← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجمعين»، وحكي ذلك عن جماعةٍ من الصحابة. (ذلِكَ): مبتدأ، و (الْفَضْلُ): صفته، و (مِنَ اللَّهِ): الخبر، ويجوز أن يكون (ذلك): مبتدأ، و (الفضل من اللَّه): خبره، والمعنى: أنّ ما أعطي المطيعون من الأجر العظيم، ومرافقة المنعم عليهم من اللَّه؛ لأنه تفضل به عليهم تبعاً لثوابهم، (وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً) بجزاء من أطاعه؛ أو أراد أنّ فضل المنعم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((ذَلِكَ): مبتدأ و (الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ): خبره). الراغب: هو كقولك: ذاك الرجل وهذا المال، تنبيهاً على كماله، فإن الشيء إذا عظم أمره يوصف باسم جنسه، وقوله: (مِنَ اللَّهِ) في موضع الحال، أو خبر مبتدأٍ مضمر. قوله: (أو أراد أن فضل المنعم) عطفٌ على قوله: ((والمعنى: أن ما أعطي المطيعون))، يريد أن المشار إليه بقوله: (ذَلِكَ الفَضْلُ): إما مضمون الآيات الثلاث من قوله: (وإذًا لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ٦٧] إلى قوله: (وحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا) [النساء: ٦٩]، فيكون قوله: (ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ) الآية [النساء: ٦٩] كالتذييل لقوله: (وإذًا لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) ولَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا)؛ لأن الهداية إلى الصراط المستقيم هو السبب في المرافقة مع المنعم عليهم، يدل عليه إبدال (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) من (الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ) في الفاتحة، فيدخل في هذا المقام المطيعون الذين منحوا الأجر العظيم دخولاً أوليًّا، أو المشار إليه ما دل عليه قوله: (الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ) [النساء: ٦٩]، فعلى هذا فائدة الإشارة التحريض على اكتساب ما اكتسبوه، والإيذان بالتجرد عما يشغلهم عن الله والتبتل إليه، والانقطاع عما سوى الله، وفائدته على الأول مزيد الامتنان عليهم، وأما قوله: (وكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا): بجزاء من يطع))، وثانياً: ((وكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) بعباده؛ فهو يوفقهم على حسب أحوالهم))، والوجه هو أن يكون المشار إليه مضمون الآيات الثلاث؛ لأن هذه الآية كالفذلكة لها مقررةٌ لمعناها ومقاصدها، قال في قوله تعالى: (فَصِيَامُ

стр. 1927

عليهم ومزيتهم من اللَّه؛ لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه (وكفى باللَّه عليماً) بعباده، فهو يوفقهم على حسب أحوالهم. [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً)]. (خُذُوا حِذْرَكُمْ): الحذر والحذر بمعنى كالإثر والأثر، يقال: أخذ حذره: إذا تحفظ واحترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه؛ والمعنى: احذروا واحترزوا من العدوّ ولا تمكنوه من أنفسكم، (فَانْفِرُوا) إذا نفرتم إلى العدوّ؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) [البقرة: ١٩٦]: وفائدة الفذلكة في كل حساب: أن يعلم العدد جملةً كما علم تفصيلاً ليحاط به من جهتين فيتأكد العلم، وهذا المعنى يهدم القاعدة التي بناها في تفسير الأجر اللدني في قوله: (وإن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ويُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ٤٠] وقوله: (وإذًا لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا) بالتفضل به من عنده وتسميته أجراً؛ لأنه تابعٌ للأجر من وجهين، أحدهما: تعرف الفضل، وهو خبر (ذَلِكَ) الدال على الحصر؛ فدل على دفع إرادة المجاز من الأجر اللدني، أي: ذلك هو الفضل لا شيءٌ آخر، وثانيهما: تعلق (مِنَ اللَّهِ) به، أي: ذلك من الله لا من العامل، والله أعلم: قوله: (جعل الحذر آلته) أي: استعار للسلاح الحذر بقرينة (خُذُوا) كقوله تعالى: (والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ) [الحشر: ٩]، جعل الإيمان متبوأ بمنزلة الدار، يعني: أنهم متمكنون في الإيمان تمكن الرجل في الدار. قوله: (إذا نفرتم إلى العدو). النهاية: وفي الحديث: ((وإذا استنفرتم فانفروا))،

стр. 1928

إما (ثُباتٍ): جماعاتٍ متفرّقةً سريةً بعد سرية، وإما (جَمِيعاً) أي: مجتمعين كوكبةً واحدة، ولا تتخاذلوا فتلقوا بأنفسكم إلى التهلكة. وقرئ: (فانفروا) بضم الفاء. [(وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً* وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً)]. اللام في: (لَمَنْ) للابتداء بمنزلتها في قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ) [النحل: ١٨]، وفي (لَيُبَطِّئَنَّ) جواب قسم محذوف، تقديره: وإنّ منكم لمن أقسم باللَّه ليبطئن، والقسم وجوابه صلة "من"، والضمير الراجع منها إليه ما استكن في: (لَيُبَطِّئَنَّ)، والخطاب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والاستنفار: الاستنجاد والاستنصار، أي: إذا طلب منكم النضرة فأجيبوا وانفروا خارجين إلى الإعانة، ونفير القوم: جماعتهم الذين ينفرون في الأمر. قوله: (ثُبَاتٍ): جماعات متفرقة). قال الزجاج: واحدته: ثبةٌ، قال سيبويه: ثبةٌ: تجمع ثبون وثبين في الرفع والنصب والخفض جمعت بالواو والنون؛ لأنهما جعلتا عوضاً من حذف آخر الكلمة. قوله: (كوكبةً واحدةً). الجوهري: كوكب الشيء: معظمه، وكوكب الروضة: نورها، وإيراده ها هنا مجاز؛ لأن القوم إذا اجتمعوا متوافقين متعاضدين فالرائي: إما العدو فيمتلئ خلده هيبةً، أو الولي فتقر عينه زينةً. قوله: (والقسم وجوابه صلة ((من)))، وبهذا يعلم أن الجملة القسمية مع جوابها خبرية، فلا يمتنع وقوعه صلةً للموصول، وقيل: الصلة بالحقيقة جواب القسم، والقسم كالتأكيد، قال ابن الحاجب في ((شرح المفصل)): القسم جملةٌ إنشائيةٌ يؤكد بها جملةٌ أخرى. وقال الزجاج: (من): موصولةٌ بالجالب للقسم، تقديره: وإن منكم لمن- أحلف والله- ليبطئن.

стр. 1929

لعسكر رسول اللَّه ﷺ والمبطئون منهم: المنافقون؛ لأنهم كانوا يغزون معهم نفاقاً. ومعنى (لَيُبَطِّئَنَّ): ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد. وبطأ: بمعنى أبطأ، كغتم: بمعنى: أغتم؛ إذا أبطأ. وقرئ: (لَيُبَطِّئَنَّ) بالتخفيف يقال: بطأ عليَّ فلان وأبطأ عليَّ وبطؤ نحو: ثقل، ويقال: ما بطأ بك؟ ، فيعدى بالباء، ويجوز أن يكون منقولاً من بطؤ، نحو ثقل من ثقل، فيراد: ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو، وكان هذا ديدن المنافق عبد اللَّه ابن أبيّ، وهو الذي ثبط الناس يوم أحد. (فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ): من قتلٍ أو هزيمة. (فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ): من فتح أو غنيمة. (لَيَقُولَنَّ) وقرأ الحسن: (ليقولن) بضم اللام إعادةً للضمير إلى معنى (من)؛ لأن قوله: (لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) في معنى الجماعة. وقوله: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والنحويون مجمعون على أن ((ما)) و ((من)) و ((الذي)) لا يوصلن بالأمر والنهي إلا بما يضمر معها من ذكر الخبر، وأن لام القسم إذا جاءت مع هذه الحروف فلفظ القسم وما أشبه لفظه مضمرٌ معها. قوله: (ويجوز أن يكون منقولاً) أي: متعديًا بالتثقيل، وهو عطفٌ على قوله: ((ومعنى (لَّيُبَطِّئَنَّ): ليتثاقلن)). قوله: (وقرأ الحسن: ((ليقولن))). قال ابن جني: قرأ الحسن: ((ليقولن)) بضم اللام على الجمع، أعاد الضمير على معنى ((من))، لا على لفظها التي هي قراءة الجماعة؛ وذلك أن قوله تعالى: (وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ) لا يعني به رجلاً واحداً، ولكن معناه: أن هناك جماعةً هذا وصف كل واحدٍ منهم، فلما كان جمعاً في المعنى أعيد الضمير إلى معناه دون لفظه، كقوله تعالى: (ومِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ) [يونس: ٤٢]. الانتصاف: في هذه القراءة نكتةٌ غريبة، وهي العود إلى معنى ((من)) بعد الحمل على لفظها، وأنكر بعضهم وجوده في القرآن؛ لما يلزم من الإجمال بعد البيان، وهو خلاف

стр. 1930

(كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) اعتراض بين الفعل الذي هو (لَيَقُولَنَّ) وبين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البلاغة؛ لأنه يؤدي إلى أن العود إلى لفظها ليس بمفصح عن معناها، بل تناوله للمعنى المبهم، فوقوعه بعد البيان عسر، ومنهم من عد موضعين وهذه القراءة ثالثة. قوله: ((كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) اعتراض)، قيل: هذا الاعتراض في غاية الجزالة؛ إذ يفيد أنهم يحسدونكم مما يصل إليكم من الخير، كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة، وقلت: التحقيق فيه: أن قولهم: (يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) طلبٌ لما لا يمكن حصوله، وهذا القول منهم يشبه قول من فاته مصاحبة من كان يرافقه ويصل إليه منه المبرات فأيس من ذلك، فكان قوله: (كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) أي: مصاحبةٌ، مؤكداً لهذا المعنى، وإلى هذا المعنى ينظر قوله: ((لأن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر))، لكن إنما يحسن استعماله فيما إذا استعمل في مودةٍ صافية ومحبةٍ صادقة؛ إما تلهفاً وتحسراً على فوات المحبوب ومصافاته، قال: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا … أنيسٌ ولم يسمر بمكة سامر أو تعبيراً لمن نسي ذلك وانقلب إلى البغضاء والعداوة بعد تلك المصافاة. ولما لم يكن حال المنافقين من هذين الوصفين في شيءٍ قال: ((فكيف يوصفون بالمودة إلا على وجه العكس؟ ))، أي: الاستعارة التهكمية، قال الإمام: إنه تعالى حكى عن هذا المنافق سروره وقت نكبة المسلمين، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولتهم بسبب أنه فاتته الغنيمة؛ فقبل أن يتم قوله: (ولَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ … ) إلى قوله: (يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) ألقى في البين قوله: (كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ)، والمراد التعجب، كأنه تعالى يقول: انظروا إلى ما يقول هذا المنافق، كأنه ليس بينكم أيها المؤمنون وبينه مودةٌ ولا مخالطةٌ أصلاً.

стр. 1931

مفعوله؛ وهو (يا لَيْتَنِي)؛ والمعنى: كأن لم تتقدم له معكم موادّة، لأن المنافقين كانوا يوادّون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر، وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن، والظاهر أنه تهكم؛ لأنهم كانوا أعدى عدوّ للمؤمنين وأشدهم حسداً لهم، فكيف يوصفون بالمودّة إلا على وجه العكس تهكماً بحالهم. وقرئ: (فأفوز) بالرفع عطفاً على (كنت معهم)؛ لينتظم الكون معهم. والفوز معنى التمني؛ فيكونا متمنيين جميعاً، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، بمعنى فأنا أفوز في ذلك الوقت. [(فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً* وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً* الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: قيل: قوله: (كَأَن لَّمْ تَكُن) اعتراضٌ متعلقٌ بالجملة الأولى وتقديره: قال: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً، كأن لم تكن بينكم وبينه مودة؛ فأخر ذلك، وذلك مستقبحٌ في العربية؛ فإنه لا يفصل بين بعض الجملة التي دخل في إثباتها، ويجوز أن يكون حكايةً عنهم، أي: ليقولن لمن ثبطهم: كأن لم تكن بينكم وبين محمدٍ مودة؛ حيث لم يستعينوا بكم ثم يقولون: يا ليتني كنت معهم، فيكون القول الأول منهم إثارةً للشر، والقول الثاني منهم إظهاراً للحسد، وقيل: في قوله: (قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ) منةٌ منه على قومه من المنافقين؛ إذ ثبطهم عن الخروج وأنه قد ظهر ثمرة نصيحته، وفي قوله: (يَا لَيْتَنِي) إيهامٌ للذين قالوا لهم: إن ذلك كان بإيثار الرسول لمن أخرجهم من دونهم. وفي الآيتين تنبيهٌ على أن عامة الناس لا يعتدون إلا أعراض الدنيا.

стр. 1932

سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً)]. (يَشْرُونَ): بمعنى يشترون ويبيعون قال ابن مفرغ: وَشَرَيْتُ بُرْداً لَيْتَنِى … مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((يَشْرُونَ) بمعنى: يشترون ويبيعون) والفاء في قوله: ((فالذين يشترون)) تفصيليةٌ، بدليل قوله: ((والذين يبيعون))، وقيل: هذا مبنيٌّ على جواز استعمال اللفظ المشترك في معنيين معاً، وهو مختلفٌ فيه، والجواب: أن التفصيل مبنيٌّ على تفسير (الَّذِينَ يَشْرُونَ) فإذا عبر به عن المبطئين كان بمعنى يشترون، وإذا عبر به عن الثابتين المخلصين كان بمعنى يبيعون، وهذا يدور على معنى الفاء في قوله: (فَلْيُقَاتِلْ) إن جعلت للتعقيب رجع المعنى إلى يشترون لأنها رابطةٌ لهذا المعنى بقوله: (وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ) الآية، فيكون تعييراً لهم بما يفعلون من النفاق والتثبيط، وذلك من وضع قوله: (الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ) موضع الضمير، يعني: هلا قاتل هؤلاء المبطئون الذين أثروا الحياة الدنيا على الآخرة! وإليه الإشارة بقوله: ((وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق)). وإن جعلت جزاءً لشرطٍ محذوفٍ فالمعنى راجعٌ على يبيعون فإنه تعالى لما حرض المؤمنين على القتال بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعَاً) أتى بذكر المنافقين المبطئين، فقال: (وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ)، ثم قال: (فَلْيُقَاتِلْ) لئلا يؤثر فيهم تثبيطهم، يعني: إن صد هؤلاء عن القتال لمرض في قلوبهم وضعفٍ في نياتهم فقاتلوا أنتم أيها المخلصون، فوضع موضعه: (الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ)) للإشعار بالعلية، يعني: إن صد هؤلاء المبطئون فليقاتل البذالون أنفسهم في سبيل الله، الذين آثروا الحياة الباقية على هذه الفانية، واستبشاراً بما يحصل لهم من الفوز بالربح العظيم على بيعهم أنفسهم في سبيل الله، (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ) [التوبة: ١١١]، وقوله: (ومَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ) [النساء: ٧٤] تذييلٌ؛ لأنه تأكيدٌ للتحريض. قوله: (وشريت برداً) البيت، بعده:

стр. 1933

فالذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة هم المبطئون، وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق، ويخلصوا الإيمان باللَّه ورسوله، ويجاهدوا في سبيل اللَّه حق الجهاد؛ والذين يبيعون هم المؤمنون الذين يستحبون الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها، والمعنى: إن صدّ الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال فليقاتل الثابتون المخلصون. ووعد المقاتل في سبيل اللَّه ظافراً أو مظفوراً به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين اللَّه. (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ): فيه وجهان أن يكون مجروراً عطفاً على (سبيل اللَّه) أي: في سبيل اللَّه وفي خلاص المستضعفين، ومنصوباً على اختصاص، يعني: واختص من سبيل اللَّه خلاص المستضعفين؛ لأنّ سبيل اللَّه عام في كل خير، وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه. والمستضعفون: هم الذين أسلموا بمكة وصدّهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد، وكانوا يدعون اللَّه بالخلاص ويستنصرونه، فيسر اللَّه لبعضهم الخروج إلى المدينة، وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل اللَّه لهم من لدنه خير ولى وناصر؛ وهو محمد ﷺ فتولاهم أحسن التولي، ونصرهم أقوى النصر، ولما خرج استعمل على أهل مكة عتاب بن أسيد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هامةً تشكو الصدى … بين المشقر واليمامه وبرداً: اسم غلام القائل، باعه فندم على بيعه فتمنى الموت؛ لأن الهامة عندهم عبارةٌ عن الموت، ومن زعماتهم أن عظام الميتة تصير هامةً وتطير، وأن الرجل إذا قتل خرجت روحه من رأسه فتصيح: وافلاناه؛ إذا لم يطلب ثأره وأخذ ديته، والصدى: العطش، المشقر واليمامة: موضعان. قوله: (ونصرهم أقوى النصر). قال المصنف: لما صبروا جاء بالمهاجرين إليهم لحسن صبرهم، قال:

стр. 1934

فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا، قال ابن عباس: كان ينصر الضعيف من القوي، حتى كانوا أعز بها من الظلمة. فإن قلت: لم ذكر الولدان؟ قلت: تسجيلاً بإفراط ظلمهم؛ حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين، إرغاماً لآبائهم وأمهاتهم، ومبغضةً لهم لمكانهم، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم، استنزالاً لرحمة اللَّه بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا، كما فعل قوم يونس، وكما وردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء. وعن ابن عباسٍ: كنت أنا وأمى من المستضعفين من النساء والولدان. ويجوز أن يراد بالرجال والنساء: الأحرار والحرائر، وبالولدان: العبيد والإماء، لأنّ العبد والأمة يقال لهما: الوليد والوليدة. وقيل للولدان والولائد: الولدان؛ لتغليب الذكور على الإناث، كما يقال: الآباء والإخوة. فإن قلت: لم ذكر الظالم وموصوفه مؤنث؟ قلت: هو وصف للقرية إلا أنه مسند إلى أهلها، فأعطي إعراب القرية؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وليس الذي يتبع الوبل رائداً … كمن جاءه في داره رائد الوبل قوله: (كان ينصر الضعيف من القوي)، وقد سبق أن ((نصر)) إذا عدي ب ((من)) كان مضمناً معنى انتقم. قوله: (إرغاماً) نصب مفعولٍ له؛ لقوله: ((بلغ))، وحذف اللام؛ لأن ((بلغ أذاهم)) في معنى يؤذون، فيكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل. قوله: (ولأن المستضعفين) عطفٌ على قوله: ((تسجيلاً))، وإنما جاء باللام؛ لأنه ليس فعلاً لفاعل الفعل المعلل الذي هو: ذكر، المحذوف لدلالة قوله: ((لم ذكر الولدان)) لأجل بلوغ أذى المشركين إليهم أيضاً، ((ولأنهم كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم)) يعني: أن قوله تعالى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا) الآية، وقع صفةً للجمع فوجب لذلك أن يدخلوا في الحكم؛ لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات؛ ولهذا قال: ((كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم؛ استنزالاً لرحمة الله تعالى)). قوله: (هو وصفٌ للقرية) قيل: إذا كانت الصفة فعلاً لنفس الموصوف تبعته في:

стр. 1935

لأنه صفتها، وذكر؛ لإسناده إلى الأهل، كما تقول: من هذه القرية التي ظلم أهلها، ولو أُنث فقيل: الظالمة أهلها؛ لجاز، لا لتأنيث الموصوف، ولكن لأن الأهل يذكر ويؤنث. فإن قلت: هل يجوز: من هذه القرية الظالمين أهلها؟ قلت: نعم، كما تقول: "التي ظلموا أهلها" على لغة من يقول: أكلونى البراغيث، ومنه: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأنبياء: ٣] رغب اللَّه المؤمنين ترغيباً، وشجعهم تشجيعاً بإخبارهم أنهم إنما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التذكير والتأنيث، والتعريف والتنكير، والتثنية والجمع والإفراد، والإعراب، وإذا كانت فعلاً لما هو من سببه لم تتبعه إلا في التعريف والتنكير والإعراب، فلما كان الظالم صفةً للقرية، وفعل ما هو من سببها؛ تبعته في الإعراب والتعريف ولم تتبعه في التأنيث، وذكر لتذكير الفاعل وهو الأصل. الانتصاف: ها هنا نكتة؛ وهي أن الظلم ينسب في القرآن إلى القرية مجازاً: (وكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ) [الطلاق: ٨]، (وكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ) [القصص: ٥٨]، (قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ) [النحل: ١١٢]، وها هنا نسب الظلم إلى أهلها؛ إذ المراد مكة، فرفعت عن نسبة الظلم إليها. قوله: (رغب الله المؤمنين ترغيباً وشجعهم تشجيعاً) وذلك من ترتب حكم المقاتلة في قوله: (فَقَاتِلُوا) على الوصفين، أعني قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، وقوله: (والَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ)، أي: من شأن المؤمنين أن يقاتلوا في سبيل الله فيكون الله ناصرهم ومقويهم، ومن شأن الكفار أن يقاتلوا في سبيل الشيطان فناصرهم الشيطان، وإذا كان كذلك فأنتم أيها المؤمنون ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله، وفي شأن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان؟ ولم تقاعدتم عن حرب حزب الشيطان مع قيام موجب الظفر وخذلان العدو؟ وفي وضع المظهر- وهو الشيطان- موضع المضمر من غير لفظه السابق وهو الطاغوت، وتعليل المقاتلة معه بقوله: (إنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا): مزيد تهييجٍ وتشجيع.

стр. 1936

يقاتلون في سبيل اللَّه، فهو وليهم وناصرهم، وأعداؤهم يقاتلون في سبيل الشيطان فلا وليّ لهم إلا الشيطان، وكيد الشيطان للمؤمنين إلى جنب كيد اللَّه للكافرين أضعف شيءٍ وأوهنه. [(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً)]. (كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ)، أي: كفوها عن القتال؛ وذلك أن المسلمين كانوا مكفوفين عن مقاتلة الكفار ما داموا بمكة، وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه، (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ) بالمدينة كع فريق منهم؛ لا شكا في الدين، ولا رغبة عنه، ولكن نفوراً من الإخطار ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كع فريقٌ). النهاية: يقال: كع الرجل عن الشيء يكع كعًّا، فهو كاعٌّ: إذا جبن عنه وأحجم، فإن قلت: هذا يدل على أن فريقاً ممن كانوا يتمنون أن يؤذن لهم في القتال ما جبنوا، بل ثبتوا وقضوا ما كان عليهم، وشكر الله سعيهم، فإذاً ما معنى التوبيخ والتعجب في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ)؟ كأنهم كانوا متجاوزين حد ما أمروا به مثل أولئك الفريق! قلت: نعم؛ إنما دخلوا في حكم أولئك لأنهم شاركوهم في طلب ما كفوا عنه، ودخلوا في زمرة الذين قيل فيهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ) [الحجرات: ١]، وإنما ذكر الفرقة التي جبنت دون الأخرى للتعيير، وأنهم ما وفوا بما تمنوا من طلبتهم وترك الممتثلين بما كتب عليهم؛ لأنهم وإن أخطؤوا في ذلك التمني، لكنهم صدقوا في ما عزم عليهم من القتال، فالأولون أخطؤوا خطأين، وهؤلاء خطأً واحداً. والفاء في (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ) فصيحةٌ؛ إذ التقدير: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ)، كيف تمنوا القتال؟ فلما كتب عليهم القتال جبن فريقٌ منهم، وإليه الإشارة بقوله: ((وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم)). وفي صلة الموصول- أعني قوله: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ) - معنى قوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ) [الكافرون: ٦]، ولذلك قال: ((كانوا مكفوفين عن قتال الكفار ما داموا بمكة)).

стр. 1937

بالأرواح، وخوفاً من الموت. (كَخَشْيَةِ اللَّهِ): من إضافة المصدر إلى المفعول. فإن قلت ما محل (كَخَشْيَةِ اللَّهِ) من الإعراب؟ قلت: محله النصب على الحال من الضمير في (يَخْشَوْنَ)، أي: يخشون الناس مثل أهل خشية اللَّه، أي: مشبهين لأهل خشية اللَّه، (أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) بمعنى: أو أشد خشية من أهل خشية اللَّه. و (أشد) معطوفٌ على الحال. فإن قلت: لم عدلت عن الظاهر وهو كونه صفة للمصدر ولم تقدر: يخشون خشية مثل خشية اللَّه، بمعنى: مثل ما يخشى اللَّه؟ قلت: أبى ذلك قوله: (أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً)؛ لأنه وما عطف عليه في حكم واحد، ولو قلت: يخشون الناس أشد خشية لم يكن إلا حالاً عن ضمير الفرق، ولم ينتصب انتصاب المصدر، لأنك لا تقول: خشي فلانٌ أشد خشية، فتنصب "خشية"، وأنت تريد المصدر، إنما تقول: أشد خشيةٍ فتجرّها، وإذا نصبتها لم يكن (أشد خشية) إلا عبارة عن الفاعل حالاً منه، اللهم إلا أن تجعل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أبى ذلك قوله: (أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً)؛ لأنه وما عطف عليه في حكم واحد). قال ابن الحاجب في ((الأمالي)): وفيه نظر، لم لا يجوز أن يكون (أَشَدَّ) منصوباً بفعلٍ مضمرٍ دل عليه (يَخْشَوْنَ) الأول؟ أي: يخشون الناس خشيةً مثل خشية الله، أو يخشون الناس أشد خشيةً، فتكون الكاف نعتاً لمصدرٍ محذوف، و (أَشَدَّ): حالاً، وهذا أولى؛ لأنها جرت الكاف على ظاهرها، ولا يلزم ما ذكروه من أن المعطوف يشارك المعطوف عليه في العامل؛ لأن ذلك في المفردات وهذه جمل، ولأن قوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) [البقرة: ٢٠٠] لا يجوز فيه الحال، ولا يستقيم إلا على هذا، فينبغي أن يكون هذا مثله لموافقته في اللفظ. قوله: (لا تقول: خشي فلانٌ أشد خشيةً، فتنصب ((خشيةً))، وأنت تريد المصدر، إنما تقول: أشد خشيةٍ فتجرها). قال أبو البقاء في قوله تعالى: (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا): ((أفعل)) تضاف إلى ما بعدها إذا كان من جنس ما قبلها، كقولك: ذكرك أشد ذكرٍ، ووجهك أحسن وجهٍ، أي: أشد الأذكار وأحسن الوجوه، وإذا نصبت ما بعدها كان غير الذي قبلها،

стр. 1938

الخشية خاشية وذات خشية، على قولهم جد جده، فتزعم أن معناه: يخشون الناس خشية مثل خشية اللَّه، أو: خشية أشد خشية من خشية اللَّه، ويجوز على هذا أن يكون محل (أَشَدَّ) مجروراً عطفاً على (كَخَشْيَةِ اللَّهِ) تريد: كخشية اللَّه أو كخشيةٍ أشد خشية منها. (لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ): استزادة في مدة الكف، واستمهال إلى وقتٍ آخر، كقوله: (لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ) [المنافقون: ١٠]. (وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) ولا تنقصون أدنى شيءٍ من أجوركم على مشاق القتال، فلا ترغبوا عنه، وقرئ: (ولا يظلمون) بالياء. [(أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كقولك: زيدٌ أفره عبداً، فالفراهة للعبد، لا لزيد، والمذكور قبل (أَشَدَّ) هو الذكر، والذكر لا يذكر حتى يقال: الذكر أشد ذكراً، وإنما يقال: أشد ذكرٍ بالإضافة؛ لأن الثاني هو الأول. والذي قاله أبو عليٍّ وابن جني وغيرهما: أنه جعل الذكر ذاكرًا على المجاز، كما يقال: زيدٌ أشد ذكراً من عمرو. وقال ابن الحاجب: إن أفعل التفضيل إذا ذكر بعده ما هو من جنسه وجب أن يكون محفوظاً؛ لأن الغرض نسبة شيءٍ إلى شيءٍ اشترك هو وهم في ذلك المعنى وزاد عليهم، وهو في هذا مخالفٌ لباب الإضافة من حيث إنه يجب إضافته إلى شيءٍ هو بعضه، فالتقدير: يخشون الناس مشبهين لأهل خشية الله أو أشد، ف (أَشَدَّ) على هذا في موضع نصبٍ عطفاً على الكاف. ويجوز أن يكون: (كَخَشْيَةِ اللَّهِ) على ظاهرها: نعتاً لمصدرٍ محذوف، فيكون (أَشَدَّ) من باب قولهم: جد جده؛ لأنه جعل للخشية خشيةً مبالغةً، فيكون ذكر (خَشْيَةً) بعد (أَشَدَّ) على معنى أنه للخشية. قوله: (استزادةٌ في مدة الكف) يعني: في (لَوْلا) معنى التمني والطلب، والمعنى: ليتنا أخرنا، فولد (لَوْلا) معنى السؤال.

стр. 1939

هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً* ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً)]. قرئ: (يُدْرِكْكُمُ) بالرفع وقيل: هو على حذف الفاء، كأنه قيل: فيدرككم الموت، وشبه بقول القائل: مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ويجوز أن يقال: حمل على ما يقع موقع (أَيْنَما تَكُونُوا) وهو: أينما كنتم، كما حُمِلَ: ولا ناعب على ما يقع موقع «ليسوا مصلحين» وهو: ليسوا بمصلحين، فرفع كما رفع زهير: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من يفعل الحسنات الله يشكرها). تمامه: والشر بالشر عند الله مثلان وفي رواية: سيان، واستشهد بأنه على تقدير حذف الفاء، أي: فالله يشكرها. قوله: (وهو: أينما كنتم) فإن الشرط إذا وقع ماضياً يجوز في الجزاء الرفع والجزم؛ وإنما جاز الرفع لأن العامل لما لم يعمل (في القريب منه فلأن لا يعمل) في البعيد أولى. قوله: (كما حمل: ولا ناعبٍ) أي: في قول الشاعر: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرةً … ولا ناعبٍ إلا ببينٍ غرابها ((ولا ناعبٍ)): عطفٌ على محل ((مصلحين))؛ إذ التقدير: ليسوا بمصلحين، فإنه يوهم أن الباء في ((بمصلحين)) موجودةٌ، ثم عطف عليه مجروراً.

стр. 1940

يَقُولُ لَا غَائِبٌ مَالِي وَلَا حَرِمُ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يقول: لا غائبٌ مالي ولا حرم)، أوله: وإن أتاه خليلٌ يوم مسألةٍ قبله: هو الجواد الذي يعطيك نائله … عفواً ويظلم أحياناً فينظلم الخليل: الفقير، والخلة: الحاجة والفقر، أي: محتاج مختل، ويوم مسألة، أي: حاجة، قائله: زهير يمدح هرم بن سنان، يقول: لا يعتل إذا أتاه اخلي وسأله من ماله بعلةٍ حتى يحرمه، بل يقول: لا غائب مالي بل هو حاضر، ولا حرم أي: لا حرمان لك مني، رفع ((يقول)) وهو جزاء الشرط لما ذكرنا. وقد خاف ها هنا ما ذكره في آل عمران عند قوله: (ومَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ) [آل عمران: ٣٠] قال: لا يصح أن تكون ((ما)) شرطية، لارتفاع (تَوَدُّ)، ولم يجعل هن رفع (يُدْرِككُّمُ) مانعاً على أنه أول الشرط بالماضي. الانتصاف: في قوله: ((حمل على ما يقع موقع (أَيْنَمَا تَكُونُوا) وهو: أينما كنتم)) نظرٌ، أما ((ولا ناعبٍ)) فلأن الباء اطرد دخولها في خبر ((ليس)) توطئةً فجاز الحمل عليه. وأما تقدير (أَيْنَمَا) في معنى كلامٍ آخر يرتفع معه (يُدْرِككُّمُ) فلم يشتهر ولم يوجد له نظير، وبيت زهيرٍ محمولٌ بنقل سيبويه على التقديم والتأخير، أي: يقول: لا غائبٌ مالي ولا حرمٌ إن أتاه خليلٌ، كقول الشاعر: يا أقرع بن حابسٍ يا أقرع … إنك إن يصرع أخوك تصرع فليس من قبيل: ولا ناعبٍ.

стр. 1941

وهو قول نحوي سيبوي. ويجوز أن يتصل بقوله: (وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا)، أي: ولا تنقصون شيئاً مما كتب من آجالكم، أينما تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: ولا تنقصون شيئاً مما كتب من آجالكم، أينما تكونوا في ملاحم حروبٍ أو غيرها)، فعلى هذا: ((أين)): ظرف (لا يُظْلَمُونَ)، و (يُدْرِككُّمُ): استئناف، وعلى الأول: (أَيْنَمَا): شرط، وجزاؤه (يُدْرِككُّمُ)، والجملة استئنافية. الانتصاف: هذا حجةٌ واضحةٌ عليه في أن القتل في المعركة لا يعارض الأجل المقدر. وقلت: قد مضى في آل عمران عند قوله تعالى: (فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [آل عمران: ١٦٨] بيان مذهبه، وهو أنهم دفعوا القتل عن أنفسهم بالقعود، وعلى هذا التفسير قوله: (يُدْرِككُّمُ المَوْتُ) تقريرٌ لمعنى قوله: (ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) [النساء: ٧٧]، على طريقة الطرد والعكس؛ لأن منطوق الأول على هذا التفسير: أن آجالكم مقدرةٌ لا تنقص وإن أقحمتم أنفسكم في الأخطار، ومفهومه: أنها لا تزيد وإن أحصنتموها في بروجٍ مشيدة الأقطار، وبالعكس في قوله: (يُدْرِككُّمُ المَوْتُ ولَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ)، فمعنى قوله: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) [النساء: ٧٧] على هذا أن التمتع في الدنيا إنما يكون في أزمنةٍ قلائل، وقوله: (ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً)) تتميمٌ له. علم من الأول أن الحياة في وشك الزوال، ومن الثاني أنها مع ذلك مقدرة الآجال، والجملتان جوابٌ عن قولهم: (لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ). وقريبٌ منه قوله تعالى: (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفِرَارُ إن فَرَرْتُم مِّنَ المَوْتِ أَوِ القَتْلِ وإذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إلاَّ قَلِيلاً) [الأحزاب: ١٦]، وعلى أن يتم الكلام عند قوله: (ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) قوله: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) جاء على عمومه، والمراد من قوله: (ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً)، لا ينقص من سعيكم في نصرة الدين وسائر أعمالكم، ويكون قوله: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ)) ردعاً لهم على جبنهم وخوفهم من الناس لمحبة الدنيا، والركون إلى حطامها، وإيثارها على الجهاد الذي هو الحياة الأخروية، وهو كالتمهيد للجواب، يعني: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ)، وهو استئنافٌ لبيان أن جبنهم وخوفهم من الناس لا ينفعهم البتة؛ لأن الآجال مقدرة، لا ينفع الحذر إذا جاء القدر.

стр. 1942

ثم ابتدأ قوله: (يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)، والوقف على هذا الوجه على (أينما تكونوا). والبروج: الحصون. (مشيدةٍ) مرفعة. وقرئ: (مُشَيَّدَةٍ) من شاد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجصّ. وقرأ نعيم بن ميسرة: (مُشَيَّدَةٍ) بكسر الياء؛ وصفاً لها بفعل فاعلها، مجازاً كما قالوا: قصيدةٌ شاعرة، وإنما الشاعر فارضها. السيئة تقع على البلية والمعصية، والحسنة على النعمة والطاعة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والبروج: الحصون. (مُّشَيَّدَةٍ): مرفعةٌ). الراغب: البروج: القصور، وسمي بروج النجوم لمنازلها المختصة بها، وقوله تعالى: (ولَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) يصح أن يراد بها بروجٌ في الأرض، وتكون إشارةً إلى ما قال الشاعر: ولو كنت في غمدان يحرس بابه … أراجيل أحبوشٌ وأسود آلف إذاً لأتتني حيث كنت منيتي … يحث بها هادٍ لإثري قائف وأن يراد بها (بروج النجوم)، ويكون لفظ المشيدة فيها على سبيل الاستعارة، وتكون الإشارة بالمعنى إلى نحو ما قال زهير: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه … ولو نال أسبب السماء بسلم قوله: (السيئة تقع على البلية والمعصية، والحسنة على النعمة والطاعة). الراغب: الحسنة والسيئة من الألفاظ المشتركة؛ ك ((الحيوان)) الذي يقع على الإنسان والفرس والحمار، أو من الأسماء المختلفة كالعين، ولو أن قائلاً قال: الحيوان متكلم، والحيوان غير متكلم، وأراد بالأول الإنسان، وبالثاني الفرس والحمار: لم يكن مناقضاً؛ وكذا إذا قيل: العين في الوجه، والعين ليس في الوجه، وأريد بالأولى الجارحة، وبالثانية عين الميزان أو السحاب، وكذلك

стр. 1943

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الآية: إذا أريد بالحسنة والسيئة في الآية الثانية غير الذي أريد بهما في الآية الأولى. وقلت: ويمكن أن يقال: لما عقب (وإن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ) بقوله: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ) ناسب أن تحمل الحسنة الأولى على النعمة، والسيئة على البلية، ولما أردف قوله: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ) بقوله: (وأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً) ناسب أن يحملا على ما يتعلق بالتكليف من المعصية والطاعة؛ ولذلك غير العبارة في قوله: (وإن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ) وقوله: (مَا أَصَابَكَ). قال الراغب: فإن قيل: ما الفرق بين قولك: هذا من عند الله، وهذا من الله؛ حتى قال في الأول: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) وقال في الثاني: (فَمِنَ اللَّهِ)؟ قيل: إن قوله: من عند الله أعم؛ فإنه قد يقال فيما كان يرضاه ويسخطه، وفيما يحصل، وقد أمر به ونهى، ولا يقال: هو من الله إلا فيما يرضاه ويأمره، وبهذا النظر قال عمر ﵁: إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن الشيطان. فالنفس المذكورة في قوله تعالى: (إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) [يوسف: ٥٣]، ومقتضى الآية كقوله: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا) [القصص: ٨٩]، وقوله: (ومَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) الآية: [القصص: ٩٠]. فإن قيل: إذا كان معنى الآية على ما ذكرت في أنه أريد به الثواب والعقاب؛ فهلا قال: ما أصابك من حسنة وسيئة فمن نفسك، إذا كان مقتضى ثوابه وعقابه فعل العبد؟ قيل: إنما نسب الله تعالى الحسنة إلى نفسه في الثواب تنبيهاً على أنه سبب الخيرات، ولولاه لما حصل بوجهٍ، فإنه يكسبه العبد بإرادةٍ من الله تعالى وأمرٍ وحثٍّ وتوفي، وأما السيئة وإن كانت بإرادةٍ من الله تعالى فليس بأمرٍ منه ولا حثٍّ ولا توفي، ومع ذك أدب بذلك عباده يراعوا فيما ينالهم من نعمته عليهم وينسبوا الحسنات إليه ويعملوا أنه سبب كل خيرٍ

стр. 1944

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ آت، وأنه لولاه لما حصل منها شيء، وعلى هذا قول عليٍّ رضي الله تعالى عنه: لا تخش إلا ذنبك، ولا ترج إلا ربك، وقال القاضي: الآيتان كما ترى لا حجة لنا فيهما ولا للمعتزلة. وأما الإمام فقد أطنب فيه كل الإطناب بتعديد الأقوال والتراجيح، فاختار منها العموم، قال: قوله: (وإن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ) يفيد العموم في كل الحسنات من النعم والطاعات، (وإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) يفيد العموم في كل السيئات من البلايا والمعاصي، ثم قوله: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) صريحٌ في أن الجميع من الله، فكانت الآية دالةً على أن جميع الطاعات والمعاصي من الله تعالى وهو المطلوب. وما اختاره المصنف من اختصاصهما بالنعمة والبلية أولى، والمقام له أدعى، لا سيما سبب النزول، ولفظة الإصابة إنما تستعمل فيما ذكر شائعاً ذائعاً، وفي الطاعة والمعصية نادراً، لكن يشكل بما أنه تعالى إنما نفى أن تكون الحسنة والسيئة المخصوصتان من عند غيره بقوله: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ)، ثم أثبت أن تلك الحسنة من الله والسيئة من نفس العبد، والتقصي منه إنما يحصل ببيان فائدة ذكر (عِندِ)، والتمييز بلفظة (هَذِهِ)، وليست إلا لاستقلال الاستناد، كأنه قيل: ليست هذه السيئة المشخصة إلا من تلقاء نفسك ومن قبلك، وليس لله تعالى فيها قضاءٌ ولا قدر، ونحوه قوله: (وعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف: ٦٥]، أي: بغير واسطة تعليم معلم، قال في قوله تعالى: (حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم) [البقرة: ١٠٩]: ((تمنيهم ذلك من عند أنفسهم، ومن قبل شهواتهم، ولا من قبل التدين والميل مع الحق))، ألا ترى كيف أثبت ونفى، وكان يلزم منه تعدد الخالق كمذهب المجوس؟ ولما لم يكن قصد اليهود في الإيراد هذا- بل ما ذكره المصنف من قوله: ((أضافوها إليك وقالوا: هي من عندك وما كانت إلا بشؤمك)) لكن لزم منه ذلك- رد الله تعالى عليهم بقوله: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) هذا المؤدي اللازم أولاً، لكونه أهم؛ لأنه ذبٌّ عما يلزم نسبته إلى

стр. 1945

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الله تعالى من الشرك ظاهراً، ثم وبخهم وعنفهم حيث رتب عليه بالفاء قوله: (فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا)، وجاء باسم الإشارة تحقيراً، وخص الفقه بالذكر تسجيلاً عليهم بعدم الفطنة، أي: فما لهؤلاء الجهلة لا يفطنون ما يتفوهون من لزوم تعدد الخالق المستلزم للشرك المؤدي إلى فساد العالم، ثم استؤنف بما هو حقيقة الجواب قائلاً: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ) على الخطاب العام، ليدخلوا فيه دخولاً أوليًّا مشتملاً على نوعٍ من الالتفات، أخبر عنهم أولاً على سبيل الغيبة في قوله: (وإن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا)، ثم جعلهم كالحاضرين المشاهدين في قوله تعالى: (فَمَالِ هَؤُلاءِ) نعياً عليهم سوء مقالتهم إلى غيرهم، ثم صيرهم كالمخاطبين في قوله: (مَا أَصَابَكَ) مزيداً للتوبيخ على ما نسبوا إلى رسول الله ﷺ من إضافة الشؤم إليه، وأبرز الجواب على صورة القول بالموجب، قرر أولاً ما أرادوا من قولهم، ثم كر إلى إبطاله وقلعه من سنخه، أي: صدقت أيها القائل فيما قلت: هذه من عند الله، لكن كذبت فيما زعمت: هذه من عندك؛ بل هو من شؤم نفسك الخبيثة وتكذيبك الحق الجلي بقولك: إن محمداً ليس بمبعوثٍ إلى الكل، وإن بعثته مختصةٌ بالعرب، فظهر من هذا التقرير اختلاف جهتي نفي المشيئة وإثباتها من حيث الإيجاد والسبب، وإلى الأول يلمح قوله: ((فرد الله عليهم بقوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) يبسط الأرزاق ويقبضها)) وإلى الثاني بقوله: ((لأنك السبب فيها)). ولما فرغ من رد القوم في الأمرين؛ شرع يسلي حبيبه صلوات الله عليه وسلامه مما أضافوا إليه من أن السيئة بسببك ومن قولهم: إنك لست بمبعوثٍ إلى الكل بقوله: (وأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً)، فإنه دل بعبارة النص على ما قال المصنف: ((لست برسول العرب وحدهم، أنت رسول العرب والعجم))، ودل بإشارته بواسطة لفظ الإرسال والعموم وإيثار صيغة التعظيم وخطاب الرسول على معنى قوله تعالى: (ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: ١٠٧]، يعني: كيف يتصور فيه السوء؟ وإنه رحمةٌ مهداةٌ للعالمين. وكفى بقوله تعالى: (وكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) على إرادة التسلي، والله تعالى أعلم بمراده من كلامه.

стр. 1946

قال اللَّه تعالى: (وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الأعراف: ١٦٨]. وقال: (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) [هود: ١١٤] والمعنى: وإن تصبهم نعمة من خصبٍ ورخاءٍ نسبوها إلى اللَّه، وإن تصبهم بليةٌ من قحطٍ وشدة أضافوها إليك، وقالوا: هي من عندك وما كانت إلا بشؤمك، كما حكى اللَّه عن قوم موسى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ) [الأعراف: ١٣١]، وعن قوم صالح: (قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ) [النمل: ٤٧]. وروي عن اليهود - لعنت - أنها تشاءمت برسول اللَّه؛ فقالوا: منذ دخل المدينة نقصت ثمارها، وغلت أسعارها، فردّ اللَّه عليهم بقوله: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يبسط الأرزاق ويقبضها على حسب المصالح. (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) فيعلموا أن اللَّه هو الباسط القابض، وكل ذلك صادر عن حكمةٍ وصواب. ثم قال: (ما أَصابَكَ) يا إنسان، خطاباً عاماً (مِنْ حَسَنَةٍ) أي: من نعمةٍ وإحسانٍ (فَمِنَ اللَّهِ): تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً وامتحاناً (وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ): من بليةٍ ومصيبةٍ (فَمِن نَّفْسِكَ): لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك، (وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى: ٣٠]. وعن عائشة ﵂: "ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ثم قال تعالى: (مَا أَصَابَكَ) يا إنسان، خطاباً عامًّا) يعني: أنه من باب قوله: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته … وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا أي: الخطاب لعامته بحيث لا يختص بأحدٍ دون أحد. قوله: (وعن عائشة ﵂: ((ما من مستلم))) الحديث من رواية البخاري ومسلمٍ وغيرهما، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مصيبةٍ تصيب المؤمن إلا كفر الله عنه بها، حتى الشوكة يشاكه)).

стр. 1947

يشاكها، وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب، وما يعفو اللَّه أكثر". (وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا)، أي: رسولاً للناس جميعاً، لست برسول العرب وحدهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجوهري: شاكتني الشوكة: إذا دخلت في جسده. قوله: (أي: رسولاً للناس جميعاً) يريد أن تقديم (لِلنَّاسِ) على عامله وهو (رَسُولاً) يفيد في هذا المقام معنى القصر القلبي، وبيانه أن اللام في (لِلنَّاسِ) للاستغراق، وهو في مقابلة البعض؛ لأنه رد لزعم اليهود أنه مبعوثٌ إلى العرب خاصةً دون كل الناس، وإليه الإشارة بقوله: ((لست برسول العرب وحدهم، أنت رسول العرب والعجم)) أي: جميع أصناف الناس؛ لأن معنى القصر القلبي: رد المخاطب إلى إثبات ما ينفيه، ونفي ما يثبته من الحكم. والظاهر أن القائلين اليهود؛ لأنه تعالى لما رد عليهم ما قالوه في حقه ﷺ : (وإن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ) بقوله: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ)، كما يدل عليه قول المصنف: ((روي عن اليهود- لعنت- أنها تشاءمت برسول الله ﷺ ، فقالوا: منذ دخل المدينة نقصت ثمارها، فرد الله عليهم بقوله: (قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ)))، وكان ذلك أمراً يتعلق بالأمور الدنيوية، أتى برد آخر على ما يتعلق بالأمور الدينية استطراداً، وهو قوله تعالى: (وأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً). وإنما أوثر التعريف الاستغراقي على العهد والجنس؛ لأنه إذا جعل للعهد والمقام فقد أثبت بعثته إلى بعضٍ دون بعض، وإذا رد زعمهم أنه لم يبعث إليهم بل بعث إلى العرب فتنتفي بعثته عن العرب ويختص، وهو خلف. وأما الجنس فلا يصح أيضاً، لأن الكلام حينئذٍ مع جنس الناس وجنس الجن، ولا قائل: إنه لم يبعث إلى الإنس بل بعث إلى الجن. وأما قصر الإفراد فلا يصح أيضاً؛ لأنه لا يزعم أحدٌ من المخالفين أنه بعث إلى الجن والإنس، فيرد أنه مختصٌّ بالإنس. قال أبو البقاء: (رَسُولاً): حالٌ مؤكدة، أي: ذا رسالة، ويجوز أن يكون مصدراً، و (لِلنَّاسِ) متعلقٌ بـ (أَرْسَلْنَا).

стр. 1948

أنت رسول العرب والعجم، كقوله: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ) [سبأ: ٢٨]، (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) [الأعراف: ١٥٨]. (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) على ذلك، فما ينبغي لأحدٍ أن يخرج عن طاعتك واتباعك. [(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً)]. (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ)؛ لأنه لا يأمر إلا بما أمر اللَّه به، ولا ينهى إلا عما نهى اللَّه عنه فكانت طاعته في امتثال ما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه طاعة اللَّه. وروي أنه قال: «من أحبنى فقد أحبّ اللَّه، ومن أطاعنى فقد أطاع اللَّه» فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل، لقد قارف الشرك وهو ينهى أن يعبد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: (رَسُولاً): حالٌ قصد بها التأكيد إن علق الجار بالفعل، والتعميم إن علق بها: رسولاً للناس. وإنما اختار المصنف هذا الوجه ليطابق المقام؛ لأن الكلام مع اليهود كما سبق؛ ولهذا استشهد بالآيتين الدالتين على العموم، على أن يكون (كَافَّةً) صفة مصدرٍ محذوف، أي: إلا رسالةً كافةً عامةً محيطةً بهم، وعلى أن يكون حالاً من الكاف، أي: جامعاً للناس في الإنذار على: وما أرسلناك إلا كافًّا للناس عن الكفر والمعاصي. قوله: ((فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) لأنه لا يأمر إلا بما أمر الله) إلى آخره. هذا التعليل يفيده لفظ (الرَّسُولَ)؛ لأنه من وضع المظهر موضع الضمير للإشعار بعلية إيجاب الطاعة له، يدل عليه السياق وهو قوله: (وأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً)، والسياق وهو قوله: (ومَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا)، وكان من الظاهر: ومن تولى فقد عصى الله؛ بقوله: (فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، فوضع موضعه (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) ليدل على المبالغة؛ لأن هذا الكلام إنما يخاطب به من ظن أنه حفيظٌ عليهم وعلى أن يردهم من العصيان إلى الطاعة، وهذا يبنى على أن القوم قد أوغلوا في العصيان.

стр. 1949

غير اللَّه، ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى، فنزلت. (وَمَنْ تَوَلَّى) عن الطاعة فأعرض عنه، (فَما أَرْسَلْناكَ) إلا نذيراً لا حفيظاً ومهيمناً عليهم، تحفظ عليهم أعمالهم، وتحاسبهم عليها، وتعاقبهم، كقوله: (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) [الأنعام: ١٠٧]. [(وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً)]. (وَيَقُولُونَ) إذا أمرتهم بشيءٍ: (طاعَةٌ) بالرفع، أي: أمرنا وشأننا طاعة، ويجوز النصب بمعنى: أطعناك طاعةً، وهذا من قول المرتسم: سمعاً وطاعةً، وسمعٌ وطاعةٌ. ونحوه قول سيبويه: وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: حمد اللَّه وثناءٌ عليه، كأنه قال: أمري وشأني حمد اللَّه، ولو نصب حمد اللَّه وثناءً عليه كان على الفعل، والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها. (بَيَّتَ طائِفَةٌ): زورت طائفة وسوت (غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) خلاف ما قلت وما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من قول المرتسم). الأساس: ومن المجاز: رسمت له أن يفعل كذا فارتسمه، وأنا أرتسم مراسمك لا أتخطاها، ومنه: ارتسم: إذا دعا، كأنه أخذ بما رسم الله له من الالتجاء إليه. قوله: (زورت طائفةٌ) يروى بالراء والزاي بعد الواو، يقال: زورت في نفسي كلاماً ثم قلته، أي: دبرت، ومنه قول عمر ﵁: زورت في نفسي كلاماً أقوم به يوم السقيفة، فقام به أبو بكرٍ ﵁. ورواه أبو عبيدة بتقديم الزاي على الراء، وقد خطئ، وليس بخطأٍ؛ لأن المصنف ذكره في ((الفائق)) في كتاب الزاي، في سقيفة بني

стр. 1950

أُمرت به، أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة؛ لأنهم أبطلوا الرد لا القبول، والعصيان لا الطاعة، وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون، والتبييت: إما من البيتوتة؛ لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل، يقال: هذا أمر بيت بليلٍ، وإما من أبيات الشعر؛ لأن الشاعر يدبرها ويسويها. (وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ): يثبته في صحائف أعمالهم، ويجازيهم عليه على سبيل الوعيد؛ أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك، فيطلعك على أسرارهم فلا يحسبوا أن إبطانهم يغني عنهم. (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ): ولا تحدّث نفسك بالانتقام منهم، (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) في شأنهم، فإنّ اللَّه يكفيك معرّتهم، وينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام وعز أنصاره. وقرئ: (بَيَّتَ طائِفَةٌ) بالإدغام وتذكير الفعل؛ لأنّ تأنيث الطائفة غير حقيقي، ولأنها في معنى الفريق والفوج. [(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)]. تدبُّر الأمر: تأمُّله والنظر في إدباره وما يؤل إليه في عاقبته ومنتهاه، ثم استعمل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ساعدة حين اختلفت الأنصار على أبي بكر، فجاء أبو بكرٍ ﵁ فما ترك شيئاً مما كنت زورته، قال أبو زيد: كلامٌ مزورٌ ومزوق أي: محسن، وقيل: مهياٌ مقوًّى. من قول ابن الأعرابي: الزور: القوة، وليس له زور، أي: قوة رأي. وفي ((النهاية)) في باب الزاي: في حديث عمر: كنت زورت في نفسي مقالةً، أي: هيأت وأصلحت. قوله: (معرتهم). النهاية: المعرة: الأمر القبيح المكروه والأذى، وهي مفعلةٌ من العر، وأصل المعرة: موضع العر، وهو الجرب. قوله: (وقرئ: ((بيت طائفةٌ)) بالإدغام): قرأ أبو عمروٍ وحمزة بإدغام التاء في الطاء، والباقون بفتح التاء من غير إدغام. قوله: (تدبر الأمر: تأمله)، قال المصنف: في قوله: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ) الآية،

стр. 1951

في كل تأمل، فمعنى تدبر القرآن: تأمل معانيه وتبصر ما فيه. (لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً): لكان الكثير منه مختلفاً متناقضاً، قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه، فكان بعضه بالغاً حدّ الإعجاز، وبعضه قاصراً عنه يمكن معارضته، وبعضه إخباراً بغيبٍ قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخباراً مخالفاً للمخبر عنه، وبعضه دالاً على معنى صحيحٍ عند علماء المعاني، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فوائد، منها: وجوب النظر في الحجج والدلالات، وبطلان التقليد، وبطلان وقل من يقول: القرآن لا يفهم المراد بظاهره، وبطلان قول من يقول: إن المعارف الدينية ضرورية، وفيها الدلالة على صحة القياس، والدلالة على أن أفعال العباد ليست بخلق الله تعالى لوجود التناقض فيها، وفيه نظر. الراغب: التدبر: النظر في دبر الأمور وتأملها، وأصله من الدبر، ومنه الدبور، وقد يقال ذلك في تأمل الشيء بعد حصوله، ومعرفة خيره من شره، وصلاحه من فساده، كقولك: تدبرت فيما فعل فلان فوجدته سديداً، وإلى هذا نظر المصنف في قوله: ((ثم استعمل في كل تأمل)). قوله: (دالاًّ على معنًى صحيحٍ عند علماء المعاني). إنما خص علماء المعاني؛ لأن جل التركيب التنزيلي وارد لا على مقتضى الظاهر، فمن لم يمارس هذا العلم وما منح الفضل الإلهي من سلامة فطرةٍ واستقامة طبيعةٍ وشدة ذكاءٍ وصفاء قريحة: بادر إلى بيان الاختلاف وإظهار التناقض، وإذا نظر صاحبه إليه استنبط من ذلك الاختلاف معاني تحرق منها الأوهام وتسلب بها العقول. قال السجاوندي: الاختلاف هو الذي يرجع به إليه عيب التناقض لا التجنس وبسط وجوه المعاني وتشعب الآراء في التفسير والتأويل، وهو برهان الكمال، واختلاف الجاهل فيه لا يؤثر في كماله كما لم يصر كذباً بتكذيب الجاهلين، وقد قال الله تعالى: (ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ) [هود: ١١٠].

стр. 1952

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وها نحن نبين لك بلسانهم ما تقتضيه الحال في هذا المقام؛ وهو أن ((لو)) لامتناع الشيء لامتناع غيره، فإذا دخلت على المثبت جعلته منفيًّا وبالعكس، فإذن المعنى: ما وجدوا في القرآن اختلافاً كثيراً؛ لأنه كان من عند الله، فمن ذهب إلى أن الوصف تخصيصٌ وإثبات للحكم فيما عدا المذكور؛ التزم الاختلاف في القليل، لكن غير مخل، كالناسخ والمنسوخ والمتشابه والعام والخاص ونحو ذلك. قلت: كلا، إنما يذهب إلى ذلك إذا لم يوجد للتخصيص فائدةٌ سواه، وها هنا الكلام في قومٍ مخصوصين في شأن البلاغتين؛ لأنهم تحدوا بهذا القرآن، وعجزوا عن الإتيان بمثله، ومع ذلك تقاعدوا عن الإيمان به، فأنكر عليهم، وقيل في حقهم: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ) الآية، وفائدة الوصف: أن الواجب من حيث الظاهر أن يجدوا اختلافاً كثيراً؛ لكونهم أكثر من حصى البطحاء ورمال الدهناء مع كونهم فرسان البلاغة لا يشق غبارهم في ميدان الطراد مع تهالكهم وحرصهم على الدفع بإظهار الاختلاف، فلما لم يظفروا بشيء منه؛ علم أن القرآن ليس من كلام البشر، بل هو من كلام خالق القوى والقدر، فوجب عليهم أن يتدبروا في ذلك، ويظهروا الإيمان به، نحو قوله تعالى: (لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً) [آل عمران: ١٣٠]، وقوله: (ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إمْلاقٍ) [الإسراء: ٣١]. هذا وأما من جهة المعاني: فإن قولك: ما وجدوا في القرآن اختلافاً كثيراً؛ فمن باب قوله: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر: ١٨]، وقول الشاعر: على لا حبٍ لا يهتدى بمناره فيحتمل أن لا يكون ثمة اختلافاً ولا كثرة، وأن يكون اختلافاً غير كثير؛ فدل على الأول اقتضاء المقام على ما سبق. ووجهٌ آخر؛ وهو أن يكون في الكلام حذف، أي: يتغافلون، وهم الذين لا يصطلي بنارهم في المعرفة والفطنة، فلا يتفكرون في هذا القرآن وأنه من عند الله؛ إذ ليس فيه اختلافٌ قط، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، فما لهم لا يؤمنون به؟ ! فتكون الجملة الشرطية معطوفةٌ على هذا المقدر. والله أعلم.

стр. 1953

وبعضه دالاً على معنى فاسدٍ غير ملتئم، فلما تجاوب كله بلاغة معجزةً فائتةً لقوى البلغاء، وتناصر صحة معانٍ وصدق إخبار، علم أنه ليس إلا من عند قادر على ما لا يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه. فإن قلت: أليس نحو قوله: (فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ) [الأعراف: ١٠٧]، (كَأَنَّها جَانٌّ) [النمل: ١٠]؛ (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر: ٩٢]، (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) [الرحمن: ٣٩]؛ من الاختلاف؟ قلت: ليس باختلافٍ عند المتدبرين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ليس باختلافٍ عند المتدبرين). قال على الأول: إن العصا كانت عند انقلابها حيةً صغيرةً، ثم تزايد جرمها حتى صارت ثعباناً، فالجان أول حالها والثعبان مآلها، أو كانت في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان. وعلى الثاني: إن يوم القيامة يومٌ طويل، وفيه مواطن، فيسألون في مواطن ولا يسألون في أخر. الراغب: إن للإنسان هاديين: الشرع والعقل، أحدهما أصلٌ للآخر، فبين تعالى أن الذي أتاكم به من الشرع لو كان من عند غير الله لكان مقتضى العقل يخالفه، فلما لم يوجد بينه وبين العقل منافاةٌ علم أنه من عند الله، فإن قيل: فقد ورد في الشرع أشياء يقتضي العقل خلافها، قيل: كلا، فإن جميع ما ورد به الشرع لا ينفك من وجهين: إما شيءٌ يحكم به العقل لكونه حسناً، مثل: الاشتغال بعبادة الرب مطلقاً، أو يكون غير مهتدٍ إلى معرفته لا أنه يستقبحه، فبين الشرع حسنه، وذلك كأعداد الصلوات وهيئاتها وأركانها في كونها عبادةً على وجهٍ دون وجه، وأما أن يأتي الشرع بشيءٍ قد قضى العقل بكونه قبيحاً فليس بموجود، وبعض الناس يصور أشياء ينفر الطبع منها، كعاداتٍ جارية أو اعتقاداتٍ فاسدة؛ وذلك أنهم لم يفرقوا بينه وبين حكم العقل، وظنوا أن حكم العقل حكمٌ بضد الشرع كذبح البهائم.

стр. 1954

[(وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً* فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً)]. هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال ولا استبطان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هم ناسٌ من ضعفة) أي: ((هم)) في (وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ)، وقوله: ((كانوا إذا بلغهم)) جملةٌ مبنيةٌ ومن ثم لم يجئ بالعاطف، فإن قلت: كيف اتصال هذه الآية بما قبلها؟ قلت- والله أعلم-: إنه تعالى لما حرض المؤمنين على القتال بقوله: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا) [النساء: ٤]، وزاد التحريض ثانياً بقوله: (ومَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ) [النساء: ٥]، وترقى فيه ثالثاً إلى قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) [النساء: ٦]، وربع بالتعيير لبعض من جبن عن القتال من المؤمنين، وبالغ في الرد عليه حتى بلغ إلى أن قال: إن الآجال مقدرةٌ والحذر لا يزيد في العمر، والاقتحام في المهالك لا ينقص منه، وكان حديثاً مناسباً للقضاء والقدر، فاستطرد ذكر المنافقين القائلين بما ينافي القدر، وأجاب عنهم: أن الكل بقضائه وقدره، وزجرهم ونسبهم إلى الجهل كما سبق، ثم أرشدهم إلى التفكر في النصوص الواردة في القرآن في ذلك بقوله: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ) [النساء: ٨٢] عاد إلى حديث الذين كفوا وجبنوا وأمثالهم، وعيرهم بنوعٍ آخر حيث قال: (وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ)، ولما فرغ من حديثهم كر إلى التحريض في القتال قائلاً: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ) مزيداً لإلهاب المؤمنين؛ حيث خص رسول الله ﷺ بالخطاب وبالأمر بالقتال، وختم به أمر المقاتلة والمعاملة مع أعداء الله، ولما أراد أن يأخذ في شرعٍ آخر، وهو حن المعاشرة مع أولياء الله- وهو قوله تعالى: (وإذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ) - جعل قوله: (مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً)

стр. 1955

للأمور، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول اللَّه ﷺ من أمنٍ وسلامة، أو خوفٍ وخللٍ (أَذاعُوا بِهِ)، وكانت إذاعتهم مفسدة. ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول اللَّه وإلى أولي الأمر منهم وهم كبار الصحابة البصراء بالأمور، أو الذين كانوا يؤمرون منهم؛ (لَعَلِمَهُ): لعلم تدبير ما أخبروا به (الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ): الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم، ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها. وقيل: كانوا يقفون من رسول اللَّه وأولي الأمر على أمنٍ ووثوقٍ بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعارٍ فيذيعونه، فينتشر فيبلغ الأعداء، فتعود إذاعتهم مفسدة. (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر) وفوّضوه إليهم، وكانوا كأن لم يسمعوا، لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه؟ وقيل: كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئاً من الخبر عن السرايا مظنوناً غير معلوم الصحة فيذيعونه، فيعود ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تخلصاً إليه؛ لأن الشفاعة الحسنة: هي التي روعي بها حقٌّ، ودفع بها شرٌّ، وجلب خير، (واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) [الأحزاب: ٤]. قوله: (أو الذين كانوا يؤمرون منهم) عطفٌ على قوله: ((كبراء الصحابة)) أي: علماؤهم المجتهدون منهم، والوجهان مبنيان على تفسير قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) [النساء: ٥٩] على ما سبق. قوله: ((الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ): الذين يستخرجون تدبيره). الراغب: الاستنباط: خرج الشيء من أصله كاستنباط الماء من البئر، والجوهر من المعدن، وذلك كالإثارة في خرج التراب، واستعير للحديث، ومنه النبط، لاستنباطهم الأرض وعمارتها، والآية تقتضي أن لا يقدم الإنسان على ما لا يتحقق جواز الإقدام عليه، ولا يقول إلا عن بصيرة، وعلى ذلك قوله تعالى: (ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [الإسراء: ٣٦]. قوله: (وقيل: كانوا يسمعون من أفواه المنافقين) عطفٌ على قوله: ((وقيل: كانوا يقفون

стр. 1956

ذلك وبالاً على المؤمنين، (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر)، وقالوا: نسكت حتى نسمعه منهم، ونعلم هل هو مما يذاع أو لا يذاع؟ (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) لعلم صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع؛ هؤلاء المذيعون، وهم (الذين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من رسول الله ﷺ وأولي الأمر)) وهو عطفٌ على قوله: ((كانوا إذا بلغهم خبرٌ عن سرايا رسول الله ﷺ ). اعلم أن ما ذاعت به ضعفة المسلمين مما يجب إخفاؤه: إما أن يكون من أسرار المؤمنين أو المنافقين، والأول: إما أن تكون الأسرار التي سمعوها في أمر المسلمين من غيرهم، أو سمعوها من الرسول ﷺ وأولي الأمر. أما المعنى على الوجه الأول: فهو أن الضعفة إذا سمعوا من أمر عساكر المسلمين شيئاً من الخير والشر أفشوا وأورث ذلك فساداً في أمر المؤمنين، فقيل لهم: لو سكتوا عن ذلك ولم يعلموا سوى الرسول والصحابة لتداركوا ذلك بحيث لا يؤدي إلى الفساد. وعلى الثاني: أنهم إذا وقفوا على أحوال الرسول ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم من الأمن أو الخوف أظهروها، وكان ذلك خللاً في أمورهم، ولو فوضوا ذلك إلى الرسول ﷺ وأصحابه لدبروا وأصلحوا ذلك الخلل. وعلى الثالث: إذا سمع النبي ﷺ وأصحابه من المنافقين أراجيف في سرايا المؤمنين بادرت الضعفة إلى الإشاعة ولم يصبروا حتى ينظر الرسول ﷺ وأصحابه: هل هو مما يذاع أم لا؟ ف ((من)) في (يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) على الوجهين الأولين: بيانيةٌ تجريدية، وعلى الثالث: ابتدائية؛ ولهذا قال في هذا الوجه: (((الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ) من الرسول وأولي الأمر، أي: يتلقونه ويستخرجون علمه من جهتهم))، فعلى هذا (الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ): الضعفة، وعلى الوجهين الأولين: المراد بهم الرسول ﷺ وكبراء الصحابة، فيكون من وضع المظهر موضع المضمر للإشعار بالعلية، وفيه تنبيهٌ على علو منزلة المجتهدين. قوله: (هؤلاء المذيعون) فاعل ((لعلم))، وقوله: ((وفوضوه إليهم))، وقوله: ((وقالوا: نسكت)) كلاهما من عطف التفسير.

стр. 1957

يستنبطونه) من الرسول وأولي الأمر، أي: يتلقونه منهم، ويستخرجون علمه من جهتهم. يقال: أذاع السر وأذاع به، قال: أَذَاعَ بِهِ فِى النَّاسِ حتَّى كَأَنَّهُ … بِعَلْيَاءَ نَارٌ أُوقِدَتْ بِثَقُوب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأذاع به). الانتصاف: في اجتماع الهمزة والباء نظر؛ لأنهما تتعاقبان، وهو الذي اقتضى الزمخشري أن يقول: ((فعلوا به الإذاعة)) ليخرجها عن الباء المعاقبة للهمزة. الإنصاف: على الأول لا تجعل الهمزة للتعدية؛ بل ذاع وأذاع بمعنًى، ولا يمنع اجتماعهما مع الباء نحو: سرى به وأسرى به. وقلت: ويعضده قراءة من قرأ: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) [المؤمنون: ٢٠] بضم الباء، وسيجيء الكلام فيه. وقال أبو البقاء: الألف في (أَذَاعُوا) بدلٌ من ياء، يقال: ذاع الأمر يذيع، والباء زائدة، وقيل: حمل على معنى: تحدثوا به. الانتصاف: في هذه الآية تأديبٌ حسنٌ لمن يحدث بكل ما سمع وكفى به كذباً، وخصوصاً عن مثل الأعداء الناصبين. وقلت: نحوه في الحديث: ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع))، أخرجه مسلمٌ وأبو داود، عن أبي هريرة. قوله: (أذاع به في الناس) البيت، قبله:

стр. 1958

ويجوز أن يكون المعنى: فعلوا به الإذاعة وهو أبلغ من أذاعوه. وقرئ: (لعَلِمَهُ) بإسكان اللام كقوله: فَإنْ أَهْجُهُ يَضجَرْ كَمَا ضَجْرَ بَازِلٌ … مِنَ الْأُدْمِ دَبْرَتْ صَفْحَتَاهُ وَغَارِبُهْ والنبط: الماء يخرج من البئر أول ما تحفر، وإنباطه واستنباطه: إخراجه واستخراجه، فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل ويهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أمنت على السر امرأ غير حازمٍ … ولكنه في النصح غير مريب علياء: اسم موضع، والثقوب: ما ثقبت به النار. قوله: (فعلوا به الإذاعة) يريد أن قوله: (أَذَاعُوا) على باب قول الشاعر: .. يجرح في عراقبيها نصلي جعل لازماً، ثم عومل معه معاملة اللازم فعدي بالباء، المعنى: جعلوه موضعاً للإذاعة ومكانها؛ ولهذا قال: ((وهو أبلغ من أذاعوه)). وروي عن سيبويه: ظننت بك ذاك، أي: جعلتك مكاناً للظن. قوله: (فإن أهجه) البيت، يضجر: من ضجر الرجل بالشيء يضجر: إذا تبرم به، والبازل: الشاب من البعير، والأدم: البيض؛ وإنما خصها لأنها أرق جلوداً، يقال: أدبرت العير تدبر، أي: تقرح، صفحتاه، أي: جانبا ظهره وغاربه، يقول: إن أهجه يضجر كما يضجر من الدبر النوق. قوله: (فيما يعضل ويهم) نشرٌ للمعاني والتدابير.

стр. 1959

(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) وهو إرسال الرسول وإنزال الكتاب والتوفيق، (لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ): لبقيتم على الكفر (إِلَّا قَلِيلًا) منكم، أو: إلا اتباعاً قليلاً. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ): لبقيتم على الكفر (إلاَّ قَلِيلاً) منكم، أو: إلا إتباعاً قليلاً)، الأول: استثناءٌ من فاعل ((اتبعتم))، والثاني من مصدره. الانتصاف: في قول الزمخشري نظر؛ إذ جعل الاستثناء من الجملة التي وليها بناءً على ظاهر الإعراب، ويفسد المعنى؛ إذ يلزم منه جواز أن ينتقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان، ومن إتباع الشيطان إلى معصيته؛ وليس لله تعالى عليه فضلٌ في ذلك معاذ الله منه؛ لأن لولا: حرف امتناعٍ لوجود، يدل على أن امتناع إتباع المؤمنين الشيطان في الكفر إنما كان لوجود فضل الله عليهم، فالفضل منع من إتباع الشيطان، فإذا استثنيت منها فقد سلبت تأثير فضل الله في امتناع الإتباع عن البعض المستثنى وجعلتهم مستبدين بإتباع الإيمان وعصيان الشيطان الداعي إلى الكفر بأنفسهم لا بفضل الله، كما تقول: لولا مساعدتي لك لسلبت أموالك إلا قليلاً، فلا تجعل لمساعدتك أثراً في إبقاء القليل وإنما مننت عليه ببقاء تأثير المساعدة في أكثر ماله؛ ومن ثم أعاد القاضي أبو بكرٍ الاستثناء على ما قبل الجملة الأخيرة ثم اتخذها دليله في الرد على من جزم بعود الاستثناء إذا تعقب، حملاً إلى الجملة الأخيرة. وقال الإمام: ظاهر هذا الاستثناء يوهم أن ذلك القليل وقع لا بفضل الله ولا برحمته، ومعلومٌ أن ذلك محال؛ فعند ذلك اختلف المفسرون، قيل: الاستثناء راجعٌ إلى قوله: (أَذَاعُوا)، فالتقدير: إذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلاً، فأخرج من هذه الإذاعة بعضهم، قيل: راجعٌ إلى قوله: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) إلا القليل، قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى؛ لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله، وقيل: الاستثناء متعلقٌ بقوله: (ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ)؛ لأن حرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى؛ فهذا القول لا يتمشى إلا إذا فسرنا الفضل والرحمة

стр. 1960

لما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال، وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بشيءٍ خاص، وفيه وجهان، الأول: وهو قول جماعة من المفسرين: إن المراد بفضل الله ورحمته إنزال القرآن وبعثة محمدٍ ﷺ ، المعنى: لولا بعثة محمدٍ وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان وكفرتم بالله إلا القليل منكم، فإنهم ما تبعوا الشيطان وما كفروا، مثل قس ابن ساعدة وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل. وثانيهما: ما ذكر أبو مسلم، وهو أن المراد بفضل الله ورحمته النصرة والمعونة، المعنى: لولا حصول النصرة والظفر على سبيل التتابع لاتبعتم الشيطان وتركتم الدين إلا القليل منكم، وهم أهل البصائر النافذة والعزائم المتمكنة من أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كون الدين حقًّا حصول الدولة في الدنيا، أو باطلاً الانكسار والانهزام؛ بل مدار الأمر في كونه حقًّا أو باطلاً على الدليل. وهذا أحسن الوجوه وأقربها إلى التحقيق. وقلت: يشهد للقول الأول من هذين القولين قوله تعالى: (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ) [النساء: ٨٠] وقوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ)، وللقول الثاني قوله تعالى: (وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ)، وبعده: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ). وأما كلام المصنف فلا يمكن تصحيحه لتقييده بالتوفيق. قوله: (لما ذكر في الآي قبلها تثبيطهم عن القتال) وهي قوله تعالى: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ) [النساء: ٧٧] الآيات، وسبيل هذه الآية والفاء في (فَقَاتِلْ) مع الآيات السابقة سبيل الفاء في قوله: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ) [النساء: ٧٤] مع ما قبله، وهو قوله تعالى: (وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ … ) الآية [النساء: ٢]، لكن هذا الخطاب مع الرسول ﷺ وذلك مع المؤمنين كما سبق. وقال الزجاج: الفاء في (فَقَاتِلْ) جواب قوله: (ومَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الآية [النساء: ٤]، ويجوز أن يكون متصلاً بقوله تعالى: (ومَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [النساء: ٥] أي: أي شيءٍ لكم في ترك القتال؟ (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، فأمره بالجهاد ولو قاتل وحده؛ لأنه

стр. 1961

قال: (فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) إن أفردوك وتركوك وحدك (لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ): غير نفسك وحدها أن تقدّمها إلى الجهاد، فإنّ اللَّه هو ناصرك لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف. وقيل: دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج، وكان أبو سفيان واعد رسول اللَّه اللقاء فيها، فكره بعض الناس أن يخرجوا؛ فنزلت، فخرج وما معه إلا سبعون لم يلو على أحد، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده. وقرئ: (لا تكلف) بالجزم على النهي، و (لا نكلف) بالنون وكسر اللام، أي: لا نكلف نحن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ضمن له النصر، وروي عن أبي بكرٍ الصديق ﵁ في الردة قال: لو خالفتني يميني جاهدتها بشمالي. الراغب: إن قيل: كيف قال: (لا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ) وقد بعث لتكليف الناس؟ قيل: لم يعن بالتكليف الاستدعاء الذي رشح له؛ بل للتحريض وتحريض الناس على الخروج معه، ألا ترى أنه قال: (وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ)؟ وهذه الآية تقتضي أن على الإنسان أن لا يني في نصرة الحق وإن تفرد. وقال بعض العارفين: من طلب رفيقاً في سلوك طريق الحق فلقلة يقينه وسوء معرفته، فالمحقق للسعادة والعارف بالطريق إليها لا يعرج على رفيقٍ ولا يبالي بطول طريق، فمن خطب الحسناء لم يغله المهر. قوله: (غير نفسك وحدها) لم يرد به أن ((إلا)) هنا بمعنى: غير؛ بل إنها من الاستثناء المفرغ وفيه معنى الحصر؛ ولهذا أكده بقوله: ((وحدها)) أي: لا تكلف شيئاً إلا أن تقدم نفسك إلى الجهاد، وقوله: ((أن تقدمها للجهاد)) بيانٌ لقوله: ((غير نفسك)). قوله: (لم يلو على أحد). الأساس: ومر لا يلوي على أحد: لا يقيم عليه ولا ينتظره.

стр. 1962

إلا نفسك وحدها. (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ): وما عليك في شأنهم إلا التحريض فحسب لا التعنيف بهم. (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا): وهم قريش، وقد كف بأسهم، فقد بدا لأبي سفيان وقال: هذا عام مجدب، وما كان معهم زاد إلا السويق، ولا يلقون إلا في عامٍ مخصبٍ فرجع بهم. (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاساً) من قريشٍ (وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا) تعذيباً. [(مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً)]. الشفاعة الحسنة: هي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه اللَّه، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمرٍ جائزٍ، لا في حدّ من حدود اللَّه، ولا في حق من الحقوق، والسيئة: ما كان بخلاف ذلك. وعن مسروقٍ أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع جاريةً فغضب وردها، وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك، ولا أتكلم فيما بقي منها. وقيل: الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم، لأنها في معنى الشفاعة إلى اللَّه. وعن النبي: «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له؛ قال له الملك: ولك مثل ذلك» فذلك النصيب. والدعوة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقد كف بأسهم) أتى بقوله: ((قد)) للتحقيق، مشيراً به إلى أن (عَسَى) استعمل للتحقيق. قال الزجاج: ((عسى)) في اللغة للطمع، والطمع والإشفاق من الله تعالى واجبٌ، كأنه قال: إن الله سيكف بأس الذين كفروا. قوله: (من دعا لأخيه) وفي روايةٍ لمسلم، عن أبي الدرداء، أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((ما من عبدٍ يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل))، والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعاً للكلام وتمكيناً، قاله صاحب ((النهاية)). قوله: (فذلك النصيب) يريد أن معنى النصيب في قوله: (يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا)

стр. 1963

على المسلم بضد ذلك. (مُقِيتاً): شهيداً حفيظاً. وقيل: مقتدراً، وأقات على الشيء قال الزبير بن عبد المطلب: وَذِى ضِغْنٍ نَفَيْتُ السُّوءَ عَنْهُ … وَكُنْتُ عَلَى إسَاءَتِهِ مُقِيتَا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا المذكور، وفيه أن معنى الكفل بضد ذلك؛ ولذلك قال: ((والدعوة على المسلم بضد ذلك)). الراغب: فإن قيل: فلم فرق بينهما في الحسنة: (نَصِيبٌ)، وفي السيئة: (كِفْلٌ)؟ قيل: يجوز أنه لما كان النصيب يقال فيما يقل ويكثر، والكفل لا يقال إلا في المثل، جاء في السيئة بلفظ الكفل؛ تنبيهاً على معنى المماثلة، وإشارةً؟ إلى ما قال: (ومَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَهَا) [الأنعام: ١٦٠]، وقد قيل: الكفل أكثر ما يقال في الشيء الرديء، فنبه بلفظه على ذلك تنبيهاً على قوله: (وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) [الشورى: ٤٠]، فإن قيل: فقد قال: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ) [الحديد: ٢٨] وليس ذلك بمذموم، قيل: إنه عنى ها هنا بالكفلين: الكفلين من رحمته يتكفلان به من العذاب، فضارع اللفظان والمعنيان مختلفان، فلما حث الله تعالى في الآية المتقدمة على تكليف ما أمره وتحريض المؤمنين ورجائه الظفر بالكفار، بين ها هنا أن من أعان غيره في فعلٍ حسنٍ فله نصيبٌ في ثوابه، وإن أعانه في فعلٍ سيئ فله كفلٌ منه. وقلت: في الآية حثٌّ على الشفاعة الحسنة في حق الإخوان رجاء الثواب؛ ولهذا قال الشاعر: ومن يفرد الإخوان فيما ينوبهم … تصبه الليالي مرةً وهو مفرد قوله: (وذي ضغنٍ) البيت، الضغن: الحقد، يقول: رب ذي ضغنٍ علي كففت السوء عنه مع القدرة.

стр. 1964

وقال السموأل: أَلِي الْفَضْلُ أَمْ عَلَيّ إذَا حُو … سِبْتُ إنِّى عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ واشتقاقه من القوت؛ لأنه يمسك النفس ويحفظها. [(وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً)]. الأحسن منها أن يقول: وعليكم السلام ورحمة اللَّه، إذا قال: السلام عليكم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ألي الفضل أم علي) البيت، قبله: ليت شعري- وأشعرن- إذا ما … قربوها منشورةً ودعيت وأشعرن: جملةٌ معترضة، قربوها منشورة: عبارةٌ عن الصحف، كقوله تعالى: (وإذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) [التكوير: ١٠] ودعيت: أي: حين يدعى كل أناسٍ بإمامهم، وقوله: ((إني على الحساب مقيت)) جملةٌ أخرى وقعت سادةً مسد معمولي ((ليت شعري))، وعلقت بهمزةٍ مقدرةٍ يدل عليها قوله: ((ألي الفضل)). قوله: (واشتقاقه من القوت). قال الزجاج: (مُّقِيتًا): مشتقٌ من القوت، يقال: قت الرجل أقوته قوتاً: إذا حفظت نفسه بما يقوته، والقوت: اسم لذلك الشيء الذي يحفظ به النفس، والله الحفيظ؛ لأنه تعالى يعطي الشيء على قدر الحاجة من الحفظ. قوله: (الأحسن منها أن يقول: وعليكم السلام)، فسر التحية بالسلام لكونه سبباً للحياة، ثم عبر عنه بها عرفاً. الراغب: التحية من قولهم: حيا الله فلاناً، أي: جعل له حياةً، وذلك إخبارٌ ثم يجعل دعاءً، ثم يقال: وحيا فلانٌ فلاناً: إذا قال له ذلك وحكم به، كما يقال: أضللت فلاناً

стр. 1965

وأن يزيد: وبركاته إذا قال: ورحمة اللَّه. وروي: أنّ رجلاً قال لرسول اللَّه ﷺ : السلام عليك، فقال: «وعليك السلام ورحمة اللَّه». وقال آخر: السلام عليك ورحمة اللَّه، فقال: «وعليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته»، وقال آخر: السلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته، فقال «وعليك» فقال الرجل: نقصتنى، فأين ما قال اللَّه؟ وتلا الآية، فقال: "إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله". (أَوْ رُدُّوها): أو أجيبوها بمثلها، ورد السلام ورجعه: جوابه بمثله؛ لأن المجيب يرد قول المسلم ويكره، وجواب التسليمة واجب، وعن أبي يوسف ﵀: من قال لآخر: أقرئ فلاناً السلام، وجب عليه أن يفعل. وعن النخعي: السلام سنة والردّ فريضة، وعن ابن عباس: الردّ واجب، وما من رجلٍ يمرّ على قومٍ مسلمين فيسلم عليهم ولا يردّون عليه، إلا نزع عنهم روح القدس، وردّت عليه الملائكة. ولا يرد السلام في الخطبة وقراءة القرآن جهراً، ورواية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأرشدته، إذا حكمت بذلك. وأصل التحية من الحياة، ثم يقال لكل دعاءٍ: ((تحيةٌ))، لكون جميعه غير خارجٍ عن كونه حياةً أو سبب حياة: إما دنيوية وإما أخروية. وإن قيل: على أي وجهٍ جعل قولهم: ((السلام)) تحية الملتقيين؟ قيل: السلام والسلم واحد، بدليل قوله: (فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ) [الذاريات: ٢٥]، ولما كان الملتقيان من الأجانب قد يحذر أحدهما الآخر؛ استعمل هذه اللفظة تنبيهاً من المخاطِب أني بذلت لك ذلك وطلبته منك، ونبه المجيب إذا قال: وعليك السلام على نحو ذلك، ثم صار ذلك مستعملاً في الأجانب والأقارب والأعادي والأصادق، تنبيهاً أني أسأل الله ذلك لك. قوله: (وجواب التسليمة واجب) ثم قوله: (والرد فريضة)، يدل على أن الفرض والواجب سيان. قوله: (نزع عنهم روح القدس). النهاية: أصل النزع: الجذب والقلع، ومنه نزع القوس: إذا جذبها، قيل: معناه: نزع التأييد والتوفيق والبركة، وروح القدس: جبريل، ومنه
следующие страницы →