Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
والمراد بالإثم: وبال القتل وما يجره من استحقاق العقاب. فإن قلت: لم جاء الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل، وهو قوله: (لَئِنْ بَسَطْتَ … ما أَنَا بِباسِطٍ)؟ قلت: ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع. ولذلك أكده بالباء المؤكدة للنفي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الكائنات ما لا يريده الله، وهو القبائح كلها، وهو الشرك الخفي، وإنما أراد إثم أخيه وعقوبته لأنه أراد: لا أعاقبك ولا أقتلك، ولما لم يكن بد من إرادة أحد الأمرين؛ إما إثمه بتقدير دفعه عن نفسه فيقتل أخاه، أو إثم أخيه، وكان غير مريد للأول، اضطر إلى الثاني، ولم يرد إثم أخيه بعينه، بل أراد ترك المدافعة، فيلزم منها ذلك، وهو كما يتمنى المسلم الشهادة فيتضمن ذلك أن يبوء الكافر بإثمه لكن لم يقصد إثم الكافر بعينه بل أراد بذل نفسه لله تعالى، وجاء إثم الكافر ضمناً.
قوله: (أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع) أي: لا أفعل فعلاً يُشتق منه هذا الوصف، وهو أن يقال مثلاً: هو باسط اليد، فإن الفعل الصادر عن الشخص ملزوم كونه فاعلاً، فإذا انتفى اللازم لينتفي الملزوم على الكناية كان أبلغ وأدل على شناعة الفعل.
الانتصاف: صيغة الفعل لا تُعطي إلا حدوث معناه من الفاعل لا غيرن أما اتصاف الذات به فذلك لما كان يعطيه اسم الفاعل عدل من الفعل إلى الاسم تغليطاً، إذ يصير ذلك كالسمة العلامة الثابتة.
قلت: قصده أن يبالغ في الامتناع، ولو وجه على هذا لكان العكس أولى، إذ لا يلزم من نفي الاتصاف المذكور نفي الحدوث، وفي التركيب أيضاً تأكيد ومبالغة، لأن اللام في ﴿لَئِنْ﴾ موطئة للقسم و ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ﴾ جواب القسم وسد مسد جواب الشرط.
стр. 2207
(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ): فوسعته له ويسرته. من طاع له المرتع: إذا اتسع.
وقرأ الحسن: (فطاوعت) وفيه وجهان: أن يكون مما جاء من فاعل بمعنى "فعل"، وأن يراد أنّ قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع، و (له) لزيادة الربط، كقولك: حفظت لزيدٍ ماله. قيل: قتل وهو ابن عشرين سنةً، وكان قتله عند عقبة حراء. وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.
(فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً): روي أنه أوّل قتيلٍ قتل على وجه الأرض من بني آدم، ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به، فخاف عليه السباع، فحمله في جرابٍ على ظهره سنةً، حتى أروح وعكفت عليه السباع،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾: فوسعته له ويسرته). قال الزجاج: طوعت: فعلتن من الطوع، والعرب تقول: طاع لهذه الظبية أصول هذه الشجرة، وطاع له كذا وكذا، أي: أتاه طوعاً.
قوله: (و ﴿لَهُ﴾ لزيادة الربط)، وهو مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، وقوله: حفظت لزيد ماله، أي: حفظت مال زيد.
قوله: (حراء)، قال الخطابي: أخطؤوا فيه في ثلاثة مواضع، قالوا: حرى ففتحوا الحاء وهي مكسورة، وأمالوا في غير موضع الإمالة، لأن الراء قبل الألف مفتوحة كراشد، فإنه لا يجوز فيه الإمالة، ولا تجوز إمالته، لأن الراء قبل الألف مفتوحة، كما لا يجوز إمالة راشد ورافع، وقصروا الألف وهي ممدودة.
قوله: (بالعراء) بالمد: الفضاء بلا سُترة.
стр. 2208
فبعث اللَّه غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة (قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ).
ويروى أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً! فقال: بل قتلته ولذلك اسودّ جسدك. وروي أنّ آدم مكث بعد قتله مئة سنةٍ لا يضحك، وأنه رثاه بشعرٍ! وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صحّ أن الأنبياء ﵈ معصومون من الشعر. (لِيُرِيَهُ): ليريه اللَّه، أو ليريه الغراب، أي: ليعلمه، لأنه لما كان سبب تعليمه، فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز. (سَوْأَةَ أَخِيهِ): عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده. والسوأة: الفضيحة لقبحها. قال:
يَا لَقَوْمِ لِلسَّوْأةِ السَّوْآء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (رثاه بشعر)، وهو على ما رواه محيي السنة:
تغيرت البلاد ومن عليها … فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي طعم ولون … وقل بشاشة الوجه الصبيح
ورُوي عن ابن عباس أنه قال: من قال: إن آدم قال شعراً فقد كذب، إن محمداً صلوات الله عليه وسلامه والنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء، لكن رثاه آدم بالسريانية فلم يزل يُنقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وهو اول من خط بالعربية، فنظر في المرثية فقدم وأخر وجعله شعراً عربياً.
قوله: (يا لقوم للسوأة)، الأساس: ووقعت في السوأة السواء، قال أبو زبيد:
стр. 2209
أي: للفضيحة العظيمة، فكنى بها عنها. (فَأُوارِيَ) بالنصب على جواب الاستفهام. وقرئ بالسكون على: فأنا أواري. أو على التسكين في موضع النصب للتخفيف. (مِنَ النَّادِمِينَ) على قتله لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره، وتبين له من عجزه وتلمذه للغراب، واسوداد لونه، وسخط أبيه، ولم يندم ندم التائبين.
(مِنْ أَجْلِ ذلِكَ): بسبب ذلك وبعلته. وقيل: أصله من أجل شراً: إذا جناه يأجله أجلاً، ومنه قوله:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يهب حرمة النديم وحقت … يا لقومي للسوأة السوآة
الجوهري: السوأة السواء: الخلة القبيحة، وامرأة سواء: قبيحة.
قوله: (أو على التسكين في موضع النصب للتخفيف) قال المبرد: هذا من الضرورات الحسنة التي يجوز مثلها في النثر.
قوله: (ولم يندم ندم التائبين)، الراغب: الندم والندامة: التحسر من تغير رأي في أمر فائت، قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ﴾، وأصله من منادمة الحزن له، والنديم والندمان والمنادم متقارب.
قوله: (وقيل: أصله من: أجل شراً: إذا جناه). قال الحريري في "درة الغواص": معنى قولهم: فعلته من جرائك، أي: من جريرتك، كما أن معنى قولهم: من أجلك، أي: من كسبك وجنايتك، والعرب تقول: فعلته من أجلك بفتح الهمزة وكسرها، وفي الحديث: "أن امرأة دخلت النار من جراء هرة ربطتها، فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض". وأُنشد للحياني بالمد والقصر:
стр. 2210
وَأَهْلِ خِبَاءٍ صَالحٍ ذَاتُ بَيْنِهِمْ … قَدم احْتَرَبُوا فِى عَاجِلٍ أَنَا آجِلُهْ
كأنك إذا قلت: من أجلك فعلت كذا، أردت: من أن جنيت فعله وأوجبته، ويدل عليه قولهم: من جراك فعلته، أي: من أن جررته بمعنى: جنيته، وذلك إشارةً إلى القتل المذكور؛ أي: من أن جنى ذلك القتل الكتب وجرّه (كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ)، و (مِنْ) لابتداء الغاية، أي: ابتدأ والكتب نشأ من أجل ذلك، ويقال: فعلت كذا لأجل كذا، وقد يقال: أجل، كذا، بحذف الجار وإيصال الفعل قال: أجل أنّ اللَّه قد فضلكم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمن جراً بني أسد غضبتم … ولو شئتم لكان لكم جوار
ومن جراء ناصرتم عبيداً … لقوم بعدما وُطيء الخُبارُ
الخبار: الأرض اللينة.
قوله: (وأهل خباء) البيت، رُوي "أهل" بالحركات الثلاث، أنا آجله: أي: جالبه وكاسبه، يقول: أهل خباء كانوا ذوي صلح وأمن قد وقعوا في الحرب عاجلاً، وأنا جالب عليهم ذلك الحرب وجانيه، يصف نفسه بأنه مهياج للفتنة.
قوله: (من أن جنيت فعله وأوجبته) أي: فعلت كذا بسبب أن جنيت فعله وأوجبته.
قوله: (من جراك)، الجوهري: فعلت ذلك من جراك وجرائك، أي: من أجلك، لغة في جراك بالتشديد.
قوله: (أجل أن الله قد فضلكم) تمامه، أنشد الجوهري لعدي بن زيد يصف جارية:
فوق من أحكأ صلباً بإزار
стр. 2211
وقرئ: (من أجل ذلك) بحذف الهمزة وفتح النون لإلقاء حركتها عليها.
وقرأ أبو جعفر: (من أجل ذلك) بكسر الهمزة، وهي لغةٌ، فإذا خفف كسر النون ملقياً لكسرة الهمزة عليها. (بِغَيْرِ نَفْسٍ): بغير قتل نفس، لا على وجه الاقتصاص. (أَوْ فَسادٍ) عطفٌ على (نفسٍ) بمعنى: أو بغير فساد (فِي الْأَرْضِ) وهو الشرك، وقيل: قطع الطريق. (وَمَنْ أَحْياها): ومن استنقذها من بعض أسباب الهلكة، قتلٍ أو غرقٍ أو حرقٍ أو هدمٍ أو غير ذلك.
فإن قلت: كيف شبه الواحد بالجميع وجعل حكمه كحكمهم؟ قلت: لأن كل إنسان يدلي بما يدلي به الآخر من الكرامة على اللَّه وثبوت الحرمة، فإذا قتل فقد أهين ما كرم على اللَّه وهتكت حرمته، وعلى العكس، فلا فرق إذاً بين الواحد والجميع في ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: فضلكم بحسب وعفة، أحكأت العقدة وأحكيتها، أي: شددتها.
قوله: (وقرئ: "من أجل ذلك") قرأها ورش عن نافع.
قوله: (يُدلي بما يُدلي به الآخر) أي: يتوصل، النهاية: ومنه حديث استسقاء عمر ﵁: وقد دلونا به إليك مستشفعين به، يعني: العباس ﵁، وهو من الدلو؛ لأنه يتوصل به إلى الماء.
الراغب: إن الناس لما كانوا كجسم واحد، ونسبة أحدهم إليه كنسبة أعضاء الجسم الواحد إليه، صار الساعي في إهلاك بعض الجسم كالساعي في إهلاكهم؛ كما أن اساعي في إهلاك بعض الجسم كالساعي في إهلاك كله، صار قتل الواحد كقتل الناس.
стр. 2212
فإن قلت: فما الفائدة في ذكر ذلك؟ قلت: تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها؛ لأنّ المتعرّض لقتل النفس إذا تصوّر قتلها بصورة قتل الناس جميعاً عظم ذلك عليه فثبطه، ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فما الفائدة في ذكر ذلك؟ ) أي: في ذكر المذكور من تشديد أمر قتل النفس وإحيائها، وإيراد التشبيهين؟ يُعلم ذلك من الجواب وبيان التصوير المستفاد من التشبيهين، هذا ما عليه كلام الناس، والأظهر أن يكون المشار إليه بذلك تنزيل الواحد منزلة الجماعة، والفاء شاهدة عليه، أي: أن تنزيل الواحد منزلة الجماعة خلاف الظاهر، فما الفائدة في ذلك؟ وكذا قوله في الجواب: "لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور" إلى آخره.
فإن قلت: فما المشار إليه بذلك في التنزيل؟ قلت: قال الواحدي: القتل، أي: بسبب قتل قابيل أخاه فرضنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس وجب عليه القصاص، والظاهر أن المشار إليه تعظيم أمر القتل، وعن بعض المفسرين: وإنما ذكر بني إسرائيل دون الناس لأن الكتاب نزل عليهم بهذا ووجب عليهم، وكانت التوراة أول كتاب نزل فيه تعظيم القتل، وفي كلام المصنف: "المسفرون في القتل لا يبالون بعظمته" إيماء إلى هذا المعنى، وقلت: وفي تخصيص ذكرهم دون الناس إيذانٌ بأنهم أشد تمادياً في الطغيان، والمعني: بسبب هذه العظيمة وبغلتها كتبنا في التوراة تعظيم القتل وشددنا عليهم وأرسلنا رسلنا تتراً، وأنزلنا عليهم البينات توصية فيه لعلهم يرجعون، ثم إن كثيراً منهم بعد هذه التوكيدات لمجاوزون في القتل حده ولا يبالون بعظمته.
قوله: (عظم ذلك) إشارة إلى المتصور، والضمير المستتر في "فثبطه" عائد إلى المتصور، أو إلى العظيم، والضمير المنصوب عائد إلى "المتعرض".
стр. 2213
وكذلك الذي أراد إحياءها. وعن مجاهدٍ: قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب اللَّه والعذاب العظيم، ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك. وعن الحسن: يا ابن آدم، أرأيت لو قتلت الناس جميعاً، أكنت تطمع أن يكون لك عمل يوازي ذلك، فيغفر لك به؟ كلا إنه شيءٌ سوّلته لك نفسك والشيطان، فكذلك إذا قتلت واحداً.
(بَعْدَ ذلِكَ) بعد ما كتبنا عليهم وبعد مجيء الرسل بالآيات (لَمُسْرِفُونَ) يعني: في القتل لا يبالون بعظمته.
[(إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ* إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
(يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ): يحاربون رسول اللَّه ﷺ ، ومحاربة المسلمين في حكم محاربته. (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً): مفسدين، أو لأنّ سعيهم في الأرض لما كان على طريق الفساد، نزل منزلة: (ويفسدون في الأرض)، فانتصب (فساداً) على المعنى، ويجوز أن يكون مفعولاً له، أي: للفساد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومحاربة المسلمين في حكم محاربته) أي: محاربة رسول الله ﷺ ، ففيه تمهيد بعد تمهيد، فذكر الله تعالى تمهيد لذكر رسول الله ﷺ ، وذكر رسول الله ﷺ تمهيد لذكر المسلمين، لأن قطاع الطريق إنما يحاربون غير رسول الله ﷺ .
قوله: (أو لأن سعيهم في الأرض) أي: ﴿فَسَاداً﴾، إما حال بمعنى: مفسدين، أو مفعول مطلق، لأن قوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ﴾ بمعنى: يفسدون، لأن سعيهم في الأرض لم يكن غير الفساد.
стр. 2214
نزلت في قوم هلال بن عويمرٍ، وكان بينه وبين رسول اللَّه ﷺ عهدٌ، وقد مرّ بهم قوم يريدون رسول اللَّه، فقطعوا عليهم. وقيل: في العرنيين، فأوحي إليه: أنّ من جمع بين القتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن أفرد القتل قتل، ومن أفرد أخذ المال قطعت يده لأخذ المال ورجله لإخافة السبيل، ومن أفرد الإخافة نفى من الأرض.
وقيل: هذا حكم كل قاطع طريقٍ، كافراً كان أو مسلماً. ومعناه: (أَنْ يُقَتَّلُوا) من غير صلب، إن أفردوا القتل (أَوْ يُصَلَّبُوا) مع القتل إن جمعوا بين القتل والأخذ.
قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما اللَّه: يصلب حياً ويطعن حتى يموت (أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ) إن أخذوا المال، (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) إذا لم يزيدوا على الإخافة.
وعن جماعةٍ منهم الحسن والنخعي: أن الإمام مخير بين هذه العقوبات في كل قاطع طريقٍ من غير تفصيلٍ. والنفي: الحبس عند أبى حنيفة، وعند الشافعي: النفي من بلدٍ إلى بلدٍ لا يزال يطلب وهو هارب فزعاً. وقيل: ينفى من بلده،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فأوحي إليه: أن من جمع بين القتل) إلى آخره، وعلى هذا ﴿أَوْ﴾ في الآية للتنويع.
قوله: (أن الإمام مخير بين هذه العقوبات في كل قاطع طريق من غير تفصيل)، قال شارح "البزدوي": نظر هذا القائل أن كلمة ﴿أَوْ﴾ للتخيير حقيقة، فيجب العمل بها إلى أن يقوم دليل المجاز، ولأن قطع الطريق في ذاته جناية واحدة، وهذه الجزية ذُكرت بمقابلتها فيصلح كل واحد جزاء له، فيثبت التخيير كما في كفارة اليمين، والجواب: لا يمكن القول بالتخيير هاهنا، لأن الجزاء على حسب الجناية ويزداد بزيادتها وينقص بنقصانها، قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، فيبعد أن يُقال: عند غلظ الجناية يُعاقب بأخف الأنواع وعند خفتها بأغلظها، وذلك أن المحاربة تتفاوت أنواعها في صفة الجناية من تخويف، أو أخذ مال، أو قتل نفس، أو جمع بين القتل وأخذ المال، والمذكور في الآية أجزية متفاوتة في
стр. 2215
وكانوا ينفونهم إلى دهلك؛ وهو بلدٌ في أقصى تهامة، وناصع؛ وهو بلدٌ من بلاد الحبشة. (خِزْيٌ): ذلّ وفضيحة. (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا): استثناءٌ من المعاقبين؛ عقاب قطع الطريق خاصةً، وأما حكم القتل والجراح وأخذ المال، فإلى الأولياء، إن شاءوا عفوا، وإن شاءوا استوفوا. وعن علي رضى اللَّه عنه: أنه الحرث بن بدر جاءه تائباً بعد ما كان يقطع الطريق، فقبل توبته ودرأ عنه العقوبة.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)].
الوسيلة: كل ما يتوسل به؛ أي: يتقرّب من قرابةٍ أو صنيعة أو غير ذلك، فاستعيرت لما يتوسل به إلى اللَّه تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي. وأنشد للبيد:
أَرَى النَّاسَ لَا يَدْرُونَ مَا قَدْرُ أمْرِهِمْ … أَلَا كُلُّ ذّي لُبٍ إلىَ اللَّهِ وَاسِلُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معنى التشديد والغلظة، فوقع الاستغناء بتلك المقدمة عن بيان تقسيم الأجزية على أنواع الجناية نصاً، وهذا التقسيم يرجع إلى أصل لهم، وهو أن الجملة إذا قوبلت بالجملة ينقسم البعض على البعض، كما يقال لمن يسأل عن حدود الكبائر: هي جلد مئة، أو ثمانين، أو الرجم، أو القطع، يُفهم منه التقسيم والتفصيل لا التخيير، فكذا هاهنا، فظهر أن معنى الآية: أن جزاء المحاربين لا يخلو من هذه الأنواع: إما أن يُقتلوا من غير صلب إن أفردوا القتل، أو يُصلبوا مع القتل إن جمعوا بين أخذ المال والقتل، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أفردوا الأخذ، أو ينفوا من الأرض إن أفردوا إخافة السابلة.
قوله: (دهلك) غير منصرف، للعجمة والتأنيث.
قوله: (أرى الناس لا يدرون) البيت، أوله.
стр. 2216
[(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ* يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ)].
(لِيَفْتَدُوا بِهِ): ليجعلوه فديةً لأنفسهم، وهذا تمثيلٌ للزوم العذاب لهم، وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجهٍ.
وعن النبي ﷺ : «يقال للكافر يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً، أكنت تفتدى به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك».
و(لو) مع ما في حيزه خبر (إن).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألا كل شيء ما خلا الله باطل … وكل نعيم لا محالة زائل
المعنى: الناس لا يدرون ما هم فيه من خطر الدنيا وسرعة فنائها، فكل ذي لب يتوسل إلى الله بطاعة وعمل صالح، واسل: ذو وسيلة، نحو لابنٍ وتامر، أي: متقرب.
قوله: (وهذا تمثيل للزوم العذاب لهم) يعني قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ إلى آخر الآية إذا أخذته بجملته كان كناية عن لزوم العذاب لهم من غير نظر إلى مفردات التركيب. وقلت: ويمكن أن يكون كناية عن أن الوسائل حينئذ غير نافعة، فيكون وزان الآية مع قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ وزان قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
قوله: (يقال للكافر يوم القيامة) الحديث، رواه البخاري ومسلم مع تغيير يسير.
стр. 2217
فإن قلت: لم وحد الراجع في قوله: (لِيَفْتَدُوا بِهِ) وقد ذكر شيئان؟ قلت: نحو قوله:
فَإنِّى وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ
أو على إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة، كأنه قيل: ليفتدوا بذلك. ويجوز أن يكون الواو في: (مِثْلَهُ) بمعنى «مع» فيتوحد المرجوع إليه.
فإن قلت: فبم ينصب المفعول معه؟ قلت: بما يستدعيه (لو) من الفعل، لأن التقدير: لو ثبت أن لهم ما في الأرض.
قرأ أبو واقدٍ: (أن يخرجوا) بضم الياء من (أخرج)، ويشهد لقراءة العامّة قوله: (بِخارِجِينَ).
وما يروى عن عكرمة: أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس: يا أعمى البصر أعمى القلب، تزعم أن قوما يخرجون من النار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فإني وقيار بها لغريب) قبله
دعاك الهوى والشوق لما ترنحت … هتوف الضحى بين الغصون طروب
تجاوبها ورق الحمام لصوتها … فكل لكل مسعد ومجيب
فمن يك أمسى بالمدينة رحله … فإني وقيار بها لغريب
أي: إني لغريب وقيار كذل، قيل: قيار: اسم جمله، وقيل: فرسه، وقيل: غلامه الأسود.
قوله: (الواو في ﴿وَمِثْلَهُ﴾ بمعنى "مع") قال المصنف: جوزوا أن يقال جاءني زيد وعمرو، أي: مع عمرو. قلت: فعلى هذا ﴿مَعَهُ﴾ في التنزيل تأكيد.
стр. 2218
وقد قال اللَّه تعالى: (وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها) فقال: ويحك، اقرأ ما فوقها. هذا للكفار؛ فمما لفقته المجبرة وليس بأول تكاذيبهم وفراهم، وكفاك بما فيه من مواجهة ابن الأزرق ابن عمّ رسول اللَّه ﷺ وهو بين أظهر أعضاده من قريش وأنضاده من بني عبد المطلب، وهو حبر الأمّة وبحرها ومفسرها بالخطاب الذي لا يجسر على مثله أحدٌ من أهل الدنيا، ويرفعه إلى عكرمة دليلين ناصين أن الحديث فرية ما فيها مرية.
[(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أعضاده)، الأساس: ومن المجاز: هم أعضاد وأنضاد لغديده وأنصاره، وهم نضده وأنضاده: لأعمامه وأخواله.
قوله: (وبرفعه إلى عكرمة، دليلين ناصين أن الحديث فرية)، "برفعه": عطف على "بما فيه"، يعني: أن عكرمة مولى لابن عباس، كيف ينقل هذا الكلام بهذه العبارة في حق مولاه؟ قال صاحب "الجامع": عكرمة كان مولى لابن عباس، أصله من بربر، أحد فقهاء مكة وتابعيها، قيل لسعيد بن جبير: هل أحد أعلم منك؟ قال: عكرمة؟ فيقال: إن أهل السنة ما نقلوها ولا يتمسكون بها، بل بالأحاديث الصحيحة المخرجة في كتب الأئمة المتقنين مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وغيرهم، وبالتقديم المؤذن بالاختصاص في قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] كما سبق في البقرة، فلينظر هناك، وروينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن طلق بن حبيب قريباً مما رُوي من حديث عكرمة، قال:
стр. 2219
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) رفعهما على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه، كأنه قيل: وفيما فرض عليكم السارق والسارقة؛ أي: حكمهما. ووجه آخر وهو أن يرتفعا بالابتداء، والخبر: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما)، ودخول الفاء لتضمنهما معنى الشرط، لأنّ المعنى: والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما، والاسم الموصول يضمن معنى الشرط.
وقرأ عيسى بن عمر بالنصب، وفضلها سيبويه على قراءة العامة لأجل الأمر لأنّ (زيداً فاضربه) أحسن من (زيدٌ فاضربه).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنت من أشد الناس تكذيباً بالشفاعة حتى لقيت جابر بن عبد الله فقرأت عليه كل آية ذكر الله فيها خلود أهل النار، قال: فإن الذي قرأت هم أهلها المشركون، لكن قوماً أصابوا ذنوباً فعذبوا بها ثم أخرجوا، صُمتا - وأهوى بيديه إلى أذنيه - إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "يخرجون من النار"، ونحن نقرأ ما تقرأ.
قوله: (لأن "زيداً فاضربه" أحسن من "زيد فاضربه"). عن المصنف: "أن الفاء في قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] لمعنى الشرط، كأنه قيل: وما كان فلا تدع تكبيره"، فعلى هذا يُقدر للمثال: زيداً أي شيء كان فلا تدع فاضربه؛ لأن كليهما لمعنى الشرط، وإنما كان أحسن؛ لأن الشرط يختص بالفعل، والمنصوب أدعى للفعل من المرفوع. وقال الزجاج: الجماعة أولى بالاتباع ولا أحب القراءة بالنصب، لأن اتباع القراءة سُنة، والذي يدل على أن الرفع أجود في: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: والاختيار أن يكون "السارق والسارقة" رفعاً بالابتداء، لأن القصد لا إلى واحدٍ بعينه وليس هو مثل: زيداً
стр. 2220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاضربه، وإنما هو كقولك: من سرق فاقطع يده، ومن زنى فاجلده، وقال شارح "اللباب" في قوله:
وقائلة: خولان فانكح فتاتهم
إن "خولان": مبتدأ، و"فانكح: خبره، وقد أدخل عليه الفاء، والتقدير: هؤلاء خولان فانكح، كما تقول: زيدٌ فليقم إليه، أي: هذا زيد، فدخول الفاء يدل على أن وجود هذه القبيلة علة لأن يتزوج منها ويتقرب إليها لحسن نسائها وشرفها.
وقلت: رجع معنى قوله زيد فاضربه، بالرفع، إلى استحقاق زيد للضرب بما اكتسب ما يستوجبه، وإن ذلك معهود بين المخاطب والمتكلم، فيكون من باب ترتب الحكم على الوصف المناسب مثل قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾، وليس كذلك: زيداً فاضربه، لأنه من باب الاختصاص مع التأكيد كما سبق في قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] فصح قول المبرد: وليس هو مثل زيداً فاضربه. وقال صاحب "الفرائد": الأمر لا يصلح أن يكون خبراً، فيتأول إما بقوله: فمقول فيهما، أي: اقطعوا، أو أن المبتدأ لما كان متضمناً للشرط وأنه جواب له صح أن يكون خبراًن كأنه قيل: إن يسرقا فاقطعوا.
قوله: (وفضلها سيبويه على قراءة العامة)، الانتصاف: الاستقراء يدل على أن العامة لا تتفق على غير الأفصح، وجدير بالقرآن ذلك، وسيبويه يُحاشي من اعتقاد ورود القرآن على غير الأفصح، وحمله على الشاذ، وهذا لفظ سيبويه ليُعلم براءته من ذلك، قال في باب الأمر والنهي بعد أن ذكر المواضع التي يختار فيها النصب، وتلخيصه: أن من بني الاسم على فعل الأمر فذلك موضع اختيار النصب، ثم قال كالموضح لامتياز هذه الآية عما اختار فيه
стр. 2221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النصب، أما قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] فلم بُين على الفعل لكن على مثال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، ثم قال بعده: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد: ١٥]، يريد سيبويه تمييز هذه الآية عما اختار فيه النصب بأنه في هذه الآية ليس الاسم مبنياً على الفعل بخلاف غيرها، ثم قال سيبويه: وإنما وضع المثل للحديث الذي ذكره بعده، فكأنه قال: ومن القصص مثل الجنة، فهو محمول على هذا، وكذلك ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ثم جاء ﴿فَاجْلِدُوا﴾ بعد أن مضى فيهما الرفع، يريد سيبويه انه لم يكن الاسم مبنياً على الفعل المذكور بعده، بل بُني على محذوف، وجاء الفعل طارئاً عليه.
قال سيبويه: وقد جاء:
وقائلةٍ: خولان فانكح فتاتهم
فجاء بالفعل بعد أن عمل فيه المضمر، كذلك ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ أي: فيما فرض عليكم. وقد قرأ ناس: "والسارق والسارقة" بالنصب، وهو في العربية على ما ذكرت لك من القوة، ولكن أبت العامة إلا الرفع. يريد أن قراءة النصب جاء الاسم فيها مبنياً على الفعل وغيرُ معتمدٍ على متقدم، فكان قوياً بالنسبة إلى الرفع حيث بنى الاسم على الفعل لا على الرفع حين يعتمد الاسم على المحذوف المتقدم، وقد سبق منه أنه يخرجه من الباب الذي يختار فيه النصب، والتبس على الزمخشري، لأنه ظن أن الكل باب واحد، ألا تراه قال: "زيداً فاضربه، أحسن من: زيدٌ" رجح النصب مطلقاً، وسيبويه صرح أن الكلام في الآية مع الرفع مبني على كلام متقدم، وحققه بأن الكلام واقع بعد قصص وأخبار، ولو كان كما نه الزمخشري لم يحتج سيبويه إلى تقدير إضمار خبر، بل يرفعه بالابتداء والأمر خبره، فتلخيصه: أن النصب له وجه واحد على الفعل، والرفع على وجهين أضعهما بناء الكلام على الفعل، وأقواهما رفعه بخبر مبتدأ محذوف فتحمل القراءة المشهورة على القوي.
стр. 2222
(أَيْدِيَهُما): يديهما، ونحوه (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) [التحريم: ٤]، اكتفى بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف، وأريد باليدين اليمينان، بدليل قراءة عبد اللَّه: (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم). والسارق في الشريعة: من سرق من الحرز.
والمقطع. الرسغ. وعند الخوارج: المنكب. والمقدار الذي يجب به القطع عشرة دراهم عند أبي حنيفة، وعند مالك والشافعي رحمهما اللَّه ربع دينارٍ. وعن الحسن: درهمٌ. وفي مواعظه: احذر من قطع يدك في درهمٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (اكتفى بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف). قال الزجاج: وحقيقة هذا الباب أن ما كان في الشيء منه واحد لم يثن ولفظ به على لفظ الجمع، لأن الإضافة تبينه، فإذا قلت: أشبعت بطونهما، عُلم أن للاثنين بطنين فقط، وأصل التثنية الجمع، لأنك إذا ثنيت الواحد فقد جمعت واحداً إلى واحد، وكان الأصل أن يقال في "رجلان": اثنا رجال، ولكن "رجلان" يدل على جنس الشيء وعدده، والتثنية يحتاج إليها للاختصار، فإذا لم يكن اختصار رد الشيء إلى أصله، فإذا قلت: قلوبهما، فالتثنية في "هما" قد أغنتك عن تثنية قلب فصار الاختصار هاهنا ترك تثنية قلب، وقال الشاعر:
ظهراهما مثل طيور الترسين
فجاء بالتثنية والجمع في بيت واحد. وحُكي عن سيبويه أنه قال: قد يُجمع المفرد الذي ليس منه شيء إذا أردت به التثنية، وحُكي عن العرب: وضعا رحالهما، يريد رحلي راحلتيهما، وقلت: فعلى هذا لا يستقيم تشبيه ما في الآية بقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] لأن لكل من السارق والسارقة يدين اثنتين، فيجوز الجمع وأن تقطع الأيدي جميعاً من حيث ظاهر
стр. 2223
(جَزاءً) و (نَكالًا) مفعولٌ لهما. (فَمَنْ تابَ) من السرّاق (مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ): من بعد سرقته (وَأَصْلَحَ) أمره بالتقصي عن التبعات؛ (فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ) ويسقط عنه عقاب الآخرة. وأمّا القطع فلا تسقطه التوبة عند أبي حنيفة وأصحابه. وعند الشافعي في أحد قوليه: تسقطه.
(مَنْ يَشاءُ): من يجب في الحكمة تعذيبه، والمغفرة له من المصرين والتائبين.
وقيل: يسقط حدّ الحربي إذا سرق بالتوبة؛ ليكون أدعى له إلى الإسلام وأبعد من التنفير عنه، ولا يسقط عن المسلم؛ لأن في إقامته الصلاح للمؤمنين والحياة (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) [البقرة: ١٧٩].
فإن قلت: لم قدّم التعذيب على المغفرة؟ قلت: لأنه قوبل بذلك تقدم السرقة على التوبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللغة، فحينئذ يُحتاج إلى تخصيص اليدين باليمينين، بدليل خارجي من نحو قراءة عبد الله كما في "الكشاف".
قوله: (ولا يسقطه عن المسلم، لأن في إقامته الصلاح للمؤمنين). قال الزجاج: التوبة للكفار تدرأ عنهم الحدود التي وجبت عليهم في كفرهم، ليكون ذلك أدعى إلى الدخول في الإسلام، وأما توبة المؤمنين من الزنا والقتل والسرقة لا تدفع عنهم إقامة الحدود، وتدفع عنهم العذاب في الآخرة، لأن في إقامة الحدود الصلاح للمؤمنين والحياة، لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقيل: حق الله من الحد يسقط إن تاب قبل الظفر ولا يسقط بعده، وحق الآدمي كالقود فهو إلى الولي، وإن تاب بعد الظفر لم تقبل توبته ولا يسقط حده.
قوله: (لأنه قوبل بذلك تقدم السرقة على التوبة)، يريد أن في الآية لفاً ونشراً، الانتصاف:
стр. 2224
[(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَاتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ)].
قرئ: (لا يحزنك) بضم الياء و (يسرعون)، والمعنى: لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين (فِي الْكُفْرِ) أي: في إظهاره بما يلوح منهم من آثار الكيدِ للإسلام، ومن موالاة المشركين، فإني ناصرك عليهم وكافيك شرّهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عنده أن المغفور لهم هم: التائبون، والمعذبون: السراق، فلا تكون المغفرة تبعاً للمشيئة، بل المشيئة تابعة للتوبة، ونحن نعتقد أن المغفرة تابعة للمشيئة في حق غير التائب، فيدخل السارق في عموم قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وإن لم يتب، وإنما قدم التعذيب لأن السياق للوعيد.
وقلت: الحق هذا، لأن قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تذييل للكلام السابق من لدن قصة موسى، ومقابلته الجبارين، وقصة قابيل وهابيل، وأحكام قطاع الطريق، وتحريض المؤمنين على الجهاد، وقطع السراق، وقد يخلص به إلى نوع آخر من الكلام، كأنه قيل له: الحكم في ملكه كيف شاء منع أو أعطي، عذب أو عفا، وهو على كل شيء قدير.
قوله: (والمعنى: لا تهتم) في تفسيره: ﴿لا يَحْزُنْكَ﴾ بقوله: "لا تهتم"، وتعليله بقوله:
стр. 2225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"فإني ناصرك" نظرٌ، لأن النهي عن الحزن لم يكن لأنه خاف شرهم فحزن حتى يقال: "إني ناصرك وكافيك شرهم"، وإنما نُهي عن الحزن لأجل مسارعتهم في الكفر، ثم بين بقوله: ﴿مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ بقوله: ﴿وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ إلى آخر الآية على سبيل التعليل، حيث أوقع تلك الصفات صلات للموصولات، أي: سبب مسارعتهم في الكفر: النفاق وسماع الكذب وتحريف كتاب الله وتغيير أحكامه وكتمان نبوته، وذلك الذي أوقعه في الحزن، ألا ترى كيف أوقع ﴿وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً﴾ اعتراضاً مؤكداً لمعنى المعترض فيه؟
ومما يشد من عضد هذا التأويل ما روينا عن مسلم وأحمد وأبي داود وابن ماجه، عن البراء، قال: مر على رسول الله ﷺ يهودي محممٌ مجلود، فدعاهم، فقال: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ "، قالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: "أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزنا في كتابكم؟ " قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، فحده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، وكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه"، فأمر به فرُجم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يقول: ائتوا محمداً، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] في الكفار كلها، وسيجيء الكلام فيه.
стр. 2226
يقال: أسرع فيه الشيب، وأسرع فيه الفساد، بمعنى: وقع فيه سريعاً، فكذلك مسارعتهم في الكفر ووقوعهم وتهافتهم فيه أسرع شيءٍ إذا وجدوا فرصةً لم يخطئوها. و (آمَنَّا) مفعول (قالوا)، و (بِأَفْواهِهِمْ) متعلق بـ (قالوا) لا بـ (آمنا)، و"مِنَ الَّذِينَ هادُوا" منقطعٌ مما قبله، خبرٌ لـ (سماعون)؛ أي: ومن اليهود قومٌ سماعون، ويجوز أن يعطف على (مِنَ الَّذِينَ قالُوا) ويرتفع (سماعون) على: هم سماعون، والضمير للفريقين، أو للذين هادوا.
ومعنى (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ): قابلون لما يفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على اللَّه، وتحريف كتابه، من قولك: الملك يسمع كلام فلانٍ. ومنه: (سمع اللَّه لمن حمده).
(سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَاتُوكَ) يعني: اليهود الذين لم يصلوا إلى مجلس رسول اللَّه ﷺ وتجافوا عنه؛ لما أُفرط فيهم من شدة البغضاء وتبالغٍ من العداوة، أي: قابلون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وتهافتهم فيه)، النهاية: التهافت: من الهفت، وهو السقوط قطعة قطعة، وأكثر ما يستعمل التهافت في الشر.
قوله: (أسرع شيء) قيل: هو حال، أي: حين وجدوا فرصة تساقطوا على الكفر مسرعين، وأفعل التفضيل يقعُ حالاً إذا كان مضافاً إلى النكرة، نحو: جاءني زيدٌ أحسن ما كان هو عليه، والصحيح أن الظرف، أعني "إذا"، معمول لقوله: "لم يخطئوها"، والجملة مبينة لما قبلها.
قوله: (﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾: قابلون لما يفتريه الأحبار). قال الزجاج: الإنسان يسمع الحق والباطل، لكن يقال له: لا تسمع من فلان، أي: لا تقبل قوله، ومنه: سمع الله لمن حمده، أي: تقبل الله منه حمده.
стр. 2227
من الأحبار ومن أولئك المفرطين في العداوة الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك.
وقيل: سماعون إلى رسول اللَّه ﷺ لأجل أن يكذبوا عليه، بأن يمسخوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان، والتبديل والتغيير، سماعون من رسول اللَّه لأجل قومٍ آخرين من اليهود وجهوهم عيوناً ليبلغوهم ما سمعوا منه. وقيل: السماعون: بنو قريظة، والقوم الآخرون: يهود خيبر.
(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ): يميلونه ويزيلونه (عَِنْ مَواضِعِهِ) التي وضعه اللَّه تعالى فيها، فيهملونه بغير مواضع بعد أن كان ذا مواضع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك) يعني ذمهم أولاً: أنهم سماعون من أعداء الله، قائلون عمن يحرفون كتاب الله، ثم ذمهم ثانياً: أنهم سماعون من أعداء رسول الله ﷺ الذين لا يقدرون أن ينظروا إليه فكنى بقوله: ﴿لَمْ يَاتُوكَ﴾ عن أنهم لم يقدروا أن ينظروا إليه صلوات الله عليه لأنهم إذا لم يأتوه لم ينظروا إليه، ودل ذلك على شدة بغضهم له، وذلك على إفراط العداوة.
قوله: (وقيل: سماعون إلى رسول الله ﷺ لأجل أن يكذبوا عليه) عطف على قوله: "قابلون لما يفتريه"، فعلى هذا صلة ﴿سَمَّاعُونَ﴾ في الموضعين محذوفة، واللام للتعليل، وعلى الأول صلة. الجوهري: قولهم: سمعك إليَّ، أي: اسمع مني، واستمعت له أي: أصغيت، يقال: تسمعت إليه وسمعت له كله بمعنى، وقرئ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإٍ الأَعْلَى﴾ [الصافات: ٨] مخففاً. قال الواحدي: أي: فريق سماعون للكذب يسمعون منك ليكذبوا عليك: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَاتُوكَ﴾، يعني يهود خيبر. قال الزجاج: هؤلاء عيون أولئك الغُيب.
قوله: (فيهملونه بغير مواضع بعد أن كان ذا مواضع) معناه ما قال في سورة النساء:
стр. 2228
(إِنْ أُوتِيتُمْ هذا) المحرف المزال عن مواضعه (فَخُذُوهُ) واعلموا أنه الحق، واعملوا به، (وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ) وأفتاكم محمدٌ بخلافه (فَاحْذَرُوا) وإياكم وإياه، فهو الباطل والضلال.
وروي أن شريفاً من خيبر زنى بشريفةٍ وهما محصنان وحدّهما الرجم في التوراة، فكرهوا رجمهما لشرفهما، فبعثوا رهطاً منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول اللَّه ﷺ عن ذلك، وقالوا: إن أمركم محمدٌ بالجلد والتحميم فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا وأرسلوا الزانيين معهم، فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، فقال: "هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا"؟ قالوا: نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض! ورضوا به حكماً. فقال له رسول اللَّه ﷺ : "أنشدك اللَّه الذي لا إله إلا هو، الذي فلق البحر لموسى، ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون، والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"أما ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾، فالمعنى: أنه كانت له مواضع هو قمنٌ بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقاره".
قوله: (﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ المحرف المزال عن مواضعه) هذا ليس بمقول لهم، بل المصنف وضعه موضع مقولهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧]؛ قال: "يجوز أن يضع الله تعالى الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح".
قوله: (والتحميم) وهو تسويد الوجه، النهاية: وهو من الحممة، وهي الفحمة.
قوله: (كتابه وحلاله وحرامه) عطف الخاص على العام، نحو: ملائكته وجبريل، وليس الحلال والحرام أشرف ما فيه، لكن مقام حكم الزنا وأن الزنا محرم يقتضي ذلك.
стр. 2229
هل تجدون فيه الرجم على من أحصن"؟ قال: نعم، فوثب عليه سفلة اليهود فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب، ثم سأل رسول اللَّه ﷺ عن أشياء كان يعرفها من أعلامه، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأنك رسول اللَّه، النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون، وأمر رسول اللَّه ﷺ بالزانيين فرجما عند باب مسجده.
(وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ): تركه مفتوناً وخذلانه (فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً) فلن تستطيع له من لطف اللَّه وتوفيقه شيئاً. (أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ) أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم؛ لأنهم ليسوا من أهلها؛ لعلمه أنها لا تنفع فيهم ولا تنجع؛ (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ) (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ) [آل عمران: ٨٦].
[(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) ٤٢ - ٤٣].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تركه مفتوناً وخذلانه)، والعجب أن قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً﴾ [المائدة: ٤١] وقع اعتراضاً بين الإعلام بتحريفهم كتاب الله وبين التسجيل بأن ذلك لجل أنه تعالى لا يريد أن يُطهر قلوبهم؛ لأن لفظة ﴿أُوْلَئِكَ﴾ علمٌ بأن الذي يرد عقيبه هو الحامل لمن سبق على اتصافه بذلك الوصف، وموقع هذا الاعتراض بعد إعطاء معنى التوكيد: التعليل، لئلا يتوهم القدري خلاف ما عليه النص القاطع فيحرف كتاب الله ويسلك طريق المجاز، ومع ذلك يقول: "أولئك لم يرد الله أن يمنحهم من ألطافه؛ لأنهم ليسوا من أهلها؛ لعلمه أنها لا تنفع فيهم" نعوذ بالله من الزيغ!
стр. 2230
السُّحْت: كل ما لا يحل كسبه، وهو من سحته: إذا استأصله، لأنه مسحوت البركة، كما قال تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا) [البقرة: ٢٧٦] والربا بابٌ منه.
وقرئ: (لِلسُّحْتِ) بالتخفيف والتثقيل. و (السحت) بفتح السين على لفظ المصدر، من: سحته و (السحت) بفتحتين و (السحت) بكسر السين.
وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام. وعن الحسن: كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه أحدهم برشوةٍ جعلها في كمه، فأراها إياه وتكلم بحاجته، فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه، فيأكل الرشوة ويسمع الكذب.
وحُكي أن عاملاً قدم من عمله فجاءه قومه، فقدم إليهم العراضة وجعل يحدّثهم بما جرى له في عمله، فقال أعرابي من القوم: نحن كما قال اللَّه تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ).
وعن النبي ﷺ : «كل لحمٍ أنبته السحت فالنار أولى به».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿لِلسُّحْتِ﴾، بالتثقيل والتخفيف): التثقيل: ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، والباقون: بالتخفيف.
قوله: (العُراضة) وهي هدية القادم من سفره. النهاية: قالت امرأة معاذ وقد رجع من عمله: أين ما جئت به مما يأتي به العمال من عراضة أهلهم؟ .
قوله: (كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به) الحديث، أخرجه أحمد بن حنبل، عن جابر في "مسنده".
стр. 2231
قيل: كان رسول اللَّه ﷺ مخيراً - إذا تحاكم إليه أهل الكتاب - بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم. وعن عطاءٍ والنخعي والشعبي: أنهم إذا ارتفعوا إلى حكام المسلمين، فإن شاءوا حكموا، وإن شاؤوا أعرضوا. وقيل: هو منسوخ بقوله: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ).
وعند أبي حنيفة رحمةُ اللَّه عليه: إن احتكموا إلينا حملوا على حكم الإسلام، وإن زنى منهم رجلٌ بمسلمةٍ، أو سرق من مسلم شيئاً أقيم عليه الحدّ. وأما أهل الحجاز فإنهم لا يرون إقامة الحدود عليهم، يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على شركهم، وهو أعظم الحدود، ويقولون: إنّ النبي ﷺ رجم اليهوديين قبل نزول الجزية.
(فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً) لأنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأيسر .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم بينهم) منع الحريري مثل هذا التكرير في "درة الغواص"، قال: يقولون: المال بين زيد وبين عمرو، بتكرير بين، فيوهمون فيه، والصواب: بين زيد وعمرو، كما قال تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: ٦٦]، والعلة أن لفظة "بين" تقتضي الاشتراك ولا تدخل إلا على مثنى أو مجموع، كقولك: المال بينهما، والدار بين الإخوة، وأظن أن الذي أوهمهم لزوم تكريره مع الظاهر، وجوب تكريره مع المضمر في مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]، فقد وهموا فيه في المماثلة بين الموطنين، وهو أن المعطوف على الضمير المجرور من شرط جوازه تكرير الجار فيه، نحو: مررت بك وبزيد.
قوله: (﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ﴾، لأنهم كانوا)، اعلم أن أصل الكلام: فإن جاؤوك فأنت مخير بين أن تحكم بينهم وأن تُعرض عنهم، فلا تخف منهم، فإنهم لن يضروك شيئاً، فوضع "لن يضروك" موضع "لا تخف"، وإنما قدر "لا تخف": "لأنهم كانوا لا يتحاكمون إليه" إلى آخره.
стр. 2232
والأهون عليهم، كالجلد مكان الرجم فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم شق عليهم وتكرهوا إعراضه عنهم، وكانوا خلقاء بأن يعادوه ويضاروه، فأمن اللَّه سربه.
(بِالْقِسْطِ): بالعدل والاحتياط كما حكم بالرجم. (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ): تعجيبٌ من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدّعون الإيمان به.
(ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ): ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم لا يرضون به.
(وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) بكتابهم كما يدّعون، أو: وما أولئك بالكاملين في الإيمان على سبيل التهكم بهم.
فإن قلت: (فِيها حُكْمُ اللَّهِ) ما موضعه من الإعراب؟ قلت: إمّا أن ينتصب حالاً من (التوراة) وهي مبتدأٌ خبره "عندهم"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فأمن الله سربه)، النهاية: فلان آمنٌ في سربه، بالكسر، أي: في نفسه، ويروى بالفتح، وهو المسلك والطريق، يقال: خل سربه، أي: طريقه، فعلى هذا كناية.
قوله: (حالاً من ﴿التَّوْرَاةَ﴾، وهي مبتدأ خبره "عندهم"). قال أبو البقاء: ﴿كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ ﴿كَيْفَ﴾: حال من ضمير الفاعل في ﴿يُحَكِّمُونَكَ﴾، ﴿وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ﴾: الجملة في موضع الحال، ﴿التَّوْرَاةُ﴾: مبتدأ، و"عندهم": الخبر، ويجوز أن ترتفع ﴿التَّوْرَاةُ﴾ بالظرف، و ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ أيضاً: حال، والعامل فيها ما في "عند" من معنى الفعل، و ﴿حُكْمُ اللَّهِ﴾: مبتدأ أو معمول الظرف. وقلت: في الكلام أحوال متداخلة، وقول المصنف: "حالاً من ﴿التَّوْرَاةُ﴾ " أي: من الضمير في الخبر للتوراة.
стр. 2233
وإما أن يرتفع خبراً عنها، كقولك: وعندهم التوراة ناطقةٌ بحكم اللَّه، وإمّا أن لا يكون له محل، وتكون جملة مبينةٌ؛ لأنّ عندهم ما يغنيهم عن التحكيم، كما تقول: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب، فما تصنع بغيره؟
فإن قلت: لم أنثت التوراة؟ قلت: لكونها نظيرة لموماة ودوداة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإما أن يرتفع خبراً عنها). قال صاحب "التقريب": ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾: خبر للتوراة، و"عند": متعلق بالخبر مقدماً عليه، وفيه تعقيد. وقلتُ: ويمكن أن يقال: إن قوله: ﴿التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ جملة في تأويل المفرد، يعني: عندهم هذه القضية، وفائدته أن هذا الحكم بين في التوراة غير مخفي، ولهذا قال: "ناطقة بحكم الله".
قوله: (جملة مبينة، لأن عندهم) اللام مبينة، يعني: قوله: ﴿عِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ﴾ معناه: "عندهم ما يغنيهم"، وكذلك قوله: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ متضمن لهذا المعنى، ويحتمل أن يكون تعليلاً، وبيانه: أن قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ﴾ إنكار عليهم وتعجب في تحكيمهم لمن لا يؤمنون به، و ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ إثبات لاستغنائهم عن التحكيم، ودل عليه تقديم الخبر، أي: الحكم الذي يريدونه منصوص فيها لا يحتاجون إلى كتاب آخر، وهو معنى قوله: "عندهم ما يُغنيهم"، وكان بياناً له بهذا التقدير أيضاً.
فإن قلت: قوله: "وعندهم ما يغنيهم" يوهم أن ما في التوراة ثابت، وأنهم يستغنون به عما جاء به رسول الله ﷺ ، وكذا قوله في المثال: "فما تصنع بغيره؟ "، قلت: هذا إنما يقال في مقام التعجب وذم من يركب متن الباطل ويتعرج عن المنهج الواضح المستقيم ويسأل غير من يرشده إليه تعنتاً ولبساً للحق الجلي.
قوله: (لموماة)، الجوهري: الموماة واحدة الموامي، وهي: المفاوز، أصلها: موموة، على فعللة، وهو مضاعف قلبت واوه ألفاً، وأما الدوداة فما وجدته في كتب اللغة، وفي "الحاشية": أنها أرجوحة الصبي.
стр. 2234
ونحوها في كلام العرب. فإن قلت: علام عطف (ثم يتولون)؟ قلت: على (يحكمونك).
[(إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)].
(فِيها هُدىً) يهدى للحق والعدل (وَنُورٌ) يبين ما استبهم من الأحكام. (الَّذِينَ أَسْلَمُوا): صفةٌ أجريت على "النبيين" على سبيل المدح كالصفات الجارية على القديم سبحانه، لا للتفصلة والتوضيح، وأريد بإجرائها التعريض باليهود وأنهم بعداء من ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم في القديم والحديث، وأنّ اليهودية بمعزلٍ منها،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾: صفة أجريت على "النبيين" على سبيل المدح … لا للتفصلة والتوضيح)، الانتصاف: وفيه نظر، فلا يجوز مدح نبي على كونه رجلاً مسلماً؛ لأن النبوة أعظم من الإسلام، فالوجه: أن الصفة ذُكرت لتعظيم نفسها، وتنويه شأنها، إذا وُصف بها عظيم القدر، ومنه وصف الأنبياء بالصلاح، والملائكة بالإيمان في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧]، وقد قيل: أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف، وقال:
فلئن مدحت محمداً بقصيدتي … فلقد مدحت قصيدتي بمحمد
ولولا حملها على هذا لخرجنا عن قانون البلاغة في الترقي من الأدنى إلى الأعلى لا النزول على عكسها، ما قال المتنبي:
شمس ضحاها هلال ليلتها … در تقاصيرها زبرجدها
стр. 2235
وقوله: (الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا) منادٍ على ذلك. (وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ): والزهاد والعلماء من ولد هارون، الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ): بما سألهم أنبياؤهم حفظه من التوراة؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فنزل عن الشمس إلى الهلال وعن الدر إلى الزبرجد فمضغت الألسن عرض بلاغته ومزقت أديم صناعته.
وقلت: والذي يقضي العجب من هذا الفاضل قوله: إن الصفة ذُكرت لتعظيم نفسها وتنويه شأنها إذا وُصف بها عظيم القدر، وليست بصفة مدح، فيقال: إذا لم تكن صفة مدح فهل تكون للتي للتفصلة والتمييز، أو الكشف والتوضيح، أو للتقرير والتوكيد؛ إذ لا خامس! أو كيف يتسنى لك ما تقصد به من التعظيم والتنويه، وكونها مرغوباً فيها إذا لم تحملها على المدح وتقول: إذا كان النبيون مع جلالة قدرهم ورفعة منصبهم يتمدحون بوصف الإسلام فما بال الغير؟ فعند ذلك يحصل التنويه والتغريب، وإليه أشار صاحب "المفتاح" بقوله: لو أريد اختصاره لما انخرط في الذكر ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧] إذ ليس أحدٌ من مصدقي حملة العرش يُرتاب في إيمانهم، ووجه حسن ذكره إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه.
قوله: (﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ منادٍ على ذلك) يعني: في وصف الأنبياء بكونهم مسلمين بعد ذكر التوراة تعريض باليهود وأنهم بعداء عن ملة الإسلام ودين الإسلام ودين الأنبياء، ثم في اقتران ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ بقوله: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾، لإرادة أن الأنبياء المسلمين يحملون اليهود على أحكام التوراة تصريح فيما عرض به أولاً، والحاصل أن في كل من اللفظتين واختصاصه بالذكر رمزاً لى معنى وإشارة إلى دقيقة على سبيل الإدماج.
стр. 2236
أي: بسبب سؤال أنبيائهم إياهم أن يحفظوه من التغيير والتبديل. و (مِنْ) في (مِنْ كِتابِ اللَّهِ) للتبيين. (وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ): رقباء كي لا يبدل؛ والمعنى: يحكم بأحكام التوراة النبيون بين موسى وعيسى، وكان بينهما ألف نبيّ (للذين هادوا) يحملونهم على أحكام التوراة لا يتركونهم أن يعدلوا عنها، كما فعل رسول اللَّه ﷺ من حملهم على حكم الرجم وإرغام أنوفهم، وإبائه عليهم ما اشتهوه من الجلد، ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و ﴿مِن﴾ في ﴿مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ للتبيين)، وهذا لا يوافق تفسيره، وهو قوله: "بسبب سؤال أنبيائهم"، لأن "مِنَ" التبيينية تستدعي موصوله، وقد فُسر بما يُنبئ عن كونها مصدرية لكن مراده تلخيص المعنى.
قوله: (وعيسى) معطوف على فاعل الحكم، وهو النبيون.
قوله: (﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ يحملونهم على أحكام التوراة)، الجوهري: حكم بينهم بحكم، أي: قضى، وحكم له وعليه، والمصنف أتى في كلامه بعلى، وهو موهم مبدل من اللام، وليس به، لأن اللام في ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ بمعنى "لأجل" وليست بصلة، مثلها في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، قال المصنف: " ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: لأجلهم"، ولا ارتياب بأن النبيين المسلمين إذا حكموا لأجل من يخالفهم إلى وصف اليهودية حملوهم على ما هم عليه من الحق، ولا يتركونهم أن يعدلوا عنه إلى هواهم، كما فعل رسول الله ﷺ حين حكم لأجل اليهود في الزانيين دعا ابن صوريا وقال له: "والذي أنزل عليكم الكتاب، هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟ " قال: نعم، فأمر رسول الله ﷺ بالزانيين فرُجما عند باب مسجده، فرجع مآل المعنى إلى: حكم له، فاللام للعاقبة.
стр. 2237
وكذلك حكم الربانيون والأحبار والمسلمون بسبب ما استحفظهم أنبياؤهم من كتاب اللَّه والقضاء بأحكامه، وبسبب كونهم عليه شهداء.
ويجوز أن يكون الضمير في: (اسْتُحْفِظُوا) للأنبياء والربانيين والأحبار جميعا ويكون الاستحفاظ من اللَّه، أي: كلفهم اللَّه حفظه، وأن يكونوا عليه شهداء. (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ): نهيٌ للحكام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكذلك حكم الربانيون) عطف على جملة قوله: "يحكم بأحكام التوراة النبيون"، وقوله: "كما فعل رسول الله ﷺ " كالمستطردة. وقال أبو البقاء: الربانيون: مرفوع المحل بفعل محذوف، أي: ويحكم، هذا إذا علق ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ بـ ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ فقط، وإنما قال المصنف: "حكم" وفي التنزيل: ﴿يَحْكُمْ﴾ ليؤذن أن ما في التنزيل لحكاية الحال الماضية.
قوله: (ويجوز أن يكون الضمير في ﴿اسْتُحْفِظُوا﴾ للأنبياء والربانيين والأحبار) عطفٌ من حيث المعنى على قوله: "بما سألهم أنبياؤهم"، وكان الضمير على الأول: للربانيين والأحبار، يعني: استحفظوا سؤال الأنبياء الأحبار والربانيين أن لا يُضيعوا أحكام الكتاب ولا يُهملوا شرائعه، وإليه الإشارة بقوله: "أن يحفظوه من التغيير والتبديل"، وإنما سماهم المصنف مسلمين في قوله: و"كذلك حكم الربانيون والأحبار المسلمون" لأنهم حينئذ خلفاء الأنبياء في ذلك المعنى، وإليه الإشارة بقوله: "الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود"، وعلى الثاني ﴿اسْتُحْفِظُوا﴾ معناه: كلفوا حفظه لئلا يُنسى، والمأمور إذن كلهم، والآمر الله ، و ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ على هذا الظاهر أن يكون بدلاً من ﴿بِهَا﴾ بإعادة الباء، قاله أبو البقاء. ﴿وَكَانُوا﴾: عطف على ﴿اسْتُحْفِظُوا﴾، وعلى الأول: الباء في ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ للسببية. قال أبو البقاء: في وجه آخر: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ مفعول به، أي: يحكمون بالتوراة
стр. 2238
عن خشيتهم غير اللَّه في حكوماتهم وإدهانهم فيها، وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل لخشية سلطانٍ ظالمٍ، أو خيفة أذية أحد من القرباء والأصدقاء.
(وَلا تَشْتَرُوا): ولا تستبدلوا ولا تستعيضوا (بآيات الله) وأحكامه (ثَمَناً قَلِيلًا): وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس، كما حرّف أحبار اليهود كتاب اللَّه، وغيروا أحكامه رغبة في الدنيا وطلبا للرئاسة، فهلكوا.
(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ) مستهيناً به (فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)، و (الظالمون) و (الفاسقون): وصفٌ لهم بالعتوّ في كفرهم حين ظلموا آيات اللَّه بالاستهانة، وتمرّدوا بأن حكموا بغيرها. وعن ابن عباسٍ ﵄: أنّ الكافرين والظالمين والفاسقين أهل الكتاب. وعنه: نعم القوم أنتم، ما كان من حلوٍ فلكم، ومن كان من مرّ فهو لأهل الكتاب، من جحد حكم اللَّه كفر، ومن لم يحكم به وهو مقرّ فهو ظالمٌ فاسقٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بسبب استحفاظهم ذلك، و"ما" بمعنى "الذي"، ومن ثم قال المصنف في الأول: "بسبب كونهم شهداء"، وفي الثاني: "وأن يكونوا عليه شهداء"، وقال صاحب "المفتاح": والمفعول المتعدي إليه بغير واسطة أصله التقديم على المتعدي إليه بواسطة، نحو: ضربت الجاني بالسوط.
قوله: (وإدهانهم)، الأساس: ومن المجاز: أدهن في الأمر وداهن: صانع ولاين.
قوله: (لخشية سلطان) ينازع فيه قوله: "إدهانهم وإمضائها".
قوله: (ما كان من حلو فهو لكم) يعني: أيها المسلمون، إن الله تعالى لما أراد مدحكم التي بصفتكم التي هي الإسلام وأوقعها صفة مدح للأنبياء، وحين أراد ذم أهل الكتاب كفرهم وظلمهم وفسقهم.
قوله: (من جحد حكم الله كفر) من كلام ابن عباس ﵁، روى الواحدي عن
стр. 2239
وعن الشعبي: هذه في أهل الإسلام، و (الظالمون) [المائدة: ٤٥] في اليهود، و (الفاسقون) [المائدة: ٤٧] في النصارى. وعن ابن مسعود: هو عام في اليهود وغيرهم. وعن حذيفة: أنتم أشبه الأمم سمتاً ببني إسرائيل، …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوالبي، عن ابن عباس: من جحد شيئاً من حدود الله فقد كفر، ومن أقر بها ولم يحكم بها فهو ظالم فاسق. وقال طاووس: قلت لابن عباس: ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر؟ قال: هو به كافر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله.
ومما يُقوي أن هذه الآيات نازلة في أهل الكتاب، الحديث الذي روينا في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران: ١٧٦] عن البراء.
قوله: (وعن الشعبي: هذه في أهل الإسلام) عطف على قوله: "وصف لهم بالعُتو في كفرهم" وهو خبر قوله: ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾، وكلام ابن عباس وارد على لك المعنى، فيلزم على قول الشعبي أن يكون المؤمنون أسوأ حالاً من اليهود والنصارى، ويمكن أن يقال: إن المسلمين إذا نُسب إليهم الكفر حُمل على التشديد والتغليظ، والكافر إذا وُصف بالظلم والفسق أشعر بعتوهم في الكفر وتمردهم فيه، ثم الخطاب بقوله: ﴿فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ﴾ إن كان مع أهل الكتاب كما يؤدي إليه قول ابن عباس، والفاء جزاء شرط محذوف، أي: إذا استحفظتم أيها الأحبار كتاب الله فلا تخشوا الناس، وإن كان مع المسلمين كما يُنبئ عنه قول الشعبي فالفاء فصيحة، إذ المعنى حينئذ: أنتم أيها المسلمون حين تليت عليكم أخبار النبيين والربانيين والأحبار واستحفاظهم كتاب الله وما عرض باليهود الذين غيروا دين الله وبدلوا كتابه وحكموا بغير ما أنزل الله رغبة في الدنيا ورهبة عن الناس وعرفتم حالهم؛ فلا تكونوا مثلهم فتخشوا الناس وتشتروا بآياتي ثمناً قليلاً.
قوله: (وعن حذيفة: أنتم أشبه الأمم سمتاً ببني إسرائيل) الحديث من رواية أبي واقد
стр. 2240
لتركبن طريقهم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، غير أنى لا أدرى أتعبدون العجل أم لا؟
[(وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)].
في مصحف أبيّ: (وأنزل اللَّه على بني إسرائيل فيها)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الليثي، في "جامع الأصول": أن رسول الله ﷺ ، قال: "والذي نفسي بيده، لتركبن سنن من كان قبلكم" أخرجه الترمذي، وزاد رزين: "حذو النعل بالنعل والقُذة بالقُذة، حتى إن كان فيهم من أتى أمه يكون فيكم، فلا أدري أتعبدون العجل أم لا؟ ".
قوله: (لتركبن) أي: تتبعن، النهاية: في الحديث: "فإذا عُمر قد ركبني" أي: تبعني وجاء على أثري؛ لأن الراكب يسير بسير المركوب، يقال: ركب أثره وطريقه: إذا تبعه، وقال الميداني: "حذو القُذة بالقُذة" أي: مثلاً بمثل، يُضرب في التسوية بين الشيئين، ومثله: حذو النعل بالنعل، والقُذة لعلها من القذ وهو القطع يعني به قطع الريشة المقذوذة على قدر صاحبتها في التسوية، وهي "فُعلة" بمعنى "مفعولة" كاللقمة والغُرفة.
قوله: (في مصحف أبي: "وأنزل الله على بني إسرائيل فيها") يعني: في مصحفه بدل ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾: "وأنزل الله على بني إسرائيل فيها".
стр. 2241
وفيه: (وأن الجروح قصاص). والمعطوفات كلها قرئت منصوبةً، ومرفوعةً، والرفع للعطف على محل (أن النفس) لأن المعنى: وكتبنا عليهم النفس بالنفس- إما لإجراء "كتبنا" مجرى "قلنا"، وإما لأن معنى الجملة التي هي قولك: النفس بالنفس مما يقع عليه الكتابة، كما تقع عليه القراءة، تقول: كتبت: (الحمد للَّه)، وقرأت: (سورة أنزلناها) [النور: ١]، ولذلك قال الزجاج: لو قرئ: إن النفس بالنفس- بالكسر- لكان صحيحاً، أو للاستئناف، والمعنى: فرضنا عليهم فيها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفيه) أي: في مصحف أبي بدل ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾: (وأن الجروح قصاص).
قوله: (والمعطوفات كلها قرئت منصوبة)، الكسائي: (والعين بالعين)، وما بعده بالرفع، ورفع ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو، (والجروح) فقط، والباقون كل ذلك بالنصب، قال الزجاج: والرفع على وجهين: أحدهما: العطف على موضع ﴿بِالنَّفْسِ﴾ والعامل فيها معنى وكتبنا عليهم: النفس بالنفس، أي: قلنا لهم: النفس بالنفس، ويجوز كسر "إن" ولا أعلم أحداً قرأ بها، وثانيهما: (رفعُ العين بالعين) على الاستئناف، ويجوز أن يكون عطفاً على المضمر في قوله: ﴿بِالنَّفْسِ﴾، المعنى: أن النفس مأخوذة هي بالنفس، و (العين) معطوفة على"هي".
قوله: (كما تقع عليه القراءة) يعني: يكون محل "إن النفس بالنفس" مرفوعاً على الحكاية، و"العين بالعين" معطوف عليه على هذا التقدير، وفيه بحث.
قوله: (أو: للاستئناف) وهو عطف على قوله: "والرفع للعطف".
стр. 2242
(أَنَّ النَّفْسَ) مأخوذةٌ (بِالنَّفْسِ): مقتولةٌ بها إذا قتلتها بغير حق، (وَ) كذلك (الْعَيْنَ) مفقوءةٌ (بِالْعَيْنِ)، و (الْأَنْفَ) مجدوعٌ (بِالْأَنْفِ)، (وَالْأُذُنَ) مصلومةٌ (بِالْأُذُنِ)، (وَالسِّنَّ) مقلوعةٌ (بِالسِّنِّ)، (وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ): ذات قصاصٍ، وهو المقاصة، ومعناه: ما يمكن فيه القصاص وتعرف المساواة. وعن ابن عباس ﵄؛ كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت.
(فَمَنْ تَصَدَّقَ) من أصحاب الحق (بِهِ) بالقصاص وعفا عنه (فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ). فالتصدق به كفارةٌ للمتصدق يكفر اللَّه من سيئاته ما تقتضيه الموازنة، كسائر طاعاته. وعن عبد اللَّه بن عمرو: يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به. وقيل: فهو كفارةٌ للجاني إذا تجاوز عنه صاحب الحق، سقط عنه ما لزمه. وفي قراءة أُبيّ: (فهو كفارته له) يعني: فالمتصدق كفارته له، أي: الكفارة التي يستحقها له، لا ينقص منها، وهو تعظيمٌ لما فعل، كقوله تعالى: (فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [الشورى: ٤٠]، وترغيب في العفو.
[(وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ* وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) ٤٦ - ٤٧].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومعناه: ما يمكن فيه القصاص) يعني: جاء قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ مطلقاً في استيفاء القصاص من كل ما يسمى جرحاً، لكنه مقيد فيما يمكن فيه القصاص وتُعرف المساواة كالمذكورات، وفيما لم تعرف المساواة المحكومة لا غير.
قوله: (ما تقتضيه الموازنة) مذهبه.
قوله: (فالمتصدق كفارته له) أي: فالمتصدق يصدقه له.
قوله: (كقوله: ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ يعني كأن قوله: "فالمتصدق كفارته له" وعدٌ من الله تعالى
стр. 2243
قفيته مثل: عقبته: إذا اتبعته، ثم يقال: قفيته بفلانٍ، وعقبته به، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء.
فإن قلت: فأين المفعول الأول في الآية؟ قلت، هو محذوفٌ، والظرف الذي هو (عَلى آثارِهِمْ) كالسادّ مسدّه؛ لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه، والضمير في (آثارهم) للنبيين في قوله: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا) [المائدة: ٤٤].
وقرأ الحسن: (الإنجيل) بفتح الهمزة فإن صح عنه فلأنه أعجمى خرج لعجمته عن زناة العربية، كما خرج هابيل وآجر. (وَمُصَدِّقاً) عطفٌ على محل (فِيهِ هُدىً) ومحله النصب على الحال. (وَهُدىً وَمَوْعِظَةً) يجوز أن ينتصبا على الحال. كقوله: (مُصَدِّقاً) وأن ينتصبا مفعولاً لهما، كقوله: (وَلْيَحْكُمْ) كأنه قيل: وللهدى والموعظة آتيناه الإنجيل، وللحكم بما أنزل اللَّه فيه من الأحكام.
فإن قلت: فإن نظمت "هُدىً" و"مَوْعِظَةً" في سلك (مصدقاً) فما تصنع بقوله: (وليحكم)؟ قلت: أصنع به ما صنعت بـ"هدى" و"موعظة"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مؤكداً بقوله: ﴿لَهُ﴾، كما تقول: زيدٌ ماله له، فإن "له" تأكيدٌ لدفع توهم من يزعم أن المال الذي لزيد وبيده لغيره، كما أن "على" في قوله: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ تأكيد للوعد لما يقتضيه من الوجوب.
قوله: (فأين المفعول الأول؟ ) إشارة إلى أن الأصل: فقفيناهم على آثارهم، كقولك: قفيته بفلان.
قوله: (يجوز أن ينتصبا على الحال)؛ لأن ما تقدمهما من قوله: ﴿مُصَدِّقاً﴾: حالٌ، ويجوز أن ينتصبا مفعولاً لهما؛ لأن ما تأخر فيهما من قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ مفعول له، فيكون التقدير: وللهدى والموعظة والحكم بما أنزل الله فيه من الأحكام، آتيناه الإنجيل، وإنما فصل المصنف ببين التعليلين والثالث لوقوع الفصل في التنزيل بقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، ولينبه على أن الثالث ليس فعلاً لفاعل الفعل المعلل ومن ثم أتى باللام.
стр. 2244
حين جعلتهما مفعولاً لهما، فأقدّر: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللَّه آتيناه إياه.
وقرئ: (وليحكم) على لفظ الأمر بمعنى: وقلنا ليحكم. وروى في قراءة أبى: (وأن ليحكم) بزيادة (أن) مع الأمر على أنّ «أن» موصولةٌ بالأمر: كقولك: أمرته بأن قم كأنه قيل: وآتيناه الإنجيل وأمرنا بأن يحكم أهل الإنجيل.
وقيل: إن عيسى ﵇ كان متعبداً بما في التوراة من الأحكام لأن الإنجيل مواعظ وزواجر والأحكام فيه قليلة. وظاهر قوله (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ) يردّ ذلك، وكذلك قوله: (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً) [المائدة: ٤٨] .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على أن "أن" موصولة بالأمر) أراد بالموصول: ما لا يتم إلا بما بعده، نحو: أريد أن أفعل وجاءني الذي عرفته.
قوله: (وكذلك قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾، الراغب: الشرعة والشريعة: الطريقة الظاهرة التي توصل إلى الماء، فهي للدين الذي يوصل إلى الحياة الأبدية كما سُمي به كناية الماء، والمنهاج: الطريق المستقيم، وقيل: الشرعة: إشارة إلى الدين وهو الشرع، والمنهاج إشارة إلى الدليل الذي يوصل إلى معرفته، وقد رُوي عن ابن عباس أنه قال: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾: ديناً وسبيلاً. إن قيل: كيف قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ فاقتضى ذلك أن لكل واحد من الأنبياء شريعة غير شريعة الآخر، وقال في موضع: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ [الشورى: ١٣] إلى قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، فذكر أنه شرع لجميعهم شريعة واحدة؟ قيل: الذي استوى فيه الشرائع هو
стр. 2245
وإن ساغ لقائلٍ أن يقول: معناه: وليحكموا بما أنزل اللَّه فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة.
[(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)].
فإن قلت: أي: فرق بين التعريفين في قوله (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) وقوله: (لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ)؟ قلت: الأول تعريف العهد، لأنه عنى به القرآن. والثاني تعريف الجنس، لأنه عنى به جنس الكتب المنزلة: ويجوز أن يقال: هو للعهد؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أصول الإيمان والإسلام، أعني: التوحيد والصلاة والزكاة والصوم؛ فإن أصول هذه الأشياء لا ينفك منها شرع بوجه، فأما الذي ذُكر أنه تفرد كل واحد من الأنبياء بفروع العبادات من كيفياتها وكمياتها، فإن ذلك مشروع على حسب مصالح كل أحد، وعلى مقتضى الحكمة في الأزمنة المختلفة، ووجه آخر: أن الشرائع إذا اعتبرت بالشارع ومقتضى حمته يصح أن يقال: إن كلها واحدة، وكذا إذا اعتبرت بالغرض والقصد الذي هو مصلحة المشروع له، وإذا اعتبرت بذوات الأفعال فهي شرائع كثيرة، وعلى هذين النظرين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] وقال في موضع آخر: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
قوله: (لقائل أن يقول: معناه: وليحكموا بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة).قال القاضي: هذا خلاف الظاهر، والآية تدل على أن الإنجيل مشتمل على الأحكام، وأن اليهودية منسوخة ببعثة عيسى ﵊، وأنه كان مستقلاً بالشرع.
следующие страницы →