← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

(وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) عطف على صلة (من) كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت. وفي قراءة أبيّ: (وعبدوا الطاغوت) على المعنى. وعن ابن مسعودٍ: (ومن عبدوا). وقرئ: (وعابد الطاغوت) عطفاً على (القردة)، و (عابدي)، و (عباد)، و (عُبَّد)، و (عَبُد)، ومعناه: الغلوّ في العبودية، كقولهم: رجلٌ حذرٌ وفطنٌ للبليغ في الحذر والفطنة قال: أَبَنِي لُبَيْنَى إنَّ أُمَّكُمُ … أَمَةٌ وَإنَّ أبَاكُمُو عَبْدُ و(عبد) بوزن: حطم، و (عبيد) و (عبد) بضمتين جمع عبيد، و (عبدة) بوزن: كفرة، و (عبد) وأصله عبدةٌ، فحذفت التاء للإضافة، أو هو كخدمٍ في جمع خادمٍ، و (عبد)، و (عباد)، و (أعبد)، و (عبد الطاغوت) على البناء للمفعول، وحٌذف الراجع بمعنى: وعبد الطاغوت فيهم، أو بينهم، و (عبد الطاغوت) بمعنى: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عبد الطاغوت) قرأ حمزة بضم الباء وكسر التاء، والباقون: بفتح الباء على صيغة الماضي ونصب التاء، وباقي القراءات شواذ، قال الزجاج: ضم الباء وخفض "الطاغوت" ليس بالوجه؛ لأن "عبداً" على فعل ليس من أمثلة الجمع لأنهم فسروه: خدم الطاغوت، ووجهه أن الاسم بُني على فعل، كرجل حذر، أي: حذور، أي: مبالغ في الحذر، بمعنى أنه بالغ في طاعة الشيطان، واللفظ واحد والمعنى جمع، كما تقول للقوم: منكم عبدُ العصا، أي: عبيد العصى. قوله: (أبني لبيني) وهو اسم امرأة. قوله: (فحذفت التاء للإضافة) مثل: أبو عُذرة، الأصل: عُذرية، فحذفت الياء كراهة اجتماع الزائد من الياء والمضاف إليه في عَجُزِ الكلمة.

стр. 2277

صار الطاغوت معبوداً من دون اللَّه، كقولك: "أمر": إذا صار أميراً، و (عبد الطاغوت) بالجر عطفاً على (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ). فإن قلت: كيف جاز أن يجعل اللَّه منهم عُباد الطاغوت؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أنه خذلهم حتى عبدوه. والثاني: أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به، كقوله تعالى: (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً) [الزخرف: ١٩]. وقيل الطاغوت: العجل لأنه معبودٌ من دون اللَّه، ولأن عبادتهم للعجل مما زينه لهم الشيطان، فكانت عبادتهم له عبادة للشيطان وهو الطاغوت. وعن ابن عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنه: أطاعوا الكهنة، وكل من أطاع أحداً في معصية اللَّه فقد عبده. وقرأ الحسن: (الطواغيت). وقيل: (وجعل منهم القردة): أصحاب السبت (والخنازير): كفار أهل مائدة عيسى. وقيل: كلا المسخين من أصحاب السبت، فشبانهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير. وروي أنها لما نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود ويقولون: يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم. (أُولئِكَ) الملعونون الممسوخون (شَرٌّ مَكاناً) جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله. وفيه مبالغة ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حكم عليهم بذلك ووصفهم به) أي: قال في حقهم: إنهم عبدة الطاغوت وسماهم به، هذا مذهبه، ويلزم منه استعمال لفظ المشترك في مفهوميه، لأنه في المعطوف عليه بمعنى "صبر"، وفي المعطوف بمعنى "سمى". قوله: (جُعلت الشرارة للمكان، وهي لأهله) وفيه وجهان؛ لأنه إذا نُظر إلى أن التمييز فاعل في الأصل؛ أي: شر مكانهم، كان إسناداً مجازياً، نحو: فلان يطؤهم الطريق، وإذا نظر

стр. 2278

ليست في قولك: أولئك شر وأضل، لدخوله في باب الكناية التي هي أخت المجاز. نزلت في ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم يظهرون له الإيمان نفاقاً، فأخبره اللَّه تعالى بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا، لم يتعلق بهم شيء مما سمعوا به من تذكيرك بآيات اللَّه ومواعظك. وقوله: (بِالْكُفْرِ) و (بِهِ) حالان؛ أي: دخلوا كافرين، وخرجوا كافرين، وتقديره: ملتبسين بالكفر. وكذلك قوله: (وَقَدْ دَخَلُوا) (وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا) ولذلك دخلت (قَدْ) تقريباً للماضي من الحال. ولمعنى آخر: وهو أن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم، ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلى المعنى في إثبات الشر للمكان، والمراد أهله، كان من الكناية، لأن المكان من حيث هو: لا يوصف بالشر، بل بسبب من حل فيه، فإذا وُصف به يلزم إثباته للحال فيه بالطريق البرهاني، ولما كان الانتقال من الملزوم إلى اللازم مجازاً، ومن عكسه كناية، قال: "أخت المجاز". قوله: (وكذلك قوله: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا﴾ ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا﴾ يعني: أنهما حالان أيضاً، فعلى هذا في الكلام حالان مترادفان، وكل واحدة منهما مشتملة على حال فتكونا متداخلتين. الانتصاف وفي تصدر الجملة الثانية بالضمير تأكيد لاتحاد حالتهم في الكفر، تقول: لقيت زيداً لما جاء من سفره وهو هو وعبد الحميد عبد الحميد. وقلت: ليس بذلك، بل هو من تقديم الفاعل المعنوي لإفادة الاختصاص، وخُصت القرينة الثانية به دلالة على [أن] حُكم غير المنافقين من الكفار خلاف ذلك، فإنهم إذا دخلوا كافرين خرجوا مؤمنين لما سمعوا من الذكر والموعظة الناجعة فيهم. قوله: (ولمعنى آخر): عطف على قوله: "ولذلك دخلت"، قال ابن الحاجب: قد يُسمى

стр. 2279

وكان رسول اللَّه ﷺ متوقعاً لإظهار اللَّه ما كتموه، فدخل حرف التوقع وهو متعلق بقوله: (قالُوا آمَنَّا) أي: قالوا ذلك وهذه حالهم. [(وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ) ٦٢ - ٦٣]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حرف تقريب، ويُسمى حرف توكيد ويُسمى حرف تحقيق، وأما معنى التقريب فهو أنك إذا قلت: قد قام زيدٌ، كان دالاً على أن قيامه قريب من إخبارك، بخلاف: قام زيدٌ، وأما معنى التوكيد فهو أنه جواب قولك: هل فعل ولما يفعل، وأما معنى التوقع فكما ذكره الخليل: هذا الكلام لقوم ينتظرون الخبر، أي: إنما يُخبر بذلك من ينتظر الإخبار به في ظنك أو علمك، ومنه: قد قامت الصلاة. وقلت: ومن حق الظاهر أن يدخُل على ما يتوقعه المخاطب من الفعل والمتوقع هاهنا- كما قال- إظهار ما كتم المنافقون، لكن لما كان قوله: ﴿قَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١] إخباراً عن نوع من نفاقهم وإظهاراً لخديعتهم "وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا، لم يتعلق بهم شيء مما سمعوا من تذكيرك بآيات الله"، كان إظهاراً لما يتوقعه من كتمانهم، نحو: توقعك خروج الأمير من داره، فقيل لك: قد ركب الأمير. قوله: (وكان رسول الله ﷺ متوقعاً لإظهار الله ما كتموه)، فإن قلت: إن "قد" موضوعة لتوقع مدخولها، وهاهنا مدخولها عين النفاق، فكيف قال: "لإظهار الله ما كتموه"؟ قلت: لاشك أن المتوقع ينبغي ألا يكون حاصلاً، وكونهم منافقين كان معلوماً عنده ﷺ ، بدليل قوله: "إن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم"، فيجب المصير إلى المجاز والقول بإظهار الله ما كتموه، أي: إظهار النفاق.

стр. 2280

الإثم الكذب بدليل قوله تعالى: (عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ). وَالْعُدْوانِ: الظلم. وقيل: الإثم: كلمة الشرك. وقولهم عزيز ابن اللَّه. وقيل: الإثم: ما يختص بهم. والعدوان: ما يتعداهم إلى غيرهم. والمسارعة في الشيء: الشروع فيه بسرعةٍ. (لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ) كأنهم جعلوا آثم من مرتكبي المناكير لأن كلٍ عامل لا يسمى صانعاً، ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الإثم: الكذب بدليل قوله: ﴿عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ﴾، الانتصاف: هذا الاستدلال لا يصح؛ لأن الإثم مقول يحتمل كونه كذباً وشركاً، وقلت: الظاهر الأول، ولذلك قال بعده: "وقيل: الإثم: كلمة الشر"، وبيانه: أن الإثم في قوله: ﴿وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ﴾ مطلق متأول لجميع المعاصي والمنهيات، وكان من حق الظاهر أن يُقال بعده: لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عما تنازعوا فيه، فلما أعيد الإثم وخُص بالقول احتمل كلمة الشرك وقول الكذب أيضاً، فدل قرائن الكلام، وهو قولهم: آمناً، على أن المراد الكذب، فخُص به، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ٨ - ١٠]. وليس في الكلام ما يُنبئ عن ذلك المعنى، فلا يُحمل عليه إلا بالتعسف، وإنما ترك العدوان في الثانية وخص الإثم بالقول - والعلم عند الله- ليؤذن بأن قول الكذب وأكل السحت أفحشها، وهما الأصل في العدوان لا سيما من العلماء، روينا عن الإمامين: مالك وأحمد ﵄، عن مالك، عن صفوان ﵁، قال: قيل: يا رسول الله، أيكون المؤمن جباناً؟ قال: "نعم"، قلنا: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: "نعم"، قيل: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: "لا". قوله: (جُمعوا آثم من مرتكبي المناكير). آثم: مفعولٌ ثانٍ لـ"جُعل"، أُفرد لأن أفعل التفضيل استعمل بـ "مِن".

стр. 2281

ولا كل عملٍ يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرّب وينسب إليه، وكأن المعنى في ذلك أن مواقع المعصية معه الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها، وأما الذي ينهاه فلا شهوة معه في فعل غيره، فإذا فرط في الإنكار كان أشدّ حالاً من المواقع، ولعمري إن هذه الآية مما يقذ السامع وينعى على العلماء توانيهم ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا كل عمل يُسمى صناعة حتى يتمكن فيه)، الراغب: الصُّنع أخص من العمل، كما أن العمل أخص من الفعل، وذلك أن الفعل يقال فيما كان من الحيوان وغير الحيوان، وبقصد وعن غير قصد، والعمل لا يُقال إلا ما كان من الحيوان وبقصد، والصنع لا يقال إلا ما كان من الإنسان بقصد واختيار وبعد فكرٍ وتحري إجادة، ولهذا يقال: رجلٌ صانع، أي: حاذق، وثوب صنيع، أي: مُجاد. قوله: (يقذ السامع)، الجوهري: وقذه يقذه وقذاً: ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت. هذا إذا رُوي "يقذ" بكسر القاف مخففة، ومن روى بضمها مشددة يكون من: قذه يقذه. الأساس: قذ الريش بالمقذ: حذف أطرافه، وسهمٌ مقذوذ: مريش، وقذه السهام يقذه، فقوله: "يقذ السامع" أي: يحرضه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويردعه عن التواني في ذلك، فإن السهم إذا قُذ كان أصوب إلى الرمية، ومثله ما مر في آل عمران في قصة نعيم بن مسعود: "لم يخل ناس يضامونه ويصلون جناح كلامه". قوله: (وينعي على العلماء توانيهم) إشارة إلى أن ﴿لَوْلا﴾ للتحضيض، قال ابن الحاجب: "لولا" و"لوما" و"هلا" و"إلا": معناها الأمر إذا وقع بعدها المضارع، والتوبيخ إذا وقع بعدها الماضي، فإذا قلت: هلا تُسلم، فأنت حاض على ما وقع بعدها طالب له، وإذا قلت: هلا ضربت زيداً، فأت توبخ على تركه ذلك.

стр. 2282

وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: هي أشدّ آية في القرآن. وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها. [(وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)]. غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الإمام: استبعد من علماء أهل الكتاب عدم نهيهم عوامهم وسفلتهم عن المعاصي، وذم تارك النهي عن المنكر أقوى من مرتكبه؛ ولهذا قال في الأول: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفي الثاني: ﴿يَصْنَعُونَ﴾، والأمر في الحقيقة كذلك؛ لأن المعصية مرض الروح وعلاجه العلم بالله وصفاته وأحكامه؛ فإذا حصل ذلك ولم تزل المعصية يكون كمن شرب الدواء ولم يزل المرض، فدل ذلك على أن المرض صعب شديد. قوله: (غل اليد وبسطها: مجاز عن البخل والجود) هذا مخالف لما في طه في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: "لما كان الاستواء على العرش مما يردف الملك جعلوه كناية عن الملك، ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة يد فلان مغلولة، بمعنى أنه جواز أو بخيل". قلت: قد مر له في قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] أن أمثال هذه النسب بالنظر إلى من يصح إجراؤها عليه: كناية عن عدم المبالاة، وبالنظر على من لا يجوز عليه النظر: مجاز.

стр. 2283

(وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ) [الإسراء: ٢٩] ولا يقصد من يتكلم به إثبات يدٍ ولا غل ولا بسطٍ، ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازاً عنه لأنهما كلامان متعاقبان على حقيقةٍ واحدةٍ حتى أنه يستعمله في ملكٍ لا يعطي عطاءً قط ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يدٍ وبسطها وقبضها، ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاءً جزيلاً لقالوا: ما أبسط يده بالنوال! لأن بسط اليد وقبضها عبارتان وقعتا متعاقبتين للبخل والجود، وقد استعملوهما حيث لا تصح اليد كقوله: جَادَ الْحِمَى بَسْطُ الْيَدَيْنِ بِوَابِلِ … شَكَرَتْ نَدَاهُ تِلَاعُه وَوِهَادُهُ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازاً عنه) يعني: سواء عند المتكلم أن يقول: فلان مغلول يده، وبين أن يقول: إنه بخيل، وكأن هذين اللفظين كالمترادفين وردا على معنى واحد وهو المنع من الإعطاء، ولما كانت الملازمة متساوية، أعني بين قوله: البخل وغل اليد، جاز استعماله تارة مجازاً وأخرى كناية بحسب مقتضى المقام. الانتصاف: هذا المجاز يُصور الحقيقة بصورة حسية تلازمها غالباً، والصورة الحسية أثبت في الذهن من المعاني، والجود والبخل معنيان مثلا للحس، وقلت: قد أنصف وما أنصف صاحب "الانتصاف" حيث رد النبأ على التخييل والتصوير مطلقاً في كثير من المواضع من كتابه واستحسنه هاهنا، ولعل رده بحسب اللفظ لا المعنى. قوله: (جاد الحمى) البيت. جاد: من الجود، جاد المطر فهو جائد والجمع: جود، كصاحب وصحب، والوهاد: جمع الوهدة، وهي ما اطمأن من الأرض، والتلعة: ما ارتفع منها، وقال أبو عمرو: التلاع: مجاري ما ارتفع من الأرض إلى بطون الأودية.

стр. 2284

ولقد جعل لبيد للشمال يداً في قوله: إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشِّمَالِ زِمَامُهَا ويقال: بسط اليأس كفيه في صدري، فجعلت لليأس الذي هو من المعاني لا من الأعيان كفان، ومن لم ينظر في علم البيان عمى عن تبصر محجة الصواب في تأويل أمثال هذه الآية، ولم يتخلص من يد الطاعن إذا عبثت به. فإن قلت: قد صح أن قولهم: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) عبارةٌ عن البخل. فما تصنع بقوله: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) ومن حقه أن يطابق ما تقدمه، وإلا تنافر الكلام وزل عن سننه؟ قلت: يجوز أن يكون معناه الدعاء عليهم بالبخل والنكد، ومن ثم كانوا أبخل خلق اللَّه وأنكدهم، ونحوه بيت الأشتر: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إذ أصبحت بيد الشمال زمامها)، أوله: وغداة ريح قد كشفت وقرة والقرة، بالكسر: البرد، شبه الشمال ف تصرفها في القرة على حكم طبيعتها بالإنسان المتصرف لما يكون زمامه بيده، وأثبت لها على سبيل التخييل يداً - وهي من لوازم الإنسان - ليكون قرينة، وحكم الزمام في استعارته للقرة حكم اليد في استعارتها للشمال، فجعل للقرة زماماً ليكون أتم في إثباتها متصرفة، كما جعل للشمال يداً ليكون أبلغ في تصييرها متصرفة فوفى المبالغة حقها من الطرفين، والضمير في "أصبحت" و"زمامها" للقرة، وقيل: للغداة، والأول أظهر. قوله: (بسط اليأس كفيه). قال: وقد رابني وهن المُنى وانقباضها … وبسط حديد اليأس كفيه في صدري

стр. 2285

بَقِيتُ وَفْري وَانْحَرَفْتُ عَنِ الْعُلَا … وَلَقِيتُ أضْيَافِى بِوَجْهِ عَبُوسِ ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدى حقيقة، يغللون في الدنيا أسارى، وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم: والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز، كما تقول: سبني سب اللَّه دابره، أي: قطعه، لأنّ السب أصله القطع. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بقيت وفري وانحرفت عن العُلا) تمامه: ولقيت أضيافي بوجه عبوس وبعده: إن لم أشن على ابن حرب غارة … لم تخل يوماً من نهاب نفوس "بقيت وفري وانحرفت عن العُلا": اللفظ لفظ الخبر، والمعنى معنى الدعاء، كقوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾، الوفر: المال الكثير، والعبوس: الكلوح عن الغضب، وشن الغارة وأشن: إذا فرقها على العدو من كل وجه، وابن حرب: معاوية بن أبي سفيان بن حرب، يقول: ادخرت مالي ولم أفرقه فيما يكتسب لي حمداً فعل البخلاء وزهدت في اكتساب المعالي إن لم أشُن على معاوية غارة لا تخلو يوماً من اختلاس نفوس. قوله: (والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز)، يعني: تُعتبر المطابقة في قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ مع قوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ في إرادة الحقيقة في الثاني مع ملاحظة أصل المجاز في الأول، وهو غَلُّ اليد لا البخل الذي هو المراد منه الآن، لاستوائهما في التلفظ، كما أن "سب الله" من حيث اللفظ مطابق لقوله: "سبني"، على أن المراد من سب الله قطع الدابر، وهذا نوع من المشاكلة لطيف المسلك بخلافه في قول الشاعر:

стр. 2286

فإن قلت: كيف جاز أن يدعو اللَّه عليهم بما هو قبيحٌ وهو البخل والنكد؟ قلت: المراد به: الدعاء بالخذلان الذي تقسو به قلوبهم، فيزيدون بخلاً إلى بخلهم ونكداً إلى نكدهم، أو بما هو مسببٌ عن البخل والنكد من لصوق العار بهم، وسوء الأحدوثة التي تخزيهم وتمزق أعراضهم. فإن قلت: لم ثنيت اليد في قوله تعالى: (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) وهي مفردة في: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)؟ قلت: ليكون ردّ قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه، وذلك أنّ غاية ما يبذله السخي بماله من نفسه أن يعطيه بيديه جميعاً فبني المجاز على ذلك. وقرئ: (وَلُعِنُوا) بسكون العين. وفي مصحف عبد اللَّه: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قالوا: اقترح شيئاً نجد لك طبخه … قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا فإنه وضع اطبخوا موضع خيطوا لمجرد مراعاة اللفظ دون المعنى. الانتصاف: والحق أن الله تعالى يدعو عليهم بالبخل، ودعاؤه عبارة عن خلق الشح في قلوبهم والقبض في أيديهم، فليت الزمخشري لم يتحدث في تفسير القرآن إلا من حيث علم البيان، فإنه فيه فارس الفرسان. قوله: (المراد به: الدعاء بالخذلان). خلاصة الجواب: أنه يجوز أن يدعو عليهم بعدما يصدر منهم ما يوجبه، فإنه تعالى غنما يدعو عليهم بالخذلان إذا صدر عنهم الكفر والمعاصي وبلحوق العار إذا صدر عنهم بالخبل، وأما ابتداء فلا، هذا مذهبه. قوله: (والنكد)، الجوهري: رجل نكد: عسر، وكدت الركية: قل ماؤها.

стр. 2287

(بل يداه بسطان) يقال: يده بسط بالمعروف. ونحوه مشية سجح، وناقة صرح. (يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ): تأكيد للوصف بالسخاء، ودلالة على أنه لا يتفق إلا على مقتضى الحكمة والمصلحة. روى أن اللَّه ﵎ كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس ما لا، فلما عصوا اللَّه في محمد ﷺ وكذبوه كف اللَّه تعالى ما بسط عليهم من السعة، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء: يد اللَّه مغلولة، ورضي بقوله الآخرون فأشركوا فيه. (وَلَيَزِيدَنَّ) أي: يزدادون عند نزول القرآن لحسدهم تمادياً في الجحود وكفراً بآيات اللَّه. (وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ) فكلمهم أبداً مختلف، وقلوبهم شتى، لا يقع اتفاق بينهم ولا تعاضد (كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً): كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا ولم يقم لهم نصر من اللَّه على أحد قط، وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (سُجُح) بضم السين والجيم ثم الحاء المهملة، الجوهري: يقال: إذا سألت فأسجح، أي: سهل ألفاظك، "وناقة سُرح" ومنسرحة، أي: سريعة، يعني: جمع الخبر والمبتدأ مفرد على تصوير الكثرة فيه مبالغة على أسلوب قوله: ومعي جياعاً. قوله: (ودلالة على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة والمصلحة) تقييد للمطلق، وهو ﴿يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، يعني: من مقتضى الحكمة ألا يؤدي بسط اليدين في العطاء إلى التبذير والإسراف والاصطناع إلى غير الهل، وهو شرط السخاء في الشاهد، وهذا تكميل لا تأكيد، كقوله: حليم إذا ما الحلم زين أهله … مع الحلم في عين العدو مهيب

стр. 2288

وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث اللَّه عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط اللَّه عليهم فطرس الروميّ، ثم أفسدوا فسلط اللَّه عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط اللَّه عليهم المسلمين. وقيل: كلما حاربوا رسول اللَّه ﷺ نصر عليهم. وعن قتادة ﵁ لا تلقى اليهود ببلدةٍ إلا وجدتهم من أذل الناس. (وَيَسْعَوْنَ): ويجتهدون في الكيد للإسلام ومحو ذكر رسول اللَّه ﷺ من كتبهم. [(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ* وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ) ٦٥ - ٦٦]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والتأكيد أن يقال: ينفق كيف يشاء لا يمنعه مانع ولا يكفه من الإنفاق نقص ولا إعدام، لا يبالي بكثرة العطاء، فالإنفاق على الإطلاق مستتبع للحكمة ومشتمل عليها، كما قال صلوات الله عليه وسلامه: "يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما بيده" أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة. سحاء: خبر بعد خبر، والليل: ظرف، يقال: سح يسح سحاً: هطل، ولما كان ينفق تأكيداً لقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ فصله ولم يأت بالواو ولا قيده بها حالاً، قال أبو البقاء: ﴿يُنفِقُ﴾: مستأنفٌ، فلا يجوز أن يكون حالاً من الهاء لأنها مضاف إليها، ولأن الخبر فاصل بينهما، ولا من اليدين، إذ ليس فيها ضمير يعود إليهما. قوله: (فطرس الرومي) بالفاء والراء، كذا في الحاشية.

стр. 2289

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ) مع ما عددنا من سيئاتهم (آمَنُوا) برسول اللَّه ﷺ وبما جاء به، وقرنوا إيمانهم بالتقوى التي هي الشريطة في الفوز بالإيمان (لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ) تلك السيئات ولم نؤاخذهم بها (وَلَأَدْخَلْناهُمْ) مع المسلمين الجنة. وفيه إعلامٌ بعظم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم، ودلالة على سعة رحمة اللَّه تعالى وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيئات اليهود والنصارى، وأن الإيمان لا ينجي ولا يسعد إلا مشفوعاً بالتقوى، كما قال الحسن: هذا العمود فأين الأطناب؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفيه إعلامٌ بعظم معاصي اليهود)، يعني: فيه إشارة إلى هذا المعنى على سبيل الإدماج، وذلك أنه تعالى لما عدد سيئاتهم وقبائحهم كان من حق الظاهر أن يُقال: ولو أن أهل الكتاب تابوا لكفرناها عنهم، فوضع موضع تاب: آمن، وصرح بذكر سيئاتهم إيذاناً بأن ليس لهم التنصل من تلك الذنوب العظام إلا بأن يدخلوا في الإسلام؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله، وفي قوله: ﴿وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ إشارة إلى أن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم، ويؤيده ما روينا عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"، أخرجه مسلم. قوله: (هذا العمود)، قاله للفرزدق حين اجتمع مع الحسن في جنازة، فقال: ما أعددت لهذا المقام؟ قال: شهادة ألا إله إلا الله منذ كذا سنة، فقال له: هذا العمود فأين الأطناب؟ الفاء في "فأين الأطناب" كالفاء في "خولان فانكح"؛ على تأويل: هؤلاء خولان، يعني: هذه الكلمة مستدعية للأعمال الصالحة كما أن هذه القبيلة تستوجب أن تُنكح نساؤها لجمالها، شبه الإسلام بخيمة، وجعل عمودها: كلمة التوحيد، والأعمال الصالحة: الأطناب، فكما أن الخيمة

стр. 2290

(وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ): أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول اللَّه ﷺ . (وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ) من سائر كتب اللَّه، لأنهم مكلفون الإيمان بجميعها، فكأنها أنزلت إليهم -وقيل: هو القرآن- لوسع اللَّه عليهم الرزق وكانوا قد قحطوا. وقوله: (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ): عبارةٌ عن التوسعة، وفيه ثلاث أوجهٍ: أن يفيض عليهم بركات السماء وبركات الأرض، ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لا تقوم إلا بالعمود فكذا لا يستقيم الإسلام إلا بالشهادتين، وكما لم يرتفع العمود إلا بالأطناب، كذا الكلمة لا ترتفع إلا بالعمل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، والاستقامة فيها الأوتاد، والتشبيهات مفرقة، تحقيقه: إذا اعتبر مفرداتها مستقلة، وإذا انتزع المشبه من المجموع، كان تمثيلاً، وما في قول الحسن، الشطر الأول منه التشبيه لذكر الطرفين، والثاني: استعارة؛ لأن المشبه المتروك هو الأعمال. الانتصاف: لما اشترط في هذه الآية مجموع الإيمان والتقوى فالإجماع منا ومنه أن الإيمان يجب ما قبله، فلو مات رجل عقيب دخوله في الإيمان لكفرت عنه سيئاته ولدخل جنات النعيم، فدل على أن اجتماعهما ليس شرطاً؛ هذا إن كانت التقوى الأعمال، وإن كانت أصل وضعها في الخوف من الله، فهذا ثابت لكل مؤمن ولو قارف الكبيرة. قوله: (﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾: عبارة عن التوسعة) لام حسن مبين، لكن تأويله بالوجوه الثلاثة ضعيف، وذلك أن اختصاص الأكل من دون ذكر سائر المنافع لكونها أعظمها ومستتبع سائرها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ [النساء: ١٠] ثم تكرير قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ لاستيعاب جميع الأحوال والأزمان، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: ٦٢] يوجب ألا يقتصر على المذكورات، ولهذا قال القاضي: لوسع عليهم وجعل لهم خير الدارين.

стр. 2291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: هذا في حق من عدد سيئاتهم من أهل الكتاب إذا أقاموا مجرد حدود التوراة والإنجيل، فما ظنك بالسالك العارف إذا قمع هوى النفس وانكمش من عالم الإدبار إلى معارج القدس معتصماً بحبل الله وسنة حبيب الله؟ فإنه تعالى يُفيض على قلبه سجال فضائله وسائب بركاته، فتكمن فيه كمون الأمطار في الأراضي فتظهر ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه كلها، وفي تعليق الأكل من فوق على إقامة التوراة والإنجيل ومن تحت الأرجل، واختصاص ﴿مِنْ﴾ الابتدائية ما يلوح إلى معنى قوله: "من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم"؛ لأنهم إذا أقاموا العمل بكتاب الله استنزل ذلك من فوقهم البركات، فإذا استجدوا العمل بتلك البركات المنزلة وأقاموا عليها بثبات أقدامهم الراسخة استنزل لهم من الله بركات هي أزكى من الأولى، فلا يزال العمل والعلم يتناوبان إلى أن ينتهي السالك على مقام القرب ومنازل العارفين، وفي ذكر الأرجل إشارة إلى حصول ثبات القدم ورسوخ العلم، وفي اقترانها مع "تحت" دلالة على مزيد الثبات، وأنهم من الراسخين المقتبسين علومهم من مشكاة النبوة دون المتزلزلين الذين أخذوا علومهم من الأوهام، ولهذا كتب بعض العارفين بهذه الآية إلى الإمام إرشاداً له إلى معرفة طريقة أهل الله تعالى. فإن قلت: كيف تلتئم هذه الآية مع السابقة، وهي قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾؟ قلت: الآيتان واردتان على إظهار الشكوى، ناعيتان قبائحهم، فقيل أولاً: ولو أن أهل الكتاب آمنوا برسول الله وبما جاء به من المعجزات التي ثبتت بمثلها الرسالة كسائر الناس، وخافوا الله وتركوا العناد، لكفر الله عنهم تلك القبائح، ثم ثنى على الترك، أي: دعوا تلك الدلائل الباهرة! ولو أنهم عملوا بمقتضى ما عندهم من النصوص

стр. 2292

وأن يكثر الأشجار المثمرة والزروع المغلة وأن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجتنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم. (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ): طائفةٌ حالها أمم في عداوة رسول اللَّه ﷺ . وقيل: هي الطائفة المؤمنة عبد اللَّه بن سلام وأصحابه وثمانيةٌ وأربعون من النصارى، و (ساءَ ما يَعْمَلُونَ) فيه معنى التعجب، كأنه قيل: وكثير منهم ما أسوأ عملهم! وقيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم. [(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) ٦٧]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المتظاهرة وما ثبت عندهم من نعته ﷺ وتركوا التحريف والتبديل، لوسع الله عليهم خير الدارين، ورُوعي فيهما مع معنى التنزيل الترقي أيضاً. قوله: (اليانعة الثمار)، الجوهري: ينع يينع: إذا نضج، ولم تسقط الياء في المستقبل لتقويها بأختها، وتهدلت أغصان الشجرة، أي: تدلت. قوله: (حالها أمم في عداوة رسول الله ﷺ أي: متوسط، قال ابن السكيت: الأمم: بين القريب والبعيد، وهو من المقاربة، وقال الإمام: الذين يكونون عدولاً في دينهم ليس فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]. قوله: (و ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ ليس الواو في نظم القرآن، وإنما هو من قول المصنف. قوله: (ما أسوأ عملهم) أي: كثيرٌ منهم يقول فيحقهم: ما أسوأ عملهم!

стр. 2293

(بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ). جميع ما أنزل إليك، وأى شيءٍ أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحداً، ولا خائفٍ أن ينالك مكروهٌ. (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ): وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك (فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) - وقرئ: (رسالاته) - فلم تبلغ إذاً ما كلفت من أداء الرسالات، ولم تؤدّ منها شيئاً قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعضٍ، وإن لم تؤدّ بعضها، فكأنك أغفلت أداءها جميعاً، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها وكونها كذلك في حكم شيءٍ واحدٍ، والشيء الواحد لا يكون مبلغاً غير مبلغٍ، مؤمناً به غير مؤمنٍ به. وعن ابن عباس ﵄: إن كتمت آية لم تبلغ رسالاتي. وروي عن رسول اللَّه ﷺ : "بعثني اللَّه برسالاته فضقت بها ذرعاً، فأوحى اللَّه إليّ: إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك، وضمن لي العصمة فقويت". فإن قلت: وقوع قوله: (فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) جزاء للشرط ما وجه صحته؟ ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (جميع ما أنزل إليك) إنما قدر المضاف لأنه صلوات الله عليه وسلامه كان مُبلغاً، فعلى هذا فائدة الأمر المبالغة والكمال، يعني: ربما أتاك الوحي بما تكره أن تُبلغه خوفاً من قومك، فبلغ الكل ولاتخف. الراغب: فإن قيل: كيف قال: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾؟ وذلك كقولك: إن لم تُبلغ فما بلغت، قيل: معناه: وإن لم تبلغ كل ما أنزل إليك تكون في حكم من لم يُبلغ شيئاً تنبيهاً على أن تقصيرك في بعض ما أمرت به يحبط عملك. واستدل بهذه الآية أنه ﷺ لا يتم شيئاً مما أنزل الله، بخلاف ما قالت الشيعة: إنه قد كتم أشياء على سبيل التقية، وعن بعض الصوفية: ما يتعلق به مصالح العباد وأمر بإطلاعهم عليه فهو منزه عن كتمانه، وأما ما يخص به من الغيب ولم تتعلق به مصالح أمته فله، بل عليه كتمانه.

стр. 2294

قلت: فيه وجهان؛ أحدهما: أنه إذا لم يمتثل أمر اللَّه في تبليغ الرسالات وكتمها كلها كأنه لم يبعث رسولاً كان أمراً شنيعاً لا خفاء بشناعته. فقيل: إن لم تبلغ منها أدنى شيءٍ وإن كان كلمةً واحدة فأنت كمن ركب الأمر الشنيع الذي هو كتمان كلها، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: روى السلمي، عن جعفر في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] قال: بلا واسطة فيما بينه وبينه سراً إلى قلبه، ولا يعلم به أحدٌ سواه إلا في العقبى حتى يعطيه الشفاعة لأمته، وقال الواسطي: ألقى إلى عبده ما ألقى ولم يظهر ما الذي أوحى لأنه خصه به، وما كان مخصوصاً به كان مستوراً، وما بعثه الله إلى الخلق كان ظاهراً. وإلى هذا يُنظر معنى ما روينا في "صحيح البخاري" عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، قال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين، أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم. قال البخاري: البُلعوم: مجرى الطعام. قوله: (إن لم تُبلغ منها أدنى شيء وإن كان كلمة واحدة، فأنت كمن ركب الأمر الشنيع)، قال ابن الحاجب: الشرط والجزاء إذا اتحدا كان المراد بالجزاء المبالغة، فوضع قوله: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ موضع أمر عظيم، أي: فإن لم تفعل فقد ارتكبت أمراً عظيماً. الانتصاف: قال: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾، ولم يقل: وإن لم تبلغ ليتغايرا لفظاً وإن اتحدا معنى، وهو أحسن بهجة من تكرار اللفظ الواحد في الشرط والجزاء، وهذا من محاسن علم البيان. وقال الإمام: الجمهور على أن المراد من قوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾: إن لم

стр. 2295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تبلغ واحداً منها كنت كمن لم يبلغ شيئاً منها، وهذا ضعيف، لأن من أتى بالبعض وترك البعض فلو قيل: إنه ترك الكل لكان كذباً، ولو قيل أيضاً: إن مقدار الجرم في ترك البعض مثل مقدار الجرم في ترك الكل، لكان هذا أيضاً محالاً. وقال القاضي: معناه: أن كتمان بعضها يُضيع ما أُدي منها، كترك بعض أركان الصلاة، فإن غرض الدعوة ينتقض منه، أو يقال: إن لم تفعل كأنك ما بلغت شيئاً منها، كقوله تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ من حيث إن كتمان البعض والكل سواء في الشناعة واستجلاب العذاب. وقلتُ: والذي عليه كلام المصنف أنه صلوات الله عليه وسلامه كان مأموراً بتبليغ ما أنزل الله تعالى إليه، وهو إنما يكون ممتثلاً للأمر إذا لم يخالف شيئاً من المأمور به، وإليه الإشارة بقوله: "فلم تُبلغ إذاً ما كلفت من أداء الرسالات ولم تؤد منها شيئاً قط، وذلك أن بعضها ليس أولى من بعض بالأداء". ومن ثم شبه المسألة بالإيمان في قوله: "كما أن من لم يؤمن ببعضها كان من لم يؤمن بكلها"، وذكر في "النساء" أن إيمان أهل الكتاب ببعض الكتب لا يصح إيماناً به، لأن طريق الإيمان إنما هو المعجزة، ولا اختصاص لها ببعض الكتب دون بعض، فلو كان إيمانهم بما آمنوا به إيماناً لأجل المعجزة لآمنوا به كله، فحين آمنوا ببعضه عُلم أنهم لم يعتبروا المعجزة، فلم يكن إيمانهم إيماناً، هذا هو المعنى بقوله في هذا المقام: "لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها". وفي تمثيل المسألة بالإيمان نكتة سرية، وهي كما أن على الرسول إبلاغ الكل كذا على المرسل إليه الإيمان بالله، والضمير في "منها" و"غيرها" راجعٌ إلى الرسالات. المُغرِب: يقال: فلان يدلي إلى الميت بذكر، أي: يتصل، ودلى من السطح حبلاً، أي: أرسله فتدلى.

стр. 2296

كما عظم قتل النفس بقوله: (فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) [المائدة: ٣٢]. والثاني: أن يراد: فإن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحى كله من العقاب فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده قوله ﵊: «فأوحى اللَّه إلىّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك». (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ): عدةٌ من اللَّه بالحفظ والكلاءة. والمعنى: واللَّه يضمن لك العصمة من أعدائك، فما عذرك في مراقبتهم؟ فإن قلت: أين ضمان العصمة وقد شجّ في وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته صلوات اللَّه عليه؟ قلت: المراد أنه يعصمه من القتل. وفيه: أن عليه أن يحتمل كل ما دون النفس في ذات اللَّه، فما أشد تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقيل: نزلت بعد يوم أحدٍ، و (الناس): الكفار؛ بدليل قوله: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما عظم) صفة مصدر محذوف من غير لفه، كأنه قال: عظم ترك تبليغ البعض تعظيماً مثل تعظيم قتل النفس. قوله: (في ذات الله) أي: في الله، عن البخاري، عن أبي هريرة ﵁، قال: بعث رسول الله ﷺ عشرة منهم خبيب الأنصاري، فأسر ولما خرج المشركون به من الحرم ليقتلوه، قال: ولست أبالي حين أقتل مسلماً … على أي شق كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شلو ممزع قوله: (وقيل: نزلت بعد يوم أحد) عطف على قوله: "والله يضمن لك العصمة من أعدائك"، وعلى الأول: العصمة عامة في كل الأحوال، خاصة من حيث إرادة العصمة من

стр. 2297

(إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ)، ومعناه: أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك. وعن أنس: كان رسول اللَّه ﷺ يحرس حتى نزلت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القتل، وعلى الثاني: خاصة بحسب الزمان عامة في مقتضاها، يعني: أن الله تعالى لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك، لكن يشكل هذا بما استتب لليهود من تمكنهم من أن سموه، ولهذا فسروا قوله تعالى: ﴿وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ بقولهم: إنهم يبذلون جهدهم في قتله ولذلك سموه، ويمكن أن يقال: إن المعنى: يا أيها الذي تصدى لمنصب الرسالة وتبليغ ما أُنزل إليه، امض لشأنك وأد ما عليك ولا تهتم بأعدائك، فإنه تعالى ضمن لك العصمة من الهلاك بسبب تبليغ الوحي؛ لأنه لا يهدي القوم الكافرين إلى إطفاء نور الله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَيَابَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]، ففي وضع قوله: ﴿الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ موضع ضمير ﴿النَّاسَ﴾ وإن لم يقل: لا يهديهم إشعارٌ بذلك، ولم يكن تمكين اليهود مما أرادوا به من الهلاك يوم خيبر لأجل التبليغ، بل للذب عن البلاد والأموال والأنفس، وسبق في "البقرة" الحديث الوارد فيه في تفسير قوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]. الراغب: عصمة الأنبياء: حفظه إياهم أولاً: بما خصهم به من صفاء الجوهر، ثم بما أولاهم من الفضائل والأخلاق، ثم بالنصرة وتثبيت أقدامهم، ثم بإنزال السكينة عليهم وبحفظ قلوبهم، وبالتوفيق. قوله: (كان رسول الله ﷺ يُحرس حتى نزلت) الحديث أخرجه الترمذي عن عائشة ﵂، فعلى هذا التخصيص بحسب الزمان دون الأشخاص كما في الثاني، والمراد بالعصمة: سائر ما يرومه الأعداء من السوء.

стр. 2298

فأخرج رأسه من قبة أدم وقال: "انصرفوا يا أيها الناس، فقد عصمنى اللَّه من الناس". [(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ)]. (لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ) أي: على دين يعتد به حتى يسمى شيئاً لفساده وبطلانه، كما تقول: هذا ليس بشيء تريد تحقيره وتصغير شأنه. وفي أمثالهم: أقل من لا شيء. (فَلا تَاسَ): فلا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك، وفي المؤمنين غنى عنهم. [(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)]. (وَالصَّابِئُونَ) رفع على الابتداء، وخبره محذوف، والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها، كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك، وأنشد سيبويه شاهداً له: وَإلّا فَاعْلمُوا أنَّا وأنْتُمْ … بُغَاةٌ مَا بَقِينَا فِى شِقَاقِ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإلا فاعلموا) البيت، بعد: إذا جُزت نواصي آل بدر … فأدوها وأسري في الوثاق الشقاق: العداوة، وسببه أن قوماً من آل بدر من الفزاريين جاوروا بني لأم من طييء، فعمد بنو لأم إليهم فجزوا نواصيهم وقالوا: مننا عليكم ولم نقتلكم، وحبسوهم، فقال بشر

стр. 2299

أي: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك. فإن قلت: هلا زعمت أن ارتفاعه للعطف على محل (إن) واسمها؟ قلت: لا يصح ذلك قبل الفراغ من الخبر. لا تقول: إن زيداً وعمرو منطلقان. فإن قلت: لم لا يصح والنية به التأخير، فكأنك قلت: إنّ زيداً منطلقٌ وعمروٌ. قلت: لأني إذا رفعته رفعته عطفاً على محل (إن) واسمها: والعامل في محلهما هو الابتداء، فيجب أن يكون هو العامل في الخبر، لأن الابتداء ينتظم الجزأين في عمله كما تنتظمها "إن" في عملها، فلو رفعت (والصابئون) المنويّ به التأخير بالابتداء، وقد رفعت الخبر بـ (إنّ)، لأعملت فيهما رافعين مختلفين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ابن أبي خازم البيتين، أي: قد جززتم نواصيهم فاحملوا غرامة الجز إلينا وأطلقوا من أسرتم منهم، وإن لم تفعلوا فاعلموا أنا نظلمكم كما أنكم ظلمتمونا، وقدم أنتم للإيذان بأنهم أوغل في البغي؛ لأن بغي القاتل جزاء لبغيهم. قوله: (للعطف على محل ﴿إنَّ﴾ واسمها)، قال ابن الحاجب: وذلك أن موضع ﴿إنَّ﴾ وما عملت فهي الرفع، لكون المعنى لم يتغير، فجاء العطف لذلك، وأما سائر أخواتها فمخالفة لها في المعنى الذي من أجله صح العطف. قوله: (لأعملت فيهما) أي: في المبتدأ والخبر، ومعناه: أنه لو رُفع "الصابئون" بالابتداء بأن يكون عطفاً على محل ﴿إنَّ﴾ واسمها، لكان العامل في المبتدأ التجريد، وفي الخبر: ﴿إنَّ﴾، فيلزم أن يكون العامل في المبتدأ غير العامل في الخبر، والواجب أن يكون الخبر مرفوعاً بما ارتفع به المبتدأ كما قرر، ولا يمكن تقدير عملين فيه بأن يقال: إنه مرفوع بـ"إن" والابتداء معاً، للقطع بأن اسماً واحداً لا يكون فيه رفعان، قال صاحب "الفرائد": لا يستقيم قوله في الجواب: "لأني إذا رفعته" إلى آخره؛ لأنه لما اعتبر التأخير وجب أن يكون العامل فيه وفي الخبر

стр. 2300

فإن قلت: فقوله (والصابئون) معطوفٌ لا بد له من معطوفٍ عليه فما هو؟ قلت: هو مع خبره المحذوف جملةٌ معطوفةٌ على جملة قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا .... ) إلى آخره، ولا محل لها، كما لا محل للتي عطفت عليها. فإن قلت: ما التقديم والتأخير إلا لفائدة، فما فائدة هذا التقديم؟ قلت: ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الابتداء، وإنما لزم إعمال عاملين مختلفين إذا لم ينووا التأخير فيقال له: إن قولك: وجب أن يكون العامل فيه وفي الخبر الابتداء هذا إذا قُدر له خبر آخر كما اختار المصنف وحمل الآية عليه، لكن الكلام فيه أن يكون الخبر هو المذكور بعينه، نعم، رد عليه أن الآية ليست من قبيل: إن زيداً وعمرو منطلقان؛ لأن قوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ صالح لكل المذكورين، فهو من قبيل إن زيداً وعمرو منطلق، قال ابن الحاجب: وليس قول من قال: إن زيداً وعمرو قائم من قبيل الممنوع؛ لأن قائم إما أن يُقدر خبراً عن "عمرو"، فيون خبر زيد مقدما، وإما أن يُجعل خبراً عن الاسم الأول وخبر الثاني محذوف، فعلى التقديرين لم يعطف إلا بعد مُضي الخبر، بخلاف: إن زيداً وعمرو منطلقان، فإن ذلك غير ممكن لتشريكهما جميعاً في خبر واحد، وقال أيضاً في شرح قول المصنف في "المفصل": فعلى التقديم والتأخير كأنه ابتدأ بعد ما مضى الخبر، الكلام يحتمل أمرين، أحدهما: ما ذكره في "الكشاف": " ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾: رفع على الابتداء وخبره محذوف"، والآخر: أن قوله: فعلى التقديم والتأخير، أي: فعلى تقدير الخبر مقدماً على "الصابئون" وتقدير "الصابئون" مؤخراً عنه، ويصح في مثل هذا أن يعبر بالتقديم والتأخير، وهذا أولى لما يلزم فيه الحذف فقط، وفي ذلك الحذف وتغيير الموضع، ولأن مذهب سيبويه في قولك: زيد وعمرو قائم أن الخبر للثاني، وخبر الأول محذوف، واستدل على ذلك بقوله:

стр. 2301

فائدته التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان، والعمل الصالح، فما الظن بغيرهم؟ وذلك أن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالاً وأشدّهم غياً، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبؤا عن الأديان كلها، أي: خرجوا، كما أن الشاعر قدم قوله «وأنتم» تنبيهاً على أن المخاطبين أو غل في الوصف بالبغاة من قومه حيث عاجل به قبل الخبر الذي هو «بغاة»؛ لئلا يدخل قومه في البغي قبلهم مع كونهم أو غل فيه منهم وأثبت قدماً. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نحن بما عندنا وأنت بما … عندك راضٍ والقول مختلف لأنه لو كان خبراً عن "نحن" لقال: راضون، هذا تلخيص كلامه. ونقل أبو البقاء عن سيبويه في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]: بأن ﴿أَحَقُّ﴾: خبر "الرسول"، وخبر الأول محذوف، وهذا أقوى من عكسه؛ لأنه لا يلزم منه التفريق بين المبتدأ والخبر، فيقال: إن قول المصنف: "إنما يقال: تقديم وتأخير للمُزال لا للقار في مكانه": جواب عما عسى أن يتوهم متوهم مثل ما توهم ابن الحاجب في ذلك التقديم والتأخير، ولأنه يفوت على ذلك التقدير الغرض المطلوب من التقديم والتأخير، وهو الاهتمام، وأن الصابئين أشد غياً من هؤلاء، قال صاحب "الفرائد": ويمكن أن يقال: هذا على حد قول من قال: ولا سابق شيئاً، وحق الكلام أن يقول: ولا سابقاً، لأنه بعد قوله: "بدا لي أني لست مدرك ما مضى"، ولكنه قال: ولا سابق؛ لأنه ساغ له أن يقول: لست بمدرك

стр. 2302

فإن قلت: فلو قيل: "والصابئين وإياكم" لكان التقديم حاصلاً. قلت: لو قيل هكذا لم يكن من التقديم في شيءٍ، لأنه لا إزالة فيه عن موضعه، وإنما يقال مقدّم ومؤخر للمزال لا للقارّ في مكانه، ومجرى هذه الجملة مجرى الاعتراض في الكلام. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ما مضى، فكأنه قال كذلك، فكذلك هاهنا كأنه قيل: الذين آمنوا والذين هادوا. ولا يلزم هاهنا إعمال عاملين مختلفين؛ لأن الخبر، وهو: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ إلى آخره، جُعل خبراً لـ"الصابئون والنصارى"، وخبر ﴿إنَّ﴾ محذوف بدلالة المذكور بعده، وأما فائدة العدول عن النصب إلى الرفع فهي أن مظنة العفو والتجاوز في حق المنافقين وهم المعنيون بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على ما قيل، وفي حق اليهود، أبعد منها في حق الصابئين والنصارى؛ لأن عناد الفريقين واستهزاءهما أكبر، فوجب في حقهما أن يُذكرا في صدر الكلام، ولا يجب في الأخيرين. قلت: هذا الكلام مبني على أن "النصارى" معطوف على "الصابئون"، لا على ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾، ولكن سياق الآية يأبى هذا التقدير؛ لأنها سيقت في شأن أهل الكتاب، وذكر "الصابئون" استطراداً، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾، وكذا الآيات السابقة واللاحقة، وحين كان السياق في سورة الحج على العموم جيء بـ "الصابئين" منسوقاً نسق أخواته، وهاهنا "النصارى" عطف على ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ لا على "الصابئون"؛ لأنهما مقصودان بالذكر متبوعان دونه فلابد من التزام التقديم. قوله: (ومجرى هذه الجملة مجرى الاعتراض في الكلام)، وذلك أن الاعتراض هو مما يتخلل في أثناء الكلام لتأكيد مضمون المعترض فيه، وهذا تأكيد لما يلزم من إيراد الكلام لا من مضمونه، ومن ثم قال: كان جارياً "مجرى الاعتراض"، وقلنا: إنه استطراد. الانتصاف: صدق الزمخشر، لكن يرد عليه أنه لو عطف "الصابئين" ونصبه كما قرأ

стр. 2303

فإن قلت: كيف قال: (الَّذِينَ آمَنُوا) ثم قال: (مَنْ آمَنَ)؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يراد بـ (الذين آمنوا): الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون، وأن يراد بـ (من آمن): من ثبت على الإيمان واستقام ولم يخالجه ريبة فيه. فإن قلت: ما محل (من آمن)؟ قلت: إما الرفع على الابتداء وخبره (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، ثم الجملة كما هي خبر (إن) وإما النصب على البدل من اسم (إن) وما عطف عليه، أو من المعطوف عليه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ابن كثير، لأفاد دخولهم في جملة المتوب عليهم، وفُهم من تقديم ذكرهم على "النصارى" ما يُفهم من الرفع، وهو أنهم أوغل في الكفر، وقد تيب عليهم، فالنصارى أولى، ويكون الكلام جملة واحدة مختصرة، والعطف إفرادي، فلم عدل إلى جعله جملتين؟ وجوابه: أنه لو عطفه ونصبه لم يحصل فهم الخصوصية لهؤلاء؛ لأن الأصناف كلها عطف بعضها على بعض عطف المفردات، وهذا الصنف من جملتها، والخبر عنها واحد، وأما الرفع فيقطع عن العطف الإفرادي، وتختص بقية الأصناف بالخبر المذكور، وخبر هذا الصنف مفرد مستقل فيقيد المقصود السابق ذكره، ويفهم من تقديم الخبر من قوة الدلالة ما لا يفيده تأخيره. وأما قراءة ابن كثير - وإن كان هو من الأئمة - فشاذة بحمل النصب على الاختصاص، أي: أذكر، لئلا تكون مخالفة لقراءته المشهورة ولسائر الأئمة. قوله: (فيه وجهان)، والظاهر يوهم أنه جواب واحد، لكن المراد من الإيراد: أن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إن أريد به المنافقون يحمل قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ على من أخلص الإيمان، وإن أُريد به المؤمنون الخلص يحمل ﴿مَنْ آمَنَ﴾ على من ثبت على الإيمان، والجواب الأول أقرب إلى الغرض؛ لأن الذي سيقت الآية له التشديد على اليهود والنصارى، فإنهم مع ذلك إن آمنوا

стр. 2304

فإن قلت: فأين الراجع إلى اسم (إن)؟ قلت: هو محذوفٌ، تقديره: من آمن منهم، كما جاء في موضع آخر. وقرئ: (والصابيون) بياء صريحةٍ، وهو من تخفيف الهمزة، كقراءة من قرأ: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعملوا الصالحات فلهم الفوز العظيم، وذكر المنافقين والصابئين على المبالغة كما سبق، فإذن لم يكن لذكر المؤمنين المخلصين مدخل في الغرض والأسلوب، ولذلك أخره، ولأنهم إذا شركوهم في الخبر، وهو: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ بمعنى ثبت على الإيمان، يلزم وجوب اشتراكهم في الخلوص في الإيمان في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وذلك بعيد، ولذلك جعل ﴿مَنْ آمَنَ﴾: بدلاً من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وحده في وجه قوله: "على البدل من اسم ﴿إنَّ﴾ وما عُطف عليه أو من المعطوف عليه". قالوا: أراد أن ﴿مَنْ آمَنَ﴾ إما بدل من المجموع من المعطوف عليه والمعطوف، أو بدل من اسم ﴿إنَّ﴾ فحسب. قلتُ: إذا كان بدلاً من المجموع فالمعنى على ما سبق: أن الصابئين أشد غياً، وأما إذا كان بدلاً من اسم ﴿إنَّ﴾ وحده لزم أن يكون حكم ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾ حُكم ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ في الرفع والقطع، وتقدير الخبر على ما سبق في "الصابئون" وحده، كأنه قيل: إن الذين آمنوا من آمن منهم فلا خوف عليهم، والذين هادوا والصابئون والنصارى كذلك، فحينئذ يخرج الكلام عن المقصود ويكون ابعد من اختيار صاحب "الفرائد"، وقيل: أراد بقوله: "أو من: المعطوف عليه" المعطوف ففيه ضمير يعود إلى اللام، والضمير المجرور عائد إلى اسم ﴿إنَّ﴾، وليس بوجه حسن لما يلزم منه أن يكون بدلاً من المعطوف عيه. أيضاً، لما صرح المصنف في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥] فحينئذ يلزم التكرار. قوله: (فأين الراجع؟ ) هذا على تقدير البدلية لا الخبر، لوجود الراجع من قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾.

стр. 2305

(يستهزيون)، (والصابون) وهو من: صبوت؛ لأنهم صبوا إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم ولم يتبعوا أدلة العقل والسمع. وفي قراءة أبيّ ﵁: (والصابئين) بالنصب، وبها قرأ ابن كثيرٍ، وقرأ عبد اللَّه: (يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون). [(لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ)]. (لَقَدْ أَخَذْنا) ميثاقهم بالتوحيد (وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا) ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم. (كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ) جملة شرطية وقعت صفة لـ (رسلاً) والراجع محذوف؛ أي: رسول منهم (بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ): بما يخالف هواهم ويضادّ شهواتهم من مشاق التكليف والعمل بالشرائع. فإن قلت: أين جواب الشرط، فإن قوله: (فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ) ناب عن الجواب، لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين ولأنه لا يحسن أن تقول إن أكرمت أخى أخاك أكرمت. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولأنه لا يحسن أن تقول: إن أكرمت أخي، أخاك أكرمت). قال صاحب "التقريب": إنما لم يحسن لأن محل تأثير الشرط هو الفعل، وبتقدم المفعول يبعد عن المؤثر، ولأنها تتوهم بادي الرأي بتقدم المفعول شبهها بالجملة الاسمية التي يجب فيها الفاء. وقلت: الظاهر أن المراد من السؤال برمته طلب المطابقة ومراعاة المناسبة بين الشرط والجزاء من حيث المعنى لا تصحيحه من جهة الإعراب، ومن ثم قال: "لا يحسن"، ألا ترى كيف ذهب أبو البقاء والقاضي إلى أن جواب الشرط: ﴿كَذَبُوا﴾، وتقدير السؤال من وجهين:

стр. 2306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أحدهما: أن المذكور في الشرط رسول واحد؛ لأن قوله: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ بيان لقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً﴾ وتفصيل لصيغة الجمع، أي: كلما جاءهم رسول من الرسل، وفي المذكور فريقان منهم فلا مطابقة. وثانيهما: أن تقديم المفعول مفيد للاختصاص ولا دلالة في الشرط عليه، والواجب المطابقة أيضاً. وأجاب عنه: أن الجواب محذوف والجملة مستأنفة على تقدير الجواب عن سؤال مورده الجملة الشرطية مع موصوفها، وذلك أن في إيقاع قوله: "كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم ناصبوه" بعثاً للسامع على أن يقول: كيف كانت مناصبتهم معهم وهم جاؤوا تترى أشتاتاً؟ فقيل مجيباً: بذلوا جهدهم في تكذيب فريق، وانتهزوا فرصاً لقتل آخرين بما أمكن من الكيد، وأما تقديم المفعول في قوله: "فريقاً يقتلون" فللمحافظة على الفاصلة، وفي ﴿كَذَّبُوا﴾ للمطابقة بين القرينتين، نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ في وجه، وعلى المثال لا تقتضي التقديم أصلاً. وقال صاحب "الانتصاف": يدل على حذف الجواب مجيئه ظاهراً في الآية التي هي توأمة هذه: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]، ولو قدر الزمخشري المحذوف بما ظهر في هذه فقال عوض ناصبوه: استكبروا، لكان أولى. وقلت: لو أتى به لاحتاج إلى تأويل الاستكبار بالمناصبة؛ لأن المقاتلة والتكذيب مسبوقان بالمناصبة، والمناصبة نتيجة الاستكبار وسبب عنه، فقدر المسبب تعليلاً للاعتبار، ألا ترى كيف جيء بالفاء الفصيحة في قوله: ﴿فَفَرِيقاً﴾، أي: استكبرتم فناصبتموهم ﴿فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧].

стр. 2307

قلت: هو محذوفٌ يدل عليه قوله: (فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ) كأنه قيل: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه، وقوله: (فَرِيقاً كَذَّبُوا) جواب مستأنف لقائل يقول: كيف فعلوا برسلهم؟ فإن قلت: لم جيء بأحد الفعلين ماضياً وبالآخر مضارعاً؟ قلت: جيء بـ (يقتلون) على حكاية الحال الماضية استفظاعاً للقتل، واستحضاراً لتلك الحال الشنيعة للتعجب منها. [(وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ) ٧١]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قلت: كيف ذكر المصنف في البقرة وجهين، حيث قال: "إنما لم يقل: وفريقاً قتلتم؟ لان المراد إما حكاية الحال الماضية أو الاستمرار، أي: فريقاً تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد صلوات الله عليه وسلامه"، وقصر هاهنا على وجه واحد؟ قلت: خصص هذه الآية بحكاية حال أسلافهم لقرينة ضمائر الغيب، وترك تلك الآية على الاحتمالين لقرينة ضمائر المخاطبين، ليكون توبيخاً للحاضرين وتعبيراً لهم بفعل آبائهم، ومن ثم عقب هذه الآية بقصة عيسى ﵊ وبقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الآية [المائدة: ٧٨]، وتلك بقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، وبقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ الآيات [البقرة: ٨٨ - ٨٩]. قوله: (ناصبوه)، الأساس: ومن المجاز: نصبنا لهم حرباً، وناصبناهم مناصبة، وناصبت لفلان: عاديته نصباً.

стр. 2308

قرئ: (ألا تكون) بالنصب على الظاهر، وبالرفع على: "أن" هي المخففة من الثقيلة، أصله: أنه لا يكون فتنة فخففت «أن» وحذف ضمير الشأن. فإن قلت كيف دخل فعل الحسبان على "أن" التي للتحقيق؟ قلت: نزل حسبانهم لقوّته في صدورهم منزلة العلم. فإن قلت: فأين مفعولاً "حسب"؟ قلت: سدّ ما يشتمل عليه صلة "أن" و"أنّ" من المسند والمسند إليه مسدّ المفعولين، والمعنى: وحسب بنو إسرائيل أنه لا يصيبهم من اللَّه فتنة، أي: بلاء وعذاب في الدنيا والآخرة. (فَعَمُوا) عن الدين (وَصَمُّوا) حين عبدوا العجل، ثم تابوا عن عبادة العجل فـ (تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا) كرةً ثانيةً ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قرئ: ﴿أَلاَّ تَكُونَ﴾ بالنصب): كلهم سوى أبي عمرو وحمزة والكسائي، فإنهم قرؤوا بالرفع. قوله: (على الظاهر) أي: على "أن" في ﴿أَلاَّ تَكُونَ﴾ هي الناصبة للفعل. اعلم أن الفعل الواقع قبل "أن" لا يخلو من أن لا يحتمل سوى الشك نحو: طمعت أن تقوم، فلا يجوز في مدخولها إلا النصب، لأن المخففة من الثقيلة للتحقيق، والتحقيق ينافي الشك، أو أن لا يحتمل سوى اليقين فلا تكون ناصبة بل مخففة، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠]، أو احتمل الوجهين كما في هذه الآية، فيجوز فيه الأمران. قوله: (ثم تابوا عن عبادة العجل فـ ﴿تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ كرة ثانية بطلبهم المحال). وأيضاً، عطف ﴿وَحَسِبُوا﴾ على ﴿كَذَّبُوا﴾ مؤذن أن هذا الحسبان متأخر عن التكذيب والقتل، ولا ارتياب أنهما تأخرا عن زمان موسى ﵊، ولعله يتشبث بأن الواو ليست للترتيب، والنظم غير منظور إليه، وقال الزجاج: من قرأ (ألا تكون

стр. 2309

بطلبهم المحال غير المعقول في صفات اللَّه وهو الرؤية. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتنة) بالرفع، فالمعنى: أنه لا تكون فتنة، أي: حسبوا فعلهم غير فاتن لهم، وذلك أنهم كانوا يقولون: نهم أبناء الله وأحباؤه فعموا وصموا، يعني أنهم لم يعملوا بما سمعوا ولم يدبروا الآيات فصاروا كالأعمى والأصم، ثم تاب الله عليهم، أي: أرسل إليهم محمداً ﷺ يعلمهم أن الله قد تاب عليهم إن آمنوا وصدقوا فلم يؤمن أكثرهم فقيل: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ بعد أن ازداد لهم الأمر وضوحاً. قلت: يرد هذا القول ما سبق أن قوله: ﴿فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ وارد في حكاية حال أسلاف اليهود دون الحاضرين، و"حسبوا": عطف على قوله: ﴿كَذَّبُوا﴾ يعني: كذبوا وقتلوا وحسبوا أن لا بلاء ولا فتنة، والقول ما ذكره الإمام: أن قوله: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ إنما كان برسول أرسل إليهم مثل داود وسليمان وغيرهما، فتاب الله عليهم فوقعت فترة فعموا وصموا، ويؤيده قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآيات [المائدة: ١٧ - ١٩]، وقوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨]. قوله: (بطلبهم المحال غير المعقول في صفات الله تعالى، وهو الرؤية): تخصيص من غير دليل، على أن فائدة الفاء في الأولى ومن ثم في الثانية لم تظهر، لعل عنده طلب الرؤية أعظم من عبادة العجل، فجيء بثم للتراخي في الرتبة، أو طلب الرؤية تأخر عن عبادة العجل بمدة مديدة، لكن الذي صرح به في قوله تعالى قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]: أن القوم كانوا معه ﵊ في هذه المرة وأن طلب الرؤية كان لجلهم، وكانت عبادة العجل من المتخلفين حينئذ، لقوله تعالى: ﴿قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] فلا يصح إذن.

стр. 2310

وقرئ: (عموا وصموا) بالضم على تقدير: عماهم اللَّه وصمهم؛ أي: رماهم وضربهم بالعمى والصمم، كما يقال: نزكته: إذا ضربته بالنيزك، وركبته: إذا ضربته بركبتك. (كَثِيرٌ مِنْهُمْ): بدلٌ من الضمير، أو على قولهم: أكلوني البراغيث، أو هو خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: أولئك كثير منهم. [(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَاواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ)]. لم يفرق عيسى ﵊ بينه وبينهم في أنه عبد مربوبٌ كمثلهم، وهو احتجاج على النصارى. (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ) في عبادته، أو فيما هو مختص به من صفاته أو أفعاله (فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) التي هي دار الموحدين؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بالنيزك)، الجوهري: هو رمح قصير، فارسي معرب، وقد تكلمت به الفصحاء، وقد نزكه: إذا طعنه. قوله: (أو فيما هو مختص به من صفاته)، هذا من حيث اللفظ كما في إطلاق "الرحمن" على غير الله، ومن حيث المعنى وصف الغير بمعرفة علم الغيب، قال في أول السورة: "الاستقسام هو: طلب ما قسم لشخص مما لم يقسم له بالأزلام"، وهو الإشراك بالله في علم الغيب، أو أن تُنسب الحوادث إلى الكواكب كما كانوا يقولونه: مطرنا بنوء كذا، وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ: ٢٢]، أو أن تنسب الأفعال إلى العباد، كما يقوله المعتزلة، لا كما يقوله أهل السنة: إن الله تعالى خالق الجواهر والأعراض حقيقة، فلا يقال: إن العبد خالق لأفعال نفسه حقيقة.

стр. 2311

أي: حرّمه دخولها ومنعه منه، كما يمنع المحرّم من المحرّم عليه. (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ): من كلام اللَّه على أنهم ظلموا وعدلوا عن سبيل الحق فيما يقولوا على عيسى ﵇، فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم ردّه وأنكره، وإن كانوا معظمين له بذلك ورافعين من مقداره. أو من قول عيسى ﵇، على معنى: ولا ينصركم أحد فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن المعقول. أو ولا ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب اللَّه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما يمنع المحرم) أي: حرم هنا: استعارة تبعية من المنع. قوله: (﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ من كلام الله تعالى)، وقيل: صح هنا "كلام الله" بغير "من"؛ لأن ما تقدم ليس كلام الله، وفي الوجه الثاني: من قول عيسى ﵊ بإثبات "مِن"؛ لأن ما تقدمه في القرآن من كلام عيسى. وقلت: وجود "مِن" وعدمها سواء في صحة المعنى؛ لأن قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ تذييل للكلام السابق، وعلى أن يكون تذييلاً لقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ كأن قوله: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ﴾ أيضاً كلام الله حاكياً كلامه مقرراً لكلامه ، فنه تعالى لما نعى على النصارى قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ في أنها كلمة شنعاء وقائلها كافر مبالغ في وضع الشيء غير موضعه أتى بقول عيسى ﵊ بياناً لتبريه عنهم وخذلانه إياهم فذيله بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ تأكيداً، وإليه الإشارة بقوله: "رده وأنكره وإن كانوا معظمين له"، وإذا كان تذييلاً لكلام عيسى ﵇، وأنه ﵊ لما سوى بينه وبينهم في العبودية بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ رداً لزعمهم أن الله هو المسيح، وعلله بقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَاوَاهُ النَّارُ﴾ زيادة للتبري عنهم ذيله بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ مزيداً للتقرير، يعني أني بريء مما تقولون، ولا يصح لي أن أساعدكم

стр. 2312

[(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ* أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَاكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)]. (مِنْ) في قوله: (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ) للاستغراق، وهي القدرة مع "لا" التي لنفي الجنس في قولك: لا إله إلا الله، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأنصركم مع هذا الظلم؛ لأن العارف العالم لا يساعد أحداً على الظلم الفاحش والباطل البين بطلانه، والوجه الأول أبلغ؛ لأن في الجملة القسمية معنى التعجبن وقد قيدت بالحال المقررة لجهة الإشكال، وهي قوله: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ﴾، كأنه قيل: ما أكفرهم، والحال أن عيسى ﵊ وصاهم بخلافه وبالغ في الوصية وأكدها أبلغ تأكيد. قوله: (﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ للاستغراق، وهي المقدرة مع "لا" التي لنفي الجنس في قولك: لا إله إلا الله). قال صاحب "الإقليد": إن إفادة "مِن" الاستغراقية الاستغراق لأنها تدخل لابتداء الجنس إلى انتهائه، فقولك: هل من رجل؟ تقديره: هل من واحد هذا الجنس إلى أقصاه؟ إلا أنه اكتفى بذكر "مِن" عن ذكر "إلى" لدلالة إحدى الغايتين على الأخرى، وإنما قيل: إن مثل "لا رجل" متضمن لمعنى "مِنَ" الاستغراقية؛ لأن "لا رجل في الدار" أبلغ في النفي من "لا رجل في الدار" بالرفع، ومن "ليس رجل في الدار"، ولا يمكن تقدير ما يكون به كذلك إلا بحرف مؤكد مثبت للاستغراق، فوجب تقدير "مِن"، ولو كانت "لا" مفيدة للاستغراق لذاتها لما جاز قولهم: لا رجل في الدار بل رجلان. فإن قلت: هذا مخالف لقوله في آل عمران: "ومن" في "ما من إله إلا الله" بمنزلة البناء على الفتح في قوله: "لا إله إلا الله" في إفادة معنى الاستغراق"، قلت: قد وجه هناك أن الفتح

стр. 2313

والمعنى: وما إلهٌ قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له، وهو اللَّه وحده لا شريك له: و"من" في قوله: (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) للبيان كالتي في قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ) [الحج: ٣٠]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يجوز أن يكون فرعاً على "مِن"، وأن يكون كالأصل بنفسه، وإذا كان أصلاً جاز أن يُفرع عليه، وإذا كن فرعاً جاز أن يبلغ اشتهاره في الاستعمال بحيث يعكس معه الأمر كالصلاة في عرف الشرع واللغة. قوله: (وما إله قط في الوجود إلا إله). قال أبو البقاء: ﴿مِنْ﴾ زائدة، و ﴿إِلَه﴾ في موضع مبتدأ، والخبر محذوف، و ﴿إِلاَّ اللَّهَ﴾ بدل من ﴿إِلَه﴾، وقال القاضي: ما في الوجود ذات مستحق للعبادة من حيث إنه مبديء جميع الموجودات إلا إله موصوف بالوحدانية متعال عن قبول الشركة، وقال الإمام: في تفسير ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾: قدر النحويون: لا إله في الوجود، وذلك غير مطابق للتوحيد الحق؛ لأن هذا نفي لوجود الإله الثاني، ولو لم يُضمر هذا الإضمار لكان "لا إله" نفياً لماهية الإله الثاني، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود. وقلت: الإمام اختار مذهب التميمي، والمصنف لو ترك التقدير بقوله: "في الوجود" ليبقى مطلقاً فيتناول الوجود والإمكان وما يجري مجراهما، لكان أولى، وذكر في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]: "إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات، كقولك: ثابت واجب حق لازم وما أشبه ذلك، كان أقوى لإيجابه من النص على واحد".

стр. 2314

فإن قلت: فهلا قيل: وللكافرين عذابٌ أليمٌ؟ قلت: في إقامة الظاهر مقام المضمر فائدة، وهي تكرير الشهادة عليهم بالكفر في قوله: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا) وفي البيان فائدةٌ أخرى، وهي الإعلام في تفسير (الذين كفروا منهم) أنهم بمكانٍ من الكفر، والمعنى: ليمسنّ الذين كفروا من النصارى خاصة (عَذابٌ أَلِيمٌ) أي: نوع شديد الألم من العذاب كما تقول: أعطني عشرين من الثياب؛ تريد: من الثياب خاصةً لا من غيرها من الأجناس التي يجوز أن يتناولها "عشرون"، ويجوز أن تكون للتبعيض على معنى: ليمسنّ الذين بقوا على الكفر منهم؛ لأنّ كثيراً منهم تابوا من النصرانية. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفي البيان فائدة أخرى، وهي الإعلام في تفسير ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ أنهم بمكان من الكفر)، يعني: لما ذكر أولاً ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ على أن التعريف للجنس مبهماً ومعمماً ثم أوقع قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ تفسيراً للمبهم وتخصيصاً للعام، أفاد أنهم علم في الكفر وبمكان منه، قال في قوله تعالى: ﴿أَنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ١٠ - ١١]: "سجل عليهم الظلم بأن قدم ﴿الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، ثم عطفهم عليهم عطف البيان، كأن معنى ﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وترجمته: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ ". وقال في الفاتحة: "قولك: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم؟ فلان أبلغ من فلان الأفضل؛ لأنك ثنيت ذكره مجملاً أولاً ومفصلاً ثانياً، وأوقعت فلاناً تفسيراً للأكرم والأفضل، فجعلته علماً في الكرم والفضل". ويمكن أن يُقال: إنه من باب رأيت منك أسداًن فجرد من نفس النصارى الذين كفروا، فعُلم أنهم من جنس ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، مبالغة لكمال الكفر فيهم. قوله: (ليمسن الذين بقوا على الكفر منهم) فالتعريف على هذا: للعهد، قال أبو البقاء: منهم: في موضع الحال، إما من ﴿الَّذِينَ﴾ أو من ضمير الفاعل في ﴿كَفَرُوا﴾.

стр. 2315

(أَفَلا يَتُوبُونَ): ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكرّرة عليهم بالكفر، وهذا الوعيد الشديد مما هم عليه، وفيه تعجب من إصرارهم (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ): يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم. (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) صفة لـ (رسول) أي: ما هو إلا رسولٌ من جنس الرسل الذين خلوا من قبله، جاء بآياتٍ من اللَّه كما أتوا بأمثالها، أن أبرأ اللَّه الأبرص وأحيا الموتى على يده، فقد أحيا العصا وجعلها حيةً تسعى، وفلق بها البحر وطمس على يد موسى، وإن خلقه من غير ذكر، فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى. (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) أي: وما أمه أيضاً إلا كبعض النساء المصدّقات للأنبياء، المؤمنات بهم، فما منزلتهما إلا منزلة بشرين، أحدهما نبي، والآخر صحابي، فمن أين اشتبه عليكم أمرهما حتى وصفتموهما بما لم يوصف به سائر الأنبياء وصحابتهم مع أنه لا تميز ولا تفاوت بينهما وبينهم بوجه من الوجوه؟ ! ثم صرح ببعدهما عما نسب إليهما في قوله: (كانا يَاكُلانِ الطَّعامَ) لأنّ مَنِ احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض لم يكن إلا جسماً مركباً من عظمٍ ولحمٍ وعروقٍ وأعصابٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ألا يتوبون؟ ) فسر ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ﴾ به للإيذان بأن الهمزة للإنكار، ولا: نافية، والفاء: عاطفة على محذوف، أي: أيصرون فلا يتوبون؟ ففيه معنى التعجب على الإصرار والتحضيض على التوبة. قوله: (ثم صرح ببعدهما عما نسب إليهما). قال القاضي: بين أولاً أقصى ما لهما من الكمالات، ودل على أنه لا يوجب لهما الألوهية؛ لأن كثيراً من الناس يشاركهما، ثم نبه على نقصهما، وذكر ما ينافي الربوبية ويقتضي أن يكونا من عداد المركبات، وقلت: يمكن أن تكون
следующие страницы →