← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

(وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي) من أجله وبسببِه، يريدُ سبيل الدين (وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا): وغزوا المشركين واستشهدوا. وقرئ: وقتلوا، بالتشديد. وقتلوا وقاتلوا ـ على التقديم ـ بالتخفيف والتشديد. وقتلوا، وقتلوا، على بناء الأول للفاعل، والثاني للمفعول. وقتلوا، وقاتلوا، على بنائهما للفاعل (ثَواباً) في موضع المصدر المؤكد بمعنى إثابة أو تثويباً (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقتلوا، أفاد هذا المعنى. وينصره قول القاضي: المعنى: فالذين هاجروا الشرك والأوطان والعشائر للدين. وقول صاحب "التقريب": (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا): تفصيل للمهاجرة والفرار بالدين من بين الأعمال. قوله: ((فِي سَبِيلِي): من أجله وبسببه) أي: من أجل سبيلي في هذه، كما في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) [العنكبوت: ٦٩]. قوله: (على التقديم): حمزة والكسائي، قالا لقاضي: الواو لا توجب الترتيب، والثاني أفضل، أو لأن المراد: لما قتل منهم قوم قاتل الباقون ولم يضعفوا، وشدد ابن كثير وابن عامر (قُتِلُوا) للتكثير. قوله: (بمعنى: إثابة أو تثويباً)، قال أبو البقاء: (ثَوَاباً): مصدر، وفعله دل عليه الكلام، لأن تكفير السيئات إثابة، فكأنه قيل: لأثيبنكم ثواباً، الثواب بمعنى الإثابة، وقد يقع بمعنى الشيء المثاب به، كقولك: هذا الدرهم ثوابك، فعلى هذا يجوز أن يكون حالاً من ضمير الجنات، أي: مثاباً بها، أو من ضمير المفعول في (وَلأدْخِلَنَّهُمْ)، أي: مثابين.

стр. 1717

لأن قوله: (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ) (وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ) في معنى. لأثيبنهم. و (عِنْدَهُ) مثل، أي: أن يختص به وبقدرته وفضله، لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه، كما يقول الرجل: عندي ما تريد، يريد اختصاصه به وبملكه وإن لم يكن بحضرته، وهذا تعليم من اللَّه كيف يدعى وكيف يبتهل إليه ويتضرّع؟ وتكرير (رَبَّنا) من باب الابتهال، وإعلام بما يوجب حسن الإجابة وحسن الإثابة، من احتمال المشاق في دين اللَّه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من باب الابتهال)، النهاية: هو التضرع والمبالغة في السؤال. قوله: (وإعلام بما يوجب حسن الإجابة) هو عطف على قوله: "تعليم"، والمشار إليه بلفظة "وهذا"، المذكور من قوله: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ) إلى قوله: (حُسْنُ الثَّوَابِ). وأما بيان الابتهال والمبالغة في السؤال فهو أنه قرن بكل من (رَبَّنَا) الوسيلة إلى إجابة الدعاء، فعلق بالأولى قوله تعالى: (مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً) وقد تقرر أن المراد به المعرفة والإتيان بالطاقة والاجتناب عن المعصية، وبالثانية قوله: (إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ)، وفيه مبالغة في الاستعاذة، وبالثالثة قوله: (أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا)، وأي وسيلة أسنى من الإجابة بالإيمان! وبالرابعة قوله: (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)، فرتب طلب الحاجة على الوسيلة، وقد اشتمل على: التخلية عما لا ينبغي من تكفير الذنوب والسيئات، والتحلية بما ينبغي من الانخراط في سلك الأبرار، وبالخامسة الوعد على لسان الرسول، وهو كالختم؛ لأن الوعد واجب الوفاء من الكريم على لسان الصادق، والمراد بقوله: "ما يوجب حسن الإجابة" قوله: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) الآية، يعني ختم الابتهال بذكر الأعمال ليؤذن أن الإجابة إنما كانت بسبب أنهم أتوا بتلك الأعمال السنية، وفيه إشارة إلى أن لام التعليل في قوله تعالى: (أَنِّي لا أُضِيعُ) مقدر، وينطبق عليه قول الحسن: إلا أنه أتبع ذلك، يعني أنه تعالى أخبر أنه استجاب لهم لكن بشرط رافع الدعاء، أي: العمل الصالح، وهو قوله: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا) الآية، وإنما سمى العمل برافع الدعاء لقوله تعالى: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: ١٠].

стр. 1718

والصبر على صعوبة تكاليفه، وقطع لأطماع الكسالى المتمنين عليه، وتسجيل على من لا يرى الثواب موصولاً إليه، بالعمل بالجهل والغباوة. وروي عن جعفر الصادق ﵁: من حزبه أمر فقال خمس مرات (ربنا)، أنجاه اللَّه مما يخاف، وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية. وعن الحسن: حكي اللَّه عنهم أنهم قالوا خمس مرات: (ربنا) ثم أخبر أنه استجاب لهم، إلا أنه أتبع ذلك رافع الدعاء وما يستجاب به، فلا بد من تقديمه بين يدي الدعاء. (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ) ١٩٦ ـ ١٩٧]. (لا يَغُرَّنَّكَ): الخطاب لرسول اللَّه ﷺ أو لكل أحد، أي: لا تنظر إلى ما هم عليه من سعة الرزق والمضطرب، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتسجيل على من لا يرى الثواب موصولاً إليه بالعمل بالجهل) مذهبه، ولا ارتياب أن الثواب مترتب على العمل، لكن الكلام في إيجابه لما روينا عن البخاري ومسلم عن أبي هريرة وجابر قالا: قال رسول الله ﷺ : "قاربوا وسددوا واعلموا أنه لا ينجو أحد منكم بعمله" قالوا: ولا أنت؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وفي رواية أخرى لأبي هريرة: "لن يدخل أحداً منكم عمله الجنة". قوله: (والمضطرب) قيل: هو من قولهم: ضرب في الأرض: إذا سار لابتغاء الرزق، والاضطراب في الأمور: التردد والمجيء والذهاب في أمور المعاش. الأساس: ومن المجاز: فلان ضرب المجد: يجمعه، وقد ضرب مناقب جمة، واضطربها: حازها، قال الكميت: رحب الفناء اضطراب المجد رغبته … والمجد أنفع مضروب لمضطرب

стр. 1719

ودَرْكِ العاجل، وإصابةِ حظوظِ الدنيا، ولا تغترَّ بظاهرِ ما ترى من تبسُّطهم في الأرض، وتصرُّفهم في البلاد يتكسبون ويتجرون وبتدهقنون. عن ابن عباس: هم أهل مكة، وقيل: هم اليهود. وروي أن أناسًا من المؤمنين كانوا يَرَوْن ما كانوا فيه من الخصبِ والرَّخاء ولين العَيش فيقولون: إن أعداءَ اللَّه فيما نرى من الخير، وقد هلَكنا من الجُوع والجَهد! فإن قلت: كيف جاز أن يغتر رسول اللَّه ﷺ بذلك حتى ينهى عن الاغترار به؟ قلت: فيه وجهان أحدهما: أن مِدرِة القوم ومتقدّمهم يخاطبُ بشيء، فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعاً، فكأنه قيل: لا يغرَّنكم. والثاني: أنّ رسول اللَّه ﷺ كان غير مغرورٍ بحالهم فأكَّد عليه ما كانَ عليه وثُبِّتَ على التزامِه، كقوله: (وَلا تَكُوننْ ظَهِيراً الْكافِرِينَ) [القصص: ٨٦]، (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: ١٤]، (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) [القلم: ٨]، وهذا في النهي نظير قولِه في الأمر (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: ٦]، (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا) [النساء: ١٣٦]، وقد جعل النهي في الظاهر للتقلب، وهو في المعنى للمخاطب، وهذا من تنزيل السبب منزلة المسبب؛ لأنّ التقلب لو غرّه لاغتر به، فمُنع السبب ليمتنع المسبب. وقرئ: لا يغرنك بالنون الخفيفة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويتدهقنون)، النهاية: الدهقان، بكسر الدال وضمها: رئيس القرية ومقدم أصحاب الزراعة، وهو معرب، ونونه أصلية لقولهم: تدهقن الرجل، وله دهقنة، وقيل: النون زائدة، وهو من الدهق: الامتلاء. قوله: (من تنزيل السبب منزلة المسبب). السبب: تقلبهم في البلاد، والمسبب: التباس الغرور به، فنهي تقلبهم لينتفي غروره به، يعني: لا تغتر بسبب تقلبهم في البلاد وتمتعهم بالمال والمنال، فإن ذلك في وشك الزوال، يعني: لا تكن بحيث إن شاهدت ذلك وقعت في الغرور، وهو على منوال: لا أرينك ها هنا، فإن حصول المخاطب في ذلك في ذلك المكان سبب لرؤية المتكلم إياه فيه، فنهى نفسه عن رؤيته هناك لينتهي المخاطب عن حضوره فيه.

стр. 1720

(مَتاعٌ قَلِيلٌ): خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك متاعٌ قليل، وهو التقلُّب في البلاد، أراد قلَّته في جَنْبِ ما فاتَهم من نعيم الآخرة، أو في جَنْبِ ما أعدَّ اللَّهُ للمؤمنين من الثواب، أو أراد أنه قليلٌ في نفسه لانقضائه وكل زائل قليل. قال رسول اللَّه ﷺ : «ما الدّنيا في الآخرةِ إلا مثلُ ما يجْعلُ أحدُكم أصبَعَه في اليمِّ فلينظرْ بِمَ يَرجع». (وَبِئْسَ الْمِهادُ): وساء ما مهدوا لأنفسهم. (لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ) ١٩٨]. النُزْل والنُزُل: ما يُقامُ للنّازل. وقال أبو الشَّعْراء الضَّبِّيّ: وَكُنَّا إذَا الْجَبَّارُ بِالْجَيْشِ ضَافَنَا جَعَلْنَا الْقَنَا وَالْمُرهِفَاتِ لَهُ نُزْلَا وانتصابُه: إمّا على الحال من (جَنَّاتٌ) لتخصصِها بالوصْف والعاملُ الّلام ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما الدنيا في الآخرة). الحديث رواه مسلم والترمذي عن مستورد بن شداد، مع تغيير يسير، يعني: ليست الدنيا في جنب الآخرة إلا كذا وكذا. قوله: (وكنا إذا الجبار) البيت. الجبار: الملك المتسلط، ضافنا: أي: نزل بنا ضيفاً، والباء في "بالجيش" للتعدية أو للمصاحبة، يقول: إذا جعل الجيش ضيفاً لنا، أو: إذا صار مع الجيش ضيفاً لنا. والمرهفات: السيوف الباترات، جعل المرهفات نزلاً على التهكم. قوله: (والعامل اللام) أي: الجار والمجرور، أعني: (لَهُمْ)، لأنه قوي بالاعتماد على المبتدأ، فعمل في (جَنَّاتُ)، على أنها فاعلة فتعمل في الحال؛ لأن العامل في الحال هو العامل في ذي الحال، أو ارتفاع (جَنَّاتُ) بالابتداء، و (لَهُمْ) الخبر، و (نُزُلاً) حال مما في الظرف من الضمير.

стр. 1721

ويجوزُ أن يكونَ بمعنى مصدرٍ مؤكِّد، كأنه قيل: زرقًا، أو عطاءً. (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ) من الكثير الدائم (خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ) مما يتقلَّب فيه الفجارُ من القليل الزائل. وقرأ مسلَمةُ بنُ محارِبٍ والأعْمش (نُزُلًا) بالسكون. وقرأ يزيدْ بن القعقاع: لكنّ الذين اتقوا، بالتشديد. (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) ١٩٩]. (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) عن مجاهد: نزلت في عبد اللَّه بن سلام وغيره من مسلمة أهل الكتاب. وقيل: في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثينَ من الحَبَشة، وثمانيةٍ من الروم كانوا على دين عيسى ﵇ فأسْلموا. وقيل: في أصْحَمةَ النّجاشيِّ مَلِكِ الحَبَشة، ومعنى أصْحمة: عطية، بالعربية. وذلك أنه لمّا ماتَ نعاه جبريلُ إلى رسول اللَّه ﷺ فقال رسول اللَّه ﷺ : (اخرجوا فصلّوا على أخٍ لكم ماتَ بغير أرضكم)، فخرج إلى البقيع ونَظَرَ إلى أرضِ الحبشة، فأبصَرَ سريرَ النجاشيّ وصلى عليه واستغفر له: فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على عِلْجٍ نصرانيّ لم يَرَه قطّ وليسَ على دينه، فنزلت. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أصحمة النجاشي)، قال صاحب "جامع الأصول": النجاشي، بفتح النون وتخفيف الجيم وبالشين المعجمة: لقب ملك الحبشة، فالذي أسلم وآمن بالنبي ﷺ هو أصحمة، أسلم قبل الفتح ومات قبله أيضاً، وصلى عليه النبي ﷺ لما جاءه خبر موته ولم يره. قيل: إنما قال: "أبصر سرير النجاشي"، لأن الصلاة لا تجوز على الغائب عند الحنفية. قوله: (على علج)، النهاية: العلج: الرجل من كفار العجم وغيرهم، والأعلاج: جمعه، ويجمع على علوج أيضاً.

стр. 1722

ودخلت لامُ الابتداءِ على اسم «إنّ» لفصْلِ الظرْفِ بينهما كقولهِ: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ). [النساء: ٧٢]. (وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) من القرآن (وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ) من الكتابين (خاشِعِينَ لِلَّهِ) حال من فاعل (يُؤْمِنُ)؛ لأن من يؤمن في معنى الجمع. (لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا) كما يفعل من لم يُسلم من أحبارِهم وكبارِهم. (أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ)، أي: ما يختص بهم من الأجر، وهو ما وعدوه في قوله: (أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) [القصص: ٥٤]، (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) [الحديد: ٢٨]. (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ)؛ لنفوذِ علمه في كل شيء، فهو عالمٌ بما يستوجبُه كلُّ عاملٍ من الأجر. ويجوز أن يُراد: إنما تُوعدون لآتٍ قريبٌ بعد ذكر الموعد. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يراد: إن ما توعدون لآت) يريد أن قوله: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) إما كناية عن قرب الموعد فيكون كالتكميل لقوله: (لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) فإنه في معنى الوعد، ولذلك قال بعد ذكر الموعدـ أي: الوعدـ: كأنه قيل: لهم أجرهم عند ربهم عن قريب. قال القاضي: المراد من قوله: (سَرِيعُ الْحِسَابِ): أن الأجر الموعود سريع الوصول، فإن سرعة الحساب تستدعي سرعة الجزاء. وإما تعليل له على سبيل التذييل، يعني أن يجزيهم بما عملوا لأنه تعالى سريع الحساب، ولم يكن سريعاً للحساب إلا وهو عالم بالمحسوب الذي هو أعمال العباد، وإذا علم ذلك يوفي ما يستأهله العامل من الأجر؛ لأنه عادل متفضل كريم لا يضيع عنده عمل عامل من ذكر أو أنثى، فعلى هذا هو كناية تلويحية.

стр. 1723

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ٢٠٠]. (اصْبِرُوا) على الدينِ وتكاليفِه (وَصابِرُوا) أعداءَ اللَّه في الجهاد، أي: غالِبُوهم في الصّبْرِ على شدائدِ الحرْب، لا تكونوا أقلَّ صبراً منهم وثباتًا. والمصابرةُ: بابٌ من الصَّبْر ذُكِرَ بعْدَ الصَّبْرِ على ما يجبُ الصَّبر عليه؛ تخصيصًا لشدّته وصعوبته. (وَرابِطُوا): وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها، مترصِّدين مُستعدينَ للغزْو. قال اللَّه تعالى: (وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) [الأنفال: ٦٠] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تخصيصاً) أي: ذكر تخصيصاً؛ لأن المصابرة نوع خاص من الصبر، كأنه قيل: اصبروا على ما يجب الصبر عليه، وخصوا الصبر مع أعداء الله لأنه أصعب، فيكون من باب قوله: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ) [البقرة: ٩٨]. ثم قوله: (وَرَابِطُوا) أخص من مطلق المصابرة؛ لأنه أرهب للأعداء، قال تعالى: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ) [الأنفال: ٦٠]، روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: الرباط أفضل من الجهاد؛ لأنه حصن دماء المسلمين، والجهاد سفك دماء المشركين، وحصن دماء المسلمين أفضل من سفك دماء المشركين. واعلم أن هذه خاتمة شريفة منادية على ما اشتملت عليه السورة من التحريض على الصبر في تكاليف الله، والحث على المصابرة مع أعداء الله، والبعث على التقوى في جنب الله، ولذلك افتتحت السورة بذكر الكتب المنزلة على أنبياء الله لتكون الفاتحة مجاوبة للخاتمة، فإن كتب الله ما نزلت إلا للحث على التقوى، والصبر على التكاليف، والمصابرة مع الكفار، والمرابطة في سبيل الله، وشحنت السورة بقصتي بدر وأحد، وأطنبت فيما يتصل بهما من المكابدة والمشقة وتعيير من عدم الصبر، وكرر فيها ذكر الصبر والتقوى كما سبق بيانه.

стр. 1724

وعن النبي ﷺ «من رابطَ يومًا وليلةً في سبيل اللَّه كان كعِدْلِ صيامِ شهرٍ وقيامِه، لا يُفْطِرُ، ولا يَنْفَتِلُ عن صلاتِه إلا لحاجة». وعن رسول اللَّه ﷺ «مَنْ قرأَ سورةَ آلِ عمرانَ أُعطىَ بكلِّ آيةٍ منها أمانًا على جِسْرِ جهنم». وعنه ﵊: «من قرأَ السورةَ التي يُذْكَرُ فيها آلُ عمرانَ يومَ الجمعةِ صلَّى اللَّهُ علَيه وملائكتُه حتى تُحجَبَ الشمس». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من رابط يوماً وليلة في سبيل الله) الحديث من رواية مسلم والترمذي والنسائي، عن سلمان، عن رسول الله ﷺ : "من رابط يوماً في سبيل الله كان له كأجر صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطاً جرى له مثل ذلك من الأجر، وأجري عليه الرزق، وأمن من الفتان"، أي: المنكر والنكير. الراغب: ربط الفرس: شده بالمكان للحفظ، ومنه ربط الجيش، وسمي المكان الذي خص بإقامة حفظة فيه: رباطاً، والرباط: مصدر ربطت ورابطت، والمرابطة كالمحافظة، قال تعالى: (وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ) [الأنفال: ٦٠]، والمرابطة: ضربان: مرابطة في ثغور المسلمين، ومرابط النفس البدن، فإنها كمن أقيم في ثغر وفوض إليه مراعاته، فيحتاج أن يراعيه غير مخل به، وذلك كالمجاهدة، وقد روي عن النبي ﷺ : "من الرباط انتظار الصلاة". وفلان رابط الجأش: إذا قوي قلبه، وقال تعالى: (لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا) [القصص: ١٠]، فذلك إشارة إلى قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) [الفتح: ٤].

стр. 1725

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: الحديث من رواية مسلم، ومالك، والترمذي، والنسائي عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به لدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلك الرباط"، وفيه معنى ما يروى: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"؛ لإتيان اسم الإشارة الدال على بعد المشار إليه القريب في مقام التعظيم، وإيقاع "الرباط" المحلى بلام الجنس خبراً لاسم الإشارة، كقوله تعالى: (الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ) [البقرة: ١ ـ ٢] أي: المذكور هو الذي يستحق أن يسمى رباطاً، كأن غير ذلك لا يستأهل أن يسمى بهذا الاسم بالنسبة إليه؛ لما فيه من قهر أعدى عدو الله: النفس الأمارة بالسوء، وقمع شهواتها. ثم التكرير في الإيراد لدفع زعم من يتوهم أن ذلك من قبيل التجوز والمبالغة، وما في الآية أن يحمل على عموم المجاز ليكون من الجوامع لكونه خاتمة للسورة وفذلكة لمعانيها، والله أعلم. تمت السورة والحمد لوليه، والصلاة على نبيه

стр. 1726

سورة النساء مدنية، وهي مئة وست وسبعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) ١]. (يا أَيُّهَا النَّاسُ) يا بني آدم (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ): فرَّعكم مِن أصلٍ واحد، وهو نفسُ آدمَ أبيكم. فإن قلتَ: علام عطف قوله: (وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها)؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة النساء مدنية، وهي مئة وست وسبعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (علام عطف قوله) يعني أن قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [النساء: ١] دخل فيه حواء وغيرها من بني آدم؛ لأن المعنى: أنشأكم منها وفرعكم، فعلى أي شيء يعطف (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)؛ لئلا يلزم التكرار؟ وأجاب بقوله: إن الخطاب بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) إن كان عاماً فهو ليس بمعطوف على (خَلَقَكُمْ) لئلا يلزم التكرار؛ بل هو معطوف على

стр. 1727

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محذوف بياناً وتفصيلاً لكيفية خلقهم، فإنه قد علم خلق الجميع من قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)، ففسر وكشف بقوله: "أنشأها وخلق منها زوجها .. وبث منهما". وإن كان الخطاب خاصاً وأريد بـ " النَّاسُ " الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ ، فيكون عطفاً على (خَلَقَكُمْ)، ولا يلزم التكرار أيضاً؛ إذ المراد بالثاني غير الأول، فالمعطوفان على الأول داخلان في حيز الصلة، فلا يكون (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) مستقلاً بنفسه، وعلى الثاني: مستقل في الدلالة؛ لأنه عطف على نفس الصلة؛ وإليه الإشارة بقوله: (رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً) غيركم"، وعلى الأول التفات من الخطاب في قوله: (وَبَثَّ مِنْهُمَا)؛ لاتحاد المفهومين بخلاف الثاني؛ لاختلافهما؛ لأن المخاطبين غير الغيب. قال صاحب "التقريب": "وإنما التزم الإضمار في الأول والتخصيص في الثاني دفعاً للتكرار، ويحتمل أن يعطف على (خَلَقَكُمْ) من غير تخصيص بـ (النَّاسُ) ولا تكرار؛ إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس خلق زوجها منها، ولا خلق الرجال والنساء من الأصلين جميعاً". وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: إن الواو في (وَخَلَقَ) واو الحال، أي: خلقكم من نفس واحدة وقد خلق منها زوجها، فلا يحتاج إلى الإضمار والتخصيص. وقال القاضي: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ): خطاب يعم بني آدم، (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) عطف على (خَلَقَكُمْ)؛ أي: (خَلَقَكُمْ) من شخص واحد (وَخَلَقَ مِنْهَا) أمكم حواء من ضلع من أضلاعها، أو على محذوف تقديره: (مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) خلقها (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)، وهو تقدير لخلقهم من نفس واحدة، (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً) بيان لكيفية تولدهم منها. والمعنى: ونشر من تلك النفس والزوج المخلوقة منها بنين وبنات كثيرة، واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء؛ إذ الحكمة تقتضي أن تكون أكثر، وذكر (كَثِيراً) حملاً على الجمع.

стр. 1728

قلتُ: فيه وَجْهانِ: أحدُهما أن يُعطَفَ على محذوفٍ، كأنه قيلَ: مِن نفْسٍ واحدةٍ أنشأَها أو ابتدَأَها، وخَلَقَ منها زوجَها، وإنما حُذِفَ؛ لدلالةِ المعنى عليه. والمعنى: شَعَّبَكم مِن نفْسٍ واحدةٍ هذه صِفتُها، وهي أنه أنشأَها مِن تُرابٍ وخَلَقَ زوجَها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت - والله أعلم -: نبين أولاً مقصود المصنف على وجه يعلم منه أي الأقوال أولى بالقبول، أما الوجه الثانيـ وهو أن يكون (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) عطفاً على (خَلَقَكُمْ) ـ فمبني على قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: ٢١] لفظاً ومعنى، ويساعد عليه في هذا المقام قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ)؛ لأن مثل هذه المخاطبات مختصة بالعرب. وأما الوجه الأول فمبني على ترتيب الحكم على الوصف المناسب؛ لأنه يستدعي العموم في الناس، والشيوع فيه، وإضمار ما يفوق الحصر من ابتداء كونه تراباً إلى انتهاء تعلق الروح بالجسد؛ لأن الكلام سيق للتقوى، وللتنبيه على اقتدار عظيم وامتنان متبالغ، كأنه قيل: يا بني آدم اتقوا ربكم العظيم الشأن ذا القدرة الكاملة، والنعمة الشاملة، الذي ظهرت آثار قدرته، وتبينت سوابغ نعمته في إنشائكم من هذا المخلوق الفرد العجيب الشأن، الجامع لكمالات الدين والدنيا، وهذا مما لا يخفى عليكم، وظهر من هذا التقرير أن هذا الوجه أبسط وأبين للفوائد المتكاثرة إملاء، ويدخل فيه من بعث إليهم رسول الله ﷺ دخولاً أولياً؛ فهو بالتلقي والقبول أجدر، وعلم أن إرادة الإبهام والتفسير وكذا التقييد بالحال، لا يدخل في المقصود وإن صح من جهة الإعراب؛ لأنه إذا عطف بياناً لزم منه قصور البيان عن المبين؛ لأنه لا يعلم من قوله: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً) بيان كيفية خلقة آدم المبهمة في قوله: (نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) كما بينه المصنف بقوله: "أنشأها من تراب" فضلاً عن تفصيله، فإذا جعل حالاً والمراد العموم كما قال صاحب "الفرائد"؛ دفعه قوله: (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً).

стр. 1729

حوّاءَ من ضِلَعٍ من أضلاعِها (وَبَثَّ مِنْهُما) نوعَي جنسِ الإنس؛ وهما الذُّكورُ والإناث، فوَصَفَها بصفةٍ هيَ بيانٌ وتفصيلٌ لكيفيّةِ خَلْقِهم منها. والثاني: أن يُعطَف على (خَلَقَكُم)، ويكون الخطابُ في: (يا أَيُّهَا النَّاسُ) للذين بُعِثَ إليهم رسول اللَّه ﷺ . والمعنى: خَلَقَكم مِن نفسِ آدم؛ لأنهم من جُملة الجنسِ المفرَّع منه، وخَلَقَ منها أُمَّكم حوّاء (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً) غيركم من الأمم الفائتة للحَصْر. فإنْ قلتَ: الذي يَقتضِيه سَدَادُ نظْمِ الكلامِ وجزالتُه أن يُجاء عَقِيبَ الأمرِ بالتقوى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حواء من ضلع من أضلاعها)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي والدارمي، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "استوصوا بالنساء خيراً، خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج". قوله: (فوصفها) الفاء للتعقيب، مثلها في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤] أي: أراد أن يصفها بصفة وهي أنه أنشأها من تراب .. إلى آخره، فوصفها بصفة هي بيان وتفصيل لكيفية خلقهم، فيكون قوله: "أنشأها من تراب" داخلاً في التفصيل، وهو بيان ابتداء حاله. وقوله: (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً) بيان لغاية أمره مما يتعلق بالتوالد والتناسل وما يتوسط بينهما من سائر الأحوال الغريبة، فهو مقصود مراد؛ لأن الإضمار في أمثال هذه المقامات مؤذن بأن التقرير غير واف بالمقصود، وفي تخصيص الذكر بقوله: (مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) دون اسمه ﵇ إشعار بتصوير الأطوار والأحوال. قوله: (لأنهم من جملة الجنس المفرع منه) أي: من آدم؛ فصح أن يقال: خلقكم من نفس آدم وإن وجدت الوسائط. قوله: (الذي يقتضيه سداد النظم) إلى آخره، توجيهه: أن الأصل في ترتيب

стр. 1730

بما يوجبها أو يدعوا إليها ويبعث عليها، فكيفَ كانَ خَلقُه إياهم مِن نفْسٍ واحدةٍ على التفصيل الذي ذَكَرَه موجِبًا للتقوى وداعيًا إليها؟ قلت: لأنّ ذلك مما يدلُّ على القُدرةِ العظيمة. ومَن قَدرَ على نحوِه كانَ قادراً على كلِّ شيء، ومن المَقْدُوراتِ عِقابُ العُصاة، فالنظرُ فيه يؤدِّى إلى أن يُتَّقى القادرُ عليه ويُخشى عقابُه؛ ولأنه يدل على النعمةِ السابقةِ عليهم، فحقهم أن يتَّقُوه في كُفرانِها والتفريطِ فيما يلزمُهم مِنَ القيامِ بشُكرها؛ أو أرادَ بالتقوى تَقْوى خاصةً؛ وهي أن يتَّقُوه فيما يتَّصِلُ بحفظِ الحُقوقِ بينهم، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله، فقيل: اتقوا ربَّكم حيث جعلكم صنواناً ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحكم على الوصف أن يكون ذلك الوصف مما له صلاحية العلية؛ وها هنا خلقهم من نفس واحدة، كيف يصح أن يكون علة لقوله: (اتَّقُوا)، وأجاب أولاً: أن الحكم هو الاتقاء من المعاصي والكفر، ومرجع الوصف إلى إثبات العقاب الزاجر من المليك القادر. وثانياً: أن الحكم هو الاتقاء من كفران النعم، ومرجع الوصف إلى إظهار النعمة؛ لأن من قدر على إيلائها قدر على إزالتها. اعلم أنه قال أولاً: "أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها"، وذكر بعده "موجباً للتقوى وداعياً" بالواو للمبالغة، يعني: تقرر عند علماء الأصول أن الترتيب على الوصف إما أن يكون موجباً أو باعثاً على الندب، وليس ها هنا من الأمرين شيء. قوله: (أو أراد بالتقوى تقوى خاصة) عطف من حيث المعنى على قوله: "لأن ذلك مما يدل عليه القدرة"؛ لأن الوجهين السابقين مشتملان على إرادة تقوى عامة من الكفر والمعاصي في جميع ما يجب أن يتقى، ومن كفران النعمة في سائر نعم الله؛ وهذه في نعمة مختصة بما يتصل بحفظ حقوق ذوي الأرحام فقط، وعلى هذا لا يرد السؤال؛ لأن المذكور موجب للحكم بلا تأويل، و"تقوى" غير منصرفة؛ لأن ألفها للتأنيث. قوله: (جعلكم صنواناً). النهاية: "الصنو: المثل، وأصله أن تطلع نخلتان من عرق

стр. 1731

مفرَّعةً مِن أرومةٍ واحدة فيما يجبُ على بعضِكم لبعض، فحافظُوا عليه، ولا تَغْفُلوا عنه. وهذا المعنى مُطابقٌ لمعاني السُّورة. وقُرئ: (وخالقٌ منها زوجَها. وباثٌّ منهما)، بلفظِ اسمِ الفاعل، وهوَ خبر مبتدأ محذوف تقديرُه: وهو خالقُ (تَساءَلُونَ بِهِ) تتساءلون به، فأُدغمتِ التاءُ في السِّين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واحد"، وكذا الأرومة، بوزن الأكولة: الأصل، وفي حديث عمير بن أفصى: "أنا من العرب في أرومة بيانها". قوله: (وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة) هذا يوهم أن الوجهين الأولين غير مطابقين، لكن مراده أن دلالته على معنى السورة بالمطابقة من حيث الخصوص؛ وذلك أن السورة مشتملة على ذكر ذوي الأرحام والعصبات كلها، ودلالة الوجهين عليه باللزوم؛ لأن الاتقاء من العقاب يوجب الاجتناب عن جميع المنكرات، ومنها قطع الرحم، والاحتراز عن كفران النعم كلها يوجب الاحتراز عن كفران نعمة الرحم؛ وينصر هذا الوجه الأخير ما رويناه عن مسلم وأحمد والدارمي عن جرير: كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ ، فجاءه قوم مجتابي النمار أو العباءة، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة؛ فدخل ثم خرج فأمر بلالاً فأذن وأقام، ثم خطب، فقال: " (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) إلى قوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) " الحديث. النهاية: مجتابي النمار، أي: لابسيها، يقال: اجتبيت القميص والظلام، أي: دخلت فيهما، وكل شيء قطع وسطه فهو مجوب ومجوَّبٌ، وبه سمي جيب القميص، والنمار: جمع نمرة، وهي: كل شملة مخططة من مآزر الأعراب، كأنها أخذت من لون النمر، وتمعر، أي: تغير.

стр. 1732

وقُرئ: (تَسَاءَلُونَ) بطَرْحِ التاءِ الثانية، أي: يَسألُ بعضُكم بعضًا باللَّهِ وبالرَّحِم، فيقول: باللَّهِ وبالرَّحم أفعَل كذا على سبيلِ الاستعطاف، وأُناشِدُك اللَّهَ والرَّحم؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [قوله]: ((تَسَاءَلُونَ))، قرأ الكوفيون: بتخفيف السين، والباقون: بتشديدها، قال الزجاج: "أصله تتساءلون، فحذفت التاء الثانية تخفيفاً؛ لأن اجتماع التاءين مستثقل، والكلام غير ملبس". قوله: (على سبيل الاستعطاف)، قال ابن الحاجب: القسم جملة إنشائية تؤكد بها جملة أخرى؛ فإن كانت خبرية فهو القسم لغير الاستعطاف، وإن كانت طلبية فهو للاستعطاف. وقال المصنف في قوله تعالى: (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ) [القصص: ١٧]: " (بِمَا أَنْعَمْتَ): يجوز أن يكون قسماً، أي أقسم بإنعامك علي، وأن يكون استعطافاً، أي: رب اعصمني بحق ما أنعمت علي". وقلت: فالاستعطاف يستفاد من اللفظ الذي يشعر بالعطف والحنو، ومعنى الاستعطاف ها هنا مأخوذ من لفظ (الله) و (الرحم)، فإن القرابة موجبة للتعطف والرأفة؛ يؤيد هذا التأويل قوله بعد هذا: "واتقوا الله الذي تتعاطفون بإذكاره وبإذكار الرحم". قوله: (وأناشدك الله والرحم)، يقال: نشدتك الله والرحم نشدة، وناشدتك الله، أي: سألتك بالله والرحم، وتعديه إلى المفعولين؛ إما لأنه بمنزلة: دعوت، حيث قالوا: نشدتك بالله والله كما قالوا: دعوته بزيد وزيداً، أو لأنهم ضمنوه معنى: ذكرت، ومصداق هذا قول حسان: نشدت بني النجار أفعال والدي … إذا العان لم يوجد له من يوازعه

стр. 1733

أو تسألون غيركم باللَّه والرحم، فقيل «تفاعلون» موضع «تفعلون» للجمع، كقولك: رأيت الهلال وتراءيناه. وتنصره قراءة من قرأ: تسألون به. مهموزاً وغير مهموز. وقرئ (وَالْأَرْحامَ) بالحركات الثلاث، فالنصب على وجهين: إما على: واتقوا اللَّه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: ذكرتهم إياها. وأنشدتك بالله: خطأ، الموازعة: المناطقة والمكالمة. قوله: (أو تسألون غيركم بالله) يريد: يجوز أن يكون التساؤل من جانب واحد، كما استعملوا تفاعلون موضع تفعلون، واللام في "للجمع" تتعلق بقوله: "فقيل"، قال المصنف: سمعت من العرب: تباصرته بمعنى: أبصرته. قوله: (رأيت الهلال وتراءيناه)، عبر بهما عن شيء واحد، وجواز الثاني لاعتبار الجمعية التي يعطيها اللفظ دون المعنى إرادة للمبالغة كما سبق في قوله تعالى: (يُخَادِعُونَ) [البقرة: ٩] بمعنى يخدعون. قوله: (وتنصره قراءة من قرأ "تسألون")، أي: ينصر الوجه الثاني، وهو أن يراد بـ (تَسَاءَلُونَ): تسألون غيركم؛ لأنها صريحة فيه. قوله: (وقرئ: (وَالأَرْحَامَ) بالحركات الثلاث): بالجر: حمزة، والباقون: بالنصب، وأما الرفع فشاذ.

стр. 1734

والأرحام، أو أن تُعطف على محلِّ الجارِّ والمجرور، كقولك: مررتُ بزيدٍ وعَمراً، وتنصرُه قراءةُ ابنِ مسعود: (تساءلون به وبالأرحام)، والجرّ على عطف الظاهر على المضمر، وليس بسديد؛ لأنّ الضمير المتصل متصل كاسمه، والجار والمجرور كشيء واحد؛ فكانا في قولك «مررت به وزيد» و «هذا غلامه وزيد» شديدي الاتصال، فلما اشتدَّ الاتصال لتكرره أشبه العطف على بعض الكلمة، فلم يجز ووجب تكرير العامل، كقولك: «مررت به وبزيد» و «هذا غلامه وغلام زيد» ألا ترى إلى صحة قولك «رأيتك وزيدًا» و «مررت بزيد وعمرو» لما لم يقو الاتصال؛ لأنه لم يتكرر؟ وقد تمحل لصحة هذه القراءة بأنها على تقدير تكرير الجار ونظيرها قول الشاعر: فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (متصل كاسمه) هو كقولك للمسمى بـ "شجاع": هو شجاع كاسمه، وقيل: لا زال كاسمه مسعوداً. قوله: (لتكرره) يعني اجتمع اتصالان؛ أحدهما: أنه ضمير متصل، وثانيهما: أن الجار والمجرور والمضاف مع المضاف إليه كشيء واحد، فصارت الهاء كحرف من الكلمة، فلا يجوز العطف، بخلاف المنصوب؛ لأنه لم يتكرر الاتصال. قال الزجاج: المخفوض كالتنوين في الاسم، فقبح أن يطف باسم يقوم بنفسه على ما لا يقوم بنفسه، قال المازني: كما لا تقول: مررت بزيد و"ك"، فكذلك لا تقول: مررت بك وزيد. وأنشد سيبويه: فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا … فاذهب فما بك والأيام من عجب قال المصنف: (وقد تمحل)، أي: تكلف وتعسف؛ لأنه إن ارتفع قبح العطف، لكن لزم قبح آخر وهو إضمار الجار، قال السجاوندي: يقال: كيف أصبحت؟ فتقول: خير، أي: بخير، ولو قيل: بأي حال أصبحت؟ فتقول: خير، كان أحسن، فجاز أن تحمل عليه لغة القرآن،

стр. 1735

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإلا فقولهم: فاذهب فما بك والأيام من عجب؛ ضرورة شعر لا تحمل عليه لغة القرآن. ومعنى البيت: قد كنت مهجوراً مبعداً، فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا، وليس هذا جزاء الإحسان، ثم عذره وقال: إني أعرف شيمة الزمان، وغدر أبنائه، فاذهب؛ فما بك من عجب ولا بالأيام أيضاً. وقال الحريري في "درة الغواص": فإن قيل: كيف جاز العطف على المضمرين: المرفوع والمنصوف بغير تكرير، وامتنع العطف على المضمر المجرور إلا بالتكرير؟ فالجواب عنه: أنه لما جاز أن يعطف ذانك الضميران على الاسم الظاهر في مثل قولك: قام زيد وهو، وزرت عمراً وأباك؛ جاز أن يعطف الظاهر عليهما، ولما لم يجز أن يعطف المضمر المجرور على الظاهر إلا بتكرير الجار في مثل قولك: مررت بزيد وبك؛ لم يجز أن يعطف الظاهر على المضمر إلا بتكريره أيضاً، نحو: مررت بك وبزيد، وهذا من لطائف علم العربية، ومحاسن الفروق النحوية. وقال المالكي في "الشواهد": الجواز أصح من المنع؛ لضعف احتجاج المانعين وصحة استعماله نظماً ونثراً، وشواهدها كثيرة ذكرناها. وأما قراءة حمزة فقد اجتمع عليها: ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والنخعي والأعمش ويحيى بن وثاب وأبو رزين، ومن مؤيدات الجواز: قوله تعالى: (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [البقرة: ٢١٧]، فجر المسجد بالعطف على الهاء المجرورة بالباء لا بالعطف على (سَبِيلِ)؛ لاستلزامه العطف على الموصول؛ وهو "الصد" قبل تمام صلته؛ لأن (عَنْ سَبِيلِ) صلة له؛ إذ هو متعلق به، و (وَكُفْرٌ) معطوف على "الصد"، وذلك يجوز بالإجماع، فإن عطف على الهاء؛ خلص من ذلك فحكم برجحانه، وأجاز الفراء أن يكون (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) معطوفاً على (لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) [الحجر: ٢٠].

стр. 1736

والرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف، كأنه قيل: والأرحام كذلك، على معنى: والأرحام مما يتقى أو: والأرحام مما يتساءل به. والمعنى أنهم كانوا يقرون بأن لهم خالقاً، وكانوا يتساءلون بذكر اللَّه والرحم، فقيل لهم: اتقوا اللَّه الذي خلقكم، واتقوا الذي تتناشدون به واتقوا الأرحام فلا تقطعوها. أو: واتقوا اللَّه الذي تتعاطفون بإذكاره وبإذكار الرحم. وقد آذن عز وعلا ـ إذ قرن الأرحام باسمه ـ أن صلتها منه بمكان، كما قال: (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) [الإسراء: ٢٣]، وعن الحسن: إذا سألك باللَّه فأعطه، وإذا سألك بالرحم فأعطه. وللرحم حجنة عند العرش، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والأرحام كذلك)، قال المصنف: إنه لما علم واشتهر بدليل الاستقراء والقياس لم يخف على أحد أنه لابد منه؛ إما منطوقاً به، وإما مقدراً، والمقدر: إما مما يبقىبدليل قراءة النصب، وإما مما يتساءل به بدليل قراءة الجر. قوله: (والمعنى: أنهم كانوا يقرون بأن لهم خالقاً)، يعني: الكلام كله وارد على عرف المبعوث إليهم رسول الله ﷺ ، وهذا يدل على اختياره الوجه الثاني من الوجهين اللذين ذكرهما في أول السورة، فقوله: "واتقوا الله الذي خلقكم، واتقوا الذي تناشدون به، واتقوا الأرحام فلا تقطعوها"، معنى الآية بحسب نصب "الأرحام"، وقوله: "أو: واتقوا الله الذي تتعاطفون بإذكاره وبإذكار الرحم": بحسب جره؛ ومن ثم أعاد الجار في "بإذكار الرحم"، وترك معنى قراءة الرفع لعوده إلى أحد المعنيين. قوله: (وللرحم حجنة). النهاية: حجنة المغزل: صنارته، وهي المعوجة التي في رأسه. روينا عن الشيخين، عن أبي هريرة: "أن للرحم شجنة من الرحمن".

стр. 1737

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعن أحمد بن حنبل وأبي داود والترمذي: "أنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها من اسمي". النهاية: شجنة، أي: قرابة مشتبكة كاشتباك العروق، [وأصل] الشجنة، بالكسر والضم: شعبة من غصن من غصون الشجرة. والتحقيق فيه: أن العرش منصة تتجلى عليه الصفة الرحمانية، لقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]، ولما كان للرحم تعلق باسم الرحمن بسبب الاشتقاق؛ جعلها حجنة عند العرش الذي هو منصة الرحمن. وروينا عن الشيخين، عن أبي هريرة في رواية، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى خلق الخلق، حتى إذا فرغهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ فقالت: بلى". الحديث. الجامع: الحقو: مشد الإزار من الإنسان، وقد يطلق على الإزار، ولما جعل الرحم شجنة من الرحمن استعار لها الاستمساك به، كما يستمسك القريب من قريبه، والنسيب من نسيبه. الراغب: ومعنى ذلك: أن الله تعالى لما جعل بين نفسه وبين عباده سبباً، كما أنه كتب على نفسه الرحمة بعباده، وأوجب عليهم في مقابلتها شكر نعمته، لما كان هو السبب

стр. 1738

ومعناه ما روي عن ابن عباس ﵄: الرحم متعلقة بالعرش، فإذا أتاها الواصل بشت به وكلمته، وإذا أتاها القاطع احتجبت منه. وسئل ابن عيينة عن قوله ﵊ «تخيروا لنطفكم» فقال: يقول لأولادكم؛ وذلك أن يضع ولده في الحلال، ألم تسمع قوله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ)؟ وأول صلته أن يختار له الموضع الحلال، فلا يقطع رحمه ولا نسبه، فإنما للعاهر الحجر، ثم يختار الصحة، ويجتنب الدعوة، ولا يضعه موضع سوء يتبع شهوته وهواه بغير هدى من اللَّه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأول في وجودهم وخلق قواهم وقدرتهم وسائر خيراتهمـ كذا أيضاً جعل بين ذوي اللحمة بعضهم مع بعض شيئاً أوجب به على الأعلى التوفر على الأدون، وعلى الأدون توقير الأعلى؛ فصار بين الرحم والرحمة مناسبة معنوية، كما أن بينهما نسبة لفظية؛ ولهذا عظم شكر الوالدين فقرنه بشكره في قوله تعالى: (أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ) [لقمان: ١٤] تنبيهاً أنهما السبب الأخير في الوجود. قوله: (أن يختار له الموضع الحلال) هذا كناية عن أن لا يكون هو زانياً؛ لقوله: "فلا يقطع رحمه، فإنما للعاهر الحجر". النهاية: العاهر: الزاني، وقد عهر يعهر عهراً وعهوراً: إذا أتى امرأة ليلاً للفجور، ثم غلب على الزنى مطلقاً، والمعنى: لا حظ للزاني في الولد، وإنما هو لصاحب الفراش، أي: لصاحب أم الولد وهو زوجها أو مولاها، وهو كقول الآخر: له التراب، أي: لا شيء له. قوله: (ثم يختار الصحة ويجتنب الدعوة). النهاية: الدعوة في النسبـ بالكسرـ هو: أن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه وعشيرته، وكانوا يفعلونه، فنهي عنه وجعل الولد للفراش. يعني: بعد أن يصون نفسه عن الزنى ينبغي أن يتجنب موضع سوأتي الزانية؛ فإن الزانية ربما تزني فتلد فينسب إليه، لقوله: "الولد للفراش"، فلا يصح نسبه حقيقة فيكون دعياً، فقوله: "يجتنب الدعوة" كناية عن ألا تكون المرأة زانية، والمعنى مأخوذ مما روينا عن البخاري،

стр. 1739

(وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَاكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً) ٢]. (الْيَتامى) الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم. واليتم: الانفراد، ومنه: الرملة اليتيمة والدرّة اليتيمة. وقيل: اليتم في الأناسي من قبل الآباء، وفي البهائم من قبل الأمهات. فإن قلت: كيف جمع اليتيم ـ وهو فعيل كمريض ـ على يتامى؟ قلت: فيه وجهان: أن يجمع على يتمى كأسرى؛ لأنّ اليتم من وادي الآفات والأوجاع، ثم يجمع فعلى فعالي كأسارى؛ ويجوز أن يجمع على فعائل لجري اليتيم مجرى الأسماء، نحو صاحب وفارس، فيقال: يتائم، ثم يتامى على القلب. وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار؛ لبقاء معنى الانفراد عن الآباء، إلا أنه قد غلب أن يسمَّوا به قبل أن يبلغوا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن عائشة ﵂، كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد أن ابن وليدة زمعة مني، فاقبضه إليك. فلما كان عام الفتح أخذه سعد، فقال: ابن أخي. فقام عبد بن زمعة وقال: أخي وابن وليدة أبي؛ ولد على فراشه. فتساوقا إلى رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : "هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر"، ثم قال لسودة: "احتجبي منه" لما رأى من شبهه بعتبة. قوله: (فيقال: يتائم)، قال المصنف: أنشدني الشريف لبشر النجدي: أأطلال حسن بالبراق اليتائم … سلام على أحجاركن القدايم حسن: امرأة، البراق: جمع برقة، وهي المكان الذي فيه حجارة ورمل وطين مختلطة.

стр. 1740

مبلغ الرجال، فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم وانتصبوا كفاة يكفون غيرهم ويقومون عليهم، زال عنهم هذا الاسم. وكانت قريش تقول لرسول اللَّه ﷺ : يتيم أبى طالب، إمّا على القياس وإمّا حكاية للحال التي كان عليها صغيراً ناشئاً في حجر عمه توضيعًا له. وأمّا قوله ﵇ «لا يتم بعد الحلم» فما هو إلا تعليم شريعة لا لغة، يعنى أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام الصغار. فإن قلت: فما معنى قوله: (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ)؟ قلت: إما أن يراد باليتامى الصغار، وبإيتائهم الأموال ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (استغنوا بأنفسهم عن كافل) على قوله: (زال) تفسير لقوله: "أن يبلغوا مبلغ الرجال"، أي: سموا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال، فإذا بلغوا زال عنهم هذا الاسم. وهذا التعريف بحسب العرف العام لا الشرع؛ لخروج حكم الحلم والسن من التعريف، ولهذا ما أوردوا قوله ﷺ سؤالاً عليه. قوله: (تعليم شريعة لا لغة) أي: لم يرد بقوله: "لا يتم بعد الحلم" اليتم اللغوي؛ فإن المقام مقام تعليم الأحكام، لا تعليم اللغة، يعني أنه منقول شرعية؛ لأن الغالب على من احتلم الاهتداء لطريق صلاحه، فلا يكون كاليتيم الذي لم يستغن بنفسه عن كفالة كافل؛ ومن ثم ضم الرشد معه في قوله تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً) [النساء: ٦]. قوله: (فما معنى قوله: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ)؟ ) الفاء تدل على إنكار، يعني: إذا كان معنى اليتم عدم البلوغ وصحة التصرف في الأموال والاستغناء عن الكفالة؛ فكيف قيل: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ)؟ وأجاب بجوابين؛ أحدهما: أن اليتامى على ظاهره، والإيتاء على خلاف الظاهر، والثاني: عكسه.

стр. 1741

أن لا يطمع فيها الأولياء والأوصياء وولاه السوء وقضاته، ويكفوا عنها أيديهم الخاطفة حتى تأتي اليتامى إذا بلغوا سالمة غير محذوفة؛ وإما أن يراد الكبار؛ تسمية لهم يتامى عل القياس، أو لقرب عهدهم إذا بلغوا بالصغر، كما تسمى الناقة عشراء بعد وضعها، على أن فيه إشارة إلى أن يؤخر دفع أموالهم إليهم عن حد البلوغ، ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد، وأن يؤتوها قبل أن يؤل عنهم اسم اليتامى والصغار. وقيل: هي في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ طلب المال، فمنعه عمه، فترافعا إلى أن النبي ﷺ ، فنزلت، فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الانتصاف: ويقوي الأول قوله بعد آيات: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ) [النساء: ٦]، والآية الأولى لحفظها عليهم، والثانية للإيتاء الحقيقي عند البلوغ والرشد، ويؤيده ما يعقبه: (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) [النساء: ٢] تأديباً للوصي ما دام المال في يده، وعلى الوجه الآخر يكون معنى الآيتين واحداً، فالأولى مجملة، والثانية مبينة بالإيناس والبلوغ. قوله: (أن لا يطمع فيها) أي: المراد من الأمر بالإيتاء رفع الطمع على سبيل الكناية؛ لأن الإيتاء إنما يتأتى إذا بقي المال ولم يهلك، وإنما يسلم من الهلاك إذا لم يتصرف فيه تصرف الملاك، ولا يتصرف في مال الغير إلا الطامع فيه. قوله: (غير محذوفة) أي: منقوصة، الأساس: فرس محذوف: مقطوع الذنب، وزق محذوف: مقطوع القوائم. قوله: (على أن فيه إشارة) يعني سموا باليتامى وإن لم يكونوا يتامى مجازاً؛ لاعتبار معنى لطيف وهو أن يؤخر الإيتاء عن البلوغ، ويسمى هذا الفن في الأصول بإشارة النص، وهو أن يساق الكلام لمعنى ويضمن معنى آخر، وإليه الإشارة بقوله: "على أن فيه إشارة".

стр. 1742

الرسول، نعوذ باللَّه من الحوب الكبير. فدفع ماله إليه فقال النبي ﷺ : "ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره"؛ يعنى جنته، فلما قبض ألفوا ماله أنفقه في سبيل اللَّه، فقال النبي ﷺ : ثبت الأجر، ثبت الأجر وبقي الوزر، قالوا: يا رسول اللَّه، قد عرفنا أنه ثبت الأجر كيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل اللَّه؟ فقال: ثبت أجر الغلام، وبقي الوزر على والده (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ): ولا تستبدلوا الحرامـ وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم، وما أبيح لكم من المكاسب ورزق اللَّه المبثوث في الأرضـ فتأكلوه مكانه؛ أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال أموال اليتامىـ بالأمر الطيب؛ وهو حفظها والتورع منها. والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز، منه التعجل بمعنى الاستعجال، والتأخر بمعنى الاستئخار، قال ذو الرمّة: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلما قبض ألفوا ماله أنفقه) أي: فلما مات الغلام، وجد الناس أن الغلام أنفق ماله في سبيل الله. قوله: (ثبت أجر الغلام وبقي الوزر على والده) يعني جمع والده المال: إما من الحرام فعليه الظلامة، وإما من الحلال فعليه تبعة الحساب والوزر إن منع من حقوق الله شيئاً، هذا على تقدير الثاني مجمع عليه، وأما على الأول فمختلف فيه بناءً على أن الولد هل هو غاصب أيضاً أم لا؟ فعلى مذهب الشافعي: لا يثبت الأجر ما لم يرده إلى من غصب منه، أو يستحل منه. قوله: (فتأكلوه) جزم عطف على "تستبدلوا"، أو نصب جواباً للنهي. قوله: (اختزال أموال اليتامى). النهاية: وفي الحديث: "يريدون أن يختزلونا من

стр. 1743

فَيَا كَرَمَ السَّكْنِ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا عَنِ الدَّارِ وَالْمُسْتَخْلَفِ الْمُتَبَدَّلِ أراد: ويا لؤم ما استخلفته الدار واستبدلته. وقيل: هو أن يعطى رديئا ويأخذ جيداً. وعن السدي: أن يجعل شاة مهزولة مكان سمينة، وهذا ليس بتبدل، إنما هو تبديل إلا أن يكارم صديقا له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أصلنا"، أي: يقتطعونا ويذهبوا بنا منفردين، فعلى هذا ليس الاستبدال في المعين كما في الأول، يعني: لا تتركوا حفظ مال اليتيم إلى اختزاله. قوله: (فيا كرم السكن) البيت، السكن: أهل الدار، تحملوا: ارتحلوا، واستبدلته أي: من البقر والظباء، والمستخلف: مجرور على تقدير المضاف، واللام بمعنى الذي، والعائد محذوف، تأويله قوله: "ويا لؤم ما استخلفته". قوله: (أن يجعل شاة) أن يعطي عند الإنفاق شاة مهزولة مثلاً، ويحاسب عليه بالشاة السمينة. قوله: (وهذا ليس بتبدل وإنما هو تبديل). الجوهري: تبديل الشيء: تغييره وإن لم يأت ببدل، واستبدل الشيء بغيره وتبدله: إذا أخذه مكانه. الأساس: بدل الشيء: غيره، وتبدلت الدار بأنسها وحشاً واستبدلت، فمعنى التبديل: التغيير، وهو عام في أخذ شيء وإعطاء شيء، وفي طلب ما ليس عنده، وترك ما عنده، هذا معنى قول الجوهري: تبديل الشيء: تغييره وإن لم يأت ببدل، ومعنى التبدل: الاستبدال، والاستبدال: طلب البدل، فكل تبدل تبديل، وليس كل تبديل تبدلاً، فقوله: "ولا تستبدلوا الحرامـ وهو مال اليتامىـ بالحلالـ وهو مالكم"، وقوله: "أو: ولا تستبدلوا الأمر الخبيثـ وهو اختزال أموال اليتامىـ بالأمر الطيب وهو حفظها" ليس فيهما أخذ شيء

стр. 1744

(وَلا تَأكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ): ولا تنفقوها معها. وحقيقته: ولا تضموها إليها في الإنفاق، حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم؛ قلة مبالاة بما لا يحل لكم، وتسوية بينه وبين الحلال. فإن قلت: قد حرم عليهم أكل مال اليتامى وحده ومع أموالهم، فلمَ ورد النهي عن أكله معها؟ قلت: لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم اللَّه من مال حلال ـ وهم على ذلك يطمعون فيها؛ كان القبح أبلغ والذم أحق؛ .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإعطاء شيء بدله، بل هو طلب شيء ليس عنده وترك ما عنده؛ يدل عليه قوله: "وما أبيح لكم من المكاسب"، فعلى هذا قوله: "إلا أن يكارم صديقاً له" استثناء متصل من قوله: "إنما هو تبديل"، فتقدير الكلام أن يقال: جعل شاة مهزولة مكان سمينة تبديل؛ لأنه أخذ شيء وإعطاء شيء آخر، وليس بتبدل الذي هو ترك شيء بدله، كما سبق، إلا أن يحمل قول السدي على المكارمة، بأن يكون لليتيم شاة سمينة في ذمة صديق الولي، فيأخذ منه عجفاء مكان السمينة مكارمة له؛ فيصح على هذا معنى التبدل. ويؤيد ما ذهبنا إليه قوله: "مكان سمينة من مال الصبي"، قال الزجاج: (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ)، معناه: لا تأكلوا مال اليتيم بدلاً من مالكم، وكذلك "لا تأكلوا أيضاً أموالهم إلى أموالكم"، أي: لا تضيفوا أموالهم في الأكل إلى أموالكم. قوله: (لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى … كان القبح أبلغ والذم أحق)، الانتصاف: طريق البلاغة الترقي بالنهي عن الأدنى تنبيهاً على الأعلى، وها هنا أعلى درجات النهي أن يأكل ماله وهو غني، وأدناها أكلها وهو فقير، فيقال: ما وجه وروده على عكس القانون؟ وجوابه: أن أبلغ الكلام ما تعددت وجوه إفادته. وفي النهي عن الأعلى فائدة جليلة لا توجد في النهي عن الأدنى؛ فالمنهي عنه متى كان أقبح كانت النفس منه أنفر، والأكل من الغني أقبح، فإذا استبشع المنهي عنه دعاه ذلك إلى الإحجام عنه، وعن أكل ماله مطلقاً. ويحقق هذا تخصيص النهي بالأكل، مع أن وجوه الانتفاع به محرمة؛ فإن العرب كانت تذم الإكثار من الأكل، وتعيب على من جعل ذلك دأبه، بخلاف سائر الملاذ،

стр. 1745

ولأنهم كانوا يفعلون كذلك؛ فنعي عليهم فعلهم وسمع بهم، ليكون أزجر لهم. والحوب: الذنب العظيم؛ ومنه قوله ﷺ : «إن طلاق أم أيوب لحوب» فكأنه قيل: إنه كان ذنبًا عظيمًا كبيراً. وقرأ الحسن (حُوباً) بفتح الحاء، وهو مصدر حاب، حوبًا. وقرئ: (حابًا). ونظير الحوب والحاب: القول والقال. والطرد والطرد. (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا) ٣]. ولما نزلت الآية في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير؛ خاف الأولياء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فخص النهي بالأكل لكونه أقبح الملاذ؛ حتى إذا نفرت النفس بمقتضى الطبع، جر ذلك إلى النفور عن أخذ مال اليتيم بباقي الملاذ، ومثله (لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً) [آل عمران: ١٣٠]. ولا يوجد مثل هذه المراعاة إلا في الكتاب العزيز، فالنهي إن خص بالأدنى فللتنبيه على الأعلى، وإن عكس فللتدرب على الانكفاف عن القبيح مطلقاً من الانكفاف عن الأقبح. قوله: (وسمع بهم). النهاية: يقال: سمعت بالرجل تسميعاً وتسمعة: إذا شهرته ونددت به، وسمع فلان بعمله: إذا أظهره ليسمع"، الجوهري: التسميع: التشنيع. قوله: ([إن] طلاق أم أيوب لحوب) هو من باب التغليظ. قوله: (ولما نزلت الآية في اليتامى، وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير؛ خاف الأولياء)، فسر هذه الآية بوجوه ثلاثة، وقدر الشرط والجزاء على ما يعطيه الوجه من المعنى:

стр. 1746

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أولها: "إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها، فخافوا أيضاً ترك العدل بين النساء، فقللوا عدد المنكوحات". وثانيها: "إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا [الزنى]، فانكحوا ما حل لكم من النساء، ولا تحوموا حول المحرمات". وثالثها: "إن خفتم ألا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم". قال صاحب "الانتصاف": هذا أظهر، والآية معه مكملة لبيان حكم اليتامى، وأمر بالاحتياط وأن في غيرهن متسعاً، ويؤيده (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ) الآية [النساء: ١٢٧] فتتطابق الآيتان، وعلى التأويلين لا يطابقان. ولأن الشرط لا يرتبط معهما بالجواب إلا من وجه عام، أما الأول فلأن الجور على النساء في الحرمة كالجور على اليتامى، وأما الثاني فلأن الزنى محرم كما أن الجور على اليتامى محرم، وكم من محرم يشاركهما في التحريم، فلا خصوصية تربط الجواب كخصوصية الثالث، فإن ظاهر قوله: (مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) أنه توسعة عليهم، كأنه قيل: إن خفتم نكاح اليتامى ففي غيرهن متسع، وعلى الأول هو تضييق، كأنه قيل: إن خفتم من الجور في اليتامى فخافوا الجور في النساء، واحتاطوا في عدد النمكوحات؛ فينافي التوسعة، ووجه الإشعار بالتوسعة إطلاق (مَا طَابَ)، ثم مجيء قوله: (مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) بياناً لما وقع إطلاقه، فلو أريد التضييق لكانت البداية بالتقييد أنسب، ولما خاف في التوسعة الميل قيل: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً). قلت: هذا تقرير لا مزيد عليه، ولهذا أتى بقوله: (مِنْ النِّسَاءِ)، فإن قلت: فما فائدة ذكر (مِنْ النِّسَاءِ) في هذه الآية وفي قوله تعالى: (وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ) [النساء: ٢٢] فإن النكاح إنما يقع على النساء؟ قلت: هو من باب ترتيب الحكم على الوصف المناسب ترغيباً وتحذيراً؛ ومن ثم أوثر بالوصف على من

стр. 1747

أن يلحقهم الحوب بترك الإقساط في حقوق اليتامى، وأخذوا يتحرّجون من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج والثماني والست، فلا يقوم بحقوقهنّ ولا يعدل بينهن، فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرّجتم منها؛ فخافوا -أيضاًـ ترك العدل بين النساء؛ فقللوا عدد المنكوحات؛ لأنّ من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فهو غير متحرّج ولا تائب؛ لأنه إنما وجب أن يُتحرج من الذنب ويُتاب منه لقبحه، والقبح قائم في كل ذنب. وقيل: كانوا لا يتحرّجون من الزنا وهم يتحرّجون من ولاية اليتامى، فقيل: إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا الزنا، فانكحوا ما حلّ لكم من النساء، ولا تحوموا حول المحرّمات. وقيل: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال أو يكون وليها، فيتزوجها ضناً بها عن غيره، فربما اجتمعت عنده عشر منهن، فيخاف ـ لضعفهن وفقد من يغضب لهن ـ أن يظلمهنّ حقوقهن ويفرط فيما يجب لهنَّ، فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم. ويقال للإناث اليتامى كما يقال للذكور، وهو جمع يتيمة على القلب، كما قيل: أيامى، والأصل: أيائم ويتائم. وقرأ النخعي: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في الآيتين، فـ (مِنَ): إما تبعيضية، أو ابتدائية. والتعريف في (النِّسَاءَ) لاستغراق الجنس، كأنه قيل: فاختاروا من بين سائر النساء للنكاح الطيبات المستلذات منهن توسعة لكم، ولا تختصوا من بين سائر النساء الممقوتات عند الله تعالى؛ لأن لكم عن عيبهن سعة من بين سائر النساء، تهجيناً له وتقبيحاً، ولو لم يذكر (مِنْ النِّسَاءِ) لم نعد هذه الفائدة؛ ومن ثم عقبه قوله: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً) [النساء: ٢٢]. ويجوز أن تكون بيانية على التجريد؛ لقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ) [الحج: ٣٠] ونظيرهما في التوسعة قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) بعد قوله: (َكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا) [البقرة: ٣٥]. قوله: (كما قيل: أيامى، والأصل: أيائم). الأيم في الأصل: التي لا زوج لها بكراً كانت

стр. 1748

(تُقْسِطُوا) بفتح التاء على أن لا مزيدة، مثلها في (لِئَلَّا يَعْلَمَ) [الحديد: ٢٩] يريد: وإن خفتم أن تجوروا. (ما طابَ) ما حلّ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ لأنّ منهن ما حرم كاللاتى في آية التحريم. وقيل (ما) ذهابا إلى الصفة. ولأن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أو ثيباً، مطلقة كانت أو متوفى عنها زوجها. المغرب: رجل أيم أيضاً، وقد آمت أيمة، قال: كل امرئ ستئيم منـ … ـه العرس أو منها يئيم وعن محمد: هي الثيب، لقوله صلوات الله عليه: "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها". قوله: ("تقسطوا" بفتح التاء على أن "لا" مزيدة)؛ وذلك أن القسط، بالكسر: العدل، تقول منه: أقسط الرجل فهو مقسط؛ فعلى هذا "لا" غير مزيدة، والقسوط: الجور، وقد قسط يقسط قسوطاً. فـ "لا"ـ على هذاـ مزيدة. قوله: (وقيل: (مَا) ذهاباً إلى الصفة). اعلم أنه قد تقرر أن "ما" لا تستعمل في ذوي العقول، فإذا استعملت فيهم أريد الوصف، نحو قوله: "سبحان ما سخركن لنا"، وتخصيصه بحسب المقام، والذي يقتضي هذا المقام من الوصف، وهو ما يشعر به نفي الحرج والتضييق كما ينبئ عنه الوجه الثالث، واختاره صاحب "الانتصاف"، فالمعنى: إن خفتم ألا تقسطوا في يتامى النساء؛ لما في تزوجهن مع كلفة حق الزواج ومراعاة حقوق اليتامى من القيام في أموالهن، وجبران قلوبهن بسبب اليتم، فانكحوا الموصوفات

стр. 1749

ومنه قوله تعالى: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [المؤمنون: ٦]. (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) معدولة عن أعدادٍ مكرَّرة، وإنما مُنِعَتِ الصَّرف؛ لما فيها من العدلين: عَدْلِها عن صِيَغِها، وعَدْلِها عن تكرُّرِها، وهي نَكِراتٌ يُعرّفن بلام التعريف. تقول: فلان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بغير ذلك لينتفي ذلك الحرج، وتطيب به نفوسكم، فأسند (طَابَ) إلى الضمير الراجح إلى (مَا) المفسر بـ (النِّسَاءَ)، وهذا التفسير وتفسير المصنف يدوران مع تأويله قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) [البقرة: ١٧٢] لما أريد بالطيبات المستلذات تارة والحلال أخرى، والأول أرجح لاقتضاء المقام، ولما أن الأمر بالنكاح لا يكون إلا في الحلال فوجب الحمل على شيء آخر. قوله: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣] ويروى: "أيمانهم"، وجاء في سورة "قد أفلح": (أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [المؤمنون: ٦]، قال: لم يقل: من ملكت؛ لأنه أريد من جنس العقلاء ما يجري مجرى غير العقلاء وهم الإناث، فعلى هذا فيه تحقير لشأنهن، وهو على خلاف ما أجري له الكلام. قوله: (عدلها عن صيغها، وعدلها عن تكررها). قال الزجاج: إنه معدول عن التكرير، وعن التأنيث. وقال أبو البقاء: إنها نكرات لا تنصرف للعدل والوصف، وهي بدل من (مَا)، وقيل: حال من (النِّسَاءِ) ". وقال القاضي: إنها غير مصروفة للعدل والصفة؛ فإنها بنيت صفات، وإن كانت أصولها لم تبن لها، وقد استقصينا البحث فيه في "فاطر".

стр. 1750

ينكح المثنى والثلاث والرباع، ومحلهن النصب على الحال مما طاب، تقديره: فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد، ثنتين ثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعًا أربعًا. فإن قلت: الذي أطلق للناكح في الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير في (مَثْنَى وثُلَاثَ ورُبَاعَ)؟ (قلتُ): الخطابُ للجميعِ، فوَجَبَ التكريرُ ليصيبَ كلَّ ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له، كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال ـ وهو ألف درهم ـ درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، ولو أفردت لم يكن له معنى. فإن قلت: فلم جاء العطف بالواو دون "أو"؟ قلت: كما جاء بالواو في المثال الذي حذوته لك. ولو ذهبت تقول: اقتسموا هذا المال درهمين درهمين، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة: أعلمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة، وليس لهم أن يجمعوا بينها فيجعلوا بعض القسم على تثنية، وبعضه على تثليث، وبعضه على تربيع؛ وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلَّت عليه الواو. وتحريره: أنّ الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع، إن شاءوا مختلفين في تلك الأعداد، وإن شاؤوا متفقين فيها، محظوراً عليهم ما وراء ذلك. وقرأ إبراهيم: وثلث وربع، على القصر من ثلاث ورباع. (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا): بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها (فَواحِدَةً): فالزموا، أو فاختاروا واحدة وذروا الجمع رأسًا؛ فإنّ الأمر كله يدور مع العدل، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أطلق للناكح) أي أبيح، المغرب: التركيب يدل على الحل والانحلال، منه: أطلقت الناقة من العقال، ورجل طلق اليدين: سخي، وفي ضده: مغلول اليدين. قوله: (كل ناكح) روي بالنصب على أنه مفعول "ليصيب"، وفاعله: "ما أراد من العدد".

стр. 1751

فأينما وجدتم العدل فعليكم به. وقرئ (فَواحِدَةً) بالرفع على: فالمقنع واحدة، أو فكفت واحدة، أو فحسبكم واحدة (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) سوّى في السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء، من غير حصر ولا توقيت عدد، ولعمري أنهنّ أقل تبعة، وأقصر شغبا، وأخف مؤنة من المهائر، لا عليك أكثرت منهن أم أقللت، عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل، عزلت عنهن أم لم تعزل. وقرأ ابن أبى عبلة: من ملكت (ذلِكَ) إشارة إلى اختيار الواحدة والتسرى (أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) أقرب من أن لا تميلوا، من قولهم: عال الميزان عولا، إذا مال. وميزان فلان عائل، وعال الحاكم في حكمه إذا جار. وروى أن أعرابيًا حكم عليه حاكم فقال له: أتعول علىّ؟ وقد روت عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ : «ألا تعولوا: أن لا تجوروا» والذي يحكى عن الشافعي ﵀ أنه فسر (أَلَّا تَعُولُوا) أن لا يكثر عيالكم، فوجهه: أن يجعل من قولك: عال الرجل عياله يعولهم، كقولهم: مانهم يمونهم، إذا أنفق عليهم؛ لأنّ من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الكسب وحدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فأينما وجدتم العدل فعليكم به)، هذا تورية إلى مذهبه الذي سماه العدل. قوله: (شغباً)، الجوهري: الشغب بالتسكين: تهييج الشر، ولا يقال: شغب. وشغبت عليهم، بالكسر، أشغب شغباً: لغة ضعيفة فيه. قوله: (من المهائر): هي الحرائر، واحدتها: المهيرة، وهي الكثيرة المهر، الأساس: أمهر المرأة أعطاها المهر، وله مهائر وسراري. قوله: (ما يصعب عليه)، قيل: "عليه": حال من فاعل "المحافظة"، أي: محافظة الشخص

стр. 1752

وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين حقيق بالحمل على الصحة والسداد، وأن لا يظنّ به تحريف تعيلوا إلى تعولوا، فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁: لا تظنن بكلمة خرجت من فِيْ أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملا. وكفى بكتابنا المترجم بكتاب «شافي العيّ، من كلام الشافعي» ﵁، شاهداً بأنه كان أعلى كعبًا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ راكباً على ذلك الأمر أو ملتبساً معه، وفيه تعسف، والوجه أن "عليه": صلة "يصعب". في "الأساس": صعب عليه الأمر وتصعب واستصعب، وفي "الصحاح": واستصعب عليه الأمر: صعب. المعنى: وفي كثرة العيال ما يصعب على الرجل المحافظة معه على حدود الورع، فـ "ما" موصولة بالجملة، والعائد محذوف، والضمير المجرور عائد إلى "من"، ويؤيد هذا الوجه ما روي عن نسخة المصنف: "ما يصعب عليهم". قوله: (أعلى كعباً) مثل لاطلاعه على علوم العربية، وكونه ذا حظ وافر فيها، وهو إما أن يكون من قولهم: "رتب رتوب الكعب في المقام الصعب"، أي: أنه أشد ممارسة لعلوم العربية وأثبت في مزالقه، أو من قولهم: "أعلى الله كعبه"، و"ذهب كعب القوم": إذا ذهب جدهم وشرفهم. النهاية: في حديث قيلة: لا يزال كعبك عالياً، أي: لا تزالين شريفة عالية على من يعاديك. وفي "جامع الأصول": مناقب الشافعي ﵁ أكثر من أن تعد، وفضائله أكثر من أن تحصى: إمام الدنيا، وعالم الأرض شرقاً وغرباً، جمع له الله له من العلوم

стр. 1753

وأطول باعًا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكن للعلماء طرقًا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والمفاخر ما لم يجمع لإمام قبله ولا بعده، وانتشر له من الذكر ما لم ينتشر لأحد سواه، قال أحمد بن حنبل ﵁: كان الشافعي كالشمس للنهار، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف، أو عنهما عوض؟ توفي بمصر سنة أربع ومئتين وله أربع وخمسون سنة. قوله: (وأطول باعاً) مثل لكثرة تناوله، وعموم تعاطيه، هذا تعصب للإمام الشافعي ورد على من خطأه، قال أبو بكر الرازي: وقد خطأه الناس بأنه خالف المفسرين، وبأنه لو قيل: أن لا تعيلوا، لكان تفسيره مستقيماً. وقال صاحب "الإيجاز": إنما يقال من كثرة العيال: أعال يعيل إعالة، ولم يقولوا: أعال يعول. وقال صاحب "النظم": قال في أول الآية: فإن خفتم ألا تعدلوا فالأحسن ألا تجوروا؛ مراعاة للمطابقة. والمصنف أجابهم بحرف واحد وهو أن معناه: لا تجوروا، لكنه على سبيل الكناية، وهذا إنما يتمشى إذا قلنا بالفرق بين الحرائر والإماء في العزل، وظاهر مذهب

стр. 1754

وأساليب، فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات. فإن قلت: كيف يقل عيال من تسرّى، وفي السراري نحو ما في المهائر؟ قلت: ليس كذلك؛ لأن الغرض بالتزوّج التوالد والتناسل بخلاف التسري، ولذلك جاز العزل عن السراري بغير إذنهنّ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشافعي على التسوية، وأن المراد بقوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) [النساء: ٣] ما تقرر من قبل: كان الرجل منهم ربما كانت تحته العشر من الأزواج فلا يقوم بحقوقهن، ولا يعدل بينهن، فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل فيهن لكثرتهن؛ فقللوا عدد المنكوحات من غيرهن، ثم نزل درجة أخرى بقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣]. وأما وجه المطابقة؛ فإن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة، فبالنظر إلى التصريح تحصل المطابقة، وبالنظر إلى الكناية تحصل المطابقة مع المبالغة التي تعطيه تصوير قول القائل: كثرة العيال فضيحة الرجال، وعلى هذا الوجه وقع السؤال: كيف يقال: عال من تسرى؟ وقريب من هذه المطابقة قوله تعالى: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) [المائدة: ٦٤] جواباً عن قولهم: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)، إذا أريد بغل الأيدي حقيقته؟ قال المصنف: "الطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز". وأما وجه التقرير على أن يجرى (أَلاَّ تَعُولُوا) على حقيقته، فكما قرره صاحب "الانتصاف" وآثرناه على الوجوه، وهو ظاهر مكشوف، وذكر في "الروضة": لا يحرم، أي: العزلـ في الزوجة على المذهبـ سواء الحرة والأمة، بالإذن وبغيره، وقيل: يحرم في الحرة. قوله: (وفي السراري). الجوهري: هي جمع السرية، وهي الأمة التي بوأتها بيتاً، وهي فعلية: من السر والإخفاء، وهو الجماع، وضمت سينه لأن الأبنية قد تتغير في النسبة.

стр. 1755

فكان التسري مظنة لقلة الولد بالإضافة إلى التزوّج، كتزوّج الواحدة بالإضافة إلى تزوج الأربع. وقرأ طاووس: (أن لا تعيلوا)، من أعال الرجل: إذا كثر عياله. وهذه القراءة تعضد تفسير الشافعي ﵀ من حيث المعنى الذي قصده. (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) ٤]. (صَدُقاتِهِنَّ): مهورهن، وفي حديث شريح: قضى ابن عباس لها بالصدقة. وقرئ: (صَدُقاتِهِنَّ) بفتح الصاد وسكون الدال على تخفيف (صَدُقَاتِهِنَّ). وصدقاتهن بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة بوزن غرفة. وقرئ: (صدقتهن)، بضم الصاد والدال على التوحيد، وهو تثقيل صدقة، كقولك في ظلمة: ظلمة (نِحْلَةً) من: نحله كذا إذا أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلا. ومنه حديث أبي بكر ﵁: إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقاً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نحلتك جداد عشرين وسقاً). المغرب: الجد في الأصل: القطع، ومنه جد النخل: صرمه، أي: قطع ثمره جداداً فهو جاد، وفي حديث أبي بكر ﵁ أنه نحل عائشة جداد عشرين وسقاً، والسماع: جاد عشرين، وكلاهما مؤول، إلا أن الأول نظير قولهم: هذه الدراهم ضرب الأمير، والثاني: نظير (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) [الحاقة: ٢١]. والمعنى: أنه أعطاها نخلاً يجد منه مقدار عشرين وسقاً من التمر. وقلت: وفي "الجامع": عن مالك في "الموطأ"، قالت عائشة ﵂: نحلني أبو بكر جاد عشرين وسقاً من مال الغابة، فملا حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية، ما من الناس أحب إلي غنى منك بعدي، ولا أعز علي فقراً بعدي منك، وغني كنت نحلتك جاد عشرين، ولو كنت جددته واحترزته لكان لك، وغنما هو اليوم مال الوارث. الحديث.
следующие страницы →