معربة، وإنما سكنت سكون زيد وعمرو وغيرهما من الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد مقتضيه وموجبه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الزجاج: هذه الحروف [ليست] تجري مجرى الأسماء المتمكنة والأفعال المضارعة التي يجب لها الإعراب، وإنما هي تقطيع الاسم المؤلف الذي لا يجب له الإعراب إلا مع كماله.
وقال: أجمع النحويون أن هذه الحروف مبنيةٌ على الوقف، بمعنى أنك تقدر أن تسكت على كل حرف وتجمع بين الساكنين كما بني العدد على السكون.
وقال ابن الحاجب: المعرب: المركب الذي لم يشبه مبني الأصل.
وفي سؤاله نوع إنكارٍ على جعل الألفاظ إما موقوفةً أو معربةً على ما بنى الكلام السابق عليه، وهو: ((وحكمها ما لم تلها العوامل أن تكون موقوفةً، فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب)) أي: الألفاظ الموقوفة من أي قبيلٍ هي من الأسماء؟ فإنها لا تخلو من هذين القبيلين. وما هذا التقسيم وتصريحه بذكر الأسماء إلا لمزيد الإنكار؛ ف ((أم)) في قوله: ((أم مبنية)) منقطعة، والهمزة فيها للإنكار، كأنه قال: أمعربةٌ؟ ثم أضرب عن هذا السؤال وأنكر أن تكون معربةً فقال: هي مبنيةٌ لفقد مقتضى الإعراب، وهو التركيب كما عليه مذهب ابن الحاجب وغيره. ولذلك أجاب بالإضراب عن السؤال في كونها مبنيةً، وقال: ((بل هي أسماءٌ معربة)) كزيدٍ وعمرو، وأقحم الأسماء أيضاً لمزيد الإنكار على كونها مبنية، أي: هي أسماءٌ غير
стр. 170
والدليل على أنّ سكونها وقف وليس ببناء: أنها لو بنيت لحُذي بها حذو:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مشابهةٍ للحروف كأين وكيف، بل هي أسماءٌ متمكنةٌ كزيدٍ وعمروٍ. وهذا مطابقٌ لحده المعرب في ((المفصل)): ((المعرب: المركب الذي يختلف آخره باختلاف العوامل، أي: من شأنه أن يختلف)).
ويجوز أن تكون ((أم)) متصلةً و ((بل)) إضرابٌ عن التردد. أي: سؤالك هذا يشعر بأنك مترددٌ في كونها معربةً، وليست بقاطعٍ فيه، فاقطع بأنها معربةٌ، فالمضرب لازم التركيب.
وقيل: الأصل في الكلمات إذا كن قابلاتٍ للإعراب، الإعراب الذي هو مسبب التركيب؛ لأن وضع الألفاظ لمسيس الحاجة إلى التعاون والتعارف، فوضعت بإزاء المعاني الذهنية لتفيد النسب دون المعاني المفردة، وإلا فتدور فقطعها عن التركيب عارضٌ كعروض الوقف، فاغتفر فيها التقاء الساكنين عند عروض عدم التركيب كما عند عروض الوقف، ولا يسكن آخر ما لا يقبل الإعراب إذا عدد نحو: أين، وكيف، وحيث، وحين؛ لأن حركتها لازمةٌ فلا تزول لعارض، وإنما زالت في الوقف للضرورة.
وقال المالكي: لم يبعد من الصواب رأي من جعله معرباً حكماً؛ إذ لو كان مبنياًّ لم يسكن وصلاً، إذا عددت نحو زيدٍ وعمرو؛ إذ لم يرد مبنيٌّ كذلك.
قوله: (إن سكونها وقف)، الوقف: قطع الكلمة عما بعدها، وهذه الفواتح وإن وصلت بما بعدها لفظاً، لكنها موقوفةٌ نيةً. يعني: أن سكونها ليس للبناء/، فإن الأسماء المبنية: إما مبنيةٌ
стр. 171
((كيف))، و ((أين))، و ((هؤلاء)). ولم يقل: ((ص))، ((ق))، ((ن)) مجموعا فيها بين الساكنين. فإن قلت: فلم لفظ المتهجي بما آخره ألف منها مقصورا، فلما أعرب مدّ فقال: هذه باء، وياء، وهاء وذلك يخيل أن وِزانها وزان قولك ((لا)) مقصورة فإذا جعلتها اسما مددت فقلت: كتبت (لاء)؟ قلت: هذا التخيل يضمحل بما لخصته من الدليل والسبب في أن قُصرت متهجاة، ومدّت حين مسها الإعراب: أنّ حال التهجي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على الحركة نحو كيف، وأين، وهؤلاء، أو على السكون على وجهٍ لا يلزم منه التقاء الساكنين ك: متى، وحتى. وهذه ليست كذلك؛ لأنها لو بينت لقيل: صاد وقاف بالفتح كالمبنيات، ولم يقل: صادٍ وقافٍ كزيدٍ وعمروٍ، جمعاً بين الساكنين.
قوله: (فلم لفظ المتهجي)، يعني: كأن القياس على ما ذهبت في نحو ((صاد)) و ((قاف)) أن يقال: ((باء)) و ((تاء)) مهموزةً ساكنةً، وحين لفظ المتهجي، حال التهجي مقصورةً، وممدودةً حالة التركيب، خيل حرفيتها مقصورةً، واسميتها ممدودةً، كقول حسان يمدح النبي ﷺ .
ما قال قط إلا في تشهده … لولا التشهد لم يسمع له لاء
ويؤيده ما روينا عن الدارمي عن جابرٍ قال: ((وما سئل رسول الله ﷺ شيئاً قط، فقال: لا)).
وأجاب: أن كونها مقصورةً ليس لكونها حرفاً، بل لأمرٍ آخر وهو طلب الخفة، فلم يعلم من ذلك حرفيتها، فوجب الرجوع إلى تلخيص الدليل وهو البرهان النير.
стр. 172
خليقة بالأخف الأوجز، واستعمالها فيه أكثر. فإن قلت: قد تبين أنها أسماء لحروف المعجم، وأنها من قبيل المعربة، وأن سكون أعجازها عند الهجاء لأجل الوقف، فما وجه وقوعها على هذه الصورة فواتح للسور؟ قلت:
فيه أوجه: أحدها وعليه إطباق الأكثر: أنها أسماء السور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قد تبين أنها أسماءٌ)، يعني أطنبت في تقرير كونها أسماء، وتركت المقصود الأولى وهو وجه وقوعها على هذه الصورة المخصوصة في أوائل السور من بيان فائدتها، وكيفية إعرابها فيها، وتخصيص كلٍّ من السور التي فاتحتها بما اختصت به، وتخصيص أعدادها وغير ذلك، فإن كل ذلك هو المطلوب في التفسير.
ودل على هذا الإنكار الفاء في قوله: ((فنا وجه وقوعها؟ )).
وأجاب عن ذلك بوجوهٍ ثلاثة: وهي أنها أسماءٌ للسور، أو هي كقرع العصا، أو أنها تقدمةٌ لدلائل الإعجاز، وضمن هذه الوجوه الثلاثة ما يقتضيها من الفوائد، ومن كونها معربةً أو محكيةً. ومن اختصاص أعدادها وغير ذلك كما سيرد، فعلم من هذا البيان أن الأبحاث السابقة كانت كالمقدمة للاحقة.
قوله: (لحروف المعجم)، الجوهري: العجم: النقط بالسواد.
ومنه حروف المعجم وهي الحروف المقطعة التي يختص أكثرها بالنقط. ومعناه حروف الخط المعجم، كما تقول: مسجد الجامع، أي: مسجد اليوم الجامع. وناسٌ يجعلون المعجم بمعنى الإعجام مصدراً مثل المخرج والمدخل، أي: من شأن هذه الحروف أن تعجم.
قوله: (وعليه إطباق الأكثر)، قال الإمام: هو قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبويه.
стр. 173
وقد ترجم صاحب الكتاب الباب الذي كسره على ذكرها في حد ما لا ينصرف ب ((باب أسماء السور)) وهي في ذلك على ضربين:
أحدهما ما لا يتأتى فيه إعراب، نحو: ((كهيعص))، و ((المر)).
والثاني: ما يتأتى فيه الإعراب، وهو إما أن يكون اسما فردا كصاد وقاف ونون، أو أسماء عدّة مجموعها على زنة مفرد ك: حم. وطس. ويس. فإنها موازنة لقابيل وهابيل، وكذلك طسم يتأتى فيها أن تفتح نونها، وتصير ((ميم)) مضمومة إلى طس فيجعلا اسماء واحد كدارابجرد فالنوع الأول محكي ليس إلا وأما النوع الثاني فسائغ فيه الأمران: الإعراب، والحكاية قال قاتل محمد بن طلحة السجاد وهو شريح ابن أوفى العبسي
يُذَكِّرُنِى حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ … فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ.
فأعرب حاميم ومنعها الصرف، وهكذا كل ما أعرب من أخواتها لاجتماع سببى منع الصرف فيها، وهما: العلمية، والتأنيث.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كسره)، أي جمعه، الأساس: ومن المجاز: كسر الطائر جناحيه كسراً: ضمهما للوقوع، وكسر الكتاب على عدة أبوابٍ وفصول.
قوله: (وهي في ذلك)، أي الفواتح في كونها أسماءً للسور.
قوله: (قاتل محمد بن طلحة)، في الاستيعاب)): هو محمد بن طلحة بن عبيد الله القرشي، المعروف بالسجاد. قتل يوم الجمل، وكان طلحة أمره أن يتقدم للقتال فنثل درعه بين رجليه وقام عليها، وكلما حمل عليه رجلٌ قال: نشدتك ب ((حم)) حتى شد عليه العبسي فقتله، وأنشأ يقول:
стр. 174
والحكاية: أن تجيء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته الأولى كقولك: دعني من ((تمرتان))، وبدأت بـ ((الحمد للَّه))، وقرأت ((سورة أنزلناها)). قال:
وَجَدْنا في كِتَابِ بَنى تَمِيم … أَحَقُّ الْخَيْلِ بالرَّكْضِ المُعَارُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأشعث قوامٍ بآيات ربه … قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
خرقت له بالرمح جيب قميصه … فخر صريعاً لليدين وللفم
على غير شيءٍ غير أن ليس تابعاً … علياًّ، ومن لا يتبع الحق يظلم
يذكرني .... ، البيت.
فلما رآه علي ﵁ بين القتلى، استرجع وقال: إن كان لشاباًّ صالحاً، ثم قعد كئيباً.
سمي السجاد لتعبده.
شجر الرمح: اختلف. والتشاجر: التخاصم. وكل شيءٍ دخل في بعضٍ فقد تشاجر.
قيل: المراد بقوله: ((حم)) قوله تعالى: (قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى)، وهو في ((حم)) الشورى [الآية: ٢٣].
قوله: (دعني من تمرتان)، جوابٌ عن قول من قال: يكفيك تمرتان، أو هاتان تمرتان.
قوله: (أحق الخيل)، كأنه من قول الشاعر:
أعيروا خيلكم ثم اركضوها … أحق الخيل بالركض المعار
يقال: ركض فلانٌ دابته: إذا ضرب جنبيها برجله لتعدو. المعار: من عار الفرس، إذا انفلت، وذهب يميناً وشمالاً من مرحه، وأعاره صاحبه، فهو معارٌ,
وفي ((الصحاح)): البيت للطرماح، وقال الصغاني: وهو خطأٌ، البيت لبشر بن أبي
стр. 175
وقال ذو الرّمّة:
سَمِعْتُ النَّاسَ يَنْتَجِعُونَ غَيثاً … فَقُلْتُ لِصَيْدَح انْتَجِعى بِلَالا
وقال آخر:
تَنَادَوْا بالرَّحِيلِ غَداً … وَفي تَرْحَالِهمْ نَفْسِى
وروى منصوبا ومجرورا. ويقول أهل الحجاز في استعلام من يقول: رأيت زيدا، من زيداً؟
وقال سيبويه: سمعت من العرب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خازم. وقال أبو عبيدة: والناس يعتقدون أنه من الإعارة بمعنى العارية، وهو خطأ، ومعناه على هذا: أن صاحبه لم يشفق عليه، فغيره أحق أن لا يشفق.
قوله: (لصيدح): صيدح علم ناقة ذي الرمة.
قوله: (بلالاً)، قال في ((الجامع)): هو بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، كان على البصرة.
((الناس)) مرفوعٌ على الحكاية، كأنه سمع قائلاً يقول: الناس ينتجعون غيثاً.
النجعة: طلب الكلأ والخير. وفي ((انتجعي)) مشاكلةٌ لقوله: ينتجعون غيثاً.
قوله: (وروي منصوباً ومجروراً)، هذا العطف دل على كونه مرفوعاً، فالرفع على الابتداء، أي: الرحيل غداً. أي: ينادون بهذا القول. والنصب على ارحل الرحيل. والجر على اللفظ.
((وفي ترحالهم نفسي)) أي: هلاك نفسي أو استقر في ترحالهم نفسي.
стр. 176
لا من أين يافتى. فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: صادَ، وقافَ، ونونَ مفتوحات؟ قلت: الأوجه أن يقال: ذاك نصب وليس بفتح، وإنما لم يصحبه التنوين لامتناع الصرف على ما ذكرت. وانتصابها بفعل مضمر. نحو: اذكر وقد أجاز سيبويه مثل ذلك في: حم، وطس، ويس لو قرئ به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا من أين يا فتى)، يقول الرجل لآخر: من أين يا فتى؟ فيقول: لا من أين يا فتى، أي: لا تسألني عن نسبي ومقامي، وسل عن حسبي ومناقبي.
قوله: (فما وجه قراءة من قرأ صاد؟ )، قال الزجاج: قرأ عيسى صاد وقاف ونون بالفتح لالتقاء الساكنين. وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق بالكسر. والفاء في السؤال دلت على الإنكار على الكلام السابق، وهو قوله ((فسائغٌ فيه الأمران: الإعراب، والحكاية)) يعني: أين الإعراب أم أين الحكاية على هذه القراءة؟ فإنها تدل على كونها مبنيةً لما أسلفت أنها لو بينت لحذي بها حذو أين وكيف، أي: فتح آخرها. فإذن هذه الحركات ليست بإعرابيةٍ لفقد المقتضي، ولا هي للوقف؛ لأن المحكية إنما يوقف عليها بالسكون كما سبق.
وأجاب: لا نسلم فقد المقتضي؛ لأن التقدير ((اذكر)).
ويجوز أن يحرك على التقاء الساكنين في لغة من جد في الهرب عنه، كما في (وَلا الضَّالِّينَ).
قال الزجاج: فالفتح في صاد ونحوه لالتقاء الساكنين؛ لأن الفتحة تختار مع الألف في التقاء الساكنين، قال سيبويه: إذا رخمت ((إسحار)) اسم رجلٍ مشدد الراء قلت في ترخيمه: يا إسحار أقبل، ففتحت لالتقاء الساكنين.
стр. 177
وحكى أبو سعيد السيرافي أنّ بعضهم قرأ: يس. ويجوز أن يقال: حرّكت لالتقاء الساكنين، كما قرأ من قرأ: وَلَا الضَّالِّينَ.
فإن قلت: هلا زعمت أنها مقسم بها؟ وأنها نصبت قولهم: نعمَ اللَّه لأفعلن، وأيِ اللَّه لأفعلن، على حذف حرف الجر وإعمال فعل القسم. وقال ذو الرمة:
أَلَا رُبَّ مَنْ قَلْبى لَهُ اللَّهَ نَاصِح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وحكى أبو سعيد السيرافي)، قال الأنباري: إنه كان من أكابر الفضلاء، زاهداً لا نظير له في علم العربية، ولو لم يكن له سوى ((شرح كتاب سيبويه)) لكفاه فضلاً.
قوله: (ألا رب من قلبي له الله ناصحٌ)، تمامه:
ومن قلبه لي في الظباء السوانح
أي: ألا رب من قلبي له ناصحٌ، أحلف بالله. أضمر الفعل بعد أن أعلمه فيه على حذف الجار، تقول: أنا أحبه، فأنصحه بقلبي، وقلبه نافرٌ عني نفور الظباء. ويمكن أن يكون المعنى: قلبه مستقرٌّ في الظباء.
والسانح: ما أتاك من يمينك من طائرٍ وظبي، والعرب تتيمن به، والبارح: ما أتاك عن يسارك، والعرب تتشاءم به.
стр. 178
وقال آخر:
فَذَاكَ أَمَانَةُ اللَّهِ الثَّرِيدُ
قلت: إنّ القرآن والقلم بعد هذه الفواتح محلوف بهما، فلو زعمت ذلك لجمعت بين قسمين على مقسم عليه واحد وقد استكرهوا ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فذاك أمانة الله)، صدره:
إذا ما الخبز تأدمه بلحمٍ
أي: فذاك أمانة الله الثريد.
قوله: (إن القرآن والقلم بعد هذه الفواتح محلوفٌ بهما)، حاصل الجواب: أنه لا يجوز أن تكون هذه الفواتح مقسماً بها، ومنصوباً كما ذكرتم؛ لأن الواو حينئذٍ: إما للقسم، أو للعطف. ولا سبيل إلى الأول؛ لاجتماع قسمين على مقسمٍ عليه واحدٍ وهو مستكره، ولا إلى الثاني؛ لمخالفته الثاني الأول في الإعراب، فبقي أن يكون معمولاً لفعلٍ مضمرٍ، فعلى هذا قوله: ((قال الخليل)) إلى قوله: ((هذا)) اعتراضٌ على سبيل الاستطراد مبينٌ لقوله: ((وقد استكرهوا ذلك)).
بيانه: أن الخليل جعل ((الواو)) في قوله: ((والليل)) للقسم، و ((الواو)) في ((والنهار)) للعطف. فاشتركا في معنى القسيمة، فيجوز تلقيهما بمقسمٍ عليه واحدٍ. ولو قدر أن يكون الثاني أيضاً حرف قسمٍ؛ لزم أن يكونا قسمين مستقلين. والأفصح حينئذٍ أن يتلقى كل منهما بمقسمٍ عليه، كقولك: بالله لأفعلن، تالله لأخرجن. وإن جاز أن يقال: وحقك وحق زيدٍ لأفعلن للتأكيد، لكن لم يحسن ذلك الحسن؛ ولذلك استكرهوه.
стр. 179
قال الخليل في قوله : (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى، وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى، وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى): الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء. قال سيبويه: قلت للخليل: فلم لا تكون الأخريان بمنزلة الأولى؟ فقال: إنما أقسم بهذه الأشياء على شيء، ولو كان انقضى قسمه بالأوّل على شيء لجاز أن يستعمل كلاما آخر، فيكون كقولك باللَّه لأفعلنّ، باللَّه لأخرجنّ اليوم. ولا يقوى أن تقول:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال أبو علي: والذي يمنع هذا: أن القسم يبقى متعلقاً بغير مقسم عليه؛ ألا ترى أنه إذا قال: قاف أو صاد، فنصبه بأنه مقسم به، لم يتلقه محلوف عليه، يدل على ذلك استئنافك باسم آخر لا يجوز عطفة على هذا الاسم الأول إذا قدرته مقسما به لانجراره بالواو. فهذا التأويل الذي ذكرنا امتناعه في هذه الفواتح لا يخلو الاسم المنجر فيه من أحد أمرين: إما أن يكون معطوفاً على ما قبله، وإما أن يكون مستأنفاً منقطعاً منه.
ولا يجوز أن يكون معطوفا على ما قبلة لانجراره وانتصاب المعطوف عليه، فإذا لم يجز ذلك؛ ثبت أنه منقطع مما قبله، وأن الواو للقسم لا للعطف، وإذا كان كذلك، لم يكن الأول قسماً؛ ألا ترى أن الخليل وسيبويه لم يجيزا في قوله تعال: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) الآية [الليل: ١] كون الواوين اللتين بعد الأولي قسما كالأولي فقالا فيهما: إنهما للعطف لما كان يلزم من إجازة ذلك بقاء القسم الأول غير متعلق بمقسم عليه. تم كلامه.
واستدل الخليل أيضا على أن الواو الثاني للعطف بأنه لو وضع موضعها "ثم" و"الفاء" كما يقال: وحياتي ثم حياتك لأفعلن: لم يتغير المعنى وهما حرف عطف.
وأعترض عليه بأنه لو جعل الواو في: (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) [الليل: ٢] للعطف؛ للزم العطف على معمولي عاملين متغايرين، وهو غير سائغ.
стр. 180
وحقك وحق زيد لأفعلنّ. والواو الأخيرة واو قسم لا يجوز إلا مستكرها قال: وتقول وحياتي ثم حياتك لأفعلنّ فثم هاهنا بمنزلة الواو. هذا ولا سبيل فيما نحن بصدده إلى أن تجعل الواو للعطف لمخالفة الثاني الأول في الإعراب. فان قلت: فقدّرها مجرورة بإضمار الباء القسمية لا بحذفها، فقد جاء عنهم: اللَّه لأفعلن مجرورا،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأجاب المصنف بأنه لما تنزلت الواو التي في ((الليل)) منزلة الباء والفعل حتى لم يجز ذكر الفعل معها، صارت كأنها هي العاملة نصبا وخفضا، فصارت كعاملٍ له عملان كقولك: إن زيدا قائم وعمرا قاعد؛ فعومل معها معاملتهما.
الانتصاف: في قوله تعالى: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا* فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا* فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) [الصافات: ١ - ٣] دليل على صحة مذهب الخليل وسيبويه، فوقوع الفاء هاهنا كوقوع الواو في قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى* وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) ولم يفترق الحال إلا بما أعطته الفاء من تفاوت الترتيب.
قوله: (هذا)، من فصل الخطاب، أي: مضي هذا. ثم شرع في بيان ما هو المقصود من كلامه، ونحوه قوله تعالى: (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ) [ص: ٥٥] فإنه تعالى كلما فرغ من نوع من الكلام وأراد الشروع في نوع آخر، فصل بقوله: ((هذا)). وقيل: هذا فصل أحسن من وصل.
قوله: (فقدرها مجرورة)، مسبب عما قبله يعني لم يقدر صاد وقاف ونون مجرورة بإضمار حرف الجر لا بحذفها حتى يتم للك العطف؟ والفرق بين أن يكون مضمراً وبين أن
следующие страницы →