← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

قال: (فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) إن أفردوك وتركوك وحدك (لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ): غير نفسك وحدها أن تقدّمها إلى الجهاد، فإنّ اللَّه هو ناصرك لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف. وقيل: دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج، وكان أبو سفيان واعد رسول اللَّه اللقاء فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا؛ فنزلت، فخرج وما معه إلا سبعون لم يلو على أحد، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده. وقرئ: (لا تكلف) بالجزم على النهي، و (لا نكلف) بالنون وكسر اللام، أي: لا نكلف نحن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ضمن له النصر، وروي عن أبي بكرٍ الصديق ﵁ في الردة قال: لو خالفتني يميني جاهدتها بشمالي. الراغب: إن قيل: كيف قال: (لا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ) وقد بعث لتكليف الناس؟ قيل: لم يعن بالتكليف الاستدعاء الذي رشح له؛ بل للتحريض وتحريض الناس على الخروج معه، ألا ترى أنه قال: (وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ)؟ وهذه الآية تقتضي أن على الإنسان أن لا يني في نصرة الحق وإن تفرد. وقال بعض العارفين: من طلب رفيقاً في سلوك طريق الحق فلقلة يقينه وسوء معرفته، فالمحقق للسعادة والعارف بالطريق إليها لا يعرج على رفيقٍ ولا يبالي بطول طريق، فمن خطب الحسناء لم يغله المهر. قوله: (غير نفسك وحدها) لم يرد به أن ((إلا)) هنا بمعنى: غير؛ بل إنها من الاستثناء المفرغ وفيه معنى الحصر؛ ولهذا أكده بقوله: ((وحدها)) أي: لا تكلف شيئاً إلا أن تقدم نفسك إلى الجهاد، وقوله: ((أن تقدمها للجهاد)) بيانٌ لقوله: ((غير نفسك)). قوله: (لم يلو على أحد). الأساس: ومر لا يلوي على أحد: لا يقيم عليه ولا ينتظره.

стр. 1962

إلا نفسك وحدها. (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ): وما عليك في شأنهم إلا التحريض فحسب لا التعنيف بهم. (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا): وهم قريش، وقد كف بأسهم، فقد بدا لأبي سفيان وقال: هذا عام مجدب، وما كان معهم زاد إلا السويق، ولا يلقون إلا في عامٍ مخصبٍ فرجع بهم. (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاساً) من قريشٍ (وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا) تعذيباً. [(مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً)]. الشفاعة الحسنة: هي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه اللَّه، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمرٍ جائزٍ، لا في حدّ من حدود اللَّه، ولا في حق من الحقوق، والسيئة: ما كان بخلاف ذلك. وعن مسروقٍ أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع جاريةً فغضب وردها، وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك، ولا أتكلم فيما بقي منها. وقيل: الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم، لأنها في معنى الشفاعة إلى اللَّه. وعن النبي: «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له؛ قال له الملك: ولك مثل ذلك» فذلك النصيب. والدعوة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقد كف بأسهم) أتى بقوله: ((قد)) للتحقيق، مشيراً به إلى أن (عَسَى) استعمل للتحقيق. قال الزجاج: ((عسى)) في اللغة للطمع، والطمع والإشفاق من الله تعالى واجبٌ، كأنه قال: إن الله سيكف بأس الذين كفروا. قوله: (من دعا لأخيه) وفي روايةٍ لمسلم، عن أبي الدرداء، أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((ما من عبدٍ يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل))، والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعاً للكلام وتمكيناً، قاله صاحب ((النهاية)). قوله: (فذلك النصيب) يريد أن معنى النصيب في قوله: (يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا)

стр. 1963

على المسلم بضد ذلك. (مُقِيتاً): شهيداً حفيظاً. وقيل: مقتدراً، وأقات على الشيء قال الزبير بن عبد المطلب: وَذِى ضِغْنٍ نَفَيْتُ السُّوءَ عَنْهُ … وَكُنْتُ عَلَى إسَاءَتِهِ مُقِيتَا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا المذكور، وفيه أن معنى الكفل بضد ذلك؛ ولذلك قال: ((والدعوة على المسلم بضد ذلك)). الراغب: فإن قيل: فلم فرق بينهما في الحسنة: (نَصِيبٌ)، وفي السيئة: (كِفْلٌ)؟ قيل: يجوز أنه لما كان النصيب يقال فيما يقل ويكثر، والكفل لا يقال إلا في المثل، جاء في السيئة بلفظ الكفل؛ تنبيهاً على معنى المماثلة، وإشارةً؟ إلى ما قال: (ومَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَهَا) [الأنعام: ١٦٠]، وقد قيل: الكفل أكثر ما يقال في الشيء الرديء، فنبه بلفظه على ذلك تنبيهاً على قوله: (وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) [الشورى: ٤٠]، فإن قيل: فقد قال: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ) [الحديد: ٢٨] وليس ذلك بمذموم، قيل: إنه عنى ها هنا بالكفلين: الكفلين من رحمته يتكفلان به من العذاب، فضارع اللفظان والمعنيان مختلفان، فلما حث الله تعالى في الآية المتقدمة على تكليف ما أمره وتحريض المؤمنين ورجائه الظفر بالكفار، بين ها هنا أن من أعان غيره في فعلٍ حسنٍ فله نصيبٌ في ثوابه، وإن أعانه في فعلٍ سيئ فله كفلٌ منه. وقلت: في الآية حثٌّ على الشفاعة الحسنة في حق الإخوان رجاء الثواب؛ ولهذا قال الشاعر: ومن يفرد الإخوان فيما ينوبهم … تصبه الليالي مرةً وهو مفرد قوله: (وذي ضغنٍ) البيت، الضغن: الحقد، يقول: رب ذي ضغنٍ علي كففت السوء عنه مع القدرة.

стр. 1964

وقال السموأل: أَلِي الْفَضْلُ أَمْ عَلَيّ إذَا حُو … سِبْتُ إنِّى عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ واشتقاقه من القوت؛ لأنه يمسك النفس ويحفظها. [(وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً)]. الأحسن منها أن يقول: وعليكم السلام ورحمة اللَّه، إذا قال: السلام عليكم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ألي الفضل أم علي) البيت، قبله: ليت شعري- وأشعرن- إذا ما … قربوها منشورةً ودعيت وأشعرن: جملةٌ معترضة، قربوها منشورة: عبارةٌ عن الصحف، كقوله تعالى: (وإذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) [التكوير: ١٠] ودعيت: أي: حين يدعى كل أناسٍ بإمامهم، وقوله: ((إني على الحساب مقيت)) جملةٌ أخرى وقعت سادةً مسد معمولي ((ليت شعري))، وعلقت بهمزةٍ مقدرةٍ يدل عليها قوله: ((ألي الفضل)). قوله: (واشتقاقه من القوت). قال الزجاج: (مُّقِيتًا): مشتقٌ من القوت، يقال: قت الرجل أقوته قوتاً: إذا حفظت نفسه بما يقوته، والقوت: اسم لذلك الشيء الذي يحفظ به النفس، والله الحفيظ؛ لأنه تعالى يعطي الشيء على قدر الحاجة من الحفظ. قوله: (الأحسن منها أن يقول: وعليكم السلام)، فسر التحية بالسلام لكونه سبباً للحياة، ثم عبر عنه بها عرفاً. الراغب: التحية من قولهم: حيا الله فلاناً، أي: جعل له حياةً، وذلك إخبارٌ ثم يجعل دعاءً، ثم يقال: وحيا فلانٌ فلاناً: إذا قال له ذلك وحكم به، كما يقال: أضللت فلاناً

стр. 1965

وأن يزيد: وبركاته إذا قال: ورحمة اللَّه. وروي: أنّ رجلاً قال لرسول اللَّه ﷺ : السلام عليك، فقال: «وعليك السلام ورحمة اللَّه». وقال آخر: السلام عليك ورحمة اللَّه، فقال: «وعليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته»، وقال آخر: السلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته، فقال «وعليك» فقال الرجل: نقصتنى، فأين ما قال اللَّه؟ وتلا الآية، فقال: "إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله". (أَوْ رُدُّوها): أو أجيبوها بمثلها، ورد السلام ورجعه: جوابه بمثله؛ لأن المجيب يرد قول المسلم ويكره، وجواب التسليمة واجب، وعن أبي يوسف ﵀: من قال لآخر: أقرئ فلاناً السلام، وجب عليه أن يفعل. وعن النخعي: السلام سنة والردّ فريضة، وعن ابن عباس: الردّ واجب، وما من رجلٍ يمرّ على قومٍ مسلمين فيسلم عليهم ولا يردّون عليه، إلا نزع عنهم روح القدس، وردّت عليه الملائكة. ولا يرد السلام في الخطبة وقراءة القرآن جهراً، ورواية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأرشدته، إذا حكمت بذلك. وأصل التحية من الحياة، ثم يقال لكل دعاءٍ: ((تحيةٌ))، لكون جميعه غير خارجٍ عن كونه حياةً أو سبب حياة: إما دنيوية وإما أخروية. وإن قيل: على أي وجهٍ جعل قولهم: ((السلام)) تحية الملتقيين؟ قيل: السلام والسلم واحد، بدليل قوله: (فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ) [الذاريات: ٢٥]، ولما كان الملتقيان من الأجانب قد يحذر أحدهما الآخر؛ استعمل هذه اللفظة تنبيهاً من المخاطِب أني بذلت لك ذلك وطلبته منك، ونبه المجيب إذا قال: وعليك السلام على نحو ذلك، ثم صار ذلك مستعملاً في الأجانب والأقارب والأعادي والأصادق، تنبيهاً أني أسأل الله ذلك لك. قوله: (وجواب التسليمة واجب) ثم قوله: (والرد فريضة)، يدل على أن الفرض والواجب سيان. قوله: (نزع عنهم روح القدس). النهاية: أصل النزع: الجذب والقلع، ومنه نزع القوس: إذا جذبها، قيل: معناه: نزع التأييد والتوفيق والبركة، وروح القدس: جبريل، ومنه

стр. 1966

الحديث، وعند مذاكرة العلم، والأذان، والإقامة. وعن أبي يوسف: لا يسلم على لاعب النرد والشطرنج، والمغني، والقاعد لحاجته، ومطير الحمام، والعاري من غير عذرٍ في حمام أو غيره. وذكر الطحاوي أن المستحب ردّ السلام على الطهارة. وعن النبي ﷺ أنه تيمم لردّ السلام. قالوا: ويسلم الرجل إذا دخل على امرأته، ولا يسلم على أجنبية، ويسلم الماشي على القاعد، والراكب على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر، وإذا التقيا ابتدرا. وعن أبي حنيفة: لا يُجهر بالرد. يعني: الجهر الكثير. وعن النبي ﷺ : «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم»، أي: وعليكم ما قلتم؛ لأنهم كانوا يقولون: السام عليكم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ما جاء في حديث عائشة ﵂ لحسان: ((إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله)). أي: إن شعرك الذي تنافح به عن الله وعن رسوله يلهمك الملك سبيله، نافح أي: دافع، والمنافحة والمكافحة: المدافعة والمضاربة. قوله: (وعن النبي ﷺ : أنه تيمم لرد السلام) عن أبي الجهيم قال: أقبل رسول الله ﷺ من الغائط، فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه حتى أقبل على الحائط، فوضع يده على الحائط ثم مسح وجهه ويديه، ثم رد على الرجل السلام، رواه البخاري ومسلم وغيرهما. قوله: (ويسلم الماشي على القاعد) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير))، أخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود. قوله: (إذا سلم عليكم أهل الكتاب) عن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك، فقل: وعليك))، أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.

стр. 1967

وروي: «لا تبتدئ اليهوديّ بالسلام، وإن بدأك فقل: وعليك». وعن الحسن: يجوز أن تقول للكافر: وعليك السلام، ولا تقل: ورحمة اللَّه؛ فإنها استغفار. وعن الشعبي: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ورووا عن أنس، أن النبي ﷺ قال: ((إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم))، قال صاحب ((الجامع)): السام: الموت. قال الخطابي: عامة المحدثين يروون هذا الحديث بإثبات الواو في ((وعليكم))، وكان سفيان بن عيينة يرويه بغير واو، وقال: هو الصواب؛ لأنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردوداً عليهم خاصة، وإذا أثبت الواو وقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه؛ لأن الواو تجمع بين الشيئين. وقلت: روينا في ((صحيح البخاري)) من عدة نسخ مقروءة، عن أنس بن مالكٍ رضي اله عنه، قال: مر يهوديٌّ برسول الله ﷺ ، فقال: السام عليك، فقال رسول الله ﷺ : ((وعليك))، قال رسول الله ﷺ : ((أتدرون ما يقول؟ قال: السام عليك))، قالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ قال: ((لا، إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم)) في الموضعين بالواو، وقد تكرر أن بدخول الواو العاطفة قد تقطع عن ما عطفت عليه لإفادة العموم بحسب اقتضاء المقام، فيقدر: عليك اللعنة وعليك الغضب وعليك السام ونحوها، يؤيده ما روينا أيضاً في ((الصحيح)) عن عائشة قالت: استأذن رهطٌ من اليهود على النبي ﷺ ، فقالوا: السام عليك، فقلت: بل عليكم السام واللعنة، فقال: ((يا عائشة، إن الله رفيقٌ يحب الرفق بالأمر كله))، قلت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: ((قلت: وعليكم)) يريد- والله أعلم- أني قلت ما قلت وزدت عليه لكن بالرفق. قوله: (يجوز أن تقول للكافر: وعليكم السلام). الراغب: حق من يؤتى شيئاً أن يؤتي مثله وأحسن منه، والسلام ها هنا السلم، وهو أصله، قال: وهذا أمرٌ منه تعالى أن من

стр. 1968

أنه قال لنصراني سلم عليه: وعليك السلام ورحمة اللَّه، فقيل له، فقال: أليس في رحمة اللَّه يعيش؟ وقد رخص بعض العلماء في أن يبدأ أهل الذمة بالسلام إذا دعت إلى ذلك حادثة تحوج إليهم، وروي ذلك عن النخعي. وعن أبي حنيفة: لا تبدأه بالسلام في كتابٍ ولا غيره. وعن أبي يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم، وإذا دخلت فقل: السلام على من اتبع الهدى، ولا بأس بالدعاء له بما يصلحه في دنياه. (عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) أي: يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها. [(اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً)]. (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ): إما خبر مبتدأ، وإما اعتراض، والخبر (لَيَجْمَعَنَّكُمْ)، ومعناه: (اللَّه) - واللَّه - (ليجمعنكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بذل لكم السلام من الكفار- بأن يروم الدخول في الشرع- فابذلوا له، كقوله تعالى: (وإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) [الأنفال: ٦١] وأمره بأن يرد على باذلها مثلها، وذلك بأن يبذل له الأمان مما خافه أو أكثر منه، بأن يبين أن له ما له وعليه ما عليه من النصرة والموالاة. قوله: (وقد رخص بعض العلماء في أن يبدأ أهل الذمة بالسلام). روينا عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه))، أخرجه مسلمٌ وأبو داود والترمذي. قوله: ((اللَّهُ) - والله- (لَيَجْمَعَنَّكُمْ)) فالقسم مع جوابه خبر (اللَّهُ)، تأويله ما مضى في قوله: (لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ) [النساء: ٧٢].

стр. 1969

أي: ليحشرنكم إليه. والقيامة والقيام، كالطلابة والطلاب، وهي: قيامهم من القبور، أو قيامهم للحساب، قال اللَّه تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) [المطففين: ٦]. (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً)؛ لأنه عز وعلا صادق لا يجوز عليه الكذب؛ وذلك أنّ الكذب مستقل بصارفٍ عن الإقدام عليه وهو قبحه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: ليحشرنكم إليه)، قال أبو البقاء: (إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)، قيل: التقدير: في يوم القيامة، وقيل: هي على بابها، أي: ليجمعنكم من القبور، فعلى هذا يجوز أن يكون حالاً، أي: يجمعنكم مفضين إلى حساب يوم القيامة. والمصنف ما ذهب إلى الحال ولا إلى التضمين؛ بل سلك فيه طرق المجاز بحسب مقتضى التركيب، فإن القسم في قوله: ((والله ليجمعنكم إلى يوم القيامة)) يوجب اضطرار الناس إلى أن يجتمعوا فيه، وهو معنى ((ليحشرنكم إليه)) أي: يضطركم إلى المحشر، قال في ((الأساس)): حشرت السنة الناس: أهبطتهم إلى الأمصار. قوله: (لأنه عز وعلا صادقٌ) تعليلٌ لمعنى المبالغة الذي يعطيه قوله: (ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)، وذلك من تخصيص اسمه الجامع، و ((من)) الاستفهامية وبناء أفعل لمطلق الزيادة، يعني أن من اسمه الله كيف يجوز عليه الكذب؟ لأنه كاملٌ في ذاته منزهٌ عن النقائص، والكذب نقيصةٌ فبينهما تناف. قوله: (مستقلٌّ بصارف). قال الجوهري: يقال: أقل الجرة: أطاق حملها. النهاية: وفي حديث العباس: ((فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع)). يقال: أقل الشيء يقله: إذا رفعه وحمله، وقال: الاستقلال بمعنى الارتفاع والاستبداد، فقوله: ((مستقلٌّ بصارف)) أي: مستبدٌّ بما يصرف القائل عن الإقدام عليه وهو قبحه، أي: قبحه وحده يصرف الكذاب عن التكلم به.

стр. 1970

ووجه قبحه الذي هو كونه كذباً وإخباراً عن الشيء بخلاف ما هو عليه، فمن كذب لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يكذب؛ ليجرّ منفعةً أو يدفع مضرة، أو هو غنيٌّ عنه، إلا أنه يجهل غناه، أو هو جاهلٌ بقبحه، أو هو سفيهٌ لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره، ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق. وعن بعض السفهاء: أنه عوتب على الكذب فقال: لو غرغرت لهواتك به ما فارقته. وقيل لكذاب: هل صدقت قط؟ فقال: لولا أني صادق في قولي: لا، لقلتها. فكان الحكيم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ووجه قبحه) مبتدأ، والخبر: الموصول مع صلته، والضمير المرفوع في الصلة عائدٌ إليه، أو يقال: إن الموصول مقحم، كقراءة من قرأ: ((الذين من قبلكم))، قال: أقحم الموصول الثاني من الأول وصلته، وفي بعض النسخ: ((وجه قبحه هو كونه كذباً)) وهو الوجه، وقيل: ووجه قبحه، معطوفٌ على قوله: ((قبحه))، ودل الموصول على هذا؛ أي: الصارف هو قبحه ووجه قبحه أي: سبب قبحه، ثم وصف قوله: ((وجه قبحه)) بقوله: ((الذي … )) إلى آخره، فكأنه أشار إلى أن قبح الكذب ذاتيٌّ، ففيه تعسف. قوله: (لو غرغرت لهواتُك)، وروي: ((لهَواتِك)) بالنصب على أنه مفعول، يقال: الراعي يغرغر بصوته، أي: يردده في حلقه. النهاية: اللهوات: جمع لهاتٍ، وهي لحماتٌ في سقف أقصى الفم، وإنما خصها بالذكر لأنه ما يتلذذ به الإنسان من المأكول والمشروب ينتهي إليها، قال ابن هانئ: إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى … دعا همه من صدره برحيل وخص الغرغرة لإرادة الإكثار منه، ولعل هذا القائل ما أطرق سمعه ما روينا عن الترمذي، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا كذب العبد تباعد عنه الملك ميلاً من نتن ما جاء به)).

стр. 1971

الغني الذي لا يجوز عليه الحاجات، العالم بكل معلومٍ منزهاً عنه كما هو منزه عن سائر القبائح. [(فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً)]. (فِئَتَيْنِ) نصب على الحال، كقولك: مالك قائماً. روي أنّ قوما من المنافقين استأذنوا رسول اللَّه ﷺ في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلةً مرحلةً حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون فيهم، فقال ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فِئَتَيْنِ) نصبٌ على الحال) قال القاضي: عامله (لَكُمْ) كقولك: ما لك قائماً، و (فِي المُنَافِقِينَ) حالٌ من (فِئَتَيْنِ) أي: متفرقين فيهم، أو من الضمير، أي: فما لكم تفترقون فيهم، ومعنى الافتراق يفيده قوله: (فِئَتَيْنِ)، قال أبو البقاء: يجوز أن يكون (فِي المُنَافِقِينَ)) حالاً من (فِئَتَيْنِ) أي: فئتين مفترقتين في المنافقين، فلما قدمه نصبه على الحال. وقال الزجاج: قال سيبويه: إذا قلت: ما لك قائماً؟ فمعناه: لم قمت؟ ونصب على تأويل: أي شيءٍ يستقر لك في هذه الحال؟ قوله: (باجتواء المدينة). النهاية: في حديث العرنيين: ((فاجتووا المدينة))، أي: أصابهم الجوى، وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها واستوخموها، ويقال: اجتويت البلد: إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة. المغرب: عرنة: وادٍ بحذاء عرفات، وبتصغيرها سميت عرينة، وهي قبيلةٌ ينسب إليها العرنيون.

стр. 1972

بعضهم: هم كفار. وقال بعضهم: هم مسلمون. وقيل: كانوا قوماً هاجروا من مكة ثم بدا لهم، فرجعوا وكتبوا إلى رسول اللَّه: إنا على دينك، وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا. وقيل: هم قوم خرجوا مع رسول اللَّه يوم أُحدٍ ثم رجعوا. وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا بساراً. وقيل: هم قوم أظهروا الإسلام وقعدوا عن الهجرة. ومعناه: ما لكم اختلفتم في شأن قوم نافقوا نفاقاً ظاهراً، وتفرقتم فيه فرقتين؟ وما لكم لم تبتوا القول بكفرهم؟ (وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ)، أي: ردهم في حكم المشركين كما كانوا. (بِما كَسَبُوا) من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين، واحتيالهم على رسول اللَّه ﷺ ، أو: (أركسهم) في الكفر بأن خذلهم حتى ارتكسوا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إنا على دينك) حكاية ما كتبوا، لكن قوله: ((وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة)) لا يستقيم مع قوله: ((كانوا قوماً هاجروا من مكة))، إلا أن يقال: هاجروا من مكة إلى المدينة، ثم بدا لهم فرجعوا. قوله: (أغاروا على السرح) أي: النعم السارحة. النهاية: السرح: اسم جمعٍ وليس بتكسير ((سارح))، أو هو تسميةٌ بالمصدر مبالغة. قوله: (قتلوا يساراً). الاستيعاب: يسار: مولى رسول الله ﷺ ، وكان نوبياً، وهو الراعي الذي قتله العرنيون الذين استاقوا ذود رسول الله ﷺ فقطعوا يديه ورجليه وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات. قوله: ((أَرْكَسَهُم) أي: ردهم في حكم المشركين). الراغب: الركس والنكس: الرذل، والركس أبلغ؛ لأن النكس: ما جعل أسفله أعلاه، والركس: ما جعل رجيعاً بعد ما كان طعاماً، فهو كالرجس، يقال: أركسه وركسه، وأركس أبلغ، كما أن ((أسقاه)) أبلغ من ((سقاه)).

стр. 1973

فيه لما علم من مرض قلوبهم. (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا): أن تجعلوا من جملة المهتدين (مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ): من جعله من جملة الضلال وحكم عليه بذلك، أو خذله حتى ضلّ. وقرئ: (رَكَسَهم)، و (رُكِسوا فيها). [(وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مَن جعَله مِن جُملةِ الضُّلاّل) مبنيُّ على تفسيرِ ﴿أرّكَسَهُم﴾ بقوله: "رَدَّهم في حُكم المشركين"، وقوله: "أو خَذَلَه حتَّى ضَلَّ" على تفسيرِه بقولهِ: أرّكَسَهُم﴾ في الكُفر بأن خَذَلَهم"، فعلى الأول: ﴿أرّكَسَهُم﴾ مُطلق؛ ولذلك أدخَلَهم في زُمرةِ المشركين، وعلى الثاني: متعلقُهُ ما يُعْلَمُ من الإنكارِ في قولهِ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ أي: فِرقتَيْن، يقولون: أهم مؤمنونَ أم كافرون؟ ثم قولُه: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ إنكار بعدَ إنكار، وقولُه: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ تذييلٌ للتأكيد بقَلْعِ قاعدةِ بناءِ الاعتزالِ وبهَدْمِ بناءِ التفسيرين عليها، ألا ترى كيف أعادَ الاسمَ الجامعَ المفيدَ في هذا المقام معنى الجَبَروتِ مرَّتينِ وعدَلَ من خطابِ الجماعةِ إلى خطابِ العامِّ ليَدخُلَ فيه كلُّ من يتأَتَّى منهُ الوِجْدان، ومِن جُملتِهم الضُّلال! ونكَّر ﴿سَبيلاً﴾ أي: لا تجدُ أيُّها المخاطبُ أي سبيلٍ تريد بأي وجهٍ كان. قوله: (ورُكِسوا فيها) يعني: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩١]، فإنه قُرئ هناك: "ورُكِسُوا فيها"، وإنما ذكره هاهنا لن كليهما بابُ الإفعال، وقُرِئ في القراءة الشاذة بالتفعيل مع أنهما من أصلٍ واحد، ولا يجوزُ أن يقال: قُرِئَ: "ورُكِسوا" فيها- أي: في هذه الآية - لفسادِ المعنى.

стр. 1974

نَصِيراً* إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً* سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَامَنُوكُمْ وَيَامَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً)]. (فَتَكُونُونَ): عطف على (تَكْفُرُونَ)، ولو نصب على جواب التمني لجاز. والمعنى: ودّوا كفركم فكونكم معهم شرعاً واحداً فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء. فلا تتولوهم وإن آمنوا حتى يظاهروا إيمانهم بهجرة صحيحةٍ هي للَّه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فكَوْنكُم معهم شَرعاً). النِّهاية: في الحديثِ "أنتُم فيه شَرَعٌ سواءٌ"، أي: مُتساوونَ لا فضلَ لأحدِكم فيه على الآخَر. قولُه: (فلا تتوَلَّوهُم وإن آمنوا حتَّى يُظاهِروا) تفسيرٌ لقوله: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، جعل ﴿حَتَّى﴾ غاية للمقدار، وهُو الإيمان؛ لأن الهجرة غيرُ نافعةٍ بدونِه، قوله: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ مسبب عن قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾، و ﴿وَدُّوا﴾ بدلٌ من قوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء ٨٨]، والكلام مصبوبٌ في قالبٍ واحد، يعني: ما لكم تختلفونَ في أمرِ أقوام منافقينَ؟ والحالُ أن اللهَ تعالى رَدَّهم في حُكم المشركينَ بسببِ ما كسبوا، وهُو وِدادتُهم كُفرَكم، وإذا كان كذلك فلا تختلفوا فيهم ولا تتولَّوْهم حتى يُهاجِروا في سبيل الله، أي: يَرجِعوا من جميع ذلك رُجوعاً كالمُهاجَرةِ منَ الأوطان، فإن توَلَّوا عن هذه المُهاجَرةِ فحُكمُهم حُكمُ المشركينَ بأن يُقتَلوا حيثُ وُجدوا، وبأن يُجانبوا مُجانبةً كُلِّية. ولا يُستبعَدُ حملُ المُهاجَرةِ على المُجانبة عنِ الذنوب والمخالفةِ لأمرِ الله؛ لما ورَدَ عن النبيِّ ﷺ : "المسلمُ مَن سَلِمَ المسلمونَ مِن لسانهِ ويَدِه، والمُهاجِر مَن هجرَ ما نهى اللهُ عنه". أخرجَه البخاريُ وأبو داود، عن عبدِ الله بن عَمْرو.

стр. 1975

ولرسوله، لا لغرضٍ من أغراض الدنيا، مستقيمةٍ ليس بعدها بداء ولا تعرّب. (فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة المستقيمة فحكمهم حكم سائر المشركين يقتلون حيث وجدوا في الحلّ والحرم، وجانبوهم مجانبةً كليةً، وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم. (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ): استثناء من قوله: (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ)، ومعنى: (يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ): ينتهون إليهم ويتصلون بهم. وعن أبي عبيدة: هو من الانتساب، وصلت إلى فلانٍ واتصلت به: إذا انتميت إليه. وقيل: إن الانتساب لا أثر له في منع القتال، فقد قاتل رسول اللَّه بمن معه من هو من أنسبائهم. والقوم هم الأسلميون؛ كان بينهم وبين رسول اللَّه عهد؛ وذلك أنه وادع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: الهجرة: تَرْكُ الشيءِ والإعراضُ عنه، مكاناً كان أو خليطاًن وسُمِّي القبيحُ منَ الكلامِ هُجْرا، وسُمِّي المُهاجِرُ، لتركه وطنه، وصار اسم مدحٍ في الإسلام، وسُمِّي مَن رفضَ فُضولاتِ شهواتِه: مُهاجراً. ثم إن المصنفَ وضعَ موضعَ ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ قوله: "يُقتلُونَ حيث وُجدوا"، وموضعَ ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ "جانبوهم مجانبة كلية" إلى آخره؛ بياناً لمعنى الاستمرار. وأما قولُه: "جانبوهم مجانبةً كلية" فإخراجٌ للكلامِ على غيرِ مقتضى الظاهر؛ إذ الظاهر "وتجانبون"؛ ليقعا خبرينِ للإيذانِ بشدةِ المجانبة، وذلك من تكرير قوله: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾؛ ومِن ثمَّ بالغَ فيه حيثُ قال: "مجانبةً كلية وإن بذلَوا لكُم الولايةَ والنصرةَ" يعني: لا يوجد منكم ولايةٌ لهم قط؛ فداوموا على العداوة. قوله: (ليس بعَدها بداءٌ ولا تعرُّب) مثل لترك التذبذب لا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاء، وبداء أي: نزول بالبادية، ولا تعرب، أي: عودٌ إلى العرب الذين يسكنون المدن. قوله: (استثناء من قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ أي: من الضمير في ﴿فَخُذُوهُمْ﴾، لا من الضمير في ﴿فَلا تَتَّخِذُوا﴾ وإن كان أقربَ لأن اتخاذَ الوليِّ منهم حرامٌ.

стр. 1976

وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أنّ من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال. وقيل: القوم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح أَوْ جاؤُكُمْ لا يخلو من أن يكون معطوفاً على صفة قوم، كأنه قيل: إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم؛ أو على صلة (الذين)، كأنه قيل: إلا الذين يتصلون بالمعاهدين، أو الذين لا يقاتلونكم. والوجه العطف على الصلة لقوله: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) بعد قوله: (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)، فقرّر أن كفهم عن القتال أحد سببى استحقاقهم لنفي التعرض ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ممسكينَ عن القتال، لا لكم ولا عليكم) تفسيرٌ لقوله: ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ أي: لأجلكم. قوله: (والوجه العطفُ على الصِّلة) لقوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ يعني: مجيء قوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ يشعر بأن السبب عن المنع عن التعرض لهم شيئان، أحدهما: اتصالهم بقوم معاهدين، وثانيهما: كفهم عن القتال بسبب إظهار أن قلوبهم تنقبض عن مقاتلتكم، فيكونُ قوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ مقررا للسبب الثاني، يعني: إن جاؤوكم يريدون الإمساك عن القتال لا لكم ولا عليكم فإن تموا على هذا بأن اعتزلوكم وألقوا إليكم السَّلَمَ؛ فلا تتعرضوا لهم البتة. وإذا عطفَ على الصفة يبقى سببُ عدم التعرُّضِ واحداً، وهو أن يصلوا إلى قوم معاهدين أو إلى قوم كافِّينَ فلا يكون قوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ﴾ مقرراً لقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾؛ لأن ذلك وصف لقول آخرين غير من ترتب عليه قوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾؛ لأنه مترتب على قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ ثم أورد السؤال وقال: "كل واحدٍ من الاتصالين له تأثير" إلى آخره، وهو ظاهر. قوله: (فقرر أن كفهم عن القتال) فاعله: مجيء قوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ﴾، وعلى هذا قوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ تقرير لحكم اتصالهم.

стр. 1977

عنهم، وترك الإيقاع بهم. فإن قلت: كل واحدٍ من الاتصالين له تأثير في صحة الاستثناء، واستحقاق إزالة التعرّض الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالمكافين، لأنّ الاتصال بهؤلاء أو هؤلاء دخول في حكمهم، فهلا جوزت أن يكون العطف على صفة (قوم)، ويكون قوله: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ) تقريراً لحكم اتصالهم بالمكافين واختلاطهم بهم وجريهم على سننهم! قلت: هو جائزٌ ولكن الأول أظهر وأجرى على أسلوب الكلام. وفي قراءة أبيّ: (بينكم وبينهم ميثاق جاؤوكم حصرت صدورهم) بغير "أو"، ووجهه أن يكون: (جاؤُكُمْ)، بياناً لـ (يصلون)، أو بدلاً، أو استئنافاً، أو صفة بعد صفةٍ لـ (قوم). (حصرت صدورهم) في موضع الحال بإضمار "قد"؛ والدليل عليه قراءة من قرأ: (حصرةً صدورهم) و (حصرات صدورهم). و (حاصراتٍ صدورهم)، وجعله المبرد صفة لموصوف محذوفٍ على: أو جاؤوكم قوماً حصرت صدورهم. وقيل: ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أظهرُ وأجرى على أسلوب الكلام)، وذلك أن قوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَامَنُوكُمْ وَيَامَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ مشابه لقوله: ﴿جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾، وقد رتب عليه قوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ﴾ الآية، فالأولى جرى الكلام على أسلوب واحد وأن يترتب قوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ على قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ حتى يكون المراد من قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ وقول: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ هم الذين تولوا وأعرضوا عن الإيمان، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ جملة معترضة للامتنان على المؤمنين، وتعليل بأن حصر صدورهم ما كان إلا لقذف الله الرعب فيها. قوله: (أو جاؤوم قوماً حصرت صدورهم) فعلى هذا "قوماً" حال موطئة، كقوله تعالى: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ [يوسف: ٢].

стр. 1978

هو بيان لـ (جاؤكم)، وهم بنو مدلج؛ جاءوا رسول اللَّه غير مقاتلين، والحصر: الضيق والانقباض. (أَنْ يُقاتِلُوكُمْ): عن أن يقاتلوكم، أو كراهة أن يقاتلوكم. فإن قلت: كيف يجوز أن يسلط اللَّه الكفرة على المؤمنين؟ قلت: ما كانت مكافتهم إلا لقذف اللَّه الرعب في قلوبهم، ولو شاء لمصلحةٍ يراها من ابتلاءٍ ونحوه لم يقذفه، فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين، فذلك معنى التسليط. وقرئ: (فلقتلوكم) بالتخفيف والتشديد. (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ): فإن لم يتعرضوا لكم، (وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ)، أي: الانقياد والاستسلام. وقرئ بسكون اللام مع فتح السين، (فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا): فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم. (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ): هم قوم من أسدٍ وغطفان، وكانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم. (كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ) كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين (أُرْكِسُوا فِيها): قلبوا فيها أقبح قلبٍ وأشنعه، وكانوا شراً فيها من كل عدوّ. (حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ): حيث تمكنتم منهم. (سُلْطاناً مُبِيناً): حجةً واضحةً لظهور عداوتهم، وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام أو تسلطا ظاهراً حيث أذنا لكم في قتلهم. [(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هو بيان لـ ﴿جَاءُوكُمْ﴾ وذلك أن مجيئهم غير مقاتلين، و ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ في معنى واحد. قوله: (وهم بنو مدلج) بالضم، قيل: بنو مدلج: قبيلة من كنانة، وهم القافة. قوله: (﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه) الأساس. أركَسَه ورَكَسَه: قلبه على رأسه، وهو مركوسٌ منكوس.

стр. 1979

رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً* وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً)]. (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ) وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله، كقوله: (وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) [آل عمران: ١٦١]، (وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها) [الأعراف: ٨٩]. (أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً) ابتداءً غير قصاص (إِلَّا خَطَأً): إلا على وجه الخطأ. فإن قلت: بم انتصب (خطأ)؟ قلت: بأنه مفعول له، أي: ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده. ويجوز أن يكون حالاً بمعنى لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ، وأن يكون صفةً للمصدر إلا قتلاً خطأ. والمعنى أن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد؛ بأن يرمى كافراً فيصيب مسلماً، أو يرمى شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم. وقرئ: (خطاءً) بالمد، و (خطاً) بوزن "عمىً" بتخفيف الهمزة. وروي أنّ عياش بن أبي ربيعة - وكان أخا أبي جهلٍ لأمّه - أسلم وهاجر خوفاً من قومه إلى المدينة، وذلك قبل هجرة رسول اللَّه ﷺ ، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا يؤويها سقفٌ حتى يرجع، فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبى أنيسة فأتياه وهو في أُطم، ففتل منه أبو جهلٍ في الذروة والغارب، وقال: أليس محمد يحثك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في أُطُم). النهاية: الأطمُ بالضم: بناء مرتفع، وجمعه: آطامٌ. قوله: (ففتَلَ منه أبو جهل). النهاية: وفي حديث الزبير: فما زال يَفِتلُ في الذروةِ والغاربش حتى أجابته عائشةُ ﵂ إلى الخروج، والغاربُ: مقدمُ السَّنام، والذِّروة:

стр. 1980

على صلة الرحم؟ انصرف وبرّ أمك، وأنت على دينك، حتى نزل وذهب معهما، فلما فسحا عن المدينة كتفاه وجلده كل واحدٍ مائة جلدة، فقال للحارث: هذا أخي فمن أنت يا حارث؟ للَّه عليّ إن وجدتك خالياً أن أقتلك، وقدما به على أمه، فحلفت لا يحل كتافه أو يرتد، ففعل ثم هاجر بعد ذلك وأسلم. وأسلم الحارث وهاجر، فلقيه عياشٌ بظهر قباء، ولم يشعر بإسلامه، فأنحى عليه فقتله، ثم أخبر بإسلامه فأتى رسول اللَّه ﷺ فقال: قتلته ولم أشعر بإسلامه؛ فنزلت. (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) فعليه تحرير رقبة، والتحرير: الإعتاق، والحر والعتيق: الكريم؛ لأن الكرم في الأحرار، كما أن اللؤم في العبيد، ومنه: عتاق الخيل وعتاق الطير؛ لكرامها، وحرّ الوجه: أكرم موضعٍ منه، وقولهم للئيم: عبد، وفلان عبد الفعل، أي: لئيم الفعل. والرقبة: عبارة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أعلاه، أي: لا زال يُخادعُها ويتلطَّفُها حتى أجابته. والأصل فيه أن الرجل إذا أراد أن يؤنس البعير الصعب ليزمه فينقاد له، جعل يمر يده عليه ويمسح غاربه ويفتل وبره حتى يستأنس ويضع عليه الزمام. قوله: (كتافُه) كتفت الرجلَ: شددت يديه إلى خلفٍ بالكتاف، وهو حبل. قوله: (فسحا عن المدينة) أي: بعدا. النهاية: وفي حديث أم زرع: وبيتها فساح، أي: واسع. قوله: (قباء). المُغرب: قُباءُ بالضم والمد: من قُرى المدينة، يُنَوَّنُ ولا يُنوَّن. قوله: (فأنحَى عليه) أي: أقبل عليه. الأساس: أنحى عليه باللوائم: إذا أقبل عليه، وأنحى عليه بالسوط والسيف.

стр. 1981

عن النسمة، كما عبر عنها بالرأس في قولهم: فلان يملك كذا رأسا من الرقيق. والمراد برقبة مؤمنة: كل رقبة كانت على حكم الإسلام عند عامة العلماء. وعن الحسن: لا تجزئ إلا رقبة قد صلت وصامت ولا تجزئ الصغيرةن وقاس عليها الشافعي كفارة الظهار، فاشترط الإيمان. وقيل: لما أخرج نفسا مؤمنة عن جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار؛ لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار. ﴿مسلمة إلى أهله﴾: مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث، لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء؛ يقضى منها الدين، وتنفذ الوصية، وإذا لم يبق وارثا فهي لبيت المال؛ لأن المسلمين يقومون مقام الورثة، كما قال رسول الله ﷺ : (أنا وارث من لا وارث له)، وعن عمر ﵁: أنه قضى بدية المقتول، فجاءت امرأته تطلب ميراثها من عقله، فقال: لا أعلم لك شيئا، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه، فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال: كتب إلي رسول الله ﷺ يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم، فورثها عمر. وعن ابن مسعود: يرث كل وارث من الدية غير القاتل. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عن النسمة). النهاية: النسمةُ: النفس والروح، وكل دابة فيها روح فهي نسمة، وإنما يُراد الناس. قوله: (كانت على حكم الإسلام) أي: محكوماً عليها بالإسلام؛ وإن كانت صغيرة. قاله القاضي. قوله: (يعقلون عنه). المغُرب: عقلتُ القتيل: أعطيت ديته، وعقلت عن القاتل: لزمته ديته فأديتها عنه. النهاية: العقل: الدية، وأصله أن القاتل كان إذا قتل قتيلاً جمع الدية من الإبل، فعقلها بفناء أولياء المقتول، أي: شدها في عقلها ليسلمها إليهم، فسميت الدية عقلاً بالمصدر.

стр. 1982

وعن شريك: لا يقضى من الدية دين، ولا تنفذ وصية. وعن ربيعة: الغرة لأم الجنين وحدها، وذلك خلاف قول الجماعة. (فإن قلت): على من تجب الرقبة والدية؟ قلت: على القاتل إلا أن الرقبة في ماله، والدية تتحملها عنه العاقلة، فإن لم تكن له عاقلة فهي في بيت المال، فإن لم يكن، ففي ماله (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا): إلا أن يتصدقوا عليه بالدية، ومعناه: العفو، كقوله: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) [البقرة: ٢٣٧]، ونحوه: (وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة: ٢٨٠]. وعن النبي ﷺ : «كل معروف صدقة». وقرأ أبيّ: (إلا أن يتصدقوا). فإن قلت: بم تعلق (أن يصدقوا) وما محله؟ قلت: تعلق بـ"عليه"، أو بـ (مسلمة)؛ كأنه قيل: وتجب عليه الدية، أو يسلمها إلا حين يتصدقون عليه، ومحلها النصب على الظرف بتقدير حذف الزمان، كقولهم: أجلس ما دام زيد جالساً، ويجوز أن يكون حالاً من (أهله)، بمعنى: إلا متصدقين. (مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ) من قومٍ كفارٍ أهل حرب؛ وذلك نحو رجل أسلم في قومه الكفار، وهو بين أظهرهم لم يفارقهم، فعلى قاتله الكفارة إذا قتله خطأ، وليس على عاقلته لأهله شيء، لأنهم كفار محاربون. وقيل: كان الرجل يسلم ثم يأتي قومه وهم مشركون، فيغزوهم جيش المسلمين، فيقتل فيهم خطأ؛ لأنهم يظنونه كافراً مثلهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (العاقلة). النهاية: هم العصبة والأقارب من قبل الأب الذين يُعطون دية قتيل الخطأ، وهي صفة جماعة عاقلة، وأصلها: اسم فاعلة من العقل، وهي من الصفات الغالية. قوله: (بم تعلق ﴿أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾؟ ) إشارة إلى أن الاستثناء مفرغ، و"إلا" لغوٌ، كقولك: قرأت إلا يوم الجمعة. قوله: (تعلق بـ "عليه")، قيل: بـ "عليه" المحذوف عند قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، هذا باطل؛ لأن تحرير الرقبة حق الله لا يسقط بعفو الولي. نعم، يجوز أن تتعلق بـ"عليه" المقدر في قوله: ﴿وَدِيَةٌ﴾؛ لأنها عطف على "تحرير"، وإليه أشار بقوله: "ويجب عليه الدية، أو يُسلمها إلا حين يتصدقون عليه". وإذا عُلِّق بـ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ يكون عطف "دية" على "تحرير" من قبيل الانسحاب عطف مفرد على مفرد.

стр. 1983

(وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ) كفرةٍ لهم ذمة؛ كالمشركين الذين عاهدوا المسلمين، وأهل الذمة من الكتابيين فحكمه حكم مسلم من مسلمين. (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) رقبةً، بمعنى: لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها؛ فعليه صِيامُ (شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ): قبولاً من اللَّه ورحمة منه، من "تاب اللَّه عليه" إذا قبل توبته، يعني: شرع ذلك توبةً منه، أو نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه. هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم، وخطب غليظ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فحكمه حكمُ مسلم من المسلمين) في وجوب الكفارة والدية، ولعل ذلك فيما إذا كان المقتول معاهداً وكان له وارث مسلم، قاله القاضي، وفيه نظرٌ. قوله: (شرع ذلك توبةً منه). قال القاضي: توبة: نصبٌ على المفعول له، أي: شرع ذلك توبة، أو على المصدر، أي: وتاب الله عليه توبة. قوله: (والإبراق والإرعاد). النهاية: في حديث ابني مليكة: إن أمنا ماتت حين رعد الإسلام وبرق، أي: حين جاء بوعيده وتهديده، يقال: رعد وبرق وأرعد وأبرق: إذا توعد وتهدد. روى شارح "الفصيح" عن أبي عمرو أنه احتج بقول الكميت: أرعد وأبرق ما تريد … ـد فما عيدك لي بضمائر الراغب: البرقُ: لمعان السحاب، يقال: برق وأبرق وبرق، يقال في كل ما يلمع كسيف: بارق، وبرق يقال في العين إذا اضطربت وجالت من خوف، قال تعالى: ﴿فَإِذَا

стр. 1984

ومن ثم روي عن ابن عباس ما روي: من أن توبة قاتل المؤمن عمداً غير مقبولة. وعن سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له، وذلك محمولٌ منهم على الاقتداء بسنة اللَّه في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنبٍ ممحو بالتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلاً. وفي الحديث: «لزوال الدنيا أهون على اللَّه من قتل امرئ مسلم». وفيه: «لو أن رجلاً قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه». وفيه: «إن هذا الإنسان بنيان اللَّه، ملعون من هدم بنيانه». وفيه «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] وتصور من البرق ما يظهر من تخويفه فقيل: برق فلان وأبرق: إذا تهدد. قوله: (عن ابن عباس: أن توبة قاتل المؤمن عمداً غير مقبولة)، هو ما روينا عن الترمذي وابن ماجه والنسائي، عن ابن عباس، أنه سئل عن من قتل مؤمناً متعمدا ًثم تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى، فقال ابن عباس: فأنى له التوبة وقد سمعت نبيكم ﷺ يقول: "يجيء المقتول متعلقاً بالقاتل تشخب أوداجه دماً فيقول: أي رب، سل هذا: فيم قتلني؟ " في قوله: "نبيكم" توبيخ للسائل. قوله: (لزوال الدنيا) الحديث رواه الترمذي وأبو داود، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ . قوله: (بشطر كلمة) الحديث أخرجه ابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁،

стр. 1985

القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة اللَّه». والعجب من قوم يقرؤون هذه الآية، ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس بمنع التوبة؛ ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة، واتباعهم هواهم، وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة؟ (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) [محمد: ٢٤]. ثم ذكر اللَّه التوبة في قتل الخطأ لما عسى يقع من ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قيل: قال سفيان: هو أن يقول في اقتل: اق. قوله: (أشعبيتهم وطماعيتهم) الثاني تفسير للأول، قال الميداني: أشعب: رجلٌ من المدينة يقال له: أشعب بن جبير، مولى عبد الله بن الزبير، وعن أبي عبيدة أنه اجتمع عليه غلمة يعاتبونه، وكان مزاحاً ظريفاً فآذاه الغلمة، فقال لهم: إن في دار فلان عرساً فانطلقوا إليه ثمة فهو أنفع لكم؛ فانطلقوا وتركوه، فلما مضوا قال: لعل الذي قلت حق فمضى في أثرهم فلم يجد شيئاً وظفروا به فآذوه. قوله: (ثم ذكر الله) قيل: هو عطف على الجملة المتقدمة من حيث المعنى، أي: ترك ذكر التوبة في هذه الآية مع الاحتياج إليها مانع عن الطمع، ثم ذكر التوبة في قتل الخطأ مع أنها غير محتاج إليها حسم للطمع؛ لأن معنى قوله: "والعجب … " إلى آخره: هو أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾ إلى آخره مانع عن الطمع. وقلت: هو عطف على قوله: "هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم" يعني: في هذه الآية من الدلالة على التهديد والوعيد ما بلغت غايتها حتى قال ابن عباس: إن توبة قاتل المؤمن عمداً غير مقبولة، وتعاضدت فيها بالأحاديث، ثم في مقارنتها مع الآية السابقة المشتملة على التوبة مع أنها مستغنية عنها - حسم للأطماع وأي حسم، فعلى هذا الآية الأولى كالتتميم للثانية، ولفظة "ثم" في كلام المصنف مشعرة بأن دلالة الاقتران أبلغ من سائر ما ساعدت الآية من الأحاديث.

стр. 1986

نوع تفريط فيما يجب من الاحتياط والتحفظ فيه؛ حسم للأطماع وأي حسم؟ ولكن لا حياة لمن تنادي! فإن قلت: هل فيها دليلٌ على خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما أبين الدليل فيها، وهو تناول قوله: (وَمَنْ يَقْتُلْ) أي قاتل كان من مسلمٍ أو كافرٍ، تائبٍ أو غير تائبٍ، إلا أن التائب أخرجه الدليل، فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولكن لا حياة لمن تنادي) أوله: لقد أسمعت لو ناديت حيًّا قبله: ونار لو نفخت بها أضاءت … ولكن أنت تنفخ في رماد قال أهل السنة: الله أكرم من أن يجمع من يوحده ومن يجحده في العذاب السرمد، وقد وعد بأنه يغفر ما دون الشرك، وإن رغم أنف من يتحجر الواسع! قوله: (فليأت بدليل مثله). قال الإمام: هذه الآية مخصوصة في موضعين، أحدهما: أن يكون القتل العمد غير عدوان كما في القصاص، والثاني: أن يكون القتل العمد العدوان متداركاً بالتوبة، وإذا ثبت [دخول] التخصيص فيه في الصورتين بالاتفاق فنحن نخصص أيضاً فيما إذا حصل العفو، بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: ٥٣]. وقال القاضي: الجمهور أن هذه الآية مخصصة بمن لم يتب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢] ونحوه، وهو عندنا إما مخصوص بالمستحل له كما ذكره عكرمة وغيره، وروى أنه نزل في مقيس بن صبابة وجد أخاه قتيلاً في بني النجار ولم يظهر قاتله، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يدفعوا إليه ديته، فدفعوا إليه، ثم حمل على مسلم فقتله ورجع إلى مكة

стр. 1987

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مرتداً، أو المراد بالخلود: المُكثُ الطويل؛ فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم. والذي يمكن أن يُقال- والعلم عند الله - أن الذي يقتضيه نظم الآيات أن الآية من أسلوب التغليظ، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فإنه قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: لم يحج، تغليظاً وتشديداً على تاركه. وقوله ﷺ للمقداد بن الأسود حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب: "لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال". أخرجه البخاري ومسلم. وبيانه: أن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً﴾ دل على أن قتل المؤمن ليس من شأن المؤمن، ولا يستقيم منه ولا يصح له ذلك، فإنه إن فعل خرج عن أن يقال: إنه مؤمن، ثم استثنى من هذا العام قتل الخطأ تأكيداً ومبالغة، أي: لا يصح ولا يستقيم إلا في هذه الحالة، وهذه الحالة منافية لقتل العمد، فإذا لا يصح منه قتل العمد البتة، ثم ذيل هذه المبالغة تغليظاً وتشديداً بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾، يعني: كيف يستقيم من المؤمن قتل المؤمن عمداً وأنه من شأن الكفار الذين جزاؤهم الخلود في النار وحلول غضب الله ولعنته عليهم، وإن شئت أن تحقق هذا المعنى فانظر إلى تفسيره لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ إلى قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] وإلى ما لخصناه فيه، ثم إلى قوله في تفسيره قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]: "كيف جعل ترك الزكاة من صفات

стр. 1988

[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكفار، أي: الكافرون هم الذين يتركون الزكاة"، فعلى المؤمن أن لا يتصف بصفتهم، وكتابه مشحون من هذا الأسلوب. والعجب أنه حمل قول ابن عباس في الآية على التغليظ والتشديد ونسي ذلك في الآية، لكن شغفه بمذهبه يدعوه إلى التناسي، والحق أنه إن صدر عن المؤمن مثل هذا الذنب فمات ولم يتب فحكمه إلى الله تعالى: إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه بقدر ما يشاء ثم يخرجه إلى الجنة، روينا في "سنن أبي داود"، عن أبي مجلز: هي جزاؤه، فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل، قال الواحدي: والأصل في هذا أن الله تعالى يجوز أن يُخلف الوعيد وإن كان لا يجوز أن يخلف الوعد، وبهذا وردت السنة، وأنشد للأول: وإني وإن أوعدته ووعدته … لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فإذن لا مدخل لذكر التوبة وتركها في الآية، ولا يُفتقر لإخراج المؤمن من النار إلى دليل كما قال، ولا إلى تخصيص العام كما ذهب إليه الإمام، ولا إلى تفسير الخلود بالمكث الطويل كما قال القاضي، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾

стр. 1989

(فَتَبَيَّنُوا)، وقرئ: (فتثبتوا)، وهما من التفعل بمعنى الاستفعال، أي: اطلبوا بيان الأمر وثباته، ولا تتهوكوا فيه من غير روية. وقرئ: (السلم) و (السلام) وهما الاستسلام، وقيل: الإسلام. وقيل: التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام. (لَسْتَ مُؤْمِناً)، وقرئ: (مؤمناً) بفتح الميم، من آمنه، أي: لا نؤمنك، وأصله: أن مرادس بن نهيكٍ رجلاً من أهل فدك، أسلم ولم يسلم من قومه غيره، فغزتهم سرية لرسول اللَّه ﷺ كان عليها غالب بن فضالة الليثي، فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقولٍ من الجبل وصعد فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل، وقال: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه، فأخبروا رسول اللَّه فوجد وجداً شديداً، وقال: "قتلتموه إرادة ما معه"، ثم قرأ الآية على أسامة، فقال: يا رسول اللَّه استغفر لي، قال: "فكيف بلا إله إلا اللَّه"؟ قال أسامة: فما زال يعيدها حتى وددت أن لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي، وقال: "أعتق رقبة". (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا): تطلبون الغنيمة التي هي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا تتهوكوا). النهاية: التهوك: التحير، وفي الحديث: "أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ ". قوله: (فغزتهم سريةٌ … كان عليها غالب بن فضالة)، وفي "الاستيعاب": أن مرداس ابن نهيك الفزاري كان يرعى غنماً، فهجمت عليه سرية رسول الله ﷺ وفيها أسامة بن زيد وأميرها سلمة بن الأكوع، ثم ذكر ما ذكره المصنف مع تغيير فيه. قوله: (عاقول من الجبل). الجوهري: العاقول من النهر والوادي والرمل: المعوج منه. قوله: (فكيف بلا إله إلا الله؟ ! ) أي: كيف تصنع لو خاصمتك هذه الكلمة؟

стр. 1990

حطام سريع النفاد، فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه. (فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ) يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوّذ به من التعرض له لتأخذوا ماله. (كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ): أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة، فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم. (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) بالاستقامة والاشتهار بالإيمان والتقدم، وإن صرتم أعلاماً فيه، فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في المكافة، ولا تقولوا: إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سلماً إلى استباحة دمه وماله وقد حرّمهما اللَّه. وقوله: (فَتَبَيَّنُوا) تكرير للأمر بالتبين؛ ليؤكد عليهم. (إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك. [(لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً* دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)]. (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) قرئ بالحركات الثلاث، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فعليكم أن تفعلوا) تفسير لقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، أي: كذلك كنتم فمن الله عليكم، وإذا كان كذلك "فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فُعل بكم" من عدم تكشف حالكم وما تنجز بكم. قوله: (﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ قُرئ بالحركات الثلاث) بالنصب: نافع وابن عامر والكسائي، والباقون بالرفع، وبالجر شاذ. وأما حديث زيد بن ثابت فرواه البخاري والترمذي وأبو داود والنسائي.

стр. 1991

فالرفع صفة لـ (لقاعدون)، والنصب استثناء منهم، أو حالٌ عنهم، والجرّ صفة لـ (المؤمنين). والضرر: المرض أو العاهة من عمى أو عرجٍ أو زمانةٍ أو نحوها. وعن زيد بن ثابت: كنت إلى جنب رسول اللَّه، فغشيته السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، حتى خشيت أن ترضها، ثم سُري عنه فقال: "اكتب"، فكتبت في كتفٍ: (لا يَسْتَوِي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فالرفع: صفة لـ ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ لأن القاعدين غير معين، يعني: هو مثل قولهم: ولقد أمر على اللئيم يَسُبُّني. قال الزجاج: ﴿غَيْرُ﴾ صفة للقاعدين، وإن كان أصلها أن تكون صفة للنكرة، المعنى: لا يستوي القاعدون الذين هم غيرُ أولي الضرر، أي: الأصحاء والمجاهدون وإن كانوا كلهم مؤمنين، والرفع أيضاً يجوز على الاستثناء، أي: لا يستوي القاعدون والمجاهدون إلا أولو الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين؛ لأن الذي أقعدهم عن الجهاد الضرر. وتبعه الواحدي في هذا الوجه. قوله: (أو حال عنهم). قال الزجاج: المعنى: لا يستوي القاعدون في حال صحتهم والمجاهدون، كما تقول: جاءني زيدٌ غير مريض، أي: صحيحاً، ويجو الخفض صفة لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾. قوله: (فغشيته السكينة). النهاية: السكينة: الوقار والسكون، يريد ما كان يعرض له من السكون والغيبة عند نزول الوحي، وقيل: أراد به هاهنا الرحمة. قوله: (سُرِّى عنهُ). النهاية: أي: كُشِفَ عنه وأزيل، يقال: سَروتُ الثوب وسريتُه: إذا خلعته، والتشديد فيه للمبالغة، أي: أزيل عنه ما نزل به من بَرْحاءِ الوحي.

стр. 1992

الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ)، فقال ابن أمّ مكتومٍ وكان أعمى: يا رسول اللَّه، وكيف بمر لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فغشيته السكينة كذلك، ثم قال: "اقرأ يا زيد" فقرأت: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، فقال: (غير أولى الضرر)، قال زيد: أنزلها اللَّه وحدها، فألحقتها، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدعٍ في الكتف. وعن ابن عباس: لا يستوي القاعدون عن بدرٍ والخارجون إليها. وعن مقاتل: إلى تبوك. فإن قلت: معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان، فما فائدة نفي الاستواء؟ قلت: معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم، والبون البعيد، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته، ونحوه: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [الزمر: ٩] أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلم، ولينهض بنفسه عن ضعة الجهل إلى شرفِ العلم. (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ): جملة موضحة لما نفي من استواء القاعدين والمجاهدين كأنه قيل: ما لهم لا يستوون، فأجيب بذلك. والمعنى على القاعدين غير أولي الضرر؛ لكون الجملة بياناً للجملة الأولى المتضمنة لهذا الوصف .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (صدع في الكتف) يقال: صدعت الرداء صدعاً: إذا شققته، والاسم: الصدع بالكسر، والصدع في الزجاجة، بالفتح. كانوا يكتبون في كتف الشاة لقلة القراطيس عندهم. قوله: (ليهاب به إلى التعلم). النهاية: أهبت بالرجل: إذا دعوته إليك، وفي حديث الدعاء: "وقويتني على ما أهبت به إليه من طاعتك"، وقيل: هو من: أهاب الراعي بغنمه، أي: صاح بها لتقف أو ترجع قوله: (عن ضعة). النهاية: هي الذم والهوان والدناءة، وقد وضُعَ ضعة فهو وضيع، والهاء عوضٌ من الواو المحذوفة. قوله: (والمعنى: على القاعدين غير أولي الضرر) قيل: فيه نظر، بل الصواب: على القاعدين أولي الضرر، يدل عليه قول الواحدي: فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم

стр. 1993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على القاعدين، يعني: من أهل العُذر درجة، وقوله أيضاً: أما المفضلون درجة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء. والحاصل أن المراد بقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ أن بين المجاهدين والقاعدين غير الأضراء بوناً بعيداً، وأن ليس بين المجاهدين والقاعدين الأضراء هذا البون، لكن بينهم تفاوت؛ فاحتاج هذا التفاوت إلى البيان، فبين بقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾ في الموضعين هذا التفاوت، وكلتا الجملتين بيان، لا الجملة الأولى كما يشعر به كلام صاحب "الكشاف"، وفي كلامه اضطراب متناف! وقال صاحب "التقريب" بعد ما حكى كلام المصنف: المفضلون درجة من فضلوا على القاعدين الأضراء، ودرجات من فضلوا على المتخلفين بإذن، وفيه نظر؛ لأنه فسر القاعدين بغير أولي الضرر، وإنما يستقيم على تفسيره بالأضراء كما في "المعالم" و"اللباب". وقلت- والله أعلم-: إن كلام المصنف والواحدي إن أمعن النظر فيهما متوافقان، ولا مخالفة إلا في كلمات لا ضرر فيها. وأما قول المصنف: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ جملة موضحة لما نُفي من استواء القاعدين والمجاهدين" فالمراد منه أنه وما عطف عليه من قوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾ الثاني كلاهما بيان وإيضاح للجملة الأولى، وهو قوله: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾، ولابد من التطابق بين البيان والمبيَّن، والمذكور في البيان شيئان وليس في المبين سوى ذكر ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾، فالواجب أن يقدر ما يوافقه من قوله: لا يستوي القاعدون أولو الضرر وغير أولي الضرر، وهو من أسلوب الجمع التقديري؛ لدلالة التفضيل على المفضل، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ

стр. 1994

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أُجُورَهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٧٢ - ١٧٣]، فعلى هذا قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ جملة موضحة، معناه: الكلام الذي ذُكر فيه هذا اللفظ، أي: فضل الله وهو مجموع الآيتين، وقوله: "والمعنى: على القاعدين غير أولي الضرر" معناه على من اشتمل عليه هذا الكلام مذكوراً ومقدراً، وهو على ما سبق منطوٍ على أولي الضرر (وغير أولي الضرر)، و"على" في قوله: "والمعنى: على القاعدين غير أولي الضرر" متعلق بهذا المقدر وهو مطلق فضل الله، لا المذكور في التنزيل أولاً وثانياً، أي: فضل الله المجاهدين على القاعدين أولي الضرر وغير أولي الضرر، وتحرير المعنى: مطلق فضل الله المجاهدين: جملة موضحة بناء على إطلاق قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾، يدل عليه أنه لم يقيد قوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ بأحد القيدين، أعني: ﴿دَرَجَةً﴾ و ﴿دَرَجَاتٍ﴾، بل أورده مطلقاً ومبهماً؛ ومن ثم توجه عليه السؤال الذي أورده وأجاب عنه بالتفصيل، ولو كان الكلام مفصلاً كان السؤال الذي أورده وأجاب عنه بالتفصيل، ولو كان الكلام مفصلاً كان السؤال مستدركاً والفاء في قوله: "فمن هم" يدل على الإنكار، ويؤيد هذا القول ما روى البخاري والترمذي، عن ابن عباس ﵄: لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر، والخارجون ليها. وفي رواية الترمذي: لما نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله؛ فهل لنا رخصة؟ فنزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ و ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾، فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر، فضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر.

стр. 1995

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: كرر تفضيل المجاهدين وبالغ فيه إجمالاً وتفصيلاً، وتعظيماً للجهاد وترغيباً فيه. وقيل: الأول ما خولهم في الدنيا من الغنيمة والظفر وجميل الذكر، والثاني ما جعل لهم في الآخرة. وهذا يوافق ما ذكره الراغب، وهو قوله: إن قيل: لم كرر الفضل وأوجب في الأول درجة وفي الثاني درجات وقيدها بقوله: ﴿وَمِنْهُ﴾ وأردفها بالمغفرة والرحمة؟ قيل: عني بالدرجة: ما يؤتيه في الدنيا من الغنيمة ومن السرور بالظفر وجميل الذكر، وبالدرجات: ما يُنجز لهم في الآخرة، ونبه بالإفراد في الأول والجمع في الثاني: أن ثواب الدنيا في جنب ثواب الآخرة يسير، وقيدها بقوله: ﴿وَمِنْهُ﴾ ليعظمها، وأردفها بالمغفرة والرحمة إيذاناً بالوصول إلى الدرجات بعد الخلاص من التبعات، وقيل: إن المغفرة تقال اعتباراً بإزالة الذنوب، والرحمة تقال اعتباراً بإيجاب التوبة وإدخال الجنة، والدرجات: هي المنازل الرفيعة بعد إدخال الجنة. وقلت: والذي تقتضيه البلاغة وسداد النظم هذا، وبيانه: أن قوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ جملة موضحة لما نُفي" الاستواء فيه، والقاعدون على التقييد السابق من أن المراد به غير الأضراء فحسبن وإنما كرر ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ ليناط به من الزيادة ما لم يُنط به أولاً، فالفضل الأول: الظفر والغنيمة والذكر الجميل في الدنيا، والثاني: المقامات السنية والدرجات العالية والفوز بالرضوان والغفران في العقبى؛ يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ﴾ أي: وكل فريق من القاعدين غير أولي الضرر والمجاهدين ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ في الجنة، يعني: لهم الفضل في الدنيا ثم الجميع في الجنة؛ لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم، وإنما التفاوت في الأجر الجزيل والدرجات العالية وفي الفوز بالرضوان، كما قال تعالى: ﴿أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾، ويعضده ما ورد في الحديث: "إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر". رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد.

стр. 1996

(وَكُلًّا): وكل فريقٍ من القاعدين والمجاهدين (وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى)، أي: المثوبة الحسنى، وهي الجنة، وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة. وعن النبي ﷺ : «لقد خلفتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم». وهم الذين صحت نياتهم ونصحت جيوبهم، وكانت أفئدتهم تهوي إلى الجهاد، وبهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا تفسيرٌ مبين موافقٌ للنظم ولا تعقيد فيه، ولا يحتاج أيضاً إلى جعل المجاهدين صنفين كما ينبئ عنه ظاهر كلامه: "أما المفضلون درجة واحدة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء، وأما المفضلون درجات فالذين فضلوا .. "إلخ، ويطابقه أيضاً سبب النزول المذكور في الكتاب عن زيد بن ثابت، وأخرجه أبو داود بتمامه وذكر البخاري طرفاً منه، وملائم لحديث الأضراء على ما روينا عن البخاري وأبي داود وابن ماجه عن أنس، عن النبي ﷺ : "ولقد خلفتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم"، قاله حين رجع من غزوة تبوك فدناً من المدينة، فالحديثان يؤذنان بالمساواة بين المجاهدين والأضراء، وعليه دلالة مفهوم الصفة والاستثناء في ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾، وكلام الزجاج: إلا أولو الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين، كذا في "المعالم". وعلى الجواب الذي أجاب به المصنف وذهب إليه الواحدي لا يلزم المساواة، فيلزم خلاف ما تقتضيه الصفة أو الاستثناء. قوله: (صحت نياتهم ونصحت جيوبهم) هو من باب قولهم: نهاره صائم وليله قائم، مبالغةً في غخلاصهم ونقاء سريرتهم عن الدخل، ويجوز أن يكون كناية، كقوله:

стр. 1997

ما يمنعهم من المسير من ضررٍ أو غيره. فإن قلت: قد ذكر اللَّه تعالى مفضلين درجة ومفضلين درجات، فمن هم؟ قلت: أما المفضلون درجةً واحدةً فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء، وأما المفضلون درجاتٍ فالذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم في التخلف؛ اكتفاء بغيرهم، لأن الغزو فرض كفاية. فإن قلت: لم نصب (دَرَجَةً) و (أَجْراً) و (دَرَجاتٍ)؟ قلت: نصب قوله: (دَرَجَةً)؛ لوقوعها موقع المرة من التفضيل؛ كأنه قيل: فضلهم تفضيلة واحدة، ونظيره قولك: ضربه سوطاً، بمعنى: ضربه ضربةً، وأما (أَجْراً) فقد انتصب بـ"فضل" لأنه في معنى: أجرهم أجراً، و (درجات)، و"مغفرة"، "ورحمة" بدل من (أجراً)، ويجوز أن ينتصب (دَرَجاتٍ) نصب (درجة)، كما تقول: ضربه أسواطاً بمعنى: ضرباتٍ؛ كأنه قيل: وفضله تفضيلاتٍ، ونصب (أَجْراً عَظِيماً) على أنه حالٌ عن النكرة التي هي: درجات مقدمة عليها، وانتصب (مغفرة ورحمة) بإضمار فعلهما، بمعنى: وغفر لهم ورحمهم (مغفرة ورحمة). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تبينت بمنجاةٍ من اللوم بيتها قوله: (الأضراء) جمع ضرير. النهاية: في الحديث: جاء ابن أم مكتوم يشكو ضرارته، الضرارة هاهنا: العمى، والرجل ضرير، وهو من الضر: سوء الحال. الراغب: الضر: اسم عام لكل ما يضر الإنسان في بدنه ونفسه، وعلى سبيل الكناية عبر عن الأعمى بالضرير. وقال ابن عباس: ﴿أُوْلِي الضَّرَرِ﴾: أهل العذر، وقد ذكر عامة ما أجمله هاهنا في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية [النور: ٦١].

стр. 1998

[(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَاواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً* إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً* فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً)]. (تَوَفَّاهُمُ) يجوز أن يكون ماضيا كقراءة من قرأ: (توفتهم)؛ ومضارعاً، بمعنى: تتوفاهم، كقراءة من قرأ: (توفاهم) على مضارع وفيت؛ بمعنى: أن اللَّه يوفي الملائكة أنفسهم فيتوفونها، أي: يمكنهم من استيفائها فيستوفونها (ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ): في حال ظلمهم أنفسهم. (قالُوا) قال الملائكة للمتوفين: (فِيمَ كُنْتُمْ): في أي شيء كنتم من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿تَوَفَّاهُمْ﴾ يجوز أن يكون ماضياً، كقراءة من قرأ: (توفتهم)، ومضارعاً، بمعنى: تتوفاهم). قال الزجاج: المعنى: إن الذين توفتهم الملائكة، وذُكر الفعل لأنه فعل جميع، ويجوز أن يكون استقبالاً، أي: إن الذين تتوفاهم الملائكة، وحذفت التاء الثانية لاجتماع التاءين. وقلت: إذا حُملَ ﴿تَوَفَّاهُمْ﴾ على المضارع يكون من باب حكاية الحال الماضية؛ ولذلك أوقع ﴿قَالُوا﴾ خبراً لـ ﴿إِنَّ﴾. قال أبو البقاء: والعائد محذوفٌ، أي: قالوا لهم، ويجوز أن يكون ﴿قَالُوا﴾ حالاً من ﴿الْمَلائِكَةُ﴾، و"قد" معه مقدرة، وخبر ﴿إِنَّ﴾: ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾، ودخلت الفاء لما في ﴿الَّذِينَ﴾ من الإبهام المشابه للشرط، وأن لا يمتنع ذلك؛ لأنها لا تُغير معنى الابتداء. قوله: (في حال ظلمهم أنفسهم). قال الزجاج: والأصل: ظالمين أنفسهم، فحذفت النون استخفافاً، والمعنى على ثبوتها.

стр. 1999

أمر دينكم؟ وهم ناسٌ من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة. فإن قلت: كيف صح وقوع قوله: (كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) جواباً عن قولهم: (فِيمَ كُنْتُمْ) وكان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا، أو لم نكن في شيء؟ قلت: معنى (فِيمَ كُنْتُمْ): للتوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيءٍ من الدين، حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، فقالوا: (كنا مستضعفين)؛ اعتذاراً مما وبخوا به، واعتلالاً بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء، فبكتتهم الملائكة بقولهم: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) أرادوا: أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، ومن الهجرة إلى رسول اللَّه ﷺ ، كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة، وهذا دليلٌ على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب- والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر- أو علم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حين كانت الهجرة فريضة)، عن البخاري عن مجاهد قال: قلت لابن عمر: أريد أن أهاجر إلى الشام، فقال: لا هجرة بعد الفتح، أو قال: بعد رسول الله ﷺ ، ولكن جهاد ونية، فانطلق فاعرض نفسك، فإن وجدت شيئاً وإلا رجعت. قوله: (لم يكونوا في شيء من الدين)، أي: من أمر الدين لا من أمر الجهاد ولا من الهجرة، ولا من نصر المؤمنين ولامن ترك الكفار إرغاماً لهم، كأنه قيل: في أي أمر كنتم من أمور الدين؟ يعني: لو تركتم الجهاد والهجرة والنصرة، قالوا: تركنا ذلك؛ لأنا لم نتمن منها لضعفنا. قوله: (والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر) جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، "وحقت": جواب "إذا". وقوله: "بلده" مُظهرٌ وُضع موضع المضمر الراجع إلى "بلد".

стр. 2000

أنه في غير بلده أقوم بحق اللَّه، وأدوم على العبادة؛ حقت عليه المهاجرة، وعن النبي ﷺ : «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد». اللهم إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني فاجعلها سبباً في خاتمة الخير، ودرك المرجوّ من فضلك، والمبتغى من رحمتك، وصل جواري لك بعكوفى عند بيتك بجوارك في دار كرامتك يا واسع المغفرة. ثم استثنى من أهل الوعيد المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة في الخروج؛ لفقرهم وعجزهم، ولا معرفة لهم بالمسالك. وروي: أنّ رسول اللَّه ﷺ بعث بهذه الآية إلى مسلمي مكة، فقال جندب بن ضمرة- أو ضمرة بن جندب - لبنيه: احملوني، فإني لست من المستضعفين، وإني لأهتدي الطريق، واللَّه لا أبيت الليلة بمكة، فحملوه على سريرٍ متوجهاً إلى المدينة، وكان شيخاً كبيراً فمات بالتنعيم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (استوجبت) قيل: معناه: وجبت، وحقيقته: طلبت الجنة له الوجوب، ويروى: استوجبت، مجهولاً. قوله: (جندب بن ضمرة، أو ضمرة بن جندب) والصحيح في "الاستيعاب": جُندبُ ابن ضمرة الجندعي، لما نزلت ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ فقال: اللهم قد أبلغت في المعذرة والحجة ولا معذرة لي ولا حجة، ثم خرج وهو شيخ كبير فمات في بعض الطريق، فقالت الصحابة: مات قبل أن يهاجر، فلا ندري أعلى ولاية هو أم لا؟ فنزلت الآية. قوله: (فمات بالتنعيم). المغرب: التنعيم: موضع قريب من مكة عند مسجد عائشة ﵂.
следующие страницы →