Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
أي: حرّمه دخولها ومنعه منه، كما يمنع المحرّم من المحرّم عليه. (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ): من كلام اللَّه على أنهم ظلموا وعدلوا عن سبيل الحق فيما يقولوا على عيسى ﵇، فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم ردّه وأنكره، وإن كانوا معظمين له بذلك ورافعين من مقداره. أو من قول عيسى ﵇، على معنى: ولا ينصركم أحد فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن المعقول. أو ولا ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب اللَّه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما يمنع المحرم) أي: حرم هنا: استعارة تبعية من المنع.
قوله: (﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ من كلام الله تعالى)، وقيل: صح هنا "كلام الله" بغير "من"؛ لأن ما تقدم ليس كلام الله، وفي الوجه الثاني: من قول عيسى ﵊ بإثبات "مِن"؛ لأن ما تقدمه في القرآن من كلام عيسى.
وقلت: وجود "مِن" وعدمها سواء في صحة المعنى؛ لأن قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ تذييل للكلام السابق، وعلى أن يكون تذييلاً لقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ كأن قوله: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ﴾ أيضاً كلام الله حاكياً كلامه مقرراً لكلامه ، فنه تعالى لما نعى على النصارى قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ في أنها كلمة شنعاء وقائلها كافر مبالغ في وضع الشيء غير موضعه أتى بقول عيسى ﵊ بياناً لتبريه عنهم وخذلانه إياهم فذيله بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ تأكيداً، وإليه الإشارة بقوله: "رده وأنكره وإن كانوا معظمين له"، وإذا كان تذييلاً لكلام عيسى ﵇، وأنه ﵊ لما سوى بينه وبينهم في العبودية بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ رداً لزعمهم أن الله هو المسيح، وعلله بقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَاوَاهُ النَّارُ﴾ زيادة للتبري عنهم ذيله بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ مزيداً للتقرير، يعني أني بريء مما تقولون، ولا يصح لي أن أساعدكم
стр. 2312
[(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ* أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَاكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)].
(مِنْ) في قوله: (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ) للاستغراق، وهي القدرة مع "لا" التي لنفي الجنس في قولك: لا إله إلا الله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأنصركم مع هذا الظلم؛ لأن العارف العالم لا يساعد أحداً على الظلم الفاحش والباطل البين بطلانه، والوجه الأول أبلغ؛ لأن في الجملة القسمية معنى التعجبن وقد قيدت بالحال المقررة لجهة الإشكال، وهي قوله: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ﴾، كأنه قيل: ما أكفرهم، والحال أن عيسى ﵊ وصاهم بخلافه وبالغ في الوصية وأكدها أبلغ تأكيد.
قوله: (﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ للاستغراق، وهي المقدرة مع "لا" التي لنفي الجنس في قولك: لا إله إلا الله). قال صاحب "الإقليد": إن إفادة "مِن" الاستغراقية الاستغراق لأنها تدخل لابتداء الجنس إلى انتهائه، فقولك: هل من رجل؟ تقديره: هل من واحد هذا الجنس إلى أقصاه؟ إلا أنه اكتفى بذكر "مِن" عن ذكر "إلى" لدلالة إحدى الغايتين على الأخرى، وإنما قيل: إن مثل "لا رجل" متضمن لمعنى "مِنَ" الاستغراقية؛ لأن "لا رجل في الدار" أبلغ في النفي من "لا رجل في الدار" بالرفع، ومن "ليس رجل في الدار"، ولا يمكن تقدير ما يكون به كذلك إلا بحرف مؤكد مثبت للاستغراق، فوجب تقدير "مِن"، ولو كانت "لا" مفيدة للاستغراق لذاتها لما جاز قولهم: لا رجل في الدار بل رجلان.
فإن قلت: هذا مخالف لقوله في آل عمران: "ومن" في "ما من إله إلا الله" بمنزلة البناء على الفتح في قوله: "لا إله إلا الله" في إفادة معنى الاستغراق"، قلت: قد وجه هناك أن الفتح
стр. 2313
والمعنى: وما إلهٌ قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له، وهو اللَّه وحده لا شريك له: و"من" في قوله: (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) للبيان كالتي في قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ) [الحج: ٣٠].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجوز أن يكون فرعاً على "مِن"، وأن يكون كالأصل بنفسه، وإذا كان أصلاً جاز أن يُفرع عليه، وإذا كن فرعاً جاز أن يبلغ اشتهاره في الاستعمال بحيث يعكس معه الأمر كالصلاة في عرف الشرع واللغة.
قوله: (وما إله قط في الوجود إلا إله). قال أبو البقاء: ﴿مِنْ﴾ زائدة، و ﴿إِلَه﴾ في موضع مبتدأ، والخبر محذوف، و ﴿إِلاَّ اللَّهَ﴾ بدل من ﴿إِلَه﴾، وقال القاضي: ما في الوجود ذات مستحق للعبادة من حيث إنه مبديء جميع الموجودات إلا إله موصوف بالوحدانية متعال عن قبول الشركة، وقال الإمام: في تفسير ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾: قدر النحويون: لا إله في الوجود، وذلك غير مطابق للتوحيد الحق؛ لأن هذا نفي لوجود الإله الثاني، ولو لم يُضمر هذا الإضمار لكان "لا إله" نفياً لماهية الإله الثاني، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود.
وقلت: الإمام اختار مذهب التميمي، والمصنف لو ترك التقدير بقوله: "في الوجود" ليبقى مطلقاً فيتناول الوجود والإمكان وما يجري مجراهما، لكان أولى، وذكر في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]: "إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات، كقولك: ثابت واجب حق لازم وما أشبه ذلك، كان أقوى لإيجابه من النص على واحد".
стр. 2314
فإن قلت: فهلا قيل: وللكافرين عذابٌ أليمٌ؟ قلت: في إقامة الظاهر مقام المضمر فائدة، وهي تكرير الشهادة عليهم بالكفر في قوله: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا) وفي البيان فائدةٌ أخرى، وهي الإعلام في تفسير (الذين كفروا منهم) أنهم بمكانٍ من الكفر، والمعنى: ليمسنّ الذين كفروا من النصارى خاصة (عَذابٌ أَلِيمٌ) أي: نوع شديد الألم من العذاب كما تقول: أعطني عشرين من الثياب؛ تريد: من الثياب خاصةً لا من غيرها من الأجناس التي يجوز أن يتناولها "عشرون"، ويجوز أن تكون للتبعيض على معنى: ليمسنّ الذين بقوا على الكفر منهم؛ لأنّ كثيراً منهم تابوا من النصرانية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي البيان فائدة أخرى، وهي الإعلام في تفسير ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ أنهم بمكان من الكفر)، يعني: لما ذكر أولاً ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ على أن التعريف للجنس مبهماً ومعمماً ثم أوقع قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ تفسيراً للمبهم وتخصيصاً للعام، أفاد أنهم علم في الكفر وبمكان منه، قال في قوله تعالى: ﴿أَنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ١٠ - ١١]: "سجل عليهم الظلم بأن قدم ﴿الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، ثم عطفهم عليهم عطف البيان، كأن معنى ﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وترجمته: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ ".
وقال في الفاتحة: "قولك: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم؟ فلان أبلغ من فلان الأفضل؛ لأنك ثنيت ذكره مجملاً أولاً ومفصلاً ثانياً، وأوقعت فلاناً تفسيراً للأكرم والأفضل، فجعلته علماً في الكرم والفضل".
ويمكن أن يُقال: إنه من باب رأيت منك أسداًن فجرد من نفس النصارى الذين كفروا، فعُلم أنهم من جنس ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، مبالغة لكمال الكفر فيهم.
قوله: (ليمسن الذين بقوا على الكفر منهم) فالتعريف على هذا: للعهد، قال أبو البقاء: منهم: في موضع الحال، إما من ﴿الَّذِينَ﴾ أو من ضمير الفاعل في ﴿كَفَرُوا﴾.
стр. 2315
(أَفَلا يَتُوبُونَ): ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكرّرة عليهم بالكفر، وهذا الوعيد الشديد مما هم عليه، وفيه تعجب من إصرارهم (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ): يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم.
(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) صفة لـ (رسول) أي: ما هو إلا رسولٌ من جنس الرسل الذين خلوا من قبله، جاء بآياتٍ من اللَّه كما أتوا بأمثالها، أن أبرأ اللَّه الأبرص وأحيا الموتى على يده، فقد أحيا العصا وجعلها حيةً تسعى، وفلق بها البحر وطمس على يد موسى، وإن خلقه من غير ذكر، فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى. (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) أي: وما أمه أيضاً إلا كبعض النساء المصدّقات للأنبياء، المؤمنات بهم، فما منزلتهما إلا منزلة بشرين، أحدهما نبي، والآخر صحابي، فمن أين اشتبه عليكم أمرهما حتى وصفتموهما بما لم يوصف به سائر الأنبياء وصحابتهم مع أنه لا تميز ولا تفاوت بينهما وبينهم بوجه من الوجوه؟ !
ثم صرح ببعدهما عما نسب إليهما في قوله: (كانا يَاكُلانِ الطَّعامَ) لأنّ مَنِ احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض لم يكن إلا جسماً مركباً من عظمٍ ولحمٍ وعروقٍ وأعصابٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ألا يتوبون؟ ) فسر ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ﴾ به للإيذان بأن الهمزة للإنكار، ولا: نافية، والفاء: عاطفة على محذوف، أي: أيصرون فلا يتوبون؟ ففيه معنى التعجب على الإصرار والتحضيض على التوبة.
قوله: (ثم صرح ببعدهما عما نسب إليهما). قال القاضي: بين أولاً أقصى ما لهما من الكمالات، ودل على أنه لا يوجب لهما الألوهية؛ لأن كثيراً من الناس يشاركهما، ثم نبه على نقصهما، وذكر ما ينافي الربوبية ويقتضي أن يكونا من عداد المركبات، وقلت: يمكن أن تكون
стр. 2316
وأخلاطٍ وأمزجةٍ مع شهوةٍ وقرمٍ وغير ذلك؛ مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام.
(كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ) أي: الأعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم أَنَّى يُؤْفَكُونَ كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله؟
فإن قلت: ما معنى التراخي في قوله: (ثم انظر)؟ قلت: معناه ما بين العجبين؛ يعني أنه بين لهم الآيات بياناً عجيباً، وأنّ إعراضهم عنها أعجب منه.
[(قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)].
(ما لا يَمْلِكُ) هو عيسى، أي: شيئاً لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم به اللَّه من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة والخصب، ولأنّ كل ما يستطيعه البشر من المضارّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الآية على منوال قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، رفع من شأنهما أولاً بأقصى ما لهما من الكمال، ثم جيء بالمطلوب، وهو إبطال إلهيتهما بأدنى ما لهما من النقصان لئلا يوحشهما إذا ووجها به ابتداء.
قوله: (وقرم)، الجوهري: القرم، بالتحريك شدة شهوة اللحم، وقد قرمت إلى اللحم، بالكسر: إذا اشتهيته.
قوله: (ولأن كل ما يستطيعه البشر) عطف على جملة قوله: "شيئاً لا يستطيع" من حيث المعنى، ومعلله محذوف، المعنى: لم تعبدون شيئاً لايستطيع أن يضركم ولا أن ينفعكم بمثل ما يملكه الله؟ أو: لم تعبدون ما لا يستطيع شيئاً من النفع والضر البتة؟ أي: العاجز؛ لأن كل
стр. 2317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما يستطيعه البشر فبإقدار الله وتمكينه، وإنما علل هذا الوجه دون الأول لأن عندهم البشر قادر على الأفعال، فأزال ذلك بقوله: "إن ذلك بإقدار الله تعالى وتمكينه". وأما الأول فاستغنى عنه بقوله: "وهذا دليل قاطع"، لاشتراكه في الوجهين، وعلى الأول: ﴿مَا﴾ في ﴿مَا لا يَمْلِكُ﴾ عامة في جميع الأشياء، نبه به على أن عيسى من جملة المخلوقين فلايصلح للإلهية، وأن يكون شريكاً لله؛ لأنه لا يضركم ولا ينفعكم بمثل ما يضركم به الله وينفعكم.
قال القاضي: وإنما قال: ﴿مَا﴾، نظراً إلى ما هو عليه في ذاته توطئة لنفي القدرة عنه رأساً وتنبيهاً على أنه من هذا الجنس، ومن كان له حقيقة تقبل المجانسة والمشاركة فبمعزل عن الألوهية، وإنما قدم الضر لأن التحرز عنه أهم من تحري النفع، وعلى الثاني: "ما" وصف جيء به تحقيراً؛ أي: أتعبدون من دون الله هذا الموصوف الذي لا يملك نفعاً ولا ضُراً؟ وعلى هذين الوجهين بني المصنف قوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ على اللف والنشر حيث قال أولاً: " ﴿هُو﴾: متعلق بـ ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ "، فيكون حالاً مقررة لجهة الإشكال تهديداً ووعيداً، وإليه الإشارة بقوله: "أتشركون بالله ولا تخشونه وهو الذي يسمع ما تقولون؟ "، وقال ثانياً: "أتعبدون العاجز؟ " فيون حالاً من معنى ﴿لا يَمْلِكُ﴾، ولهذا قال: "أتعبدون العاجز والله هو السميع العليم؟ " تعبيراً وتجهيلاً، ألا ترى كيف صرح بقوله: "العاجز" ليبرشدك بأن ﴿مَا﴾ يُراد بها الوصف.
فإن قلت: هب أن قوله: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ دل على التهديد؛ لأن السامع العالم إذا سمع وعلم ما يفعله المجرم يجازيه عليه، فكيف دل على التعبير؟ قلت: إذا دل على القدرة كما قال: "ولن يكون كذلك إلا وهو حي قادر" جاء التعبير كقوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥]، ومثل هذين الوجهين سبق في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٦].
стр. 2318
والمنافع فبإقدار اللَّه وتمكينه، فكأنه لا يملك منه شيئاً. وهذا دليل قاطع على أن أمره مناف للربوبية، حيث جعله لا يستطيع ضراً ولا نفعاً، وصفة الرب أن يكون قادراً على كل شيء لا يخرج مقدور على قدرته.
(وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) متعلق بـ (أتعبدون)، أي: أتشركون باللَّه ولا تخشونه، وهو الذي يسمع ما تقولون ويعلم ما تعتقدون؟ أو أتعبدون العاجز واللَّه هو السميع العليم الذي يصح منه أن يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم، ولن يكون كذلك إلا وهو حى قادر.
[(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ)].
(غَيْرَ الْحَقِّ) صفة للمصدر؛ أي: لا تغلوا في دينكم غلواً غير الحق؛ أي: غلواً باطلاً؛ لأنّ الغلو في الدين غلوّان:
غلوّ حق: وهو أن يفحص عن حقائقه ويفتش عن أباعد معانيه، ويجتهد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهذا دليل قاطع على أن أمره مناف للربوبية)؛ لأن الإله هو الضار النافع، وهما اللذان يصححان العبودية؛ لأن المكلف إنما يعبده ليدفع عنه الضر ويجلب له النفع دنيا وعقبى، والتكرير في الضر والنفع للاستيعاب كما في قوله: ﴿بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: ١١]، ومن ثم قال: "وصفة الرب أن يكون قادراً على كل شيء".
قوله: (﴿غَيْرِ الْحَقِّ﴾: صفة للمصدر). قال أبو البقاء: يجوز أن يكون حالاً من ضمير الفاعل، أي: لا تغلوا مجاوزين.
стр. 2319
في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون من أهل العدل والتوحيد رضوان اللَّه عليهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما يفعل المتكلمون من أهل العدل والتوحيد)، الانتصاف: يعني بهم المعتزلة الذين غلوا في التوحيد، فجحدوا الصفات، وغلوا في العدل فجعلوا إرادة الحق ﷻ مغلوبة بإرادة العبد، يعني بأهل البدع من عداهم، الذين أثبتوا الصفات ولم يثبتوا خالقاً سوى الله تعالى.
وقلت: معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ ومعنى قوله في النساء: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] واحد، وقد قال المصنف: "غلت اليهود في حط المسيح من منزلته حيث جعلوه مولوداً لغير رشدة، وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه إلها"، والطريق القصد هو ما عليه المسلمون، كذلك القدرية يثبتون القدرة لغير الله مطلقاً، والجبرية يسلبون القدرة من الغير رأساً، وأهل السنة على الصراط المستقيم، وكذلك المعطلة لا يثبتون لله تعالى صفات، والمجسمون يشبهونه بالخلق، وأهل السنة اختاروا القصد والطريق السوي، فالمناسب أن يجعل ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾: مصدراً مؤكداً من حيث المعنى لا صفة للمصدر، لأن الغلو لا يكون حقاً.
قال الراغب: الغلو: تجاوز الحد، من قولهم: غلا السهم وغلا السعر، ويستعمل في الإفراط دون التفريط، وكلاهما مذمومان، والخطاب لليهود والنصارى، فالنصارى غلوا في رفعه، واليهود في وضعه، وإنما جمع الهوى بينهما، على أنهم متفاوتو المراد في باطلهم.
стр. 2320
وغلوٌّ باطلٌ: وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبه، كما يفعل أهل الأهواء والبدع.
(قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ) هم أئمتهم في النصرانية، كانوا على الضلال قبل مبعث النبي ﷺ . (وَأَضَلُّوا كَثِيراً) ممن شايعهم على التثليث. (وَضَلُّوا) لما بعث رسول اللَّه ﷺ (عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ): حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه.
[(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ* كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ* تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ* وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ) ٧٨ - ٨١].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿وَضَلُّوا﴾: لما بعث رسول الله ﷺ . أسند ﴿ضَلُّوا﴾ أولاً إلى أسلافهم، وثانياً إلى أعقابهم لئلا يلزم التكرار فيكون الخاطبون غيرهم، وقال الراغب: فيه وجوه: الأول: اريد: قد ضلوا عن سواء السبل، فلما فصل بينه وبين ما يتعلق به أعيد ذكره، كقوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، الثاني: أن الضال قد يعتقد أنه لا يضل غيره، وهو ضال بذلك، فبين الله تعالى أن هؤلاء ضلوا في أنفسهم وضلوا بإضلالهم غيرهم، كقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]، والثالث: أن لله تعالى هاديين: العقل والرسول، والعقل مقدم على الرسول من حيث إنه بالعقل يهتدي إلى معرفة الرسول، فقوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل، ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾: إلى ما أتى به الرسول.
стр. 2321
نزّل اللَّه لعنهم في الزبور (عَلى لِسانِ داوُدَ) وفي الإنجيل على لسان عيسى.
وقيل: إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود ﵇: اللهم العنهم واجعلهم آية؛ فمسخوا قردةً، ولما كفر أصحاب عيسى ﵇ بعد المائدة قال عيسى ﵇: اللهم عذب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل، ما فيهم امرأة ولا صبيّ.
(ذلِكَ بِما عَصَوْا) أي: لم يكن ذلك اللعن الشنيع الذي كان سبب المسخ، إلا لأجل المعصية والاعتداء، لا لشيءٍ آخر، ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله: (كانُوا لا يَتَناهَوْنَ) لا ينهى بعضهم بعضاً (عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ). ثم قال: (لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) للتعجيب من سوء فعلهم مؤكداً لذلك بالقسم. فيا حسرةً على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير وقلة عبثهم به، كأنه ليس من ملة الإسلام في شيءٍ مع ما يتلون من كلام اللَّه وما فيه من المبالغات في هذا الباب.
فإن قلت: كيف وقع ترك التناهى عن المنكر تفسيراً للمعصية والاعتداء؟ قلت:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلا لأجل المعصية [والاعتداء] لا لشيء آخر). الحصر مستفاد من إيقاع اسم الإشارة استئنافاً والجار والمجرور خبراً له بعد إثبات اللعن والطرد لهم على المبالغة، كأن السامع لما وقف على ما فُعل بهم من اللعن والطرد على لسان نبيين معظمين، استعظم ذلك وتوهم أن له أسباباً شتى فقال: ما سبب ذلك الأمر الفظيع والخطب الهائل؟ فقيل: ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم، وهو عدم التناهي عن المناكير.
قوله: (وقلة عبثهم به) أي: عدم مبالاتهم، ما عبثت بفلان؛ أي: ما باليت به.
стр. 2322
من قبل أنّ اللَّه تعالى أمر بالتناهى، فكان الإخلال به معصية وهو اعتداء، لأنّ في التناهى حسبما للفساد فكان تركه على عكسه.
فإن قلت: ما معنى وصف المنكر بـ (فعلوه) ولا يكون النهى بعد الفعل؟ قلت: معناه لا يتناهون عن منكر فعلوه، أو عن مثل منكرٍ فعلوه، أو عن منكرٍ أرادوا فعله، كما ترى أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوّى وتهيأ فتنكر، ويجوز أن يراد: لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكرٍ فعلوه، بل يصبرون عليه ويداومون على فعله، ........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما معنى وصف المنكر بـ ﴿فَعَلُوهُ﴾؟ ) يعني: لا يصح أن يكون ﴿فَعَلُوهُ﴾ صفة لـ ﴿مُنكَرِ﴾؛ لأن التناهي عن منكر قد سبق ومضى محال.
قوله: (معناه: لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه). قال صاحب "الانتصاف": وفي توبيخهم إشعار بأنهم فعلوا المنكر، وبأنهم لم ينهوا عن أمثاله في المستقبل، ولولا زيادة ﴿فَعَلُوهُ﴾ لما صرح بوقوعها منهم، ودلت الآية على أن متعلق النهي فعل ضد المنهي عنه؛ لأنه عبر عن ترك التناهي بقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، فسماه بقوله: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ﴾، إلى قوله: ﴿يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣]، وهو أبلغ؛ لأن الصنع أبلغ. ثم كلامه.
ويجوز أن يجري ﴿لا يَتَنَاهَوْنَ﴾ على حكاية الحال الماضية لاكتنافه بالماضيين، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ﴾ [فاطر: ٩]؛ تصويراً لتناهيهم في التواني عن التناهي عنالأفعال الشنيعة، وهي تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لينزجر السامع عن ارتكاب مثلها.
قوله: (ويجوز أن يُراد) عطف على معنى قوله: "لا ينهى بعضهم بعضاً"، فوضع يتفاعلون
стр. 2323
يقال: تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه.
(تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ): هم منافقو أهل الكتاب، كانوا يوالون المشركين ويصافونهم. (أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) هو المخصوص بالذمّ، ومحله الرفع، كأنه قيل: لبئس زادهم إلى الآخرة سخط اللَّه عليهم. والمعنى: موجب سخط اللَّه (وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ) إيماناً خالصاً غير نفاق ما اتخذوا المشركين (أَوْلِياءَ) يعني: إنّ موالاة المشركين كفى بها دليلاً على نفاقهم، وإنّ إيمانهم ليس بإيمانٍ. (وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ): متمرّدون في كفرهم ونفاقهم. وقيل معناه: ولو كانوا يؤمنون باللَّه وموسى كما يدّعون، ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم المسلمون.
[(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ* وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ* وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ* فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) ٨٢ - ٨٦].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
موضع يفعلون للمبالغة، كما سبق في ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾، كأنهم كانوا في ارتكابهم المناكير مع دواعيهم وآرائهم بمنزلة الأمر الراكب، وإلى المبالغة أشار بقوله: "بل يصبرون ويداومون".
قوله: (وقيل: معناه: ولو كانوا يؤمنون بالله وموسى): عطف على قوله: " ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ﴾ إيماناً خالصاً"، والمراد بـ "النبي": محمد ﷺ ، وبـ"ما أنزل": القرآن، وعلى هذا المراد بـ "النبي": موسى، وبـ "ما أنزل": التوراة.
стр. 2324
وصف اللَّه شدّة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق ولين عريكة النصارى وسهولة ارعوائهم وميلهم إلى الإسلام، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدّة العداوة للمؤمنين، بل نبه على تقدّم قدمهم فيها بتقديمهم على الذين أشركوا، وكذلك فعل في قوله (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) [البقرة: ٩٦]، ولعمري إنهم لكذلك وأشدّ. وعن النبىّ ﷺ «ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله».
وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودّتهم للمؤمنين (بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً) أي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾). وقلت: وفي وضع ﴿مَا﴾ الموصولة مع صلتها موضع "النصارى"؛ لأنه في مقابلة ذكر اليهود تتميم لذلك المعنى. فإن قلت: أي فرق بين هذا المعنى في هذا المقام وبينه في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٤]؟ قلت: ولا ارتياب أن المعاني تتفاوت بحسب تفاوت المقامات، فإن مقام المدح يقتضي أن يفسر بما ينبئ عن المدح وبالعكس، ولما كان ذلك المقام مقام نقض الميثاق، كان المعنى على التعبير والتأنيب، وأني قال: من الذين ادعوا على أنفسهم هذا الوصف الفاضل: أخذنا ميثاقهم فنسوا، وقد ذكرنا أن نسبة النسيان إليهم ونقص الميثاق إلى اليهود مراعاة لهذا المعنى، وهو سهولة مأخذهم وشدة شكيمة اليهود، ولكن في قول المصنف في ذلك المقام: "إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله" تسامح لما كان ينبغي له أن يقول: إنما حكى الله تعالى قولهم ذلك تعبيراً لهم وتذكيراً لما نسبوا إلى أنفسهم ثم نسوه، قال صاحب "الانتصاف": إنما قال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ تعريضاً لشدة ضلالة اليهود في الكفر إذ قيل لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ الآية [المائدة: ٢١]، فقالوا: اذهب أنت
стр. 2325
علماء وعباداً (وَأَنَّهُمْ) قومٌ فيهم تواضع واستكانةٌ، ولا كبر فيهم، واليهود على خلاف ذلك. وفيه دليل بين على أنّ التعلم أنفع شيءٍ وأهداه إلى الخير، وأدله على الفوز حتى علم القسيسين، وكذلك غم الآخرة والتحدّث بالعاقبة، وإن كان في راهبٍ، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني، ووصفهم اللَّه برقة القلوب وأنهم يبكون عند استماع القرآن، وذلك نحو ما يحكى عن النجاشيّ ﵁ أنه قال لجعفر بن أبي طالب - حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وربك، وقالت النصارى: نحن أنصار الله، وأما التي مرت ﴿وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ١٤] فللتنبيه على أنهم ما وفوا بما عاهدوا عليه، وها هنا لبيان أنهم أقرب حالاً من اليهود.
قوله: (﴿وَأَنَّهُمْ﴾ قوم فيهم تواضع واستكانة ولا كبر فيهم) تفسير لقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، وكان من الظاهر أن يُقال: بأن بعضهم قسيسين ورهباناً وكلهم متواضعون، فعدل إلى ما عليه التلاوة من إعادة "أن" والإتيان بالمضارع لمزيد التحقيق والدلالة على الاستمرار، وأنهم قوم عادتهم التواضع، نحو: فلان يقري الضيف.
قوله: (وكذلك غم الآخرة) عطف على "أن العلم"، "والبراءة من الكبر"عطف على "غم الآخرة"، وذلك وصف لـ ﴿قِسِّيسِينَ﴾، وذاك لـ "رهبانا"، وهذا لعامتهم، أي: فيه دليل بين على أن العلم وغم الآخرة والبراءة من الكبر أنفع شيء وأهداه إلى الخير وأدله علىلفوز.
قوله: (ما يحكى عن النجاشي) ستجيء قصته مع جعفر بن أبي طالب ﵄ في سورة التوبة عند قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠].
стр. 2326
والمشركون وهم يغرونه عليهم ويتطلبون عنتهم عنده -: هل في كتابكم ذكر مريم؟ قال جعفر: فيه سورة تنسب إليها، فقرأها إلى قوله: (ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) [مريم: ٣٤] وقرأ سورة طه إلى قوله: (وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى) [طه: ٩] فبكى النجاشي، وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول اللَّه ﷺ وهم سبعون رجلاً حين قرأ عليهم رسول اللَّه ﷺ سورة يس، فبكوا.
فإن قلت: بم تعلقت اللام في قوله: (لِلَّذِينَ آمَنُوا)؟ قلت: بـ (عداوة) و (مودّة) على أنّ عداوة اليهود التي اختصت المؤمنين أشدّ العداوات وأظهرها، وأن مودّة النصارى التي اختصت المؤمنين أقرب المودّات، وأدناها وجوداً، وأسهلها حصولاً. ووصف اليهود بالعداوة والنصارى بالمودّة مما يؤذن بالتفاوت، ثم وصف العداوة والمودّة بالأشدّ والأقرب.
فإن قلت: ما معنى قوله: (تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ)؟ قلت: معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، وهو من إقامة
المسبب مقام السبب، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها، أي: تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك: دمعت عينه دمعاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثم وصف العداوة والمودة بالأشد والأقرب) يريد أن هذا الوصف تتميم لذلك المعنى، على أن "أقرب" محمول على قرب الحال لا التفضيل؛ لأن اليهود ليسوا من المودة في شيء.
قوله: (أو قصدت المبالغة) هذا يوهم أن الوجه الأول ليس فيه مبالغة، وكيف به وإنه من المجاز المرسل؟ لكن مراده أن الثاني أبلغ؛ لأنه من الإسناد المجازي، من قولك: نهر جار وطريق سائر. الانتصاف: هذه العبارة أبلغ العبارات، فأولها: فاض دمع عينه، وهو الأصل،
стр. 2327
فإن قلت: أي: فرق بين "مِن" و"مِن" في قوله (مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ)؟ قلت: الأولى: لابتداء الغاية على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، وكان من أجله وبسببه، والثانية: لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا. وتحتمل معنى التبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق، فأبكاهم وبلغ منهم، فكيف إذا عرفوه كله وقرءوا القرآن وأحاطوا بالسنة؟
وقرئ (ترى أعينهم) على البناء للمفعول.
(رَبَّنا آمَنَّا) المراد به إنشاء الإيمان، والدخول فيه. (فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ): مع أمّة محمدٍ ﷺ الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة. (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة: ١٤٣] وقالوا ذلك؛ لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك.
(وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ): إنكارٌ استبعادٌ لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام اللَّه عليهم بصحبة الصالحين: وقيل: لما رجعوا إلى قومهم لاموهم فأجابوهم بذلك، أو أرادوا: وما لنا لا نؤمن باللَّه وحده لأنهم كانوا مثلثين، .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والثانية: المحولة: فاضت عينه دمعاً، حول الفاعل تمييزاً مبالغة، والثالثة: فاضت عينه من الدمع فلم ينبه على الأصل كما في الثانية، بل أبزر به تعليلاً، وهذا أبلغ؛ لأن التمييز قد اطرد وضعه في هذا الباب موضع الفاعل، نحو: تصبب زيد عرقاً، واشتعل الرأس شيباً، وتفجرت الأرض عيوناً، والتعليل لم يعهد فيه ذلك، فيجوز: فاضت عينه من ذكر الله، كما تقول: فاضت من الدمع، وقد نبه المصنف بقوله: "من أجله وبسببه" على أن من الابتدائية سببيه.
قوله: (وقيل: لما رجعوا). الضمير للوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ من عند النجاشي.
стр. 2328
وذلك ليس بإيمانٍ باللَّه، ومحل (لا نُؤْمِنُ) النصب على الحال، بمعنى: غير مؤمنين، كقولك مالك قائماً، والواو في (وَنَطْمَعُ) واو الحال. فإن قلت: ما العامل في الحال الأولى والثانية؟ قلت: العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل، كأنه قيل: أي: شيء حصل لنا غير مؤمنين، وفي الثانية معنى هذا الفعل، ولكن مقيداً بالحال الأولى لأنك لو أزلتها وقلت: وما لنا ونطمع، لم يكن كلاماً، ويجوز أن يكون (وَنَطْمَعُ) حالاً من (لا نؤمن)، على أنهم أنكروا على نفوسهم أنهم لا يوحدون اللَّه، ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين، وأن يكون معطوفاً على (لا نؤمن) على معنى: وما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصالحين، أو على معنى:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والواو في ﴿وَنَطْمَعُ﴾ واو الحال)، أي: ونحن نطمع؛ لأن المضارع المثبت لا يحتاج إليها.
قوله: (مقيداً بالحال الأولى) فيعود المعنى: أي شيء حصل لنا غير مؤمنين طامعين؟ أي: لِمَ لم نكن مؤمنين طامعين؟ وهو موافق للوجه الثاني في العطف كما سيأتي، وهو لـ "ما لنا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام".
قوله: (ويجوز أن يكون ﴿وَنَطْمَعُ﴾ حالاً من ﴿لاَّ نُؤْمِنَ﴾)، فعلى هذا الوجه يكونان حالين متداخلتين كما كانتا على الأول مترادفتين، والمعنى: أي شيء حصل لنا غير مؤمنين في حال الطمع؟ وتحريره: ما لنا لا نوحد الله ونطمع مع ذلك مصاحبة الصالحين.
قوله: (وما لنا نجمع بين التثليث) إلى آخره، أي: أي شيء لنا نجمع بين عدم الإيمان والطمع؟ أو: لم لا نجمع بين الإيمان والطمع؟ قال صاحب "التقريب": فعلى الأول ورد المع على النفي، وعلى الثاني ورد النفي على الجمع.
стр. 2329
وما لنا لا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام، لأن الكافر ما ينبغي له أن يطمع في صحبة الصالحين.
قرأ الحسن: (فآتاهم اللَّه).
(بِما قالُوا): بما تكلموا به عن اعتقاد وإخلاص، من قولك: هذا قول فلان، أي: اعتقاده وما يذهب إليه.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ)].
(طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ): ما طاب ولذ من الحلال، ومعنى (لا تُحَرِّمُوا): لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم، أو لا تقولوا: حرّمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً. وروي أنّ رسول اللَّه ﷺ وصف القيامة لأصحابه يوماً فبالغ وأشبع الكلام في الإنذار،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن الكافر لا ينبغي له أن يطمع) تعليل لقوله: "لا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام"، ويمكن أن ينزل على الوجوه بأسرها.
قوله: (وتقشفا)، النهاية: التقشف: يبس العيش، وقد قشف يقشف، ورجل متقشف أي: تارك للنظافة والترفه.
قوله: (وروى أن رسول الله ﷺ وصف القيامة) إلى آخره، نحوه روينا عن البخاري ومسلم، عن أنس، قال: سمع رسول الله ﷺ أن نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، قال: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ ولكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن
стр. 2330
فرقوا واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون، واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين، وأن لا يناموا على الفُرُش، ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويرفضوا الدنيا ويلبسوا المسوح ويسيحوا في الأرض، ويجبوا مذاكيرهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رغب عن سنتي فليس مني"، وأما قوله: "إن لأنفسكم عليكم حقاً" فروى أحمد بن حنبل وأبو داود والدارمي، عن عائشة ﵂؛ قال رسول الله ﷺ لعثمان بن مظعون في حديث طويل: "إن لأهلك عليك حقاً، وإن لضيفك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، فصُم وأفطر، وصل ونم".
قوله: (في بيت عثمان بن مظعون)، قال صاحب "الجامع": هو أبو السائب عثمان بن مظعون الجمحي القرشي، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً، وكان حرم الخمر في الجاهلية، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة على رأس ثلاثين شهراً من الهجرة، وقيل: بعد اثنين وعشرين شهراً، وقبل النبي ﷺ وجهه بعد موته، ولما دفن قال: "نعم السلف هو لنا"، ودفن بالبقيع.
قوله: (المسوح)، الجوهري: المسح: البلاس، والجمع أمساح ومسوح.
والمذاكير: جمع الذكر على غير قياس، كأنهم فرقوا بين الذكر الذي هو العضو في الجمع وبين الذكر الذي هو خلاف الأنثى.
стр. 2331
فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال لهم: "إني لم أؤمر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" ونزلت.
وروي أنّ رسول اللَّه ﷺ كان يأكل الدجاج والفالوذ. وكان يعجبه الحلواء والعسل، وقال: «إن المؤمن حلو يحب الحلاوة»، وعن ابن مسعود أن رجلا قال له: إنى حرمت الفراش فتلا هذه الآية، وقال: نَمْ على فراشك وكفر عن يمينك. وعن الحسن: أنه دُعي إلى طعام ومعه فرقد السبخي وأصحابه، فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذ وغير ذلك، فاعتزل فرقد ناحيةً، فسأل الحسن: أهو صائمٌ؟ قالوا: لا، ولكنه يكره هذه الألوان، فأقبل الحسن عليه وقال: يا فريقد، أترى لعاب النحل بلباب البرّ، بخالص السمن يعيبه مسلمٌ؟ ! وعنه: أنه قيل له: فلانٌ لا يأكل الفالوذ ويقول: لا أؤدّي شكره، قال: أفيشرب الماء البارد؟ قالوا: نعم. قال: إنه جاهلٌ، إن نعمة اللَّه عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذ. وعنه: إن اللَّه تعالى أدّب عباده فأحسن أدبهم. قال اللَّه تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) [الطلاق: ٧] ما عاب اللَّه قوماً وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا، ولا عذر قوماً زواها عنهم فعصوه.
(وَلا تَعْتَدُوا): ولا تتعدوا حدود ما أحل اللَّه لكم إلى ما حرّم عليكم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكان يعجبه الحلواء والعسل)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل.
قوله: (ولا تتعدوا). اعلم أن "لا تعتدوا" إما من المجاوزة، وإما من الظلم، قال الجوهري: التعدي: مجاوزة الشيء إلى غيره، يقال: عديته فتعدى، أي: تجاوز، وعدا عليه: من الظلم،
стр. 2332
أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات، أو جعل تحريم الطيبات اعتداء وظلماً، فنهى عن الاعتداء ليدخل تحته النهى عن تحريمها دخولاً أولياً لوروده على عقبه، أو أراد: ولا تعتدوا بذلك (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) أي: من الوجوه الطيبة التي تسمى رزقاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعدو عداء واعتدى عليه بمعنى، فعلى الأول فيه وجهان، أحدهما: لا تجاوزوا حدود ما عين الله لكم، يعني: من أحل الله له تناول الطيبات ينبغي أن يكون في حيزه، فإذا تجاوز عنه وقع في حيز ما حرمه عليه، كذا فسر قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ في البقرة [الآية: ٢٢٩]، وقال: "من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق، فنهي أن يتعداه؛ لأن من تعداه وقع في حيز الباطل"، وثانيهما: لا تسرفوا؛ لأن الإسراف أيضاً تجاوز الحد، والمعنى ظاهر، وعلى أن يكون بمعنى الظلم فيه وجهان أيضاً: ألا يقدر للاعتداء متعلق ليكون مطلقاً فيتناول جميع ما يسمى اعتداء، ويدخل فيه هذا الاعتداء الخاص دخولاً أولياً لوروده عقيبه، وثانيهما: أن يُقدر ما يُنبئ عنه السياق، وإليه الإشارة بقوله: "ولا تعتدوا بذلك" أي: بتحريم الطيبات.
قوله: (التي تسمى رزقاً)، يعني الحلال، فإن الحرام لا يسمى رزقاً عنده، قال القاضي: ﴿حَلالاً﴾ إما مفعول "كلوا"؛ و ﴿مما﴾: حال منه تقدمت عليه، أو: حال من الموصول، أو: صفة لمصدر محذوف، وعلى الوجوه: لو م يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة زائدة.
الراغب: الرزق: يقال لما يجعل غذاء، ويقال للعطية جميعاً، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] أي: ما تتغذى به، وقال تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] أي: ما أعطيناهم، قال بعضهم: هذه الآية تقتضي أن الرزق يقع على الحرام
стр. 2333
(حَلالًا): حالٌ مما رزقكم اللَّه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أيضاً؛ لأنه خص فقال: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً﴾، فلولا أنه يتناولهما لما كان لتخصيصه فائدة، وقال مخالفه: ﴿حَلالاً طَيِّباً﴾، انتصابه على أنه حال مؤكدة، كأنه قيل: كلوا مما رزقكم الله وهو حلال طيب.
قوله: (﴿حَلالاً﴾: حال مما رزقكم الله)، وقال في البقرة [الآية: ١٦٨]: " ﴿حَلالاً﴾: مفعول ﴿كَّلُوا﴾، أو حال ﴿مِمَّا فِي الأَرْضِ﴾ "، لعل اختصاص الحال بهذا المقام دون ذلك المقام؛ لأن الخطاب هنالك عام يدل عليه مجيء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] بعده، وهاهنا خاص بالمؤمنين الذين ضيقوا على أنفسهم وتحرجوا من الحلال، فاقتضى لذلك حالاً مؤكدة، ولهذا أكد بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وبقوله: ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.
وقلت: الأولى ما قاله أبو البقاء: أن ﴿حَلالاً﴾: صفة مصدر محذوف، أي: أكلا حلالا، ليكون توسعة في الكل ورفعاً للتضييق، سيما إذا اعتبر معنى ﴿طَيِّباً﴾ معه، وذلك أن ورود هذا الأمر عقيب النهي عن التحريم للطيبات والتشديد فيه بقوله: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ يقتضي ما يقابله من التوسعة.
وبيان النظم ما أشار إليه الراغب، قال: لما ذكر حال الذين قالوا: إنا نصارى، ذكر أن منهم قسيسين ورهبانا، فمدحهم بذلك، وكانت الرهبانية قد حرموا على أنفسهم طيبات ما أحل الله لهم، ورأى الله قوماً تشوفوا إلى حالهم وهموا أن يقتدوا بهم، نهاهم عن ذلك، وقوله
стр. 2334
(وَاتَّقُوا اللَّهَ): تأكيدٌ للتوصية بما أمر به، وزاده تأكيداً بقوله: (الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ)، لأنّ الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر وعما نهى عنه.
[(لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ٨٩].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ يجوز أن يكون حكماً لما دل عليه قوله: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ إلى تناول المحظورات، وأن يكون نهياً عن الطرفين في التفريط والإفراط وحملاً على القصد، فإن قيل: لَِم لم يقل: والله يبغض المعتدين، ليكون أبلغ؟ قيل: بل المذكور أبلغ؛ لأن من المعتدين من لا يوصف بأن الله يبغضه ويوصف بأن الله لا يحبه، وهو من لم يكن اعتداؤه كبيراً.
قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: تأكيد للتوصية بما أمر به)؛ لأن الأمر بالتقوى أمر بالامتثال بجميع ما يجب أن يأتمر به المكلف ونهي عن جميع ما يجب أن يحترز منه، فمنه الأمر بأكل الحلال، أو ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ذلك ما سبق في ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾، ولأنه مثله في الإطلاق والتقييد، وكذا في ترتب هذا الحكم على قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ مزيد توكيد لذلك الأمر، يعني: اختصاص الله بإيمانكم يوجب الامتثال بما أمر به والانتهاء عما نهى عنهن ومن جملتها هذا المأمور، وإنما قدرنا الانتهاء ثانياً ولم يقدر المصنف، بل عدى الانتهاء الواحد تارة بـ"إلى"، وأخرى بـ"عن" صورة، ومراده بالثاني غير الأول؛ لأن الأول بمعنى الإفضاء، والثاني مطاوع نهاه فانتهى، فلابد من إضمار؛ لأنه ليس من قبيل: شهد لزيد على عمرو، ورغب عنه إليه، بل من باب قوله:
стр. 2335
اللغو في اليمين: الساقط الذي لا يتعلق به حكم: واختلف فيه، فعن عائشة ﵂ أنها سئلت عنه فقالت: هو قول الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه، وهو مذهب الشافعي.
وعن مجاهد: هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك، وليس كما ظن، وهو مذهب أبي حنيفة ﵀.
و(بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ): بتعقيدكم الأيمان، وهو توثيقها بالقصد والنية.
وروي أن الحسن ﵁ سئل عن لغو اليمين، وكان عنده الفرزدق فقال: يا أبا سعيد، دعني أجب عنك فقال:
وَلَسْتُ بِمَاخُوذٍ بِلَغوٍ تَقُولُهُ … إذَا لَمْ تَعَمَّدْ عَاقِدَاتِ الْعَزَائِمِ
وقرئ: (عقدتم) بالتخفيف، و (عاقدتم)، والمعنى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم، فحذف وقت المؤاخذة؛ لأنه كان معلوماً عندهم، أو بنكث ما عقدتم، فحذف المضاف. (فَكَفَّارَتُهُ): فكفارة نكثه، ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
متقلداً سيفاً ورمحا
قوله: ("عقدتم"، بالتخفيف): حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم: بالتخفيف، وابن عامر: "عاقدتم"، وهو من فاعل بمعنى فَعَل.
قوله: (فكفارة نكثه) يجوز أن يكون الضمير منه عائداً إلى العقد المدلول عليه بالفعل المتقدم، ويجوز أن يعود إلى الأيمان، قال صاحب "الكشف": ولم يقل: فكفارتها؛ لأن أفعالاً
стр. 2336
والكفارة: الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة؛ أي: تسترها.
(مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ): من أقصده، لأنّ منهم من يسرف في إطعام أهله، ومنهم من يقتر. وهو عند أبي حنيفة ﵀ نصف صاعٍ من برّ، أو صاعٌ من غيره لكل مسكينٍ، أو يغديهم ويعشيهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن كان جمعاً فهو في حم المفرد، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦]، وقال المصنف في سورة النحل: ذكر سيبويه الأنعام في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال، كقولهم: ثوب أكياس، ولذلك رجع الضمير إليه مفرداً، وأما في ﴿فِي بُطُونِهَا﴾ في سورة المؤمنين فلأن معناه الجمع.
قوله: (﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾: من أقصده؛ لأن منهم من يُسرف … ، ومنهم من يُقتر)، الأساس: من المجاز: قصد في معيشته واقتصد، وقصد في المر: إذا لم يجاوز فيه الحد ورضي بالتوسط، وهو يحتمل أن يكون بياناً للنوع كما روى محيي السنة، عن عبيدة السلماني: الأوسط: الخبز والخل، والأعلى: الخبز واللحم، والأدنى: الخبز البحت، والكل مجز، أو للمقدار، كما قال القاضي: من أقصده في النوع أو القدر معاً، والذي ذكره المصنف: "وهو عند أبي حنيفة نصف صاع من بر، أو صاع من غيره" جامع لهما؛ لأن المراد من قوله: "من بُر أو غيره" بيان النوع، ومن قوله: "نصف صاع أو صاع" بيان المقدار، وهو القصد أيضاً.
стр. 2337
وعند الشافعي ﵀: مدّ لكل مسكينٍ. وقرأ جعفر بن محمدٍ: (أهاليكم) بسكون الياء. والأهالي: اسم جمعٍ لأهل: كالليالي في جمع ليلةٍ، والأراضي في جمع أرضٍ. وقولهم: (أهلون) كقولهم: (أرضون) بسكون الراء. وأما تسكين الياء في حال النصب فللتخفيف كما قالوا: رأيت معدي كرب تشبيهاً للياء بالألف.
(أَوْ كِسْوَتُهُمْ): عطفٌ على محل (مِنْ أَوْسَطِ). وقرئ: بضم الكاف، ونحوه: قدوةٌ في: قدوةٍ، .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله (﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾: عطف على محل ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾)، ونقل في الحواشي عن المصنف: وجهه أن يكون ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾: بدلاً من "الإطعام"، والبدل هو المقصود، ولذلك كان المبدل منه في حكم المنحى، فكأنه قيل: فكفارته من أوسط ما تطعمون.
وقال القاضي: محله النصب؛ لأنه صفة مفعول محذوف، أي: إن تطعموا عشرة مساكين طعاماً من أوسط ما تطعمون، أو الرفع على البدل من ﴿إِطْعَامُ﴾، ﴿َوْ كِسْوَتُهُمْ﴾: عطف على ﴿إِطْعَامُ﴾ أو على ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ إن جعل بدلاً.
وقال صاحب "التقريب": قول صاحب "الكشاف": إنما يصح إذا كان محله مرفوعاً إما بدلاً من ﴿إِطْعَامُ﴾ على حذف موصوف، أي: إطعام من أوسط، أو خبر مبتدأ محذوف، أو خبراً بعد خبر، والأظهر أن ﴿كِسْوَتُهُمْ﴾: عطف على ﴿إِطْعَامُ﴾؛ لأن المشهور التخيير بين الخصال الثلاث وعدوا الكسوة منها، و ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾: إما منصوب على صفة المصدر المقدر، أي: إطعاماً من أوسط، أو على المفعول بإضمار: أعني، أو على المفعول الثاني لـ ﴿إِطْعَامُ﴾، أي: أن تُطعمهم من الأوسط، أو مرفوع كما سبق، ولعله إنما عدل عن الأظهر لأن الكسوة اسم ظاهر لا مصدر.
стр. 2338
وأسوة في: إسوة، والكسوة: ثوبٌ يغطى العورة. وعن ابن عباس ﵄: كانت العباءة تجزئ يومئذٍ. وعن ابن عمر ﵄: إزارٌ، أو قميصٌ، أو رداءٌ، أو كساءٌ. وعن مجاهدٍ: ثوبٌ جامعٌ. وعن الحسن: ثوبان أبيضان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الراغب: والكساء والكسوة: اللباس، فلا يليق عطفه على المصدر، أو لأدائه إلى ترك ذكر كيفية الكسوة، وهو كونها أوسط، ويمكن أن يجاب عن الأول بأن الكسوة إما مصدر، قال الزجاج في "تفسيره": والكسوة: أن يكسوهم نحو إزاره، أو يضمر مصدراً نحو: وإلباس الكسوة، وعلى الثاني بأن يقدر: أو كسوتهم من أوسط ما تكسون، فحذف لقرينة ذكرها في المعطوف عليه، أو بأن تُترك على إطلاقها إما بإرادة إطلاقها أو بإحالة بيانها إلى غيره، أي: غرما ذكر، وأيضاً، العطف على محل ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ لا يفيد هذا المقصود، وهو تقدير الأوسط في الكسوة، فالإلزام مشترك ويؤدي إلى صحة إقامته مقام المعطوف عليه، وهو غير سديد، تم كلام صاحب "التقريب".
ويُمكن أن يقال: إنما يصار إلى البلد إذا اعتبر معنى المبدل، على نحو: زيد رأيت غلامه رجلاً صالحاً، لا أن يُنحى معناه كما في الحواشي، ولأن أهل المعاني يعتبرون معنى المبدل وجوباً، والنحوي يقول: إن البدل ليس في حكم المنحى من جميع الوجوه، وكذا يوجبون ضمير المبدل في بدل البعض والاشتمال، فالتقدير: فكفارته إطعام من أوسط ما تطعمون أهليكم لعشرة مساكين أو كسوة عشرة مساكين من أوسط ما تكسون أهليكم، هذا وإن المصير إلى البدل يورث الكلام إبهاماً وتبيناً وتوكيداً وتقريراً بخلافه إذا خلا عنه.
قوله: (وأسوة في: إسوة)، النهاية: الأسوة، بكسر الهمزة وضمها: القدوة، والمواساة: المشاركة والمساهمة في المعاش.
стр. 2339
وقرأ سعيد بن المسيب واليماني: (أو كأسوتهم) بمعنى: أو مثل ما تطعمون أهليكم إسرافاً كان أو تقتيراً لا تنقصونهم عن مقدار نفقتهم، ولكن تواسون بينهم وبينهم.
فإن قلت: ما محل الكاف؟ قلت: الرفع، تقديره: أو طعامهم كأسوتهم، بمعنى: كمثل طعامهم إن لم يطعموهم الأوسط.
(أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ): شرط الشافعي ﵀ الإيمان قياساً على كفارة القتل، وأما أبو حنيفة وأصحابه فقد جوّزوا تحرير الرقبة الكافرة في كل كفارة سوى كفارة القتل.
فإن قلت: ما معنى (أو)؟ قلت: التخيير وإيجاب إحدى الكفارات الثلاث على الإطلاق، بأيتها أخذ المكفر فقد أصاب.
(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) إحداها (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) متتابعاتٍ عند أبي حنيفة ﵀، تمسكاً بقراءة أُبيّ وابن مسعود ﵄ "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، وعن مجاهد: كل صوم متتابع إلا قضاء رمضان ويخير في كفارة اليمين. (ذلِكَ) المذكور (كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ) ولو قيل: تلك كفارة أيمانكم، لكان صحيحاً بمعنى تلك الأشياء، أو لتأنيث الكفارة. والمعنى: (إِذا حَلَفْتُمْ) وحنثتم. فترك ذكر الحنث لوقوع العلم بأنّ الكفارة إنما تجب بالحنث في الحلف، لا بنفس الحلف، والتكفير قبل الحنث لا يجوز عند أبى حنيفة وأصحابه ويجوز عند الشافعي بالمال إذا لم يعص الحانث.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والتكفير قبل الحنث لا يجوز عند أبي حنيفة … ، ويجوز عند الشافعي بالمال إذا لم يعص الحانث)، أي: بالحنث، كما إذا حلف أن يترك الصلاة، قال الإمام: الآية دلت على أن كل واحد من هذه الأشياء كفارة لليمين عند وجود الحلف، فإذا أداها قبل الحنث أو بعده
стр. 2340
(وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ): فبروا فيها ولا تحنثوا أراد الأيمان التي الحنث فيها معصيةٌ، لأن الأيمان اسم جنسٍ يجوز إطلاقه على بعض الجنس وعلى كله. وقيل: احفظوها بأن تكفروها. وقيل: احفظوها كيف حلفتم بها، ولا تنسوها تهاونا بها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجب أن يخرج عن العهدة. نعم، فيها أن تقديم الكفارة على اليمين غير جائز، ويؤيد هذا ما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي، عن أبي موسى: أن النبي ﷺ قال: "إني والله - إن شاء الله- لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير".
قوله: (لأن الأيمان اسم جنس) تعليل لقوله: "أراد الأيمان التي الحنث فيها معصية"، يعني: لما قيد المطلق بقوله: ﴿وَاحْفَظُوا﴾ علم خصوصية الأيمان، وأن المراد بها ما الحنث فيها معصية، وذلك ما يلزم من الحنث فيها تحليل حرام الله أو تحريم حلاله. واعلم أن حفظ الأيمان هو مراعاة حقها وتعظيم شأنها، فيتفرع عليها جميع ما ذكر، قال القاضي: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾: بأن تضنوا بها ولا تبذلوها لكل أمر، وقالوا: معنى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾: أمر بترك اليمين بالكلية، وقال الشاعر:
قليل الألايا حافظ ليمينه … وإن بدرت منه الألية برت
الراغب: وجملة الأمر: أن الإنسان مندوب إلى أن لا يحلف، ومتى حلف على ألا يفعل فعلاً يجب أو يستحب أن يفعل فحقه ألا يحنث، ومتى حلف على ما يجب ألا يفعل أو يستحب
стр. 2341
(كَذلِكَ): مثل ذلك البيان (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ): أعلام شريعته وأحكامه (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)].
أكد تحريم الخمر والميسر وجوها من التأكيد منها تصدير الجملة بـ (إنما)، ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام، ومنه: قوله ﵊:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فحقه أن يحنث في يمينه ويكفر، ومتى حلف على ما يستوي فعله وتركه فإن شاء حنث وكفر، وإن شاء حفظ اليمين.
قوله: (ويسهل عليكم المخرج منه) قيل: الضمير المجرور عائد إلى ما هو عبارة عن الحنث، وقوله: "فما يعلمكم" تقييد لمفعول ﴿تَشْكُرُونَ﴾ به، والظاهر أنه مطلق النعمة، وتقييده إنما يُعلم من مفهوم قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾؛ لأن هذه الخاتمة كالتذييل للكلام السابق، أي: تشكرون نعمة بياناته الشافية في أمور دينكم.
قوله: (أكد تحريم الخمر والميسر وجوهاً) نصب على المصدر، نحو: ضربت أنواعاً.
قوله: (ومنه قوله ﷺ أي: من باب قران الخمر بعبادة الأصنام، وليس بوجه آخر.
стр. 2342
«شارب الخمر كعابد الوثن»، ومنها: أنه جعلهما رجساً، كما قال تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ) [الحج: ٣٠]، ومنها: أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت، ومنها: أنه أمر بالاجتناب، ومنها: أنه جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحاً كان الارتكاب خيبةً ومحقةً، ومنها: أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض من أصحاب الخمر والقمر، وما يؤدّيان إليه من الصدّ عن ذكر اللَّه، وعن مراعاة أوقات الصلاة.
وقوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) من أبلغ ما ينهى به، كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون؟ أم أنتم على ما كنتم عليه، كأن لم توعظوا ولم تزجروا.
فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: (فَاجْتَنِبُوهُ)؟ قلت:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أنه جعلهما رجساً)، الراغب: النجس والرجس متقاربان، لكن النجس يقال فيما يستقذر بالطبع، والرجز والرجس أكثر ما يقال فيما يستقذر بالعقل، ولهذا فسر بالإثم والسخط.
قوله: (من الصد عن ذكر الله)، الراغب: إن قيل: الذي يصد عن ذكر الله هوا لشرب الكثير دون القليل، كما قال تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فيجب أن يكون هو المحرم، قيل: بل ذلك منهما، فإن القليل داعٍ إلى الكثير، وشُرب الكثير داع إلى ذلك.
стр. 2343
إلى المضاف المحذوف، كأنه قيل: إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك. ولذلك قال: (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ).
فإن قلت: لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولا ثم أفردهما آخراً؟ قلت: لأن الخطاب مع المؤمنين. وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر، وذكر الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر، وإظهار أنّ ذلك جميعاً من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، فوجب اجتنابه بأسره، وكأنه لا مباينة بين من عبد صنما وأشرك باللَّه في علم الغيب، وبين من شرب خمراً أو قامر، ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولذلك قال: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾) أي: ولأن المقدر: الشأن أو التعاطي أو ما يشبهه قال: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ليصح الحمل، قال أبو البقاء: إنما أفرد لأن التقدير: إنما فعل هذه الأشياء رجس. قال القاضي: إفراده لأنه خبر الخمر، وخبر المعطوفات محذوف، أو كأنه قال: نما تعاطي الخمر على الأول يلزم المبالغة، لأنه تعالى أمر بالاجتناب عن أعيانها، وإنما قال: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ لأنه مسبب عن تسويله وتزيينه.
قوله: (وأشرك بالله في علم الغيب)، وفي الحاشية: أنه متعلق بقوله: "لا مباينة"، أي: لا فرق بين الشرك وشرب الخمر في علم الله تعالى، التحقيق أنه متعلق بقوله: "أشرك بالله"، والمراد به الأزلام، وذكر في أول السورة: "أن الاستقسام هو: طلب ما قسم للشخص مما لم يقسم له بالأزلام"، وهو الإشراك بالله في علم الغيب، وقال أيضاً: "إن الاستقسام بالأزلام دخول في علم الغيب الذي استأثر به علام الغيوب".
стр. 2344
ثم أفردهما بالذكر ليرى أن المقصود بالذكر الخمر والميسر. وقوله: (وَعَنِ الصَّلاةِ) اختصاص للصلاة من بين الذكر كأنه قيل: وعن الصلاة خصوصاً.
[(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ)].
(وَاحْذَرُوا): وكونوا حذرين خاشين، لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثم أفردهما بالذكر): عطف على "ذكر الأنصاب والأزلام" يعني: أن الكلام إنما سيق لبيان تحريم الخمر والميسر، لا بيان النصاب والأزلام؛ لأن حرمتهما ضروري عند المسلمين، وإنما قرنهما معهما لتأكيد تحريمهما بناء على أن المعطوف عليه يكتسب من معنى المعطوف، وإليه الإشارة بقوله: "وكأنه لا مباينة بين من عبد صنماً وأشرك بالله، وبين من شرب الخمر أو قامر"، والذي يدل على أن ذكر الخمر والميسر هو الأصل، وذكر النصاب والأزلام تابع: إفراد ذكرهما بعد ذلك، وهو قوله ﴿أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾.
قوله: (اختصاص للصلاة) هذا من باب قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] من حيث الاختصاص بالذكر ومن حيث التكرير؛ لأن تكرير ﴿عن﴾ في قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ﴾ كتكرير ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾، وقال القاضي: خص الصلاة للإشعار بأن الصاد عنها كالصاد عن الإيمان من حيث إنها عماده، والفارق بينه وبين الكفر، وهو المراد من قوله: "وعن الصلاة خصوصاً".
قوله: (﴿وَاحْذَرُوا﴾: وكونوا حذرين)، اعلم أن ﴿وَاحْذَرُوا﴾ مطلق، فاعتبر فيه الوجوه الثلاثة من كون معموله غير منوي تارة، وعاماً تارة، وخاصاً أخرى، فليتأمل.
стр. 2345
إلى اتقاء كل سيئة وعمل كل حسنة. ويجوز أن يراد: واحذروا ما عليكم في الخمر والميسر، أو في ترك طاعة اللَّه والرسول. (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا) أنكم لم تضروا بتوليكم الرسول؛ لأنّ الرسول ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات، وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتم.
[(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)].
رفع الجناح عن المؤمنين في أي: شيء طعموه من مستلذات المطاعم ومشتهياتها إِذا (مَا اتَّقَوْا) ما حرم عليهم منها (وَآمَنُوا): وثبتوا على الإيمان والعمل الصالح وازدادوه (ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا) ثم ثبتوا على التقوى والإيمان (ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا) ثم ثبتوا على اتقاء المعاصي وأحسنوا أعمالهم، أو أحسنوا إلى الناس: واسوهم بما رزقهم اللَّه من الطيبات. وقيل: لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة: يا رسول اللَّه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿وَآمِنُوا﴾ وثبتوا)، وتكرير الثبات على الإيمان والتقوى مؤذن بأن التكرير في الآية ليس لتعليق ما علق بها مرة بعد أخرى على ما قررناه، بل لمجرد التأكيد، وقال القاضي: ويحتمل أن يكون هذا التكرير باعتبار الحالات الثلاث: استعمال الإنسان التقوى والإيمان بينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، وبينه وبين الله تعالى، ولذلك بدل الإيمان بالإحسان في الكرة الثالثة إشارة إلى ما قال ﷺ في تفسيره، أو باعتبار المراتب الثلاث: المبدأ والمنتهى والوسط، أو باعتبار ما يُتقى، فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقياً من العقاب، والشبهات تحرزاً عن الوقوع في الحرام، وبعض المباحات تحفظاً للنفس عن الخسة وتهذيباً لها عن دنس الطبيعة.
قوله: (وقيل: لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة): عطف على قوله: "رفع الجُناح عن
стр. 2346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المؤمنين"، وعلى الوجه الثاني الآية عامة وردت في أمر خاص، فيدخل فيه من نزلت بسببه دخولا أولياً، وعلى الأول مطلق، فيدخلون فيه كسائر الناس، وعلى التقديرين الآية مقررة لمعنى التوسعة في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٨]؛ لأن معناه: اجمعوا بين أكل الطيبات والاحتراز عن المحظورات، ومعنى هذه الآية على ما فسره المصنف "رفع الجناح عن المؤمنين في أي شيء طعموه من مستلذات المطاعم ومستهياتها إذا ما اتقوا ما حُرم عليهم"، فالمعنيات متقاربان، وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] إرشادٌ إلى طريق إزالة الحنث بما عقدوه من الأيمان على ألا يزالوا صائمين قائمين، كما أوردناه في الحديث الوارد في بيان النزول لتلك الآية، أو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، بيان للنهي عن بعض ما يجب أن ينتهي عنه، وهو الأصل في البواقي لتسميتهم الخمر بأم الخبائث، وهداية إلى بعض ما يجب أن يمتثل به، وهو أم العبادات والعمود والفارق، لقوله ﷺ : "وعمود الصلاة"، ثم كان قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية، بمنزلة قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ في البقرة [الآية: ١٧٣]، لمجيئهما عقيب تحريم الطيبات رداً لزعمهم أن المستلذات من الأطعمة منخرطة في سلك المذكورات، فقصر التحريم عليها دونها، وقد سبق تمام تقريره هناك، وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، تفصيل لما مر، إذ المعنى: ليس المطلوب من المؤمنين الزهادة عن المستلذات وتحريم الطيبات، وإنما المطلوب منهم الترقي في مدارج التقوى والإيمان إلى مرات الإخلاص واليقين ومعارج القدس والكمال،
стр. 2347
فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر فنزلت.
يعني: أن المؤمنين لا جناح عليهم في أي: شيء طعموه من المباحات إذا ما اتقوا المحارم، (ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا)، على معنى: أنّ أولئك كانوا على هذه الصفة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وذلك بأن يثبتوا على الاتقاء عن الشرك وعلى الإيمان بما يجب الإيمان به وعلى الأعمال الصالحات، لتحصل الاستقامة التامة فيتمكن بالاستقامة من الترقي إلى مرتبة المشاهدة ومعارج "أن تعبد الله كأنك تراه"، وهو المعني بقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾، وبها تُمنح الزلفى عند الله ومحبته. ﴿اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وفي هذا النظم مسحة من معنى قوله ﷺ : "ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك"، رواه الترمذي وابن ماجه.
قوله: (فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون؟ )، روينا عن الترمذي، عن البراء، قال: مات رجال من أصحاب النبي ﷺ قبل أن تُحرم الخمر، فلما حرمت، قال رجال: كيف بأصحابنا وقد ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فنزلت.
قوله: (على معنى: أن أولئك كانوا على هذه الصفة)، يعني: قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عام، وقد ورد في هذا الوجه جواباً عن سؤالهم، وكان من الظاهر أن يُقال: ليس عليهم جناح في أي شيء طعموه من المباحات إذا ما اتقوا المحارم، فعدل إلى ذكر الكلمة وبيان أوصافهم ليدل على رفع الجناح عنهم بالطريق البرهاني، وفيه أن من يكون له أمثال هذه الأوصاف الفاضلة لا جُناح عليه من المباحات، وإليه ينظر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون: ٥١] فقد جمع في المثال، وهو: "ليس على أحد جناح في المباح إذا اتقى المحارم وكان مؤمناً محسناً"، العموم والوصف.
стр. 2348
ثناءً عليهم وحمداً لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان. ومثاله أن يقال لك: هل على زيد فيما فعل جناح؟ فتقول - وقد علمت أن ذلك أمرٌ مباحٌ -: ليس على أحدٍ جناحٌ في المباح إذا اتقى المحارم، وكان مؤمناً محسناً، تريد: أن زيداً تقيّ مؤمن محسنٌ، وأنه غير مؤاخذٍ بما فعل.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ)].
نزلت عام الحديبية، ابتلاهم اللَّه بالصيد وهم محرمون، وكثر عندهم حتى كان يغشاهم في رحالهم، فيستمكنون من صيده أخذاً بأيديهم وطعناً برماحهم. (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ): ليتميز من يخاف عقاب اللَّه- وهو غائبٌ منتظرٌ في الآخرة فيتقى الصيد- ممن لا يخافه فيقدم عليه. (فَمَنِ اعْتَدى): فصاد (بَعْدَ ذلِكَ) الابتلاء، فالوعيد لاحق به.
فإن قلت: ما معنى التقليل والتصغير في قوله: (بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ)؟ قلت: قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنةٍ من الفتن العظام التي تدحض عندها أقدام الثابتين، كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، وإنما هو شبيهٌ بما ابتلي به أهل أيلة من صيد السمك، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده، فكيف شأنهم عند ما هو أشدّ منه وقرأ إبراهيم:
(يناله) بالياء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام)، الانتصاف: وردت مثل هذه الصيغة في الفتن العظيمة في قوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، بل هو إشارة إلى ما يقع به الابتلاء من هذه الأمور، فهو بعض من كل بالإضافة إلى مقدور الله تعالى، فإنه تعالى قادر على أن يبتليهم بأعظم وأهول منه ليبعثهم بذلك على الصبر، ويدل على ذلك أنه سبق الوعد به قبل حلوله لتوطين النفوس عليه، فإن المفاجأة بالشدائد شديدة الألم، وإذا فكر العاقل وجد ما صرف عنه من البلايا أثر مما وقع فيه بأضعاف لا تقف عنده غايته، فسبحان اللطيف بعباده.
стр. 2349
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ)].
(حُرُمٌ): محرمون؛ جمع حرام، كردح في جمع رداحٍ. والتعمد: أن يقتله وهو ذاكر لإحرامه، أو عالم أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فإن قتله وهو ناس لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد فإذا هو صيد، أو قصد برميه غير صيدٍ فعدل السهم عن رميته فأصاب صيدا فهو مخطئٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في جمع رداح)، الجوهري: الرداح: المرأة الثقيلة الأوراد، والجفنة العظيمة، وكتيبة راح: ثقيلة السير لكثرتها.
قوله: (أن يقتله وهو ذاكر لإحرامه أو عالم أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله)، قيل: في هذا التعريف إشكال؛ لأن الترديد يوهم أنه تعريفان مستقلان، وليس به؛ لأن قوله: "أن يقتله وهو ذاكر لإحرامه" ليس بمانع؛ لأنه إذا رمى غير صيد وأصاب صيداً وهو ذاكر لإحرامه، ينبغي أن يكون عمداً، وليس به، فإن قيل: قوله: "أن يقتله وهو ذاكر" يُراد به القصد، فلا يرد مثل هذه الصورة، يقال: مع التسليم يدخل فيه ما إذا لم يعلم أن ما قتله، ولأن الفاء في قوله: "فإن قتله وهو ناس" لتفصيل ما أُجمل في التعريف، والذي يقال في العُذر: إن "أو" هاهنا بمنزلة واو الجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً * عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ [المرسلات: ٥ - ٦] وقوله تعالى: ﴿يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ [طه: ١١٣]، قال القاضي: واختلف في هذا النهي: هل يلغى حكم الذبح فيلحق مذبوح المحرم بالميتة ومذبوح الوثني أو لا فيكون كالشاة المغصوبة إذا ذبحها الغاصب؟ ، وفي "الحاوي": ومذبوحه ميتة.
стр. 2350
فإن قلت: فمحظورات الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ، فما بال التعمد مشروطاً في الآية؟ قلت: لأن مورد الآية فيمن تعمد فقد روى أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش، فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله، فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت ولأن الأصل فعل التعمد، والخطأ لاحق به للتغليظ. ويدل عليه قوله تعالى: (لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ) (وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ).
وعن الزهري: نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ. وعن سعيد بن جبيرٍ: لا أرى في الخطأ شيئاً أخذاً باشتراط العمد في الآية. وعن الحسن روايتان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أنه عن لهم في عمرة الحديبية حمار وحش، فحمل عليه أبو اليسر)، والصحيح أبو قتادة على ما رويناه عن البخاري ومسلم ومالك والترمذي والنسائي، عن أبي قتادة، قال: كنت في منزل في طريق مكة والقوم محرمون وأنا غير محرم، عام الحديبية، فأبصروا حمار وحش وأنا مشغول، فلم يؤذنوني، فأبصرته فقمت وركبت الفرس ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني إياهما، قالوا: لا والله! فنزلت فأخذتهما، فشددت على الحمار فعقرته فوقعوا فيه يأكلونه، فأدركنا رسول الله ﷺ ، فقال: "هل معكم منه شيء منه؟ " فناولته العضد فأكلها وهو محرم … الحديث مختصر، وما وجدت حديث أبي اليسر في الأصول.
قوله: (ويدل عليه) أي: على أن الخطأ مُلحق بالعمد، أن الخطأ لا يترتب عليه الوبال والانتقام ضرورة، فحين رتب عليه الوبال عُلم أنه ملحق بالعمد تغليظاً للحكم وتشديداً له.
قوله: (وعن سعيد بن جبير) جواب آخر عن السؤال، يعني: إنما قيد بقوله: ﴿مُتَعَمِّداً﴾
следующие страницы →