Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
في أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر في تلك الأدلة، ولا عرف أنهم رسل اللَّه إلا بالنظر فيها؟ قلت: الرسل منبهون عن الغفلة، وباعثون على النظر، كما ترى علماء أهل العدل والتوحيد، مع تبليغ ما حملوه من تفضيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع، فكان إرسالهم إزاحة للعلة وتتميما لإلزام الحجة، لئلا يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولاً فيوقظنا من سنة الغفلة، وينبهنا لما وجب الانتباه له. وقرأ السلمي: (لكنّ اللَّه يشهد) بالتشديد. فإن قلت: الاستدراك لا بدّ له من مستدرك فما هو في قوله: (لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ)؟ قلت: لما سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من السماء، وتعنتوا بذلك، واحتج عليهم بقوله: (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) قال: (لَكِنِ اللَّه يَشْهَدُ)، بمعنى: أنهم لا يشهدون، ولكن اللَّه يشهد. وقيل: لما نزل (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ)، قالوا: ما نشهد لك بهذا، فنزل: (لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ). ومعنى شهادة اللَّه بما أنزل إليه: إثباته لصحته بإظهار المعجزات، كما تثبت الدعاوى بالبينات. وشهادة الملائكة: شهادتهم بأنه حق وصدق. فإن قلت: بم يجابون لو قالوا: بم يعلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الانتصاف: مذهبهم في التحسين والتقبيح يجرهم إلى إثبات أحكام الله تعالى بمجرد العقل من غير بعثة رسل، فيجبون ويحرمون ويبيحون، ومما أوجبوه النظر في أدلة التوحيد قبل الشرع، ومن تركه ترك واجباً واستحق العقاب وقامت عليه الحجة، فإذا تليت عليهم هذه الآية وشهدت عليهم أن الحجة إنما قامت على الخلق بالأحكام الشرعية حرفوا النص وقالوا: الرسل تتمم حجج الله وتنبه على ما يوجبه العقل قبل بعثتهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، وربما أشكل هذا الفصل على من طالعه من كلام الزمخشري؛ لأن المعرفة والتوحيد طريقهما العقل لا النقل، لكن المعرفة متلقاة من العقل والوجوب متلقى من الشرع والنقل المحض.
قوله: (من تبليغ ما حُملوه) حال من فاعل "منبهون" أي: الرسل منبهون على دليل العقل حال كونهم مصاحبين دليل النقل.
стр. 2102
أن الملائكة يشهدون بذلك؟ قلت: يجابون بأنه يعلم بشهادة اللَّه؛ لأنه لما علم بإظهار المعجزات أنه شاهد بصحته علم أن الملائكة يشهدون بصحة ما شهد بصحته؛ لأنّ شهادتهم تبع لشهادته. فإن قلت: ما معنى قوله: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)، وما موقعه من الجملة التي قبله؟ قلت: معناه أنزله ملتبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (معناه: أنزله ملتبساً بعلمه الخاص). اعلم أن هذا المقام مما يُحتاج فيه إلى تدقيق نظر لتفصيل الوجوه وامتياز بعضها من بعض، فقوله: ﴿بِعِلْمِهِ﴾ إما أن يُجري على المجاز، أو على الحقيقة، والجار والمجرور على الأول حالٌ من المفعول، ويحتمل أمرين في الثاني: أما المعنى على الوجه الأول فهو ما ذكره "أنزله ملتبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره"، فالعلم على هذا مجاز من التأليف على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ، والعلاقة هي النسبة التي بين الفاعل والفعل؛ لأن الفاعل المتقن الحكيم لا يصدر منه إلا الفعل المحكم البديع، ولا ارتياب في أن مثل هذا العلم الخاص يصلح أن يشهد الله تعالى به على صحة الدعوى؛ ولهذا كان قوله: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ بياناً للشهادة؛ حيث قال: "وأن شهادته بصحته أنه أنزله بالنظم المعجز الفائت للقدرة"، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]: "أي: فأتوا بسورة من مثل القرآن في البيان الغريب، وعلو الطبقة في حسن النظم".
وعلى الوجه الثاني: الجار والمجرور: إما حال من الفاعل؛ فالمعنى "أنزله وهو عالمٌ بأنك أهل لإنزاله إليك" لأنك من أولي العزم لا تألوا جهداً في تبليغه، وإليه الإشارة بقوله: "وأنك مبلغه"، ويمكن أن يقال: أنزله وهو عالمٌ بأنك أهل لأن ينزل علي وأن يتحدى بمثل لونك رجلاً أمياً لم تقرأ الكتب وما باشرت العلماء على منوال ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ﴾ [البقرة: ٢٣] من مثل محمد، أي: ممن هو على حاله من كونه بشراً عربياً أمياً، أو من المفعول، فالمعنى "أنزله ملتبساً بما علم من المصالح مشتملاً عليه"، فقوله: "مشتملاً عليه" بدل
стр. 2103
وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان. وموقعه مما قبله موقع الجملة المفسرة؛ لأنه بيان للشهادة، وأن شهادته بصحته أنه أنزله بالنظم المعجز الفائت للقدرة. وقيل: أنزله وهو عالمٌ بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه. وقيل: أنزله مما علم من مصالح العباد مشتملا عليه. ويحتمل: أنه أنزله وهو عالم به، رقيبٌ عليه، حافظ له من الشياطين برصدٍ من الملائكة، والملائكة يشهدون بذلك كما قال في آخر سورة الجنّ، ألا ترى إلى قوله: (وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ) [الجن: ٢٨]؟ والإحاطة بمعنى العلم. (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) وإن لم يشهد غيره؛ لأنّ التصديق بالمعجزة هو الشهادة حقاً (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ) [الأنعام: ١٩].
[(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً* إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً)].
(كَفَرُوا وَظَلَمُوا): جمعوا بين الكفر والمعاصي، وكان بعضهم كافرين وبعضهم ظالمين أصحاب كبائر، ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من الحال، والضمير المجرور لـ "ما". مثله قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١].
قوله: (ويحتمل أنه أنزله وهو عالم به) تفسيرٌ آخر، وهو أنه ضمن العلم معنى الرقيب والحافظ وجعل الجار والمجرور حالاً من الفاعل، وقرينة التضمين قران العلم بشهادة الملائكة؛ لأنه حينئذ على وزان قوله في سورة الجن: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ [الجن: ٢٧، ٢٨]؛ ومن ثم قال: "رقيب عليه برصد من الملائكة، والملائكة يشهدون"، وعلى هذين الوجهين ﴿أَنزَلَهُ﴾ لا يكون بياناً كما في الوجهين السابقين؛ بل يكون تكريراً لتعلق ما به عُلق.
قوله: (أو كان بعضهم كافرين وبعضهم ظالمين) يريد أنه من باب قول حسان:
стр. 2104
لأنه لا فرق بين الفريقين في أنه لا يغفر لهما إلا بالتوبة وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً لا يلطف بهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء
أي: ومن يمدحه فحذف الموصول.
قوله: (لأنه لا فرق بين الفريقين). الإنصاف: عدل عن الظاهر لعقيدته، والآية تنبو عنه؛ لأنه جعل الكفر والظلم كليهما صلة فيلزم وقوع الفعلين جميعاً من كل واحد من أفراده، فإذا قلت: الزيدون قاموا فقد أسندت القيام لكل واحد، وكذلك إذا عطفت عليه، وقيل: لو كان المراد ما قال لقيل: الذين كفروا والذين ظلموا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: ٦٢].
وقلت: وأما قضية النظم فإن الاستدراك في قوله: ﴿لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦] مُنادٍ بأن الخطب قد بلغ الغاية وأن المنكرين قد جاوزوا حد العناد، ويؤيده قول المصنف: "لما سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من السماء وتعنتوا بذلك واحتج عليهم بقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣] قال: ﴿لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ بمعنى أنهم لا يشهدون لكن الله يشهد"، فدل هذا على أن الحجة أفحمتهم، ولم يبق في أيديهم سوى العناد ولبس طريق الحق والصد عن سبيل الله؛ لأنهم أهل الكتاب، فحينئذ اتجه لسائل أن يقول: فما حكم الله على أولئك البعداء؟ فقيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً﴾، وكرر ذلك ليُناط به قوله: ﴿لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ مزيداً لذلك النعي، ليؤذن بأنهم متعنتون مكابرون واضعون الشيء في غير موضعه مستوجبون لكل نكال وإهانة؛ ولذل عم الخطاب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠] تنبيهاً لهم على الحث في النظر وتعريضاً بأن أهل الكتاب ما تابعوا الحق وما التفتوا إلى الدليل وركبوا متن الباطل واللجاج، فإذا لا مدخل لحكاية أصحاب الكبائر في هذا النص.
стр. 2105
فيسلكون الطريق الموصل إلى جهنم. أو لا يهديهم يوم القيامة طريقا إلا طريقها (يَسِيراً)، أي: لا صارف له عنه.
[(يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً* يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً)].
(فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ) - وكذلك (انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ) - انتصابه بمضمر، وذلك أنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث، علم أنه يحملهم على أمر فقال: (خَيْراً لَكُمْ) أي: اقصدوا، أو ائتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فيسلكون الطريق الموصل إلى جهنم) هذا على أن الهدى هي الدلالة الموصلة إلى البُغية، وهي على سبيل التهكم من باب قوله:
تحية بينهم ضربٌ وجيع
وقوله: (أولاً يهديهم يوم القيامة) على أن الهداية مجرد الدلالة.
قوله: (لا صارف له عنه) أي: لله تعالى عن ذلك، أي: عن عدم الغفران وعن الهداية إلى طريق جهنم.
قوله: (أي: اقصدوا أو ائتوا أمراً خيراً لكم). قال الزجاج: اختلفوا في نصب ﴿خَيْراً﴾، قال الكسائي: انتصب لخروجه من الكلام، يقال في الكلام التام: لتقومنخيراً لكن وانته خيراً لك، بالنصب، وفي الناقص يقال: إن تنته خيرٌ لك، بالرفع. وقال الفراء: انتصب
стр. 2106
والتثليث. وهو الإيمان والتوحيد. (لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ): غلت اليهود في حط المسيح عن منزلته، حيث جعلته مولودا لغير رشدة، وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه إلها. (وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ): وهو تنزيهه عن الشريك والولد. وقرأ جعفر بن محمد: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ) بوزن السكيت. وقيل لعيسى: كلمة اللَّه) وكلمةٌ منه؛ لأنه وجد بكلمته وأمره لا غير، من غير واسطة أب ولا نطفة. وقيل: له روح اللَّه وروح منه لذلك؛ لأنه ذو روحٍ وجد من غير جزء من ذى روح، كالنطفة المنفصلة من الأب الحيّ، وإنما اخترع اختراعاً من عند اللَّه وقدرته خالصةً. ومعنى (أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ): أوصلها إليها وحصلها فيها (ثَلاثَةٌ) خبر مبتدأٍ محذوف، فإن صحت الحكاية عنهم أنهم يقولون: هو جوهر واحد ثلاثة أقانيم: أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس، وأنهم يريدون بأقنوم الأب الذات، وبأقنوم الابن العلم، وبأقنوم روح القدس: الحياة، فتقديره اللَّه ثلاثة وإلا فتقديره: الآلهة ثلاثة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بـ ﴿انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ لأنه متصل بالأمر وهو من صفته، ألا ترى إلى قولك: انته هو خيرٌ لك، فلما أسقطت هو اتصل بما قبله؟ قال الزجاج لم يبين الفراء ولا الكسائي أنه من أي المنصوبات هو، وقال الخليل وجميع البصريين: هذا محمول على المعنى؛ لأنك إذا قلت: انته خيراً لك؛ فأنت تدفعه عن أمر وتدخله في غيره، كأنك قلت: انته وائت خيراً لك أو: ادخل فيما هو خيرٌ لك.
قلت: كلام المصنف مبني على هذا المذهب! وقيل: التقدير: انتهوا يكن خيراً لكم.
قوله: (اخترع اختراعاً). الأساس: اخترع الله الأشياء: ابتدعها من غير سبب، كأنه لم يجعل الأمر سبباً في الوجود؛ ولهذا أكده بقوله: "وقدرته خالصة"، وهي حالٌ من قدرته.
قوله: (وإلا فتقديره: الآلهة ثلاثة) أي: إن لم تصح الرواية فتقديره: الآلهة ثلاثة: الله،
стр. 2107
والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن اللَّه والمسيح ومريم ثلاثة آلهة، وأنّ المسيح ولد اللَّه من مريم. ألا ترى إلى قوله: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [المائدة: ١١٦]، (وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) [التوبة: ٣٠]. والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون: في المسيح لاهوتية وناسوتية من جهة الأب والأم. ويدل عليه قوله: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)، فأثبت أنه ولد لمريم اتصل بها اتصال الأولاد بأمّهاتها، وأن اتصاله باللَّه عز وعلا من حيث أنه رسوله وإنه موجود بأمره وابتداعه جسداً حياً من غير أب، فنفى أن يتصل به اتصال الأبناء بالآباء، وقوله: (سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ). وحكاية اللَّه أوثق من حكاية غيره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعيسى، وروح القدس. تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، يعني: أنهم مستوون في الإلهية، ويقال في العرف عند إلحاق اثنين بواحد في وصف: هم ثلاثة، أي: إنهما شبيهان له.
قوله: (والذي يدل عليه) يعني: حُكي عن النصارى المذهبان، والذي يدل عليه القرآن المذهب الثاني.
قوله: (ويدل عليه قوله) أي: على أنهم يقولون في المسيح اللاهوتية والناسوتية؛ رده الله بـ ﴿إِنَّمَا﴾، فإنه من القصر الإفرادي، نفي بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أحد ما أثبتوه وهو اللاهوتية، وقصر الحكم على الآخر وهو الناسوتية بقوله: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾، وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ عطف على قوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ﴾.
قوله: (وحكاية الله أوثق) متعلق بقوله: "والذي يدل عليه القرآن" أي: والحال أن حكاية الله أوثق من حكاية غيره، أي: ما حكى الله عنهم من القول بالذوات دون الأقانيم، والجُمل التي توسطت بين الحال وعاملها معترضة.
اعلم أن الحكيم الفاضل يحيى بن عيسى بن جزلة صاحب "المنهاج في الطب" كان نصرانياً، وبعدما أسلم وحسن إسلامه صنف رسالة رداً على النصارى، وقال فيها: زعمت النصارى أن الله تعالى جوهر واحد، ثلاثة أقانيم: أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح
стр. 2108
ومعنى (سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ): سبحه تسبيحاً من أن يكون له ولد. وقرأ الحسن: إن يكون، بكسر الهمزة ورفع النون، أي: سبحانه ما يكون له ولد، على أنّ الكلام جملتان. (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ): بيانٌ لتنزهه عما نسب إليه، يعنى أنّ كل ما فيهما خلقه وملكه، فكيف يكون بعض ملكه جزأ منه؟ على أن الجزء إنما يصح في الأجسام، وهو متعالٍ عن صفات الأجسام والأعراض. (وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا) يكل إليه الخلق كلهم أمورهم، فهو الغنى عنهم وهم الفقراء إليه.
[(لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً) ١٧٢].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القدس، فإنه واحد في الجوهر مختلف بالأقانيم، وقال بعضهم: إنها أشخاص وذوات، وقال بعضهم: إنها خواص، فإن أقنوم الأب الذات، وأقنوم الابن هو الكلمة، وهي العلم وإنها لم تزل متولدة من الأب لا على سبيل التناسل، بل كتوليد ضياء الشمس عن الشمس، وأقنوم روح القدس هو الحياة، وأنها لم تزل فائضة من الأب والابن، واختلفوا في الاتحاد، فقالت اليعقوبية: إنها بمعنى الممازجة، كمُمازجة النار بالفحمة، فالجمرة ليست ناراً خالصة ولا فحمة، وهذا موافق لقولهم: إن الله تعالى نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنساناً؛ ولذلك قالوا: المسيح جوهر من جوهرين، وأقنوم من أقنومين. وقلت: هذا هو القول باللاهوت والناسوت. وقال الحكيم: فظاهر قول نسطور: أن الاتحاد على معنى المساكنة؛ وأن الكلمة جعلته محلاً، ولذلك قالوا: جوهران، أقنومان، على غير ذلك من الأقوال، وإذا كان هذا الاختلاف ثابتاً في فرق النصارى منقولاً عنهم يصح حينئذ أن يُراد من قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ أي: ولا تقولوا: وجوهر واحد، ثلاثة أقانيم، وأن يُراد من قوله: ﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] الذوات الثلاث، وأن يُراد بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وقوله سبحانه: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ القول باللاهوت والناسوت؛ وذلك أن الله تعالى حكى في كل مكان حكاية فرقة من فرقهم، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون﴾ [الصافات: ١٨٠].
стр. 2109
(لَن يَسْتَنْكِفَ): لن يأنف ولن يذهب بنفسه عزة من نكفت الدمع. إذا نحيته عن خدك بإصبعك (ولَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ): ولا من هو أعلى منه قدراً،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولن يذهب بنفسه عزة) كناية عن عدم التكبر؛ لأن المتكبر هو الذي يضع نفسه فوق منزلتها ويذهب بها عن طورها فلا ينقاد لأحد. الراغب: العبودية متضمنة للمذلة إذا اعتبرت بغير الله، وإذا اعتبرت بالله كانت مقر الشرف؛ فلهذا لا استنكاف منها، والاستكبار طلب التكبر بغير استحقاق، والتكبر قد يكون باستحقاق؛ وذلك إذا كان طلباً لعزة النفس والتلطف عن الأعراض الدنيوية، والفرق بينهما: أن الاستنكاف تكبر في تركه أنفة، وليس في الاستكبار ذلك.
قوله: (ولا من هو أعلى منه قدراً). قال محي السنة: يستدل بتفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية؛ لأن الله ارتقى من عيسى إلى الملائكة ولا يرتقي إلا إلى الأعلى؛ إذ لا يقال: لا يستنكف فلان من كذا ولا عبده، وإنما يقال: ولا مولاه. ولا حجة لهم فيه؛ لأنه لم يقل ذلك رفعاً لمقامهم على مقام البشر، بل رداً على الذين يقولون: الملائكة آلهة، كما رد على النصارى قولهم: المسيح ابن الله، ونحوه عن صاحب "الفرائد".
وقال القاضي: الآية رد على عبدة المسيح والملائكة فلا يتجه ذلك وإن سُلم اختصاصها بالنصارى؛ لأن الكلام فيهم، فلعله أراد بالعطف المبالغة باعتبار التكثير دون التكبير، كقولك: أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس، وإن أراد به التكبير فغايته تفضيل المقربين من الملائكة- وهم الكروبيون - على المسيح من الأنبياء؛ وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقاً والنزاع فيه.
وقال صاحب "التقريب": المثال لا يصحح به الكُلِّي، لأنه إنما يدل لسبق العلم بزيادة البحر على حاتم، أما إذا قلت: لا يفعله زيدٌ ولا عمرو، لم يفهم التفضيل؛ فدلالتها على
стр. 2110
وأعظم منه خطراً، وهم الملائكة الكروبيون الذين حول العرش، كجبريل وميكائيل وإسرافيل، ومن في طبقتهم. فإن قلت: من أين دلّ قوله: (ولَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) على أنّ المعنى: ولا من فوقه؟ قلت: من حيث أنّ علم المعاني لا يقتضي غير ذلك، .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تفضيل الملائكة تتوقف على معرفة أفضليتهم وبالعكس فيدور؛ ولأن الواو لا توجب الترتيب، ولأنه يدل على أن جميع الملائكة أفضل لأنها جمع معرف فيفيد العموم لا أن كل واحد أفضل وهو المطلوب، وإن ادعى أنه ذوقي وجداني فالوجدانيات لا يستدل بها على الخصم.
وقلت: الجواب الصحيح أن يقال: إن قوله: "أن الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى" فوجب أن يقال لهم: لن يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو أرفع درجة؛ لأن هذا الرد غنما يتمشى معهم وينتهض للحجة عليهم إذا سلموا أن الملائكة أفضل من عيسى ﵊، ودونه خرط القتاد! فكيف والنصارى يرفعون درجته إلى الإلهية؟
قوله: (وهم الملائكة الكروبيون). قال في "الفائق": الكروبيون سادة الملائكة، منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، هم المربون، وكرب: إذا قرب، قال أمية بن أبي الصلت:
كروبية منهم ركوع وسُجد
قوله: (إن علم المعاني لا يقتضي غير ذلك)، هذا الحصر ممنوعٌ، وغايته أنه باب الترقي، وتقريره ما ذكره الإمام، قال: رُوي أن وفد نجران، وساق القصة بتمامها كما في الكتاب، وقال: معناه: أنكم إن استنكفتم عن أن يكون عيسى عبد الله، وتزعمون أنه ابن الله أو كما قالوا؛ بسبب أنه كان يخبر عن المغيبات ويأتي بخوارق العادات من إحياء الموتى؛ فإن اطلاع الملائكة على المغيبات أكثر، وقدرتهم على التصرف في هذا العالم أشد؛ وكيف لا وجبريل ﵊ قلع مدائن لوط بريشة واحدة من جناحه؟ وأيضاً، إنكم
стр. 2111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنما تتخذون عيسى رباً وإلاها؛ لأنه وُجد بغير أب، فالملائكة أولى لأنهم وُجدوا بغير أب وأم، وإذا كانوا مع هذا لا يستنكفون فالمسيح أولى.
وقلت: والذي يقتضيه النظم أن يكون الأسلوب من باب التتميم والمبالغة لا الترقي؛ وذلك أن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إثبات للتوحيد على القصر، وتقرير لصفة الفردانية على الوجه الأبلغ؛ لأن المعنى: ما الله إلا واحد فردٌ في الإلهية لا شريك له فيها، ولا يصح أن يسمى غيره إلهاً، وأن قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ إثبات لصفة المالكية والخالقية على الاختصاص أيضاً؛ وذلك بتقديم الظرف على المبتدأ، وفيه أن ما سواه مملوكه تحت تصرفه وتدبيره ومن جملته المسيح والملائكة وكل ما عُبِدَ من دون الله، وأن قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ إثبات لكمال قدرته على الاختصاص أيضاً، وبيان أن غيره غيرُ مستقل بنفسه وأن أموره موكولة إليه لا إلى غيره، ثم إنه تعالى لما قرر الفردانية والمالكية والقدرة التامة، كل ذلك على الاختصاص- أتبعه قوله: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ﴾ إلى آخر الآيات؛ بياناً وتذييلاً وتقريراً لاستحقاقه العبودية وإنكار أن أحداً يستنكف ويستكبر عن عبادته، المعنى: لا يستقيم بعد هذا التقرير أن يتصور أن أحداً يستكبر على الله ويستنكف عن عبوديته، المعنى: لا يستقيم بعد هذا التقرير أن يُتصور أن أحداً يستكبر على الله ويستنكف عن عبوديته: لا الذي تتخذونه أنتم أيها النصارى إلها لكمال فيه، ولا من اتخذه غيركم من الملائكة لقربهم من الله. وإنما قلنا: لكمال فيه؛ لأن في تصريح ذكر المسيح بعد سبق ذكره من قوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ إشعاراً بالعلية. وأيضاً، قد تقرر أن المعرف إذا أعيد كان الثاني عين الأول؛ وإذا كان كذلك يحصل بين تخصيص ذر الروح وبين ذكر المقرب فرقٌ، وهذا هوا لجواب عن قوله الآتي: "ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة تخصيص المقربين"، وبهذا البيان ظهر أن ذكر الملائكة المقربين للاستطراد- كما قال محيي السنة - لم يقل رفعاً لمقامهم على مقام البشر؛ بل رداً على الذين يقولون: الملائكة آلهة، كما رد على
стр. 2112
وذلك أنّ الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلوّهم في رفع المسيح عن منزلة العبودية، فوجب أن يقال لهم: لن يترفع عيسى عن العبودية ولا من هو أرفع منه درجةً، كأنه قيل: لن يستنكف الملائكة المقرّبون من العبودية، فكيف بالمسيح؟ ويدل عليه دلالة ظاهرةً بينة تخصيص المقرّبين؛ لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلةً. ومثاله قول القائل:
وَمَا مِثْلُهُ مِمَّنْ يُجَاوِدُ حَاتِمٌ … وَلَا الْبَحْرُ ذُو الْأَمْوَاجِ يَلْتَجُّ زَاخِرُهْ
لا شبهة في أنه قصد بالبحر ذى الأمواج: ما هو فوق حاتم في الجود. ومن كان له ذوق فليذق مع هذه الآية قوله: (وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى) [البقرة: ١٢٠]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النصارى، وتبين بقوله: ﴿وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ الآية، أن الكلام في العبودية ونفي الاستنكاف لا الأفضلية؛ لكونه تذييلاً للكلام السابق.
قوله: (وما مثله ممن يجاود) البيت، أي: وما مثله حاتمٌ مما يجاود، وقيل: الصواب: وما مثله ممن يجاوده حاتم، أي: لا يقدر حاتم على مجاودة مثل الممدوح، وجاودت الرجل، من الجود، مثل: ما جدته من المجد، التج البحر: ارتفع.
قوله: (فليذق مع هذه الآية) أي: ليجرب الفكر ليعلم أن الفرق بينهما في معنى الأفضلية. أما الموازنة بين الاثنين فهي أن قوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى﴾ [البقرة: ١٢٠] كلام واردٌ في انتفاء الرضا عن الفريقين على المبالغة؛ نفي الرضا أولاً عمن هو أبعدُ في الرضا وهم اليهود، ثم عمن هو أقرب إليه وهم النصارى، على معنى: لا يرضى عنك من هو أقرب إلى الرضا وهم النصارى، فكيف بمن هو أبعد منه؟ لقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [المائدة: ٨٢]. فالمعنى على زعمه: لن يستنكف الملائكة المقربون مع جلالتهم وقرب منزلتهم من أن يكونوا عبيداً لله، فكيف بالمسيح الذي هو دونهم؟ وقلت: قد مر أنه من باب التتميم لا الترقي.
стр. 2113
حتى يعترف بالفرق البين. وقرأ علىّ رضى اللَّه عنه: عُبيداً للَّه، على التصغير.
وروي: أن وفد نجران قالوا لرسول اللَّه ﷺ : لم تعيب صاحبنا؟ قال: "ومن صاحبكم" قالوا: عيسى، قال: وأى شيء أقول؟ قالوا: تقول: إنه عبد اللَّه ورسوله، قال: "إنه ليس بعارٍ أن يكون عبداً للَّه". قالوا: بلى، فنزلت: أي: لا يستنكف عيسى من ذلك فلا تستنكفوا له منه، فلو كان موضع استنكافٍ لكان هو أولى بأن يستنكف؛ لأنّ العار ألصق به. فإن قلت: علام عطف قوله: (ولَا الْمَلائِكَةُ)؟ قلت: لا يخلو إمّا أن يعطف على (المسيح) أو على اسم (يكون)، أو على المستتر في (عَبْداً)؛ لما فيه من معنى الوصف لدلالته على معنى العبادة، كقولك: مررت برجلٍ عبدٍ أبوه، فالعطف على (المسيح) هو الظاهر لأداء غيره إلى ما فيه بعض انحرافٍ عن الغرض، وهو أن المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا من فوقه موصوفين بالعبودية، أو أن يعبد اللَّه هو ومن فوقه. فإن قلت: قد جعلت الملائكة وهم جماعة "عبداً" للَّه في هذا العطف، فما وجهه؟ قلت: فيها وجهان: أحدهما: أن يراد ولا كل واحدٍ من الملائكة، أو ولا الملائكة المقرّبون أن يكونوا عباداً للَّه، فحذف ذلك لدلالة (عبد الله) عليه إيجازاً، وأمّا إذا عطفتهم على الضمير في (عَبْداً) فقد طاح هذا السؤال ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فلا تستنكفوا له) أي: لعيسى ﵊.
قوله: (منه) أي: من أن يكون عبداً.
قوله: (لا يأنف أن يكون هو ولا من فوقه) هذا على أن يكون عطفاً على اسم ﴿يَكُونُ﴾، وإنما كان منحرفاً لأن إسناد عدم الاستنكاف حينئذ منه لا من الملائكة، والذي سيق له الكلام عدم استنكاف الملائكة أيضاً، قال صاحب "التقريب": وجود "لا" في المعطوف يستدعي العطف على المسيح؛ لأنه المنفي أولاً.
قوله: (طاح) أي: سقط هذا السؤال؛ لأن ﴿يَكُونُ﴾ يدل على معنى العبادة، كأنه قيل: أن تعبد الله؛ لأن فعل الجماعة يوجد متقدماً عليها.
стр. 2114
قرئَ: (فسنَحْشُرُهُمْ) بضم الشين وكسرها وبالنون.
[(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً* يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً* فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً)].
فإن قلت: التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين، والمفصل على فريق واحد. قلت: هو مثل قولك: جمع الإمام الخوارج، فمن لم يخرج عليه كساه وحمله، ومن خرج عليه نكل به، وصحة ذلك لوجهين، أحدهما: أن يحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه، ولأنّ ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني، كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله عقيب هذا: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ). والثاني: وهو أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم، فكان داخلاً في جملة التنكيل بهم، فكأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر، فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب اللَّه. البرهان والنور المبين: القرآن. أو أراد بالبرهان دين الحق أو رسول اللَّه ﷺ . وبالنور المبين: ما يبينه ويصدقه من الكتاب المعجز (فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ): في ثواب مستحق وتفضل (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ): إلى عبادته (صِراطاً مُسْتَقِيماً): وهو طريق الإسلام. والمعنى: توفيقهم وتثبيتهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فسنحشرهم) القراءتان شاذتان، والمشهور بالياء وضم الشين.
قوله: (والثاني، وهو أن الإحسان) حاصله أن قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾ وعيد للمستنكفين بالعذاب، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ﴾ تفصيلٌ للعذاب، فصله بنوعي العذاب؛ أحدهما: النكال، وثانيهما: عذاب الحسرة وشماتة الأعداء، وحاصل الجوابين أن قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾ من اللف، إما على الحذف، أو على التضمين.
стр. 2115
[(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)].
روي: أنه آخر ما نزل من الأحكام. كان رسول اللَّه ﷺ في طريق مكة عام حجة الوداع، فأتاه جابر بن عبد اللَّه فقال: إنّ لي أختاً فكم آخذ من ميراثها إن ماتت؟ وقيل: كان مريضاً فعاده رسول اللَّه ﷺ فقال: إني كلالة، فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ): ارتفع (امرؤاً) بمضمر يفسره الظاهر، ومحل (لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) الرفع على الصفة لا النصب على الحال، أي: إن هلك امرؤ غير ذي ولد، والمراد بالولد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (روي أنه آخر ما نزل من الأحكام) روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن البراء قال: آخر آية نزلت آية الكلالة، وآخر سورة نزلت سورة براءة.
وأما حديث جابر فرواه الشيخان وغيرهما، قال: مرضت فأتاني رسول الله ﷺ يعودني وأبو بكر ﵁ وهما ماشيان، وفي رواية: وعندي سبع أخوات، فأفقت، فقلت: يا رسول الله، ألا أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال: "أحسن"، قلت: بالشطر؟ قال: "أحسن"، ثم خرج، وقال: "يا جابر، قد أُنزل فبين الذي لأخواتك فجعل لهن الثلثين"، وكان جابر يقول: أنزلت في هذه الآية.
قوله: (لا النصب على الحال)؛ لأن ذا الحال نكرة غير موصوفة، فإن ﴿هَلَكَ﴾ مفسر للفعل المحذوف لا صفة.
قوله: (والمراد بالولد الابن) إلى آخره، قيل: الأولى أن يُجرى الولد على عمومه ليشمل الابن والبنت؛ فإن الأخت مع وجود البنت الواحدة ترث بالعصوبة لا لخصوصية كون
стр. 2116
الابن وهو اسم مشترك يجوز إيقاعه على الذكر وعلى الأنثى؛ لأن الابن يسقط الأخت ولا تسقطها البنت إلا في مذهب ابن عباس، وبالأخت التي هي لأب وأم دون التي لأم، لأنّ اللَّه تعالى فرض لها النصف وجعل أخاها عصبةً وقال: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [النساء: ١١٠]، وأما الأخت للأم فلها السدس في آية المواريث مسوّى بينها وبين أخيها. (وَهُوَ يَرِثُها): وأخوها يرثها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها. (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ)، أي: ابن؛ لأن الابن يسقط الأخ دون البنت. فإن قلت: الابن لا يسقط الأخ وحده، فإن الأب نظيره في الإسقاط، فلم اقتصر على نفي الولد؟ قلت: بين حكم انتفاء الولد، ووكل حكم انتفاء الوالد إلى بيان السنة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النصيب نصفاً، ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾، فإن الثلثين إنما يجوزان بشرط عدم الولد لا بشرط عدم الابن فقط، والحاصل أنه تعالى فرض للأخت النصف عند عدم الولد، وهو مطرد لا إشكال في منطوقه، وأما إذا انتفى قيد عدم الولد فالحكم أيضاً ظاهر؛ لأنه إن كان له ابن وبنت فليس للأخت شيء، وإن كان له بنتان فليس لها النصف، وكذا إن كان له بنت؛ لأنها حينئذ ترث بالعصوبة كما قررنا.
قوله: (وبالأخت التي هي لأب وأم أو لأب دون التي لأم) عطف على قوله: "بالولد الابن" يريد أن قوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ وإن كان مطلقاً لكنه مقيد. قال الإمام: في الآية تقييدات ثلاثة؛ أحدها: أن ظاهرها يقتضي أن الأخت تأخذ النصف عند عدم الولد، فأما عند وجود الولد فلا، وليس كذلك؛ بل شرط كون الأخت بحيث تأخذ النصف أن لا يكون للميت ابن، فإن كان له بنت؛ فالأخت تأخذ النصف أيضاً، وثانيها: أن ظاهرها يقتضي أنه إذا لم يكن للميت ولدٌ ووالد، فإن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع، وثالثها: أن قوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ يقتضي إطلاقها، وليس كذلك؛ بل الشرط أن لا تكون الأخت من الأم والأخ من الأم؛ لأن الله تعالى قد بين حكم كل واحد منهما.
стр. 2117
وهو قوله ﷺ : (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى عصبة ذكر) والأب أولى من الأخ، وليسا بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة، ويجوز أن يدل حكم انتفاء الولد على حكم انتفاء الوالد؛ لأن الوالد أقرب إلى الميت من الوالد، فإذا ورث الأخ عند انتفاء الأقرب فأولى أن يرث عند انتفاء الأبعد؛ ولأن الكلالة تنتاول انتفاء الوالد والولد جميعا، فكان ذكر انتفاء أحدهما دالا على انتفاء الآخر. فإن قلت: إلى من يرجع ضمير التثنية والجمع في قوله: ﴿فإن كانتا اثنتين﴾، ﴿وإن كانوا إخوة﴾؟ قلت: أصله: فإن كان من يرث بالأُخُوة اثنتين، وإن كان من يرث بالأخوة ذكورا وإنانا، وإنما قيل: ﴿فإن كانتا﴾ و (إن كانوا) كما قيل: من كانت أمك، فكما أنث ضمير (من) لمكان تأنيث الخبر، كذلك ثني وجمع ضمير من يرث في ﴿كانتا﴾ و ﴿كانوا﴾؛ لمكان تثنية الخبر وجمعه. والمراد بالإخوة: الإخوة والأخوات؛ تغليبا لحكم الذكورة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فإذا ورث الأخ عند انتفاء الأقرب فأولى أن يرث عند انتفاء الأبعد)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، ووجه النظر أن طريقة الأولوية غنما تحسن في الإثبات هنا، كما تقول: إذا ورث عند وجود الابن فلأن يرث عند وجود الأب أولى؛ لأنه أبعد عن الابن، وأما في النفي فلا؛ لأن الحك كما ثبت بانتفاء الصارف القوي لا يلزم أن يثبت بانتفاء الضعيف. وقلت: يمكن أن يقال: إن أصل الكلام: يستفتونك في الكلالة قل الله يفتيكم فيها إن امرؤ هل يورث كلالة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ [النساء: ١٢]، ولا يخفى أن الكلالة هو: من لا يخلف أحد عمودي النسب - أعني الوالد والولد - فخص الولد بالذكر دلالة على انه الأولى في هذا المعنى من الأب ومراعاة جانبه أحرى.
قوله: (تغليباً) هو مفعول له؛ لأن قوله: والمراد في معنى قولك: أراد بالإخوة؛ فهو فعلٌ لفاعل الفعل المعلل، فحذف اللام، ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً، أي: غلب حكم الذكورة تغليباً.
стр. 2118
(أَنْ تَضِلُّوا) مفعول له. ومعناه: كراهة أن تضلوا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومعناه كراهة أن تضلوا)، قال الإمام: قال البصريون: المضاف محذوف. أي: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وقال الكوفيون: حرف النفي محذوف؛ أي: يبين الله لكم لئلا تضلوا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] أي: لئلا تزولا. وقال الزجاج: إن "لا" تُضمر؛ لأن حذف حرف النفي لا يجوز ولكن يراد للتوكيد، ويجوز حذف المضاف، وهو كثير. وقال الجرجاني صاحب "النظم": يبين الله لكم الضلالة لتعلموا أنها ضلالة فتجتنبوها.
الراغب: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي: لترجعوا إلى كتابه إذا جهلتم فتعلموا منه، أي: يبين الله لكم ضلالكم الذي من شأنكم أن تُنجزوه إذا تُركتم وشأنكم، ومن تبين له الضلالة تبين له الحق؛ فإن معرفة أحدهما مضمن لمعرفة الآخر، ولا يتم من دونه، وقد قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾، بل هذا أبلغ من قولهم: يبين الله لكم أن لا تضلوا؛ لأن في معرفة الشر معرفة الخير، وليس في معرفة الخير المعرفتان جميعاً، فالإنسان إذا تُرك عن المزاجر والنواهي ولم يؤخذ بمقتضى العقل صار بالطبع بهيمة.
وقلت: النظم مع صاحب النظم؛ لأن هذه الخاتمة ناظرة على الفاتحة، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [النساء: ١]، فإن براعة الاستهلال دلت إجمالاً على أنهم كانوا على أمور يجب اجتنابها وضلالة أن يُتقى منها؛ ومن ثم فصلت أولاً بقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢]؛ قال المصنف: "كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله تعالى ومع ذلك يطمعون فيها"، وثانياً: بقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]؛
стр. 2119
عن النبي ﷺ : "من قرأ سورة النساء فكأنما تصدّق على كل مؤمنٍ ومؤمنةٍ ورث ميراثاً، وأعطي من الأجر كمن اشترى محرّراً، وبُرئ من الشرك، وكان في مشيئة اللَّه من الذين يتجاوز عنهم".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: "في الآية دليل على ضيق المسلك ووجوب الاحتياط"، وثالثاً: بقوله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: ٥]؛ قال: "هو أمرٌ لكل أحد ألا يخرج ماله إلى أحد من السفهاء"، ورابعاً: بقوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧]؛ قال: "كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح"، وخامساً: بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ [النساء: ١٠]، وسادساً: بقوله: ﴿وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٩] الآيات؛ قال: "كانوا يبلون النساء بضروب من البلايا ويظلمونهن بأنواع من الظلم … " إلى آخره، وثامناً: بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٣٩]، وعاشراً: بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، وعاشراً: بقوله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] … وهلم جرا إلى هذه الغاية؛ ومن ثم رجع عوداً إلى بدء من حديث الميراث بقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾، فظهر أن التقدير: يبين الله ضلالكم لئلا تضلوا؛ فالعلة محذوفة والمفعول مذكور على خلاف تقدير الجمهور، والله أعلم.
تمت السورة بحمد الله
стр. 2120
سورة المائدة
مدنية وهي مائة وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ)].
يقال وفى بالعهد وأوفى به ومنه: (والموفون بعهدهم) [البقرة: ١٧٧]. والعقد: العهد الموثق، شبه بعقد الحبل ونحوه، قال الحطيئة:
قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْداً لِجَارِهِمِ … شَدُّوا الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة المائدة
مئة وثلاث وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (قومٌ إذا عقدوا عقداً) البيت، العناج في الدلو العظيمة: حبلٌ أو بطان يشد في أسفلها، ثم يشد بالعراقي فيكون عوناً وللأوذام، فإذا انقطعت الأوذام أمسكها العناج، فإذا كانت الدلو خفيفة فعناجها خيط يشد في إحدى آذانها إلى العرقوة، والكرب:
стр. 2121
وهي عقود اللَّه التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف. وقيل: هي ما يعقدون بينهم من عقود الأمانات ويتحالفون عليه ويتماسحون من المبايعات ونحوها، والظاهر أنها عقود اللَّه عليهم في دينه من تحليل حلاله، وتحريم حرامه، وأنه كلام قدم مجملاً، ثم عقب بالتفصيل وهو قوله: (أُحِلَّتْ لَكُمْ) وما بعده.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحبل الذي يُشد في وسط العراقي ثم يُثنى ثم يُثلث ليكون هذا يلي الماء فلا يعفن الحبل الكبير، والوذم: السيور التي بين آذان الدلو وأطراف العراقي، والعراقي: بفتح العين والراء والقاف مقصورة، والعرقوتان: الخشبتان اللتان تعرضان على الدلو كالصليب، يصف قومه بوفاء العهد، استعار للعهد عقد الحبل على الدلو، ثم رشح الاستعارة مرة بشد العناج وأخرى بشد الكرب؛ لأنهما للتوثيق والاحتياط، بوعده:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم … ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا
قوله: (من مواجب التكليف)، الأساس: وجب البيع وأوجبته: ألزمته، وفعلت ذلك إيجاباً لحقك، وهذا أقل مواجب الأخوة، فعلى هذا المراد بوفاء العهود جميع ما ألزمه الله تعالى من التكاليف، ولا يختص بتحليل الحلال ولا بتحريم الحرام.
قوله: (والظاهر أنها عقود الله [عليهم] في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه). قال الكواشي: ذكر هذه المقدمة ثم عقبها بالأحكام ليلتزموا العمل بها، كقولك للرجل: افعل ما آمرك به، ثم تذكر له ما تريده منه، وذلك أنه تعالى أمر المكلفين بوفاء العقود وأتى بقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ مفصولاً عنه على سبيل البيان، وعقبه بما هو مشتمل على تحريم الحرام وتحليل الحلال.
стр. 2122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: الظاهر هو الأول، لأن "العقود" جمعٌ محلي باللام مستغرق لجميع ما يصدق عليه أنه عقود الله تعالى من الأصول والفروع، ولكن المذكور في السورة أمهاتها وأصولها منصوصاً. وسائر ما يستتبعه مفهوماً ومرموزاً، فقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨] وقوله: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، ثم كَرَّ إلى ذكر الصلاة وعلق به قرينتها التي هي الزكاة في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: ١٢]، وأومأ إلى الحج بتعظيم شعائر الله في قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]، وأما المعاملات فقد أدمج في قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] ما يمكن أن يستنبط منه بعض أحكامها، وكذا المناكحات في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]. هذا، وإن قسم الجراحات والحدود والجهاد والأطعمة والأشربة والحكومات وغيرها، السورة مملوءة منها مشحونة بها، ومن أراد أن يستوعب جميع ما يتعلق بربع الجراح فلا يعوزه ذلك نصاً وإشارة، ولأمر ما أخر نزول هذه السورة وفذلكت بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣].
روينا عن الترمذي، عن عبد الله بن عمرو: آخر سورة أنزلت: المائدة.
стр. 2123
البهيمة: كلّ ذات أربع في البرّ والبحر، وإضافتها إلى الأنعام للبيان، وهي الإضافة التي بمعنى «من» كخاتم فضة. ومعناه: البهيمة من الأنعام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعنه، عن ابن عباس أنه قرأ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية، وعنده يهودي، فقال: لو أنزلت علينا هذه الآية لاتخذناها عيداً، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين، في يوم جمعة، ويوم عرفة. ونحوه عند البخاري ومسلم، عن عمر ﵁.
الراغب: العقود باعتبار المعقود والعاقد ثلاثة أضرب: عقد بين الله وبين العبد، وعقد بين العبد ونفسه، وعقد بينه وبين غيره من البشر، وكل واحد باعتبار الموجب له ضربان: ضربٌ أوجبه العقل، وهو ما ذكر الله معرفته في الإنسان فيتوصل إليه إما ببديهة العقل وإما بأدنى نظر، دل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]، وضرب أوجبه الشرع، وهو ما دل عليه كتاب الله وسنة نبيه، فذلك ستة أضرب، وكل واحد من ذلك إما أن يلزم ابتداء، أو يلزم بالتزام الإنسان إياه، والثاني أربعة أضرب، فالأول: واجب الوفاء؛ كالنذور المتعلقة بالقرب، نحو أن يقول: عليَّ أن أصوم إن عافاني الله، والثاني: مستحب الوفاء به ويجوز تركه، كمن حلف على ترك فعل مباح فإن له أن يكفر عن يمينه ويفعل ذلك، والثالث: مستحب ترك الوفاء به، وهو ما قال صلى الله عليه سلم: "إذا حلف أحدكم على شيء فرأى غيره خيراً منه فليأت الذي هو خير منه وليكفر عن يمينه"، والرابع: واجب ترك الوفاء به، نحو أن يقول: عليَّ أن أقتل فلاناً المسلم، فيحصل من ضرب ستة في أربعة أربعةٌ وعشرون ضرباً، وظاهر الآية يقتضي كل عقد سوى ما كان تركه قربة أو واجباً.
قوله: (ومعناه البهيمة من الأنعام). قال الزجاج: كل حي لا يميز فهو بهيمة، لأنه أبهم عن
стр. 2124
(إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ إلا محرّم): ما يتلى عليكم من القرآن، من نحو قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣]، أو (إلا ما يتلى عليكم) آية تحريمه. والأنعام: الأزواج الثمانية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن يميز، فأعلم الله أن الذي أحل لنا مما أبهم هذه الأشياء.
الراغب: البهيمة: ما لا نطق له من الحيوان، ثم اختص في التعارف بما عدا السباع والطير، ثم استعملت في الأزواج الثمانية إذا كانت معها الإبل، ولا يدخل في لك الخيل والبغال والحمير، ووجه إضافتها إلى الأنعام كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].
قوله: (﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ آية تحريمه) عطفٌ على قوله: "إلا محرم ما يتلى عليكم"، وإنما قدر ذلك لأنه لابد من المناسبة بين المستثنى والمستثنى منه في الاتصال، فلا يستقيم استثناء الآيات من البهيمة، فيقدر إما المضاف كما يقال: إلا محرم ما يتلى عليكم، أي: الذي حرمه المتلو، وإما الفاعل، بأن يقال: إلا البهيمة التي يتلى عليكم آية تحريمها، فقوله: "آية تحريمه" يشعر بأن الأصل هذا ثم حُذف المضاف الذي هو آية، وأقيم المضاف إليه مقامه وهو "تحريمه"، ثم حذف المضاف ثانياً وأقيم الضمير المجرور مقامه فانقلب الضمير المجرور مرفوعاً واستتر في ﴿يُتْلَى﴾ وعاد إلى ﴿ما﴾ كقوله:
أسال البحار فانتحى للعقيق
أي: أسال سُقيا سحابه. وقال أبو البقاء: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ استثناء متصل، والتقدير: أحلت لكم بهيمة النعام إلا الميتة، وما أهل لغير الله مما ذكر في الآية الثالثة من السورة.
стр. 2125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال محيي السنة: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: ما ذُكِر في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، وهذا هو المراد من قول المصنف: "إلا محرم ما يُتلى عليكم من القرآن من نحو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾ ".
انظر أيها المتأمل في نظم هذه الآيات، فإنها مدمج بعضها في بعض وارد على أسلوب عجيب ونمط بديع، وذلك أنه تعالى لما أراد أن يشرع في عقد من العقود المعتبرة فيا لدين، وهو شرعية مناسك الحج، وتعظيم شعائر الله، على وجه يستتبع أحكاماً جمة، ذكر تحليل بهيمة الأنعام توطئة وتسبيباً لذكر تعظيم شعاره، واستثنى منها ما هي محرمة على الإبهام المستدعي للتفصيل والبيان، وجعل قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ قيداً للتوطئة ليتخلص منها إلى المقصود بسببه مشتملاً على معنى رفع الحرج امتناناً، كما قال تعالى: أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون لئلا نحرج عليكم، ثم أتى بما اجري له الكلام معظماً مفخماً، فكرر النداء والتنبيه، وذكر المؤمنين بعد استهلال السورة به اعتناء بشأن المتلو بعده وعم النهي في تحليل شعائر الله، واستطرد قصة حجاج اليمامة، ليشير به إلى أن الحيلولة بين الشعائر وبين المتنسكين بها وإن كانوا مخالفين بل مجرمين: تحليل لشعائر الله المنهي عنها، وأوقع ما كان موافقاً لمعنى القيد والتخلص من قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] اعتراضاً بين القصة ليكون إشارة وإدماجاً إلى أن القاصدين ما داموا محرمين مبتغين فضلاً من ربهم كانوا كالصيد عند المحرم فلا تتعرضوا لهم، وإذا حللتم أنتم وهم فشأنكم وإياهم؛ لأنهم صاروا كالصيد المباح أبيح لكم تعرضهم حينئذ.
ولما فرغ من بيان ما أجري له الكلام أصالة شرع في بيان ما أجمل فيما أتى به، تمهيداً وتوطئة، وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وكما أورد ما كان متصلاً بالتوطئة في
стр. 2126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المعنى اعتراضاً في القصة؛ أورد ما هو متصل بالمقصود معنى اعتراضاً في التفصيل ليصير الأصل والفرع شيئاً واحداً، وذلك قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وإنما قلنا: إنه متصل بالمقصود لأن التعريف في ﴿الْيَوْمَ﴾ إشارة إلى ذلك اليوم الذي نهوا فيه عن تحليل شعائر الله وتعريض القاصدين، وأشار بالاعتراض الأول، وهو قوله: ﴿إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] إلى معنى دقيق، وهو أن هذا يوم لكم اليد والسلطان على الناس فلا تخيفوهم وإن كانوا مجرمين؛ وإليه الإشارة بقوله: "ومعنى الاعتداء: الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم، وتعاونوا على العفو والإغضاء ولا تعاونوا على الانتقام والتشفي"، وبالاعتراض الثاني، وهو قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿دِيناً﴾ [المائدة: ٣] إلى أن لا تخافوا الناس أيضاً وأبشروا بإكمال الدين الحنيفي وهدم منار الجاهلية كلها، ومنها إبطال مناسكهم.
وعن محيي السنة، عن سعيد بن جبير وقتادة: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فلم يحج معكم مشرك، وإليه أشار المصنف بقوله: "وهدم منار الجاهلية ومناسكهم وإن لم يحج معكم مشرك". وأبرز هذا الاعتراض في معرض الإيجاز الجامع، لأنه متضمن لجميع ما هو مفتقر إليه من أمور الدين من الأصول والفروع، وأمور الدنيا من الفتح والظفر والأمن من الأعداء على سبيل الإدماج، فاجتمع في هذا المقام أساليب جمة، فنذكر بعض ما يحضرنا الآن، منها: حسن المطلع، ضمن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ معنى براعة الاستهلال لاشتمال السورة مفتتحاً ومختتماً على العقود.
ومنها: حُسن المطلب حيث جيء بـ"يا" الدالة على نداء البعيد وقرنت بحرف التنبيه تنبيهاً على أن المتلو بعدها معني به جداً.
стр. 2127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومنها: أنه أوقع الموصولة متصلة بصلة تحث على الوفاء بالعهد وإن من حق من اتصف بوصف الإيمان الوفاء بالعهد، ومنها: أنه خص العقد بالذكر ليؤذن بالالتزام التام، ثم ذيل الكلام بما يشد من عضد الطلب وهو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾، لأنه عزل به آمر العقل وداعي الهوى، ورفع به منصب النص ومتابعة الهدى.
ومنها: التكرير، وهو: إعادة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٢] تأكيداً وتشديداً لتعظيم شعائر الله.
ومنها: حُسن المخلص، والتسبيب، والإيهام، والتفصيل، والاعتراض، والإدماج، والإيجاز الجامع، والاستطراد على ما سبق بيانها.
ومنها: التتميم، وهو: توخي المبالغة في النهي عن تعرض القاصدين مع كونهم مشركين وإن كانوا مجرمين.
ومنها: عكس التغليظ، وهو وصف الكافرين بصفة المؤمنين من الوصف بابتغاء الفضل والرضوان وإن حصل في العدو المناوئ.
ومنها: التكميل، وهو تعقيب ﴿أَكْمَلْتُ﴾ بـ ﴿وَأَتْمَمْتُ﴾، وسيجيء بيان ثلاثتها.
ومنها: التذييل، وهو قوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣]، لأن من أنعم الله عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا أصابته، كما ذكره في سورة الفاتحة.
ومنها: المطابقة: طابق بين قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ وبين قوله: ﴿لا تُحِلُّوا﴾ [المائدة: ٢] بالنفي والإثبات تارة، وبينه وبين ﴿حُرِّمَتْ﴾ [المائدة: ٣] بحسب التضاد أخرى.
ومنها: المقابلة المعنوية، وهي في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
стр. 2128
وقيل: (بهيمة الأنعام): الظباء وبقر الوحش ونحوها، كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار وعدم الأنياب، فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه.
(غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) نصب على الحال من الضمير في: (لَكُمْ) أي: أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد.
وعن الأخفش أن انتصابه عن قوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).
وقوله: (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) حال عن (مُحلّى الصيد) كأنه قيل: أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون، لئلا نحرج عليكم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومنها: عطف الخاص على العام، عطف ﴿الْقَلائِدَ﴾ على ﴿الْهُدَى﴾، ثم ﴿الْهُدَى﴾ على "الشعائر"، قال في سورة الحج: "الشعائر وهي الهدايا، لأنها من معالم الحج".
قوله: (وقيل: ﴿بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾: الظباء وبقر الوحش)، الراغب: لما علم في سورة الأنعام تحليل الأنعام نبه بقوله: ﴿بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ على تحليل البهيمة الجارية مجرى الأنعام، فيكون لهذه الآية دلالة على تحليل البهيمة وتحليل الأنعام؛ لأن المخاطبة للمسافرين إذا كانوا حلالاً، وعلى ذلك قول من قال: بهيمة الأنعام هي بقر الوحش والظباء.
قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ حال عن ﴿مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾، ومحلي: اسم فاعل مضاف إلى المفعول، وحذف النون للإضافة، والحالان متداخلان.
قوله: (أحللنا لكم بعض الأنعام) وإنما صرح بالبعض نظراً على المعنى، وإلى ما الاستثناء أبقاه.
قوله: (وأنتم محرمون) أي: داخلون في الإحرام أو في الحرم.
стр. 2129
(إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ) من الأحكام، ويعلم أنه حكمة ومصلحة. و"الحُرم": جمع حرامٍ وهو المحرم.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)].
الشعائر: جمع شعيرة وهي: اسمُ ما أشعر، أي: جعل شعاراً وعلماً للنسك من مواقف الحج ومرامي الجمار، والمطاف والمسعى، والأفعال التي هي علامات الحج يعرف بها من الإحرام، والطواف والسعي والحلق والنحر. والشهر الحرام: شهر الحج.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويعلم أنه حكمة ومصلحة) يريد أن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ تذييل للكلام السابق وتعليل لشرعية العقود والأحكام كلها، وفيه دلالة على أن إرادة العموم من قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ - وهي عقود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف - هي الوجه، وأن أحكام الله تعالى تعبدية لا مجال للعقل فيها، ومن ثم عقبه بما يتعلق بمناسك الحج من مواقفه ومرامي الجمار، والمطاف والمسعى والأفعال التي تقف عندها العقول، وتتحير دونها الأوهام.
الراغب: الحكم والحكمة من أصل واحد، إلا أنه إذا كان في القول قيل له: حُكمٌ وقد حَكم، وإذا كان في الفعل قيل له: حكمةٌ وحُكم وله حِكم؛ فإذا قلت: حكمت بكذا فمعناه: قضيت فيه بما هو حكمة، وإن كان يقال: حكم فلان بالباطل، بمعنى أجرى الباطل مجرى الحكمة، فحكم الله تعالى مقتض للحكمة لا محالة، فنبه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ على أن
стр. 2130
والهدي: ما أُهدي إلى البيت وتقرب به إلى اللَّه من النسائك، وهو جمع هديةٍ كما يقال: جديٌ في جمع جدية السرج. والقلائد: جمع قلادةٍ، وهي ما قلد به الهدي من نعلٍ أو عروةٍ مزادةٍ، أو لحاء شجرٍ أو غيره.
وآمّوا المسجد الحرام: قاصدوه، وهم الحجاج والعمار. وإحلال هذه الأشياء أن يتهاون بحرمة الشعائر، وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها، وأن يحدثوا في أشهر الحج ما يصدّون به الناس عن الحج، وأن يتعرض للهدي بالغصب أو بالمنع من بلوغ محله.
وأما (القلائد) ففيها وجهان:
أحدهما: أن يراد بها ذوات القلائد من الهدي، وهي البدن، وتعطف على (الهدى) للاختصاص، وزيادة التوصية بها لأنها أشرف الهدي، كقوله: (وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) [البقرة: ٨٩] كأنه قيل: والقلائد منها خصوصاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما يريده يجعله حكمة حثاً للعباد على الرضا به، فالله تعالى يحكم ما يريد، وحكمه ماض، ومن رضي بحكمه استراح في نفسه وهدي لرشده، ومن سخط نفذ حكمه واكتسب بسخطه سخط الله وإهانته، كما ورد: "من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر لنعمائي فليطلب رباً سواي".
قوله: (جدية السرج)، النهاية: الجدية: بسكون الدال: شيء يُحشى ثم يربط تحت دفتي السرج والرحلن ويجمع على جديات وجدي بالكسر.
стр. 2131
والثاني: أن يُنهى عن التعرض لقلائد الهدى مبالغة في النهى عن التعرض للهدى، على معنى: ولا تحلوا قلائدها فضلاً أن تحلوها كما قال: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) [النور: ٣١] فنُهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهى عن إبداء مواقعها.
(وَلَا آمِّينَ): ولا تحلوا قوما قاصدين المسجد الحرام (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ): وهو الثواب (وَرِضْواناً): وأن يرضى عنهم، أي: لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم، تعظيماً لهم واستنكاراً أن يتعرض لمثلهم. قيل: هي محكمة. وعن النبي ﷺ «المائدة من آخر القرآن نزولاً، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها». وقال الحسن: ليس فيها منسوخ. وعن أبي ميسرة: فيها ثماني عشرة فريضةً وليس فيها منسوخ. وقيل: هي منسوخةٌ. وعن ابن عباسٍ: كان المسلمون والمشركون يحجون جميعاً،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تعظيماً) مفعول له لقول مقدر، أي: قال الله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً﴾ الآية، تعظيماً لهم، وقوله: "استنكاراً أن يتعرض لمثلهم" عطف تفسيري لقوله: "تعظيماً لهم". روى محيي السنة أن هذه الآية نزلت في الحُطم شُريح بن ضُبيعة، دخل المدينة وحده، وخلف خيله خارج المدينة، فقال للنبي ﷺ : إلام تدعو الناس؟ قال: "إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة"، قال: حسنٌ، إلا أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم، لعلي أسلم وآتي بهم، ثم خرج، فقال رسول الله ﷺ : "دخل بوجه كافر، وخرج بوجه غادر"، فمر بسرح المدينة فاستاقه، فتبعوه فلم يدركوهن فلما كان العام القابل خرج حاجاً معه تجارة عظيمة، وقد قلدوا الهدي، فقال المسلمون: يا رسول الله، هذا الحطم قد خرج، فقال النبي ﷺ : "إنه قد قلد الهدي"، فقالوا: هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية، فأبى النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى الآية.
стр. 2132
فنهى اللَّه المسلمين أن يمنعوا أحدا عن حج البيت بقوله (لا تُحِلُّوا)، ثم نزل بعد ذلك (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: ٢٨]، (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ) [التوبة: ١٧].
وقال مجاهد والشعبي: (لا تُحِلُّوا) نسخ بقوله: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة: ٥]. وفسر ابتغاء الفضل بالتجارة، وابتغاء الرضوان بأنّ المشركين كانوا يظنون في أنفسهم أنهم على سداد من دينهم، وأنّ الحج يقربهم إلى اللَّه، فوصفهم اللَّه بظنهم.
وقرأ عبد اللَّه: (ولا آمي البيت الحرام) على الإضافة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وابتغاء الرضوان: بأن المشركين كانوا يظنون بأنفسهم أنهم على سداد من دينهم). وقلت: الفائدة في الذكر المبالغة في عدم التعرض، وفي تعظيم الوصف، كما قال: لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم، يعني: انظروا على الوصف ولا تنظروا إلى من اتصف به، فعظموه أين وجدتموه وإن كان في عدو مناوئ، فإنه حقيق بالتعظيم، وهذا يُضاد التغليظ في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران: ٩٧] حثاً للمسلمين على الاتصاف به، وتأليفاً لقلوب المخالفين، وفيه إشارة إلى أن الرغبة في الحج هي علامة الإيمان، وعنه أمارة الكفر.
قوله: (ولا آمي البيت الحرام). قال أبو البقاء: ﴿وَلا آمِّينَ﴾: ولا قتال آمين أو أذى آمين، وقرئ في الشواذ: "ولا آمي البيت" بحذف النون والإضافة، ﴿يَبْتَغُونَ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿آمِّينَ﴾ ولا يجوز أن تكون صفة لـ ﴿آمِّينَ﴾، لأن اسم الفاعل إذا وُصِفَ لم يعمل في الاختيار.
стр. 2133
وقرأ حميد بن قيس والأعرج: تبتغون، بالتاء على خطاب المؤمنين.
(فَاصْطادُوا) إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم، كأنه قيل: وإذا حللتم فلا جناح عليكم أن تصطادوا.
وقرئ بكسر الفاء. وقيل: هو بدل من كسر الهمزة عند الابتداء. وقرئ: وإذا أحللتم، يقال حلّ المحرم وأحلّ.
«جرم» يجرى مجرى «كسب» في تعديه إلى مفعول واحد واثنين. تقول: جرم ذنباً، نحو كسبه، وجرمته ذنباً، نحو: كسبته إياه. ويقال: أجرمته ذنباً، .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حُميد بن قيس والأعرج) وفي نسخة: "الأعرج" بلا واو، وهو الأصح. في "جامع الأصول" قال: أبو صفوان حُميد بن قيس الأعرج المكي مولى لآل الزبير، ويقال: مولى لبني فزارة، سمع مجاهداً وعطاء، وروى عنه مالك والثوري.
قوله: ("تبتغون" بالتاء على خطاب المؤمنين) وهذا أبلغ من الأول في الإنكار، لأنه تعالى أثبت للكفار الفضل الكائن من خالقهم ورازقهم، ثم أنكر على المسلمين ابتغاء ذلك، وفيه شمة من معنى الحسد، كما تقول: تُعارضني فيما رزقني ربي، ويظهر على الخطاب فائدة تخصيص الرب بالذكر.
قوله: (إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم). قال الزجاج: ومثله: لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها، فإذا أديت فادخلها، أي: إذا أديت أبيح لك دخولها.
قوله: (وقرئ بكسر الفاء) أي: فاصطادوا، وقيل: كسر الفاء إمالة لإمالة ما بعده، نحو: "عماداً" على مذهب من يميله.
стр. 2134
على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين، كقولهم: أكسبته ذنباً. وعليه قراءة عبد اللَّه: (ولا يجرمنكم) بضم الياء، وأوّل المفعولين على القراءتين ضمير المخاطبين، والثاني: (أَنْ تَعْتَدُوا). و (أَنْ صَدُّوكُمْ) بفتح الهمزة متعلق بالشنآن بمعنى العلة، والشنآن: شدّة البغض. وقرئ: بسكون النون، والمعنى: ولا يكسبنكم بغض قومٍ لأن صدّوكم الاعتداء، ولا يحملنكم عليه. وقرئ: (إن صدوكم) على «إن» الشرطية. وفي قراءة عبد اللَّه: (إن يصدوكم).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقُرِئَ بسكون النون) أي: : "شنآن": أبو بكر وابن عامر في الموضعين، والباقون: بفتحها.
قوله: (لأن صدوكم) هو متعلق بقوله: "بُغضُ قوم" على التعليل "والاعتداء" مفعول "يُكسبنكم". تلخيص المعنى: لا يحملنكم على الاعتداء بُغض قوم تبغضونهم لأجل أن صدوكم عن المسجد الحرام. قال الواحدي: لا يحملنكم بُغض كفار مكة أن صدوكم يوم الحديبية عن المسجد الحرام أن تعتدوا على حُجاج اليمامة فتستحلوا منهم محرماً.
قوله: (على "إن" الشرطية) ابن كثير وأبو عمرو، والباقون: بفتحها، وقيل: فيه ضعف من حيث إنهم لا يقدرون على الصد بعد فتح مكة، ويمكن أن يُحمل على الفرض والتقدير للمبالغة، وبيانه: أن قريشاً وصدهم إياكم يوم الحديبية كان عناداً وبغياً؛ لان من شأن البيت الحرام وتعظيم شعائر الله وحُرمتها أن لا يصد من يقصده، فصدهم ذلك في عدم الاعتداد كلا صد فحقه أن يُفرض كما يُفرض المحالات، قال صاحب "المفتاح" في قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمْ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]: فيمن قرأ: (إن
стр. 2135
ومعنى صدّهم إياهم عن المسجد الحرام: منع أهل مكة رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة، ومعنى الاعتداء: الانتقام منهم بإلحاق مكروهٍ بهم.
(وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى): على العفو والإغضاء (وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ): على الانتقام والتشفي، ويجوز أن يراد العموم لكل برّ وتقوىً، وكل إثمٍ وعدوانٍ، فيتناول بعمومه العفو والانتصار.
[(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ٣].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنتم)، بالكسر لقصد التوبيخ والتجهيل في ارتكاب الإسراف وتصوير أن الإسراف من العاقل في مثل هذا المقام واجب الانتفاء حقيق أن لا يكون ثبوته له إلا على مجرد الفرض.
قوله: (ويجوز أن يُراد العموم لكل بر وتقوى)، وهذا أولى لتصير الآية من جوامع الكلم ويكون تذييلاً للكلام السابق، فيدخل في البر والتقوى جميع مناسك الحج، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] والعفو والإغضاء أيضاً، وفي النهي عن الإثم والعدوان عدم التعرض لقاصدي البيت الحرام دخولاً أولياً، وعلى الوجه الأول يكون عطفاً على ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ من حيث المعنى، لأنه من باب لا أرينك ها هنا، كأنه قيل: لا تعتدوا على قاصدي البيت الحرام لأجل أن صدكم قريش عن البيت الحرام، وتعاونوا على العفو والإغضاء، ومن ثم قيل: الوقف على ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ لازم؛ لأن الاعتداء منهيٌّ عنه والتعاون
стр. 2136
كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات؛ البهيمة التي تموت حتف أنفها، والفصيد وهو الدم في المباعر، يشوونها ويقولون: لم يحرم من فزد له.
(وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) أي: رفع الصوت به لغير اللَّه، وهو قولهم: باسم اللات والعزى عند ذبحه.
(وَالْمُنْخَنِقَةُ): التي خنقوها حتى ماتت، أو انخنقت بسببٍ. (وَالْمَوْقُوذَةُ): التي أثخنوها ضرباً بعصا، أو حجرٍ حتى ماتت. (وَالْمُتَرَدِّيَةُ): التي تردّت من جبلٍ، أو في بئرٍ فماتت. (وَالنَّطِيحَةُ): التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على البر مأمور به. و"تقوى" أصلها "وَقْيا" من وقيت، فقلبت ياؤه واواً على قياس باب فعلى من الياء اسماً، ثم قُلبت واوُ الأولى تاء كما في قولك: تقي وهي غير منصرفة.
قوله: (تموت حتف أنفها)، النهاية: الحتف: كانوا يتخيلون أن روح المريض تخرج من أنفه، فإن جُرح تخرج من جراحته.
قوله: (في المباعر) هي موضع البعر، وهي الأمعاء.
قوله: (من فزدله) قال الميداني: الفصيد. دمٌ كان يُجعل في معي- من: فصد عرق البعير - ثم يُشوى ويطعم الضيف، النهاية: أصله فُصدَ له، فصار "فُزد له" بالزاي، ثم خفف بالزاي على لغة طييء، وأول من تكلم به حاتم، معناه: لم يُحرم من الضيافة من عُمل له الفصيد، وهذا مثلٌ، ومعناه: لم يُحرم من نال بعض حاجته وإن لم ينلها كلها.
стр. 2137
(وَما أَكَلَ السَّبُعُ) بعضه (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ): إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح، وتشخب أوداجه. وقرأ عبد اللَّه: (والمنطوحة). وفي روايةٍ عن أبي عمرو: (السَّبُعُ) بسكون الباء. وقرأ ابن عباسٍ:
(وأكيل السبع).
(وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) كانت لهم حجارةٌ منصوبةٌ حول البيت يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها، يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها، تسمى الأنصاب، والنصب واحد. قال الأعشى:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ بعضه) أي: وما أكل منه السبع فمات، قال القاضي: هذا يدل على أن جوارح الصيد إذا الصيد إذا أكلت مما اصطادته لم تحل.
قوله: (إلا ما أدركتم ذكاته). قال الزجاج: التذكية: أن يدرك ما يباح أكله من الحيوان وفيه بقية تشخب معها الأوداج وتضطرب اضطراب المذبوح الذي أدرك ذكاته، وأصل الذكاة في اللغة: تمام الشيء، فمنه الذكاء في السن، والذكاء في الفهم، وهو أن يكون تماماً سريع القبول، وذكيت النار: تممت اشتعالها، فمعنى ﴿مَا ذَكَّيْتُمْ﴾: أدركتم ذبحه على التمام، وقال القاضي: ومعنى ﴿مَا ذَكَّيْتُمْ﴾: ما أدركتم ذكاته وفيه حياة مستقرة، والذكاة شرعاً: قطع الحلقوم والمريء بمحدد.
قوله: (وتشخب أوداجه)، النهاية: السيلان، وأصل الشخب: ما يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة لضرع الشاة، الأوادح: هي ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح، واحدها: ودجٌ بالتحريك.
стр. 2138
وَذَا النَّصْبِ الْمَنْصُوبِ لَا تَعْبُدَنَّهُ … لِعَاقِبَةٍ وَاللَّهَ رَبَّكَ فَاعْبُدَا
وقيل: هو جمع، والواحد نصاب. وقرئ (النُّصُبِ) بسكون الصاد.
(وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ): وحُرِّم عليكم الاستقسام بالأزلام؛ أي: بالقداح، كان أحدهم إذا أراد سفراً، أو غزواً، أو تجارةً، أو نكاحاً، أو أمراً من معاظم الأمور ضرب بالقداح، وهي مكتوبٌ على بعضها: نهاني ربي، وعلى بعضها: أمرني ربي، وبعضها غُفلٌ، فإن خرج الآمر مضى لطيته، وإن خرج الناهي أمسك، وإن خرج الغفل أجالها عوداً. فمعنى الاستقسام بالأزلام: طلب معرفة ما قُسم له مما لم يقسم له بالأزلام. وقيل: هو الميسر. وقسمتهم الجزور على الأنصباء المعلومة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وذا النصب المنصوب لا تعبدنه) البيت. تمامه:
لعاقبة والله ربك فاعبدا
ولو لم يكن النصب واحداً لقال: المنصوبات أو المنصوبة، ولقال: ذي مكان ذا، ولقال: لا تعبدنها.
قوله: (فاعبُدا) أصله فاعبد، فأبدل النون ألفاً.
قوله: (غُفلٌ) أي: لاسمة عليها، النهاية: الأغفال: الأرض المجهولة التي ليس فيها أثرٌ تُعرف به.
قوله: (مضى لطيته)، النهاية: فعلة من: طوى، وفي الحديث لما عرض رسول الله ﷺ نفسه على قبائل العرب، قالوا: يا محمد، اعمد لطيتك، أي: امض لوجهك وقصدك.
قوله: (أجالها عوداً) أي: عائداً، أو: أعادها عوداً.
стр. 2139
(ذلِكُمْ فِسْقٌ): الإشارة إلى الاستقسام، أو إلى تناول ما حرّم عليهم؛ لأنّ المعنى: حرّم عليكم تناول الميتة وكذا وكذا.
فإن قلت: لم كان استقسام المسافر وغيره يالأزلام- لتعرف الحال- فسقاً؟ قلت: لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر به علام الغيوم وقال: (لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) [النمل: ٦٥] واعتقاد أنّ إليه طريقاً وإلى استنباطه. وقوله: أمرني ربي، ونهاني ربي، افتراءٌ على اللَّه، وما يدريه أنه أمره أو نهاه؟ ! والكهنة والمنجمون بهذه المثابة. وإن كان أراد بالرب الصنم، فقد روي أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم، فأمره ظاهر.
(الْيَوْمَ) لم يرد به يوماً بعينه، وإنما أراد به الزمان الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية، كقولك: كنت بالأمس شاباً، وأنت اليوم أشيبُ، فلا تريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك، ولا بـ"اليوم" يومك، ونحوه «الآن» في قوله:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والكهنة والمنجمون بهذه المثابة). قال الزجاج: لا فرق بين ذلك وبين المنجمين، فلا يقال: لا أخرج من أجل نجم كذا، وأخرج من أجل طلوع نجم كذا، لأنه دخول في علم الله تعالى الذي هو غيب، وهو حرام كالأزلام، والاستقسام بالأزلام فسق، والفسق: اسم لكل ما أعلم الله أنه مخرج عن الحلال إلى الحرام، نقل الشيخ محي الدين النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم" عن القاضي: كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب، أحدها: أن يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من السماء، وهذا
стр. 2140
الآنَ لمَّا ابْيَضَّ مَسْرُبَتِى … وَعَضَضْتُ مِنْ نَابِى عَلَى لَجذَمِ
وقيل: أريد يوم نزولها، وقد نزلت يوم الجمعة- وكان يوم عرفة- بعد العصر في حجة الوداع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القسم بطل من حين بعث الله نبينا ﷺ ، والثاني: أن يخبره بما يطرأ ويكون في أقطار الأرض وما خفي عنه مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده، ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين وأحالوهما، ولا استحالة في ذلك ولا بُعد في وجوده، ولكنهم يصدقون ويكذبون، والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عام، والثالث: المنجمون، وهذا الضرب يخلق الله في بعض الناس قوة ما لكن الكذب فيه أغلب، ومن هذا الفن العرافة، وصاحبها عراف: وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعى معرفتها بها كالزجر بالطير والطرق بالحصا، وهذه الأضرب كلها سميت كهانة، وقد أكذبهم الشرع ونهى عن تصديقهم وإتيانهم.
قوله: (الآن لما ابيض مسربتي، وعضضت من نابي على جذم)، المسربة، بضم الراء: الشعر المستدق الذي يأخذ من الصدر إلى السرة، والجذم: الأصل، ويريد هنا أصل الأسنان، يقول: تحاتت أسناني من الكبير حتى عضضت على أصله، قال الميداني: يُضرب للمنجذ المحنك، أي: المُجرب.
قوله: (وقد نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة)، روينا عن الترمذي، عن عمر ﵁: أنزلت يوم عرفة، وفي رواية: بعرفات في يوم الجمعة. رواه أحمد بن حنبل في "مسنده" أيضاً.
следующие страницы →