Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات؛ البهيمة التي تموت حتف أنفها، والفصيد وهو الدم في المباعر، يشوونها ويقولون: لم يحرم من فزد له.
(وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) أي: رفع الصوت به لغير اللَّه، وهو قولهم: باسم اللات والعزى عند ذبحه.
(وَالْمُنْخَنِقَةُ): التي خنقوها حتى ماتت، أو انخنقت بسببٍ. (وَالْمَوْقُوذَةُ): التي أثخنوها ضرباً بعصا، أو حجرٍ حتى ماتت. (وَالْمُتَرَدِّيَةُ): التي تردّت من جبلٍ، أو في بئرٍ فماتت. (وَالنَّطِيحَةُ): التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على البر مأمور به. و"تقوى" أصلها "وَقْيا" من وقيت، فقلبت ياؤه واواً على قياس باب فعلى من الياء اسماً، ثم قُلبت واوُ الأولى تاء كما في قولك: تقي وهي غير منصرفة.
قوله: (تموت حتف أنفها)، النهاية: الحتف: كانوا يتخيلون أن روح المريض تخرج من أنفه، فإن جُرح تخرج من جراحته.
قوله: (في المباعر) هي موضع البعر، وهي الأمعاء.
قوله: (من فزدله) قال الميداني: الفصيد. دمٌ كان يُجعل في معي- من: فصد عرق البعير - ثم يُشوى ويطعم الضيف، النهاية: أصله فُصدَ له، فصار "فُزد له" بالزاي، ثم خفف بالزاي على لغة طييء، وأول من تكلم به حاتم، معناه: لم يُحرم من الضيافة من عُمل له الفصيد، وهذا مثلٌ، ومعناه: لم يُحرم من نال بعض حاجته وإن لم ينلها كلها.
стр. 2137
(وَما أَكَلَ السَّبُعُ) بعضه (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ): إلا ما أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح، وتشخب أوداجه. وقرأ عبد اللَّه: (والمنطوحة). وفي روايةٍ عن أبي عمرو: (السَّبُعُ) بسكون الباء. وقرأ ابن عباسٍ:
(وأكيل السبع).
(وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) كانت لهم حجارةٌ منصوبةٌ حول البيت يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها، يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها، تسمى الأنصاب، والنصب واحد. قال الأعشى:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ بعضه) أي: وما أكل منه السبع فمات، قال القاضي: هذا يدل على أن جوارح الصيد إذا الصيد إذا أكلت مما اصطادته لم تحل.
قوله: (إلا ما أدركتم ذكاته). قال الزجاج: التذكية: أن يدرك ما يباح أكله من الحيوان وفيه بقية تشخب معها الأوداج وتضطرب اضطراب المذبوح الذي أدرك ذكاته، وأصل الذكاة في اللغة: تمام الشيء، فمنه الذكاء في السن، والذكاء في الفهم، وهو أن يكون تماماً سريع القبول، وذكيت النار: تممت اشتعالها، فمعنى ﴿مَا ذَكَّيْتُمْ﴾: أدركتم ذبحه على التمام، وقال القاضي: ومعنى ﴿مَا ذَكَّيْتُمْ﴾: ما أدركتم ذكاته وفيه حياة مستقرة، والذكاة شرعاً: قطع الحلقوم والمريء بمحدد.
قوله: (وتشخب أوداجه)، النهاية: السيلان، وأصل الشخب: ما يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة لضرع الشاة، الأوادح: هي ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح، واحدها: ودجٌ بالتحريك.
стр. 2138
وَذَا النَّصْبِ الْمَنْصُوبِ لَا تَعْبُدَنَّهُ … لِعَاقِبَةٍ وَاللَّهَ رَبَّكَ فَاعْبُدَا
وقيل: هو جمع، والواحد نصاب. وقرئ (النُّصُبِ) بسكون الصاد.
(وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ): وحُرِّم عليكم الاستقسام بالأزلام؛ أي: بالقداح، كان أحدهم إذا أراد سفراً، أو غزواً، أو تجارةً، أو نكاحاً، أو أمراً من معاظم الأمور ضرب بالقداح، وهي مكتوبٌ على بعضها: نهاني ربي، وعلى بعضها: أمرني ربي، وبعضها غُفلٌ، فإن خرج الآمر مضى لطيته، وإن خرج الناهي أمسك، وإن خرج الغفل أجالها عوداً. فمعنى الاستقسام بالأزلام: طلب معرفة ما قُسم له مما لم يقسم له بالأزلام. وقيل: هو الميسر. وقسمتهم الجزور على الأنصباء المعلومة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وذا النصب المنصوب لا تعبدنه) البيت. تمامه:
لعاقبة والله ربك فاعبدا
ولو لم يكن النصب واحداً لقال: المنصوبات أو المنصوبة، ولقال: ذي مكان ذا، ولقال: لا تعبدنها.
قوله: (فاعبُدا) أصله فاعبد، فأبدل النون ألفاً.
قوله: (غُفلٌ) أي: لاسمة عليها، النهاية: الأغفال: الأرض المجهولة التي ليس فيها أثرٌ تُعرف به.
قوله: (مضى لطيته)، النهاية: فعلة من: طوى، وفي الحديث لما عرض رسول الله ﷺ نفسه على قبائل العرب، قالوا: يا محمد، اعمد لطيتك، أي: امض لوجهك وقصدك.
قوله: (أجالها عوداً) أي: عائداً، أو: أعادها عوداً.
стр. 2139
(ذلِكُمْ فِسْقٌ): الإشارة إلى الاستقسام، أو إلى تناول ما حرّم عليهم؛ لأنّ المعنى: حرّم عليكم تناول الميتة وكذا وكذا.
فإن قلت: لم كان استقسام المسافر وغيره يالأزلام- لتعرف الحال- فسقاً؟ قلت: لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر به علام الغيوم وقال: (لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) [النمل: ٦٥] واعتقاد أنّ إليه طريقاً وإلى استنباطه. وقوله: أمرني ربي، ونهاني ربي، افتراءٌ على اللَّه، وما يدريه أنه أمره أو نهاه؟ ! والكهنة والمنجمون بهذه المثابة. وإن كان أراد بالرب الصنم، فقد روي أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم، فأمره ظاهر.
(الْيَوْمَ) لم يرد به يوماً بعينه، وإنما أراد به الزمان الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية، كقولك: كنت بالأمس شاباً، وأنت اليوم أشيبُ، فلا تريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك، ولا بـ"اليوم" يومك، ونحوه «الآن» في قوله:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والكهنة والمنجمون بهذه المثابة). قال الزجاج: لا فرق بين ذلك وبين المنجمين، فلا يقال: لا أخرج من أجل نجم كذا، وأخرج من أجل طلوع نجم كذا، لأنه دخول في علم الله تعالى الذي هو غيب، وهو حرام كالأزلام، والاستقسام بالأزلام فسق، والفسق: اسم لكل ما أعلم الله أنه مخرج عن الحلال إلى الحرام، نقل الشيخ محي الدين النووي رحمه الله تعالى في "شرح مسلم" عن القاضي: كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب، أحدها: أن يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من السماء، وهذا
стр. 2140
الآنَ لمَّا ابْيَضَّ مَسْرُبَتِى … وَعَضَضْتُ مِنْ نَابِى عَلَى لَجذَمِ
وقيل: أريد يوم نزولها، وقد نزلت يوم الجمعة- وكان يوم عرفة- بعد العصر في حجة الوداع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القسم بطل من حين بعث الله نبينا ﷺ ، والثاني: أن يخبره بما يطرأ ويكون في أقطار الأرض وما خفي عنه مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده، ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين وأحالوهما، ولا استحالة في ذلك ولا بُعد في وجوده، ولكنهم يصدقون ويكذبون، والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عام، والثالث: المنجمون، وهذا الضرب يخلق الله في بعض الناس قوة ما لكن الكذب فيه أغلب، ومن هذا الفن العرافة، وصاحبها عراف: وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعى معرفتها بها كالزجر بالطير والطرق بالحصا، وهذه الأضرب كلها سميت كهانة، وقد أكذبهم الشرع ونهى عن تصديقهم وإتيانهم.
قوله: (الآن لما ابيض مسربتي، وعضضت من نابي على جذم)، المسربة، بضم الراء: الشعر المستدق الذي يأخذ من الصدر إلى السرة، والجذم: الأصل، ويريد هنا أصل الأسنان، يقول: تحاتت أسناني من الكبير حتى عضضت على أصله، قال الميداني: يُضرب للمنجذ المحنك، أي: المُجرب.
قوله: (وقد نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة)، روينا عن الترمذي، عن عمر ﵁: أنزلت يوم عرفة، وفي رواية: بعرفات في يوم الجمعة. رواه أحمد بن حنبل في "مسنده" أيضاً.
стр. 2141
(يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ): يئسوا منه أن يبطلوه، وأن ترجعوا محللين لهذه الخبائث بعد ما حرّمت عليكم.
وقيل: يئسوا من دينكم أن يغلبوه، لأن اللَّه وفى بوعده من إظهاره على الدين كله. (فَلا تَخْشَوْهُمْ) بعد إظهار الدين وزوال الخوف من الكفار، وانقلابهم مغلوبين مقهورين بعد ما كانوا غالبين (وَاخْشَوْنِي): وأخلصوا لي الخشية. (أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ): كفيتكم أمر عدوّكم وجعلت اليد العليا لكم، كما تقول الملوك: اليوم كمل لنا الملك وكمل لنا ما نريد: إذا كفوا من ينازعهم الملك، ووصلوا إلى أغراضهم ومباغيهم. أو: أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على الشرائع وقوانين القياس وأصول الاجتهاد.
(وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين، .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأخلصوا لي الخشية) دل على الخلوص ورود الأمر بعد النهي.
قوله: (كفيتكم أمر عدوكم) يريد أن قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] جُملة مستأنفة لبيان موجب نهي الخشية، وهو بظاهره لا يدل على ذلك، فأولها بقوله: "كفيتكم أمر عدوكم" على سبيل الكناية، أي: لا تخشوهم واخشوني لأني كفيت شرهم، وجعلت اليد العليا لكم.
قوله: (وقوانين القياس وأصول الاجتهاد)، قال الإمام: المرادُ بإكمال الدين: أنه تعالى بيَّن حُكم جميع الوقائع، بعضها بالنص، وبعضها بطريق يُعرف الحكم بها، وأمر بالاستنباط وتعبد المكلفين به، فكان ذلك بياناً في الحقيقة.
قوله: (﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ بفتح مكة) متفرعٌ على قوله: "كفيتكم أمر عدوكم" على
стр. 2142
وهدم منار الجاهلية ومناسكهم وأن لم يحجّ معكم مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. أو أتممت نعمتي عليكم بإكمال أمر الدين والشرائع كأنه قال: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) بذلك، لأنه لا نعمة أتمّ من نعمة الإسلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التكميل؛ لما عُلم من الأول: زوال الخوف وحصول الأمن، ومن الثاني: الغلبة وقهر الأعداء، فإنه لما وصفهم بحصول الأمن وكفاية شر الأعداء رأى الوصف غير تام فكمل بالفتح والنصرة وقهر الأعداء.
قوله: (أو أتممت عليكم نعمتي بإكمال أمر الدين والشرائع) متفرعٌ على قوله: "أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم"، والإتمام بمعنى التتميم الاصطلاحي، فإن قوله: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ دل بمفهومه على نعمة خطيرة فتنبه، وتممه بقوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ بذلك"، أي: بإكمال الدين، وقوله: "لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام". روى الإمام عن القفال أنه قال: الشرع أبداً كان كاملاً وإن الشرائع في كل وقت كانت كافية بحسب اقتضاء ذلك الوقت، لكن بحسب النسبة على بعضها كانت كاملة وأكمل، ولهذا كان يُزاد في كل وقت ويُنسخ، وأما في آخر زمان المبعث فإنه تعالى أنزل شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة، ولذلك قال تعالى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، ويمكن أن يقال: إن الشرائع كانت كاملة في كل زمان بالنسبة إلى أهله، وكل من كان مكلفاً فيه، لكن كمالها بالنسبة إلى جميع المكلفين إلى آخر الزمان إنما حصل في ذلك اليوم.
الراغب: قيل: إن الأديان الحق كلها جارية مجرى دين واحد، وكان قبل الإسلام في النقص
стр. 2143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين إفراط وتفريط بالإضافة إلى شريعتنا، وذلك على حسب ما كنت تقتضي حكمة الله تعالى في كل زمان، فكمله الله تعالى بالنبي ﷺ ، وجعله وسطاً مصوناً عن الإفراط والتفريط، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣]، وكما قال ﷺ : "مثلُ الأنبياء كرجل بني داراً فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، وجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون: لولا موضع تلك اللبنة" أخرجه البخاري والترمذي عن جابر، وزاد مسلم في حديثه، قال: قال رسول الله ﷺ : "فأنا موضع تلك اللبنة جئت فختمت الأنبياء". قال الراغب: هذا هو الذي يقتضي أن تكون شريعته مؤبدة ولا تُنسخ ولا تغير، فالأشياء في التغيير والتنقل مالم تكمل، فإذا كمُلت فتغييرها فسادٌ لها، ولهذا قال: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢].
فإن قيل: كيف يقال: إن الأديان كلها ناقصة قبل المبعث وأن يكون دينه ﷺ قبل ذلك اليوم ناقصاً؟ قيل: الكامل والناقص من الأسماء المتضايفة التي تُقال باعتبار بعضها ببعض، كالصبي إذا اعتبر بالرجل فهو غير كامل، وإذا اعتبر بمن هو على سنه فهو كامل إذا لم يكن مؤوفاً، فكذلك دين الأنبياء قبل النبي ﷺ : إذا اعتبر بأهل زمانهم كان كاملاً، وإذا اعتبر بدين النبي ﷺ وزمانه لم يكن كاملاً، وليس النقصان المستعمل هو النقص المذموم، فلفظة ناقص تستعمل على وجهين.
فإن قيل: كيف يقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ﴾ ودينه دين إبراهيم عليهما الصلاة والسلام حيث قال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]؟ قيل: إن هذا الدين
стр. 2144
(وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) يعني: اخترته لكم من بين الأديان، وآذنتكم بأنه هو الدين المرضى وحده (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) [آل عمران: ٨٥]، (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) [الأنبياء: ٩٢].
فإن قلت: بم اتصل قوله (فَمَنِ اضْطُرَّ)؟ قلت: بذكر المحرّمات. وقوله: .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هو دين إبراهيم من حيث إنهما داعيان إلى الحق ومشتركان في الأصول، لكن الذي شُرع على لسان إبراهيم كان مبدأ الإسلام، وما شُرع على لسان محمد ﷺ كان خاتمة الإسلام، ولهذا كان مؤبداً ناسخاً لفروع ما تقدم، وإليه أشار بقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] وهذا ظاهر لمن عرف قوانين الكلام.
قوله: (اخترته لكم من بين سائر الأديان) يعني ضمن "رضى" معنى "اختار" لتعديته باللام دون "عن"، ودل الاختيار على المختار منه، وهو سائر الأديان.
قوله: (وآذنتكم) عطفٌ على قوله: "اخترته"، وفيه إيذان إلى معنى الإدماج وإشارة النص، يعني: إنما خصصت الإسلام الذكر وأوقعت الدين تمييزاً عنه لأوذنكم بأنه هو الدين المرتضى دون غيره لما عرفتم من قوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وإنما أوردت لفظ ﴿لَكُمْ﴾ لأعلمكم أني ما اخترت لغيركم هذا الدين، كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وذلك لما عرفتم من قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢]. قال في تفسيره: "هذه إشارة إلى ملة الإسلام، أي: أن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنها يشار إليها ملة واحدة غير مختلفة". ومثل دلالة قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ على قوله: "إنه
стр. 2145
(ذلِكُمْ فِسْقٌ) اعتراض أكد به معنى التحريم، وكذلك ما بعده لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام المنعوت بالرضا دون غيره من الملل. ومعناه: فمن اضطرّ إلى الميتة أو إلى غيرها (فِي مَخْمَصَةٍ): في مجاعةٍ (غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ): غير منحرفٍ إليه، كقوله: (غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ) [البقرة: ١٧٣] (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ): لا يؤاخذه بذلك.
[(يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هو الدين المرضي وحده" بالاختصاص مع انضمام قوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] دلالة قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، على أن مدة الحمل ستة أشهر.
الراغب: نبه بقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ على أن الإسلام هو الدين المرتضى على الإطلاق لا تبديل له ولا تغيير، وسائر الأديان قبله كان مرتضى وقتاً دون وقت، وعلى وجه دون وجه، ولقوم دون قوم، وهذا الدين بعد أن شُرع كان مرتضى في كل وقت، ولهذا قال رسول الله ﷺ في موسى: "لو كان حياً ما وسعه إلا اتباعي"، ولأجل ذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
قوله: (﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾: اعتراض) وكذلك ما بعده، وهي سبع جُمل، وفي هذا الاعتراض البليغ، وتقدم بيان تحريما المطعم على سائر الأحكام إيذانٌ باهتمام أمر المطعم، وأن قاعدة الأمر
стр. 2146
في السؤال معنى القول؛ فلذلك وقع بعده (مَاذا أُحِلَّ لَهُمْ)، كأنه قيل: يقولون لك ماذا أحلّ لهم؟ وإنما لم يقل:ماذا أحلّ لنا؛ حكاية لما قالوه، لأنّ (يسألونك) بلفظ الغيبة، كما تقول أقسم زيد ليفعلنّ. ولو قيل: لأفعلنّ وأُحِلَّ لنا، لكان صواباً.
و(ماذا) مبتدأ، و (أُحِلَّ لَهُمْ) خبره كقولك: أي: شيء أحل لهم؟ ومعناه:ماذا أحل لهم من المطاعم كأنهم حين تلا عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحلّ لهم منها، فقيل: (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ) أي: ما ليس بخبيث منها، وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأساس الدين مبني عليه، لأن به يتمكن المكلف من العبادة، ويؤيده ما روينا عن مسلم والترمذي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُم ذكر الرجل يُطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك؟ "، ومسلم لم يذكر الملبس، انظر إلى الحديث أيضاً كيف كر إلى قوله: "وغُذي بالحرام" بعد قوله: "ومطعمه حرام".
قوله: (وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة)، الراغب: الطيب التام هو الذي يستلذ عاجلاً وآجلاً، وذلك هو الحلال الذي لا يعقب مأثماً.
стр. 2147
(وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ) عطف على (الطيبات) أي: أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف. أو تجعل (ما) شرطية، وجوابها (فَكُلُوا).
والجوارح: الكواسب من سباع البهائم والطير، كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي والشاهين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو تجعل ﴿مَا﴾ شرطية) عطفٌ على قوله: "وصيد ما علمتم فحذف المضاف"، فعلى الأول: ﴿ما﴾ موصولة، و ﴿مِنْ الْجَوَارِحِ﴾ بيانية، وعلى هذا: ﴿ما﴾ شرطية على تقدير المضاف أيضاً، رُوي عن المصنف أنه سُئل عنه وقيل: فإذن يبطل كونها شرطية؟ فقال: لا، لأن المضاف إلى الاسم الحامل لمعنى الشرط في حكم المضاف إليه، تقول: غلام من تضرب أضرب.
وقال صاحب "اللباب": فإن تقدم أسماء الشرط الجار فالمعنى الموجب لها التصدر، فقدر قبله لاتحاده بها، فعلى هذا يكون تقدير غلام من تضرب أضرب: إن تضرب غلام زيد أضرب، وفيه بحث؛ لأنه ليس من مواضع وضع المظهر موضع المضمر في الجزاء- يعني قوله: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وُضع موضع ضمير"صيد ما علمتم" لما دل ذلك على التعظيم والفخامة- لكن هو من التكرير الذي لا يُناط به حكم آخر من قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ الآية.
ويُمكن أن يقال: إن السائل كأنه كان متردداً في حل ما أمسكه الضواري، فتقدم في الجواب ﴿أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ وعطف عليه "صيد ما علمتم" اختصاصاً له، ثم زيد في المبالغة بأن جعل الجزاء عين الشرط، ويجوز أن لا يُقدر المضاف فتكون الجملة الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾، فعلى هذا "أو تجعل" في الكتاب عطفٌ على قوله: " ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ﴾ عطفٌ على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ ".
стр. 2148
والمكلب: مؤدّب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها، ورائضها لذلك بما علم من الحيل وطرق التأديب والتثقيف، واشتقاقه من الكلب، لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فاشتقّ من لفظه لكثرته من جنسه. أو لأن السبع يسمى كلباً. ومنه قوله ﵇ «اللهم سلط عليه كلباً من كلابك» فأكله الأسد.
أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة. يقال: هو كلب بكذا، إذا كان ضاريا به. وانتصاب (مُكَلِّبِينَ) على الحال من (علمتم).
فإن قلت. ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بـ (علمتم) قلت: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريراً في علمه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومُضريها بالصيد) التضرية: الإضراء، الأساس: سبعٌ ضار، وقد ضري بالصيد ضراوة، وأضرى الصائد الكلب والجارح، ومن المجاز: ضري فلان بكذا وعلى كذا: إذا لهج به، وأضريته وضريته وضريت عليه.
قوله: (والتثقيف) الأساس: ومن المجاز: أدبه وثقفه، ولولا تثقيف، ولولا تثقيفك وتوفيقك لما كنت شيئاً، وهل تهذبت وتثقفت إلا على يدك؟
النهاية: غلام ثقف، أي: ذو فطنة وذكاء.
قوله: (اللهم سلط عليه كلباً من كلابك)، الحديث موضوع، وسيجيء الكلام عليه في سورة النجم.
стр. 2149
مدرّبا فيه، موصوفا بالتكليب. و (تُعَلِّمُونَهُنَّ) حالٌ ثانيةٌ، أو استئناف. وفيه فائدة جليلةٌ: وهي أن على كلّ آخذ علماً أن لا يأخذه إلا من أقتل أهله علماً وأنحرهم دراية وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل، فكم من آخذ عن غيره متقن، قد ضيع أيامه وعضّ عند لقاء النحارير أنامله!
(مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ) من علم التكليب، لأنه إلهام من اللَّه ومكتسب بالعقل. أو مما عرفكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مُدرباً) من الدربة: التجربة، الأساس: درب بالأمر دُربة، وتدرب، وهو دربٌ به: عالم، وهو مجرب مُدرب.
قوله: (اقتل أهله علماً) أي: أبلغهم، يقال: قتل أرضاً عالمها، أي: ذللها بالعلم، ورجلٌ مُقتل: مجرب.
الأساس: ومن المجاز: دابة مقتلة: مذللة قد مرنت على العمل وقتلته خُبراً وعلماً.
قوله: (أن يضرب إليه أكباد الإبل) أي: تُركب الإبل وتُضرب على أكبادها بالرجل، مقتبس من قوله صلوات الله وسلامه عليه: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة"، اخرجه الترمذي عن أبي هريرة، قال عبد الرزاق: هو مالك بن أنس، وكذا قال ابن عيينة.
قوله: (﴿مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ﴾ من علم التكليب، لأنه إلهام من الله تعالى ومكتسب بالعقل، أو مما عرفكم الله أن تعلموه) إلى آخره، هذا الثاني أولى، فدلت الحال الأولى على أن معلم الكلب ينبغي أن يكون مدرباً في تلك الصفة، يعلم لطائف الحيل وطرق التأديب فيها كما عليه جملة الصيادين، ولا شك أن ذلك لا يتم إلا بالإلهام والعقل الذي منحه الله تعالى، والحال الثانية
стр. 2150
أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه، وانزجاره بزجره، وانصرافه بدعائه، وإمساك الصيد عليه، وأن لا يأكل منه. وقرئ: (مُكَلِّبِينَ) بالتخفيف. وأفعل وفعل يشتركان كثيراً. والإمساك على صاحبه: أن لا يأكل منه، لقوله ﷺ لعديّ بن حاتم: «وإن أكل منه، فلا تأكل، إنما أمسك على نفسه» وعن علي ﵁: إذا أكل البازي فلا تأكل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على أنه ينبغي أن يكون فقيهاً عالماً بالشرائط المعتبرة في الشرع "من اتباع الصيد بإرسال صاحبه، وانزجاره بزجره، وانصرافه بدعائه، وإمساك الصيد عليه، وأن لا يأكل منه"، وفيه إدماج لتلك الفائدة الجليلة التي ذكرها مع الإشارة إلى أن العالم وإن كان أوحدياً متبحراً في العلوم ينبغي أن يكون محدثاً ملهماً من عند الله تعالى، مجانباً مشارب علمه عن كدوره الهوى ولوث النفس الأمارة، مستعداً لفيضان العلوم اللدنية، مقتبساً من مشكاة الأنوار النبوية.
والذي يؤيد هذا التأويل ما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، عن عدي: سألت رسول الله ﷺ ، قلت: إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب، فقال: "إذا أرسلت كلابك المعلمة، وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلبٌ من غيرها فلا تأكل".
قوله: (أن تُعلموه) هو مفعول ثان لقوله: "مما عرفكم"، والضمير المنصوب في "تعلموه" عائد إلى "ما"، والمفعول الثاني محذوف، أي: مما عرفكم الله أن تعلموه الكلب، وقوله: "من اتباع" بيان "ما.
قوله: (على نفسه) حالٌ، أي: مستعلياً ومستولياً عليها كما تقتضي طبيعته وجبلته، لا على
стр. 2151
وفرق العلماء، فاشترطوا في سباع البهائم ترك الأكل لأنها تؤدّب بالضرب، ولم يشترطوه في سباع الطير. ومنهم من لم يعتبر ترك الأكل أصلاً، ولم يفرق بين إمساك الكل والبعض. وعن سلمان وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة ﵃: إذا أكل الكلب ثلثيه وبقي ثلثه وذكرت اسم اللَّه عليه فكل.
فإن قلت: إلام رجع الضمير في قوله: (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ)؟ قلت. إما أن يرجع إلى (مما أمسكن) على معنى: وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى (وما علمتم من الجوارح) أي: سموا عليه عند إرساله.
[(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ)].
(وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) قيل: هو ذبائحهم. وقيل: هو جميع مطاعمهم، ويستوي في ذلك جميع النصارى. وعن علي ﵁: أنه استثنى نصارى بني تغلب وقال: ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر، وبه أخذ الشافعي. وعن ابن عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا بأس. وهو قول عامة التابعين، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه.
وحكم الصابئين حكم أهل الكتاب عند أبى حنيفة. وقال صاحباه: هم صنفان: صنف يقرؤون الزبور ويعبدون الملائكة. وصنف لا يقرؤون كتاباً ويعبدون النجوم، …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنفسكم، فعُلِم أن العقل لا استقلال له في أمور الدين، وأن العلوم الدينية المشوبة بهوى النفس لا اعتداد بها.
стр. 2152
فهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب. وأما المجوس فقد سُنّ بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. وقد روي عن أبي المسيب أنه قال: إذا كان المسلم مريضاً فأمر المجوسي أن يذكر اسم اللَّه ويذبح، فلا بأس. وقال أبو ثور: وإن أمره بذلك في الصحة فلا بأس وقد أساء.
(وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) فلا عليكم أن تطعموهم، لأنه لو كان حراماً عليهم طعام المؤمنين لما ساغ لهم إطعامهم. (والْمُحْصَناتُ): الحرائر، أو العفائف. وتخصيصهن بعث على تخير المؤمنين لنطفهم. والإماء من المسلمات يصح نكاحهن بالاتفاق، وكذلك نكاح غير العفائف منهن، وأما الإماء الكتابيات؛ فعند أبي حنيفة: هن كالمسلمات، وخالفه الشافعي. وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات ويحتج بقوله (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ) [البقرة: ٢٢١] ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها: إن ربها عيسى. وعن عطاء: قد أكثر اللَّه المسلمات،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات)، الراغب: وإذا سُئل عن ذلك يقرأ: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ويقول في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: من الذين كانوا منهم وأسلموا، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]، وغيره حمل قوله: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] على أهل الأديان والمجوس، وأكد ذلك بقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، والنكاح يقتضي المودة، كقوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، وقال من جوز التزوج بهن: إن المودة المنهي عنها هي المودة الدينية، وأما المودة الزوجية فهي غير محظورة.
стр. 2153
وإنما رخص لهم يومئذٍ. (مُحْصِنِينَ): أعفاء. (وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ): صدائق، والخدن يقع على الذكر والأنثى (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ) بشرائع الإسلام وما أحلّ اللَّه وحرّم.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)].
(إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) كقوله: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللَّه) [النحل: ٩٨] وكقولك: إذا ضربت غلامك فهوّن عليه، في أن المراد إرادة الفعل.
فإن قلت: لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل؟ قلت: لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له، وهي قصده إليه وميله وخلوص داعيته، فكما عبر عن القدرة على الفعل بالفعل في قولهم: الإنسان لا يطير، والأعمى لا يبصر؛ أي: لا يقدران على الطيران والإبصار، ومنه قوله تعالى: (نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ) [الأنبياء: ١٠٤].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ﴾: بشرائع الإسلام وما أحل الله وحرم) يريد أن قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾ إلى آخره كالتذييل والتأكيد لقوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ تعظيماً لشأن ما أحله الله وما حرمه، وتغليظاً على من خالف ذلك.
قوله: (الإنسان لا يطير) وضع "يطير"، الذي هو المسبب عن القدرة، موضع السبب الذي هو القدرة عليه، وهو الذي عناه بقوله: "فكما عُبر عن القدرة على الفعل بالفعل".
стр. 2154
يعني: إنا كنا قادرين على الإعادة، كذلك عُبر عن إرادة الفعل بالفعل، وذلك أن الفعل مسبب عن القدرة والإرادة، فأقيم المسبب مقام السبب للملابسة بينهما، ولإيجاز الكلام، ونحوه من إقامة المسبب مقام السبب قولهم: كما تدين تدان؛ عبر عن الفعل المبتدأ الذي هو سبب الجزاء بلفظ الجزاء الذي هو مسبب عنه.
وقيل: معنى (قمتم إلى الصلاة): قصدتموها؛ لأنّ من توجه إلى شيءٍ وقام إليه كان قاصداً له لا محالة، فعبر عن القصد له بالقيام إليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: معنى ﴿قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾: قصدتموها) عطفٌ على قوله: " ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ كقوله: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨] "، وقيل في الفرق: إن المعنى على الأول: إذا أردتم القيام إلى الصلاة وقصدتموها، وعلى هذا: إذا أردتم الصلاة وقصدتموها، وفيه نظرٌ، لأن الإرادة هي القصد المخصوص لما فسرها بقوله: "وهو قصده إليه وميله وخلوص داعيه" بل المراد من القصد مطلق الميل من غير الداعية الخالصة التي تستلزم النية.
وأيضاً يُفهم من إرادة القيام إلى الصلاة الأخذ في مقدمتها وشرائطها، ومن ثم عقبها بقوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ وليس كذلك القصد إلى مُطلق الصلاة والأول أوجه.
وقال القاضي: وفائدة هذه الطريقة التنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة.
الراغب: ظاهر الآية يقتضي أن لا يجب في الوضوء النية، والقول بوجوبها يقتضي زيادة في النص، والزيادة في النص تقتضي النسخ، ونسخ القرآن لا يجوز اتفاقاً بخبر الواحد وبالقياس، فلا يصح إذاً إثبات النية، وقال بعض الشافعية: بل الآية تقتضي إيجاب النية، لأن معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾: إذا أردتم، ولو لم يكن معناه ذلك لم يكن لذكره فائدة،
стр. 2155
فإن قلت: ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة محدث وغير محدث، فما وجهه؟ قلت: يحتمل أن يكون الأمر للوجوب، فيكون الخطاب للمحدثين خاصة، وأن يكون للندب. وعن رسول اللَّه ﷺ والخلفاء بعده، أنهم كانوا يتوضؤون لكل صلاة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال بعضهم: الآية تقتضي الترتيب، لأن الفاء في قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ تقتضي ترتب غسل الوجه على القيام، فإذا ثبت ترتب غسل الوجه على القيام ثبت في غيره؛ لأن أحداً لم يفصل، وليس ذلك بشيء، فإن الفاء وإن اقتضى الترتيب فإن مقتضى ذلك في الجملة لا في البعض، ولم يقتض ترتيب الأعضاء المأمور بغسلها بعضها على بعض، والأظهر أن الترتيب اقتضاه قول النبي ﷺ : "أبدأ بما بدأ الله به"، وفعله الذي فعله بياناً للآية، وقد رتب ثم قال: "هذا وضوءٌ لا يقبل الله الصلاة إلا به".
ويمكن أن يقال: والنظم أيضاً يقتضي الترتيب؛ لأنه لو لم يرد ذلك لأوجب تقديم الممسوح أو تأخيره عن المغسول، ولأنهم يقدمون الأهم فالهم، فالأحوط مراعاة الترتيب.
الانتصاف: قوله: "لان الفعل يوجد بقدرة القادر … " إلى آخره يستقيم من السُّني والمعتزلي، السني يقول: الفعل يوجد بقدرة العبد مقارناً لها، والمعتزلي يقول: مخلوقاً بها.
قوله: (وأن يكون للندب). قال صاحب "الفرائد": لا يجوز أن يكون للندب، لأن الإجماع مُنعقد على أن الوضوء للصلاة فرض، لأن الأمر للوجوب إلا لمانع، وقال: أما الجواب عن السؤال الذي أورده في "الكشاف" فهو أن يقال: تقدير الآية: وأنتم محدثون، بوجهين، أحدهما: أنه يستحيل بدون هذا التقدير أن يتفصى المكلف عن عهدة التكليف؛ لأنه إذا
стр. 2156
وعن النبي ﷺ : "من توضأ على طهر كتب اللَّه له عشر حسناتٍ".
وعنه ﵇: أنه كان يتوضأ لكل صلاةٍ، فلما كان يوم الفتح مسح على خفيه فصلى الصلوات الخمس بوضوءٍ واحدٍ، فقال له عمر: صنعت شيئاً لم تكن تصنعه! فقال: «عمداً فعلته يا عمر» يعنى بياناً للجواز.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون الأمر شاملاً للمحدثين وغيرهم، لهؤلاء على وجه الإيجاب، ولهؤلاء على وجه الندب؟ قلت: لا، لأنّ تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أراد القيام إلى الصلاة وجب عليه أن يتوضأ، فإذا توضأ وأراد القيام إلى الصلاة وجب عليه مرة أخرى أن يتوضأ، وهلم جراً، وثانيهما: أن التيمم بدل من الوضوء، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، والبدل لا يمكن أن يكون مخالفاً للمبدل منه في السبب، وإلا لا يكون البدل بدلاً، فلما كان موجب التيمم عند عدم الماء حالة الحدث كان كذلك في الوضوء؛ لأنه إما سببٌ أو شرط.
قوله: (من توضأ على طهر) الحديث أخرجه الترمذي عن ابن عمر.
قوله: (فلما كان يوم الفتح مسح على خفيه) الحديث رواه بريدة، وأورده مسلم وأبو داود والترمذي، وليس فيه أنه كان يتوضأ لكل صلاة.
قوله: (الإلغاز والتعمية) لم يرد به الإلغاز المتعارف، وهو أن يطلق لفظة لها معنيان: قريبٌ وبعيد، ويراد بها البعيد غير مصحوبة بالقرينة، بل مراده أن اللفظ عند إرادة الحقيقة لا
стр. 2157
وقيل: كان الوضوء لكل صلاة واجباً أوّل ما فرض، ثم نسخ.
و(إلى) تفيد معنى الغاية مطلقاً. فأما دخولها في الحكم وخروجها، فأمر يدور مع الدليل، فمما فيه دليل على الخروج قوله: (فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يحتاج إلى القرينة، وعند إرادة المجاز يفتقر إليها، فلا يُعلم المقصود قطعاً، ومن قال بالقدر المشترك، وهو رجحان الفعل على الترك، لا يلزمه الإلغاز.
الانتصاف: قد أجاز ذلك الشافعي ﵁ وغيره، ثم ما ذكره الزمخشري مبني على أن الأمر مشترك بين الوجوب والندب، أما إذا قلنا: إنه بمجرد الطلب، وهو القدر المشترك، صح تناولهما، فللمحدثين وجوباً، وللمتطهرين ندباً.
قوله: (وقيل: كان الوضوء) عطف على قوله: "يحتمل أن يكون".
قوله: (كان الوضوء لكل صلاة واجباً أول ما فُرض ثم نُسخ)، قال القاضي: وهو ضعيف، لقوله ﷺ : "المائدة من آخر القرآن نزولاً، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها"، وروينا في "مسند أحمد بن حنبل"، عن جبير بن نفير، قال: دخلت على عائشة ﵂، فقالت: هل تقرأ سورة المائدة؟ قلت: نعم، قالت: فإنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم من حرام فحرموه. وعن الترمذي، عن عبد الله بن عمرو، قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة.
قوله: ﴿إِلَى﴾ تفيد معنى الغاية مطلقاً)، قال صاحب "الفرائد": ذكر صاحب "الكشاف"
стр. 2158
لأن الإعسار علة الإنظار، وبوجود الميسرة تزول العلة، ولو دخلت الميسرة فيه لكان مُنظراً في كلتا الحالتين معسراً وموسراً. وكذلك (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: ١٨٧] لو دخل الليل لوجب الوصال. ومما فيه دليل على الدخول قولك: حفظت القرآن من أوله إلى آخره؛ لأنّ الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. ومنه قوله تعالى: (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) [الإسراء: ١] لوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله.
وقوله: (إِلَى الْمَرافِقِ) و (إِلَى الْكَعْبَيْنِ) لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل. وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها. وعن النبي ﷺ أنه كان يدير الماء على مرفقيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في "المفصل"، أن "إلى" لا يدخل ما بعدها فيما قبلها، بخلاف "حتى"، وذكر هاهنا أن "إلى" لمطلق الغاية. وقلت: الذي ذكره في "المفصل": و"حتى" في معناه، إلا أنها تفارقها في أن مجرورها يجب أن يكون آخر جزء من الشيء أو ما يلاقي آخر جزء منه. وقال أيضاً: إن من حق "حتى" أن يدخل ما بعدها فيما قبلها، وهذا لا يدل على أن حكم "إلى" ما ذكره، بل حكمها أعم كما ذكره في "الكتاب". وفي "الإقليد": و"إلى" مطلقة تستعمل في كل غاية. نعم، هو مما خالف فيه النحويون على ما ذكره ابن الحاجب: وقد جاءت "إلى" وما بعدها داخل في الحكم فيما قبلها، وجاءت ما بعدها غير داخل، فمنهم من حكم بالاشتراك، ومنهم من حكم بظهور الدخول، ومنهم من حكم بظهور انتفاء الدخول، وعليه النحويون، ووجوب دخول المرافق في وجوب الغسل ليس من ظاهر الآية، وإنما حملُ ذلك من السنة.
قوله: ) فأخذ كافة العلماء بالاحتياط، فحكموا بدخولها في الغسل، واخذ زفر وداود
стр. 2159
(وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ): المراد إلصاق المسح بالرأس، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه، فقد أخذ مالكٌ بالاحتياط فأوجب الاستيعاب أو أكثره على اختلاف الرواية. وأخذ الشافعي باليقين، فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح وأخذ أبو حنيفة ببيان رسول اللَّه ﷺ وهو ما روى: أنه مسح على ناصيته. وقدر الناصية بربع الرأس.
قرأ جماعة: (وَأَرْجُلَكُمْ) بالنصب، فدل على أن الأرجل مغسولة.
فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالمتيقن). وفي "الهداية": المرفقان والكعبان يدخلان في الغسل عندنا، خلافاً لزفر، وهو يقول: إن الغاية لا تدخل تحت المُغيا، كالليل في الصوم. ولنا: أن هذه الغاية لإسقاط ما وراءها، إذ لولاها لاستوعبت الوظيفة الكل، وفي باب الصوم لمد الحكم إليها، إذ اسم الصوم على الإمساك ساعة. وعني بالمتيقن: ما يقابل الاحتياط، وهو ما يفيده الخطاب بمنطوقه ولا زيادة عليه.
قوله: (والمراد إلصاق المشح بالرأس). قال القاضي: والباء تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فكأنه قيل: وألصقوا المسح برؤوسكم، وذلك لا يقتضي الاسيتعاب، بخلاف ما لو قيل: وامسحو رؤوسكم، فإنه كقوله: واغسلوا وجوهكم.
قوله: (قرأ جماعة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب): نافع وابن عامر واكسائي وحفص، والباقون: بالجر.
стр. 2160
فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فعطفت على الرابع)، وفي نسخة: "على الثالث"، وقيل: هذا أشبه بإيراد القرآن، ولكن لما كانت الأعضاء الثلاثة المغسولة عبارة عن الوجه واليدين والرجلين فالرابع هذا. وقلت: الرابع أحسن لإيراد الكتاب، لأنه جعل المغسول ثلاثة، فالرابع هو الممسوح ونحوه سبق في تفسير قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ [البقرة: ١٧]، قال: "قد رجع الضمير في هذا الوجه إلى المنافقين، فما مرجعه في الثاني؟ " إلى الأول.
وميل المصنف في عبارته إلى أن الجر على الجوار، قال ابن الحاجب: والخفض على الجوار ليس بجيد؛ إذ لم يأت في الكلام الفصيح، وإنما هو شاذ في كلام من لا يؤبه له من العرب. قال القاضي: والخفض على الجوار كثيرٌ في القرآن والشعر، كقوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤]، ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] بالجر في قراءة حمزة والكسائي، وقوله: "جُحر ضب خرب" وللنحاة باب في ذلك، وفائدته: التنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في صب الماء عليها ويغسل غسلاً يقرب من المسح.
وقال أبو البقاء: (وحور عين) على قراءة من جر، معطوف على قوله: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨]، والمعنى مختلف، إذ ليس المعنى يطوف عليهم ولدان مخلدون بحور عين، والجوار مشهور عندهم في الإعراب، والصفات، وقلب الحروف، والتأنيث، فمن الإعراب: ما ذكروا من الصفات، قوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، وإنما العاصف الريح، ومن قلب
стр. 2161
وقيل إِلَى الْكَعْبَيْنِ فجيء بالغاية إماطة لظنّ ظانّ يحسبها ممسوحة، لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحروف: إنه ليأتينا بالغدايا والعشايا، ومن التأنيث: ذهبت بعض أصابعه، ومنه قولهم: قامت هند؛ فلم يجيزوا حذف التاء إذا لم يفصل بينهما فإن فصلوا أجازوا، ولا فرق بينهما إلا المجاورة وعدم المجاورة.
قوله: (وقيل ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾) عطف على قوله: "فعُطفت"، ويمكن أن يُجعل هذا جواباً عن قول ابن الحاجب، وذلك أن العطف على الجوار إنما يكون محذوراً إذا وقع الإلباس، وأما إذا انتهضت القرينة على توخي المراد وارتفع بها اللبس فلا بأس، كما أنه تعالى لما عطف الأرجل على الرؤوس وأوهم اشتراكاً في المسح استدرك ذلك بضرب الغاية في الأرجل ليؤذن أن حكمها حكم المغسولة مع رعاية الاقتصاد في صب الماء.
وحمل الزجاج الجر على غير الجوار وقال: ويجوز "أرجلكم" بالخفض على معنى: فاغسلوا، لأن قوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قد دل عليه، لأن التحديد يفيد الغسل كما في قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ولو أريد المسح لم يحتج إلى التحديد، كما قال في الرؤوس: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ من غير تحديد وتنسيق الغسل على المسح، كما قال الشاعر:
يا ليت بعلك قد غدا … متقلداً سيفاً ورمحاً
أي: حاملاً رمحاً، واختار صاحب "الانتصاف" هذا الوجه، وكذا ابن الحاجب في "الأمالي" ورد الأول، وقال: هذا الأسلوب، أي: عطف "أرجلكم" على "رؤوسكم" مع
стр. 2162
وعن علي ﵁: أنه أشرف على فتية من قريشٍ، فرأى في وضوئهم تجوزاً، فقال: ويل للأعقاب من النار، فلما سمعوا جعلوا يغسلونها غسلاً، ويدلكونها دلكاً. وعن ابن عمر: كنا مع رسول اللَّه ﷺ فتوضأ قوم وأعقابهم بيض تلوح، فقال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إرادة كونه مغسولاً، من باب الاستغناء بأحد الفعلين عن الآخر، والعرب إذا اجتمع فعلان متقاربان في المعنى ولكل واحد متعلق جوزت ذكر أحد الفعلين وعطفت متعلق المحذوف على المذكور حسب ما يقتضيه لفظه، حتى كأنه شريكه في أصل الفعل، كقوله: علفتها تبناً وماء بارداً. وقلت: هذا الوجه والعطف على الجوار متقاربان في المعنى، لان صاحب المعاني إذا سئل عن فائدة إضمار قوله: حاملاً والاكتفاء بقوله: متقلداً دون العكس لابد أن يزيد على فائدة الإيجاز بأن يقول: إن الرمح صار في عدم الكلفة في حمله بمنزلة السيف، لا سيما إذا ورد مثل هذا التركيب في كلام الحكيم ، وهنا سر أدق منه، وذلك أنه تعالى لما بين حد الأيدي راعى المطابقة بين الأيدي والمرافق بالجمع، وحين بين حد الأرجل وضع التثنية موضع الجمع، وأنت قد عرفت أن البلغاء إنما يعدلون عن مقتضى الظاهر إلى خلافه لنكتة، والنكتة هاهنا: أنه تعالى لما قرن الرجل مع الرأس الممسوح واهتم بشأنه، أخرجه بهذا المخرج لئلا يتوهم متوهم أن حكمه حكم الممسوح بخلاف المرفقين، كأنه قيل: يا أمة محمد، اغسلوا أيديكم إلى المرافق، ويعمد كل واحد منكم إلى غسل ما يشمل الكعبين من الرجل الواحدة.
قوله: (تجوزا)، النهاية: "تجوزوا في الصلاة": خففوها وأسرعوا بها، والمراد بها هنا: التخفيف في الوضوء.
стр. 2163
«ويل للأعقاب من النار»، وفي رواية جابر: «ويل للعراقيب». وعن عمر أنه رأى رجلاً يتوضأ، فترك باطن قدميه، فأمره أن يعيد الوضوء، وذلك للتغليظ عليه. وعن عائشة ﵂: لأن تقطعا أحب إليّ من أن أمسح على القدمين بغير خفين. وعن عطاءٍ: واللَّه ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول اللَّه ﷺ مسح على القدمين. وقد ذهب بعض الناس إلى ظاهر العطف فأوجب المسح. وعن الحسن: أنه جمع بين الأمرين. وروي عن الشعبي: نزل القرآن بالمسح والغسل سنة. وقرأ الحسن: (وأرجلكم) بالرفع بمعنى: وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة إلى الكعبين. وقرئ (فَاطَّهَّرُوا) أي: فطهروا أبدانكم، وكذلك (ليطهركم)، وفي قراءة عبد اللَّه: (فأمّوا صعيداً).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويل للأعقاب من النار) الحديث من رواية البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ رأى رجلاً لم يغسل عقبيه، قال: "ويل للأعقاب من النار"، وفي رواية: "ويلٌ للعراقيب من النار".
قوله: (بمعنى: وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة) يعني دل على الإضمار قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ أو ﴿وَامْسَحُوا﴾ فلا شك أن تغيير الجملة من الفعلية إلى الاسمية وحذف خبرها يدل على إرادة ثبوتها وظهورها، وأن مضمونها مسلم الحكم ثابت لا يلتبس، وإنما يكون كذلك إذا جُعلت القرينة ما عُلم من منطوق القراءتين ومفهومهما وشوهد وتعورف من فعل الرسول ﷺ وأصحابه وسُمع منه واشتهر فيما بينهم، كما سبق عن عطاء: والله ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ مسح على القدمين، كل هذا دافع لتفسير هذه القراءة
стр. 2164
(ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) في باب الطهارة، حتى لا يرخص لكم في التيمم (وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء.
(وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ): وليُتمّ برخصه إنعامه عليكم بعزائمه (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) نعمته فيثيبكم.
[(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)].
(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) وهي نعمة الإسلام (وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ) أي: عاقدكم به عقداً وثيقاً، هو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول اللَّه ﷺ على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر، والمنشط والمكره، فقبلوا وقالوا: سمعنا وأطعنا. وقيل: هو الميثاق ليلة العقبة وفي بيعة الرضوان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقوله: "وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة" على الترديد؛ لا سيما العدول عن الإنشائية إلى الإخبارية كأنهم: سارعوا فيه وهو يخبر عنه كما مر مراراً.
قوله: (أعوزكم) يقال: أعوزني المطلوب: أعجزني واشتد علي، النهاية: العوز، بالفتح: العدم، وهو سوء الحال.
قوله: (وليتم برخصه إنعامه عليكم بعزائمه) المعنى: جعل الله نعمة الرخصة تتميماً لنعمة العزائم، ثم تمم بهما نعمة الإسلام، ويخلص إلى قوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. النهاية: عوازم الأمور: فرائضها التي عزم الله عليكم، والعزائم: الجد والصبر.
قوله: (على السمع والطاعة) عن البخاري ومسلم وغيرهما، عن عُبادة بن الصامت، قال: بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره.
стр. 2165
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ* وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ)].
عدّى (يَجْرِمَنَّكُمْ) بحرف الاستعلاء مضمنا معنى فعل يتعدّى به،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النهاية: المنشط: مفعل من النشاط، وهو الأمر الذي تنشط له وتؤثر فعله، وهو مصدر بمعنى النشاط، وروى الإمام أحمد بن حنبل ﵁ في "مسنده"، عن عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله ﷺ إذ بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه: وعلى أن ننصر رسول الله ﷺ إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة، قال ابن الجوزي: كانت هذه المبايعة في العقبة الثانية في سنة ثلاث عشرة من النبوة، وأما العقبة الأولى ففي سنة إحدى عشرة، قال عبادة بن الصامت: فبايعناه بيعة النساء: أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، وأما بيعة الرضوان: فقد روينا عن مسلم والترمذي والدارمي والنسائي، عن جابر، في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] قال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت، ولمسلم: سُئل جابر: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مئة، فبايعناه وعمر ىخذ بيده تحت الشجرة.
стр. 2166
كأنه قيل: ولا يحملنكم. ويجوز أن يكون قوله: (أَنْ تَعْتَدُوا) بمعنى على أن تعتدوا، فحذف مع أن ونحوه قوله ﷺ : «من اتبع على مليءٍ فليتبع»؛ لأنه بمعنى: أحيل.
وقرئ (شَنَآنُ) بالسكون. ونظيره في المصادر (ليان)، والمعنى: لا يحملنكم بغضكم للمشركين على أن تتركوا العدل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يكون قوله: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ بمعنى: على أن تعتدوا) يريد أن قوله: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لما عُدي هاهنا بـ "على" على تضمين "لا يحملنكم" يجوز أن يُعدى أيضاً في أول السورة عند قوله: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢] بالتضمين وتقدير "على" لاستوائهما في تأدية المعنى، وكان مفعولاً ثانياً فيما سبق.
قوله: (من أُتبع على ماليء فليتبع) أي: عدى "أتبع" بـ "على" لما تضمن معنى "أحيل"، وألا فالقياس "أتبع مليا" كقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠].
النهاية: في حديث الحوالة: "إذا أتبع أحدكم على مليء فيتبع"، أي: إذا أحيل على قادر فليحتل، قال الخطابي: أصحاب الحديث يروونه "اتبع" بتشديد التاء، وصوابه بسكون التاء بوزن: "أكرم"، وليس هذا أمراً على الوجوب، وإنما هو على الرفق والأدب.
قوله: (ونظيره في المصادر: ليان): والليان بالفتح: المصدر من اللين، نقول: هو في ليان من العيش، أي: في نعيم. الجوهري: ولواه بدينه لياً ولياناً، أي: مطله.
قوله: (لا يحملنكم بغضكم للمشركين) وذلك أن الله تعالى لما فتح مكة أمر المسلمين بان لا يكافئوا كفار مكة بما سلف منهم، وأن يعدلوا في القول والفعل والحكم.
стр. 2167
فتعتدوا عليهم بأن تنتصروا منهم وتتشفوا بما في قلوبكم من الضغائن بارتكاب ما لا يحل لكم من مثله، أو قذفٍ، أو قتل أولاد أو نساءٍ، أو نقض عهدٍ، أو ما أشبه ذلك. (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى): نهاهم أوّلاً أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرّح لهم بالأمر بالعدل؛ تأكيداً وتشديداً، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل، وهو قوله: (هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) أي: العدل أقرب إلى التقوى، وأدخل في مناسبتها، أو: أقرب إلى التقوى لكونه لطفاً فيها. وفيه تنبيهٌ عظيمٌ على أن وجود العدل مع الكفار الذين هم أعداء اللَّه إذا كان بهذه الصفة من القوة، فما الظنّ بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه؟ (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ): بيان للوعد بعد تمام الكلام قبله، كأنه قال: قدّم لهم وعداً فقيل: أي: شيء وعده لهم؟ فقيل: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو: أقرب إلى التقوى) أي: أنتم متقون والعدل أنسب إليكم من غيركم، أو: أنتم طالبون للتقوى فاعدلوا فإنه سبب فيها ووسيلة إليها، وهو المراد من قوله: "لكونه لطفاً فيها".
الراغب: إن قيل: كيف قال: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ و"أفعل" إنما تقال في شيئين اشتركا في أمر واحد لأحدهما مزية؟ وقد علمنا أن لا شيء من التقوى ومن فعل الخير إلا وهو من جملة العدالة، فما معنى قوله: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾؟ قيل: إن "أفعل"- وإن كان كما ذكرت -وقد تستعمل على تقدير بناء الكلام على اعتقاد المخاطب في الشيء في نفسه قطعاً لكلامه وإظهاراً لتبكيته، فيقال لمن اعتقد مثلاً في زيد فضلاً، وإن لم يكن فيه فضل، ولكن لا يمكنه أن ينكر أن عمراً أفضل منه، فقال: اخدم عمراً هو أفضل من زيد، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] وقد عُلم أن لا خير فيما يشركون.
قوله: (كأنه قال: قدم لهم وعدا) يعني: لما كان قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ بياناً لقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ على سبيل الاستئناف، وكان الواجب
стр. 2168
أو يكون على إرادة القول بمعنى وعدهم وقال لهم مغفرة. أو على إجراء (وعد) مجرى "قال" لأنه ضرب من القول. أو يجعل (وعد) واقعاً على الجملة التي هي لهم مغفرة، كما وقع (تركنا) على قوله: (سَلامٌ عَلى نُوحٍ) [الصافات: ٧٩] كأنه قيل: ........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رعاية المطابقة بين البيان والمبين، وقد أتى في البيان باللام، فوجب أن يؤول المبين بما يشتمل عليها، ولذلك قال: "كأنه قيل: قدم لهم وعداً" ليون مورداً للسؤال المتضمن للام، وهو قوله: "أي شيء وعده لهم؟ ونظيره قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦ - ٨٧]، قال الإمام: هذا محمول على المعنى، لأن معناه: لمن السماوات؟ فقيل: لله، ونحوه قول الشاعر:
معاوي إننا بشر فأسجح … فلسنا بالجبال ولا الحديدا
قوله: (أو على إجراء ﴿وَعَدَ﴾ مجرى "قال" (. قال الزجاج: "وعد" بمنزلة "قال"؛ لأن الوعد لا ينعقد إلا بالقول.
قوله: (واقعاً على الجملة) أي: هو مفعول به، أي: وعد هذا القول وهو قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾.
قوله: (كما وقع "تركنا")، قال المصنف: هذه الكلمة، وهي ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ [الصافات: ٧٩]، يعني: يسلمون عليه تسليماً ويدعون له، من الكلام المحكي، كقولك: قرأت ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١]، قيل: لو لم يكن على الحكاية لكان القياس "سلاماً"؛ لأنه مفعول "تركنا"، أي: تركنا سلاماً عليه.
стр. 2169
وعدهم هذا القول وإذا وعدهم من لا يخلف الميعاد هذا القول، فقد وعدهم مضمونه من المغفرة والأجر العظيم، وهذا القول يتلقون به عند الموت ويوم القيامة، فيسرون به ويستروحون إليه ويهوّن عليهم السكرات والأهوال قبل الوصول إلى الثواب.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ)]. الْمُؤْمِنُونَ)].
روي أن المشركين رأوا رسول اللَّه ﷺ وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر يصلون معاً، وذلك بعسفان في غزوة ذي أنمار،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإذا وعدهم من لا يخلف الميعاد هذا القول فقد وعدهم مضمونه) يريد أن هذه الآية تفيد ما أفاده قوله تعالى في الفتح: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الفتح: ٢٩]، وإن كان القصد هاهنا القول وهناك الموعود؛ لأن الكريم إذا نطق بالوعد لا يخلف وعده، وكان الموعود حاصلاً، ولهذه الطريقة فائدة زائدة، وهي استرواح السامع باللفظ مع توطين النفس بإنجازه، فيسهل عليه تحمل المشاق، ولذلك جاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] واسترواحاً عند حضور الموت.
قوله: (ويستروحون إليه)، الجوهري: أراح الرجل: رجعت نفسه إليه بعد الإعياء، وأروح واستروح واستراح بمعنى، فيا لكلام لف ونشر بغير ترتيب.
قوله: (أن المشركين رأوا رسول الله ﷺ وأصحابه قاموا) قيل: "قاموا": حال، و"قد" مُقدرة، ولو كان من رؤية القلب لكان مفعولاً ثانياً.
стр. 2170
فلما صلوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقالوا: إنّ لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، يعنون: صلاة العصر وهموا بأن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها، فنزل جبريل بصلاة الخوف، وروي أن رسول اللَّه ﷺ أتى بني قريظة ومعه الشيخان وعليّ ﵃ يستقرضهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، اجلس حتى نطعمك ونقرضك، فأجلسوه في صفةٍ وهموا بالفتك به، وعمد عمرو بن جحاشٍٍ إلى رحىً عظيمةٍ يطرحها عليه، فأمسك اللَّه يده ونزل جبريل فأخبره، فخرج. وقيل: نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاه يستظلون بها، فعلق رسول اللَّه ﷺ سلاحه بشجرةٍ، فجاء أعرابي فسلّ سيف رسول اللَّه ﷺ ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك منى؟ قال: "اللَّه"، قالها ثلاثاً. فشام الأعرابي السيف فصاح رسول اللَّه ﷺ بأصحابه فأخبرهم وأبى أن يعاقبه. يقال: بسط إليه لسانه: إذا شتمه، وبسط إليه يده: إذا بطش به. (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ) [الممتحنة: ٢] ومعنى بسط اليد: مدّها إلى المبطوش به. ألا ترى إلى قولهم: فلان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ألا كانوا أكبوا عليهم) أي: هلا كانوا، وهي كلمة التنديم، فالجملة مبينة لقوله: "ندموا"ن وقيل: أصله: ندموا على أن لا كانوا، فحذف "على" ثم أدغم النون في اللام.
قوله: (وهموا بالفتك به)، النهاية: الفتك: هو أن يأتي صاحبه وهو غافل فيشد عليه فيقتله.
قوله: (وقيل: نزل منزلاً تفرق الناس) نحوه رواه الشيخان عن جابر.
قوله: (في العضاه)، النهاية: العضاه: شجر أم غيلان، وكل شجر عظيم له شوك، الواحدة: عضة بالتاء.
قوله: (فشام) شام السيف: سلها، وشامها: أغمدها، وهو من الأضداد.
стр. 2171
بسيط الباع، ومديد الباع، بمعنى. (فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ): فمنعها أن تمدّ إليكم.
[(وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ* فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)].
لما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم اللَّه بالمسير إلى أريحاء أرض الشام، وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة، وقال لهم: إني كتبتها لكم داراً قراراً فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها، وإني ناصركم، وأمر موسى ﵇ بأن يأخذ من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أمروا به؛ توثقةً عليهم، فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل، وتكفل لهم به النقباء، وسار بهم، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون، فرأوا أجراماً عظيمة وقوّة وشوكةً، فهابوا ورجعوا وحدّثوا قومهم، وقد نهاهم موسى ﵇ أن يحدثوهم، فنكثوا الميثاق، إلا كالب بن يوفنا، من سبط يهوذا، ويوشع بن نون من سبط أفراييم بن يوسف، وكانا من النقباء. والنقيب: الذي ينقب عن أحوال القوم ويفتش عنها، كما قيل له: عريف، لأنه يتعرفها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والنقيب: الذي يُنقب عن أحوال القوم). قال الزجاج: النقب: الطريق في الجبل، وإنما قيل: نقيب لأنه يعلم دخيلة أمر القوم، ويعرف مناقبهم، وهو الطريق إلى معرفة أمورهم، يقال: فلان حسن النقيبة، أي: جميل الخليقة، وهذا الباب كله معناه التأثير في الشيء الذي له عُمق، من ذلك نقبت الحائط، أي: بلغت في النقب آخره.
стр. 2172
(إِنِّي مَعَكُمْ) أي: ناصركم ومعينكم. (وعَزَّرْتُمُوهُمْ): نصرتموهم ومنعتموهم من أيدي العدوّ. ومنه: التعزير: وهو التنكيل والمنع من معاودة الفساد. وقرئ: بالتخفيف، يقال: عزرت الرجل: إذا حطته وكنفته. والتعزير والتأزير من وادٍ واحدٍ، ومنه: لأنصرنك نصراً مؤزراً، أي: قوياً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهو التنكيل والمنع). قال الزجاج: عزرتموه: نصرتموه، لأن العزر في اللغة: الرد، وعزرت فلاناً أي: أدبته، معناه: فعلت به ما يردعه عن القبيح، كما أن نكلت به معناه: فعلت به ما يجب أن يُنكل عن المعاودة، والناصر يرد عن صاحبه أعداءه، وهو يستلزم التعظيم والتوقير، ومن فسر التعزير بالتعظيم أراد هذا، قلت: فهو حقيقة في الرد والمنع، وكناية عن التعظيم والنصرة.
وقال الراغب: التعزير: النصرة مع التعظيم، قال تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، والتعزير: ضربٌ دون الحد، وذلك يرجع إلى الأول، فإنه تأديب والتأديب نصرة ما، لكن الأول: نصرة بقمع العدو عنه، والثاني: نصرة لقهره عن عدوه، فإن أفعال الشر عدو للإنسان، فمتى قمعته عنها فقد نصرته، وعلى هذا قوله ﷺ : "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، فقال: أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال: "تكفه عن الظلم"، وقلت: الحديث من رواية البخاري والترمذي عن أنس، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوماً أفرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ قال رسول الله ﷺ : "تحجزه أو تمنعه عن الظلم، فإن ذلك نصره".
قوله: (نصراً مؤزراً)، قاله ورقه بن نوفل، وهو ابن عم خديجة في حديث مشهور أخرجه الشيخان.
стр. 2173
وقيل: معناه: ولقد أخذنا ميثاقهم بالإيمان والتوحيد وبعثنا منهم اثني عشر ملكاً يقيمون فيهم العدل ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر. واللام في (لَئِنْ أَقَمْتُمُ) موطئة للقسم، وفي (لَأُكَفِّرَنَّ) جواب له، وهذا الجواب سادّ مسدّ جواب القسم والشرط جميعاً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: معناه: ولقد أخذنا ميثاقهم) عطف على قوله: "لما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون". اعلم أن أخذ الميثاق هاهنا يحتمل معنيين، أحدهما: ميثاق الأمر بالجهاد والتأكيد فيه، فالنقباء على هذا نُقباء العسكر وعُرفاؤه، والمناسب أن تفسر ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ بقوله: "أي: ناصركم ومعينكم" و"عزرتموهم" بقوله: "منعتموهم ونصرتموهم"، وثانيهما: يحتمل العهد بالإيمان وتوثيق أمر التوحيد، فالنقيب على هذا: معلم الخير، والحاكم العدل، والمناسب بقوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أن يقال: إني أوفقكم على الخير، وبقوله: عزرتموهم: وقرتموهم، كقوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح: ٩].
فإن قلت: الإيمان بالرسل مقدم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فلم أخر ذكره في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ﴾ الآية؟ قلت: هذه الجملة، اعني قوله: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ كناية إيمائية عن المجاهدة ونصرة دين الله ورسله والإنفاق في سبيله، كأنه قيل: لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وجاهدتم في سبيل الله. يدل عليه قوله: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١]، قال: أي: "لا ترتدوا على أدباركم في دينكم لمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم"، وإنما وقع الاهتمام بشأن هذه القرينة دون الأوليين وأبرزت في معرض الكناية لأن القوم كانوا يتقاعدون عن القتال ويقولون لموسى ﵊: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، وينصر هذا حمل النقباء على نُقباء العسكر.
стр. 2174
(بَعْدَ ذلِكَ): بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم. فإن قلت: من كفر قبل ذلك أيضا فقد ضلّ سواء السبيل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم) قيل: ينهي من ظن أن المراد بالوعد هاهنا الوعيد، لأن الشرط ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ﴾ إلى قوله: ﴿قَرْضاً حَسَناً﴾، والوعد ﴿لأكَفِّرَنَّ﴾ إلى آخره، وانظر إليهم كم خبطوا في الحواشي؟ وكادوا يُضلون كثيراً بعد أن ضلوا، لولا أن الله تعالى أعطى القوس باريها!
وقلت: لو أريد هذا المعنى لقيل: "بعد ذلك الشرط المعلق به الوعد العظيم"، كما قال القاضي، لأنه لا يقال: الشرط معلق بالجزاء معلق بالشرط، والحق أن الوعد العظيم هو قوله تعالى: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾، وأي وعد أعظم من ذلك؟ لأنه مشتمل على جميع ما يصح فيه الوعد من النصرة، وتكفير الذنوب، وإدخال الجنة، والغفران والرضوان، والرؤية وغيرها، وتعلق الشرط به، وهو قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمْ﴾ إلى آخره، من حيث المعنى، كما تقول لصاحبك: أنا معنى في حقك جداً إن خدمتني لم أضيع سعيك، أفعل بك وأصنع بك وكيت وكيت، فالشرط مع الجزاء مقرر لمعنى الجملة الأولى، وحاصل معنى قوله: "الشرط المعلق بالوعد" يعود إلى الشرط المتعلق بالوعد، لأن المعنى الصحيح: ومن كفر بعد ذلك الميثاق، وذلك البعث، وقول الله تعالى: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ لأن قوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ﴾ عطف على ﴿أَخَذْ﴾ على سبيل البيان والتوضيح؛ لأنه مشتمل على الشرط، وهو قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ﴾ إلى آخره، وقد سبق في البقرة أن العهد: الموثق، وعهد إليه: إذا وصاه به، واستعهد منه: إذا اشترط عليه. وكرر فيه اسمه الجامع لمزيد التوكيد والتقرير، وأن وعداً وعده الله لا خلاف فيه البتة، وأن من نقض ذلك العهد فقد ضل ضلالاً بعيداً.
стр. 2175
قلت: أجل، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم، لأنّ الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وتمادى (لَعَنَّاهُمْ): طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا. وقيل: مسخناهم. وقيل: ضربنا عليهم الجزية.
(وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً): خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى قست قلوبهم. أو أملينا لهم ولم نعاجلهم بالعقوبة حتى قست. وقرأ عبد اللَّه: (قسية) أي: ردية مغشوشة، من قولهم: درهم قسىّ وهو من القسوة لأنّ الذهب والفضة الخالصين فيهما لين والمغشوش فيه يبس وصلابة، والقاسي والقاسح - بالحاء - أخوان في الدلالة على اليبس والصلابة وقرئ: (قسية) بكسر القاف للإتباع.
(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ): بيان لقسوة قلوبهم؛ لأنه لا قسوة أشدّ من الافتراء على اللَّه وتغيير وحيه. (وَنَسُوا حَظًّا): وتركوا نصيباً جزيلاً وقسطاً وافياً (مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ): من التوراة؛ يعني: أن تركهم وإعراضهم عن التوراة إغفال حظ عظيم، أو قست قلوبهم وفسدت فحرّفوا التوراة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أجل، ولكن الضلال بعده أظهر) اعتزال خفي، لأنه مبني على قاعدة الحسن والقبح العقلي.
قوله: (وقرأ عبد الله: "قسية") بتشديد الياء من غير ألف، وكذا حمزة والكسائي، والباقون: بتخفيفها وبالألف.
قوله: (أوقست قلوبهم وفسدت فحرفوا) عطف على قوله: " ﴿يُحَرِّفُونَ﴾: بيان لقسوة قلوبهم"، وقوله: "لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله تعالى" تعليل لاتحاد معنى البيان والمبين، لأن معنى قولهم: قلوبهم قاسية، فيه نوع خفاء من حيث إن من قسا قلبه فعل أفعال أهل العناد، فأزال بقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ الإبهام، نحوه قوله: " ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا
следующие страницы →