← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيما فيه الترقي، فلم قلت: إن تلك في الصيغتين مفقودة؛ لأنهما مشتملان على معنى الرحمة، وفي أحدهما أبلغ من الآخر؟ وإن أردت أن الصيغتين لابد أن يتفقا في المعنى كما هو في قولك: جواد فياض، وليس فيهما ذلك؛ فغير مسلم، ألا ترى أن المصنف كيف اعتبر الترقي في قوله تعالى: (لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) [النساء: ١٧٢] وفي قول الشاعر: وما مثله ممن يجاود حاتم … ولا البحر ذو الأمواج يلتج زاخره مع أن الملائكة والبحر ليسا من جنس البشر؟ ! وقال صاحب "الفرائد": فلما كان فعلان للأمور العارضة على ما عرف، كالسكران والعطشان، وفعيل للصفات الغريزية كالكريم ونحوه؛ وجب تقديم الرحمن على الرحيم. وأما عروض المعنى فمن جهة العباد، وأنه تعالى ينعم على العباد حالاً بعد حال، وهو ضعيف لأن فعلان صفة مشبهة وهو أبعد جرياً من الفعل كما سبق، وأن الرحيم اسم فاعل كما نص عليه الزجاج. وقوله: فعيل من الصفات الغريزية وذلك في نحو شرف وكرم، وليس وزان رحم وزانه، بل وزان مرض وسقم كما صرح به المصنف آنفاً. سلمنا، لكن قولك: ينعم على العباد حالاً بعد حال؛ يدل على أنه أبلغ من الدوام في بعض الصور كما سيجيء. الراغب: النديم: هو الذي كثرت منادمته، والندمان هو الذي مع كثرة ذلك منه تكررت

стр. 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عنه؛ ولذلك قال أهل اللغة: ندمان أبلغ من النديم، فإن العرب إذا زادوا معنى زادوا في اللغة أيضاً. قال صاحبا "الإيجاز" و"الانتصاف": الرحمن أبلغ؛ لأنه كالعلم إذ كان لا يوصف به غير الله، فكأنه الموصوف. وهو أقدم؛ إذ الأصل في نعم الله أن تكون عظيمة، فالبداية بما يدل على عظمها أولى. هذا أحسن الأقوال وأقرب إلى مراد المصنف؛ يعني أن هذا الأسلوب ليس من باب الترقي، بل هو من باب التتميم: وهو تقييد الكلام بتابع يفيد مبالغة؛ وذلك أنه تعالى لما ذكر ما دل على جلائل النعم وعظائمها، أراد المبالغة والاستيعاب، فتمم بما دل على دقائقها وروادفها؛ ليدل به على أنه مولى النعم كلها: ظواهرها وبواطنها، جلائلها ودقائقها، وهو المراد بقوله هنا: "أردفه الرحيم، كالتتمة والرديف"، وفي "الفاتحة" قوله: "من كونه منعماً بالنعم كلها: الظاهرة والباطنة والجلائل والدقائق"، ولو قصد الترقي لفاتت المبالغة المذكورة وذهب به معنى التعميم المطلوب في ألفاظ "الفاتحة" كما سبق. وذلك أن الترقي يحصل فيما إذا قلت: فلان يعلم التصريف والنحو،

стр. 108

كقولهم: فلان عالم نحرير، وشجاع باسل، وجواد فياض؟ قلت: لما قال: (الرَّحْمَنِ) فتناول جلائل النعم، وعظائمها وأصولها، أردفه (الرَّحِيمِ)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والتتميم لا يحصل إلا من قولك: يعلم معاني كلام الله المجيد والتصريف؛ إذ من شرط التتميم الأخذ بما هو الأعلى في الشيء، ثم ما هو أحط منه ليستوعب جميع ما يدخل تحت ذلك الشيء؛ لأنهم لا يعدلون عن الأصل والقياس إلا لتوخي نكتة، والجواب إذن من باب الأسلوب الحكيم، والله أعلم. والذي عليه ظاهر كلام الإمام: أنه من باب التكميل وهو أن يؤتى بكلام في فن، فيرى أنه ناقص فيه فيكمل بآخر، فإنه تعالى لما قال: "الرحمن" توهم أن جلائل النعم منه، وأن الدقائق لا يجوز أن تنسب إليه لحقارتها، فكمل بالرحيم. وينصره ما روينا عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع"، وزاد: "حتى يسأله الملح"، أخرجه الترمذي. قوله: (نحرير)، أي: بليغ في العلم، كأنه ينحر الشيء علماً، الأساس: جلس فلان في نحر فلان: قابله، ونحرته نحراً: قابلته، ونحر الأمور علماً. ومنه: هو نحرير من النحارير، وسئل جرير عن شعراء الإسلام فقال: نبغة الشعر للفرزدق، وأنا نحرت الشعر نحراً.

стр. 109

كالتتمة والرديف؛ ليتناول ما دق منها ولطف. [(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ٢ - ٣] والحمد والمدح أخوان، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الحمد والمدح أخوان)، أي: متشابهان لا مترادفان، فإن الأخ يستعمل في المشابهة. قال في "الفائق" في قوله: كأخ السرار: أي: كلاماً كمثل المسارة، وشبهها به لخفض صوته. واعلم أنه ذكر ها هنا ألفاظاً متقاربة المعنى، متدانية المغزى، ولابد من الفرق وهي: الثناء والشكر، والحمد، والمدح. فالثناء: الذكر بالخير مطلقاً. الراغب: الثناء ما يذكر من محامد الناس فيثنى حالاً فحالاً ذكره. الجوهري: أثنى عليه خيراً، والاسم: الثناء. والشكر: الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف. والحمد: نقيض الذم، والمحمد: الذي كثرت خصاله المحمودة. والمدح: الثناء الحسن. فالثناء: هو القدر المشترك بين المفهومات الثلاث. قال الإمام: المدح أعم من الحمد؛ لأن المدح يحصل للعاقل وغيره، والحمد لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإحسان والفضائل. وقال الراغب: كل شكر حمد، وليس كل حمد شكراً، وكل حمد مدح، وليس كل مدح حمداً.

стр. 110

وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: الحمد هو الثناء على الجميل الاختياري من نعمة أو غيرها، والمدح هو الثناء على الجميل مطلقاً، تقول: حمدت زيداً على علمه وكرمه، ولا تقول: حمدته على حسنه؛ بل مدحته. وقال الإمام: وإنما خص الحمد ها هنا دون المدح ليؤذن بالفعل الاختياري، ودون الشكر ليعم الإحسان والفضائل. ولعمري إن المقام يقتضي ما قال، لما أسلفنا أن "الفاتحة" هي أم القرآن؛ لاشتمالها على المعاني التي في القرآن، وأنها بنيت على إجمال ما يحتويه القرآن مفصلاً، وأنها واقعة في مطلع التنزيل، والبلاغة فيه: أن يتضمن ما سيق الكلام له كما سبق في شرح الخطبة. فينبغي أن لا يقيد شيء من كلماتها ما أمكن الحمل على الإطلاق، فنحن بعون الله تعالى نراعي هذه الشريطة في التقرير؛ فما وافقنا المصنف فيها نتبعه، وما خالفنا نقف عنده ونجري الكلام على سننه. نعم فيها كلمات ثلاث خصت بمعان مهمة في التوحيد فتقتضي مزيد اختصاص به تعالى، إحداها: اللام في "لله" والكلمتان الأخريان: الصيغتان المنصوبتان وهما: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فأنهما مخصوصتان لغة ومعنى وتركيباً، والتاء في "أنعمت"، فانظر إلى أسرار كلام الله المجيد. ولله در القائل: أنعى إليك قلوباً طالما هطلت … سحائب الوحي فيها أبحر الحكم قوله: (النداء على الجميل)، أي: رفع الصوت بالثناء على الجميل. خص النداء لما قرر أن الحمد: هو الشكر باللسان، فبالغ في الإظهار والإشادة، وأشار بقوله: "على حسبه وشجاعته" إلى الأفعال الاختيارية.

стр. 111

تقول: حمدت الرجل على إنعامه، وحمدته على حسبه وشجاعته. وأما الشكر، فعلى النعمة خاصة، وهو بالقلب واللسان والجوارح. قال: أفادتكم النعماء مني ثلاثة … يدي ولساني والضمير المحجبا والحمد باللسان وحده، فهو إحدى شعب الشكر، ومنه قوله ﷺ : "الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لم يحمده"، وإنما جعله رأس الشكر؛ لأن ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها أشيع لها، وأدل على مكانها من الاعتقاد، وإدآب الجوارح؛ لخفاء عمل القلب، وما في عمل الجوارح من الاحتمال، بخلاف عمل اللسان، وهو النطق الذي يفصح عن كل خفي، ويجلي ويجلي كل مشتبه. والحمد نقيضه الذم، والشكر نقيضه الكفران، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهو بالقلب واللسان والجوارح)، وعرف الشكر: بأنه تعظيم المنعم بالقلب، وثناؤه باللسان، وتحقيق مراضيه بالجوارح. قلت: هذا بحسب عرف أهل الأصول؛ فإنهم يقولون: شكر المنعم واجب، ويريدون به وجوب العبادة، والعبادة لا تتم إلا بهذه الثلاثة، وإلا فالشكر اللغوي ليس إلا باللسان كما سبق. قوله: (الحمد رأس الشكر)، لم أجده في "الأصول"، لكن ذكر ابن الأثير في "النهاية": ومنه الحديث: "الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لم يحمده"، كما أن كلمة الإخلاص رأس الإيمان، وإنما كان رأس الشكر؛ لأن فيه إظهار النعمة والإشادة بها. قوله: (وإدآب الجوارح)، أي: إتعابها. النهاية: دأب في العمل: إذا جد وتعب، إلا أن العرب حولت معناه إلى العادة والشأن. قوله: (نقيضه)، أي: مقابله، وإنما كان الذم نقيض الحمد لاختصاصه باللسان أيضاً،

стр. 112

وارتفاع (الحمد) بالابتداء، وخبره الظرف الذي هو (لِلَّهِ)، وأصله النصب الذي هو قراءة بعضهم بإضمار فعله على أنه من المصادر التي تنصبها العرب بأفعال مضمرة في معنى الإخبار، كقولهم: شكراً وكفراً، وعجباً، وما أشبه ذلك، ومنها: سبحانك، ومعاذ الله، ينزلونها منزلة أفعالها، ويسدون بها مسدها؛ ولذلك لا يستعملونها معها، ويجعلون استعمالها كالشريعة المنسوخة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والكفران نقيض الشكر لحصوله بالقلب واللسان والجوارح، والمدح يقابل الهجو؛ لما في الهجو من الثلب الذي هو نقيض التحسين. قوله: (وأصله النصب الذي هو قراءة بعضهم)، قال الزجاج: الحمد رفع بالابتداء، وهو الاختيار؛ لأن السنة تتبع في القرآن، ولا يلتفت إلى غير الرواية الصحيحة التي قرأها المشهورون بالضبط والثقة، ويجوز "الحمد لله" تريد: أحمد الله الحمد، إلا أن الرفع أحسن وأبلغ في الثناء على الله تعالى. وهذه القراءة ما ذكرها ابن جني في "المحتسب". قال في "الانتصاف": يدل على ذلك أن سيبويه اختار في قول القائل: "فإذا له عِلْمٌ عِلْمُ الفقهاء" الرفع، وفي قوله: "فإذا له صَوْتٌ صَوْتَ حمار" النصب؛ لإشعار النصب بالتجدد المناسب للأصوات، وإشعار الرفع بالثبوت الذي هو في العلم أمدح. قوله: (ومنها: سبحانك، ومعاذ الله)، قيل: ميزهما لكونهما غير متصرفين. قوله: (كالشريعة)، أي: كالتدين بالشريعة المنسوخة في كونهما محظورين. وقيل: لا يجوز

стр. 113

والعدل بها عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات المعنى واستقراره. ومنه قوله تعالى: (قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ) [هود: ٦٩] رفع السلام الثاني للدلالة على أن إبراهيم صلوات الله عليه حياهم بتحية أحسن من تحيتهم؛ لأن الرفع دال على معنى ثبات السلام لهم دون تجدده وحدوثه. والمعنى: نحمد الله حمداً، ولذلك قيل: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، لأنه بيان لحمدهم له، كأنه قيل: كيف تحمدون؟ فقيل: إياك نعبد، فإن قلت: ما معنى التعريف فيه؟ قلت: هو نحو التعريف في: أرسلها العراك، وهو تعريف الجنس، … ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إظهار أفعالها؛ لأنها قد اشتهرت بينهم بمعان، وبلغت في الغنية عن تكلف انضمام أفعالها غاية لو تكلف عند ذكرها لاختل المعنى. قلت: لعل فائدة ما ذكر أن نحو قوله تعالى: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ) [محمد: ٤] مفيد لمعنى التوكيد مع الاختصار، وفي الأصل كان الفعل مطلوباً ويتبعه المصدر، وها هنا بالعكس فيفيد طلب المسارعة في الامتثال، كما في قوله تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ … ) [البقرة: ٦٠]. قوله: (ولذلك قيل)، أي: ولأن أصل الكلام: "نحمد الله حمداً" جملة فعلية فيها ضمير الحكاية للجماعة قيل: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ليكون مطابقاً له. قوله: (لأنه بيان لحمدهم)، تعليل للمطابقة؛ كأنه قيل له: لم تقدره مطابقاً له؟ فقيل: لأنه بيان له. قال صاحب "التقريب": والمعنى نحمد الله حمداً لقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)؛ لأنه بيان لحمدهم له، واللام لتعريف الجنس، والاستغراق وهم. قوله: (أرسلها العراك)، تمامه: فأرسلها العراك ولم يذدها … ولم يشفق على نغص الدخال

стр. 114

ومعناه: الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما هو، والعراك ما هو، من بين أجناس الأفعال، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قائله لبيد. الإرسال بمعنى التخلية. يصف العير وأتنه، والضمير في "أرسلها" للعير، والبارز للأتن. والدخال في الورد: أن يشرب البعير ثم يرد من العطن إلى الحوض ويدخل بين بعيرين عطشانين ليشرب منه. ونغص البعير: إذا لم يتم شربه. الأساس: نغص عليه عيشه: إذا قطع عليه مراده. و"العراك": نصب على الحال أي: معتركة. الجوهري: يقال: أورد إبله العراك، إذا أوردها جميعاً الماء. ونُصِبَ نَصْبَ المصادر، أي: أوردها عراكاً ثم أدخل عليه الألف واللام، كما قالوا: الحمد لله فيمن نصب، ولم يغير الألف واللام المصدر عن حاله. قوله: (والعراك ما هو)، وذلك أن تعريف الجنس على ضربين كما قال في تفسير قوله: (وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [البقرة: ٢٥]: "لام الجنس إذا دخلت على المفرد كان صالحاً لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به، وأن يراد به بعضه إلى الواحد منه". وهذا التعريف من قبيل الثاني وعليه قوله:

стр. 115

والاستغراق الذي يتوهمه كثير من الناس وهم منهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولقد أمر على اللئيم يسبني أي: لئيم من اللئام وهو المراد بقوله: "من بين أجناس الأفعال" أي: الأفعال التي تنسب إلى الدواب في هذا المقام. قوله: (والاستغراق الذي يتوهمه كثير من الناس وهم منهم)، قال صاحب "اللباب" في تفسير الفاتحة: وذلك أن اللام لا تفيد شيئاً سوى التعريف، والاسم لا يدل إلا على نفس الماهية المعبر عنها بالجنسية، فإذن لا يكون ثم استغراق. وقلت: ما أدري كيف ذهل هذا الفاضل عن كلام صاحب "المفتاح": أن الحقيقة من حيث هي هي صالحة للتوحد والتكثر لاجتماعها مع كل واحد منهما، فإذا اجتمعت مع المفرد والجمع في المقام الخطابي حملت على الاستغراق؟ ! والحق أن الحمل على الجنس أو على الاستغراق إنما يظهر بحسب المقام، ومنشأ حكمه بالوهم هو أن الأصل: "نحمد الله حمداً"، وأنه مطابق لقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: ٥] كما بينا، وأن الحمد في الأصل لا تعيين فيه، وإتيان البيان لإزالة ذلك الإبهام، فالواجب في تعريف الحمد الجنس؛ لأنه نائب عن المصدر، فلو جعل للاستغراق لتعين، وهو غير مطابق للبيان. وتمام تقريره: أن القائل لما أخبر عن نفسه أنه يصدر عنه حمد من المحامد باللسان لمن يستحق الحمد؛ فاتجه للسامع أن يسأل: كيف يحمده؟ أي: بين لي كيفية حمدك فإنها غير معلومة؛ فلابد أن تجيبه بما تلفظ به من الحمد، وهو في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: ٥]

стр. 116

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كأنه قال: أقول: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)؛ لأن المفروض أن السؤال عن الشكر اللساني، فإذن "الحمد" إخبار من القائل عن حمد حمده لله تعالى. وحقيقه الحمد المقول (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). هذا تمام تقرير كلامه. وبهذا ظهر: أن ليس المراد من تعريف الجنس في الحمد الماهية من حيث هي هي نحو: الرجل خير من المرأة؛ بل المراد منه فرد غير معين بحسب الخارج نحو: دخلت السوق في بلد كذا؛ بدليل قوله: "لأنه بيان لحمدهم" واستشهاده بالبيت. الانتصاف: تعريف النكرة باللام إما للعهد وإما للجنس، والذي للعهد إما أن ينصرف إلى فرد معين من أفراد الجنس نحو: (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) [المزمل: ١١] وإما أن ينصرف العهد إلى الماهية باعتبار تمييزها عن غيرها كقولك: أكلت الخبز، والجنس: هو الذي ينضم إليه شمول الآحاد، وكلا نوعي العهد لا يوجب الاستغراق، وإنما يوجبه الجنس. والزمخشري جعل تعريف الحمد من النوع الثاني من نوعي العهد، وعبر عنه بتعريف الجنس. وقال الإمام فصيح الدين صاحب "الفرائد": كأنه أراد بهذا القول بعض الحمد بناءً على مذهبه، وليس كذلك؛ فإنه لا حمد إلا لله تعالى. نعم، تعريف الجنس ليس مما يقتضي الاستغراق؛ ولكنه يحتمله. فإن لم يمنع مانع واقتضاه المقام كان مراداً منه. والحمد لما كان هو الوصف بالجميل على جهة التعظيم، والله تعالى خالق كل جمال وكمال، وخالق كل من له الجمال والكمال، وخالق كل من يستحق به الحمد من الأفعال؛ فله الحمد في الحقيقة وإن أضيف في الظاهر إلى غيره. تم كلامه.

стр. 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهذا الكلام يحتاج إلى فضل تقرير ومزيد بيان؛ فنقول وبالله التوفيق: أما قوله: بناءً على مذهبه؛ فذلك أن من مذهبه أن العبد أيضاً موجد لأفعاله بالاستقلال، فيستحق بذلك الحمد، فلا يكون كل الحمد لله تعالى. واعلم أن هذا المقام من مزال الأقدام، فالواجب أن نتكلم على مقتضى المقام ونقول للمصنف: ما تعني بإسناد الوهم إلى القائل بالاستغراق؟ فإن مجرد التعصب لا يجديك! إن عنيت أن أصل الكلام: نحمد الله حمداً؛ لأن المقام أو اللغة تقتضيه، فيقال: أين صحة تلك الدعوى؟ أما المقام فهو ناب عنه كما سنبينه، وأما اللغة فلا تمنع غير ذلك كما قال هذا الفاضل: إن تعريف الجنس ليس مما يقتضي الاستغراق ولكنه يحتمله كما ذكرت في قوله تعالى: (وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [البقرة: ٢٥] ولعله يتشبث بالفصل وهو ترك العاطف بين الجملتين وهو (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) و (الْحَمْدُ لِلَّهِ). ونقول: ليس هذا الفصل إلا لأن يكون الثاني بياناً للأول فيرد بأن هذا من التعكيس؛ لأن جعل صدر الكلام متبوعاً للعجز أولى من العكس. وأما المحققون كالواحدي والإمام والقاضي وغيرهم؛ فعلى تعميم الحمد، وأن ترك العاطف في قوله: "إياك"؛ لأن الكلام الأول جار على المدح للغائب بسبب استحقاقه كل الحمد، والثاني جار على الحكاية عن نفس الحامد من بيان أحواله بين يدي ذلك الغائب، فترك العاطف للتفرقة بين الحالتين، لا للبيان. ويدل على أن هذا التقدير أولى من وجوه: أحدها: أن حسن الالتفات أن يكون النقل من إحدى الصيغتين إلى الأخرى في سياق

стр. 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واحد لمعلوم واحد، وعليه صاحب "المفتاح"، فلينظر إلى تقريره، وذلك مفقود على تقدير البيان والسؤال. والعجب أن المصنف حين قرر الالتفات نسي هذا السؤال والجواب وأجراه على ما يقتضيه معنى الالتفات. ولا ارتياب أن الذهاب إلى فسحة الالتفات، والقول بأن قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) إلى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وارد على الشكر اللساني، وقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) مشعر بالشكر بالجوارح و (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) مؤذن بالشكر القلبي أحسن وأولى من الفرار إلى مضيق القول بأن المراد بقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إخبار من القول الصادر عنه لحمد حمده كما سبق تقريره لنتخلص بالكلية من السؤال الذي أورده بعض أفاضل العصر على قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) بيان "لحمدهم" وهو أنه يناقض ما ذكره من أن الشكر بالقلب واللسان والجوارح، والحمد باللسان وحده؛ لأنه إذا كان (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) بياناً لحمدهم، والعبادة تكون بالجوارح والقلب- كما تكون باللسان- لزم أن يكون الحمد كذلك ضرورة. وثانيها: دل ذلك الاعتبار على بيان العظمة والجلال. قال الإمام: لو قال: أحمد الله كان قد ذكر حمد نفسه فقط، وإذا قال: إن حقيقة الحمد لله فقد دخل فيه حمده وحمد غيره جميعاً من لدن خلق العالم إلى انتهاء دخول أهل الجنّةِ الجنَّةَ (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [يونس: ١٠]. وثالثها- وهو المعتمد وعليه التعويل-: أن في تعقيب هذه الصفات للحمد إشعاراً بأن الحمد إنما استحقه لما أنه متصف بها كما صرح به في قوله: "وهذه الأوصاف دليل على أن من كانت ذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء". وقد تقرر في الأصول: أن في اقتران الوصف المناسب بالحكم إشعاراً بالعلية. وها هنا الصفات بأسرها تضمنت العموم؛ فينبغي

стр. 119

وقرأ الحسن البصري: (الحمد لله) بكسر الدال لإتباعها اللام، وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: (الحمد لله) بضم اللام لإتباعها الدال، والذي جسرهما على ذلك- والإتباع إنما يكون في كلمة واحدة؛ كقولهم: منحدر الجبل ومغيره- تنزل الكلمتين منزلة كلمة واحدة لكثرة استعمالهما مقترنتين، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن يكون العموم في الحمد ثابتاً، وبيانه: أن الشكر يقتضي المُنْعِمَ والمُنْعَمِ عليه والنعمة. والمُنْعِمُ: هو الله، وخص اسمه المقدس لكونه جامعاً لمعاني الأسماء الحسنى ما عُلم وما لم يُعلم كما سبق. والمُنْعَمُ عليهم: العالمون، وهو قد اشتمل على كل جنس مما سمي به كما سنفسره. وموجب النعم: الرحمن الرحيم، وهو قد استوعب جميع النعم كما مر؛ فإذن ما الذي يستدعي تخصيص الحمد بالبعض سوى التحكم والتوهم عفا الله عنه؟ ! ولله در القائل: "قولك: زيد حسن الوجه وصف لزيد، وحمد لبارئه؛ إذ كل حسن صنيع جمال فطرته، وكل محسن رضيع لبان نعمته"! وهذا الكلام جدير أن ينمق على صفحات عين إنسان المعاني، ولا غرو في ذلك؛ لأنه من إنسان العين في المعاني. وفي "اللطائف القشيرية": واللام في الحمد للجنس، ومقتضاها الاستغراق بجميع المحامد لله تعالى: إما وصفاً، وإما خلقاً؛ فله الحمد لظهور سلطانه، وله الشكر لوفور إحسانه. ومن أراد الإطناب في الباب فعليه بتفسير الإمام في الأنعام، (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) [الأحزاب: ٤]. قوله: (والذي جسرهما)، الأساس: تجاسرت على كذا: تجرأت عليه. هذا الكلام يشعر أن قراءتهما مبنية على القياس دون السماع، وهذا جسارة عظيمة. والمصنف كثيراً يذهب إلى مثل هذا المحذور؛ ألا ترى إلى قوله في "الأنعام": والذي حمل ابن عامر على قراءة (قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) [الأنعام: ١٣٧] أن رأى في بعض المصاحف "شركائهم" مكتوباً بالياء؟ !

стр. 120

وأشف القراءتين قراءة إبراهيم؛ حيث جعل الحركة البنائية تابعة للإعرابية التي هي أقوى بخلاف قراءة الحسن. الرب: المالك، ونمه قول صفوان لأبي سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. تقول: ربه يربه فهو رب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأشف القراءتين)، أي: أفضلهما، النهاية: الشف: الربح والزيادة، وفي حديث الربا: "ولا تشفوا أحدهما على الآخر": لا تفضلوا. والشف: النقصان أيضاً، وهو من الأضداد أيضاً. قال أبو البقاء: إتباع الكسر ضعيف؛ لأن فيه إتباع الإعراب البناء، وفيه إبطال الإعراب. وإتباع الضم أيضاً ضعيف، لأن لام الجر متصل بما بعده منفصل عن الدال، ولا نظير له في حروف الجر المفردة إلا أن من قرأ به أجراه مجرى المتصل؛ لأنه لا يكاد الحمد يستعمل مفرداً عما بعده. قوله: (قول صفوان)، الاستيعاب: هو صفوان بن أمية بن خلف الجمحي. هرب يوم الفتح ثم رجع إلى رسول الله ﷺ ، فشهد معه حنيناً والطائف وهو كافر، وأعطاه رسول الله ﷺ من المغانم يوم حنين فأكثر، فقال صفوان: أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي، فأسلم. وأما أبو سفيان: فهو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أسلم يوم فتح مكة،

стр. 121

كما تقول: نم عليه ينم فهو نم، ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر للمبالغة، كما وصف .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وشهد حنيناً، وأعطاه رسول الله ﷺ من غنائمها مئة بعير وأربعين أوقية. روى الصغاني في "حاشية الصحاح": لما انهزم المسلمون يوم حنين قال حنبل مولى معمر بن خبيب: بطل سحر ابن أبي كبشة اليوم، فقال صفوان: فض الله فاك، لأن يربني … " إلى آخره، وهو إذ ذاك كافر ثم أسلم وتوفي بمكة. قوله: (نم عليه)، الجوهري: نم الحديث يَنُمُّه ويَنِمُّهُ نماً، أي: قته، والاسم: النميمة، والرجل نم ونمام. قوله: (ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر)، عطف على قوله: "الرب المالك". قال القاضي: الرب في الأصل التربية، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً، ثم وصف به للمبالغة، كالصوم والعدل. وفيه دليل على أن الممكنات كما هي مفتقرة إلى المحدث حال حدوثها مفتقرة على المبقي حال بقائها، وهذا التفسير أولى؛ لأنه أعم وأنسب للحمد كما سبق، فإن من شأن المالك إصلاح ما تحت سياسته وإتمام أمر معاشه. الأساس: هو رب لدار والعبد وغير ذلك، ورب ولده تربية. الجوهري: رب كل شيء مالكه. ورببت القوم: سستهم، أي: كنت فوقهم. ورب الضيعة أي: أصلحها وأتمها، ورب فلان ولده يربه رباً. فالواجب حمل (الرب) على كلا مفهوميه بأن يفسر (الرب) بالقدر المشترك التصرف

стр. 122

بالعدل. ولم يطلقوا الرب إلا في الله وحده، وهو في غيره على التقييد بالإضافة؛ كقولهم: رب الدار، ورب الناقة، وقوله تعالى: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) [يوسف: ٥٠]، (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) [يوسف: ٢٣]. وقرأ زيد بن علي ﵄: (رب العالمين) بالنصب على المدح، وقيل: بما دل عليه الحمد لله، كأنه قيل: نحمد الله رب العالمين. العالم: اسم لذوي العلم من الملائكة والثقلين. وقيل: كل ما علم به الخالق من الأجسام والأعراض. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التام، وسبيل إعمال المشترك في كلا مفهوميه إذا اتفقا في أمر: سبيل الكناية في أنها لا تنافي إرادة التصريح مع إرادة ما عبر عنه، وإذا اختلفا: سبيل الحقيقة والمجاز. قوله: (في غيره)، على التقييد والإضافة، كقولهم: رب الدار ورب الناقة، هذا يرده ما رواه الشيخان عن أبي هريرة: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضيء ربك، اسق ربك، ولا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي ومولاي". وأما قول يوسف ﵇: (إِنَّهُ رَبِّي) [يوسف: ٢٣] ونحوه فهو ملحق بقوله تعالى: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً) [يوسف: ١٠٠] في الاختصاص بزمانه. قوله: (والثقلين)، أي: الجن والإنس. قال: إنما سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض؛ فدل به على أن الجن أجسام. قوله: (كل ما عُلم به الخالق)، المطلع: العالم: فاعل من العلم كالطابع والخاتم من الطبع والختم، سمي به لكونه علماً على حدوثه وافتقاره إلى محدث قديم. أبو البقاء: العالم: اسم موضوع للجمع، ولا واحد له في اللفظ. وقال الزجاج: العالمين:

стр. 123

فإن قلت: لم جمع؟ قلت: ليشمل كل جنس مما سمي به. فإن قلت: فهو اسم غير صفة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كل ما خلق الله كما قال: (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) [الأنعام: ١٦٤] وهو جمع عالم، تقول: هؤلاء عالمون، ورأيت عالمين، ولا واحد لعالم من لفظه؛ لأن عالماً جمع لأشياء مختلفة، فإن جعل "عالم" لواحد صار جمعاً لأشياء متفقة. قوله: (ليشمل كل جنس مما سمي به)، فإن قلت: أليس هذا مخالفاً لقولهم: الاستغراق في المفرد أشمل؟ قلت: لا؛ لأنهم يريدون أن الجمع قد يحتمل غير الشمول في بعض المقامات، والمفرد وإن دل على الشمول والاستغراق لكن الغرض استغراق الأجناس المختلفة. فلو أفرد وقيل: رب العالم؛ لاحتمل الاستغراق شمول أفراد كل ما يصح عليه إطلاق اسم العالم، فلا تُعلم نصوصية تعدد الأجناس وكثرتها كالجن والإنس والملائكة وغيرها كما تعلم من الجمعية؛ فجمع ليشمل ذلك المعنى. وأما قول صاحب "الانتصاف": والتحقيق فيه وفي كل ما يجمع من أسماء الأجناس ثم يعرف تعريف الجنس أنه يفيد أمرين: أحدهما: أن ذلك الجنس تحته أنواع مختلفة، والآخر: أنه مستغرق لجميع ما تحته منها. والمفيد لاختلاف الأنواع الجمع، والمفيد للاستغراق التعريف؛ إذ لو جمع مجرداً عن التعريف أفاد اختلاف الأنواع، ولو عرف مجرداً عن الجمع أفاد الاستغراق. وظهر ضعف قول الزمخشري: "جمع ليشمل"؛ إذ الشمول من التعريف لا من الجمع فمندفع؛ لأن السؤال في قوله: "لم جمع؟ " وارد على الجمع المحلى باللام. وتقريره ما سبق. قوله: (فهو اسم غير صفة)، جيء بالفاء والتأكيد المؤذن بمزيد الإنكار، يعني: على ما

стр. 124

وإنما تجمع بالواو والنون صفات العقلاء أو ما في حكمها من الأعلام. قلت: ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه، وهي الدلالة على معنى العلم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فسرت العالم في الوجهين، ينبغي أن يكون اسماً لا صفة، وإنما يجمع بالواو والنون صفات العقلاء أو أعلامها بالتأويل والرجع إليها. وهذا ليس منها. قال صاحب "التقريب": وإنما ساغ جمعه بالواو والنون مع أنه ليس صفة للعقلاء ولا ما في حكمها من الأعلام التي إنما تجمع بتصييرها صفة وتنكيرها وتأويل كونها مسماة بكذا؛ لما فيه من معنى الوصفية وهي الدلالة على معنى العلم. وفيه نظر؛ إذ دلالتها عليه ليست صفة للعقلاء؛ إذا الجماد يعلم به. وقال صاحب "الفرائد": لا يلزم من الوصفية جواز الجمع بالواو والنون؛ لما عرف من اختصاصه بصفات أولي العلم، فالوجه التغليب بعد اعتبار الوصفية؛ لأن كل عالم معلم من حيث إنه دل على الخالق تعالى وتقدس. فنقول: نحن أولاً نبين مغزى جواب المصنف وهو قوله: "ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه، وهي الدلالة على معنى العلم"، ثم ننظر ما يرد عليه. أما تنزيل جوابه على أن يراد بالعالم اسم لذوي العلم؛ فهو أن هذا الاسم وإن لم يكن صفة ولا علماً لكن مصحح جمعه بالواو والنون مراعاة المناسبة بين الاسم والمسمى من حيث الاشتقاق فإن فيه نوع وصفية؛ وهو بهذا الاعتبار أقرب جرياً إلى الصفة من الأعلام وتأويلها بالمسمى. ولعل هذا السر قدم في "المفصل" الوصف على العلم وقال: فالذي بالواو والنون لمن يعلم في صفاته وأعلامه كالمسلمين والزيدين. وروي عن المصنف: إنما يجمع بالواو والنون العقلاء، كقولنا: مسلمون ومؤمنون، أو ما في حكمها من الأعلام كقولنا: الزيدون والعمرون، فكأنك قلت: المسمون باسم زيد وعمرو، فلهذا جاز جمعها.

стр. 125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي "شرح اللباب": وإنما جمع العلم دون اسم الجنس؛ لأن العلم حقه أن لا يجمع أصلاً؛ لأن تشخصه يمنع من الجمعية، وإنما جمع بتقدير جعله وصفاً وهو كونه مسمى بالزاي والياء والدال بخلاف نحو رجل؛ فإنه لا تشخص له يمنع من جمعه ليحتاج إلى جعله صفة. والأصل في الجمع بالواو والنون الصفات، كضاربون، حملاً على يضربون. وعلى الوجه الثاني: وهو أن يراد بالعالم: اسم ما علم به الخالق تعتبر الوصفية فيما فيه من أولي العلم كما ذكره صاحب "الفرائد" ثم يغلبه على غيره، أو ينزل الكل؛ لكونه دالاً على معنى العلم كقوله: وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد منزلة من له العلم، وتجمع بالواو والنون كما في قوله تعالى: (اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت: ١١]، فسلم من هذا التقرير كلامه مما أورداه عليه. ثم أنسب الوجهين الثاني؛ لعمومه، وإن كان أولو العلم يستتبعون غيرهم، وإنما جمع بالواو والنون مع أنه جمع قلة، والظاهر مستدع للإتيان بجمع الكثرة تنبيهاً على أنهم وإن كثروا قليلون في جنب عظمته وكبريائه، وقد مر مثل ذلك.

стр. 126

[(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ٤]. قرئ: (مَلِكِ يوم الدين)، و (مالك)، و (ملك) بتخفيف اللام. وقرأ أبو حنيفة رحمة الله عليه: (مَلَكَ يوم الدين) بلفظ الفعل، ونصب (اليوم)، وقرأ أبو هريرة: (مالك) بالنصب، وقرأ غيره: (ملك) وهو نصب على المدح، ومنهم من قرأ (مالك) بالرفع. و(ملك) هو الاختيار؛ لأنه قراءة أهل الحرمين، ولقوله: (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) [غافر: ١٦]، ولقوله: (مَلِكِ النَّاسِ) [الناس: ٢]، ولأن المُلْكَ يعم، والمِلْكَ يخص، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قرئ: مَلِكِ)، قال صاحب "التيسير": قرأ عاصم والكسائي (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: ٤] بالألف، والباقون بغير ألف. قوله: (ولأن "المُلك يعم، والمِلك يخص")، القاضي: "المالك هو المتصرف في الأعيان المملوكة، والمَلِك هو المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين". المطلع: المالك أجمع وأوسع؛ لأنه يقال: مالك الطير والدواب والوحوش وكل شيء، ولا يقال إلا: مَلِك الناس. ولأنه لا يكون مالك الشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون مليكه ولا يملكه. وقال الزجاج: من قرأ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) فعلى قوله: (لِمَنْ الْمُلْكُ) [غافر: ١٧] أي: من المَلِكُ اليوم؟ ومن قرأ (مَالِكِ) فعلى معنى ذي المملكة في يوم الدين.

стр. 127

ويوم الدين: يوم الجزاء، ومنه قولهم: "كما تدين تدان". وبيت الحماسة: ولم يبق سوى العدوا … ن دناهم كما دانوا فإن قلت: ما هذه الإضافة؟ قلت: هي إضافة اسم الفاعل إلى الظرف على طريق الاتساع مُجرىً مَجرى المفعول به، … ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويوم الدين يوم الجزاء)، وفي اختصاص يوم الدين دون يوم القيامة وغيره من أساميه فائدتان: إحداهما: مراعاة الفاصلة، وثانيتهما: العموم المطلوب في الألفاظ، فإن الجزاء يشتمل على جميع أحوال القيامة من ابتداء النشور إلى السرمد الدائم. بل يكاد يتناول أحوال النشأة الأولى بأسرها. فظهر من هذا الاختصاص ومن مآل معنى القراءتين في الصورتين إفادة التعميم المطلوب من ألفاظ هذه السورة الكريمة، والدلالة على التسلط والغلبة والتصرف والملَكة فسبيل (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) و (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) سبيل (رَبُّ الْعَالَمِينَ) في الحمل على المفهومين. فانظر إلى حسن هذا الترتيب السري، وهذا النظم الأنيق تدهش منه؛ وذلك أن (رَبُّ الْعَالَمِينَ) إذن بالتصرف التام في الدنيا ملكاً وتربية، و (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) دل على ذلك في العقبى تسلطاً وقهراً، وتوسيط (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) بينهما مناد بترجيح جانب الرحمة، وأنه تعالى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة. قوله: (على طريق الاتساع)، أي: جعل المفعول فيه بمنزلة المفعول به كقوله: ويوم شهدناه سليماً وعامراً قوله: (مُجْرى مَجْرى)، بالضم اسم مفعول حال من الظرف. ومجرى الثاني روي

стр. 128

كقولهم: يا سارق الليلة أهل الدار، والمعنى على الظرفية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مضموماً من المزيد، والرواية الصحيحة بالفتح بمعنى الإجراء كقوله تعالى: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً) [نوح: ١٧] أو بمعنى المكان. قوله: (والمعنى على الظرفية)، يعني لُمِح في المفعول به معنى الأصل، أي: المفعول فيه، فالاتساع حينئذ على الكناية؛ لأنه لا يُراعى معنى المنقول منه في المنقول إليه إلا في الكناية. وهذه الطريقة أبلغ من الأصل. وإن شئت فاختبر نفسك بين ما إذا قلت: فلان مالك الدهر صاحب الزمان، وبين ما إذا قلت: مالك الأمور في الزمان؛ تجد الفرق. وفائدتها الشمول التام؛ لأن تملك الزمان يستلزم تملك ما فيه على أبلغ وجه في مقام العموم والتعظيم. قال أبو علي في "الحجة": وأما إضافة "مَلِكِ" إلى الزمان فكما يقال: مَلِكُ عام كذا، وملوك سني كذا، ومَلِكُ زمانه، وسيد زمانه، وهو في المدح أبلغ. ولهذا قال: "مالك الأمر كله في يوم الدين" جعل المفعول فيه مفعولاً به اتساعاً ثم كناه عن المفعول فيه للمبالغة. كما جعل البحتري الفعل المتعدي لازماً، ثم كناه عن المتعدي في قوله: شجو حساده وغيظ عداه … أن يرى مبصر ويسمع واع أي: يكون ذو رؤية، وذو سمع؛ فعبر به عن قوله: أن يرى مبصر آثار محاسن الممدوح، ويسمع واع صيت محامده. ولو أريد هذا المعنى ابتداءً من قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) لم يفد تلك الفائدة. فإن قلت: بين لي الفرق في إيقاع قوله: (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) مستشهداً به فيما تقدم وها هنا؛

стр. 129

ومعناه: مالك الأمر كله في يوم الدين، كقوله: (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) [غافر: ١٦]. فإن قلت: فإضافة اسم الفاعل إضافة غير حقيقية، فلا تكون معطية معنى التعريف، فكيف ساغ وقوعه صفة للمعرفة؟ قلت: إنما تكون غير حقيقية إذا أريد باسم الفاعل الحال أو الاستقبال، فكان في تقدير الانفصال، كقولك: مالك الساعة أو غداً. فأما إذا قصد معنى الماضي، كقولك: هو مالك عبده أمس، أو زمان مستمر، كقولك: زيد مالك العبيد، كانت الإضافة حقيقية، كقولك: مولى العبيد، وهذا هو المعنى في: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: هو فيما تقدم مستشهد لمعنى التسلط كما قررنا، وما كان يستتب ذلك غلا على قراءة "ملك". وها هنا مستشهد لمعنى العموم المستفاد من الإضافة. فهو على القراءتين مستقيم. قوله: (فإضافة اسم الفاعل)، هذه الفاء مؤذنة بالإنكار، أي: كيف يجعل اسم الفاعل عاملاً في الظرف، ثم يجعله مع هذا صفة للمعرفة؟ قوله: (أو زمان مستمر)، عطف على قوله: "معنى الماضي"، ومعنى الاستمرار فيه كما في قولك: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم. قال المصنف: يريد أنه مما اعتاده ووجد منه مستمراً. وبعدما أتى لكل واحد بمثال على حدة، أتى بمثال آخر يجمعهما في معنى الإضافة الحقيقية يدل عليه إيقاع "كانت" جواباً لـ "إذا" بعد ذكر المثالين. وإنما جمع العبيد في المثال الثاني وأفرده في الأول ليؤذن بتملكه إياهم في الأزمنة المختلفة. قوله: (هذا هو المعنى في: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، يعني كما قلنا من أن القصد هو المعنى أو الزمان المستمر. والإضافة حقيقية في المثالين، كذا هو المعنى في قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، لا لمجرد الحال والاستقبال؛ دل على هذا الحصر توسيط ضمير الفصل بين اسم الإشارة والخبر المعرف باللام، ثم قال: "ويجوز أن يكون المعنى: مَلَكَ الأمور" يعني وجائز

стр. 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن يقصد بالإخبار عن الآتي بلفظ المضي على سنن إخبار الله، كقوله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) [الأعراف: ٤٤] فإن إخبار الله عن المستقبل في كونه واجب الوقوع كالماضي المحقق. فظهر من مجموع السؤالين إلى انتهاء الجوابين في: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أن مالك إذا قصد فيه معنى الاستمرار وكان عاملاً في الظرف لا يقدح في تعرفه حتى يقع وصفاً للمعرفة، وأن مصحح اسم الفاعل المضاف إلى معموله في تهيئه لوصف المعارف تحققه وثبوته في نفسه، سواء كان بمعنى المضي أو المضارع المستمر؛ ولذلك لا يصح ذلك إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وهو المراد من قوله: "فكان في تقدير الانفصال كقولك: مالك الساعة أو غداً"، وعليه اتجه السؤال فوافق هذا ما قرره في "الأنعام" في قوله تعالى: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً) [الأنعام: ٩٦] كيف يكون لليل محل والإضافة حقيقية لأن اسم الفاعل المضاف إليه في معنى المضي؟ قلت: ما هو في معنى المضي؛ وإنما هو دال على جعل مستمر في الأزمنة المختلفة، كما تقول: الله قادر عالم، فلا تقصد زماناً دون زمان. وقد ذهب صاحب "التقريب": إلى أنه مخالف له. نعم هو مخالف للمذهب المشهور كما ينبئ عنه كلام صاحب "المفتاح": واسم الفاعل كيف كان، مفرداً أو مثنى أو مجموعاً جمع تكسير أو تصحيح، نكرة في جميع ذلك، أو معرفة، ظاهراً أو مقدراً، مقدماً أو مؤخراً، يعمل عمل فعله المبني للفاعل إذا كان على أحد زماني ما يجري هو عليه، وهو المضارع دون المضي أو الاستمرار عندنا، حيث قال: عندنا.

стр. 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وروى ابن الحاجب عن الكسائي أنه قال: يجوز إعماله وإن كان للماضي، وتمسك بقولهم: الضارب زيداً أمس، وقوله تعالى: (وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ) [الكهف: ١٨]. وقال أبو البقاء في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً) [فاطر: ١]: الإضافة في (فَاطِرِ السَّمَوَاتِ) محضة؛ لأنه للماضي، فأما (جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ) فكذلك في أجود المذهبين، وأجاز قوم أن تكون غير محضة على حكاية الحال، و (رُسُلاً) مفعول ثان. هذا وإن القول بالفرق وارتكاب المجاز هو القول؛ لأن حكم هذه الألفاظ إذا وقعت أوصافاً لله تعالى- لأن أوصافه لا تلائم أوصاف المخلوقين- مخالف لما إذا وقعت أوصافاً لغيره تعالى، سيما إذا استدعاه المقام. ألا ترى إلى قول ابن جني في "الدمشقيات" في قولهم: مررت بالضارب زيداً أمس، قولان: أحدهما: أنه على معنى الفعل، أي: الذي ضربه أمس، والآخر: أنه كما جاز أن يقيم الألف واللام مقام الذي، كذلك جاز أن يعمل اسم الفاعل وإن كان ماضياً؛ لأنه موضع اتساع. وإلى هذا المعنى من الاتساع ذهب ابن الحاجب في الفرق.

стр. 132

ويجوز أن يكون المعنى: ملك الأمور يوم الدين، كقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ)، (وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ) [الأعراف: ٤٨]، والدليل عليه: قراءة أبي حنيفة ﵀: (مَلَكَ يوم الدين)، وهذه الأوصاف التي أجريت على الله من كونه رباً مالكاً للعالمين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أما قوله تعالى: (وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) [الكهف: ١٨] فهذه وأمثالها إنما تكون في موضع الأحوال، والأحوال يقصد بها التعبير عن ذلك الفعل في حال وقوعه حتى كأنه واقع؛ ولذلك يقع الفعل المضارع في موضعها، ولولا قصد التعبير عن الحال لم يستقم وقوع المضارع موقعه فلا يلزم من إعماله ها هنا إعماله وهو ماض من كل وجه، فحصل الفرق. وفي قوله: "حتى كأنه واقع" إشعار بالاستمرار الذي يعطيه معنى استحضار كل أحد ذلك في مشاهدته على مر الدهور وكر الأعوام. وفي قوله أيضاً: "فلا يلزم من إعماله" إلى آخره الإشارة إلى أنه لا يلزم من إعماله وهو دال على مُلك مستمر في الأزمنة الثلاثة إعماله وهو ماض من كل وجه. وعليه مبنى الكلام السابق إضافة اسم الفاعل إلى معموله إذا كان لمجرد الحال والاستقبال غير إضافته إليه إذا كان بمعنى الاستمرار. قوله: (ويجوز أن يكون المعنى مَلَكَ الأمور)، يعني أن "مالك" اسم فاعل من يملك الذي هو الاستمرار كقولك: فلان يعطي ويمنع، ويجوز أن يكون فاعلاً من مَلَكَ الذي بمعنى يملك كقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) [الأعراف: ٤٤] أي: ينادي، وجاء به على الماضي لصدق تحققه. قاله بعض القدماء. قوله: (وهذه الأوصاف)، مبتدأ، والخبر "دليل"، و"صفاته" خبر "كانت"، والضمير الأول

стр. 133

لا يخرج منهم شيء من ملكوته وربوبيته، ومن كونه منعماً بالنعم كلها الظاهرة والباطنة، والجلائل والدقائق، ومن كونه مالكاً للأمر كله في العاقبة يوم الثواب والعقاب، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به، وأنه به حقيق في قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه بما هو أهله. [(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ٥]. (إيّا): ضمير منفصل للمنصوب، واللواحق التي تلحقه من الكاف والهاء والياء في قولك: إياك وإياه وإياي، لبيان الخطاب والغيبة والتكلم، ولا محل لها من الإعراب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في "أنه به" للحمد، والثاني لله تعالى أو بالعكس. قال القاضي: "ترتب الحكم على الوصف مشعر بعليته له، وللإشعار من طريق المفهوم على أن من لم يتصف بتلك الصفات لا يستأهل أن يحمد فضلاً أن يعبد". وفي قوله: (لم يكن أحد أحق منه بالحمد) وفي تخصيص أفعل التفضيل إيماء إلى مذهبه. قوله: (من ملكوته)، أي: ملكه وتصرفه فيه بمواجب مشيئته وقضايا حكمته. وفي تكرير قوله: "ومن كونه" إشعار باستقلال كل من الصفات على حدة في الإشعار بالعلية كتكرير "كان" في قوله تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً) [الكهف: ٨٢]. قوله: (ولا محل لها من الإعراب)، قال الزجاج: موضعها خفض بإضافة "إيّا" إليها. و"إيّا" اسم للمضمر المنصوب إلا أنه ظاهر يضاف إلى سائر المضمر نحو قولك: إياك ضربت، وإياه ضربت، وإياي حدثت. ولو قلت: إيّا زيد حدثت كان قبيحاً؛ لأنه خص به

стр. 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المضمر. وقد روي عن العرب: "فإياه وإيا الضواب! ". وقال أبو علي: الدليل على أن هذا الاسم مضمر وليس بظاهر أنه في جميع الأحوال منصوب الموضع، وليس في الأسماء اسم كذلك إلا ما كان ظرفاً وليس إيا بظرف، ولأنه في المنصوب نظير "أنت" في المرفوع، فكما أن "أنت" مضمر كذلك "إيا". فإن قيل: الكاف في "إياك" ليست كالتي في "ذلك" لأن "إيا" قد تضاف إلى الهاء والياء. وأجيب أنه معارض بأنهم لم يؤكدوه فلم يسمع: إياكم كلكم وإياك نفسك. وقال ابن جني: كان أبو إسحاق يقول في قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ): حقيقتك نعبد. وكان يشتقه من الآية، وهي العلامة. وهذا سائغ على رأيه؛ لأنه كان يعتقد أنه اسم مظهر خص به المضمر. وقال: وقد ذكرنا في "سر الصناعة" ما يحتمله "إيا" من المثل: هل هي "فعل"؛ أو "فعيل"، أو "فعول" أو "إفعل" أو "فعلل" أو "فعلى"، ومن أي لفظ هي: أمن "آءة" أو، "آية" أو "أويت" أو "وأيت". وأما على قول الكافة فاشتقاقه فاسد؛ لأنه اسم مضمر، والمضمر لا اشتقاق له.

стр. 135

كما لا محل للكاف في (أَرَأَيْتَكَ)، وليست بأسماء مضمرة، وهو مذهب الأخفش وعليه المحققون. وأما ما حكاه الخليل عن بعض العرب: "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب! "؛ فشيء شاذ لا يعول عليه، وتقديم المفعول لقصد الاختصاص، كقوله: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونَنِي أَعْبُدُ) [الزمر: ٦٤]، (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً) [الأنعام: ١٦٤]، والمعنى نخصك بالعبادة ونخصك بطلب المعونة، وقرئ: (إياك نعبد) بتخفيف الياء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أَرَأَيْتَكَ)، قال المصنف: "لما كانت مشاهدة الأشياء ورؤيتها طريقاً إلى الإحاطة بها علماً، وصحة الخبر عنها استعملوا "أرأيت" بمعنى أخبر". قوله: (الشواب)، وهو جمع شابة، كدواب جمع دابة. أي: فليحذر نفسه أن يتعرض للشواب، وليحذر الشواب أن تفتنه. قوله: (وقرئ: "إياك نعبد" بتخفيف الياء)، قال ابن جني: قرأها عمرو بن فائد؛ فوزن "إيا" فعل كرضا وحجا، ونظيره: إيا الشمس، أي: ضوؤها. قال طرفة: سقته إياة الشمس إلا لثاته … أسف ولم تكدم عليه بإثمد هذا البيت يومئ إلى صحة مذهب الزجاج. الضمير في "سقته" راجع إلى "ألمى"، أي: ثغر ألمى. قال الزوزني: إياة الشمس وإياها: شعاعها.

стр. 136

و (أياك) بفتح الهمزة والتشديد، و (هياك) بقلب الهمزة هاء. قال طفيل الغنوي: فهياك والأمر الذي إن تراحبت … موارده ضاقت عليك مصادره والعبادة: أقصى غاية الخضوع والتذلل، ونمه ثوب ذو عبدة، إذا كان في غاية الصفاقة وقوة النسج، ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله؛ لأنه مولي أعظم النعم، فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع. فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اللثة: مغرز الأسنان، الإثمد: الكحل، والكدم: العض. يصف ثغر المحبوبة. أي: كأن الشمس أعارته الضوء إلا لثاته، استثنى اللثات؛ لأنه لا يستحب بريقها، ثم قال: أسف عليه بالإثمد، أي: ذر. ولم تكدم بأسنانها على شيء يؤثر فيها. وتقدير البيت: أسف بإثمد ولم تكدم عليه بشيء. ونساء العرب تذر بالإثمد على الشفاه واللثات فيكون ذلك أشد للمعان الأسنان. قوله: (فهياك والأمر)، البيت. المعنى: أحذرك أن تلابس الأمر الذي إن توسعت موالجه ضاقت عليك مخارجه. قوله: (فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع)، قال الراغب: العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها، لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى؛ ولهذا قال: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ) [الإسراء: ٢٣]. والعبادة ضربان: عبادة بالتسخير كما في قوله تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء: ٤٤]، وعبادة بالاختيار وهي لذوي النطق، وهو المأمور به في نحو قوله تعالى: (اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) [البقرة: ٢١].

стр. 137

قلت: هذا يسمى الالتفات في علم البيان، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قلت: كيف طابق قوله: "هذا يسمى الالتفات" سؤاله: "لم عدل عن لفظ الغيبة؟ ". قلت: الجواب من وجهين: أحدهما: أن قوله "لم عدل؟ " كان استفهاماً فيه نوع إنكار، أي: ماذا حمله على ارتكاب خلاف مقتضى الظاهر، وكان الأصل أن يجري الكلام على الغيبة. أجاب: أن هذا ليس بنكير في علم البيان، بل هو مشهور ومسمى بالالتفات الذي هو الانتقال من إحدى الصيغ الثلاث إلى الأخرى لمفهوم واحد. وذلك الانتقال من دأبهم وافتنانهم في الكلام. ثم أتى بجواب آخر أعم منه فقال: "ولأن الكلام" أي: مطلق الكلام سواء صدر منهم أو من غيرهم "إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن تطرية لنشاط السامع"، وهذه الطريقة وهي أن يتضمن الجواب الزيادة على المطلوب من الأسلوب الحكيم؛ ولهذا أتى بالمستشهدات المتنوعة الجامعة لأكثر أنواع الالتفات، لتكون كالتعريف له. وفيما شرحنا كلامه لطيفة وإرشاد إلى أن الأمثلة كالتعريف حيث وضعنا الحد موضعها، وفيما سلك إيجاز من وجه، لأنه علم منه حده وأقسامه. وثانيهما: أن في الكلام إطناباً، وأنه جواب واحد. وحقيقة الجواب قوله: "ولأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن تطرية" وقوله: "وذلك على عادة افتنانهم" توطئة للجواب، وقوله: "هذا يسمى الالتفات" توطئة للتوطئة. ونحوه سؤاله في أول "طه": فإن قلت: ما فائدة النقلة من لفظ المتكلم إلى لفظ الغائب؟ قلت: غير واحدة، منها: عادة الافتنان في الكلام وما يعطيه من الحسن والروعة، ومنها كذا وكذا. و"الواو" في "وما يعطيه" كالواو في "ولأن الكلام" من عطف البيان على طريقة: أعجبني زيد وكرمه. قوله: (في علم البيان)، اعلم: أن البيان كثيراً ما يطلق على أنواع المعاني والبيان والبديع كما

стр. 138

قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، كقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) [يونس: ٢٢]، وقوله تعالى: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ) [فاطر: ٩]. وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات: تطاول ليلك بالأثمد … ونام الخلي ولم ترقد وبات وباتت له ليلة … كليلة ذي العائر الأرمد وذلك من نبإ جاءني … وخبرته عن أبي الأسود وذلك على عادة افتنانهم في الكلام، وتصرفهم فيه، ولأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب؛ كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظاً للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه بفوائد. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يطلق عليها علم البديع. ويمكن أن يقال: إن الالتفات من حيث إنه يفيد التطرية وحسنها من البديع، ومن حيث إفادته التفنن والإخراج لا على مقتضى الظاهر من المعاني، ومن حيث كونه مستلزماً لإفادة دقيقة مطلوبة من الكناية التي هي نوع من أنواع البيان. قوله: (قد يكون من الغيبة)، إلى قوله: (إلى التكلم) لف، ومن قوله: "كقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ) [يونس: ٢٢] " إلى قوله: (فَسُقْنَاهُ) [فاطر: ٩] " نشر. ولم يذكر للأول مثالاً كما ذكر لأخويه؛ لأن ما هو بصدده في "الفاتحة" أغناه عنه، وإنما فصل "قد يكون" لكونه بياناً للالتفات. قوله: (ثلاث التفاتات)، قيل: إن الأول ليس بالتفات؛ لأن الالتفات تلوين وتغيير وليس فيه. وأجيب بأن حقه أن يقول: ليلي، فلما عدل عنه كان تلويناً.

стр. 139

ومما اختص به هذا الموضع أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واعلم أن للعلماء في مثل "تطاول ليلك" قولين، والذي عليه ظاهر كلامه أنه التفات، ووافقه صاحب "المفتاح" منبهاً عليه بقوله: منبهاً في التفاته الأول على أن نفسه وقت ورود ذلك النبإ عليها ولهت؛ فأخذ يخاطبها بـ "تطاول ليلك". وإنما قلنا: ظاهر كلامه؛ لأنه يمكن أن يقال: إن في البيت الثالث التفاتين: أولهما ذلك، والآخر جاءني، والذي عليه أبو علي، وابن جني، وابن الأثير: أن ذلك تجريد، وأنشدوا قول الأعشى: وهل تطيق وداعاً أيها الرجل وهذا هو الحق. ويمكن حمل كلام المصنف على التغليب للقرب من حيث المعنى. وتقرير التجريد ما قدره صاحب "المفتاح": وهو أن نفسه كان من حقها أن تتثبت وتتصبر في المصائب فعل أمثالها من الملوك. فلما لم تفعل جردها وخاطبها تأنيباً، ولا يبعد أن يكون ميل صاحب "المفتاح" أيضاً إلى التغليب لتقريره هذا. واعلم أن حصول التطرية من الانتقال ليس لمجرد كونه انتقالاً، بل لاستتباعه لطيفة؛ إذ اللفظ متبوع المعنى، فالتطرية إنما تحصل من انتقال المعنى من قبل انتقال اللفظ؛ لأن الأرواح إنما تستلذ بالمعنى، وإليه الإشارة بقوله: "وقد تختص مواقعه بفوائد". قوله: (لما ذكر الحقيق بالحمد)، يعني: أن العبد حين خص الحمد بالله تعالى، وأجرى

стр. 140

وأجري عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء، وغاية الخضوع، والاستعانة في المهمات؛ فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك، ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عليه تلك الصفات العظام على طريقة لزم منها غثبات المطلوب مع التميز التام لتلك الذات، وانضمام استحقاقه لذلك الشكر اللساني بالشكر بالجوارح والقلب خاطبه بقوله: "إياك يا من هذه صفاته نعبد ونستعين"، فترقى من البرهان إلى العيان، ومن مدرج علم اليقين إلى عين اليقين. قوله: (فقيل: إياك يا من هذه صفاته)، الفاء للتعقيب، أي: فأريد الخطاب فقيل: إياك، مثلها في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤]. وما أحسن الفاء التي في قوله: "فخوطب"، فإنها منادية على أن المقام للتدرج والترقي، لا على تقدير السؤال المقول عنده: كيف تحمدون؟ فقيل: إياك نعبد، وأبى الله تعالى إلا نصرة الحق. قوله: (ليكون الخطاب أدل)، تعليل للتدرج، يعني لما حصل من إجراء الأوصاف على من يستحق الحمد على سبيل الغيبة تميز الموصوف. ومن التميز استحقاقه الثناء وغاية الخضوع بناءً على ترتب الحكم على الوصف، أريد مزيد ذلك، فخوطب ذلك المتميز ليتقوى ذلك التميز السابق فيزيد ذلك الاستحقاق؛ لأن مقام المشاهدة لا يحتمل ما يحتمله مقام المغايبة من الإيهام؛ فترقى من الحمد إلى العبادة والاستعانة مع رعاية معنى الاختصاص. قال ابن جني: إنما ترك الغيبة إلى الخطاب؛ لأن الحمد دون العبادة، ألا تراك تحمد نظيرك ولا تعبده؟ ! ولما صار إلى العبادة التي هي أقصى أمد الطاعة قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إصراحاً بها وتقرباً منه.

стр. 141

فإن قلت: لم قرنت الاستعانة بالعبادة؟ قلت: ليجمع بين ما يتقرب به العباد إلى ربهم وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته، فإن قلت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويمكن أن يعبر بلسان أهل العرفان ويقال: إن الحمد مبادئ حركة المريد، فإن نفس السالك إذا تزكت، ومرآة قلبه إذا انجلت فلاحت فيها أنوار العناية- والعناية هي التي أوجبت الولاية- تجردت النفس الزكية للطلب، فرأت آثار نعم الله عليها سابغة، وألطافه غير متناهية، فحمدت على ذلك وأخذت في الذكر، فكشف لها الحجاب من ما وراء أستار العزة عن معنى رب العالمين، فشاهدت ما سوى الله على شرف الفناء، مفتقرة إلى المبقي محتاجة إلى التربية؛ فترقت لطلب الخلاص من وحشة الإدبار وظلمة السكون إلى الأغيار. فهبت لها من نفحات جناب القدس نسيمات ألطاف الرحمن الرحيم، فعرجت من هذا المقام بلمعات بوارق الجلال من وراء سجاف الجمال إلى الأحد الصمد، المالك الحقيقي، فنادت بلسان الاضطرار في مقام (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: ١٦]: أسلمت نفسي إليك، وألجأت ظهري إليك. وهناك خاضت لجة الوصول، وانتهت إلى مقام العين فحققت نسبة العبودية فقالت: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وهنا انتهاء مقام السالك. ألا ترى إلى سيد الخلق كيف عبر عن مقامه هذا بقوله: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الإسراء: ١]؟ فطلبت التمكين بقوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ* اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، واستعاذت عن التلوين بقوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)، فقصد مستكملاً ورجع مكملاً. وفي كلام صاحب "المفتاح" إيماء إلى هذا المعنى. قوله: (من جهته)، الضمير راجع إلى "ما يتقرب" يعني أنهم يتقربون بالعبادة، ويطلبون ما هو المحتاج إليه في هذه العبادة، وهو إعانة الله إياهم على العبادة. وهذا التقدير ملائم

стр. 142

فلم قدمت العبادة على الاستعانة، قلت: لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة؛ ليستوجبوا الإجابة إليها. فإن قلت: لم أطلقت الاستعانة؟ قلت: ليتناول كل مستعان فيه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للتفسير الثاني للاستعانة. وعليه يتوجه السؤال بأن يقال: إن كان طلب الإعانة على الطاعة مقدماً على الطاعة، فكيف أخره؟ فيجاب: قدم لكونه وسيلة وأخر لكونه طلباً. قوله: (ليستوجبوا الإجابة عليها)، الانتصاف: أهل السنة لا يعتقدون وجوب الثواب على الله تعالى، بل يقولون: هو تفضل منه وإحسان، لكنه يجب بإيجابه، فإما أن يكون الزمخشري أراد صدق الخبر، أو أجرى ذلك على قواعده في اعتقاد وجوب الجزاء. الإنصاف: إن في قوله: "تقديم العبادة كالوسيلة"، إشعاراً بأنهم فعلوا بقدرتهم ليحصلوا ما ليس من قدرتهم، وهو الاستعانة، وكلاهما من فضل الله. قوله: (ليتناول كل مستعان فيه)، يعني: لم يذكر متعلق الاستعانة لقصد التعميم، فلو ذكر لقصر عليه. الانتصاف: قوله: أطلق ليشمل في الموضعين ليس بمسلم، فإن الفعل لا عموم له كمصدره، والإطلاق يقتضي الإبهام والشيوع، والنفس إلى المبهم أتوق لتعلق الآمال المختلفة بالمبهم دون المعين. وقلت: ليس هذا من العام الذي توهمه، ولا من المطلق الذي تصوره؛ بل هو من قبيل المقيد الذي قصد بإطلاقه توخي العموم؛ ولذلك قال: أطلق ليشمل؛ وذلك أن قرائن المقام دلت على أن المستعان فيه ما هو، فلم يلتفت إليه، وقصد الإطلاق؛ ولذلك إذا قصد تقييده بأحد ما هو شائع فيه قيل: هذا تحكم، بخلاف المطلق المتعارف! ألا ترى على كلام صاحب

стр. 143

والأحسن أن تراد الاستعانة به، وبتوفيقه على أداء العبادة، ويكون قوله: (اهْدِنَا) بياناً للمطلوب من المعونة؛ كأنه قيل: كيف أعينكم؟ فقالوا: اهدنا الصراط المستقيم، وإنما كان أحسن لتلاؤم الكلام، وأخذ بعضه بحجزة بعض ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "المفتاح": "أو القصد إلى نفس الفعل بتنزيل المتعدي منزلة اللازم- ذهاباً في نحو: فلان يعطي ويمنع: إلى معنى: يفعل الإعطاء- إيهاماً للمبالغة بالطريق المذكور في إفادة اللام الاستغراق"؟ والمذكور قوله: فإذا كان المقام خطابياً مثل: المؤمن غر كريم؛ حمل المعرف باللام- مفرداً كان أو جمعاً- على الاستغراق بعلة إيهام أن القصد إلى فرد دون فرد آخر مع تحقق الحقيقة فيهما يعود إلى ترجيح أحد المتساويين. أولا ترى إلى معنى التعليل في قول المصنف: "لأن من أنعم الله عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا اشتملت عليه"؟ فإن قرائن المقام دلت على أن المتعلق المضمر هو الإسلام؛ فاستدعى معنى العموم إطلاق الإنعام بإطلاقه على الإسلام مجازاً؛ ليشمل كل إنعام. ولو ذكر نعمة الإسلام لاقتصر عليها ولم ينبه على هذه النكتة. قوله: (والأحسن أن تراد الاستعانة به وبتوفيقه)، أي: الاستعانة بتوفيقه. وقوله: "به" توطئة. فعلى هذا ترك المتعلق للاختصار لقرينة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)؛ لأن الإقامة على أداء العبادة لا تتأتى إلا بالتوفيق. قوله: (لتلاؤم الكلام)، يقال: لاءمت القوم ملاءمة إذا أصلحت وجمعت بينهم. وإذا اتفق شيئان فقد التأما. وحجزة الإزار: معقده، وحجزة السراويل: التي فيها التكة. المعنى: إذا قدر التعميم في "نستعين" لم يوافق "اهدنا"؛ لأن المطلوب في "اهدنا" خاص و"نستعين" عام. وكذا إنما يكون ملائماً لأول الكلام وهو: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إذا قدر التوفيق؛ لأن العبادة لا تتم إلا باستعانة الله وتوفيقه. فعلى هذا قوله: "ويكون قوله: اهدنا" عطف على "أن يراد".

стр. 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولقائل أن يقول: الحمل على العموم أولى؛ لتتوافق ألفاظ هذه السورة الكريمة في المعنى المطلوب منها كما كرر، ولأن التوسل بالعبادة إلى تحصيل مرام يستوعب جميع ما يصح أن يستعان فيه ليدخل فيه التوفيق أيضاً دخولاً أولياً أولى من طلب مجرد التوفيق. ويلائمه أيضاً قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: ٦]؛ لأن صراط المسلمين أعم من العبادات؛ إما دنيا: فالعبادات والاعتقادات وعلم الأخلاق والسياسات والمعاملات والمناكحات وغير ذلك، وإما عقبى: فالنجاة من شدائد البرزخ والحشر والصراط والميزان ومن عذاب النار والوصول إلى دار القرار، والفوز بالدرجات العلى. وكل ذلك مفتقر إلى إعانة الله وفضله. وفي قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: ١٥٣] بعد قوله: (أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً .. ) [الأنعام: ١٥١] الآيات إيماء إلى هذا المعنى. وأيضاً، طرق الضلالات التي يستعاذ منها بقوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) [الفاتحة: ٧] لا نهاية لها، وباستعانته يتخلص من مهالكها. فإن قلت: المراد بالعبادة في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) هي وما يتعلق بها وما تتوقف عليه؟ قلت: فإذن وافقت الاستعانة في العموم. وأيضاً قوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) مطلق كما قال: "أطلق ليشمل كل إنعام" قال القاضي: والضمير المستكن في الفعلين للقارئ ولسائر الموحدين. أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم، وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها ويجاب إليها؛ ولهذا شرعت الجماعة. انظر إلى هذه الاعتبارات الدقيقة في معنى الشمول والعموم لتعثر على تلك الرمزة وهي كونها أم القرآن ومطلع التنزيل.

стр. 145

وقرأ ابن حبيش: (نستعين) بكسر النون. [(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) ٦]. هدى: أصله أن يتعدى باللام، أو بـ "إلى"، كقوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء: ٩]، (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى: ٥٢]، فعومل معاملة "اختار" في قوله تعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) [الأعراف: ١٥٥]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("نستعين" بكسر النون)، قيل: هي لغة بني تميم، فإنهم يكسرون حروف المضارعة إذا لم ينضم ما بعدها، سوى الياء لاستثقال الكسرة عليها. قوله: (أن يتعدى باللام أو بـ "إلى")، روي عن المصنف: يقال: هداه لكذا وإلى كذا: إذا لم يكن في ذلك، فيصل إليه بالاهتداء، وهداه كذا- بدون اللام و"إلى"- محتمل للحالين بين أن يكون فيه وبين أن لا يكون، حتى لا يجوز أن يقال في قوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: ٦٩]: لسبلنا إلى سبلنا. وفيه بحث لجواز تقدير الإرادة في الأول، أي قوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) أو إرادة تحصلي المراتب العالية في الثاني؛ ومن ثم جمع السبيل، كأنه قيل: من جاهد في سبيل واحد لنهدينهم إلى سبل الخيرات كلها، كما ورد "من عمل بما علم ورثه الله عِلم ما لم يعلم"، ولا فرق بين إلى واللام. وقال في قوله تعالى: (مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ) [آل عمران: ١٩٣] يقال: دعاه لكذا وإلى كذا، وناداه له وإليه، ونحوه: هداه للطريق وإليه؛ وذلك أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص واقعان جميعاً، أي: يجمعها معنى الحصول والوصول.
следующие страницы →