← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

فأينما وجدتم العدل فعليكم به. وقرئ (فَواحِدَةً) بالرفع على: فالمقنع واحدة، أو فكفت واحدة، أو فحسبكم واحدة (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) سوّى في السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء، من غير حصر ولا توقيت عدد، ولعمري أنهنّ أقل تبعة، وأقصر شغبا، وأخف مؤنة من المهائر، لا عليك أكثرت منهن أم أقللت، عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل، عزلت عنهن أم لم تعزل. وقرأ ابن أبى عبلة: من ملكت (ذلِكَ) إشارة إلى اختيار الواحدة والتسرى (أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) أقرب من أن لا تميلوا، من قولهم: عال الميزان عولا، إذا مال. وميزان فلان عائل، وعال الحاكم في حكمه إذا جار. وروى أن أعرابيًا حكم عليه حاكم فقال له: أتعول علىّ؟ وقد روت عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ : «ألا تعولوا: أن لا تجوروا» والذي يحكى عن الشافعي ﵀ أنه فسر (أَلَّا تَعُولُوا) أن لا يكثر عيالكم، فوجهه: أن يجعل من قولك: عال الرجل عياله يعولهم، كقولهم: مانهم يمونهم، إذا أنفق عليهم؛ لأنّ من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة على حدود الكسب وحدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فأينما وجدتم العدل فعليكم به)، هذا تورية إلى مذهبه الذي سماه العدل. قوله: (شغباً)، الجوهري: الشغب بالتسكين: تهييج الشر، ولا يقال: شغب. وشغبت عليهم، بالكسر، أشغب شغباً: لغة ضعيفة فيه. قوله: (من المهائر): هي الحرائر، واحدتها: المهيرة، وهي الكثيرة المهر، الأساس: أمهر المرأة أعطاها المهر، وله مهائر وسراري. قوله: (ما يصعب عليه)، قيل: "عليه": حال من فاعل "المحافظة"، أي: محافظة الشخص

стр. 1752

وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين حقيق بالحمل على الصحة والسداد، وأن لا يظنّ به تحريف تعيلوا إلى تعولوا، فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁: لا تظنن بكلمة خرجت من فِيْ أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملا. وكفى بكتابنا المترجم بكتاب «شافي العيّ، من كلام الشافعي» ﵁، شاهداً بأنه كان أعلى كعبًا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ راكباً على ذلك الأمر أو ملتبساً معه، وفيه تعسف، والوجه أن "عليه": صلة "يصعب". في "الأساس": صعب عليه الأمر وتصعب واستصعب، وفي "الصحاح": واستصعب عليه الأمر: صعب. المعنى: وفي كثرة العيال ما يصعب على الرجل المحافظة معه على حدود الورع، فـ "ما" موصولة بالجملة، والعائد محذوف، والضمير المجرور عائد إلى "من"، ويؤيد هذا الوجه ما روي عن نسخة المصنف: "ما يصعب عليهم". قوله: (أعلى كعباً) مثل لاطلاعه على علوم العربية، وكونه ذا حظ وافر فيها، وهو إما أن يكون من قولهم: "رتب رتوب الكعب في المقام الصعب"، أي: أنه أشد ممارسة لعلوم العربية وأثبت في مزالقه، أو من قولهم: "أعلى الله كعبه"، و"ذهب كعب القوم": إذا ذهب جدهم وشرفهم. النهاية: في حديث قيلة: لا يزال كعبك عالياً، أي: لا تزالين شريفة عالية على من يعاديك. وفي "جامع الأصول": مناقب الشافعي ﵁ أكثر من أن تعد، وفضائله أكثر من أن تحصى: إمام الدنيا، وعالم الأرض شرقاً وغرباً، جمع له الله له من العلوم

стр. 1753

وأطول باعًا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكن للعلماء طرقًا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والمفاخر ما لم يجمع لإمام قبله ولا بعده، وانتشر له من الذكر ما لم ينتشر لأحد سواه، قال أحمد بن حنبل ﵁: كان الشافعي كالشمس للنهار، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف، أو عنهما عوض؟ توفي بمصر سنة أربع ومئتين وله أربع وخمسون سنة. قوله: (وأطول باعاً) مثل لكثرة تناوله، وعموم تعاطيه، هذا تعصب للإمام الشافعي ورد على من خطأه، قال أبو بكر الرازي: وقد خطأه الناس بأنه خالف المفسرين، وبأنه لو قيل: أن لا تعيلوا، لكان تفسيره مستقيماً. وقال صاحب "الإيجاز": إنما يقال من كثرة العيال: أعال يعيل إعالة، ولم يقولوا: أعال يعول. وقال صاحب "النظم": قال في أول الآية: فإن خفتم ألا تعدلوا فالأحسن ألا تجوروا؛ مراعاة للمطابقة. والمصنف أجابهم بحرف واحد وهو أن معناه: لا تجوروا، لكنه على سبيل الكناية، وهذا إنما يتمشى إذا قلنا بالفرق بين الحرائر والإماء في العزل، وظاهر مذهب

стр. 1754

وأساليب، فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات. فإن قلت: كيف يقل عيال من تسرّى، وفي السراري نحو ما في المهائر؟ قلت: ليس كذلك؛ لأن الغرض بالتزوّج التوالد والتناسل بخلاف التسري، ولذلك جاز العزل عن السراري بغير إذنهنّ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشافعي على التسوية، وأن المراد بقوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) [النساء: ٣] ما تقرر من قبل: كان الرجل منهم ربما كانت تحته العشر من الأزواج فلا يقوم بحقوقهن، ولا يعدل بينهن، فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل فيهن لكثرتهن؛ فقللوا عدد المنكوحات من غيرهن، ثم نزل درجة أخرى بقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣]. وأما وجه المطابقة؛ فإن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة، فبالنظر إلى التصريح تحصل المطابقة، وبالنظر إلى الكناية تحصل المطابقة مع المبالغة التي تعطيه تصوير قول القائل: كثرة العيال فضيحة الرجال، وعلى هذا الوجه وقع السؤال: كيف يقال: عال من تسرى؟ وقريب من هذه المطابقة قوله تعالى: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) [المائدة: ٦٤] جواباً عن قولهم: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)، إذا أريد بغل الأيدي حقيقته؟ قال المصنف: "الطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز". وأما وجه التقرير على أن يجرى (أَلاَّ تَعُولُوا) على حقيقته، فكما قرره صاحب "الانتصاف" وآثرناه على الوجوه، وهو ظاهر مكشوف، وذكر في "الروضة": لا يحرم، أي: العزلـ في الزوجة على المذهبـ سواء الحرة والأمة، بالإذن وبغيره، وقيل: يحرم في الحرة. قوله: (وفي السراري). الجوهري: هي جمع السرية، وهي الأمة التي بوأتها بيتاً، وهي فعلية: من السر والإخفاء، وهو الجماع، وضمت سينه لأن الأبنية قد تتغير في النسبة.

стр. 1755

فكان التسري مظنة لقلة الولد بالإضافة إلى التزوّج، كتزوّج الواحدة بالإضافة إلى تزوج الأربع. وقرأ طاووس: (أن لا تعيلوا)، من أعال الرجل: إذا كثر عياله. وهذه القراءة تعضد تفسير الشافعي ﵀ من حيث المعنى الذي قصده. (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) ٤]. (صَدُقاتِهِنَّ): مهورهن، وفي حديث شريح: قضى ابن عباس لها بالصدقة. وقرئ: (صَدُقاتِهِنَّ) بفتح الصاد وسكون الدال على تخفيف (صَدُقَاتِهِنَّ). وصدقاتهن بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة بوزن غرفة. وقرئ: (صدقتهن)، بضم الصاد والدال على التوحيد، وهو تثقيل صدقة، كقولك في ظلمة: ظلمة (نِحْلَةً) من: نحله كذا إذا أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلا. ومنه حديث أبي بكر ﵁: إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقاً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نحلتك جداد عشرين وسقاً). المغرب: الجد في الأصل: القطع، ومنه جد النخل: صرمه، أي: قطع ثمره جداداً فهو جاد، وفي حديث أبي بكر ﵁ أنه نحل عائشة جداد عشرين وسقاً، والسماع: جاد عشرين، وكلاهما مؤول، إلا أن الأول نظير قولهم: هذه الدراهم ضرب الأمير، والثاني: نظير (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) [الحاقة: ٢١]. والمعنى: أنه أعطاها نخلاً يجد منه مقدار عشرين وسقاً من التمر. وقلت: وفي "الجامع": عن مالك في "الموطأ"، قالت عائشة ﵂: نحلني أبو بكر جاد عشرين وسقاً من مال الغابة، فملا حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية، ما من الناس أحب إلي غنى منك بعدي، ولا أعز علي فقراً بعدي منك، وغني كنت نحلتك جاد عشرين، ولو كنت جددته واحترزته لكان لك، وغنما هو اليوم مال الوارث. الحديث.

стр. 1756

بالعالية. وانتصابها على المصدر؛ لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، فكأنه قيل: وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة، أي: أعطوهنّ مهورهنّ عن طيبة أنفسكم، أو على الحال من المخاطبين، أي: آتوهنّ صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، أو من الصدقات، أي: منحولة معطاة عن طيبة الأنفس. وقيل: نحلة من اللَّه: عطية من عنده وتفضلاً منه عليهن، وقيل: النحلة الملة، ونحلة الإسلام خير النحل. وفلان ينتحل كذا: أي: يدين به. والمعنى: آتوهن مهورهن ديانة، على أنها مفعول له ويجوز أن يكون حالاً من الصدقات، أي: دينا من اللَّه شرعه وفرضه. والخطاب للأزواج، وقيل: للأولياء؛ لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم، وكانوا يقولون: هنيئًا لك النافجة؛ لمن تولد له بنت، يعنون: تأخذ مهرها فتنفج به مالك، أي تعظمه. الضمير في: (مِنْهُ) جار مجرى اسم الإشارة كأنه قيل عن شيء من ذلك، كما قال اللَّه تعالى: (قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ) [آل عمران: ١٥] بعد ذكر الشهوات، ومن الحجج المسموعة من أفواه العرب ما روي عن رؤبة أنه قيل له في قوله: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: "وسقاً". النهاية: الوسق، بالفتح: ستون صاعاً وهو ثلاث مئة وعشرون رطلاً، وفيه خلاف، والأصل فيه: الحمل، وكل شيء وسقته: حملته. قوله: (بالعالية). النهاية: العوالي: هي الأماكن بأعلى أراضي المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد على ثمانية. قوله: (أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم) أي: نحلة، مصدر للنوع وضعت موضع الإيتاء. قوله: (ناحلين) فالمصدر بمعنى اسم الفاعل، وقوله: "طيبي النفوس" تفسير ناحلين. قوله: (وقيل: نحلة من الله) معطوف على "منحولة". قوله: (النافجة). الأساس: ومن المجاز قولهم: هنيئاً لك النافجة، وهي البنت؛ لأنه كان يأخذ مهرها فينفج ماله، أي: يوسعه ويعظمه، ومنه النفاجة للبنة القميص؛ لأنها توسعه.

стр. 1757

كَأنَّهُ فِى الْجِلدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ فقال: أردت: كأن ذاك. أو يرجع إلى ما هو في معنى الصدقات وهو الصداق؛ لأنك لو قلت: وآتوا النساء صداقهنَّ، لم تخل بالمعنى، فهو نحو قوله: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) [المنافقون: ١٠]؛ لأنه في الأصل: أصدّق مجزوماً فلما جاء بالفاء نصبه فعطف، وأكن على أصل أصدق؛ لأن الفاء عارض كأنه قيل: أصدق و (نَفْساً) تمييز، وتوحيدها؛ لأنّ الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه. والمعنى: فإن وهبن لكم شيئًا من الصَّداق، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كأنه في الجلد توليع البهق) مضى تمامه وشرحه في "البقرة" عند قوله: (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ) [البقرة: ٦٨]. قوله: (فهو كقوله: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ) [المنافقون: ١٠]. الانتصاف: في تنظيره به نظر؛ فإن المراعى ثم الأصل هو الجزم، وتقدير الأصل وإعطاؤه حكم الموجود حسن، ولا كذلك إفراد "الصداق" المتقدم، فليس بأصل بل الأصل الجمع، وقد يأتي الإفراط فيه على جهة الاختصار والاستغناء عن الجمع، ولا يراد أنهم راعوا ما ليس بأصل في قوله: بدالي أني لست مدرك ما مضى … ولا سابق شيئاً إذا كان جائيا لأن دخول الباء وإن لم يكن أصلاً إلا أنها توطنت بهذا الموضع، وكثر دخولها فيه، فصارت كالأصل. الإنصاف: والإفراد أصل في الآية؛ لأن المراد: وآتوا كل واحدة من النساء صداقها، والجمع فرع على الإفراد.

стр. 1758

وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم (فَكُلُوهُ) فأنفقوه. قالوا: فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة، علم أنها لم تطب منه نفسا، وعن الشعبي: أن رجلا أتى مع امرأته شريحًا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع، فقال شريح: ردّ عليها، فقال الرجل: أليس قد قال اللَّه تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ) قال لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه. وعنه: أقيلها فيما وهبت ولا أقيلة؛ لأنهنّ يخدعن. وحكي أن رجلا من آل معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقًا كان لها عليه، فلبث شهراً ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرجل: أعطتني طيبة بها نفسها، فقال عبد الملك: فأين الآية التي بعدها (فَلَا تَاخُذُوا مِنهُ شَيْئًا) [النساء: ٢٠]؟ ! اردد عليها. وعن عمر ﵁: أنه كَتَبَ إلى قُضاتِه: إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها» وعن ابن عباس ﵄: أنّ رسول اللَّه ﷺ سئل عن هذه الآية فقال «إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهة لا يقضى به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم اللَّه به في الآخرة» وروي: أن أناسًا كانوا يتأثمون أن يرجع أحد. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتجافت عنه نفوسهن) إشارة إلى التضمين، قال القاضي: جعل العمدة طيب النفسن وعداه بـ (عَن)؛ لتضمين معنى التجافي والتجاوز. قوله: (من شكاسة أخلاقكم). الجوهري: رجل شكس، أي: صعب الخلق. قوله: (الآية التي بعدها) يعني قوله: (وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) [النساء: ٢٠]. قوله: (يتأثمون). النهاية: قال: تأثم فلان؛ إذا فعل فعلاً خرج به من الإثم، كما يقال: تحرج: إذا فعل ما يخرج به من الحرج، وفي التركيب تضمين، أي: يمتنعون عن أن يرجع أحدهم تأثماً.

стр. 1759

منهم في شيء مما ساق إلى امرأته، فقال اللَّه تعالى: إن طابت نفس واحدة من غير إكراه ولا خديعة؛ فكلوه سائغًا هنيئًا. وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك، ووجوب الاحتياط، حيث بني الشرط على طيب النفس فقيل: (فَإِن طِبنَ)، ولم يقل: فإن وهبن، أو سمحن؛ إعلامًا بأنّ المراعى هو تجافى نفسها عن الموهوب طيبة. وقيل: (فَإِن طِبنَ لَكُمْ عَن شَيءٍ مِنْهُ)، ولم يقل: فإن طبن لكم عنها، بعثًا لهنَّ على تقليل الموهوب. وعن الليث بن سعد: لا يجوز تبرعها إلا باليسير. وعن الأوزاعي: لا يجوز تبرعها ما لم تلد أو تقم في بيت زوجها سنة. ويجوز أن يكون تذكير الضمير لينصرف إلى الصداق الواحد؛ فيكون متناولًا بعضه، ولو أنث لتناول ظاهره هبة الصداق كله؛ لأنّ بعض الصدقات واحدة منها فصاعدًا. الهنيء، والمريء: صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ: إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه. وقيل: الهنيء: ما يلذه الآكل. والمريء ما يحمد عاقبته. وقيل هو ما ينساغ في. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بعثاً لهن على تقليل الموهوب) لدلالة (شَيْءٍ) منكراً تنكير تقليل عليه. قوله: (ويجوز أن يكون تذكير الضمير) يحتمل أن يكون معطوفاً على قوله: "يرجع إلى ما هو في معنى الصدقات، وهو الصداق"، والمراد به على ذلك الوجه: جنس الصداق من حيث هو هو، وعلى هذا: المراد: البعض الشائع المتناول لكل بعضن ولو أنث الضمير بقي الجنس على إطلاقه فتناول ظاهره الصداق كله، ويظهر بهذا التأويل إرادة البعث على تقليل الموهوب؛ وذلك أن الضمير إذا رجع إلى الصداق الواحد فشيء منه قليل، ولا كذلك إذا رجع إلى الجنس؛ لأن شيئاً من الجنس يحتمل كل الصداق، قال أبو البقاء: (فَكُلُوهُ)، الهاء تعود على (شَيْءٍ)، وفي (مِنْهُ) على المال؛ لأن الصدقات مال. قوله: (لأن بعض الصدقات) هو تعليل قوله: "لتناول ظاهره". قوله: (والمريء: ما يحمد عاقبته). قال الزجاج: يقال مع هناني: مراني، فإذا لم تذكر

стр. 1760

مجراه. وقيل لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة «المريء»؛ لمروء الطعام فيه، وهو انسياغه، وهما وصف للمصدر، أي: أكلا هنيئًا مريئًا، أو حال من الضمير، أي: كلوه وهو هنيء مريء، وقد يوقف على (فَكُلُوهُ) ويبتدأ هَنِيئاً مريئًا) على الدعاء، وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين، كأنه قيل: هنأ مرأ، وهذه عبارة عن التحليل والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة. (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) ٥] السُّفَهاءَ: المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ولا يدي لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها. والخطاب للأولياء: وأضاف الأموال إليهم؛ لأنها من ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هنأني قلت: أمرأني بالألف، وحقيقته أن معنى: مرأني؛ تبينت أنه استهضم وأحمد مغبته، فكذا معنى أمرأني: أنه قد انهضم وحمدت مغبته. قوله: (وهما وصف للمصدر). قال أبو البقاء: (هَنِيئاً): مصدر جاء على "فعيل"، وهو نعت لمصدر محذوف، أي: أكلاً هنيئاً، وقيل: هو مصدر في موضع الحال من الهاء، أي: مهنأ، أي: طيباً، و (مَرِيئاً) مثله، والمريء: فعيل بمعنى مفعل، تقول: أمرأني الشيء: إذا لم تستعمله مع هناني، فإن قلت: هناني ومراني لم تأت بالهمزة في مراني؛ لتكون تابعة لهناني. قوله: (ولا يدي لهم) أي: لا قدرة ولا طاقة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد ولا يدان؛ لأن المباشرة والدفاع إنما يكون باليد، وكأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه، كذا في "النهاية"، واللام مزيدة لتأكيد معنى الإضافة، كما في قولهم: لا غلامي لك. قوله: (وأضاف الأموال إليهم) أي: إلى الأولياء، هذا سؤال وارد على قوله: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ) [النساء: ٥]، والمال ليس لهم، بل هو للسفهاء، وأجاب: أن الأموال

стр. 1761

جنس ما يقيم به الناس معايشهم، كما قال: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النساء: ٢٩]، (فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) [النساء: ٢٥]، الدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله: (وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ). (جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً): أي: تقومون بها وتنتعشون، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هنا عبارة عن الشيء الذي به يتم قوام أمر الناس، وفيه وجوه معايشهم، فهو على هذا لا يختص به أحد دون أحد. وقال الزجاج: معنى (أَمْوَالَكُمْ): الشيء الذي به قوام أمركم، وإليه الإشارة بقوله: "لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم"، ونحوه قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [النساء: ٢٩]، فليس المراد النهي عن قتل نفسه؛ بل عن قتل غيره، أي: لا تقتلوا ما يقال له: النفس وينسب إليكم، وكذا قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٢٥] أي: من جنس ما ملكته أيدي الناس؛ لأن المراد الإذن بالتزوج بأمة الغير وهي ليست مملوكة للمتزوج. قوله: ((قِيَاماً)) أي: يقومون بها، قال أبو البقاء: (قِيَاماً): مصدر قام، والياء بدل من الواو؛ أبدلت منها لما أعلت في الفعل لكسرة ما قبلها، أي: [التي] جعل الله لكم سبب قيام أبدانكم، أي: بقائها. وقلت: إنما أضاف الأموال إليهم في قوله: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) [النساء: ٢] ولم يضف إليهم ها هنا مع أن الأموال في الصورتين لهم؛ ليؤذن بترتب الحكم على الوصف فيهما، فإن تسميتهم يتامى هناك وإن لم يكونوا كذلك يناسب قطع الطمع؛ فيفيد المبالغة في رد الأموال إليهم، فاقتضى ذلك أن يقال: (أَمْوَالَهُمْ)، وأما الوصف ها هنا فهو السفاهة؛ فناسب ألا يختصوا بشيء من المالكية؛ لئلا يتورطوا في الأموال، فكذلك لم تضف أموالهم إليهم، وأضيفت إلى الأولياء، وفيه بيان جدوى المال، وأنه تعالى جعله مناطاً للمنافع الدنيوية

стр. 1762

ولو ضيعتموها لضعتم، فكأنها في أنفسها قيامكم وانتعاشكم. وقرئ: (قِيَمًا)، بمعنى قياماً، كما جاء "عوذا" بمعنى "عياذا". وقرأ عبد اللَّه بن عمر: (قوامًا)، بالواو. وقوام الشيء: ما يقام به، كقولك هو ملاك الأمر لما يملك به. وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن؛ ولأن أترك ما لا يحاسبني اللَّه عليه، خيرٌ من أن أحتاج إلى الناس. وعن سفيان ـ وكانت له بضاعة يقلبها ـ: لولاها لتمندل بى بنو العباس. وعن غيره ـ وقيل له: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والأخروية، يتعيشون به وينفقونه في سبيل الله، وذم من ضيعه في غير وجهه روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ ، قال لي: "إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة"، قال: فقلت: يا رسول الله، ما أسلمت من أجل المال؛ ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله ﷺ ، فقال: "يا عمرو، نعم المال الصالح للمرء الصالح". قوله: (لضعتم) أي: لهلكتم، الجوهري: ضاع الشيء يضيع ضيعة وضياعاً بالفتح، أي: هلك. قوله: (وقرئ: "قيماً" بمعنى: قياماً) قرأها نافع وابن عامر. قال أبو البقاء: إنه مصدر، مثل: الحول والعوض، وكان القياس أن تثبت الواو لتحصنها بتوسطها، كما صحت في العوض والحول، ولكن أبدلوها ياء حملاً على قيام، وعلى اعتلالها في الفعل، أو يكون الأصل قياماً فحذفت الألف كما حذفت في خيم، ويقرأ (قواماً) بكسر القاف وبالواو، وهو مصدر قاومت قواماً، مثل لاوذت لواذاً، أو إنه اسم لما يقوم به الأمر وليس بمصدر. قوله: (لتمندل). الأساس: ندل المال وغيره: نقله بسرعة، ومنه المنديل، وتندلت بالمنديل:

стр. 1763

إنها تدنيك من الدنيا، قال: لئن أدنتني من الدنيا لقد صانتني عنها. وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا؛ فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه. وربما رأوا رجلا في جنازة فقالوا له: اذهب إلى دكانك. (وَارْزُقُوهُمْ فِيها): واجعلوها مكانًا لرزقهم بأن تتجروا فيها وتتربحوا؛ حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تمسحت به. كنى به عن الابتذال. وقيل: هو مأخوذ من الندل؛ وهو الوسخ؛ لأنه يندل به، ويقال: تندلت بالمنديل، قال الجوهري: ويقال: تمندلت، أيضاً. قوله: (في جنازة)، ويروى: في ختارة. الأساس: هو ختار، وهو من أهل الختر، وهو أقبح الغدر. وفي "نوابغ الكلم": رب من هو محتار وهو عند الله مختار، والأولى أنسب بالمقام للمبالغة، كأنهم قالوا: إن تشييع الجنازة من فروض الكفاية، والاكتساب من فروض العين. قوله: ((وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا)) "في" هذه كما في قوله تعالى: (وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [طه: ٧١]، فجعل الأموال أنفسها ظروفاً للرزق، فيلزم أن يكون الإنفاق من الربح لا من المال الذي هو الظرف؛ فلو قيل: "منها" لكان الإنفاق من نفس المال، ويؤيد هذا التأويل ما روى الترمذي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ خطب الناس، فقال: "ألا من ولي يتيماً له مال فليتجر به، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة". وأخرجه أيضاً صاحب "شرح السنة" عنه.

стр. 1764

وقيل: هو أمرٌ لكل أحد أن لا يخرج ماله إلى أحدٍ من السُّفهاء قريب أو أجنبي، رجل أو امرأة، يعلم أنه يضعه فيما لا ينبغي ويفسده .. (قَوْلًا مَعْرُوفاً) قال ابن جريج: عدّة جميلة، إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم. وعن عطاء: إذا ربحت أعطيتك، وإن غنمت في غزاتى جعلت لك حظًا. وقيل: إن لم يكن ممن وجبت عليك نفقته فقل: عافانا اللَّه وإياك، بارك اللَّه فيك. وكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنه عقلاً أو شرعاً من قولٍ أو عملٍ، فهو معروف. وما أنكرته ونفرت منه لقبحه، فهو منكر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي "الموطأ" عن مالك: بلغه أن عمر بن الخطاب، قال: اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة. قوله: (وقيل: هو أمر لكل أحد) عطف على قوله: "والخطاب للأولياء"، فعلى هذا الإضافة في (أَمْوَالُكُمْ) على حقيقتها. قال القاضي: والوجه الأول هو الملائم للآيات المتقدمة والمتأخرة، وقيل: نهي لكل أحد أن يعمد إلى ما خوله الله من المال فيعطي امرأته وأولاده ثم ينظر إلى أيديهم، وإنما سماهم سفهاء استخفافاً بعقلهم واستهجاناً، وهو أوفق لقوله: (الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً). قوله: (قال ابن جريج: عدة جميلة إن صلحتم ورشدتم)، هذا على أن يكون الخطاب للأولياء. قوله: (وعن عطاء: إذا ربحت أعطيتك، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً)، هذا على أن يكون الخطاب لكل واحد.

стр. 1765

(وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَاكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً) ٦]. (وَابْتَلُوا الْيَتامى): واختبروا عقولهم، وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف، قبل البلوغ حتى إذا تبينتم منهم رشداً - أي: هداية؛ دفعتم إليهم أموالهم من غير تأخير عن حدّ البلوغ. وبلوغ النكاح. أن يحتلم؛ لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصودٌ به وهو التوالد والتناسل. والإيناس: الاستيضاح؛ فاستعير للتبيين. واختلف في الابتلاء والرشد، فالابتلاء عند أبي حنيفة وأصحابه: أن يدفع إليه ما يتصرف فيه حتى يستبين حاله فيما يجيء منه. والرشد: التهدي إلى وجوه التصرف. وعن ابن عباس: الصلاح في العقل، والحفظ للمال. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وكل ما سكنت إليه النفس) مبتدأ، وقوله: "فهو معروف" الخبر، والفاء لتضمنه معنى الشرط. قوله: (رشداً أي: هداية). الراغب: الرشد والرشد: خلاف الغي، يستعمل استمال الهداية، قال تعالى: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ) [البقرة: ٢٥٦]، (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً) [النساء: ٦]. وقال بعضهم: الرشد بالفتح أخص، يقال في الأمور الدنيوية والأخروية بالضم، وبالفتح يقال في الأخروية لا غير، والراشد والرشيد يقال فيهما. قوله: (الاستيضاح فاستعير للتبيين). الجوهري: استوضحت الشيء: إذا وضعت يدك على عينك تنظر هل تراه؟ ثم استعير لاستعمال الفكر في تبين المعنى استعارة محسوس لمعقول، كما استعار له الذوق حيث قال: "وذوقوا أحوالهم"، أي: تبينوا أحوالهم في الرشد تبيناً ظاهراً مكشوفاً كالمحسوس.

стр. 1766

وعند مالك والشافعي: الابتلاء أن يتتبع أحواله وتصرفه في الأخذ والإعطاء، ويتبصر مخايله وميله إلى الدين. والرشد: الصلاح في الدين؛ لأن الفسق مفسدة للمال. فإن قلت: فإن لم يؤنس منه رشدٌ إلى حدّ البلوغ؟ قلت: عند أبى حنيفة ﵀ ينتظر إلى خمس وعشرين سنة؛ لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسنّ ثماني عشرة سنة، فإذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله ﷺ : «مروهم بالصلاة لسبع» دفع إليه ماله أونس منه الرشد أو لم يؤنس. وعند أصحابه: لا يدفع إليه أبداً إلا بإيناس الرشد. فإن قلت: ما معنى تنكير الرشد؟ قلت: معناه نوعا من الرشد؛ وهو الرشد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعند مالك والشافعي: الابتلاء: أن يتتبع أحواله وتصرفه في الأخذ والإعطاء، ويتبصر مخايله وميله إلى الدين)، الانتصاف: مذهب مالك أنه لا يدفع إليهم شيء إلا بعد البلوغ، وهو أحد قولي الشافعي، والآخر يوافق ما قاله الزمخشري، وهو مذهب أبي حنيفة، إلا أن في كيفية ذلك عند الشافعي وجهين: قيل: يباشر العقد بنفسه، وقيل: يساوم ويقرر الثمن، والولي يباشر العقد، والرشد عند مالك في المال، وعند الشافعي في الدين والمال، وحجة من أجاز الابتلاء قبل البلوغ أنه جعل البلوغ غايته؛ فيكون قبله ضرورة مخالفة ما بعد الغاية لما قبلها. قوله: (مخايله) جمع مخيلة. النهاية: المخيلة: موضع الخيل، وهو الظن، كالمظنة، والمخيلة: السحابة الخليقة بالمطر، وفي الحديث: كان إذا رأى في السماء اختيالاً تغير لونه، والاختيال: أن يخال فيها المطر. قوله: (فإن لم يؤنس منه رشد) شرط جزاؤه: كيف الحكم؟ أو: كيف يصنع؟

стр. 1767

في التصرف والتجارة، أو طرفًا من الرشد ومخيلة من مخايله؛ حتى لا ينتظر به تمام الرشد. فإن قلت: كيف نظم هذا الكلام؟ قلت: ما بعد (حَتَّى) إلى (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) جعل غاية للابتلاء، وهي «حتى» التي تقع بعدها الجمل، كالتي في قوله: فَمَا زَالَتِ الْقَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا بِدِجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دِجْلَهَ أشْكَلُ والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية؛ لأن (إِذَا) متضمنة معنى الشرط، وفعل الشرط (بَلَغُوا النِّكَاحَ) وقوله: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) جملة من شرط وجزاء واقعة جوابًا للشرط الأول الذي هو (إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ)، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فما زالت القتلى) البيت، مج الماء من فيه، أي: رمى به، ومجاج المزن: مطره، والأشكل: بياض وحمرة قد اختلطا، كأنه قيل: قد أشكل عليك لون الماء، أهون الماء أو الدم؟ قوله: (فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى) إلى آخره. الانتصاف: قرر بذلك مذهب أبي حنيفة في سبق الابتلاء، والظاهر خلاف ذلك؛ لأن الغاية مركبة. قال القاضي: "إن" الشرطية جواب (إِذَا) المتضمنة معنى الشرط، والجملة غاية الابتلاء، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم؛ بشرط إيناس الرشد منهم، وهو دليل على أنه لا يدفع إليهم ما لم يؤنس منهم الرشد، خلافاً لأبي حنيفة. وعليه ظاهر كلام المصنف؛ ولهذا جيء بقوله: "واستحقاقهم" بالجر عطفاً على قوله: "بلوغهم"؛ فدخل الاستحقاق في غاية الابتلاء.

стр. 1768

وقرأ ابن مسعود: (فإن أحستم) بمعنى أحسستم، قال: أحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْه شُوسُ وقرئ: (رشداً)، بفتحتين. و (رشداً)، بضمتين (إِسْرافاً وَبِداراً): مسرفين ومبادرين كبرهم، أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، تفرطون في إنفاقها، وتقولون: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قلت: قال أولاً: "حتى هذه هي التي تقع بعدها الجمل"، و"إذا" متضمنة معنى الشرط، ثم قدر "إذا" ظرفية، و"حتى" جارة بمنزلة "إلى"؛ حيث قال: "إلى وقت بلوغهم". قلت: هو في بيان تقرير الآية وتحرير المعنى، لا في تقدير الإعراب؛ ولهذا جعل الفاء مع الجملة الشرطية في قوله: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً) [النساء: ٦] بمنزلة قوله: "بشرط إيناس الرشد". قوله: (أحسن به فهن إليه شوس). أوله: خلا أن العتاق من المطايا قبله: فباتوا يدلجون وبات يسري … بصير بالدجى هاد غموس قائله: عبد الباقي يصف قوماً يسيرون في المفازة ويسوقون الإبل، والأسد يطلب فريسته منهم، والعتاق بكسر العين: النجيبات من الإبل، والغموس بالغين المعجمة: القوي الشديد، وشوس: جمع أشوس وهو الذي ينظر بمؤخر عينه، وأحسن: أصله أحسن، حذفت السين الأولى وألقيت حركتها على الحاء. قوله: (ومبادرين كبرهم) متعلق بـ "مبادرين"، أي: بداراً أن يكبروا. قوله: (تفرطون في إنفاقها) هو معلول قوله: "أو لإسرافكم"، "وتقولوا: ننفق" معلول

стр. 1769

ننفق كما نشتهي قبل أن تكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا. ثم قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنيا وبين أن يكون فقيراً؛ فالغنى يستعف من أكلها ولا يطمع، ويقتنع بما رزقه اللَّه من الغنى إشفاقا على اليتيم، وإبقاء على ماله. والفقير يأكل قوتا مقدراً محتاطا في تقديره على وجه الأجرة، أو استقراضا على ما في ذلك من الاختلاف ولفظ الأكل بالمعروف والاستعفاف، مما يدل على أن للوصي حقاً لقيامه عليها. وعن النبي ﷺ : أن رجلا قال له: إن في حجري يتيما أفآكل من ماله؟ قال: «بالمعروف غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله»، فقال: أفأضربه قال: «مما كنت ضارباً منه ولدك». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: "ومبادرتكم كبرهم". وإنما عدل عن الفعل في الثاني إلى القول؛ ليؤذن بأنه أقبح وأشنع من الأول مع أنه مستلزم للإسراف أيضاً، وكذا يفهم منه الجمع بين الفعل والقول في مقام الذم، ولا ينعكس. قوله: (على ما في ذلك من الاختلاف) أي: الاختلاف الذي سيجيء في قوله: "عن محمد بن كعب: ينزل نفسه منزلة الأجير فيما لابد منه … وعن مجاهد: يستسلف، فإذا أيسر أدى" وغير ذلك. قوله: (وعن النبي ﷺ أن رجلاً قال له) ورواية الحديث عن أبي داود وابن ماجة والنسائي، عن عبد الله بن عمرو: أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ ، فقال: إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم، قال: "كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل". النهاية: غير متأثل، أي: غير جامع، يقال: مال مؤثل، ومجد مؤثل، أي: مجموع ذو أصل، وأثلة الشيء: أصله.

стр. 1770

وعن ابن عباس: أنّ وليّ اليتيم قال له: أفأشرب من لبن إبله؟ قال: إن كنت تبغي ضالتها، وتلوط حوضها، وتهنأ جرباها، وتسقيها يوم وردها؛ فاشرب غير مضرّ بنسل، ولا ناهك في الحلب وعنه: يضرب بيده مع أيديهم؛ فليأكل بالمعروف، ولا يلبس عمامة فما فوقها. وعن إبراهيم: لا يلبس الكتان والحلل، ولكن ما سدّ الجوعة ووارى العورة. وعن محمد بن كعب: يتقرّم تقرّم البهيمة، وينزل نفسه منزلة الأجير فيما لا بدّ منه. وعن الشعبي: يأكل من ماله بقدر ما يعين فيه. وعنه: كالميتة يتناول عند الضرورة ويقضي. وعن مجاهد: يستسلف، فإذا أيسر أدّى. وعن سعيد بن جبير: إن شاء شرب فضل اللبن وركب الظهر ولبس ما يستره من الثياب، وأخذ القوت، ولا يجاوزه فإن أيسر قضاه، وإن أعسر فهو في حلّ. وعن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه: إنى أنزلت نفسي من مال اللَّه منزلة والى اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، وإذا أيسرت قضيت» واستعف أبلغ من عفّ؛ كأنه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتلوط حوضها) أي: تطينها وتصلحها، وأصله من اللوط، وهو اللصوق، ويقال: الولد ألوط بالقلب، أي: ألصق وأعلق، كذا في "النهاية". قوله: (وتهنأ جرباها) هنأ البعير: طلاه بالهناء، وهو القطران. قوله: (ولا ناهك) أي: مستقص متبالغ فيه. قوله: (يضرب بيده)، أي: يأكل الوصي منه كما يأكلون. قوله: (يتقرم تقرم البهيمة) أي: يأخذ شيئاً قليلاً. الجوهري: قرم الصبي والبهم قرماً وقروماً، وهو أكل ضعيف في أول ما تأكل البهيمة، وأولاد الضأن اسم للمذكر والمؤنث. قوله: (و"استعف" أبلغ من "عف")؛ لأنه من باب التجريد، كأنه يطلب من نفسه زيادة العفة، كاستنوق الجمل؛ فعلى هذا لا يرد عليه قول صاحب "الانتصاف" وهو بعيد؛ لأن تلك متعدية وهذه قاصرة، والظاهر أن هذه فيما جاء فيه فعل واستفعل بمعنى.

стр. 1771

طالبٌ زيادة العفة (فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) بأنهم تسلموها وقبضوها وبرئت عنها ذممكم، وذلك أبعد من التخاصم والتجاحد، وأدخل في الأمانة وبراءة الساحة. ألا ترى أنه إذا لم يشهد فادعي عليه صدق مع اليمين عند أبى حنيفة وأصحابه؟ وعند مالك والشافعي لا يصدّق إلا بالبينة، فكان في الإشهاد الاحتراز من توجه الحلف المفضي إلى التهمة أو من وجوب الضمان إذا لم يقم البينة (وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً): أي: كافيا في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو محاسبًا؛ فعليكم بالتصادق، وإياكم والتكاذب. (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) ٧ ـ ٨]. (الْأَقْرَبُونَ) هم المتوارثون من ذوى القرابات دون غيرهم. (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ) بدل (مِمَّا تَرَكَ) بتكرير العامل، و (نَصِيباً مَفْرُوضاً) نصبت على الاختصاص، بمعنى: أعني نصيبًا مفروضًا مقطوعًا واجبًا لا بدّ لهم من أن يحوزوه، ولا يستأثر به. ويجوز أن ينتصب انتصاب المصدر المؤكد كقوله: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) [النساء: ١١] كأنه قيل: قسمة مفروضة. روى أن أوس بن الصامت الأنصاري ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا يستاثر به). روي منصوباً ومرفوعاً؛ النصب على أنه عطف على "يحوزوه" أي: لابد من الحوز وعدم اختصاص الطائفة، والرفع على جملة قوله: "ولابد لهم". قال القاضي: في الآية دليل على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه. قوله: (روي أن أوس بن صامت الأنصاري)، وفي "معالم التنزيل": عن محيي السنة: نزلت في أوس بن ثابت الأنصاري، وذكر ما ذكره المصنف، ثم قال: فقام رجلان هما ابنا

стр. 1772

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عم الميت ووصياه: سويد وعرفجة، فأخذا ماله، ثم ساق الحديث إلى آخر ما في الكتاب، وكذا في "الوسيط"، وليس فيهما ذكر الفضيخ، وذكر في "الاستيعاب": أن أوس بن الصامت الأنصاري أخا عبادة بن الصامت بقي إلى زمن عثمان ﵁، وكذا في "الجامع". وأما أوس بن ثابت ففي "الاستيعاب" قيل: إنه قتل يوم أحد، وقيل: إنه توفي في خلافة عثمان، والأول أصح. وروى أبو داود والترمذي، عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى جئنا امرأة من الأنصار في الأسواف، فجاءت المرأة بابنتين لها، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا ثابت بن قيس، قتل معك يوم أحد، وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما كله فلم يدع لهما مالاً، ولا ينكحان أبداً إلا ولهما مال، قال: "يقضي الله في ذلك"، قال: ونزلت سورة النساء (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) [النساء: ١١]، فقال رسول الله ﷺ لعمهما: "أعطهما الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فلك". النهاية: استفاء: جعله فيئاً له، الأسواف: موضع بالمدينة، وكان يومئذ معروفاً، وأما الفضيخ بالضاد والخاء المعجمتين فلم أجد له ذكراً سوى في الحاشية أنه موضع بالمدينة، فيه يفضخون البسر، أي: يعصرون، وأما أم كجة فقال صاحب "الاستيعاب": أم كجة وقع ذكرها في كتاب "ناسخ القرآن ومنسوخه" لهبة الله، وذكرها ابن المقرح في "كتاب القصص والأسباب".

стр. 1773

ترك امرأته أم كجة وثلاث بنات، فزوي ابنا عمه سويد وعرفطة أو قتادة وعرفجة ميراثه عنهنّ، وكان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء والأطفال، ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، فجاءت أم كجة إلى رسول اللَّه ﷺ في مسجد الفضيخ فشكت إليه فقال: «ارجعي حتى أنظر ما يحدث اللَّه " فنزلت، فبعث إليهما «لا تفرّقا من مال أوس شيئًا فإنّ اللَّه قد جعل لهنّ نصيبا) ولم يبين حتى تبين فنزل (يُوصِيكُمُ اللَّهُ) [النساء: ١١] فأعطى أم كجة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ابني العم. (وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ) أي: قسمة التركة، (أُولُوا الْقُرْبى): ممن لا يرث (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) الضمير لما ترك الوالدان والأقربون، وهو أمر على الندب قال الحسن: كان المؤمنون يفعلون ذلك، إذا اجتمعت الورثة حضرهم هؤلاء فرضخوا لهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وكان أهل الجاهلية لا يورثون) إلى آخره. لما أراد الله تعالى إبطال هذا الحكم، وقمع هذه الهناة؛ أعاد قوله تعالى: (وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ) [النساء: ٧] فترك الاختصار حيث عدل من قوله: "وللأولاد نصيب" فأذن باستقلال كل من الرجال والنساء في حوز الميراث، وأن لا تفاوت بينهما فيه، ثم أكد ذلك بقوله: (نَصِيباً مَفْرُوضاً)، أي: قسمة مفروضة مقطوعة لابد لهم من أن يحوزوه. قوله: (وذاد عن الحوزة). الجوهري: الحوزة: الناحية، وحوزة الملك: بيضته. النهاية: في الحديث: "بيضتهم"، أي: مجتمعهم، وموضع سلطانهم، ومستقر دعوتهم، وبيضة الدار: وسطها ومعظمها. قوله: (فرضخوا لهم). النهاية: الرضخ: العطية القليلة، والفاء فيه عاطفة، والمعطوف عليه "حضرهم"، وهو جواب "إذا".

стр. 1774

بالشيء من رثة المتاع، فحضهم اللَّه على ذلك تأديبًا من غير أن يكون فريضة قالوا: ولو كان فريضة لضرب له حدّ ومقدار، كما لغيره من الحقوق، وروى أن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبى بكر ﵁ قسم ميراث أبيه وعائشة ﵂ حية، فلم يدع في الدار أحداً إلا أعطاه، وتلا هذه الآية. وقيل: هو على الوجوب. وقيل: هو منسوخ بآيات الميراث كالوصية. وعن سعيد بن جبير: أن ناسًا يقولون: نسخت؛ واللَّه ما نسخت، ولكنها مما تهاون به الناس. والقول المعروف: أن يلطفوا لهم القول ويقولوا: خذوا بارك اللَّه عليكم، ويعتذروا إليهم، ويستقلوا ما أعطوهم ولا يستكثروه، ولا يمنوا عليهم. وعن الحسن والنخعي: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات والمساكين واليتامى من العين، يعنيان الورق والذهب؛ فإذا قسم الورق والذهب وصارت القسمة إلى الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك، قالوا لهم قولا معروفا، كانوا يقولون لهم: بورك فيكم. (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) ٩]. (لو) مع ما في حيزه صلة ل (الَّذِينَ). والمراد بهم: الأوصياء؛ أمروا بأن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من رثة المتاع). الجوهري: الرثة: السقط من متاع البيت من الخلقان، والجمع: رثث. قوله: (وعن سعيد بن جبير: أن ناساً يقولون: نسخت). رواية البخاري عن ابن عباس تمامه: هما واليان: وال يرث وذاك الذي يرزق، ووال لا يرث، وذاك يقول بالمعروف، ويقول: لا أملك لك أن أعطيك. قوله: (يقولون لهم: بورك فيكم) أي: فيما أعطيناكم ليكون كالجبران لقلوبهم؛ إذ لا يسهل عليهم أن يخرجوا من الأرضين والرقيق شيئاً.

стр. 1775

يخشوا اللَّه فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى، ويشفقوا عليهم، خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافًا وشفقتهم عليهم، وأن يقدّروا ذلك في أنفسهم، ويصوّروه حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة والرحمة. ويجوز أن يكون المعنى: وليخشوا على اليتامى من الضياع. وقيل: هم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون: إن ذريتك لا يغنون عنك من اللَّه شيئا، فقدم مالك، فيستغرقه بالوصايا، فأمروا بأن يخشوا ربهم، أو يخشوا على أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولاد أنفسهم لو كانوا، ويجوز أن يتصل بما قبله وأن يكون أمراً للورثة بالشفقة على الذين يحضرون القسمة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم) الفاء فيه كالفاء في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤]. قوله: (خوفهم على ذريتهم .. وشفقتهم عليهم) نشر لما لف عند قوله: "فيخافوا ويشفقوا"، أي: فيخافوا خوفهم ويشفقوا شفقتهم. قوله: (وأن يقدروا ذلك) المشار إليه: (لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ) [النساء: ٩]، وهو عطف على "يخشوا" على سبيل البيان. قال أبو البقاء: (مِنْ خَلْفِهِمْ) يجوز أن يكون ظرفاً لـ (تَرَكُوا)، أو حالاً من (ذُرِّيَّةً)، و (خَافُوا) جواب (لَوْ) ومعناه: إن. قوله: (وليخشوا على اليتامى من الضياع) أمر الأوصياء أولاً بالخشية من التورط في أكل أموال اليتامى، وثانياً: بالتحرج عن حفظها تأثماً، فضيعوا لذلك، وقد ألمح إلى الوجهين في قوله تعالى: (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) [النساء: ٢]. قوله: (وقيل: هم الذي يجلسون إلى المريض) عطف على قوله: "والمراد بهم الأوصياء". قوله: (ويجوز أن يتصل بما قبله) أي: بقوله: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) [النساء: ٨] فهو أمر للورثة، وعلى الوجه الأول متصل بقوله:

стр. 1776

من ضعفاء أقاربهم واليتامى والمساكين، وأن يتصوّروا أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضائعين محتاجين؛ هل كانوا يخافون عليهم الحرمان والخيبة؟ فإن قلت: ما معنى وقوع (لَوْ تَرَكُوا) وجوابه صلة ل (الذين)؟ قلت: معناه: وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافا، وذلك عند ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا)، وقوله: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ) استطراد لذكر قوله: (فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء: ٦]، وعلى هذا أيضاً هو عطف على قوله: "والمراد بهم الأوصياء"، أي: الآية متصلة بقوله: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) [النساء: ٧]، ويكون المأمور بقوله: (وَلْيَخْشَ) الأوصياء والذين يجلسون، أو متصلة بقوله: (وَإِذَا حَضَرَ) والمأمور به الورثة. قوله: (معناه وليخش الذين صفتهم وحالهم) يعني: في إيقاع (لَوْ) مع جوابهـ وهو (خَافُوا) ـ صلة للموصول مزيد تقرير للخشية، كأنه قيل: وليخش الذي حقه الخشية، والأصل: وليخش الوصي أو من حضر المريض أو الوارث، فعدل إلى المذكور ليتصور تلك الحالة الصعبة ويستحضرها في نفسه فيرتدع، وإليه الإشارة بقوله: "وأن يتصوروا أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضائعين محتاجين، هل كانوا يخافون عليهم الحرمان والخيبة؟ " ولو لم يعدل من هذا لفات هذا المطلوب. قال القاضي: وفي ترتيب الأمر على المذكور إشارة إلى المقصود منه والعلة فيه، وبعث على الترحم، وتهديد للمخالف. الانتصاف: إنما أوجب الزمخشري إضمار "شارفوا" في قوله: "وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافاً" لقوله: (خَافُوا عَلَيْهِمْ)، والخوف يكون قبل تركهم إياهم، وإلا كان يلزم تقديم الجواب على الشرط، وهو كقوله تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ) [الطلاق: ٢] أي: شارفنه، وفائدته التخويف بالحالة التي لا مطمع معها في الحياة ولا الذب عن الذرية الضعاف.

стр. 1777

احتضارهم خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم، كما قال القائل: لَقَدْ زَادَ الْحَيَاةَ إلَىَّ حُبًّا … بَنَاتِي إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَافِ أُحَاذِرُ أَن يَرَيْنَ الْبُؤْسَ بَعْدِي وَأَنْ يَشْرَبْنَ رَنْقاً بَعْدَ صَافِى وقرئ: (ضعفاء). (وضُعافى)، (وضَعافى). نحو: سُكارى وسكارى. والقول السديد من الأوصياء: أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب، ويدعوهم ب يا بنيّ ويا ولدي، ومن الجالسين إلى المريض أن يقولوا له إذا أراد الوصية: لا تسرف في وصيتك فتجحف بأولادك، مثل قول رسول اللَّه ﷺ لسعد: «إنك إن تترك ولدك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» وكان الصحابة ﵃ يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لقد زاد الحياة) البيتين، فاعل "زاد": "بناتي"، "أنهن": يروى بالفتح على إضمار اللام، وبالكسر على الاستئناف والتعليل، "رنقاً" أي: ماء كدراً. قوله: (ومن الجالسين) إشارة إلى التفسير الثاني، أي: "الذين يجلسون إلى المريض". قوله: (فتجحف). المغرب: جحفه واجتحفه وأجحف به: أهلكه وأستأصله. النهاية: أجحفت بهم الفاقة، أي: أفقرتهم الحاجة وأذهبت أموالهم. قوله: (مثل قول الرسول ﷺ لسعد بن أبي وقاص)، والحديث من رواية الشيخين وغيرهما: قال سعد: يا رسول الله، إني قد بلغ مني الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا"، قلت: فالشطر؟ قال: "لا"، قلت: فالثلث؟

стр. 1778

وأن الخمس أفضل من الربع والربع من الثلث. ومن المتقاسمين ميراثهم أن يلطفوا القول ويجملوه للحاضرين. (إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) ١٠]. (ظُلْماً) ظالمين، أو على وجه الظلم من أولياء السوء وقضاته، (فِي بُطُونِهِمْ) ملء بطونهم يقال: أكل فلان في بطنه، وفي بعض بطنه. قال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال: "الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن ذرهم عالة يتكففون الناس". قوله: (وأن الخمس أفضل) منصوب بفعل مضمر، والجملة معطوفة على "يستحبون"، أي: يستحبون ألا تبلغ الوصية الثلث، ويرون أن الخمس أفضل. قوله: (ومن المتقاسمين) عطف على قوله: "من الأوصياء"، وهو إشارة إلى التفسير الثالث. قوله: (ظالمين أو على وجه الظلم) أي: هو حال أو تمييز، قال أبو البقاء: (ظُلْماً): مفعول له، أو مصدر في موضع الحال. قوله: ((فِي بُطُونِهِمْ) ملء بطونهم) أي: وضع هذا مكان ذلك، وفائدة المبالغة: كأنه جعل بطونهم مكان النار ومستقرها، والدليل على أن المراد ملء بطونهم قولهم: في بطنه، أي: بعض بطنه، وفيه: أنا لمراد بالظلم ما مر في قوله تعالى: (وَلا تَاكُلُوهَا إِسْرَافاً) إلى قوله: (فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: ٦] أي: ما يسد الجوع ويواري العورة.

стр. 1779

كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ومعنى يأكلون نارًا: ما يجرُّ إلى النار، فكأنه نارٌ في الحقيقة. وروى: (أنه يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا). وقرئ (وَسَيَصْلَوْنَ) بضم الياء وتخفيف اللام وتشديدها (سَعِيرا) ً ناراً من النيران مبهمة الوصف. (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً) ١١]. (يُوصِيكُمُ اللَّهُ): يعهد إليكم ويأمركم (فِي أَوْلادِكُمْ) في شأن ميراثهم بما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كلوا في بعض بطنكم تعفوا) مضى تمامه وشرحه. قوله: ("وسيصلون" بضم الياء وتشديد اللام وتخفيفها) بالتخفيف: ابن عامر وأبو بكر، وبالتشديد شاذ. قال القاضي: يقال: صلي النار، أي: قاسى حرها، وصليته: شويته، وأصليته وصليته: ألقيته فيها، والسعير: "فعيل" بمعنى مفعول، من "سعرت النار": إذا ألهبتها. قوله: ((يُوصِيكُمْ اللَّهُ) يعهد إليكم). الراغب: الوصية: التقدم إلى الغير بما يعمل فيه مقترناً بوعظ، من قولهم: أرض واصية: متصلة النبات، ويقال: أوصاه

стр. 1780

هو العدل والمصلحة، وهذا إجمال تفصيله (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) فإن قلت: هلا قيل: للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر؟ قلت: ليبدأ ببيان حظ الذكر لفضله، كما ضوعف حظه لذلك، ولأنّ قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) قصد إلى بيان فضل الذكر، وقولك: للأنثيين مثل حظ الذكر، قصد إلى بيان نقص الأنثى، وما كان قصداً إلى بيان فضله، كان أدلّ على فضله من القصد إلى بيان نقص غيره عنه ولأنهم كانوا يورّثون الذكور دون الإناث وهو السبب لورود الآية، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ووصاه، وتواصى القوم: أوصى بعضهم بعضاً. قوله: (ولأن قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)) جواب آخر، والفرق: أن التقديم على الأول جار على سنن تقديم الأفضل، ولاشك في فضل الذكر، وذكر حظه تابع لذكره، وإلى هذا المعنى أشار بقوله: "كما ضوعف حظه" أي: قدم ذكره لفضله كما ضوعف حظه لفضله، وعلى الثاني: بخلافه؛ لأنك تجعل ضعف الحظ علة لفضل الذكر، ونقصانه لنقصان الأنثى، فإنك إذا قلت: للذكر ضعف حظ الأنثى لفضلهـ كان أدل على فضل الذكر من قولك: للأنثى نصف حظ الذكر لنقصانها؛ لأن كمال الفضل أن يفضل على من له فضل، لا على الناقص. وإليه الإشارة بقوله: "وما كان قصداً إلى بيان فضله كان أدل .. " إلى آخره، فالأفضلية على الوجه الأول تعلم من دليل خارجي، وعلى الثاني من نفس التركيب، وعليه الحديث الوارد في فضل هذه الأمة: "فقال أهل الكتابين: أي رب، أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطاً قيراطاً، ونحن أكثر عملاً! قال الله تعالى: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: هو فضلي أوتيه من أشاء"، أخرجه البخاري والترمذي، عن ابن عمر ﵄. قوله: (ولأنهم كانوا يورثون) يريد: إنما قدم الذكور لأن الكلام كان فيهم؛ لأنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث، فجيء بالإنكار على وفق اهتمامهم وتسليم ادعائهم، يعني:

стр. 1781

فقيل: كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث فلا يتمادى في حظهن حتى يحرمن مع إدلائهن من القرابة بمثل ما يدلون به. فإن قلت: فإن حظ الأنثيين الثلثان، فكأنه قيل: للذكر الثلثان. قلت: أريد حال الاجتماع لا الانفراد أي: إذا اجتمع الذكر والأنثيان كان له سهمان، كما أن لهما سهمين. وأما في حال الانفراد، فالابن يأخذ المال كله والبنتان يأخذان الثلثين. والدليل على أن الغرض حكم الاجتماع: أنه أتبعه حكم الانفراد، وهو قوله: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ) والمعنى: للذكر منهم، أي: من أولادكم، فحذف الراجع إليه؛ لأنه مفهوم، كقولهم: السمن منوان بدرهم. (فَإِنْ كُنَّ نِساءً): فإن كانت البنات أو المولودات نساء خلصاً ليس معهن رجل، يعنى: بنات ليس معهن ابن. (فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) يجوز أن يكون خبراً ثانياً ل كان وأن يكون صفة ل (نساء)، أي: نساء زائدات على اثنتين (وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً): وإن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هب أن الذكور أولى كما يزعمونه، أما كفاهم أن ضوعف لهم نصيب البنات؟ وهو كالقول بالموجب. قوله: (مع إدلائهن من القرابة). المغرب: أدليت الدلو: أرسلتها في البئر، ومنه أدلى بالحجة: أحضرها، وفلاني دلي إلى الميت بذكر، أي: يتصل. قوله: (فكأنه قيل: للذكر الثلثان) يعني: مفهوم الآية يؤدي إلى أن الابن صاحب الفرض، وليس كذلك. قوله: (والمعنى: للذكر منهم)، قال أبو البقاء: الجملة، أي: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) [النساء: ١١] في موضع نصب بـ "يوصي"؛ لأن المعنى: يفرض لكم، أو يشرع في أمر أولادكم.

стр. 1782

كانت البنت أو المولودة منفردة فذة ليس معها أخرى (فَلَهَا النِّصْفُ) وقرئ: واحدة بالرفع على "كان" التامّة والقراءة بالنصب أوفق لقوله: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً) وقرأ زيد بن ثابت (النِّصْفُ) بالضم. والضمير في (تَرَكَ) للميت لأنّ الآية لما كانت في الميراث، علم أن التارك هو الميت. فإن قلت: قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) كلام مسوق لبيان حظ الذكر من الأولاد، لا لبيان حظ الأنثيين، فكيف صح أن يردف قوله: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً) وهو لبيان حظ الإناث؟ قلت: وإن كان مسوقا لبيان حظ الذكر إلا أنه لما فقه منه وتبين حظ الأنثيين مع أخيهما كان كأنه مسوقٌ للأمرين جميعًا، فلذلك صح أن يقال: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً): فإن قلت. هل يصح أن يكون الضميران في (كنّ) و (كانت) مبهمين، ويكون (نساء) و (واحدة) تفسيراً لهما، على أن كان تامة؟ قلت: لا ابعد ذلك. فإن قلت: لم قيل (فَإِنْ كُنَّ نِساءً) ولم يقل: وإن كانت امرأة؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "واحدة" بالرفع على "كان" التامة)، بالرفع: نافع، والباقون بالنصب، والقراءة بالنصب أنسب، ليتطابق المعطوف والمعطوف عليه، وهو قوله: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً)؛ لأن "كان" حينئذ ناقصة. قوله: (وقرأ زيد بن ثابت: النصف) وهو شاذ، قال المصنف: الضم في النصف لغة أهل الحجاز، وهذا أقيس؛ لأنك تقول الثمن والعشر. قوله: (مبهمين) أي: غير منصرفين إلى شيء سبق، بل إنما للإجمال والتفصيل كضمير الشأن، وتكون "كان" فيهما تامة. قوله: (لم قيل: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً)؟ ) توجيه السؤال: كيف قيل: (وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً) فإنه غير مطابق لقوله: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً) بل المطابق: وإن كانت امرأة، أو فإن كن ثنتين أو ثلاثاً فصاعداً، وتلخيص الجواب: أن الغرض في قوله: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً): خلوصهن إناثاً؛

стр. 1783

قلت: لأنّ الغرض ثمة خلوصهن إناثا لا ذكر فيهنّ ليميز بين ما ذكر من اجتماعهن مع الذكور في قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) وبين انفرادهن، وأريد هاهنا أن يميز بين كون البنت مع غيرها وبين كونها وحدها لا قرينة لها. فإن قلت: قد ذكر حكم البنتين في حال اجتماعهما مع الابن، وحكم البنات والبنت في حال الانفراد، ولم يذكر حكم البنتين في حال الانفراد فما حكمهما؟ وما باله لم يذكر؟ قلت: أما حكمهما فمختلف فيه، فابن عباس أبى تنزيلهما منزلة الجماعة، لقوله تعالى: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) فأعطاهما حكم الواحدة، وهو ظاهر مكشوف؛ وأما سائر الصحابة فقد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأنه قسيم لقوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) ليعلم حكم اجتماعهن مع الذكور أولاً، ثم انفرادهن إناثاً ثانياً، ولابد من النص على خلوصهن نساء، وفي قوله: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً) الغرض: بيان العدد ليعلم الحكم حال وحدتها، يعني: إذا لم يقترن معها غيرها؛ فوجب النص على العدد، والحاصل: أن معنى الإناث على الأول مقصود بالذكر، والعدد تابع، وعلى الثاني بالعكس؛ ولهذا غير العبارتين. قوله: (فابن عباس أبي تنزيلهما منزلة الجماعة .. ، فأعطاهما حكم الواحدة). الانتصاف: أجرى ابن عباس التقييد بالصفة على ظاهرها من مفهوم المخالفة. قال الزجاج: وأما ما ذكر عن ابن عباس أن البنتين بمنزلة البنت فهذا لا أحسبه صحيحاً عنه؛ لأن منزلة الاثنين منزلة الجمع، والواحد خارج عن الاثنين. وقيل: علته أيضاً أنه كما قال: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ)، قال أيضاً: (وَإِنْ كَانَتْ

стр. 1784

أعطوهما حكم الجماعة، والذي يعلل به قولهم: أن قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)، فإن كان الأول يأبى دخول الاثنين في حكم الجماعة؛ فكذلك الثاني، وقلت: قوله: "أبى تنزيلهما منزلة الجماعة" لقوله: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) وبين قوله: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً)؛ لأن خبر الأول موصوف بصفة مؤكدة وهي (فَوْقَ اثْنَتَيْنِ)) لدفع ما عسى أن يتوهم متوهم أن (نِسَاءً) قد يراد بها الاثنتان، ولا كذلك خبر الثاني وهو (وَاحِدَةً)؛ فإنه عار عن القيد، فالأولى يأبى إلحاق الاثنين به، والثاني لا يمنع، ثم نقول: ليس حكم الاثنين حكم الجماعة للصارف، وليس ثم ما يدل على حكمهما ظاهراً، ولا يمنع حكم الواحدة من الإلحاق به، فوجب الإلحاق، وإليه الإشارة بقوله: "فأعطاهما حكم الواحدة"، ثم قال: "وهو ظاهر مكشوف" والفاء في "فأعطاهما" مؤذنة بهذا التقرير. قوله: (والذي يعلل به قولهم) إلى آخره: قيل: فيه نظر؛ لأنه ذكر قبل هذا أن قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) [النساء: ١١]، بيان حال الاجتماع لا الانفراد، أي: إذا اجتمع الذكر والأنثيان، وإذا كان التقدير كما ذكر فكيف يصح أن يقال: علم منه أن للذكر حينئذ الثلثين، فإنه ليس له الثلثان. وأيضاً، فحال الانفراد مخالف لحال الاجتماع، والجواب عنه: أن كلامه مبني على دلالة إشارة النص وعبارته؛ لقوله: "وإن كان مسوقاً"، يعني قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)، "وإن كان مسوقاً لبيان حظ الذكر، إلا أنه لما فقه منه وتبين حظ الأنثيين كان كأنه مسوق للأمرين جميعاً". قال البزدوي: إشارة النص: هو العمل بما يثبت بنظمه لغة لكنه غير مقصود ولا سيق له النص وليس بظاهر من كل وجه. وروى الزجاج، عن المبرد، [وكذا] عن ابن إسحاق القاضي أنه قال: في الآية دليل على أن للبنتين الثلثين؛ لأنه إذا قال: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ

стр. 1785

قد دلّ على أن حكم الأنثيين حكم الذكر؛ وذلك أن الذكر كما يجوز الثلثين مع الواحدة، فالأنثيان كذلك يجوزان الثلثين، فلما ذكر ما دلّ على حكم الأنثيين قيل (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ) على معنى: فإن كن جماعة بالغاتٍ ما بلغن من العدد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) وكان أول العدد الذكر والأنثى فللذكر الثلثان وللأنثى الثلث؛ فقد بان أن للبنتين الثلثين، فأعلم الله تعالى أن ما فوق البنتين لهن الثلثان. قولت: اعتبر القاضي في كلامه فائدة الفاء في قوله: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ)، وكذا المصنف بقوله: "فلما ذكر ما دل على حكم الأنثيين قيل: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً) "؛ لأن ترتيب الفاء، ومفهوم الوصف في قوله: (فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) مشعران بذلك، كأنه تعالى لما قال: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) [النساء: ١١] علم منه بحسب الظاهر وعبارة النص حكم الذكر مع الأنثى حال الاجتماع، وفهم بحسب إشارته حكم الثنتين؛ لأن الذكر كما يحوز الثلثين مع الواحدة فالاثنتان كذلك تحوزان الثلثين، فأراد أن يعلم حكم الزيادة على الثنتين، فقال: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ)، فقول المصنف: "أريد حال الاجتماع لا الانفراد" محمول على عبارة النص، وقوله: "قد دل على أن حكم الأنثيين حكم الذكر" محمول على إشارته، وينصر هذا التأويل ما روينا عن أحمد بن حنبل والترمذي وأبي داود وابن ماجة، عن جابر: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد، قتل أبوهما يوم أحد معك شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما ولم يدع لهما مالاً، ولا ينكحان إلا ولهما مال، قال: "يقضي الله في ذلك"، فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله ﷺ إلى عمهما، فقال: "أعط لابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك". ولو لم يكن في الآية ما يدل على حكم الأنثيين، وأن لهما الثلثين؛ لما قال ﷺ : "أعط لابنتي سعد الثلثين"، بعد قوله: "يقضي الله في ذلك".

стр. 1786

فلهن ما للأنثيين؛ وهو الثلثان لا يتجاوزنه لكثرتهن؛ ليعلم أن حكم الجماعة حكم الثنتين بغير تفاوت. وقيل: إن البنتين أمس رحمًا بالميت من الأختين؛ فأوجبوا لهما ما أوجب اللَّه للأختين، ولم يروا أن يقصروا بهما عن حظ من هو أبعد رحما منهما. وقيل: إن البنت لما وجب لها مع أخيها الثلث كانت أحرى أن يجب لها الثلث إذا كانت مع أخت مثلها، ويكون لأختها معها مثل ما كان يجب لها ـ أيضا ـ مع أخيها لو انفردت معه، فوجب لهما الثلثان (وَلِأَبَوَيْهِ) الضمير للميت، و (لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا) بدل من (لِأَبَوَيْهِ) بتكرير العامل. وفائدة هذا البدل: أنه لو قيل: ولأبويه السدس؛ لكان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: إن البنتين) عطف على قوله: "والذي يعلل به قولهم" يعني: فقد أعطوهما حكم الجماعة: إما بطريقة الاستنباط من الآية، أو القياس على الأختين أو على البنت مع أخيها؛ بيانه ما قال الإمام: إنه تعالى ذكر في الآية حكم الواحدة من البنات، وحكم الثلاث فما فوقهن، ولم يذكر حكم الثنتين، وقال في شرح ميراث الأخوات: (إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) [النساء: ١٧٦] وها هنا ذكر ميراث الأخت الواحدة والاثنتين ولم يذكر ميراث الأخوات الكثيرات، فصار كل واحدة من هاتين الآيتين مجملاً من وجه، ومبيناً من وجه؟ فنقول: لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بهما؛ لأنهما أقرب منهما، ولما كان نصيب البنات الكثيرات لا يزداد على الثلثين وجب ألا يزداد نصيب الأخوات على ذلك؛ لأن البنت أشد اتصالاً من الأخت، فوجب ألا يكون حكمها أضعف. قوله: (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) بدل من (لأبَوَيْهِ) بتكرير العامل)، الانتصاف: الأولى أن يقدر المبتدأ، والمعنى: لأبويه الثلث، ثم يفصل بقوله: (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ). ودل التفصيل على المبتدأ المحذوف، ويستقيم على هذا جعله من بدل التقسيم، كقولك: الدار لثلاثة: لزيد ثلثها، ولعمرو ثلثها، ولبكر ثلثها، ولا يستقيم هذا إذا لم يقدر المبتدأ.

стр. 1787

ظاهره اشتراكهما فيه. ولو قيل: ولأبويه السدسان؛ لأوهم قسمة السدسين عليهما على التسوية وعلى خلافها. فإن قلت: فهلا قيل: ولكل واحد من أبويه السدس! وأي فائدة في ذكر الأبوين أوّلا، ثم في الإبدال منهما؟ قلت: لأنّ في الإبدال والتفصيل بعد الإجمال تأكيدًا وتشديدًا، كالذي تراه في الجمع بين المفسر والتفسير. و (السدس): مبتدأ، وخبره: (لِأَبَوَيْهِ). والبدل متوسط بينهما للبيان. وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة (السُّدُسُ) بالتخفيف، وكذلك الثلث، والربع، والثُّمن. والولد: يقع على الذكر والأنثى، ويختلف حكم الأب في ذلك: فإن كان ذكراً اقتصر بالأب على السدس، وإن كانت أنثى عُصِّبَ مع إعطاء السُّدس. فإن قلت: قد بين حكم الأبوين في الإرث مع الولد ثم حكمهما مع عدمه، فهلا قيل: فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث! وأي فائدة في قوله: (وَوَرِثَهُ أَبَواهُ)؟ قلت: معناه: فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فحسب، فلأمه الثلث مما ترك، كما قال: (لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ)؛ لأنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين، كان للأم ثلث ما بقي بعد إخراج نصيب الزوج، لا ثلث ما ترك، إلا عند ابن عباس. والمعنى: أن الأبوين إذا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("السدس" بالتخفيف). قال الزجاج: يجوز تخفيف هذه الأشياء لثقل الضم، ومن زعم أن الأصل التخفيف فثقل فخطأ؛ لأن الكلام مطلوب منه التخفيف. قوله: (لا ثلث ما ترك إلا عند ابن عباس)، الانتصاف: مذهب ابن عباس أن الإخوة يأخذون السدس الذي حجبوا الأم عنه مع وجود الأب، فيقيد قوله: (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ) [النساء: ١١] الاحتراز مما لو كان معهما إخوة فلها السدس، كأنه قال: إن لم يكن له إخوة فلأمه الثلث، وإن كانوا فلها السدس، وابن عباس لا يرى التقييد بعدم الزوجين؛ لأن ثلث الأم عنده لا يتغير بهما.

стр. 1788

خلصا تقاسما الميراث: للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن قلت: ما العلة في أن كان لها ثلث ما بقي دون ثلث المال؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أنّ الزوج إنما استحق ما يسهم له بحق العقد لا بالقرابة، فأشبه الوصية في قسمة ما وراءه. والثاني: أن الأب أقوى في الإرث من الأم، بدليل أنه يضعف عليها إذا خلصا ويكون صاحب فرض وعصبة، وجامعًا بين الأمرين، فلو ضرب لها الثلث كَمَلا لأدى إلى حط نصيبه عن نصيبها. ألا ترى أن امرأة لو تركت زوجا وأبوين فصار للزوج النصف وللأم الثلث والباقي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الإمام الرافعي: إن الشيخ أبا حاتم القزويني لما حكى مذهب ابن عباس في زوج وأبوين، وهو أن للأم الثلث كاملاً؛ قال: وبه قال شيخنا، يعني أبا الحسين ابن اللبان. قوله: (ألا ترى أن امرأة لو تركت زوجاً وأبوين)، قال الزجاج: فلما أعلمنا الله تعالى أن للأم الثلث علمنا أن للأب الثلثين، فلما دخل عليهما داخل وأخذ نصف المال؛ دخل النقص عليهما جميعاً، وأيضاً إنه تعالى قال: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ) [النساء: ١١] وها هنا لم يرثه أبواه فقط، وورثه معهما الغير، فرجع ميراث الأم إلى ثلث ما يبقى. قوله: (فطار للزوج)، صح بالطاء غير المعجمة، أي: أعطي نصيبه من غير نزاع ولا افتقار إلى فكر وروية، ويفهم منه أن نصيب الأبوين محتاج فيه إلى نظر واستدلال؛

стр. 1789

للأب؛ حازت الأم سهمين والأب سهمًا واحدًا، فينقلبُ الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين؟ (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ): الإخوة يحجبون الأم عن الثلث وإن كانوا لا يرثون مع الأب؛ فيكون لها السدس وللأب خمسة الأسداس، ويستوي في الحجب الاثنان فصاعدا إلا عند ابن عباس. وعنه: أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأم. فإن قلت: فكيف صحّ أن يتناول الإخوة الأخوين، والجمع خلاف التثنية؟ قلت: الإخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة بغير كمية، والتثنية كالتثليث والتربيع في إفادة الكمية، وهذا موضع الدلالة على الجمع المطلق، فدل بالإخوة عليه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لئلا ينعكس الحكم؛ ولهذا قال: "فينقلب الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين"، النهاية: في حديث أم العلاء الأنصارية: اقتسمنا المهاجرين، وطار لنا عثمان بن مظعون، أي: حصل نصيبنا منهم عثمان. قوله: (الإخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة) أي: من غير نظر إلى حقيقته في الكمية بأن أقل الجمع ثلاثة أو اثنان، بل إلى مجرد معناه، قال في "البقرة": "اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد"، وقال محيي السنة: معنى الجمع: ضم الشيء إلى الشيء، فهو صادق على اثنين فما فوقه. قوله: (الذي حجبوا عنه) ويروى: "الذين"، وقيل: هو أصح، وهو بدل من فاعل "يأخذون". قوله: (وهذا موضع الدلالة على الجمع المطلق) أي: في هذا المقام ما يوجب الحمل على الجمعية المطلقة، وهو أن الأكثرين من الصحابة أجمعوا على إثبات الحجب في الأخوين، كما في الثلاثة، سوى ابن عباس، روي أنه احتج على عثمان ﵄: الأخوان كيف يردان الأم من الثلث إلى السدس، والله تعالى يقول: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ) [النساء: ١١]،

стр. 1790

وقرئ: (فلإمّه)، بكسر الهمزة اتباعًا للجرّة: ألا تراها لا تُكسر في قوله (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً) [المؤمنون: ٥٠]؟ (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ) متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها، لا بما يليه وحده، كأنه قيل: قسمة هذه الأنصباء كلها من بعد وصية يوصى بها. وقرئ (يُوصِي بِها) بالتخفيف والتشديد. و (يُوصِي بِها) على البناء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والأخوان ليسا بإخوة؟ فقال عثمان: لا أستطيع رد قضاء قضي به ومضى في الأمصار ذكره. هذا ما ذكره في "الشرح الكبير". وقال الزجاج: قال جميع أهل اللغة: إن الأخوين جماعة؛ لأنك إذا ضممت واحداً إلى واحد فهما جماعة. وحكى سيبويه أن العرب تقول: قد وضعا رحالهما، يريدون رحليهما، وما كان في الشيء منه واحد فتثنيته جمع أيضاً؛ لأن الأصل إنما هو الجمع؛ قال الله تعالى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) [التحريم: ٤]. قوله: (وقرئ: "فلإمه" بكسر الهمزة) قرأها حمزة والكسائي، وأكثر القراء بالضم. قال الزجاج: والضم أكثر القراء، فإذا كان ما قبل الهمزة غير كسر فالضم لا غير، لقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ) [المؤمنون: ٥٠]، وإذا كان مكسوراً كقوله: (فِي أُمِّهَا رَسُولاً) [القصص: ٥٩] (فَلأُمِّهِ السُّدُسُ) [النساء: ١١] فجاز الكسر للاستثقال، وليس في كلامهم مثل "فعل" بكسر الفاء وضم العين، فلما اختلطت اللام بالاسم شبه بالكلمة الواحدة؛ فأبدل من الضمة كسره. قوله: ((يُوصِي بِهَا) بالتخفيف) قراءة السبعة، والتشديد: شاذة، "و (يوصى بها) على البناء للمفعول مخففاً" ابن كثير وابن عامر وأبو بكر.
следующие страницы →