Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ* فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ* ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَاتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ)].
ارتفع (اثنان) على أنه خبر للمبتدأ الذي هو (شَهادَةُ بَيْنِكُمْ) على تقدير:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: وأما زيادة التقرير فهو أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ لا يخلو من أن يكون مجزوماً على جواب الأمر، فالمعنى: احفظوا أنفسكم والزموا صلاحها لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، أي: إذا حفظتموها لا يضركم من ضل، فإن لم تحفظوها بأن تصروا على ذكر مثالبهم يكن سبباً لأن تتضرروا بالملازمة عليها، أو أن يكون نهياً للضلال عن إيصال الضرر إلى المؤمنين على منوال قولهم: لا أرينك هاهنا، أو أن يكون خبراً مرفوعاً على تقدر سؤال، كأنه لما قيل لهم: الزموا أنفسكم واحفظوها عن أن تشتغلوا بمساوئهم قالوا: لِمَذا؟ فأجيبوا: لئلا يضركم ضلال من ضل، هذا وإن الظاهر: الزموا أنفسكم ولا تهتموا بشأنهم ولا تتأسفوا على ما فيه الفسقة من الفجور، فإنا لا نؤاخذكم بفعلهم كأنهم من فرط حرصهم وتهالكهم على صلاحهم حسبوا أنهم يتضررون بفسقهم، فرد عليهم، ولهذا ابتدأ بقوله: "كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتو"، وعليه قوله تعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨].
قوله: (الذي هو ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾) اتسع في "بين" وأضيف إليه المصدر، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] بالرفع.
стр. 2382
شهادة بينكم شهادة اثنين. أو على أنه فاعل (شهادة بينكم) على معنى: فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان.
وقرأ الشعبي: (شهادة بينكم) بالتنوين. وقرأ الحسن: (شهادة) بالنصب والتنوين، على: ليقم شهادة اثنان، (وإِذا حَضَرَ) ظرفٌ للشهادة، و (حِينَ الْوَصِيَّةِ) بدل منه، إبداله منه دليل على وجوب الوصية، وأنها من الأمور اللازمة التي ما ينبغي أن يتهاون بها مسلمٌ ويذهل عنها. وحضور الموت: مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل (مِنْكُمْ): من أقاربكم. و (مِنْ غَيْرِكُمْ): من الأجانب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية)، قال الإمام: قالوا: قوله تعالى: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ دليل على وجوب الوصية؛ لأنه تعالى جعل زمان حضور الموت حين زمان الوصية، وهذا إنما يكون إذا كانا متلازمين، وإنما تحصل هذه الملازمة حين وجوب الوصية.
وقلت: والأظهر أن قول المؤلف: "وأنها من الأمور اللازمة التي لا ينبغي أن يتهاون بها" عطف تفسيري على قوله: "وجوب الوصية"، ودلالة على أن الإبدال فيه للتأكيد والتقرير والثبوت دون الوجوب المتعارف، ولهذا اقتصر القاضي وصاحب "التقريب" على التفسير دون المفسر، حيث قالا: وفي إبداله منه تنبيه على أن الوصية مما ينبغي ألا يتهاون فيها، ولم يذكر لفظ الوجوب، ومثله في دلالة الإخباري المنظور فيه المبالغة على الوجوب قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣]، قال: فيه معنى النهي، ولكن أبلغ وآكد من "لا ينكح".
стр. 2383
(إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ): يعني: إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من عشيرتكم، فاستشهدوا أجنبيين على الوصية، جعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بأحوال الميت وبما هو [له] أصلح، وهم له أنصح. وقيل: (مِنْكُمْ): من المسلمين، و (مِنْ غَيْرِكُمْ) من أهل الذمة. وقيل: هو منسوخٌ لا تجوز شهادة الذمي على المسلم، وإنما جازت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذر وجودهم في حال السفر. وعن مكحولٍ: نسخها قوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢].
وروي: أنه خرج بديل بن أبى مريم مولى عمرو بن العاص وكان ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وروي أنه خرج بديل بن أبي مريم)، والصحيح: بُزيلُ بن أبي مريم بالياء المنقوطة من تحت والضم وفتح الزاي في "تاب الترمذي"، والذي جاء في "كتاب ابن أمير ماكولا": يزيل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاص في "الجامع"، وفي "صحيح البخاري" والترمذي وأبي داود، عن ابن عباس ﵄، قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي في أرض ليس بها مسلم، فلما قدموا فقدوا جاما من فضة مخوصاً بذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ ، ثم وُجد الجام بمكة، فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي بن بداء، فقام رجلان من أوليائه فحلفا: لشهادتههما أحق من شهادتهما وإن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية.
стр. 2384
من المهاجرين مع عدي بن زيد وتميم بن أوسٍ- وكانا نصرانيين- تجاراً إلى الشام، فمرض بديلٌ وكتب كتاباً فيه ما معه، وطرحه في متاعه ولم يخبر به صاحبيه وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله، ومات ففتشا متاعه فأخذا إناءً من فضةٍ فيه ثلاث مئة مثقالٍ منقوشاً بالذهب، فغيباه، فأصاب أهل بديلٍ الصحيفة فطالبوهما بالإناء، فجحدا، فرفعوهما إلى رسول اللَّه ﷺ ؛ فنزلت.
(تَحْبِسُونَهُما): تقفونهما وتصبرونهما للحلف، (مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ): من بعد صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع الناس.
وعن الحسن: بعد صلاة العصر أو الظهر؛ لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما. وفي حديث بديلٍ أنها لما نزلت صلى رسول اللَّه ﷺ صلاة العصر ودعا بعديّ وتميمٍ فاستحلفهما عند المنبر فحلفا، ثم وجد الإناء بمكة، فقالوا: إنا اشتريناه من تميم وعدي.
وقيل: هي صلاة أهل الذمّة وهم يعظمون صلاة العصر.
(إِنِ ارْتَبْتُمْ): اعتراضٌ بين القسم والمقسم عليه. والمعنى: إن ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فيه ثلاث مئة مثقال) تجريد، نحو قولك: في البيضة عشرون رطلاً من حديد، أي: هي نفسه هذا المقدار.
قوله: (وتصبرونهما للحلف). النهاية: في الحديث: "من حلف على يمين صبراً"، أي: ألزم بها وحبس عليها، وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم.
стр. 2385
وقيل: إن أريد بهما الشاهدان فقد نسخ تحليف الشاهدين، وإن أريد الوصيان فليس بمنسوخ تحليفهما.
وعن علي ﵁: أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما.
والضمير في (به) للقسم، وفي (كانَ) للمقسم له يعني: لا نستبدل بصحة القسم باللَّه عرضاً من الدنيا؛ أي: لا نحلف كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريباً لنا. على معنى: أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً، وأنهم داخلون تحت قوله تعالى: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) [النساء: ١٣٥].
(شَهادَةَ اللَّهِ) أي: الشهادة التي أمر اللَّه بحفظها وتعظيمها. وعن الشعبي أنه وقف على "شهادة" ثم ابتدأ "اللَّه" بالمدّ على طرح حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه. وروي عنه بغير مدّ على ما ذكر سيبويه أن منهم من يحذف حرف القسم ولا يعوض منه همزةً الاستفهام، فيقول: اللَّه لقد كان كذا. وقرئ: (لملاثمين) بحذف الهمزة وطرح حركتها على اللام وإدغام نون "من" فيها، كقوله: (عاد لولى).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فقد نُسخ تحليف الشاهدين)، قيل: الناسخ قوله ﷺ : "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، والله أعلم. وقيل: أول من قاله قس بن ساعدة الإيادي.
قوله: (أن هذه عادتهم في صدقهم)، والدلالة على العادة والتوكيد بقوله: "أبداً"، انضمام ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [المائدة: ١٠٦] مع قوله: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً﴾ تتميماً ومبالغة، يعني: إذا لم يحلف لذي القربى فبالطريق الأولى ألا يحلف للغير أبداً، وهذا إنما يستقيم إذا أريد تحليف الشاهدين دون الوصيين، وذلك أن الشرطية، وهي قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ جيء بها لتأكيد المقسم به، أي: لم يكن من عادتنا أن نشتري به ثمناً ولو وُجد ذو قربى.
стр. 2386
فإن قلت: ما موقع (تحبسونهما)؟ قلت: هو استئناف كلامٍ، كأنه قيل: بعد اشتراط العدالة فيهما، فكيف نعمل إن ارتبنا بهما، فقيل: تحبسونهما فإن قلت: كيف فسرت (الصلاة) بصلاة العصر وهي مطلقة؟ قلت: لما كانت معروفة عندهم بالتحليف بعدها، أغنى ذلك عن التقييد، كما لو قلت في بعض أئمة الفقه: إذا صلى أخذ في الدرس علم أنها صلاة الفجر. ويجوز أن تكون اللام للجنس، وأن يقصد بالتحليف على أثر الصلاة أن تكون الصلاة لطفاً في النطق بالصدق، وناهية عن الكذب والزور (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: ٤٥].
(فَإِنْ عُثِرَ): فإن اطلع (عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً) أي: فعلا مّا أوجب إثما، واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين (فَآخَرانِ) فشاهدان آخران (يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ) أي: من الذين استحق عليهم الإثم. معناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته. وفي قصة بديلٍ: أنه لما ظهرت خيانة الرجلين، حلف رجلان من ورثته أنه إناء صاحبهما وأنّ شهادتهما أحق من شهادتهما: و (الْأَوْلَيانِ): الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، وارتفاعهما على: هما الأوليان كأنه قيل ومن هما؟ فقيل: الأوليان .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾: فإن اطلع). الأساس: دابة بها عثار: لا تزال تعثر، وخرج متعثراً في أذياله، ومن المجاز: عثر على كذا: اطلع عله، وأعثره على كذا: أطلعه.
اعلم أن هذه الآية من أشكل ما في القرآن من الإعراب، قاله الزجاج، وقال الواحدي ﵀: روى عن عمر ﵁: هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، وقال الإمام: اتفق المفسرون على أن هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً.
стр. 2387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال القاضي: ومعنى الآيتين أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يُشهد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيته، فإن لم يجدهما، بأن كان في سفر، فآخران من غيرهم، ثم إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت، فإن اطلع على أنهما كذبا بأمارة أو مظنة، حلف آخران من أولياء الميت، والحكم منسوخ، إن كان الإثنان شاهدين فنه لا يحلف الشاهدان، لا تعارض يمينهما يمين الوارث، وإن كانا وصيين تُرد اليمين على الورثة إما لظهور خيانة الوصيين، فإن تصديق الوصي باليمين لأمانته، أو لتغيير الدعوى.
وقلت: هذا تلخيص المعنى، وهو في غاية من الجودة، وأما حل مشكل الآية فقد أشار إليه المصنف بحيث لا مزيد عليه.
قال أبو البقاء: قوله: ﴿عَلَى أَنَّهُمَا﴾، قائم مقام الفاعل، و"آخران": فاعل فعل محذوف، أي: فليشهد آخران، و ﴿يَقُومَانِ﴾: صفة "آخران"، و ﴿مِنْ الَّذِينَ﴾: صفة أخرى لـ "آخران".
قلت: فعلى هذا ﴿الأَوْلَيَانِ﴾: خبر مبتدأ محذوف والجملة مستأنفة على تقدير سؤال، كأنه لما قيل: فإن عُلم أن الشاهدين قد خانا فيقم شاهدان آخران من الذين جُني عليهم فقيل: من هما؟ فأجيب: الحقان بالشهادة من أقرباء المجني عليه.
وقال الزجاج: قيل: معنى: ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وقيل: استحق منهم كقوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ [المطففين: ٢]، أي: منهم.
стр. 2388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال صاحب "الكشف": أما ما يُسند إليه استحق فلا يخلو من أن يكون الإيصاء أو الوصية أو الإثم أو الجار والمجرور، وإنما جاز استحق الإثم لأن أخذه ثم فسُمي إثماً كما يسمى ما يؤخذ منك بغير حق مظلمة، قال سيبويه: الملمة: اسم ما أخذ منك، وكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر، وأما معنى ﴿عَلَيْهِمْ﴾ فيحتمل أن يكون بمنزلة على في قولك: استحق على زيد مال بالشهادة، أي: لزمه ووجب عليه الخروج منه؛ لأن الشاهدين لما عُثر على خيانتهما استحق عليهما ما ولياه من أمر الشهادة والقيام بها ووجب عليهما الخروج منها وترك الولاية لها، فصار إخراجهما منها مستحقاً عليهما كما يستحق على المحكوم عليه الخروج مما وجب عليه، وأن يكون بمنزلة في، أي: استحق فيهم، وأن يكون بمنزلة من، أي: استحق منهم الإثم.
وقلت: الحق أن يكون استحق مسنداً إلى الإثم، وأن يكون من باب المشاكلة والتضمين لقوله: "ومعناه: من الذين جُني عليهم"، والذي دعاه إلى هذا دعاه إلى هذا التأويل ابتناء قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً﴾ على قوله: ﴿إِنَّا إِذاً لَمِنْ الآثِمِينَ﴾؛ لأن المعنى: إن كتمنا الحق كنا من الخائنين، ثم إن اطلع على أنهما قد خانا وجنيا على المشهود عليه واستحقا إثماً بذلك فآخران يقومان مقامهما بالشهادة، فكني عن قوله: "قد خانا وجنيا" بقوله: ﴿اسْتَحَقَّا إِثْماً﴾ ليُشاكل الكلام السابق وهو: ﴿إِنَّا إِذاً لَمِنْ الآثِمِينَ﴾، يدل عليه قوله: "واستوجبا أن يقال: إنهما لمن الآثمين"، ثم عبر عن المشهود عليهم بقوله: "استحق عليهم الإثم" ليشاكل ما عبر به عن الجاني، وهو ﴿اسْتَحَقَّا إِثْماً﴾؛ لأن الجاني إذا كُني عنه بأنه استحق الإثم فالمناسب أن يثكنى عن المجني عليه بقوله: استحق الإثم عليه، فقول المصنف: "من الذي جنى عليهم" تخليص المعنى وزُبدته.
стр. 2389
وقيل: هما بدل من الضمير في (يقومان) أو من (آخران). ويجوز أن يرتفعا بـ (استحق) أي: من الذين استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال. وقرئ: (الأوّلين) على أنه وصف لـ (الذين استحق عليهم) مجرورٌ، أو منصوبٌ على المدح.
ومعنى الأولية: التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحق بها، .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هما: بدل من الضمير في ﴿يَقُومَانِ﴾. قال الزجاج: ﴿الأَوْلَيَانِ﴾: في قول أكثر البصريين مرتفعان على البدل من الضمير في ﴿يَقُومَانِ﴾، المعنى: فليقم الأوليان بالميت مقام هذين الخائنين فيقسمان بالله.
قوله: (ويجوز أن يرتفعا بـ ﴿اسْتَحَقَّ﴾) أي: ﴿الأَوْلَيَانِ﴾: يكون فاعل ﴿اسْتَحَقَّ﴾ لا "الإثمُ"، فعلى هذا ﴿اسْتَحَقَّ﴾ بمعنى: استوجب، ولابد من تقدير المضاف؛ لأن الواجب على أهل الميت أن يختاروا من بينهم شخصين من أقارب الميت موصوفين بالأولوية من غيرهم لاطلاعهم على حقيقة الحال، وإليه الإشارة بقوله: " ﴿مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ﴾ انتداب الأوليين".
الجوهري: ندبه لأمر فانتدب له، أي: دعاه له، فأجاب. الأساس: رجل ندب: إذا نُدب لأمر خف له، وفلان مندوب لأمر عظيم وندب لكذا، وإلى كذا، فانتدب له.
قوله: (وقرئ: "الأولين") أي: بالجمع: أبو بكر وحمزة، والباقون: ﴿الأَوْلَيَانِ﴾ على التثنية.
قوله: (على أنه وصف لـ ﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ﴾)، المعنى: آخران يقومان من الذين جُني عليهم المقدمين على الأجانب، وقوله: "مجرور" صفةٌ "لوصف".
стр. 2390
وقرئ: (الأولين) على التثنية، وانتصابه على المدح. وقرأ الحسن: (الأولان) ويحتج به من يرى رد اليمين على المدعي. وأبو حنيفة وأصحابه لا يرون ذلك، فوجهه عندهم أن الورثة قد ادعوا على النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا، فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما، فأنكر الورثة فكانت اليمين على الورثة، لإنكارهم الشراء.
فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: (استحق عليهم الأوليان) على البناء للفاعل، وهم على وأبيّ وابن عباس؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "الأولين" بالتثنية، وانتصابه على المدح)، فعلى هذا هو جار على ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ﴾، لا على ﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ﴾ لعدم المطابقة، وإنما يجعله وصفاً كما في قراءة "الأولين"، لاختلافهما نكرة ومعرفة.
قوله: (فوجه عندهم) أي: أصحاب أبي حنيفة ﵀، فإن رد اليمين على المدعي غير سائغ عندهم، لكن قوله: "فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما تما، فأنكر الورثة فكانت اليمين على الورثة"، ليس في رواية البخاري والترمذي وأبي داود ما ينبئ عنه، وظاهر التنزيل يأباه؛ لأن ترتب الجزاء، وهو قوله: ﴿فَآخَرَانِ﴾، على ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾، ثم ترتبه على قوله: ﴿إِنَّا إِذاً لَمِنْ الآثِمِينَ﴾ مانع من تخلل هذا الأجنبي في البين، على أنه تعالى صرح بالرد والتعقيب في قوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ وجعله قانوناً لمثل هذا الحكم، والله أعلم.
قوله: (من قرأ ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الأَوْلَيَانِ﴾ على البناء للفاعل) قراها حفص، أي: حق ووجب عليهم افثم، حق واستحق بمعنى في "المعالم".
стр. 2391
قلت: معناه: من الورثة الذين (استحق عليهم الأوليان) من بينهم بالشهادة أن يجرّدوهما للقيام بالشهادة، ويظهروا بهما كذب الكاذبين (ذلِكَ) الذي تقدم من بيان الحكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن يجردوهما) قيل: هو مفعول ﴿اسْتَحَقَّ﴾، والفاعل ﴿الأَوْلَيَانِ﴾، وقلت: معنى هذا يعود إلى قوله: "استحق عليهم انتداب الأوليين"، و"من بينهم": حال من الفاعل، و"بالشهادة": متعلق بـ ﴿الأَوْلَيَانِ﴾، أي: الأحقان بالشهادة، والواو في "ويظهروا" كالواو في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥] في إفادة تعويل الترتيب إلى الذهن على مذهب صاحب "المفتاح"، أي: يشهدوا ويظهروا بهما.
قوله: (﴿ذَلِكَ﴾ الذي تقدم من بيان الحكم) وهو ما ذكر من رد اليمين أو تغيير الحكم على الاختلاف أجدر وأحرى أن يأتوا بالشهادة على وجه التحقيق، و ﴿عَلَى وَجْهِهَا﴾: حال من الشهادة، أي: محققة، المعنى: أن من حق الشهادة أن تشهد على ما هي عليه أو أن تترك إذا لم تكن محققة مخافة أن يفتضح الشاهد إذا ظهر خلافها، أو "إلى" مقدرة قبل ﴿أَنْ يَاتُوا﴾، والتقدير: ذلك الحكم الذي ذكرناه أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها مما كنتم تفعلونه، وأقرب إلى خوف الفضيحة، فتمتنعوا من ذلك، فعلى هذا ﴿أَوْ يَخَافُوا﴾: عطف على ﴿أَنْ يَاتُوا﴾، فيكون من باب قوله: علفتها تبناً وماءً بارداً، والمعنى ما قاله الواحدي: ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين أدنى إلى الإتيان بالشهادة على ما كانت عليه، أو أقرب إلى أن ترد أيمان على أولياء الميت بعد أيمانهم فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا ويغرموا فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم.
стр. 2392
(أَدْنى) أن يأتي الشهداء على نحو تلك الحادثة (بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ): أن تكرّ أيمان شهودٍ آخرين بعد أيمانهم فيفتضحوا بظهور كذبهم كما جرى في قصة بديل. (وَاسْمَعُوا) سمع إجابة وقبول.
[(يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ* إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ)].
(يَوْمَ يَجْمَعُ) بدل من المنصوب في قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) [المائدة: ١٠٨] وهو من بدل الاشتمال، كأنه قيل: واتقوا اللَّه يوم جمعه، أو ظرف لقوله: (لا يَهْدِي) [ألمائدة: ١٠٨] أي: لا يهديهم طريق الجنة يومئذ كما يفعل بغيرهم. أو ينصب على إضمار اذكر. أو (يوم يجمع اللَّه الرسل) كان كيت وكيت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن تكر)، ويروي "تكر" بغير "أن". الجوهري: يقال كره وكر بنفسه، يتعدى ولا يتعدى.
قوله: (وهو من بدل الاشتمال). الانتصاف: يكون منصوباً مفعولاً به لا ظرفاً. الإنصاف: لا يتصور هاهنا بدل الاشتمال؛ لأنه لابد من اشتمال البدل أو المبدل منه على الآخر، وهاهنا يستحيل ذلك، وإنما يتم ذلك ببيان المضمر، فإن تقديره: واتقوا عذاب الله يوم، وحينئذ يصح البدل لاشتمال ﴿يَوْمَ﴾ على العذاب.
стр. 2393
و (ماذا) منتصب بـ (أجبتم) انتصاب مصدره على معنى: أي إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم؟ فإن قلت: ما معنى سؤالهم؟ قلت: توبيخ قومهم، كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.
فإن قلت: كيف يقولون: (لا عِلْمَ لَنا) وقد علموا بما أجيبوا؟ قلت: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم، فيكلون الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا به منهم وكابدوا من سوء إجابتهم إظهاراً للتشكى واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم، وذلك أعظم على الكفرة وأفت في أعضادهم، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم؛ إذا اجتمع توبيخ اللَّه وتشكى أنبيائه عليهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على معنى: أي إجابة أجبتم؟ ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم؟ )، قال صاحب "المفتاح": أي: سؤال عما يميز أحد المتشاركين عن أمر يعمهما بقول القائل: عندي ثياب، فيقول: أي ثياب هي؟ فيطلب منه وصفاً يميزها عندك عما يشاركها في الثوبية. فالمعنى: أي إجابة أجبتم: إجابة تصديق أو تكذيب، أو إجابة رد أو قبول، طاعة أو عصيان؟ ولو أريد السؤال عن مقولهم بمعنى: ما قالوا لكم؟ لقيل: بماذا، بإدخال الباء، قال القاضي: ماذا: في موضع المصدر، أو بأي شيء أجبتم، فحذف الجار، والمصنف لم يلتفت إلى الثاني.
قوله: (بما منوا به). الجوهري: منوته ومنيته: إذا ابتليته.
قوله: (وأفت في أعضادهم). الأساس: فت في عضده: إذا كسر قوته وفرق أعوانه.
قوله: (وسقوطهم في أيديهم)، الأساس: سقط في يده وأسقط وسقط على المبني للفاعل: ندم، وهو مسقوط في يده وساقط في يده: نادم.
стр. 2394
ومثاله أن ينكب بعض الخوارج على السلطان خاصةً من خواصه نكبةً قد عرفها السلطان واطلع على كنهها وعزم على الانتصار له منه، فيجمع بينهما ويقول له: ما فعل بك هذا الخارجي وهو عالم بما فعل به، يريد توبيخه وتبكيته، فيقول له: أنت أعلم بما فعل بي تفويضاً للأمر إلى علم سلطانه، واتكالا عليه، وإظهاراً للشكاية، وتعظيماً لما حل به منه. وقيل: من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعد ما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم. وقيل: معناه علمنا ساقط مع علمك ومغمور به، لأنك علام الغيوب، ومن علم الخفيات لم تخف عليه الظواهر التي منها إجابة الأمم لرسلهم، فكأنه لا علم لنا إلى جنب علمك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن ينكب)، الأساس: نكب عنه ينكب ونكبت الريح: مالت عن مهاب الرياح، ومن المجاز: نكب في عدوه.
قوله: (للشكاية)، الجوهري: شكوت فلاناً أشكوه شكاية وشكوى وشكاة بفتح الشين المعجمة: إذا أخبرت عنه بسوء فعله بك.
قوله: (وقيل: من هول ذلك اليوم)، ويروي: "هو من هول ذلك اليوم"، الضمير راجع إلى القول، وهو ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾، أي: وقيل: هذا القول صدر منهم من هول ذلك اليوم، ثم استأنف بقوله: "يفزعون"، فكأنه قيل: ما بالهم تكلموا به وقد سئلوا عن شيء وأجابوا بما لم يطابق السؤال، فأجيب: لأنهم "يفزعون ويذهلون عن الجواب"، فقوله: "وقيل: هو من هول ذلك اليوم" معطوف على قوله: "يعلمون أن الغرض" أي: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم فيكلون الأمر إلى علمه قائلين: ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾، ويجوز أنهم يذهلون عن الجواب ويقولون: ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾، ثم بعد ما ترجع إليهم عقولهم يجيبون بالشهادة على أممهم.
قوله: (معناه: علمنا ساقط مع علمك)، هذا جواب آخر، على طريقة الأسلوب الحكيم، لأنه جواب بإثبات العلم لله على طريقة يُعلم منها المقصود، وذلك قوله: "لم تخف عليه الظواهر التي منها إجابة الأمم لرسلهم".
стр. 2395
وقيل: لا علم لنا بما كان منهم بعدنا، وإنما الحكم للخاتمة، وكيف يخفى عليهم أمرهم وقد رأوهم سود الوجوه زرق العيون موبخين؟
وقرئ: (علام الغيوب) بالنصب على أنّ الكلام قد تم بقوله: (إِنَّكَ أَنْتَ) أي: إنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره، ثم نصب (علام الغيوب) على الاختصاص، أو على النداء، أو هو صفةٌ لاسم "إنّ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكيف يخفى عليهم أمرهم؟ ) رد واعتراض على القول اخير، وفيه إضمار، وذلك أنه تعالى لما سألهم بقوله: أي إجابة أجبتم، إجابة قبول أم رد، طاعة او عصيان؟ فقالوا: لا علم لنا بما كان منهم بعدنا، يعني: ما دمنا فيهم أجاب بعضهم إحابة طاعة وقبول، وبعضهم إجابة معصية ورد، فلما توفيتنا كنت أنت الرقيب عليهم، نحن لا نعلم ما كان منهم بعدنا: هل بدلوا وغيروا أم ثبتوا وداموا؟ لأن الحكم للخاتمة، وهذا لا يصح؛ لأن أمارات سوء الخاتمة لائحة من وجوههم وعيونهم، فكيف يقولون: نحن لا نعلم الخاتمة؟
قوله: (أي: إنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره)، فالتركيب حينئذ من باب قوله:
أنا أبو النجم وشعري شعري
قوله: (أو هو صفة لاسم "إن")، قيل: فيه نظر؛ لان اسم "إن" ضمير، والضمير لا يوصف. وأجيب أن النظر مدفوع؛ لأنه يذكر الأقوال المذكورة، وبعضهم جوز وصف الضمير، وهذا بناء على ذلك المذهب.
الانتصاف: هو كقوله:
أنا أبو النجم وشعري شعري
الإنصاف: وقع في كلام الزمخشري أنه منصوب على النداء أو الاختصاص أو نعت لاسم
стр. 2396
(إِذْ قالَ اللَّهُ) بدلٌ من (يَوْمَ يَجْمَعُ). والمعنى: أنه يوبخ الكافرين يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم، وبتعديد ما أظهر على أيديهم من الآيات العظام،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"إن" وهو بعيد؛ لأن المضمرات لا توصف، واسم "إن" ضمير واحد. وفر صاحب "الانتصاف" من ذلك ولم ينبه عليه، وهو من المشكلات.
وقلت: ولا ارتياب أن الكلام إذا قُطع عند قوله: ﴿أَنْتَ﴾، كما صرح به وعقبه بقوله: "ثم نُصب" لم يكن لقوله: "علام الغيوب" تعلق إعرابي به، فلا وجه لجعله صفة نحوية، فيكون التقدير: يا علام الغيوب، على النداء، أو: اذكر علام الغيوب، على المدح، او: أعني علام الغيوب، على الوصف والتفسير. فإذن: الجملة الثانية بيان للجملة الأولى من حيث الصفة التي يستدعيها المقام، على طريقة: أنا أبو النجم، وأنت تعلم أن نحو هذا التركيب لا يفيد معنى بنفسه ما لم يستند إلى ما ينبئ عن وصف خاص، وها هنا لما قيل: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾، يعني إنك أنت الموصوف بأوصافك، لم يُعلم أن الصفة التي يقتضيها المقام ما هي؟ فقيل: "علام الغيوب" للكشف والبيان، والبيان يدل عليه إيقاع قوله: "من العلم وغيره" بياناً لقوله: "بأوصافك المعروفة"، ليكون شاملاً لجميع الأصواف، فيحتاج حينئذ إلى تعيين ما يقتضيه المقام، وكذلك دل قوله: "وشعري شعري" على الوصف الذي يستدعيه "أنا"، أي: أنا ذلك المشهور بالبلاغة والفصاحة، وشعري هو البالغ في الكمال.
قوله: (﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ﴾، وقلت: ولما كان البدل كالتفسير للمبدل ولم يعلم من قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ هل السؤال عن تمييز أحد المتشاركين عن أمر يعمهما أو عن مقول الكافرين على تقدير الباء، كما قال القاضي، والذي عيه ظاهر كلام المصنف أن قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ مبهم في إجابة قبول أو رد، أتى بقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ إلى آخر السورة بياناً وتفصيلاً لذلك المجمل، وأوضح أن السؤال على طريق التمييز وبيان أن
стр. 2397
فكذبوهم وسموهم سحرةً، أو جاوزوا حدّ التصديق إلى أن اتخذوهم آلهةً، كما قال بعض بني إسرائيل فيما أظهر على يد عيسى ﵇ من البينات والمعجزات: (هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) [الأحقاف: ٧] واتخذه بعضهم وأمه إلهين.
(أَيَّدْتُكَ): قويتك. وقرئ (أيدتك) على: أفعلتك. (بِرُوحِ الْقُدُسِ): بالكلام الذي يحيا به الدين وأضافه إلى القدس، لأنه سبب الطهر من أو ضار الآثام، والدليل عليه قوله تعالى: (تُكَلِّمُ النَّاسَ) و (فِي الْمَهْدِ) في موضع الحال، لأنّ المعنى تكلمهم طفلاً وَكَهْلًا، إلا أن (في المهد) فيه دليلٌ على حدّ من الطفولة. وقيل روح القدس: جبريل صلوات الله عليه أيد به لتثبيت الحجة.
فإن قلت: ما معنى قوله: (فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا)؟ قلت:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجواب جواب رد لا قبول، ولهذا قال: "والمعنى: أنه توبيخ للكافرين يومئذ"، وختم الآية بقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وهو الوجه الأول من الوجوه المذكورة في جواب سؤاله: "كيف يقولون: ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾ وقد علموا؟ " ألا ترى كيف بين معنى التمييز بقوله: "فكذبوهم وسموهم سحرة، أو جاوزوا حد التصديق"، حيث ميز احتمال السؤال من التصديق والتكذيب بأحدهما وهو التكذيب؟
قوله: (أو جاوزوا حد التصديق): عطف على "فكذبوهم"، وقوله: "كما قال بعض بني إسرائيل" إلى آخره، نشر لهذين المعنيين.
قوله: (والدليل عليه) أي: على أن المراد بروح القدس: الكلام: إيقاع قوله: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ إما بياناً للجملة الأولى أو استئنافاً.
قوله: (إلا أن ﴿فِي الْمَهْدِ﴾) يعني كان المراد من قوله: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾: حال الطفولية، لكن في تخصيص ذكر المهد تتميم ومبالغة، ولهذا نكر قوله: "على حد من الطفولة"، ولو قيل: طفلاً، لم تكن تلك المبالغة؛ لأن الطفولية تنتهي وقت البلوغ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ﴾ [النور: ٥٩].
стр. 2398
معناه: تكلمهم في هاتين الحالتين، من غير أن يتفاوت كلامك في حين الطفولة وحين الكهولة الذي هو وقت كمال العقل وبلوغ الأشد والحدّ الذي يستنبأ فيه الأنبياء.
(وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) خصا بالذكر مما تناوله الكتاب والحكمة، لأن المراد بهما جنس الكتاب والحكمة. وقيل الْكِتابَ: الخط. والْحِكْمَةَ: الكلام المحكم الصواب. (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) هيئةٍ مثل هيئة الطير. (بِإِذْنِي) بتسهيلي. (فَتَنْفُخُ فِيها) الضمير للكاف لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى ﵇ وينفخ فيها ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا من نفخه في شيء. وكذلك الضمير في (فتكون). (تُخْرِجُ الْمَوْتى): تخرجهم من القبور وتبعثهم. قيل: أخرج سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية.
(وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ) يعني: اليهود حين هموا بقتله. وقيل: لما قال اللَّه تعالى لعيسى: (اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ) كان يلبس الشعر ويأكل الشجر، .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (معناه: تكلمهم في هاتين الحالتين) يعني: فائدة انضمام "كهلاً" مع ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ هنا، فعلى هذا يكون الثاني تابعاً للأول، والأحسن ما في كلام الإمام أن الثاني أيضاً معجزة مستقلة؛ لأن المراد: يكلم الناس في الطفولة وفي الكهولة حين ينزل من السماء في آخر الزمان؛ لأنه حين رفع لم يكن كهلاً.
قوله: (لأن المراد بهما جنس الكتاب): تعليل للتخصيص، يعني هو من باب عطف الخاص على العام لمزيد الفضل والشرف.
قوله: (ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها)، يعني: في قوله: "هيئة مثل هيئة الطير"؛ لأن الثانية مشبهة بها، وهي من خلق الله، بل على الأولى المشبه؛ لأنها من تقديره ومن نفخه.
قوله: (وقيل: لما قال الله لعيسى: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي﴾: عطف على قوله: " ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ﴾ "، فيكون هذا الخطاب في الدنيا.
стр. 2399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي كلام المصنف لطيفة، وهي أنه تعالى من عليه بقوله: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾، وما كانت تلك النعمة نعمة دنيوية؛ لأنه كان يلبس حينئذ الشعر ويأكل الشجر.
وفيه أن هذه النعمة أيضاً من التأييدات القدسية والمنح الإلهية، روي أن فتحا الموصلي ﵀ رجع ليلة إلى بيته فلم يجد عشاء ولا سراجاً ولا حطباً، فأخذ يحمد الله تعالى ويتضرع إليه ويقول: إلهي، لأي سبب ووسيلة واستحقاق عاملتني بما تعامل به أنبياءك وأولياءك؟
وقضية النظم على هذا الوجه هو أنه تعالى لما خوف الشاهدين خصوصاً والناس عموماً بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ [المائدة: ١٠٨] بمعنى: واتقوه يوم جمعه الرسل وسؤاله إياهم: بـ ﴿مَاذَا أَجَبْتُمْ﴾ في الدنيا حين أرسلتم إلى القوم؟ وقول الرسل من الهيبة والذهول: ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾، اتجه لسائل: ما ذاك السؤال والجواب في الدنيا لا علم لي بذلك؟ فقيل له: اذكر وقت بعثة عيسى ﵊ إلى القوم وتأييده بالمعجزات الباهرة، وجواب بعض القوم له: هذا سحر مبين، وبعضهم: ثالث ثلاثة، ليعلم ذلك السؤال والجواب، يدل على الأول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، و"من" في ﴿مِنْهُمْ﴾: تبعيضية، وعلى الثاني قوله: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ﴾، ويدل على أن الوجه هو الأول قول عيسى ﵊: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾، قول الله : ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ الآية [المائدة: ١١٦].
وتقرير الكلام على هذا الوجه: اذكر أيها السائل ذلك الوقت الذي أراد الله أن يرسل عيسى ﵊، وحين أيده بالكتاب والحكمة وضم معه المعجزات، وأمره بدعوة القوم إلى الحكمة والعمل بما في الكتاب، فامتثل الأمر وادعى الرسالة وأظهر المعجزات القاهرة وأفحمهم، فأظهروا العجز، وقال بعضهم: إن هذا إلا سحر مبين، وقال
стр. 2400
ولا يدخر شيئاً لغدٍ، يقول: مع كل يومٍ رزقه، لم يكن له بيتٌ فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.
[(وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ* إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَاكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ* قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ* قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ)].
(أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ): أمرتهم على ألسنة الرسل. (مُسْلِمُونَ): مخلصون. من: أسلم وجهه للَّه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعضهم: ثالث ثلاثة على منوال هذا، فأفسح في الوجه الأول وراعى فيه ما يستدعيه المقام من الكلام.
قوله: (لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت) عقده المعري:
سعد المسيح يسيح في الغبراء لا … ولد يموت ولا بناء يخرب
قوله: (﴿أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾: أمرتهم)، قال الزجاج: وأنشدوا:
الحمد لله الذي استقلت … بإذنه السماء واطمأنت
وحي لها القرار فاستقرت
стр. 2401
(عِيسَى): في محل النصب على إتباع حركة الابن كقولك: يا زيد بن عمروٍ، وهي اللغة الفاشية، ويجوز أن يكون مضموما كقولك: يا زيد بن عمرو. والدليل عليه قوله:
أَحَارِ بْنَ عَمْرٍو كَأَنِّى خَمِرْ
لأنّ الترخيم لا يكون إلا في المضموم.
فإن قلت: كيف قالوا: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) بعد إيمانهم وإخلاصهم؟ قلت: ما وصفهم اللَّه بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم أتبعه قوله: .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: أمرها أن تقر فامتثلت.
قوله: (في محل النصب) أي: الفتح؛ لأن حركته حركة بناء.
قوله: (أن يكون مضموماً كقولك: يا زيد بن عمرو) قيل: هذه لغة قليلة.
قوله: (أحار بن عمرو كأني خمر)، بعده:
ويعدو على المرء ما يأتمر
الخمر: الذي ضربه الخمار، وقيل: الخمر: نبت طيب ترعى فيه الأنعام ويلجأ إليه الناس إذا لم يجدوا طعاماً، ما يأتمر: من الائتمار، أي: مادام يمتثل الأمر، القائل يعابت الحارث ويقول: كأني ذلك النبت يأكلني كل أحد؛ لأني أوافقهم فيما يأمرونني.
قوله: (لأن الترخيم لا يكون إلا في المضموم)، وذلك أن المفتوح مع ما بعده بمنزلة الاسم الواحد كالمركب فلا يُرخم منه، لأنه لو رخم آخر الأول لكان الحذف من الوسط وهو غير سائغ.
стр. 2402
"إِذ قالوا" فإذن إنّ دعواهم كانت باطلةً، وإنهم كانوا شاكين، وقوله: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم، وكذلك قول عيسى ﵇ لهم معناه: اتقوا اللَّه ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه، ولا تتحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن دعواهم كانت باطلة، وأنهم كانوا شاكين)، قال الزجاج: يحتمل أنهم أرادوا أن يزدادوا تثبيتاً، كقوله ﷺ : ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وأن استنزال المائدة كان قبل علمهم أنه أبرأ الأكمه والأبرص، وأما قول عيسى ﵊: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فالمراد: لا تقترحوا الآيات ولا تقدموا بين يدي الله ورسوله، وقال الواحدي: لا يدل قولهم على الشك، هذا كما تقول لصاحبك: هل تستطيع أن تقوم؟ أي: هل يسهل عليه إنزال هذه المائدة؟
وقال محيي السنة: لم يكونوا شاكين في قدرة الله، ولكن معناه: هل ينزل أم لا؟ وقيل: ﴿يَسْتَطِيعُ﴾ بمعنى يُطيع، يقال: أطاع واستطاع بمعنى، كقولهم: أجاب واستجاب، معناه: هل يطيعك ربك بإجابة سؤالك؟ وفي الآثار: من أطاع الله أطاعه الله، وأجرى بعضهم على ظاهره.
الانتصاف: هل تستطيع؟ : هل تفعل؟ تقول للقادر: هل تستطيع كذا؟ مبالغة في التقاضي، عبر عن المسبب بالسبب؛ لأن الاستطاعة من أسباب الإيجاد، ومنه تأويل أبي حنيفة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ﴾ [النساء: ٢٥] أي: ومن لم يملك، وحمل النكاح على الوطء،
стр. 2403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجعل الاستطاعة نفس الملك، حتى إن القادر غير المالك عادم للطول، وكنت أستبعد احتمال اللفظ حتى وقفت على هذا القول عن الحواريين، وهو قول الحسن ﵀، ويقوي قول الزجاج والواحدي قوله: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾؛ ولأن وصفهم بالحواريين ينافي أن يكونوا على الباطل، وأن الله تعالى أمر المؤمنين بالتشبه بهم والاقتداء بسنتهم في قوله: ﴿كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] ن ورسول الله ﷺ مدح الزبير بقوله: "إن لكل نبي حوارياً، وإن حواري الزبير بن العوام"، أخرجه الترمذي، عن جابر، وقال في الصف: "والحواريون: أصفياؤه، وهم أول من آمن به، وكانوا اثني عشر رجلاً، وحواري الرجل: صفيه وخلصاؤه"، وقراءة الكسائي فإنه قرأ بالتاء وإدغام اللام فيها ونصب الباء، والباقون: بالياء ورفع الباء، أي: هل تستطيع سؤال ربك ما قال، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وقلت: ويمكن أن تنزل تلك القراءة على هذه، و ﴿هَلْ﴾ مثلها في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإنسان: ١] تقديره: قد يستطيع ربك أن يُنزل علينا مائدة فاسأله حتى ينزل؟
فإن قلت: كيف يطابقه قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؟ قلت: لها أسوة بقراءة الكسائي، وبالرد على إبراهيم منكراً عليه بقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ في سؤاله: ﴿كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فحينئذ يكون قولهم: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَاكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ مطابقاً لقوله: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، والله أعلم.
стр. 2404
(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة. وقرئ: (هل تستطيع ربك) أي: هل تستطيع سؤال ربك، والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله. والمائدة: الخوان إذا كان عليه الطعام، وهي من مادّه: إذا أعطاه ورفده كأنها تميد من تقدّم إليه. (وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ): نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين للَّه بالوحدانية ولك بالنبوّة، عاكفين عليها، على أن (عليها) في موضع الحال،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة)، وقلت: على التأويل الصحيح: واتقوا الله لأنكم مؤمنون، وسيجيء بيان أمثال هذا الشرط في قوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً﴾ [الممتحنة: ١].
قوله: (وهي من مادة: إذا أعطاه)، روى الزجاج عن أبي عبيدة: أنها مفعولة، ولفظها فاعلة نحو: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، قال الزجاج: إنها فاعلة من ماد يميد: إذا تحرك، فكأنها تميد بما عليها.
قوله: (على أن ﴿عَلَيْهَا﴾ في موضع الحال) لا يخلو إما أن يكون حالاً من اسم "كان" على رأي من يجوز إعمال "كان" في الحال، كما مر في قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٩٤]، أو أن يكون حالاً من الضمير في الظرف الذي هو خبر "كان"، ولا يجوز الثاني لما يلزم من تقدم الحال على العامل المعنوي، فتعين الأول، قال ابن الحاجب: وقد اختلف في مثل: زيد في الدار قائماً، فجوز بعضهم تقديمه؛ لأن التقدير: استقر، أو: مستقر، وبعضهم يجعلون المقدر نسياً منسياً والظرف هو العامل في المعنى، وهو أرجح؛ لأنه لم يثبت مثل: زيدٌ قائماً في الدار، في فصيح الكلام، ولأنه إذا صار من قبيل المنسي صار في حكم العدم وصارت المعاملة مع النائب عنه، كذلك مذهب
стр. 2405
وكانت دعواهم لإرادة ما ذكروا كدعواهم الايمان والإخلاص.
وإنما سأل عيسى وأجيب ليلزموا الحجة بكمالها ويرسل عليهم العذاب إذا خالفوا. وقرئ: (ويعلم) بالياء على البناء للمفعول. (وتعلم) (وتكون) بالتاء، والضمير للقلوب.
(اللَّهُمَّ) أصله: يا اللَّه، فحذف حرف النداء، وعوضت منه الميم، و (رَبَّنا) نداء ثان. (تَكُونُ لَنا عِيداً) أي: يكون يوم نزولها عيداً. قيل: هو يوم الأحد ومن ثم اتخذه …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحققين في قولك: سقيا زيداً، أن "زيداً" معمول "سُقيا" لا الفعل المحذوف؛ لأنه في حكم المنسي، بخلاف قولك: ضرباً زيداً؛ لأن حكم الفعل باق، فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في ﴿الشَّاهِدِينَ﴾؟ قلت: لا يجوز؛ لأن ما في حيز الصلة ومعمولها لا يتقدم على الموصول.
قوله: (كدعواهم الإيمان)، قيل: كما أن دعواهم للإيمان والإخلاص كانت باطلة، كذلك دعواهم ما ذكروا من قوله: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَاكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ باطلة، ثم أجاب عن سؤال مقدر، وهو أنه إذا كانت دعواهم باطلة كدعوتهم، فلم سأل عيسى ﵊ المائدة؟ ولم أجابه الله تعالى؟ فأجاب بأن ذلك لإلزام الحجة.
قوله: (و ﴿رَبِّنَا﴾ نداء ثان). قال الزجاج: زعم سيبويه أن "اللهم" كالصوت، وأنه لا يوصف، وأن ﴿رَبِّنَا﴾ منصوب على نداء آخر، وقد سبق في سورة آل عمران في قوله: ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] الكلام فيه.
стр. 2406
النصارى عيداً. وقيل: العيد: السرور العائد، ولذلك يقال: يوم عيدٍ، فكان معناه تكون لنا سروراً وفرحاً. وقرأ عبد اللَّه (تكن) على جواب الأمر، ونظيرهما (يَرِثُنِي) و (يَرِثْني).
(لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا) بدل من (لنا) بتكرير العامل، أي: لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتى بعدنا. وقيل: يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم. ويجوز للمتقدمين منا والأتباع. وفي قراءة زيد: (لأولانا وأخرانا) والتأنيث بمعنى الأمّة والجماعة. (عَذاباً) بمعنى تعذيباً، والضمير في: (لا أُعَذِّبُهُ) للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به، لم يكن بدّ من الباء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: العيد: السرور)، فعلى هذا الضمير يعود إلى "المائدة"، ولم يحتج إلى تقدير المضاف، قال أبو البقاء: يجوز أن يكون ﴿لَنَا﴾ خبر "كان"، ويكون ﴿عِيداً﴾: حالاً من الضمير في الظرف، أو: حالاً من الضمير في "كان" على قول من يقول: إنها عامل في الحياة.
قوله: (وقيل: يأكل منها آخر الناس) يريد أن التكرير في ﴿لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ لرفع التفاوت بين قوم وقوم، يعني: لا تفاوت بين من يأكل أولاً ومن يأكل آخراً لإنزال الله البركة فيها، ولذا قدم المصنف آخر الناس على أولهم، ومثله في التكرير المعنوي قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: ٦٢]، قال: "يريد الديمومة ولا يقصد الوقتين المعلومين".
قوله: (﴿عَذَاباً﴾ بمعنى: تعذيباً)، قال أبو البقاء: ﴿عَذَاباً﴾: اسم المصدر الذي هو التعذيب، كالسلام بمعنى التسليم فيقع موقعه، ويجوز أن يكون مفعولاً به على السعة.
قوله: (والضمير في ﴿لا أُعَذِّبُهُ﴾ للمصدر)، قال صاحب "الكواشي": المعنى: لا أعذب مثل تعذيب الكافر بالله وبعيسى- بعد نزول المائدة - أحداً من العالمين. وقال أبو البقاء:
стр. 2407
روي أن عيسى ﵇ لما أراد الدعاء لبس صوفاً ثم قال: اللهم أنزل علينا، فنزلت سفرةٌ حمراء بين غمامتين؛ غمامة فوقها، وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى ﵇ وقال: اللهم اجعلنى من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مُثلةً وعقوبةً، وقال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم اللَّه عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك، فقام عيسى وتوضأ وصلى وبكى، ثم كشف المنديل وقال: بسم اللَّه خير الرازقين، فإذا سمكةٌ مشويةٌ بلا فلوسٍ ولا شوكٍ تسيل دسماً، وعند رأسها ملحٌ، وعند ذنبها خلٌ، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكرّاث، وإذا خمسة أرغفةٍ على واحدٍ منها زيتونٌ، وعلى الثاني عسلٌ، وعلى الثالث سمنٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجوز أن تكون الهاء للعذاب، وفيه وجهان: أن يكون على حذف حرف الجر، أي: لا أعذب به أحداً، وأن يكون مفعولاً به على السعة، ويجوز أن يكون ضمير المصدر المؤكد، نحو: ظننته زيداً منطلقاً ولا تعود الهاء على العذاب الأول، فإن قلت: ﴿لا أُعَذِّبُهُ﴾ صفة لعذاب، وحينئذ لا راجع من الصفة إلى الموصوف، قلت: لماوقع الضمير موقع المصدر والمصدر جنس عام، و ﴿عَذَاباً﴾: نكرة، كان الأول داخلاً في الثاني نحو: زيد نعم الرجل.
قوله: (ولا تجعلها مثلة وعقوبة)، أراد بالمثلة: العقوبة الغريبة مثل المسخ، قال في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ [البقرة: ١٧]: "لما في المثل من الغرابة قالوا: فلان مثلة في الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن"، ومنه أنه ﷺ نهى عن المثلة.
النهاية: يقال: مثلت بالحيوان أمثل به مثلاً: إذا قطعت أطرافه وشوهت به، ومثلت بالقتيل: إذا جدعت أنفه وأذنه أو شيئاً من أطرافه، والاسم: المثلة.
стр. 2408
وعلى الرابع جبنٌ، وعلى الخامس قديدٌ. فقال شمعون: يا روح اللَّه، أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ فقال: ليس منهما، ولكنه شيءٌ اخترعه اللَّه بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم اللَّه ويزدكم من فضله: فقال الحواريون: يا روح اللَّه، لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال: يا سمكة احيى بإذن اللَّه، فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت، فعادت مشويةً، ثم طارت المائدة، ثم عصوا بعدها فمسخوا قردة وخنازير.
وروي أنهم لما سمعوا بالشريطة وهي قوله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ) قالوا لا نريد فلم تنزل. وعن الحسن: واللَّه ما نزلت، ولو نزلت لكان عيداً إلى يوم القيامة، لقوله: (وَآخِرِنا). والصحيح أنها نزلت.
[(وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعن الحسن: والله ما نزلت)، نقل القاضي عن مجاهد: أن هذا مثل ضربه الله تعالى لمقترحي المعجزات.
قوله: (والصحيح أنها نزلت) أي: المائدة، لقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾، ولما روينا عن الترمذي، عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزلت المائدة من السماء خُبزاً ولحماً، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازير".
стр. 2409
(سُبْحانَكَ) من أن يكون لك شريك. (ما يَكُونُ لِي): ما ينبغي لي. (أَنْ أَقُولَ) قولاً لا يحق لي أن أقوله، (فِي نَفْسِي): في قلبي: والمعنى: تعلم معلومى ولا أعلم معلومك، ولكنه سلك بالكلام طريق المشاكلة وهو من فصيح الكلام وبينه، فقيل: .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ من أن يكون لك شريك)، فإن قلت: قوله: ﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ لا يقتضي الشركة، بل يقتضي أنهم اتخذوهما إلهين من دون الله، على أنه يوهم إنكار الإفراد، ولأنهم لو اتخذوهما إلهين معه لكان جائزاً؛ لأنك إذا قلت: اتخذت فلاناً دوني حبيباً: جاز إنكار إفراده بالاتخاذ، وأجاب الراغب: أن قوله: "من دوني" يحتمل وجهين، أحدهما: إنكار اتخاذهما معبودين وعدم اتخاذه معبوداً، وذلك أنهم لما عبدوهما معه كان عبادتهما له غير معتد بها؛ لأن الله تعالى لا يرضى أن يعبد معه غيره، والثاني: أن دون هاهنا للقاصر عن الشيء، وهم عبدوا المسيح وأمه، فهما توصلا إلى عبادة الله كما عبد الكفار الأصنام حيث قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فكأنه قيل: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ﴾ متوصلين بنا إلى الله؟ ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ متنزهين عن ذلك.
قوله: (سلك بالكلام طريق المشاكلة)، يعني: لو لم تُقل: ﴿مَا فِي نَفْسِي﴾، لم يجز أن يقال: ﴿وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾؛ لأنه لا يجوز أن يُطلق على الله ابتداء اسم النفس، قال الزجاج: النفس في كلامهم لمعنيين، أحدهما: قولهم: خرجت نفس فلان، وفي نفس فلان أني فعل كذا، وثانيهما: جملة الشيء وحقيقته، تقول: فلان قتل نفسه، أي: ذاته، وليس معناه أن القتل وقع ببعضه، فمعنى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ أي: ما أضمره ولا علم ما في حقيقتك وما عندك علمه، أي: تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم.
وقلت: ولابد من الإقرار بالمشاكلة؛ لأن "ما في النفس"- إن أريد المضمرات - فلا مطابقة من جانب الله، فيجب القول بالمشاكلة، وإن أريد ما في الحقيقة والذات فالمشاكلة من حيث
стр. 2410
(فِي نَفْسِكَ) لقوله: (في نفسي). (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ): تقريرٌ للجملتين معاً، لأن ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب، ولأن ما يعلمه علام الغيوب لا ينتهى إليه علم أحدٍ.
[(ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ* إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)].
(أن) في قوله: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بد من مفسر، ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإدخال في الظرفية على أن لابد من القول به من جانب العبد؛ لأن المراد ما في الضمير؛ لقوله: ﴿فِي نَفْسِي﴾: في قلبي، الراغب: ويجوز أيضاً أن يكون القصد إلى نفي النفس عنه، فكأنه قال: تعلم ما في نفسي ولا نفس لك فأعلم ما فيها، كقول الشاعر:
لا ترى الضب بها ينجحر
أي: لا ضب ولا جُحر بها، فيكون من الضب الانجحار.
قوله: (﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾: تقرير للجملتين معاً). قال القاضي: تقرير للجملتين باعتبار مفهومه ومنطوقه. وقلت: دل تصدر الجملة بإن، وتوسيط الفصل، وبناء المبالغة، والجمع المحلي باللام، أن شيئاً من الغيب لا يعزب عن علمه البتة.
قوله: (في قوله: ﴿أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إن جعلتها مفسرة) إلى آخره، قال صاحب "الفرائد" ﵀: قوله: "لم تخل من أن تكون بدلاً من ﴿أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ أو من الهاء" مختل؛ لأن الوجه أن
стр. 2411
والمفسر إما فعل القول وإما فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له، أما فعل القول فيحكى بعده الكلام من غير أن يتوسط بينهما حرف التفسير، لا تقول: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا اللَّه. ولكن: ما قلت لهم إلا اعبدوا اللَّه. وأما فعل الأمر، فمسند إلى ضمير اللَّه . فلو فسرته بـ (اعبدوا اللَّه ربي وربكم)، لم يستقم لأن اللَّه تعالى لا يقول: اعبدوا اللَّه ربى وربكم، وإن جعلتها موصولة بالفعل لم تخل من أن تكون بدلاً من (ما أمرتنى به) أو من الهاء في (به) وكلاهما غير مستقيم، لأن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه. ولا يقال: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا اللَّه، بمعنى ما قلت لهم إلا عبادته لأن العبادة لا تقال. وكذلك إذا جعلته بدلا من الهاء لأنك لو أقمت (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) مقام الهاء، فقلت: إلا ما أمرتنى بأن اعبدوا اللَّه، لم يصح، لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقال: إن جعلتها موصولة بالفعل لم يخل من أن يكون بدلاً أو عطف بيان، فإن كان بدلاً لم يخل من أن يكون بدلاً من ﴿مَا أَمَرْتَنِي﴾ أو من الهاء في ﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾، وكذا إن كان عطف بيان للهاء، ثم أقول: تأويل القول لا يصح منه إذا كان في التقسيم قسم يصح، وهو أن يكون عطف بيان؛ لأن التأويل عند الضرورة، وفائدة التقسيم ثبوت الضرورة ليثبت جواز التأويل.
قوله: (هو الذي يقوم مقام المبدل منه) غير سديد؛ لأنه قال في "المفصل": لا يجب ذلك؛ لأنك تقول في "زيد رأيت غلامه رجلاً صالحاً": إن "رجلاً صالحاً" بدل من "غلامه"، مع أنه لا يقوم مقامه؛ لأنك لو قلت: زيد رأيت رجلاً صالحاً، كان فاسداً. سلمنا، ولكن لم لا يجوز أن يكون بدلاً من ﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾، ويصح أن يقوم مقامه؟
قوله: (ولا يقال: ما قلت لهم إلا: أن اعبدوا الله، بمعنى: ما قلت لهم إلا عبادته؛ لأن العبادة لا تقال). قلت: لا نُسلم ذلك، ويمكن أن يقال معناه: ما قلت لهم إلا عبادته بالنصب، أي:
стр. 2412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزموا عبادته، ويكون هو المراد من ﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾، وتكون الجملة وهي: الزموا عبادته: بدلاً من ﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ من حيث إنها في حكم المفرد؛ لأنها مقولة، و ﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ مفرد لفظاً وجملة. يعني سلمنا ولكن لم لا يجوز أن يكون بدلاً من الهاء مع أنه لم يصح أن يقال: إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله؛ لما مر أنه يصح أني قال: زيد رأيت غلامه رجلاً صالحاً بدل من غلامه، مع أنه لم يصح أن يقال: زيد رأيت رجلاً صالحاً، لعدم الراجع إلى المبتدأ، وقد ذكر مختصراً منه صاحب "التقريب".
وقال القاضي: يجوز أن يكون ﴿أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أو: مفعول مضمر، أي: هو، أو: أعني.
وقلت: في قوله: "لم يستقم؛ لأن الله تعالى لا يقول: اعبدوا الله ربي وربكم" نظر لما لا يجوز أن ﵊ نقل معنى كلام الله بهذه العبارة، كأنه قيل: قلت لهم شيئاً سوى قولك لي: قل لهم: اعبدوا الله كما سبق في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] على قراءة الياء التحتانية، وقد نص الزجاج أن ﴿أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يجوز أن يكون في موضع خفض على البدل من الهاء، و ﴿أنِ﴾: موصولة بـ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ومعناه: إلا ما أمرتني به بأن يعبدوا الله، ويجوز أن يكون موضعها نصباً على البدل من ﴿مَا﴾، المعنى: ما قلت لهم شيئاً إلا أن اعبدوا الله، أي: ما ذكرت لهم إلا عبادة الله، وهذا قريب من قول المصنف: "ما أمرتهم إلا بما أمرتني به بأن اعبدوا الله"؛ لأنه أيضاً وضع ذكرت موضع القول، قال المصنف: كان الأصل ما أمرتهم إلا بما أمرتني به، فوضع القول موضع الأمر نزولاً على قضية الأدب الحسن لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معاًن ودل على الأصل بإقحام ﴿أَن﴾ المفسرة.
стр. 2413
فإن قلت: فكيف يصنع؟ قلت يحمل فعل القول على معناه لأن معنى (ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ): ما أمرتهم إلا بما أمرتنى به، حتى يستقيم تفسيره بـ (أن اعبدوا اللَّه ربي وربكم). ويجوز أن تكون (أن) موصولة عطف بيان للهاء لا بدلاً.
(وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً): رقيباً كالشاهد على المشهود عليه، أمنعهم من أن يقولوا ذلك ويتدينوا به (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) تمنعهم من القول به بما نصبت لهم من الأدلة، وأنزلت عليهم من البينات، وأرسلت إليهم من الرسل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن تكون ﴿أَن﴾ موصولة عطف بيان للهاء)، قال في "الانتصاف": أراد بعطف البيان السلامة من طرح الأول وخلو الصلة من عائد، ولم يفصل في "المفصل" بين عطف البيان والبدل، إلا في مثل قوله:
أنا ابن التارك البكري بشر
وأنا المعتمد في عطف البيان الأول، والثاني موضح، وفي البدل المعتمد الثاني، والأول بساط له.
قوله: (﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾: رقيباً)، فإن قلت: إذا كان "الشهيد" بمعنى "الرقيب" لم عدل منه إلى "الرقيب" في قوله: ﴿كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ مع أنه ذيل الكلام بقوله: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾؟ قلت: خولف بين العبارتين يميز بين الشهيدين والرقيبين، فكونه ﵊ رقيباً ليس كالرقيب الذي يمنع ويلزم، بل هو كالشاهد على المشهود عليه ومنعه بمجرد القول، وأنه تعالى هو الذي يمنع منع الإلزام بنصب الأدلة وإنزال البينات وإرسال الرسل.
стр. 2414
(إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ) الذين عرفتهم عاصين جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك. (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ): القوى القادر على الثواب والعقاب (الْحَكِيمُ): الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصوابٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قلت: قوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ بعد قوله: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ ن أليس من قبيل قول المصنف قبل هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]: "لا علم لنا بما كان منهم بعدنا وأن الحكم للخاتمة"، فكيف رده هناك بقوله: "وكيف يخفى عليهم أمرهم وقد رأوهم سود الوجوه"، كما سبق بيانه؟ قلت: ليس منه؛ لأن عيسى ﵊ في صدد التنصل والتبري عما نسب إليه من الكلمة الشنعاء وإثباتها فيهم، يدل عليه قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ أي: "الذين عرفتهم عاصين وجاحدين لآياتك ومكذبين لأنبيائك"، كما قال، فأين هذا من ذلك؟
قوله: (﴿عِبَادُكَ﴾: الذين عرفتهم) جعل الإضافة في ﴿عِبَادُكَ﴾ بمنزلة التعريف باللام للعهد. الراغب: إن قيل: كيف قال: ﴿عِبَادُكَ﴾ و"العبد" أكثر ما يقال فيمن عبد لا فيمن ملك، وهم لم يعبدوا الله في الحقيقة، إذ قد عبدوا عيسى وأمه؟ قيل: بل "العباد" مستعمل مع الله، فيقال: الناس عباد الله ولا يقال: عباد الأمير إلا على التشبيه، و"العبيد" يقال في الله وفي غيره، ثم الناس كلهم يعبدون الله تسخيراً وقهراً وإن لم يعبدوه طوعاً، فإنهم إذا عبدوا غيره على أنه المنعم عليهم فهم يعبدون الله لأنه هو المنعم، وعلى هذا: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [مريم: ٩٣] ن فإن قيل: لو كانوا يعبدون الله بفعلهم لما ذموا؟ قيل: إنما يذمون بقصدهم فيما يفعلون؛ لأنهم يقصدون عبادة غير الله، والإنسان مثاب ومعاقب بنيته، ولهذا قال: "الأعمال بالنيات".
وإن قيل: كيف قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، وجواب الشرط إنما يصح فيما يقع في
стр. 2415
فإن قلت: المغفرة لا تكون للكفار فكيف قال: (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ)؟ قلت: ما قال إنك تغفر لهم، ولكنه بنى الكلام على: إن غفرت، فقال: إن عذبتهم عدلت، لأنهم أحقاء بالعذاب، وإن غفرت لهم مع كفرهم لم تعدم في المغفرة وجه حكمة لأن المغفرة حسنة لكل مجرمٍ في المعقول. بل متى كان الجرم أعظم جرما كان العفو عنه أحسن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوع الشرط، وقد عُلم أن هؤلاء عباده عذبهم أو لم يعذبهم؟ قيل: هذا الكلام فيه إيجاز، وتقديره: إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك، أي: من أمرتهم بعبادتك: تنبيهاً أنهم لم يعبدوك فاستحقوا عقابك، إن قيل: وكيف جاز أن يقول: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فيعرض بسؤاله العفو عنهم مع علمه أنه تعالى قد حكم بأنه من شرك ابلله فقد حرم الله عليه الجنة؟ قيل: إن هذا ليس بسؤال، وإنما هو كلام على طريق إظهار قدرته تعالى على ما يريد وعلى مقتضى حكمه وحكمته، ولهذا قال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تنبيهاً أنه لا امتناع لحد من عزته، فلا اعتراض في حكمه وحكمته، ولم يقل: "الغفور الرحيم" وإن اقتضاهما الظاهر، قال:
أذنبت ذنباً عظيماً … وأنت للعفو أهل
فإن غفرت ففضل … وإن جزيت فعدل
قوله: (لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول)، قال الإمام: غُفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة، قالوا: لأن العقاب حق الله تعالى على المذنب، وليس في إسقاطه على الله تعالى مضرة، فوجب أن يكون حسناً، بل دل الدليل السمعي في شرعنا على أنه لا يقع، فلعل هذا الدليل ما كان موجوداً في شرع عيسى ﵊.
وقال القاضي: إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك، ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه، وإن تغفر لهم فلا عجز ولا استقباح، فإنك القادر القوي على الثواب والعقاب،
стр. 2416
[(قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)].
قرئ (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ) بالرفع والإضافة، وبالنصب إما على أنه ظرف لـ (قال)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأن المغفرة مستحسنة لكل مجرم، فإن عذبت فعدل، وإن غفرت ففضل، وعدم غفران الشرك بمقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذات ليمنع الترديد والتعليق.
الراغب: قيل: هذا ليس بسؤال، وإنما هو كلام الله تعالى على طريق إظهار قدرته على كل ما يريد وعلى مقتضى حكمه وحكمته، وتنبيه أنه تعالى جمع القدرة والحكمة، فهو قادر على أن يفعل أي المقتضيين أراد، أي: ولهذا قال: ﴿أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ولم يقصد سؤال الغفران للكفرة منهم، وإلى نحو هذا قصد الشاعر بقوله:
أذنبت ذنباً عظيماً … وأنت للعفو أهل
فإن غفرت ففضل .. وإن جزيت فعدل
الانتصاف: إنه لم يوافق السنة؛ فإنهم يجوزون العفو عن الكافر عقلاً، لكن السمع يمنع منه، ولا المعتزلة؛ إذ معتقدهم امتناعها على الله عقلاً لمناقضتها الحكمة.
قوله: (وبالنصب إما على أنه ظرف لـ ﴿قَالَ﴾). أبو البقاء: أي: قال الله تعالى هذا القول في يوم ينفع الصادقين صدقهم، والقول هو: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾
стр. 2417
وإما على أنّ (هذا) مبتدأٌ، والظرف خبرٌ، ومعناه: هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع (يوم ينفع). ولا يجوز أن يكون فتحا، كقوله تعالى: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ) [الانفطار: ٩] لأنه مضافٌ إلى متمكنٍ. وقرأ الأعمش: (يومٌ ينفع) بالتنوين، كقوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ) [البقرة: ٤٨].
فإن قلت: ما معنى قوله: (يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) إن أريد صدقهم في الآخرة فليست الآخرة بدار عملٍ، وإن أريد صدقهم في الدنيا فليس بمطابق لما ورد فيه، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجاء على لفظ الماضي على نحو ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وليس ما بعد ﴿قالَ﴾ على الحكاية في هذا الوجه كما في الوجه الآخر.
قوله: (ولا يجوز أن يكون فتحاً كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾). روى أبو البقاء عن الكوفيين: ﴿يَوْمَ﴾ في موضع رفع: خبر "هذا"، ولكنه بُني على الفتح لإضافته إلى الفعل، قال: وعندهم يجوز بناؤه وإن أضيف إلى معرف، وعندنا لا يجوز إلا إذا أضيف إلى مبنى، وأنشد الإمام للنابغة:
على حين عاتبت المشيب على الصبا
وقال: بُني لإضافته إلى الماضي، وكذلك قوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ لإضافته إلى ﴿لا﴾، وقياس الأسماء أن لا تضاف إلا إلى المفردات، فلما خولف في هذه السماء القياس المذكور، وأضيف إلى الجمل، كانت مؤولة بمصدرها فهو مفرد في المعنى، والمخالفة في الثاني أكثر، فلا يرتكب إلا عند الضرورة.
قوله: (فليس بمطابق لما ورد فيه)، يعني: ورود الآية لا يطابق إرادة صدق المكلفين
стр. 2418
لأنه في معنى الشهادة لعيسى ﵇ بالصدق فيما يجيب به يوم القيامة؟ قلت: معناه الصدق المستمر بالصادقين في دنياهم وآخرتهم. وعن قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة، أمّا إبليس فقال: إنّ اللَّه وعدكم وعد الحق، فصدق يومئذ وكان قبل ذلك كاذباً، فلم ينفعه صدقه، وأما عيسى ﵇ فكان صادقاً في الحياة وبعد الممات فنفعه صدقه.
[(لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)].
فإن قلت: في السموات والأرض العقلاء وغيرهم، فهلا غلب العقلاء، فقيل: "ومن فيهنّ؟ " قلت: «ما» يتناول الأجناس كلها تناولاً عاماً، ألا تراك تقول إذا رأيت شبحاً من بعيدٍ: ما هو؟ قبل أن تعرف أعاقلٌ هو أم غيرهُ؟ فكان أولى بإرادة العموم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحاصل في الدنيا؛ لأن قوله: ﴿يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ في بيان شأن شهادة الله تعالى بصدق عيسى ﵊ فيما يجيب به الله تعالى يوم القيامة، وهو قوله: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ﴾ [المائدة: ١١٦] إلى قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، كأنه تعالى يقول: صدقت فيما أجبت به، وهذا لا يكون في الدنيا فكيف قال: ﴿يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ولم يقل: "صدقت" ليطابق مقتضى الظاهر؟ وأجاب: أن عيسى ﵊ لما مهد عذره بتلك العبارات الفائقة البالغة في التبري عما يُنسب إليه ونزه الله التنزيه، قابله الله تعالى بالشهادة له بالصدق بما هو أبلغ مما أتى به في التنصل حيث عم المكلفين كلهم وعم أوقاتهم المختصة بالصدق كلها ليدخل ﵊ في ذلك العام دخولاً أولياً.
قوله: (فكان أولى بإرادة العموم)، يعني: المقام يقتضي العموم و"ما" أعم من غيرها، فكان أولى في الإيراد. وبيان المقام ما ذكره القاضي، قال: في الآية تنبيه على كذب النصارى
стр. 2419
عن رسول اللَّه ﷺ : «من قرأ سورة المائدة أعطى من الأجر عشر حسنات ومحى عنه عشر سيئاتٍ ورفع له عشر درجاتٍ، بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفساد دعواهم في المسيح وأمه، وإنما لم يقل: ومن فيهن تغليباً للعقلاء، وقال: ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾ اتباعاً لهم - غير أولى العلم - إعلاماً بأنهم في غاية القصور عن معنى الربوبية والنزول عن رتبة العبودية، وإهانة لهم وتنبيهاً على المجانسة المنافية للألوهية؛ ولأن ما يُطلق متناولاً للأجناس كلها فهو أول بإرادة العموم، والله تعالى أعلم.
стр. 2420
سورة الأنعام
مكية، وعن ابن عباس: غير ست آيات
وهي مئة وستون آية وخمس آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الأنعام
مكية، وعن ابن عباس: غير ست آيات
وهي مئة وخمس وستون آية
بس الله الرحمن الرحيم
قال المصنف ﵀: كتبت تفسير هذه السورة بالطائف، عند قبر ابن عباس ﵄.
следующие страницы →