← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

وفيه: (وأن الجروح قصاص). والمعطوفات كلها قرئت منصوبةً، ومرفوعةً، والرفع للعطف على محل (أن النفس) لأن المعنى: وكتبنا عليهم النفس بالنفس- إما لإجراء "كتبنا" مجرى "قلنا"، وإما لأن معنى الجملة التي هي قولك: النفس بالنفس مما يقع عليه الكتابة، كما تقع عليه القراءة، تقول: كتبت: (الحمد للَّه)، وقرأت: (سورة أنزلناها) [النور: ١]، ولذلك قال الزجاج: لو قرئ: إن النفس بالنفس- بالكسر- لكان صحيحاً، أو للاستئناف، والمعنى: فرضنا عليهم فيها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفيه) أي: في مصحف أبي بدل ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾: (وأن الجروح قصاص). قوله: (والمعطوفات كلها قرئت منصوبة)، الكسائي: (والعين بالعين)، وما بعده بالرفع، ورفع ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو، (والجروح) فقط، والباقون كل ذلك بالنصب، قال الزجاج: والرفع على وجهين: أحدهما: العطف على موضع ﴿بِالنَّفْسِ﴾ والعامل فيها معنى وكتبنا عليهم: النفس بالنفس، أي: قلنا لهم: النفس بالنفس، ويجوز كسر "إن" ولا أعلم أحداً قرأ بها، وثانيهما: (رفعُ العين بالعين) على الاستئناف، ويجوز أن يكون عطفاً على المضمر في قوله: ﴿بِالنَّفْسِ﴾، المعنى: أن النفس مأخوذة هي بالنفس، و (العين) معطوفة على"هي". قوله: (كما تقع عليه القراءة) يعني: يكون محل "إن النفس بالنفس" مرفوعاً على الحكاية، و"العين بالعين" معطوف عليه على هذا التقدير، وفيه بحث. قوله: (أو: للاستئناف) وهو عطف على قوله: "والرفع للعطف".

стр. 2242

(أَنَّ النَّفْسَ) مأخوذةٌ (بِالنَّفْسِ): مقتولةٌ بها إذا قتلتها بغير حق، (وَ) كذلك (الْعَيْنَ) مفقوءةٌ (بِالْعَيْنِ)، و (الْأَنْفَ) مجدوعٌ (بِالْأَنْفِ)، (وَالْأُذُنَ) مصلومةٌ (بِالْأُذُنِ)، (وَالسِّنَّ) مقلوعةٌ (بِالسِّنِّ)، (وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ): ذات قصاصٍ، وهو المقاصة، ومعناه: ما يمكن فيه القصاص وتعرف المساواة. وعن ابن عباس ﵄؛ كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت. (فَمَنْ تَصَدَّقَ) من أصحاب الحق (بِهِ) بالقصاص وعفا عنه (فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ). فالتصدق به كفارةٌ للمتصدق يكفر اللَّه من سيئاته ما تقتضيه الموازنة، كسائر طاعاته. وعن عبد اللَّه بن عمرو: يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به. وقيل: فهو كفارةٌ للجاني إذا تجاوز عنه صاحب الحق، سقط عنه ما لزمه. وفي قراءة أُبيّ: (فهو كفارته له) يعني: فالمتصدق كفارته له، أي: الكفارة التي يستحقها له، لا ينقص منها، وهو تعظيمٌ لما فعل، كقوله تعالى: (فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [الشورى: ٤٠]، وترغيب في العفو. [(وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ* وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) ٤٦ - ٤٧]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومعناه: ما يمكن فيه القصاص) يعني: جاء قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ مطلقاً في استيفاء القصاص من كل ما يسمى جرحاً، لكنه مقيد فيما يمكن فيه القصاص وتُعرف المساواة كالمذكورات، وفيما لم تعرف المساواة المحكومة لا غير. قوله: (ما تقتضيه الموازنة) مذهبه. قوله: (فالمتصدق كفارته له) أي: فالمتصدق يصدقه له. قوله: (كقوله: ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ يعني كأن قوله: "فالمتصدق كفارته له" وعدٌ من الله تعالى

стр. 2243

قفيته مثل: عقبته: إذا اتبعته، ثم يقال: قفيته بفلانٍ، وعقبته به، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء. فإن قلت: فأين المفعول الأول في الآية؟ قلت، هو محذوفٌ، والظرف الذي هو (عَلى آثارِهِمْ) كالسادّ مسدّه؛ لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه، والضمير في (آثارهم) للنبيين في قوله: (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا) [المائدة: ٤٤]. وقرأ الحسن: (الإنجيل) بفتح الهمزة فإن صح عنه فلأنه أعجمى خرج لعجمته عن زناة العربية، كما خرج هابيل وآجر. (وَمُصَدِّقاً) عطفٌ على محل (فِيهِ هُدىً) ومحله النصب على الحال. (وَهُدىً وَمَوْعِظَةً) يجوز أن ينتصبا على الحال. كقوله: (مُصَدِّقاً) وأن ينتصبا مفعولاً لهما، كقوله: (وَلْيَحْكُمْ) كأنه قيل: وللهدى والموعظة آتيناه الإنجيل، وللحكم بما أنزل اللَّه فيه من الأحكام. فإن قلت: فإن نظمت "هُدىً" و"مَوْعِظَةً" في سلك (مصدقاً) فما تصنع بقوله: (وليحكم)؟ قلت: أصنع به ما صنعت بـ"هدى" و"موعظة" ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مؤكداً بقوله: ﴿لَهُ﴾، كما تقول: زيدٌ ماله له، فإن "له" تأكيدٌ لدفع توهم من يزعم أن المال الذي لزيد وبيده لغيره، كما أن "على" في قوله: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ تأكيد للوعد لما يقتضيه من الوجوب. قوله: (فأين المفعول الأول؟ ) إشارة إلى أن الأصل: فقفيناهم على آثارهم، كقولك: قفيته بفلان. قوله: (يجوز أن ينتصبا على الحال)؛ لأن ما تقدمهما من قوله: ﴿مُصَدِّقاً﴾: حالٌ، ويجوز أن ينتصبا مفعولاً لهما؛ لأن ما تأخر فيهما من قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ مفعول له، فيكون التقدير: وللهدى والموعظة والحكم بما أنزل الله فيه من الأحكام، آتيناه الإنجيل، وإنما فصل المصنف ببين التعليلين والثالث لوقوع الفصل في التنزيل بقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، ولينبه على أن الثالث ليس فعلاً لفاعل الفعل المعلل ومن ثم أتى باللام.

стр. 2244

حين جعلتهما مفعولاً لهما، فأقدّر: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللَّه آتيناه إياه. وقرئ: (وليحكم) على لفظ الأمر بمعنى: وقلنا ليحكم. وروى في قراءة أبى: (وأن ليحكم) بزيادة (أن) مع الأمر على أنّ «أن» موصولةٌ بالأمر: كقولك: أمرته بأن قم كأنه قيل: وآتيناه الإنجيل وأمرنا بأن يحكم أهل الإنجيل. وقيل: إن عيسى ﵇ كان متعبداً بما في التوراة من الأحكام لأن الإنجيل مواعظ وزواجر والأحكام فيه قليلة. وظاهر قوله (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ) يردّ ذلك، وكذلك قوله: (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً) [المائدة: ٤٨] ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على أن "أن" موصولة بالأمر) أراد بالموصول: ما لا يتم إلا بما بعده، نحو: أريد أن أفعل وجاءني الذي عرفته. قوله: (وكذلك قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾، الراغب: الشرعة والشريعة: الطريقة الظاهرة التي توصل إلى الماء، فهي للدين الذي يوصل إلى الحياة الأبدية كما سُمي به كناية الماء، والمنهاج: الطريق المستقيم، وقيل: الشرعة: إشارة إلى الدين وهو الشرع، والمنهاج إشارة إلى الدليل الذي يوصل إلى معرفته، وقد رُوي عن ابن عباس أنه قال: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾: ديناً وسبيلاً. إن قيل: كيف قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ فاقتضى ذلك أن لكل واحد من الأنبياء شريعة غير شريعة الآخر، وقال في موضع: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ [الشورى: ١٣] إلى قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، فذكر أنه شرع لجميعهم شريعة واحدة؟ قيل: الذي استوى فيه الشرائع هو

стр. 2245

وإن ساغ لقائلٍ أن يقول: معناه: وليحكموا بما أنزل اللَّه فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة. [(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)]. فإن قلت: أي: فرق بين التعريفين في قوله (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) وقوله: (لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ)؟ قلت: الأول تعريف العهد، لأنه عنى به القرآن. والثاني تعريف الجنس، لأنه عنى به جنس الكتب المنزلة: ويجوز أن يقال: هو للعهد؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أصول الإيمان والإسلام، أعني: التوحيد والصلاة والزكاة والصوم؛ فإن أصول هذه الأشياء لا ينفك منها شرع بوجه، فأما الذي ذُكر أنه تفرد كل واحد من الأنبياء بفروع العبادات من كيفياتها وكمياتها، فإن ذلك مشروع على حسب مصالح كل أحد، وعلى مقتضى الحكمة في الأزمنة المختلفة، ووجه آخر: أن الشرائع إذا اعتبرت بالشارع ومقتضى حمته يصح أن يقال: إن كلها واحدة، وكذا إذا اعتبرت بالغرض والقصد الذي هو مصلحة المشروع له، وإذا اعتبرت بذوات الأفعال فهي شرائع كثيرة، وعلى هذين النظرين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] وقال في موضع آخر: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. قوله: (لقائل أن يقول: معناه: وليحكموا بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة).قال القاضي: هذا خلاف الظاهر، والآية تدل على أن الإنجيل مشتمل على الأحكام، وأن اليهودية منسوخة ببعثة عيسى ﵊، وأنه كان مستقلاً بالشرع.

стр. 2246

لأنه لم يرد به ما يقع عليه اسم الكتاب على الإطلاق وإنما أريد نوع معلومٌ منه، وهو ما أنزل من السماء سوى القرآن. (وَمُهَيْمِناً): ورقيباً على سائر الكتب لأنه يشهد لها بالصحة والثبات. وقرئ (وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) بفتح الميم، أي: هو من عليه بأن حفظ من التغيير والتبديل، كما قال: (لا يَاتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) [فصلت: ٤٢] والذي هيمن عليه اللَّه أو الحفاظ في كل بلدٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نوع معلوم منه، وهو ما أنزل الله من السماء سوى القرآن) وحاصل الوجه الأول يرجع إلى هذا؛ لأن ﴿الْكِتَابَ﴾ مطلق فيما يصح أن يقال له: كتابٌ، ولا ارتياب أن الكتب الباطلة غير محصورة، فلا يكون القرآن مصدقاً لها، فرجع إلى أن الكتب السماوية هي التي تستحق أن تسمى كتاباً لكمالها، وأن غيرها كأنها ليست بكتاب كما ذكره في قوله: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢]. نعم، الفرق من حيث المبالغة. قوله: ("ومهيمناً عليه" بفتح الميم) فعلى هذا لا يكون فيه ضمير، والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ يعود إلى الكتاب الأول، وعلى تقدير كسر الميم الضمير يعود إلى الكتاب الأول وفي ﴿عَلَيْهِ﴾ إلى الكتاب الثاني. قوله: (أي: هو من عليه). قال أبو البقاء: أصل مهيمن: ميمن، لأنه مشتق من الأمانة لأن المهيمن الشاهد، وليس في الكلام "همن" حتى تكون الهاء أصلاً. قوله: (والذي هيمن عليه)، الأساس: هيمن على كذا: إذا كان رقيباً عليه حافظاً، والله مهيمن. قوله: (أو الحفاظ في كل بلد). قلت: هذا أيضاً من حفظ الله، وفي الحقيقة: الله هو الحافظ

стр. 2247

لو حُرِّف حَرْفٌ منه، أو حركةٌ أو سكونٌ لتنبه عليه كل أحدٍ ولاشمأزوا رادّين ومنكرين. ضمن (وَلا تَتَّبِعْ) معنى: ولا تنحرف فلذلك عُدّي بـ"عن"، كأنه قيل: ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم. (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ) أيها الناس (شِرْعَةً) شريعةً. وقرأ يحيى بن وثابٍ: بفتح الشين. (وَمِنْهاجاً): وطريقاً واضحاً … ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وحده، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. قال المصنف: "وهو حافظه في كل وقت من كل زيادة ونقصان وتحريف وتبديل، بخالف الكتب المتقدمة، فإنه لم يتول حفظها، وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغياًن فكان التحريف، ولم يكل القرآن إلى غير حفظه". قوله: (لا تنحرف عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم)، هذه الضوابط المذكورة هي التي يعول عليها في التضمين، حيث أوقع الفعل المضمن فيه حالاً، وأقام المضمن مقامه لتعم الفائدة، قال في الكهف: "الغرض في هذا الأسلوب إعطاء مجموع المعنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى واحد". فإن قلت: هلا حمله على الحال ليكون المعنى: لا تتبع أهواءهم منحرفاً عما جاءك من الحق؟ قلت: المقام يستدعي ذم القوم، وهذا أدخل في الذم، كأنه نهى عن الانحراف عن الحق مطلقاً، ثم أتى بما ظهر أن ذلك الانحراف هو متابعة أهواء أولئك الزائغين؛ إيذاناً بأن أولئك أعلام في الانحراف عن الحق، وكذلك الحال، فإنه قيدٌ للفعل فيوهم أنه تجوز المتابعة إذا زال الانحراف، ويقرب منه قولك: "هل أدلك على أفضل الناس وأكرمهم؟ فلان، فإنه أبلغ من قولك: هل أدلك على فلان الأفضل الأكرم؟ " ذكره المصنف في سورة الفاتحة.

стр. 2248

في الدين تجرون عليه. وقيل: هذا دليلٌ على أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا. (لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً): جماعة متفقةً على شريعةٍ واحدةٍ. أو ذوي أمةٍ واحدةٍ؛ أي: دينٍ واحدٍ لا اختلاف فيه، (وَلكِنْ) أراد (لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ) من الشرائع المختلفة، هل تعملون بها مذعنين معتقدين أنها مصالح ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: هذا دليل على أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا). قال الإمام: احتج القائلون بأن شرع من قبلنا لازم علينا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية [المائدة: ٤٤]، وتقريره: أنه تعالى قال: إن في التوراة هدى ونوراً، والمراد هدى ونور في أصول الشرع وفروعه، ولو كان الحكم غير معتبر بالكلية لما كان فيه هدى ونور، ولأن هذه الآية نزلت في مسالة الرجم فيجب أن تدخل الأحكام أيضاً في الهدى والنور. وقال أيضاً في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾: احتج أكثر العلماء بهذه الآية على أن شرع من قبلنا لم يلزمنا، لأنها تدل على أنه يجب أن يكون كل رسول مستقلاً بشريعة خاصة، فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]؟ والجواب: أنا الثانية مصروفة إلى ما يتعلق بأصول الدين، والأولى بفروعه، وقال: الخطاب في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾: للأمم الثلاث: أمة موسى، وأمة عيسى، وأمة محمد صلوات الله عليهم وسلامه، لأن الآيات السابقة اللاحقة فيهم، وقال: الشرعة: عبارة عن مطلق الشريعة، والمنهاج: عن مكارم الشريعة.

стр. 2249

قد اختلفت على حسب الأحوال والأوقات، معترفين بأن اللَّه لم يقصد باختلافها إلا ما اقتضته الحكمة؟ أم تتبعون الشبه وتفرطون في العمل؟ (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ): فابتدروها وتسابقوا نحوها. (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ): استئنافٌ في معنى التعليل لاستباق الخيرات. (فَيُنَبِّئُكُمْ): فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم، وعاملكم ومفرطكم في العمل. [(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ) ٤٩]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: أما الاستدلال بقوله: إن الله وصف التوراة بكونها فيها نور وهدى، ثم عقبه بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ فدل على أن بعض أحكامها معتبر، فضعيف؛ لأنه يكفي في صدق كونها هدى أن يكون هدى قبل النسخ، وأما مسألة الرجم فإنه صلوات الله عليه وسلامه أمر أولاً بالرجم، ولما أبوا دعا بالتوراة تقريراً، وأما آية الرجم فقد ذكرناها في قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] عن البخاري ومسلم وغيرهما، عن ابن عباس، عن عمر، وفي رواية ابن ماجه: "والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" مَا نَنسَخْ مِنْ آيَة. قوله: (﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات)، يعني: هو جواب مع ما يعقبه بسؤال مورده ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ مع ما هو مترتب عليه بالفاء، يعني: أنه تعالى لما خاطب الأمم من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم بقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ أي: شريعة بحسب ما تقتضيه الأوقات من المصالح؛ ليختبركم أيكم يعتقد أنها

стр. 2250

فإن قلت: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ) معطوفٌ على ماذا؟ قلت: على: (الْكِتابَ) في قوله: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) [المائدة: ٤٨] كأنه قيل: وأنزلنا إليك أن احكم على أنّ «أن» وصلت بالأمر، لأنه فعلٌ كسائر الأفعال، ويجوز أن يكون معطوفاً على: (بِالْحَقِّ) [المائدة: ٤٨] أي: أنزلناه بالحق وبأن احكم. (أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ): أن يضلوك عنه، ويستزلوك، وذلك أن كعب بن أسيدٍ وعبد اللَّه بن صوريا وشاس بن قيسٍ من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمدٍ نفتنه عن دينه؛ فقالوا له: يا محمد، قد عرفت أنا أحبار اليهود، وأنا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود كلهم ولم يخالفونا، وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة، فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم، ونحن نؤمن بك ونصدّقك، فأبى ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فنزلت. (فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن الحكم بما أنزل اللَّه إليك وأرادوا غيره (فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) يعني: بذنب التولي عن حكم اللَّه وإرادة خلافه فوضع (بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) موضع ذلك، وأراد أنّ لهم ذنوباً جمةً كثيرة العدد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حكمة من الله تعالى وإن خفي عليه وجه الحكمة فيستبق إلى ما شرعه الله تعالى في كل وقت، ولا يتبع هواه، وأيكم يتبع هواه؟ اتجه لهم أن يسألوا: ما تلك الحكمة؟ ومتى تُعلم حقيقتها؟ فأجيبوا: إذا ما رجعتم إلى الله تعالى في دار الجزاء فيجازيكم إما بالثواب أو بالعقاب ليفصل بين المحق والمبطل وبين العامل والمفرط، وحينئذ تعلمون وجه الحكمة ولا تشكون فيه، مثاله: إذا قلت: فما ادري من المقبول منا ومن المردود عند الأمير؟ فيقال لك: إذا رأيت أنه خلع على فلان وعاقب فلاناً علمت المقبول والمردود ولا تشك فيه. قوله: (ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: أنزلناه بالحق وبأن احكم). قلت: ولو جعله عطفاً على ﴿فَاحْكُمْ﴾ من حيث المعنى ليكون التكرير لإناطة قوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ كان أحسن.

стр. 2251

وأنّ هذا الذنب - مع عظمه بعضها وواحدٌ منها، وهذا الإيهام لتعظيم التولي واستسرافهم في ارتكابه. ونحو "البعض" في هذا الكلام ما في قول لبيدٍ: أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا أراد: نفسه، وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام، كأنه قال: نفسا كبيرة، ونفساً أي: نفس، فكما أن التنكير يعطى معنى التكبير وهو معنى البعضية، فكذلك إذا صرح بالبعض. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو يرتبط بعض النفوس حمامها)، أوله: تراك أمكنة إذا لم أرضها وقبله: أو لم تكن تدري نوار بأنني … وصال عقد حبائل جذامها تراك: ترتفع على الإتباع لـ "وصال" و"جذام"، أو يرتبط: مجزوم عطف على "أرضها" أي: الم تدر المحبوبة أني وصال عقد من يحاول مودتي، وقطاع لمن يقطع محبتي، وأني جوال الفيافي قطاع المهامه، وأني تراك أماكن إذا لم أرضها، أو: ألم يقدر أني أموت فيها؟ يعني: أنه مجتهد في الرحلة إذا لم تعق العوائق، والظاهر أن "أو" بمعنى "بل"، وقد جاء في "الصحاح": ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] أي: بل يزيدون، وقال الزوزني: المعنى: إني لا أترك الأماكن اجتويها وأقليها، إلى أن أموت. قوله: (فكذلك إذا صرح بالبعض) يعني: كما وضع التنكير للتعليل الذي فيه معنى البعضية، وقد يُراد به في مثل قوله تعالى حكاية عن السحرة: ﴿إِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾ [الأعراف: ١١٣]

стр. 2252

(لَفاسِقُونَ): لمتمرّدون في الكفر معتدون فيه، يعنى أنّ التولي عن حكم اللَّه من التمرّد العظيم والاعتداء في الكفر. [(أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)]. (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) فيه وجهان: أحدهما: أنّ قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى. وروي أنّ رسول اللَّه ﷺ قال لهم «القتلى بواء» قال: فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت. والثاني: أن يكون تعبيراً لليهود بأنهم أهل كتابٍ وعلمٍ، وهم يبغون حكم الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل، لا تصدر عن كتاب ولا ترجع إلى وحي من اللَّه تعالى. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التكثيرُ، كما يُراد من "رب" وهو للتقليل في نحو قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] التكثير، كذلك حكم البعض، وهو استعارة تمليحية ضد التهكمية. قوله: (طلبوا إليه) أي: جاؤوا إليه وانتهوا أو توجهوا إليه طالبين. قوله: (أن يكون تعبيراً لليهود) وعلى الأول كان توبيخاً، أي: يريدون أن يحكموا كما حكم أولئك القوم. ولم يكن مفهوم الجاهلية منظوراً إليه بخلافه في الثاني ليصح التعبير بالجهل، ولذلك قال: "بأنهم أهل كتاب وعلم" وقدر المضاف في الأول: الأهل، وفي الثاني: الملة، كالرجل إذا سُمي بأحمد له اعتباران: مجرد العلمية تارة، ومع الوصف أخرى، ويجوز أن لا يُراد بالجاهلية المشركون، بل كل من نسب إلى الجهل بسبب ابتغائه غير حكم الله تعالى، كما قال الحسن: والحكم حكمان: حكم بعلم، فهو حكم الله، وحكم بجهل، فهو حكم الشيطان.

стр. 2253

وعن الحسن: هو عامّ في كل من يبغى غير حكم اللَّه. والحكم حكمان: حكمٌ بعلمٍ، فهو حكم اللَّه، وحكمٌ بجهل فهو حكم الشيطان. وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض، فقرأ هذه الآية. وقرئ: (تبغون) بالتاء والياء. وقرأ السلمي: (أفحكم الجاهلية يبغون) برفع "الحكم" على الابتداء، وإيقاع "يبغون" خبراً، وإسقاط الراجع عنه كإسقاطه عن الصلة في (أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) [الفرقان: ٤١] وعن الصفة في: الناس رجلان، رجل أهنت، ورجل أكرمت. وعن الحال في «مررت بهندٍ يضرب زيد». وقرأ قتادة: (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ) على أنّ هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به أفعى نجران، أو نظيره من حكام الجاهلية، فأرادوا بسفههم أن يكون محمد خاتم النبيين حكما كأولئك الحكام. اللام في قوله (لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) للبيان كاللام في: (هَيْتَ لَكَ) [يوسف: ٢٣] أي: هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرأ قتادة: أفحكم الجاهلية)، وقال أبو البقاء: يُقرأ بفتح الحاء المهملة والكاف والميم، وهو منصوب بـ ﴿يَبْغُونَ﴾، أي: أحكم حكم الجاهلية. قوله: (اللام في قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [للبيان] كاللام في: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ أي: بيان لا صلة، وفي ﴿هَيْتَ﴾ ضمير مستتر هو فاعله، و ﴿لَكَ﴾ بيان للمهيت به. قال أبو البقاء: ﴿لْقَوْمٍ﴾ هو في المعنى عند قوم يوقنون، وليس المعنى: أن الحكم لهم، وإنما المعنى: أن الموقن يتدبر حكم الله فيحسن عنده، ومثله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٧].

стр. 2254

فإنهم هم الذين يتيقنون أن لا أعدل من اللَّه ولا أحسن حكما منه. [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ* وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ)]. لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتصافونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين. ثم علل النهى بقوله: (بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) أي: إنما يوالي بعضهم بعضاً لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر، فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم؟ ! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للموقنين، وقيل: هي على أصلها، أي: حكم الله للمؤمنين على الكافرين، وكذلك الآية لهم، أي: الحجة لهم، يقول المصنف: "هم الذين يتيقنون أن لا أعدل من الله" هو معنى قول أبي البقاء: إن الموقن يدبر حكم الله فيحسن عنده، أي: هم الذين ينتفعون به. قوله: (ولا أحسن حكماً منه) إشارة إلى أن الاستفهام في قوله: "من أحسن" للإنكار، والجملة حال مقررة لجهة الإشكال، والخطاب عام أي: أيبتغون حكم أهل الجاهلية؟ والحال أنه لا أحسن حكماً من الله لمن له إيقان بتدبير حكم الله تعالى ويعلم أنه لا أعدل من الله، قال أبو البقاء: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾: مبتدأ وخبرٌ، وهو استفهام في معنى النفي. قوله: (فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم) أي: فما يصنع من دينه خلاف دينهم مع موالاتهم ومصافاتهم؟

стр. 2255

(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ) من جملتهم، وحكمه حكمهم، وهذا تغليظ من اللَّه وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله، كما قال رسول اللَّه ﷺ : «لا تراءى ناراهما»، ومنه قول عمر ﵁ لأبي موسى في كاتبه النصراني: لا تكرموهم إذ أهانهم اللَّه، ولا تأمنوهم إذ خوّنهم اللَّه، ولا تدنوهم إذ أقصاهم اللَّه. وروي أنه قال له أبو موسى: لا قوام للبصرة إلا به، فقال: مات النصراني والسلام، يعني هب أنه قد مات، فما كنت تكون صانعاً حينئذٍ فاصنعه الساعة، واستغن عنه بغيره. (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) يعني: الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفر يمنعهم اللَّه ألطافه ويخذلهم مقتاً لهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا تراءى ناراهما) روينا عن الترمذي وأبي داود، عن جرير بن عبد الله، قال: بعث رسول الله ﷺ إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأمرهم بنصف العقل، وقال: "أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"، قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: "لا تتراءى ناراهما". النهاية: الترائي: تفاعل من الرؤية، يقال: تراءى القوم: إذا رأى بعضهم بعضاً، فإسناد الترائي إلى النارين، جاز من قولهم: داري تنظر إلى دار فلان، أي: تقابلها، يقال: ناراهما مختلفتان، هذه تدعو إلى الله وهذه تدعو إلى الشيطان فكيف يتفقان؟ والأصل في تراءى: تتراءى، فحذف إحدى التاءين تخفيفاً، والمعنى: لا ينبغي لمسلم أن ينزل بالموضع الذي إذا أوقدت فيه ناره تهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله، ولكنه م المسلمين في دارهم.

стр. 2256

(يُسارِعُونَ فِيهِمْ): ينكمشون في موالاتهم ويرغبون فيها ويعتذرون بأنهم لا يأمنون أن تصيبهم دائرةٌ من دوائر الزمان؛ أي: صرف من صروفه ودولة من دوله، فيحتاجون إليهم وإلى معونتهم. وعن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال لرسول اللَّه ﷺ : إنّ لي موالي من يهود كثيراً عددهم، وإني أبرأ إلى اللَّه ورسوله من ولايتهم وأُوالى اللَّه ورسوله فقال عبد اللَّه بن أُبيّ: إني رجلٌ أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية مواليّ وهم يهود بنى قينقاع. (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ) لرسول اللَّه ﷺ على أعدائه وإظهار المسلمين (أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ) يقطع شأفة اليهود ويجلبهم عن بلادهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ينكمشون في موالاتهم)، الجوهري: انكمش وتكمش: أسرع. قوله: (ودولة من دوله) عطف على "صرف من صروفه"، وهو تفسير للدائرة. الأساس: والدهر دول وعقب ونوب، والله يداول الأيام بين الناس مرة لهم ومرة عليهم. لم يفرق المصنف بين الدولة والدائرة، وفرق بينهما الراغب حيث قال: الدائرة: عبارة عن الخط المحيط، يقال: دار دوراناً، ثم عبر بها عن الحادثة، والدواري: الدهر الدائر بالإنسان، ولذلك قال الشاعر: والدهر بالإنسان دواري والدورة والدائرة: في المكروه، كما يقال: "دولة" في المحبوب، قال تعالى: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾. قوله: (شأفة اليهود)، الجوهري: الشأفة: قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب، يقال في المثل: استأصل الله شأفته، أي: أذهبه الله كما أذهب تلك القرحة بالكي.

стр. 2257

فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم، وذلك أنهم كانوا يشكون في أمر رسول اللَّه ﷺ ويقولون: ما نظن أن يتم له أمرٌ، وبالحرى أن تكون الدولة والغلبة لهؤلاء. وقيل: (أو أمر من عنده): أو أن يؤمر النبيّ ﷺ بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم، فيندموا على نفاقهم. وقيل: أو أمرٍ من عند اللَّه لا يكون فيه للناس فعلٌ كبني النضير الذين طرح اللَّه في قلوبهم الرعب، فأعطوا بأيديهم من غير أن يوجف عليهم بخيلٍ ولا ركابٍ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم)، الراغب: خص لفظ الإصباح لأمرين أحدهما: أنه لما كان أكثر محارباتهم وغاراتهم وقت الصباح كثر عباراتهم عن التعبيرات به، وعلى هذا قول الشاعر: يا راقد الليل مسروراً بأوله … إن الحوادث قد يطرقن أسحارا والثاني: أنه لما كان بالإصباح انحماء الظلمة وانتشار الأشعة وظهور ما كان بالليل مستتراً، خُص "فأصبحوا" تنبيهاً على زوال غمة الجهالة وظهور الخفاء، وعليه قولهم: بدا الصبح لذي العينين. قوله: (﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾: أو أن يؤمر النبي ﷺ عطف على قوله: " ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ يقطع شأفة اليهود"، فعلى الأول: الأمر بمعنى الشأن، وعلى الثاني: واحد الأمور. قوله: (يوجف عليهم)، الجوهري: وجف الشيء، أي: اضطرب، وقال تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ﴾ [الحشر: ٦] أي: ما أعلمتم، "فأعطوا بأيديهم" أي: انقادوا وذلوا.

стр. 2258

(وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا) قرئ بالنصب عطفاً على أن يأتى، وبالرفع على أنه كلام مبتدأ، أى: ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت. وقرئ: (يقول) بغير واوٍ، وهي في مصاحف مكة والمدينة والشام كذلك، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: قرئ بالنصب عطفاً على ﴿أَنْ يَاتِيَ﴾ وهي قراءة أبي عمرو. فإن قيل: كيف يجوز أن يقال: "عسى الله أن يقول الذين آمنوا" لأن ﴿أَنْ يَاتِيَ﴾ خبر "عسى"، والمعطوف عليه في حكمه فيفتقر إلى ضمير يرجع إلى اسم "عسى" ولا ضمير في قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فيصير كقولك: "عسى الله أن يقول الذين آمنوا"، قيل: هو محمول على المعنى لأن معنى "عسى الله أن يأتي بالفتح" ومعنى "عسى أن يأتي الله بالفتح" واحد، كأنه قال: "عسى أن يأتي الله بالفتح ويقول الذين آمنوا"، كما قال: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠] أو أن يبدل ﴿أَنْ يَاتِيَ﴾ من اسم الله، كما أبدل ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ من الضمير في قوله: ﴿وَمَا أَنْسَانِي إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، أو يعطف على لفظ ﴿أَنْ يَاتِيَ﴾ على حذف الضمير، أي: ويقول الذين آمنوا به، أو يعطف على "الفتح" أي: عسى الله أن يأتي بالفتح وبأن يقول الذين آمنوا، وقريب من كل ذلك ما ذكره أبو البقاء. قوله: (على أنه كلام مبتدأ) المعنى: عسى الله أن يأتي بالفتح فيصير الكافرون نادمين ويقول الذين آمنوا تشفياً عن الغيظ: أهؤلاء الذين أقسموا كيت وكيت؟ قوله: (في ذلك الوقت) أي: وقت الفتح لرسول الله ﷺ وإظهار المسلمين أو أمر من عنده. قوله: (وقرئ: "يقول" بغير واو) نافع وابن كثير وابن عامر.

стр. 2259

على أنه جواب ٍقائل يقول:فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ؟ فقيل: يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا؟ فإن قلت: لمن يقولون هذا القول؟ قلت: إمّا أن يقوله بعضهم لبعضٍ تعجباً من حالهم، واغتباطاً بما منّ اللَّه عليهم من التوفيق في الإخلاص (أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا) لكم بإغلاظ الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار. وإمّا أن يقولوه لليهود، لأنهم حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة، كما حكى اللَّه عنهم (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) [الحشر: ١١]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إما أن يقوله بعضهم لبعض) قال القاضي: أن يقول المؤمنون بعضهم لبعض تعجباً من حال المنافقين، وتبجحاً بما من الله عليهم من الإخلاص. وقال الإمام: المؤمنون يقولون متعجبين من حال المنافقين عندما أظهروا الميل إلى موالاة أهل الكتاب. أي: كانوا يقسمون بالله جهد أيمانهم إنهم معنا ومن أنصارنا، والآن كيف صاروا موالين لأعدائنا؟ قوله: (﴿أَقْسَمُوا﴾ لكم بأغلاظ الأيمان) وهو معنى قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، قال في سورة النور: "جهد يمينه: مستعار من جهد نفسه: إذا بلغ وُسعها، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ شدتها ووكادتها"، وقد شرحناه هناك. قوله: (أن يقولوه لليهود، فإن المنافقين حلفوا لهم بالمعاضدة) قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرى إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١].

стр. 2260

(حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ): من جملة قول المؤمنين، أي: بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في رأي أعين الناس وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أحبط أعمالهم! فما أخسرهم! أو من قول اللَّه شهادة لهم بحبوط الأعمال وتعجباً من سوء حالهم. [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ)]. وقرئ (مَنْ يَرْتَدَّ) و (من يرتدد) وهو في الإمام بدالين، وهو من الكائنات التي أخبر عنها في القرآن قبل كونها. وقيل: بل كان أهل الردّة إحدى عشرة فرقة: ثلاث في عهد رسول اللَّه ﷺ : بنو مدلج ورئيسهم ذو الخمار، وهو الأسود العنسي، وكان كاهنا تنبأ باليمن واستولى على بلاده، ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ من جملة قول المؤمنين) كأن الحاضر لما شاهد فرط اغتباط المؤمنين وتعجبهم من حال المنافقين وسمع قولهم: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ سئل: فماذا تكلموا بعد هذا الكلام؟ فقال: قالوا: حبطت أعمالهم تعجباً إلى تعجبهم واغتباطاً إلى اغتباطهم. قوله: (قرئ: ﴿مَنْ يَرْتَدِ﴾ و"من يرتدد" بالفك: نافع وابن عامر، وغيرهما: بالإدغام، قال الزجاج: الفك هو الأصل، لأنه إذا سُكن الثاني من المضاعف ظهر التضعيف. قوله: (وهو الأسود العنسي) وفي حديث الرؤيا عن النبي ﷺ : "رأيت في المنام كأن في يدي سوارين، فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي يقال لأحدهما: مسيلمة صاحب اليمامة،

стр. 2261

وأخرج عمال رسول اللَّه ﷺ ، فكتب رسول اللَّه ﷺ إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن، فأهلكه اللَّه على يدي فيروز الديلمي بيته فقتله وأخبر رسول اللَّه ﷺ بقتله ليلة قتل، فسرّ المسلمون وقبض رسول اللَّه ﷺ من الغد. وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول. وبنو حنيفة قوم مسيلمة، تنبأ وكتب إلى رسول اللَّه ﷺ : من مسيلمة رسول اللَّه إلى محمدٍ رسول اللَّه، أمّا بعد: فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك. فأجاب ﵊: «من محمد رسول اللَّه إلى مسيلمة الكذاب. أما بعد، فإن الأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين»، فحاربه أبو بكر ﵁ بجنود المسلمين، وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة، وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية، وشرّ الناس في الإسلام، أراد في جاهليتى وإسلامى. وبنو أسدٍ قوم طليحة بن خويلدٍ، تنبأ فبعث إليه رسول اللَّه ﷺ خالداً فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه. وسبعٌ في عهد أبي بكر ﵁: فزارة قوم عيينة بن حصن، وغطفان قوم قرّة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد يا ليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة، التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وفيها يقول أبو العلاء المعرى في كتاب "استغفر واستغفري": ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والعنسي صاحب صنعاء"، رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة، وفي "الجامع": العنسي بفتح العين وسكون النون: منسوب إلى عنس، وهو يزيد بن مذحج بن أدد بن زيد ابن يشجب. قوله: (في كتاب "استغفر واستغفري") كتابٌ التزم في قصائده: استغفر واستغفري.

стр. 2262

أمَّتْ سجَاحٌ وَوَالاهَا مُسَيْلِمَةٌ … كَذَّابَةٌ فِى بَنِى الدُّنْيَا وَكَذَّابُ وكندة قوم الأشعث بن قيسٍ، وبنو بكر بن وائلٍ بالبحرين قوم الحطيم بن زيدٍ، وكفى اللَّه أمرهم على يد أبي بكر ﵁. وفرقةٌ واحدةٌ في عهد عمر ﵁: غسان قوم جبلة ابن الأيهم نصرته اللطمة وسيرته إلى بلاد الروم بعد إسلامه. (فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ) قيل: لما نزلت أشار رسول اللَّه ﷺ إلى أبي موسى الأشعري فقال: «قوم هذا». وقيل: هم ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة، وثلاثة آلاف من أفناء الناس جاهدوا يوم القادسية. وقيل: هم الأنصار. وقيل: سئل رسول اللَّه ﷺ عنهم فضرب يده على عاتق سلمان وقال: «هذا وذووه» ثم قال: "لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أمت سجاح) أمت: بالتخفيف والتشديد من الأيمة والإمامة، الأساس: وقد آمت ايمة وتأيمت، ورجل أيم: طالت عزوبته، وكان رسول الله ﷺ يتعوذ من الأيمة، يقال: هي أيم ما لها قيم. قوله: (ووالاها مسيلمة) أي: وافقها وتزوجها، وجبلة بن الأيهم مضت قصته في أول البقرة عند قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]. قوله: (ووالاها مسيلمة) أي: وافقها وتزوجها، وجبلة بن الأيهم مضت قصته في أول البقرة عند قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]. قوله: (لو كان الإيمان معلقاً بالثريا) الحديث، وقريب منه ما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي هريرة.

стр. 2263

(يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) محبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته، وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه. ومحبة اللَّه لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويعظمهم ويثني عليهم ويرضى عنهم، وأما ما يعتقده أجهل الناس وأعداهم للعلم وأهله، وأمقتهم للشرع وأسوؤهم طريقةً، وإن كانت طريقتهم عند أمثالهم من الجهلة والسفهاء شيئاً، وهم الفرقة المفتعلة المتفعلة من الصوف وما يدينون به من المحبة والعشق والتغني على كراسيهم خربها اللَّه، وفي مراقصهم عطلها اللَّه، بأبيات الغزل المقولة في المردان الذين يسمونهم شهداء، وصعقاتهم التي أين عنها صعقة موسى عند دكّ الطور، فتعالى اللَّه عنه علواً كبيراً، ومن كلماتهم: كما أنه بذاته يحبهم، كذلك يحبون ذاته، فإنّ الهاء راجعة إلى الذات دون النعوت والصفات. ومنها: الحب شرطه أن تلحقه سكرات المحبة، فإذا لم يكن ذلك لم تكن فيه حقيقةٌ. فإن قلت: أين الراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن لمعنى الشرط؟ قلت: هو محذوف معناه: فسوف يأتي اللَّه بقومٍ مكانهم، أو بقومٍ غيرهم، أو ما أشبه ذلك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأما ما يعتقده أجهل الناس) عاد إلى التعصب البارد، وتحقيق القول في المحبة ما ذكره في آل عمران. قوله: (المفتعلة)، الأساس: هذا الكتاب مفتعل، أي: مختلق مصنوع، ويقال للشعر المبتدع الذي أغرب فيه قائله، ويقولون: أعذب الشعر ما كان مفتعلاً. قوله: (أين عنها؟ ) استفهام وقع صلة للموصول على تأويل: المقول في حق تلك الصعقات: أين عنها صعقة موسى؟ وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أنه بحسب زعماتهم، أي: أن هذه أرفع شأناً منها، والثاني: بحسب زعم المصنف، أي: صعقة موسى أرفع شأناً منها.

стр. 2264

(أَذِلَّةٍ): جمع ذليلٍ، وأما ذلول فجمعه: ذلل، ومن زعم أنه من الذلّ الذي هو نقيض الصعوبة فقد غبي عنه أنّ ذلولاً لا يجمع على أذلة. فإن قلت: هلا قيل: أذلةٍ للمؤمنين أعزةٍ على الكافرين؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يضمن الذلّ معنى الحنوّ والعطف، كأنه قيل: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع. والثاني: أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم، ونحوه قوله : (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: ٢٩] وقرئ: (أذلةً) و (أعزةً) بالنصب على الحال. (وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) يحتمل أن تكون الواو للحال؛ على أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين، فإنهم كانوا موالين لليهود - لعنت - فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود، فلا يعملون شيئاً مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم. وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه اللَّه لا يخافون لومة لائم قط ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والثاني: أنهم مع شرفهم) يعني استعير ﴿عَلَى﴾ بدل اللام ليؤذن بأنهم غلبوا غيرهم من المؤمنين في التواضع حتى علوهم بهذه الصفة، وإلى المبالغة أشار بقوله: "خافضون لهم أجنحتهم" وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، وإنما قال: "مع شرفهم وعلو طبقتهم" ليؤذن بمعنى التكميل، فإنه لما قيل: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أوهم أنهم أذلاء محقرون مصغرون، فكمل بقوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ بمعنى أنهم مع عزتهم وعلو طبقتهم متواضعون مبالغون فيه لمن يجب أن يتواضع له، نحوه قول الشاعر: جلوس في مجالسهم رزان … وإن ضيف ألم فهم خفوف

стр. 2265

وأن تكون للعطف على أن من صفتهم المجاهدة في سبيل اللَّه، وأنهم صلابٌ في دينهم، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين إنكار منكرٍ، أو أمرٍ بمعروف، مضوا فيه كالمسامير المحماة لا يزعهم قول قائلٍ، ولا اعتراض معترضٍ، ولا لومة لائمٍ يشق عليه جدهم في إنكارهم وصلابتهم في أمرهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إنكار مُنكر) مجرور بدل من "أمر"، وقوله: "يشق عليه": صفة "لائم"، فإن قلت: أي فرق بين أن يكون قوله: ﴿وَلا يَخَافُونَ﴾ حالاً وبين أن يكون عطفاً، قلت: إذا جعل حالاً كان قيداً لـ ﴿يُجَاهِدُونَ﴾، فيكون تعريضاً بمن يجاهد ولم يكن له حال كذلك، ومن ثم قال: "وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين"، وإذا جُعل عطفاً على تتميماً لمعنى ﴿يُجَاهِدُونَ﴾، فيفيد المبالغة والاستيعاب، وإلى المبالغة الإشارة بقوله: "مضوا فيه كالمسامير المحماة". والعجب أن قوله: "المحماة" أيضاً تتميم لقوله: "مضوا فيه كالمسامير"، قال امرؤ القيس: حملت ردينياً كأن سنانه … سنا لهب لم يتصل بدخان وقد ألم إلى معنى "الاستيعاب" بقوله: "لايزعهم قول قائل، ولا اعتراض معترض" وهلم جرا إلى قوله: "لا يخافون شيئاً قط". قوله: (لا يزعهم)، الجوهري: وزعته أزعه وزعاً: كففته. قوله: (يشق عليه) الظاهر أن الضمير في "عليه" راجع إلى كل واحد من هؤلاء، وفي "جدهم" إلى المجاهدين، أي: يصعب على كل واحد من القائل والمعترض واللائم جد هؤلاء المجاهدين في إنكارهم المنكر وصلابتهم في أمرهم بالمعروف، ويروي: "ويشق عليهم" وقيل: الضمير في "جدهم" عائد إلى اللائم والمعترض والقائل، فعلى هذا "يشق" لا يكون صفة "لائم" كما في الأول ولا يلتئم مع قوله: ﴿لا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾.

стр. 2266

واللومة: المرّة من اللوم، وفيها وفي التنكير مبالغتان، كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام. و (ذلِكَ): إشارةٌ إلى ما وصف به القوم من المحبة والذلة والعزة، والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة. (يُؤْتِيهِ) يوفق له (مَنْ يَشاءُ) ممن يعلم أنّ له لطفاً (واسِعٌ): كثير الفواضل والألطاف. (عَلِيمٌ): بمن هو من أهلها. [(إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ)]. عقب النهى عن موالاة من تجب معاداتهم ذكر من تجب موالاتهم بقوله تعالى: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) ومعنى (إنما): وجوب اختصاصهم بالموالاة ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفيها وفي التنكير مبالغتان) لأنه ينتفي بانتفاء الخوف من اللومة الواحدة خوف جميع اللومات، لأن النكرة في سياق النفي تعم، ثم إذا انضم معها تنكير فاعلها يستوعب انتفاء خوف جميع اللوام، وهذا تتميم في تتميم، أي: لا يخافون شيئاً من اللوم من أحد من اللوام. قوله: (أن له لطفاً) أي: أن لطفاً نافع له، فقدم الظرف لكون الاسم نكرة، يعني: يوفق للمحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء الخوف من يعلم أن الألطاف المحصلة والمقربة تجدي فيه ونافع له، فخص العام بما يؤدي إليه مذهبه، وجعل المشيئة تابعة للطف والحكم، على العكس على مذهب أهل السنة، والمعنى: ذلك المذكور من منح الله وفضله، ليس لأحد فيه سعي، يختص بها من يشاء من عباده؛ لأنه تعالى فعال لما يريد، وأنه كثير الفواضل، عليم بكل الأشياء وإن خفي على الخلق وجه حكمته. قوله: (عقب النهي عن موالاة من تجب معاداتهم) إشارة إلى أن اتصال قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، وما توسط بينهما من الآيات: يشد من أعضاد النهي.

стр. 2267

فإن قلت: قد ذكرت جماعةٌ، فهلا قيل إنما أولياؤكم؟ قلت: أصل الكلام: إنما وليكم اللَّه، فجعلت الولاية للَّه على طريق الأصالة، ثم نظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول اللَّه ﷺ والمؤمنين على سبيل التبع، ولو قيل: إنما أولياؤكم اللَّه ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبعٌ. وفي قراءة عبد اللَّه: (إنما مولاكم). فإن قلت: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ) ما محله؟ قلت: الرفع على البدل من "الذين آمنوا" أو على: هم الذين يقيمون. أو النصب على المدح، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أصل الكلام: إنما وليكم الله، فجعلت الولاية لله على طريق الأصالة)، قال صاحب "الفرائد": ما ذكره بعيد عن قاعدة الكلام؛ لأنه جعل ما لا يستوي فيه الواحد والجمع جمعاً، وهو الولي، ويمكن أن يقال: التقدير: إنما وليكم الله، ورسوله والذين آمنوا أولياؤكم، فحذف الخبر لدلالة السابق عليه، وفائدة الفضل في الخبر هي التنبيه على أن كونهم أولياء بعد كونه تعالى ولياً لهم بجعله إياهم أولياء ففي الحقيقة هو الولي فحسب، وقلت: مراد المصنف من قوله: "ثم نُظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول الله ﷺ والمؤمنين" غير ما قدره لا أن قوله: ﴿وَلِيُّكُمْ اللَّهُ﴾ جمع؛ لأنه هرب من هذا المعنى إلى التبعية، فكأنه قال: "إنما وليكم الله وكذلك رسوله والمؤمنون" لتصح التبعية، ففيه مع ما ذكره صاحب "الفرائد" رعاية حسن الأدب مع حضرة الرسالة؛ لأن ذكر المؤمنين بعد ذكر الرسول حينئذ لم يكن للتبعية بل لمجرد الأفضلية. قوله: (الرفع على البدل … أو على: هم الذين … ، أو النصب على المدح)، وإنما عدل عن الوصف لأن الموصول وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، والوصف لا يوصف إلا بالتأول، ولذلك قال القاضي: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ﴾ صفة لـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه جرى مجرى الاسم.

стр. 2268

وفيه تمييز للخلص من الذين آمنوا نفاقاً، أو واطأت قلوبهم ألسنتهم إلا أنهم مفرطون في العمل. (وَهُمْ راكِعُونَ) الواو فيه للحال، أي: يعملون ذلك في حال الركوع، وهو الخشوع والإخبات والتواضع للَّه، إذا صلوا وإذا زكوا. وقيل: هو حال من (ويؤتون الزكاة) بمعنى: يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة، وإنها نزلت في عليّ كرم اللَّه وجهه حين سأله سائلٌ وهو راكعٌ في صلاته، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تمييز للخلص من الذين): متعلق بتمييز، وقوله: "أو واطأت": عطف على "آمنوا"، ففي الكلام لف ونشر، فقوله: "تمييز للخلص من الذين آمنوا نفاقاً" وارد على أن يكون ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ﴾ بدلاً من "الذين آمنوا" تعريضاً بالمنافقين، وقوله: "أو واطأت" أي: تمييز لخلص من المؤمنين الذين واطأت قلوبهم ألسنتهم المفرطين في العمل، على أن يكون مدحاً مرفوعاً، أو منصوباً تعريضاً بالمفرطين من المؤمنين، والمعنى على الأول: لا يكون مؤمناً من آمن نفاقاً، وعلى الثاني: لا يكون ممدوحاً مقرباً عند الله من آمن ولم يضم معه العمل الصالح، إنما جعلناه تعريضاً لما قال: "تمييز"؛ لأن المدح لا يكون تمييزاً إلا على التعريض. قوله: (وإنها نزلت في علي ﵁، نحوه روى صاحب "الجامع" عن رزين.

стр. 2269

فطرح له خاتمه. كأنه كان مرجاً في خنصره، فلم يتكلف لخلعه كثير عملٍ تفسد بمثله صلاته. فإن قلت: كيف صح أن يكون لعليّ ﵁ واللفظ لفظ جماعةٍ؟ قلت: جيء به على لفظ الجمع، وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً؛ ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبه على أن سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان وتفقد الفقراء، حتى إن لزهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة، لم يؤخروه إلى الفراغ منها. [(وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ)]. (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ) من إقامة الظاهر مقام المضمر، ومعناه: فإنهم هم الغالبون، ولكنهم بذلك جعلوا أعلاماً لكونهم حزب اللَّه. وأصل الحزب: القوم يجتمعون لأمر حزبهم، ويحتمل أن يريد بـ (حِزب اللَّه): الرسول والمؤمنين، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مرجاً) أي: مضطرباً، المرج بالتحريك: مصدر قولك: مرج الخاتم في إصبعي بالكسر: إذا قلق، قاله الجوهري. قوله: (ليرغب الناسُ) يعني به تعظيم ذلك الفعل وأن لا يباشره من الناس إلا من يكون عظيماً ينزل منزلة الجماعة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً﴾ [النحل: ١٢٠] وأنه مما لا يختص به أحد دون أحد فيتسارع الناس فيه لنيل الكمال. قوله: (ولينبه على أن سجية المؤمنين) فيه تعظيم الفاعل، يعني: يجب على من اتسم بسمة الإيمان أن يتخلق بخلقه هذا ﵁ ويجعله سجيته وعادته. قوله: (لزهر أمر)، الجوهري: لزه يلزه لزاً أي: شده وألصقه. قوله: (ويحتمل أن يريد بـ ﴿حِزْبُ اللَّه﴾: الرسول والمؤمنين): عطف على قوله: " ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾ من إقامة المظهر موضع المضمر"، يعني: أقيم ﴿حِزْبُ اللَّه﴾ موضع المضمر من غير

стр. 2270

ويكون المعنى: ومن يتولهم فقد تولى حزب اللَّه، واعتضد بمن لا يغالب. [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ)]. روي أن رفاعة بن زيدٍ وسويد بن الحرث كانا قد أظهرا الإسلام، ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادّونهما، فنزلت؛ يعني أن اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً لا يصح أن يقابل باتخاذكم إياهم أولياء، بل يقابل ذلك بالبغضاء والشنآن والمنابذة. وفصل المستهزئين بأهل الكتاب والكفار، وإن كان أهل الكتاب من الكفار إطلاقاً للكفار على المشركين خاصةً، والدليل عليه قراءة عبد اللَّه (ومن الذين أشركوا). وقرئ: (والكفار) بالنصب والجرّ. وتعضد قراءة الجر قراءة أُبيّ: (ومن الكفار). (وَاتَّقُوا اللَّهَ) في موالاة الكفار وغيرها (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) حقاً؛ لأن الإيمان حقاً يأبى موالاة أعداء الدين. (اتَّخَذُوها) الضمير للصلاة، أو للمناداة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لفظه السابق للإعلام بأنهم أعلام فيه، لما أن قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ متضمن لكونهم حزب الله مصرح به ليؤذن بأنهم مشاهير فيه، أو للإشعار بالعلية، والإعلام بأن كونهم غالبين لكونهم حزب الله، ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]، أو جُعل جزاء الشرط في معنى الشرط، كقوله: من أدرك الصمان فقد أدرك المرعي، أي: من تولاهم فقد تولى من يحق له الولاية، وهو المراد بقوله: "فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب"، وعلى التقديرين: ذكرُ الله تمهيد وتوطئة. قوله: (وقرئ: ﴿وَالْكُفَّارَ﴾ بالنصب والجر)، الجر أبو عمرو والكسائي، والباقون: بالنصب

стр. 2271

قيل: كان رجلٌ من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول: «أشهد أنّ محمداً رسول اللَّه» قال: حرّق الكاذب، فدخلت خادمه بنارٍ ذات ليلةٍ وهو نائم فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله. وقيل: فيه دليلٌ على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده. (لا يَعْقِلُونَ): لأنّ لعبهم وهزؤهم من أفعال السفهاء والجهلة، فكأنه لا عقل لهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فدخلت خادمه)، الجوهري: الخادم واحد الخدم غلاماً كان أو جارية. قوله: (وقيل: فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده)، وذلك أنه تعالى أخبر أن نداء الصلاة سبب لاتخاذهم إياها هزوا، وعلله بجهلهم، فدلت الآية على سبيل الإدماج وإشارة النص على ثبوته، ولقائل أن يقول: إن قوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً﴾ إخبار بحصول الاستهزاء عند النداء، والظاهر أن يكون الأذان قبل نزول الآية، والواقع كذلك؛ لأن الأذان شُرع بعيد مقدم النبي ﷺ المدينة لما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن ابن عمر رضي الله عُمر ﵄، قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون للصلاة وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوماً في ذلك .. إلى قوله: فقال رسول الله ﷺ : "يا بلال، قم فناد بالصلاة"، والسورة كما سبق آخر سورة نزلت من القرآن. وفي قول المصنف: "لا بالمنام وحده" إشعار بأن الحديث غير مستقل، والظاهر أن الآية معاضدة للسنة، وأما حديث المنام فمما رويناه عن أبي داود، عن أبي عمير بن أنس، قال: اهتم رسول الله ﷺ للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل: انصب راية عند حضور الصلاة، فلم يعجبه، فذكر له القنع، وهو: شبور اليهود، فلم يعجبه، فذُكر له الناقوس فقال: "هو من

стр. 2272

[(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ)]. قرأ الحسن (هل تنقمون) بفتح القاف، والفصيح كسرها. والمعنى: هل تعيبون منا وتنكرون إلا الإيمان بالكتب المنزلة كلها؟ (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ) فإن قلت: علام عطف قوله (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ)؟ قلت: فيه وجوهٌ، منها: أن يعطف على (أن آمنا)، بمعنى: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النصارى"، فانصرف عبد الله بن زيد الأنصاري وهو مهتم لهم رسول الله ﷺ ، فأرِيَ الأذان في منامه، فغدا على رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: يا رسول الله، إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آتِ فأراني الأذان، وكان عمر ﵁ رآه قبل ذلك فكتمه، فقال رسول الله ﷺ : "قُمْ يا بلال فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعل"، فأذن بلال … الحديث. النهاية: الشبور: البوق، وفسر أيضاً بالقنع، واللفظة عبرانية. قوله: ("هل تنقمون" بفتح القاف) إلى قوله: (هل تعيبون منا وتنكرون إلا الإيمان؟ )، قال الزجاج: ﴿نَقَمُوا﴾ [البروج: ٨]- بالفتح والكسر- معناه: بالغت في كراهة الشيء، وأنشد لقيس الرقيات في المعنى: ما نقموا من بني أمية إلا … أنهم يحلمون إن غضبوا وقلت: وفي الألفاظ النبوية: "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً إذ أغناه الله"، أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، يعني: غناه أداه إلى كفران النعمة، كقوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢].

стр. 2273

وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمرّدكم وخروجكم عن الإيمان! كأنه قيل: وما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في دين الإسلام، وأنتم خارجون منه! ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف؛ أي: واعتقاد أنكم فاسقون. ومنها: أن يعطف على المجرور، أي: وما تنقمون منا إلا الإيمان باللَّه وبما أنزل وبأنّ أكثركم فاسقون! ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع" أي: وما تنقمون منا إلا الإيمان مع أنّ أكثركم فاسقون! ويجوز أن يكون تعليلاً معطوفاً على تعليل محذوفٍ، كأنه قيل: وما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم الشهوات! ويدل عليه تفسير الحسن: بفسقكم نقمتم ذلك علينا. وروي أنه أتى رسول اللَّه ﷺ نفرٌ من اليهود فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ فقال: (آمنا بالله وما أنزل إلينا) إلى قوله: (ونحن له مسلمون) [البقرة: ١٣٦] فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى ﵇: ما نعلم أهل دينٍ أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم ولا ديناً شراً من دينكم، فنزلت. وعن نعيم بن ميسرة: (وإنّ أكثركم) بالكسر. ويحتمل أن ينتصب (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ) بفعلٍ محذوف يدل عليه ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمردكم)، قال أبو البقاء: هذا كقولك للرجل: ما كرهت مني إلا أني محبب إلى الناس وأنك مُبغض، وإن كان قد لا يعترف بأنه مبغض. قوله: ("وإن أكثركم" بالكسر) وعلى هذا يجوز أن يكون حالاً من ضمير ﴿تَنقِمُونَ﴾ أي: هل تنقمون منا إلا الإيمان والحال أنكم فاسقون، وفيه رائحة من معنى التعليل.

стр. 2274

(هل تنقمون) أي: ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو يرتفع على الابتداء والخبر محذوفٌ، أي: وفسقكم ثابت معلوم عندكم، لأنكم علمتم أنا على الحق وأنكم على الباطل، إلا أن حب الرياسة وكسب الأموال لا يدعكم فتنصفوا. [(قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ* وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ)]. (ذلِكَ): شارة إلى المنقوم، ولا بدّ من حذف مضاف قبله، أو قبل (من) تقديره: بشرّ من أهل ذلك، أو دين من لعنه اللَّه، و (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ) في محل الرفع على قولك: هو من لعنه اللَّه، كقوله تعالى: (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ) [الحج: ٧٢]، أو في محل الجر على البدل من "شرّ". وقرئ: (مَثُوبَةً) (ومَثْوَبةً) ومثالهما: مَشُورَة ومَشْوَرَة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولابد من حذف مضاف قبله) أي: قبل ﴿ذَلِكَ﴾، وهو "المنقوم" أو قبل ﴿مَنْ﴾ أي: قبل ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾؛ لأن الإيمان المشار إليه غيرُ مطابق لقوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ في معنى يشترك فيه لفظة "شر"، فيقدر: "الأهل" عند الإيمان أو "الدين" عند من لعنه الله، ليطابقه، فالمعنى: هل أنبئكم بشر من أهل الإيمان بزعمكم؟ هو من لعنه الله، أو: هل أنبئكم بشر من الإيمان بزعمكم؟ هو دين من لعنه الله. قوله: (في محل الرفع)، قال الزجاج: ومن رفع بإضمار "هو"، كأن قائلاً قال: من ذلك؟ فقيل: هو من لعنه الله.

стр. 2275

فإن قلت: المثوبة مختصة بالإحسان، فكيف جاءت في الإساءة؟ قلت: وضعت المثوبة موضع العقوبة على طريقة قوله: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ ومنه (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: ٢١]. فإن قلت: المعاقبون من الفريقين هم اليهود، فلم شورك بينهم في العقوبة؟ قلت: كان اليهود - لعنوا - يزعمون أن المسلمين ضالون مستوجبون للعقاب، فقيل لهم: من لعنه اللَّه شر عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم ودعواكم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على طريقة قوله: تحية بينهم ضرب وجيع) على طريقة الادعاء في المبالغة والتهكم، لا أن المثال من الاستعارة كالآية؛ لأن المشبه هو التحية والمشبه به الضرب، وهما مذكوران بخلافه في الآية، فإن المشبه فيها العقوبة والمشبه به المذكورة المثوبة. نعم، الآية المستشهد بها استعارة تهكمية. قوله: (من لعنه الله شرٌّ عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم)، فإن قلت: أليس هذا مشعراً بأن لفظة "شر" مستعمل بالنسبة إلى ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ بالحقيقة، وبالنسبة إلى أهل الإسلام بالمجاز؟ قلت: لا؛ لأنه تعالى جعل المفضل والمفضل عليه من جنس واحد على سبيل المبالغة، أحدهما: بالحقيقة، والآخر: بالادعاء على زعم الكفرة، ثم فضل أحدهما على الآخر جرياً على سنن إرخاء العنان، وكلام المصنف ومثله في الأسلوب جعل المال والبنين وسلامة القلب من جنس واحد، ثم استثنى أحد الجنسين من الآخر في قوله تعالى ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، وهو قريبٌ من القول بعموم المجاز.

стр. 2276

(وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) عطف على صلة (من) كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت. وفي قراءة أبيّ: (وعبدوا الطاغوت) على المعنى. وعن ابن مسعودٍ: (ومن عبدوا). وقرئ: (وعابد الطاغوت) عطفاً على (القردة)، و (عابدي)، و (عباد)، و (عُبَّد)، و (عَبُد)، ومعناه: الغلوّ في العبودية، كقولهم: رجلٌ حذرٌ وفطنٌ للبليغ في الحذر والفطنة قال: أَبَنِي لُبَيْنَى إنَّ أُمَّكُمُ … أَمَةٌ وَإنَّ أبَاكُمُو عَبْدُ و(عبد) بوزن: حطم، و (عبيد) و (عبد) بضمتين جمع عبيد، و (عبدة) بوزن: كفرة، و (عبد) وأصله عبدةٌ، فحذفت التاء للإضافة، أو هو كخدمٍ في جمع خادمٍ، و (عبد)، و (عباد)، و (أعبد)، و (عبد الطاغوت) على البناء للمفعول، وحٌذف الراجع بمعنى: وعبد الطاغوت فيهم، أو بينهم، و (عبد الطاغوت) بمعنى: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عبد الطاغوت) قرأ حمزة بضم الباء وكسر التاء، والباقون: بفتح الباء على صيغة الماضي ونصب التاء، وباقي القراءات شواذ، قال الزجاج: ضم الباء وخفض "الطاغوت" ليس بالوجه؛ لأن "عبداً" على فعل ليس من أمثلة الجمع لأنهم فسروه: خدم الطاغوت، ووجهه أن الاسم بُني على فعل، كرجل حذر، أي: حذور، أي: مبالغ في الحذر، بمعنى أنه بالغ في طاعة الشيطان، واللفظ واحد والمعنى جمع، كما تقول للقوم: منكم عبدُ العصا، أي: عبيد العصى. قوله: (أبني لبيني) وهو اسم امرأة. قوله: (فحذفت التاء للإضافة) مثل: أبو عُذرة، الأصل: عُذرية، فحذفت الياء كراهة اجتماع الزائد من الياء والمضاف إليه في عَجُزِ الكلمة.

стр. 2277

صار الطاغوت معبوداً من دون اللَّه، كقولك: "أمر": إذا صار أميراً، و (عبد الطاغوت) بالجر عطفاً على (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ). فإن قلت: كيف جاز أن يجعل اللَّه منهم عُباد الطاغوت؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أنه خذلهم حتى عبدوه. والثاني: أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به، كقوله تعالى: (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً) [الزخرف: ١٩]. وقيل الطاغوت: العجل لأنه معبودٌ من دون اللَّه، ولأن عبادتهم للعجل مما زينه لهم الشيطان، فكانت عبادتهم له عبادة للشيطان وهو الطاغوت. وعن ابن عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنه: أطاعوا الكهنة، وكل من أطاع أحداً في معصية اللَّه فقد عبده. وقرأ الحسن: (الطواغيت). وقيل: (وجعل منهم القردة): أصحاب السبت (والخنازير): كفار أهل مائدة عيسى. وقيل: كلا المسخين من أصحاب السبت، فشبانهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير. وروي أنها لما نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود ويقولون: يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم. (أُولئِكَ) الملعونون الممسوخون (شَرٌّ مَكاناً) جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله. وفيه مبالغة ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حكم عليهم بذلك ووصفهم به) أي: قال في حقهم: إنهم عبدة الطاغوت وسماهم به، هذا مذهبه، ويلزم منه استعمال لفظ المشترك في مفهوميه، لأنه في المعطوف عليه بمعنى "صبر"، وفي المعطوف بمعنى "سمى". قوله: (جُعلت الشرارة للمكان، وهي لأهله) وفيه وجهان؛ لأنه إذا نُظر إلى أن التمييز فاعل في الأصل؛ أي: شر مكانهم، كان إسناداً مجازياً، نحو: فلان يطؤهم الطريق، وإذا نظر

стр. 2278

ليست في قولك: أولئك شر وأضل، لدخوله في باب الكناية التي هي أخت المجاز. نزلت في ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم يظهرون له الإيمان نفاقاً، فأخبره اللَّه تعالى بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا، لم يتعلق بهم شيء مما سمعوا به من تذكيرك بآيات اللَّه ومواعظك. وقوله: (بِالْكُفْرِ) و (بِهِ) حالان؛ أي: دخلوا كافرين، وخرجوا كافرين، وتقديره: ملتبسين بالكفر. وكذلك قوله: (وَقَدْ دَخَلُوا) (وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا) ولذلك دخلت (قَدْ) تقريباً للماضي من الحال. ولمعنى آخر: وهو أن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم، ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلى المعنى في إثبات الشر للمكان، والمراد أهله، كان من الكناية، لأن المكان من حيث هو: لا يوصف بالشر، بل بسبب من حل فيه، فإذا وُصف به يلزم إثباته للحال فيه بالطريق البرهاني، ولما كان الانتقال من الملزوم إلى اللازم مجازاً، ومن عكسه كناية، قال: "أخت المجاز". قوله: (وكذلك قوله: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا﴾ ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا﴾ يعني: أنهما حالان أيضاً، فعلى هذا في الكلام حالان مترادفان، وكل واحدة منهما مشتملة على حال فتكونا متداخلتين. الانتصاف وفي تصدر الجملة الثانية بالضمير تأكيد لاتحاد حالتهم في الكفر، تقول: لقيت زيداً لما جاء من سفره وهو هو وعبد الحميد عبد الحميد. وقلت: ليس بذلك، بل هو من تقديم الفاعل المعنوي لإفادة الاختصاص، وخُصت القرينة الثانية به دلالة على [أن] حُكم غير المنافقين من الكفار خلاف ذلك، فإنهم إذا دخلوا كافرين خرجوا مؤمنين لما سمعوا من الذكر والموعظة الناجعة فيهم. قوله: (ولمعنى آخر): عطف على قوله: "ولذلك دخلت"، قال ابن الحاجب: قد يُسمى

стр. 2279

وكان رسول اللَّه ﷺ متوقعاً لإظهار اللَّه ما كتموه، فدخل حرف التوقع وهو متعلق بقوله: (قالُوا آمَنَّا) أي: قالوا ذلك وهذه حالهم. [(وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ) ٦٢ - ٦٣]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حرف تقريب، ويُسمى حرف توكيد ويُسمى حرف تحقيق، وأما معنى التقريب فهو أنك إذا قلت: قد قام زيدٌ، كان دالاً على أن قيامه قريب من إخبارك، بخلاف: قام زيدٌ، وأما معنى التوكيد فهو أنه جواب قولك: هل فعل ولما يفعل، وأما معنى التوقع فكما ذكره الخليل: هذا الكلام لقوم ينتظرون الخبر، أي: إنما يُخبر بذلك من ينتظر الإخبار به في ظنك أو علمك، ومنه: قد قامت الصلاة. وقلت: ومن حق الظاهر أن يدخُل على ما يتوقعه المخاطب من الفعل والمتوقع هاهنا- كما قال- إظهار ما كتم المنافقون، لكن لما كان قوله: ﴿قَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] إخباراً عن نوع من نفاقهم وإظهاراً لخديعتهم "وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا، لم يتعلق بهم شيء مما سمعوا من تذكيرك بآيات الله"، كان إظهاراً لما يتوقعه من كتمانهم، نحو: توقعك خروج الأمير من داره، فقيل لك: قد ركب الأمير. قوله: (وكان رسول الله ﷺ متوقعاً لإظهار الله ما كتموه)، فإن قلت: إن "قد" موضوعة لتوقع مدخولها، وهاهنا مدخولها عين النفاق، فكيف قال: "لإظهار الله ما كتموه"؟ قلت: لاشك أن المتوقع ينبغي ألا يكون حاصلاً، وكونهم منافقين كان معلوماً عنده ﷺ ، بدليل قوله: "إن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم"، فيجب المصير إلى المجاز والقول بإظهار الله ما كتموه، أي: إظهار النفاق.

стр. 2280

الإثم الكذب بدليل قوله تعالى: (عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ). وَالْعُدْوانِ: الظلم. وقيل: الإثم: كلمة الشرك. وقولهم عزيز ابن اللَّه. وقيل: الإثم: ما يختص بهم. والعدوان: ما يتعداهم إلى غيرهم. والمسارعة في الشيء: الشروع فيه بسرعةٍ. (لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ) كأنهم جعلوا آثم من مرتكبي المناكير لأن كلٍ عامل لا يسمى صانعاً، ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الإثم: الكذب بدليل قوله: ﴿عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ﴾، الانتصاف: هذا الاستدلال لا يصح؛ لأن الإثم مقول يحتمل كونه كذباً وشركاً، وقلت: الظاهر الأول، ولذلك قال بعده: "وقيل: الإثم: كلمة الشر"، وبيانه: أن الإثم في قوله: ﴿وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ﴾ مطلق متأول لجميع المعاصي والمنهيات، وكان من حق الظاهر أن يُقال بعده: لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عما تنازعوا فيه، فلما أعيد الإثم وخُص بالقول احتمل كلمة الشرك وقول الكذب أيضاً، فدل قرائن الكلام، وهو قولهم: آمناً، على أن المراد الكذب، فخُص به، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ٨ - ١٠]. وليس في الكلام ما يُنبئ عن ذلك المعنى، فلا يُحمل عليه إلا بالتعسف، وإنما ترك العدوان في الثانية وخص الإثم بالقول - والعلم عند الله- ليؤذن بأن قول الكذب وأكل السحت أفحشها، وهما الأصل في العدوان لا سيما من العلماء، روينا عن الإمامين: مالك وأحمد ﵄، عن مالك، عن صفوان ﵁، قال: قيل: يا رسول الله، أيكون المؤمن جباناً؟ قال: "نعم"، قلنا: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: "نعم"، قيل: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: "لا". قوله: (جُمعوا آثم من مرتكبي المناكير). آثم: مفعولٌ ثانٍ لـ"جُعل"، أُفرد لأن أفعل التفضيل استعمل بـ "مِن".
следующие страницы →