Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
[(قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)].
قرئ (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ) بالرفع والإضافة، وبالنصب إما على أنه ظرف لـ (قال)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأن المغفرة مستحسنة لكل مجرم، فإن عذبت فعدل، وإن غفرت ففضل، وعدم غفران الشرك بمقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذات ليمنع الترديد والتعليق.
الراغب: قيل: هذا ليس بسؤال، وإنما هو كلام الله تعالى على طريق إظهار قدرته على كل ما يريد وعلى مقتضى حكمه وحكمته، وتنبيه أنه تعالى جمع القدرة والحكمة، فهو قادر على أن يفعل أي المقتضيين أراد، أي: ولهذا قال: ﴿أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ولم يقصد سؤال الغفران للكفرة منهم، وإلى نحو هذا قصد الشاعر بقوله:
أذنبت ذنباً عظيماً … وأنت للعفو أهل
فإن غفرت ففضل .. وإن جزيت فعدل
الانتصاف: إنه لم يوافق السنة؛ فإنهم يجوزون العفو عن الكافر عقلاً، لكن السمع يمنع منه، ولا المعتزلة؛ إذ معتقدهم امتناعها على الله عقلاً لمناقضتها الحكمة.
قوله: (وبالنصب إما على أنه ظرف لـ ﴿قَالَ﴾). أبو البقاء: أي: قال الله تعالى هذا القول في يوم ينفع الصادقين صدقهم، والقول هو: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾
стр. 2417
وإما على أنّ (هذا) مبتدأٌ، والظرف خبرٌ، ومعناه: هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع (يوم ينفع). ولا يجوز أن يكون فتحا، كقوله تعالى: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ) [الانفطار: ٩] لأنه مضافٌ إلى متمكنٍ. وقرأ الأعمش: (يومٌ ينفع) بالتنوين، كقوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ) [البقرة: ٤٨].
فإن قلت: ما معنى قوله: (يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) إن أريد صدقهم في الآخرة فليست الآخرة بدار عملٍ، وإن أريد صدقهم في الدنيا فليس بمطابق لما ورد فيه، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجاء على لفظ الماضي على نحو ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وليس ما بعد ﴿قالَ﴾ على الحكاية في هذا الوجه كما في الوجه الآخر.
قوله: (ولا يجوز أن يكون فتحاً كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾). روى أبو البقاء عن الكوفيين: ﴿يَوْمَ﴾ في موضع رفع: خبر "هذا"، ولكنه بُني على الفتح لإضافته إلى الفعل، قال: وعندهم يجوز بناؤه وإن أضيف إلى معرف، وعندنا لا يجوز إلا إذا أضيف إلى مبنى، وأنشد الإمام للنابغة:
على حين عاتبت المشيب على الصبا
وقال: بُني لإضافته إلى الماضي، وكذلك قوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ لإضافته إلى ﴿لا﴾، وقياس الأسماء أن لا تضاف إلا إلى المفردات، فلما خولف في هذه السماء القياس المذكور، وأضيف إلى الجمل، كانت مؤولة بمصدرها فهو مفرد في المعنى، والمخالفة في الثاني أكثر، فلا يرتكب إلا عند الضرورة.
قوله: (فليس بمطابق لما ورد فيه)، يعني: ورود الآية لا يطابق إرادة صدق المكلفين
стр. 2418
لأنه في معنى الشهادة لعيسى ﵇ بالصدق فيما يجيب به يوم القيامة؟ قلت: معناه الصدق المستمر بالصادقين في دنياهم وآخرتهم. وعن قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة، أمّا إبليس فقال: إنّ اللَّه وعدكم وعد الحق، فصدق يومئذ وكان قبل ذلك كاذباً، فلم ينفعه صدقه، وأما عيسى ﵇ فكان صادقاً في الحياة وبعد الممات فنفعه صدقه.
[(لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)].
فإن قلت: في السموات والأرض العقلاء وغيرهم، فهلا غلب العقلاء، فقيل: "ومن فيهنّ؟ " قلت: «ما» يتناول الأجناس كلها تناولاً عاماً، ألا تراك تقول إذا رأيت شبحاً من بعيدٍ: ما هو؟ قبل أن تعرف أعاقلٌ هو أم غيرهُ؟ فكان أولى بإرادة العموم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحاصل في الدنيا؛ لأن قوله: ﴿يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ في بيان شأن شهادة الله تعالى بصدق عيسى ﵊ فيما يجيب به الله تعالى يوم القيامة، وهو قوله: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ﴾ [المائدة: ١١٦] إلى قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، كأنه تعالى يقول: صدقت فيما أجبت به، وهذا لا يكون في الدنيا فكيف قال: ﴿يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ولم يقل: "صدقت" ليطابق مقتضى الظاهر؟ وأجاب: أن عيسى ﵊ لما مهد عذره بتلك العبارات الفائقة البالغة في التبري عما يُنسب إليه ونزه الله التنزيه، قابله الله تعالى بالشهادة له بالصدق بما هو أبلغ مما أتى به في التنصل حيث عم المكلفين كلهم وعم أوقاتهم المختصة بالصدق كلها ليدخل ﵊ في ذلك العام دخولاً أولياً.
قوله: (فكان أولى بإرادة العموم)، يعني: المقام يقتضي العموم و"ما" أعم من غيرها، فكان أولى في الإيراد. وبيان المقام ما ذكره القاضي، قال: في الآية تنبيه على كذب النصارى
стр. 2419
عن رسول اللَّه ﷺ : «من قرأ سورة المائدة أعطى من الأجر عشر حسنات ومحى عنه عشر سيئاتٍ ورفع له عشر درجاتٍ، بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفساد دعواهم في المسيح وأمه، وإنما لم يقل: ومن فيهن تغليباً للعقلاء، وقال: ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾ اتباعاً لهم - غير أولى العلم - إعلاماً بأنهم في غاية القصور عن معنى الربوبية والنزول عن رتبة العبودية، وإهانة لهم وتنبيهاً على المجانسة المنافية للألوهية؛ ولأن ما يُطلق متناولاً للأجناس كلها فهو أول بإرادة العموم، والله تعالى أعلم.
стр. 2420
سورة الأنعام
مكية، وعن ابن عباس: غير ست آيات
وهي مئة وستون آية وخمس آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الأنعام
مكية، وعن ابن عباس: غير ست آيات
وهي مئة وخمس وستون آية
بس الله الرحمن الرحيم
قال المصنف ﵀: كتبت تفسير هذه السورة بالطائف، عند قبر ابن عباس ﵄.
стр. 2421
"جَعَلَ" يتعدّى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى: أحدث وأنشأ، كقوله (وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ)، وإلى مفعولين إذا كان بمعنى: صير، كقوله: (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً) [الزخرف: ١٩]. والفرق بين "الخلق" و"الجعل": أن "الخلق" فيه معنى التقدير. وفي "الجعل" معنى التضمين،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي "الجعل" معنى التضمين)، ولهذا لا يتصور إلا بين شيئين، ومن ثم قال: "كإنشاء شيءٍ من شيء".
الجوهري: "كل شيء جعلته في وعاءٍ فقد ضمنته".
قال الراغب: "جعل: لفظ عام في الأفعال كلها، وهو أعم من "فعل"، ويتصرف على خمسة أوجه:
أولها: يجري مجرى "صار" و"طفق"، فلا يتعدى. نحو: "جعل زيد يقول كذا".
وثانيها: يجري مجرى "أوجد"، فيتعدى إلى واحد. قال تعالى: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ ﴿[النحل: ٧٨].
وثالثها: في إيجاد شيءٍ من شيء، وتكوينه منه. قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴿[النحل: ٧٢].
ورابعها: في تصيير شيءٍ على حالةٍ دون حالة، نحو: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا ﴿[البقرة: ٢٢]، و ﴿جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلالاً ﴿[النحل: ٨١]، وقال: ﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا ﴿[الزخرف: ٣].
وخامسها: الحكم بالشيء على الشيء؛ حقاً، قال تعالى: ﴿إنَّا رَادُّوهُ إلَيْكِ وجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴿[القصص: ٧]، أو باطلاً، قال تعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَنَاتِ ﴿[النحل: ٥٧].
стр. 2422
كإنشاء شيءٍ من شيء، أو تصيير شيءٍ شيئاً، أو نقله من مكانٍ إلى مكان، ومن ذلك: (وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها) [الأعراف: ١٨٩]، (وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ)؛ لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، والنور من النار، (وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً) [النبأ: ٨]، (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً) [ص: ٥] .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كإنشاء شيءٍ من شيء، أو تصيير شيءٍ شيئاً، أو نقله من مكانٍ إلى مكان): لف، وما بعده: نشر، فقوله: ﴿وجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴿[الأعراف: ١٨٩]، ﴿وجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّورَ ﴿[الأنعام: ١] المثالان: نشر لقوله: "كإنشاء شيءٍ من شيء"؛ لأن حواء من ضلع آدم، كما أن الظلمات من تكاثف الأجرام.
قال الإمام: "إن النور والظلمة لما تعاقبا كأنما تولد أحدهما من الآخر".
وقوله: (وجعلناكم أزواجاً): مثال لتصيير شيءٍ شيئاً، وذلك أن كلاً من الزوجين يفتقر إلى الآخر في حالا الانفراد، وبعد انضمام أحدهما إلى الآخر يصيران زوجين.
وقوله: (﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا ﴿[ص: ٥]): مثال للنقل، وذلك أن الكفار كانوا قد حكموا بالشرك والتعدد في الإلهية، فلما جاء الإسلام أبطل حكمهم بالتعدد، وألزمهم حكم التوحيد، كأنه نقل الحكم من التعدد إلى الوحدة.
فإن قلت: لم كرر المثال في القسم الأول، ولم يكتف بقوله: ﴿وجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴿[الأعراف: ١٨٩] كما في التوالي؟ قلت: ليوقفك على أن قوله: ﴿وجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّور ﴿[الأنعام: ١] من هذا القسم، وأنه المقصود في الإيراد.
стр. 2423
فإن قلت: لم أفرد "النور"؟ قلت: للقصد إلى الجنس، كقوله تعالى: (وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها) [الحاقة: ١٧]، أو لأن الظلمات كثيرة، لأنه ما من جنسٍ من أجناس الأجرام إلا وله ظل، وظله هو الظلمة، بخلاف النور فإنه من جنس واحدٍ وهو النار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (للقصد إلى الجنس)، أي: على ما يعرف كل أحدٍ أن النور ما هو، وهو الكيفية الفائضة من نحو النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية له. وهو وإن كان مفرداً في اللفظ، لكنه متكثر بحسب حصوله في مطارحه، كالظلمات. ومن ثم أفرد "الملك"، مع تعدد المتنزلات، في قوله: ﴿والْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ﴿[الحاقة: ١٧]. ونحوه قول الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
لم يرد لئيماً واحداً في زمانٍ واحد، بل لئاماً لا تنحصر في أزمنة لا تحصى، لأنه يصف نفسه بالحلم والأناة، وأنه دأبه وعادته.
قوله: ﴿والْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ﴿[الحاقة: ١٧]، أي: جنس الملك على جوانب أفق السماء.
قوله: (أو لأن الظلمات كثيرة) إلى قوله: (بخلاف النور)، يعني: جمع ﴿الظُّلُمَاتِ ﴿لكثرة أسبابها، والأجرام الحاملة لها، وأفرد "النور" لإفراد سببه، وهو النار، كما قال: "فإنه من جنسٍ واحد".
لكن أسباب النور أيضًا غير واحد، فإن النيرين والكواكب، وغيرها، أسباب شتى.
وكذلك قال صاحب "التقريب": "والظلمة أكثر، إذ لكل جرمٍ ظلمة، وليس لكل جرمٍ نور، بل لكل نير".
وقال الإمام: "إن النور هاهنا عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية، ثم إنها تقبل السواد قليلاً قليلاً، وهي لها مراتب كثيرة؛ فلهذا عبر عن "الظلمات" بصيغة الجمع".
стр. 2424
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروى الإمام عن الواحدي، عن ابن عباس: "الظلمات: ظلمة الشرك، والنفاق، والكفر. والنور: نور الإسلام".
ونحوه على الحسن.
وقال الإمام: "حمل اللفظ على الوجه الأول أولى؛ لأن النور والظلمة حقيقتان في هاتين الكفيفيتين المحسوستين، ولأنهما إذا قرنتا بذكر السماوات والأرض، لا يفهم منهما غير ذلك".
قلت: والذي ينصر مذهب الحبر ابن عباس ﵁ الاستعمال والنظم، أما الاستعمال: فإنه تعالى كلما ذكر لفظ "الظلمات" جمعاً، و"النور" مفرداً، أراد الضلالات والهداية. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إلَى الظُّلُمَاتِ ﴿[البقرة: ٢٥٧].
وقوله: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وجَعَلْنَا لَهُ نُورًا ﴿، إلى قوله: ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ﴿[الأنعام: ١٢٢]. وقال تعالى: ﴿الّر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ ﴿[إبراهيم: ١]، إلى غير ذلك.
وقال القاضي: "الهدى واحد، والضلال متعدد"، قال تعالى: ﴿وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴿[الأنعام: ١٥٣].
الراغب: "النور: يعبر به عن العلم والإيمان. والظلمة: عن ضديهما. ووجه ذلك أنه لما كان للإنسان بصران: الحاسة التي في الرأس، والبصيرة [التي] في القلب، فكما أن البصر لا يستغني في إدراك ما يدركه عن ضوء، كذلك البصيرة لا تستغني عن نور التوفيق والإيمان. ويقال لفقد البصرين: عمىً، ولفقدان النورين: ظلمة. وأعظمهما ضرراً فقد البصيرة. ولهذا
стр. 2425
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال تعالى: ﴿فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور ﴿[الحج: ٤٦]، فلم يعد فقد البصر عمىٍ بالإضافة إلى فقد البصيرة. وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ وجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّورَ ﴿يعني بذلك كلا النورين، وكلتا الظلمتين".
وأما المعنى والنظم: فإن لفظة "ثم" الاستبعادية في قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿تقتضي أن يكون ما قبلها مما يوفى فيه جميع ما يزيل الشبهة عما بعدها من الكفر والعدول عن الحق إزالةً تامة، بحيث لا يبقي معه لأحدٍ متمسك يتشبث به، كقوله تعالى: ﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ﴿[السجدة: ٢٢]. وذلك إنما يتم إذا حمل قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ ﴿على نصب الأدلة على معرفة الله وتوحيده، وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ ﴿على وضع الشرائع، وإنزال الكتب، وإرسال الرسل، لبيان طرق الضلالات، والإرشاد إلى الطريق المستقيم.
ومثله قرر المصنف في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ ﴿[آل عمران: ١٨] حيث قال: "شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد بشهادة الشاهد في البيان والكشف".
وتلخيص المعنى: أنه لم يبق بعد تلك البيانات الشافية، والدلائل الواضحة، حجة وتشبث للراكب على متن الضلال؛ فبعيد من الناظر المهتدي، بعد ذلك، ألا ينخلع من ضلاله وكفره، مع ذلك هؤلاء يعدلون به ما لا يقدر على شيءٍ من ذلك.
стр. 2426
فإن قلت: علام عطف قوله: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)؟ قلت: إما على قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ)، على معنى: أن الله حقيقٌ بالحمد على ما خلق؛ لأنه ما خلقه إلا نعمة، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكافرون نعمته، وإما على قوله (خَلَقَ السَّماواتِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الإمام: (إنما قدم الظلمات على النور، لأن عدم المحدثات متقدم على وجودها. جاء في الحديث: أن الله تعالى خلق الخلق في ظلمةٍ، ثم رش عليهم من نوره".
وقلت: الحديث من رواية الإمام أحمد بن حنبل، والترمذي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق الخلق في ظلمةٍ، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذٍ، فمن أصابه من نوره اهتدى، ومن أخطأه ضل". وفي رواية الترمذي: "فلذلك أقول: جف القلم بما هو كائن".
قوله: (وإما على قوله: ﴿خَلْقِ السَّمَوَاتِ ﴿. يعني أن الكفر يصح أن يحمل على معنى الشرك تارة، وعلى كفران النعمة أخرى، ويحسب هذين المعنيين يدور معنى ﴿يَعْدِلُونَ ﴿على هذا من العدول، والباء صلة ﴿كَفَرُوا ﴿على حذف المضاف، أي: كفروا بنعمة ربهم، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿به، أي: بالله ﴿يَعْدِلُونَ ﴿عن الحق، فيكفرون نعمته.
وفي قوله: "إن الله حقيق بالحمد على ما خلق" معنى ترتب الحكم على الوصف. وإنما ترك متعلق ﴿يَعْدِلُونَ ﴿على هذا ليقع الإنكار على نفس الفعل، وحقيقة العدول.
стр. 2427
على معنى: أنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإذا جعل بمعنى الشرك، يجب أن يعطف على ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ ﴿، لأن كفرهم بتسويتهم الأصنام بخالق السموات والأرض، كقوله تعالى حكايةً عن قول الكفار يوم القيامة: ﴿تَاللَّهِ إن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (٩٧) إذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ العَالَمِينَ ﴿[الشعراء: ٩٧ - ٩٨]. و ﴿يَعْدِلُونَ ﴿على هذا بمعنى: "يسوون"، ليستقيم معنى الشرك، والباء متعلق به. وإليه الإشارة بقوله: "خلق ما خلق" إلى آخره.
وإلى الوجهين ينظر معنى الحديث الذي أورده المصنف في البقرة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴿[البقرة: ١٧٢]، عن النبي ﷺ : "إني والجن والإنس في نبأٍ عظيمٍ: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري".
وعلى الوجهين قوله: ﴿رَبِّهِمْ ﴿مظهر أقيم مقام المضمر، للعلية.
وعلى الأول معناه: التربية، وعلى الثاني: المالكية والقهر، و ﴿الْحَمْدُ ﴿على الأول: محمول على الشكر اللساني، وعلى الثاني: الثناء على الجميل.
قال صاحب "الانتصاف": في العطف على قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ ﴿نظر؛ لأن العطف على الصلة يوجب الدخول في حكمها. ولو قلت: الحمد لله الذي الذين كفروا بربهم يعدلون؛ لم يستقم. ويحتمل أن يقال: وضع الظاهر موضع المضمر تفخيماً، ونظيره: ﴿لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ ﴿[آل عمران: ٨١] فيمن جعلها موصولةً لا شرطية.
يريد أن "ما" في قوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ
стр. 2428
ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه.
فإن قلت: فما معنى (ثم)؟ قلت: استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته، وكذلك (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) [الأنعام: ٢] استبعاد لأن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ ﴿[آل عمران: ٨١] إذا جعلت موصولةً لابد من راجعٍ في الصلة، فينبغي أن يجعل "ما معكم" في موضع الضمير الراجع، أي: مصدق له.
وقلت: ليس بذلك، لأنه من باب عطف حصول مضمون الجملتين، لقوله: "إنه خلق ما خلق، ثم هم يعدلون به". يعني: حصل من الله خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور للمكلفين، ليعرفوه، ويوحدوه ويعبدوه، فحصل منهم عكس ذلك، حيث سووا معه غيره، نحو قوله تعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴿[الواقعة: ٨٢]، فموقعه الفاء في الظاهر، فجيء بـ ﴿ثُمَّ ﴿للاستبعاد، ولأنه ليس من موضع وضع المظهر موضع المضمر، لأنه ابتداء كلام الكفار، على أنه لو قيل: ثم الكافرون والمشركون، كان ظاهراً أيضاً.
فإن قلت: ﴿الحّمْدُ ﴿هو: الثناء على الجميل، من نعمةٍ أو غيرها، فما معنى هذا الترتيب؟ قلت: معناه بيان فضله، وكمال حلمه ورحمته، كأنه قيل: ما أحلمه! وما أرحمه! لما يصدر منه تلك الفضائل والإنعام، وتقابل بذلك الكفر والكفران، ولا يصب عليهم العذاب صبا! كما في قوله: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ إنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿[الفرقان: ٦].
قوله: (يعدلون به)، الأساس: "لا عدل له: لا مثل له. وما يعدلك عندي شيء: أي ما يشبهك".
قوله: (وكذلك ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴿استبعاد). يعني: ذيل كلا من الآيتين بكلمة "الاستبعاد" بحسب ما تقتضيه من المعنى:
стр. 2429
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما الآية الأولى: فلما تضمنت دلائل الآفاق من الأجرام والأعراض، ذكر منها أعظمها جرماً في النظر، وأشملها تناولاً للأعراض، ليدخل في الأول سائر الأجسام، من الكبير والصغير، وفي الثاني جميع الأعراض: الظاهرة والخفية. ولهذا فسره الزجاج بالليل والنهار، والقاضي بالضلال والهداية.
والدليل على الاستيعاب: الجمع في أحد المكررين، والإفراد في الآخر، لأن في ذكر "الأرض" و"النور" مفردين، واقترانهما بالجمعين، إشعاراً بإرادة الجنسية في الإفراد، والاستغراق في الجمع. وفي ذكر "الخلق" و"الجعل" إشارةً إلى استيعاب الإنشاءين.
ثم إن الله تعالى بعد هذا الكلام الجامع، والبيان الكامل، نعي على الكفار بقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿[الأنعام: ١] يعني: انظروا إلى هؤلاء الكفار، مع ظهور هذه الأدلة كيف يتركون عبادة خالق الأرض والسماوات، ويشتغلون بعبادة الحجارة والموات! وإليه الإشارة بقوله: "استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته".
وأما الآية الثانية، فلما اشتملت على دلائل الأنفس، ذكر فيها المبدأ والمنتهي تصريحاً، ولوح إلى ما يتوسطهما تلويحاً: ذكر خلقهم من طين، ونص على الأجلين، وعبر بـ ﴿ثُمَّ ﴿دلالةً على أطوار ما في النشء من النطفة، والعلقة، والمضغة المخلقة وغير المخلقة، والنشء حياً،
стр. 2430
[(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)].
(ثُمَّ قَضى أَجَلًا): أجل الموت، (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ): أجل القيامة. وقيل: الأجل الأوّل: ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والثاني: ما بين الموت والبعث وهو البرزخ. وقيل: الأوّل النوم، والثاني: الموت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم الطفولة، والشباب، والشيخوخة، إلى الموت. ونبه بذكر الامتراء، والعدول من الغيبة في قوله: ﴿بِرَبِهِمْ ﴿، إلى الخطاب في قوله: ﴿أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴿على التنبيه عن رقدة الغفلة والجهالة، وأن دلائل الأنفس أقرب الدلائل وأدق، وهي التي يضطر معها الناظر إلى المعرفة التامة.
وتلخيص المعنى: أن دلائل الآفاق موجبة لإزالة الشرك وإثبات التوحيد، فناسب أن يستبعد منهم الشرك مع وجودها، وأن دليل الأنفس مقتضٍ لحصول الإيمان، فناسب أن يستبعد منهم الامتراء.
قوله: (وقيل: الأجل الأول: ما بين أن يخلق)، وعلى هذا: الأجل عبارة عن جميع المدة. وعلى الأول عن آخرها. وإنما لم يؤخذ بهذه الأقوال لأنه لم يرتبط قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴿بما قبله كما ينبغي أن يكون.
стр. 2431
فإن قلت: المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفا وجب تأخيره. فلم جاز تقديمه في قوله: (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ)؟ قلت: لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة، كقوله: (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ) [البقرة: ٢٢١].
فإن قلت: الكلام السائر أن يقال: عندي ثوب جيد، ولي عبدٌ كيس، ........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واعلم أن قطب هذه السورة الكريمة يدور مع إثبات الصانع، ودلائل التوحيد وما يتصل بها. انظر كيف جعل احتجاج الخليل على قومه، ومآله إلى قوله: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ حَنِيفًا ﴿[الأنعام: ٧٨ - ٧٩]. وكيف أوقع أمر حبيبه صلوات الله عليه بقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴿[الأنعام: ٩٠] بعد ذكر معظم الأنبياء واسطة العقد، ولجة بحر التوحيد! ثم تفكر في قوله: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ ﴿[الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] كيف جاءت خاتمة لها! فسبحان من له تحت كل سورةٍ من كتابه كريم، بل كل آيةٍ وكلمةٍ، أسرار ينفد دون نفاد بيانها الأبحر!
قوله: (الكلام السائر أن يقال: عندي ثوب جيد). هذا السؤال غير واردٍ على القياس اللغوي، لأنهم إنما يوجبون تقديم الظرف إذا لم يكن المبتدأ مخصصاً، كما سبق في الكتاب. وعليه كلام صاحب "المفتاح" حيث قال: "ولا يجب التقديم على المنكر إذا كان موصوفاً. قال تعالى: ﴿وأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ﴿[الأنعام: ٢]. ولكن وارد على استعمال الفصحاء فإنهم أوجبوا التقديم ولو كان مخصصاً"، ولهذا قال: "الكلام السائر".
стр. 2432
وما أشبه ذلك؛ فما أوجب التقديم؟ قلت: أوجبه أن المعنى: وأي أجلٍ مسمى عنده! تعظيماً لشأن الساعة، فلما جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقريب منه عن صاحب "المثل السائر".
ورد في التنزيل: ﴿إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ﴿[ص: ٢٣]. فلفظة: ﴿لي ﴿مقدمة جاءت حسنة، وإذا جاءت منقطعةً لا تجيء لائقة، كقول المتنبي:
تمسي الأماني صرعى دون مبلغه … فلا يقول لشيءٍ: ليت ذلك لي
وإذا خولف الاستعمال، وأزيل من مقره، دل على الاهتمام بشأنه، والاعتناء بذكره، فيحمل التنكير فيه على التعريف والتعظيم. فقال: "وأي أجل مسمىٍ عنده"، ليؤذن بالفرق بين الأجلين. ومن ثم أتم معنى التخصيص بتعظيم قوله: ﴿عِندَهُ ﴿وحسن كذلك أن يوقف على ﴿أَجَلاً ﴿.
قال صاحب "المرشد": وحسن الوقف على قوله: ﴿أَجَلاً ﴿ليفصل بينه وبين الآخر، وهو البعث والنشور.
قوله: (وأي أجل مسمى عنده): بيان لمعنى التنكير والتهويل فيه، لا أن الكلام متضمن لمعنى الاستفهام كما ظن: قال المصنف في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴿[البقرة: ٥]: "نكر ﴿هُدًى ﴿ليفيد ضرباً مبهماً لا يبلغ كنهه، كأنه قيل: على أي هدى".
فظهر من هذا الفرق بين قول صاحب "المفتاح": ولا يجب التقديم على المنكر إذا كان موصوفاً، وبين قول صاحب "الكتاب": (أوجبه أن المعنى: وأي أجلٍ مسمى عنده! تعظيماً)،
стр. 2433
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأنه نظر إلى القياس النحوي، والمصنف إلى استعمال الفصحاء، كما بينا أن المراد ها هنا تعظيم هذا الأجل، للفرق بين الأجلين، وما يكون معظماً مفخماً لابد أن يكون مهتماً بشأنه، والاهتمام موجب للتقديم. وهو المراد بقوله: (فلما جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم".
وقال صاحب "الانتصاف": التعظيم لا يوجب التقديم. وقد ورد: ﴿وعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴿[الزخرف: ٨٥]. والمراد: تعظيمها.
وقال صاحب "الإنصاف": "ولو مثل بقوله: ﴿ولَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقّ ﴿[المؤمنون: ٦٢] كان أحسن، لأنه نكرة موصوفة، و ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ ﴿معرفة".
وقلت: أما تنظير صاحب "الانتصاف" فبعيد المرمى لفظاً ومعنىً، أما اللفظ فلما ذكر، وأما المعنى فلأن ذلك المقام يقتضي الاختصاص والحصر لا التعظيم، أي: عنده علم الساعة لا عند غيره. ونحو قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ ﴿[الكافرون: ٦].
وأما التنظير الآخر فإنه وارد على مقتضي الاستعمال، ولا موجب لإزالته عن مفره، إذ موجب التقديم في تلك الآية الفرق بين الأجلين، ولا يراد ها هنا الفرق بين الكتاب وغيره، يعلم ذلك مما سبقه من قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وقُلُوبُهُمْ وجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ* أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وهُمْ لَهَا سَابِقُونَ* ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلاَّ وسْعَهَا ولَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴿[المؤمنون: ٦٠ - ٦٢].
قال القاضي: والاستئناف به لتعظيمه، ولذلك نكر، ووصف بأنه ﴿مُسَمٍّى ﴿، أي: مثبت
стр. 2434
[(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ)].
(فِي السَّماواتِ) متعلق بمعنى اسم "الله"، كأنه قيل: وهو المعبود فيها، ومنه قوله: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ) [الزخرف: ٨٤]، أو هو المعروف بالإلهية أو المتوحد بالإلهية فيها، أو هو الذي يقال له: "الله" فيها، لا يشرك به في هذا الاسم، ويجوز أن يكون (اللَّهُ فِي السَّماواتِ) خبراً بعد خبر؛ على معنى: أنه الله، وأنه في السموات والأرض، بمعنى أنه عالمٌ بما فيهما لا يخفى عليه منه شيء، كأن ذاته فيهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معين، لا يقبل التغيير، وأخبر عنه بأنه "عند الله"، ولا مدخل لغيره فيه بعلمٍ ولا قدرة، ولأنه المقصود ببيانه.
قوله: (﴿فِي السَّمَوَاتِ ﴿متعلق بمعنى اسم "الله"). قال الزجاج: لو قلت: "هو زيد في المدينة"، لم يجز، إلا أن يكون في الكلام دليل على أن زيداً قد يدبر أمر المدينة.
ونقل أبو البقاء عن أبي علي أنه قال: لا يجوز أن يتعلق باسم "الله"، لأنه صار بدخول الألف واللام، والتغيير الذي دخله، كالعلم. ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًا ﴿[مريم: ٦٥].
والمصنف اختار مذهب الزجاج، وزاد عليه في الاعتبار، وأول التركيب على وجوه؛ أحدها: جعل اسم "الله" مشتقاً من "أله يأله": إذا عبد. فالإله: فعال في معنى المفعول، أي: المألوه، وهو المعبود. ثم تصرف فيه، فصار "الله" كما سبق. هذا هو المراد من قوله: "وهو المعبود فيها".
стр. 2435
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثانيها: جعل معنى شهرته في الإلهية عاملاً في الظرف. قال: هو كما تقول: "هو حاتم في طيء"، على تضمين معنى الجود الذي اشتهر به، كأنك قلت: "هو جواد في طيء".
ومنه قول أبي النجم:
أنا أبو النجم وشعري شعري
أي: أنا ذلك المشهور في الفصاحة، وشعري هو المعروف بالبلاغة. وهو الذي عناه بقوله: >وهو المعروف بالإلهية".
وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: ﴿فِي السَّمَوَاتِ ﴿: حال مؤكدة، أي: وهو الله معروفاً في السموات والأرض، كقولك: "هو زيد معروفاً في العالم"ز
وقال المالكي: لا تكون الحال المؤكد بها خبر جملة جزآها معرفتان جامدتان، إلا بلفظٍ دال على معنىً لازم، أو شبيه باللازم، في تقدم العلم، والعامل فيها: "أحقه" أو "أعرفه". وهذا أولى من قول الزجاج: العامل هو الخبر لتأويله بمسمى، ومن قول ابن خروف: "إن العامل هو المبتدأ" لتضمنه معنى التنبيه.
وثالثها: أن يكون رداً للمشركين في إثبات إلهٍ غيره. قال الزجاج: والمعنى: هو المتفرد في التدبير في السموات والأرض، خلافاً للقائل المخذول بأن المدبر فيهما غيره. وإليه الإشارة بقوله: "المتوحد بالإلهية فيها".
стр. 2436
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال ابن الحاجب: وفائدة قولك: "أنا زيد"، أو: "هو زيد" الإخبار عما كان يجوز أنه متعدد، بأنه واحد في الوجود. وهذا إنما يكون إذا كان المخاطب قد عرف مسميين في ذهنه، أو أحدهما في ذهنه، والآخر في الوجود، فيجوز أن يكونا متعددين. فإذا أخبر المخبر بأحدهما عن الآخر، كان فائدته أنهما في الوجود ذات واحدة.
ورابعها: أن يكون مأخوذاً من قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًا ﴿[مريم: ٦٥]. وهو المراد من قوله: "وهو الذي يقال له: "الله" فيها، لا يشرك به في هذا الاسم". وهو اختيار أبي علي.
وخامسها: ألا يكون ﴿فِي السَّمَوَاتِ ﴿متعلقاً بالاسم، وذلك بأن يكون خبراً بعد خبر، وهو المراد من قوله: "أنه الله، وأنه في السموات". أما قوله: "أن يكون ﴿اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ ﴿خبراً بعد خبر" فمعناه أنهما خبران متعاقبان؛ لأن قوله: ﴿فِي السَّمَوَاتِ ﴿وحده خبر بعد خبر، لا كليهما.
قال صاحب "الفرائد": إذا كان خبراً بعد خبر، كان معناه أنه عالم بما فيها، كقوله تعالى: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴿[الحديد: ٤] أي: بالعلم والقدرة. فإذا جاز هذا فأي ضرورةٍ في ما ذكر من التقديم البعيد؟ أي: كأن ذاته فيها.
قلت: الضرورة بيان فائدة العدول عن إثبات العلم، إلى هذه العبارة، والإشعار بأنها من باب الكناية، وأن علمه الكامل شامل لما ظهر فيها وما بطن.
ومن ثم فصل قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وجَهْرَكُمْ ويَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴿بياناً موضحاً لهذه الجملة. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴿الآية [الحديد: ٤].
стр. 2437
فإن قلت: كيف موقع قوله: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)؟ قلت: إن أردت المتوحد بالإلهية كان تقريراً له؛ لأن الذي استوى في علمه السر والعلانية هو الله وحده، وكذلك إذا جعلت (في السموات) خبراً بعد خبر، وإلا فهو كلام مبتدأ؛ بمعنى: هو يعلم سركم وجهركم، أو خبر ثالث.
(وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ) من الخير والشر، ويثبت عليه، ويعاقب.
[(وَما تَاتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ* فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَاتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)].
(مِنْ) في (مِنْ آيَةٍ) للاستغراق، وفي (مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ) للتبعيض، يعني: وما يظهر لهم دليلٌ قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاستدلال والاعتبار، ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإلا فهو كلام مبتدأ)، أي: وإن لم يرد بقوله تعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ ﴿[الأنعام: ٣] المتوحد بالإلهية فيها، وأنه الله، ولا أنه عالم بما فيها، فكان كلاماً مبتدأ مستأنفاً، لأنه على التقديرين تأكيد وتقرير لمعناهما، كما قرره، بقي أن يراد: هو المعبود فيها، أو هو المعروف، أو هو الذي يقال له: الله فيها. فهو على هذه الوجوه استئناف.
وبيان السؤال على الأول أنه لما قيل: هو المعبود فيها، اتجه لسائلٍ أن يسأل: فما شأنه مع عابده حينئذ؟ فأجيب: يعلم سرهم وجهرهم، ويعلم ما يكسبون، فيجازيهم على أعمالهم: إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
وعلى الثاني والثالث: السؤال: بماذا عرف فيهما؟ وما وصفه فيهما؟ فقيل: وصفه فيهما بالعلم الشامل الكلي والجزئي، كما سبق في آخر "المائدة"، في قوله تعالى: ﴿إنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ ﴿[المائدة: ١٠٩]. قال المصنف: " (علام الغيوب) قرئ بالنصب على أن الكلام قد تم بقوله: ﴿إنَّكَ أَنتَ ﴿، أي: إنك موصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره".
стр. 2438
(إلا كانوا عنه معرضين): تاركين للنظر لا يلتفتون إليه ولا يرفعون به رأساً، لقلة خوفهم وتدبرهم للعواقب.
(فَقَدْ كَذَّبُوا) مردودٌ على كلامٍ محذوف، كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات، فقد كذبوا بما هو أعظم آيةٍ وأكبرها، وهو الحق، (لَمَّا جاءَهُمْ) يعني: القرآن الذي تحدّوا به على تبالغهم في الفصاحة فعجزوا عنه، (فَسَوْفَ يَاتِيهِمْ أَنْباءُ) الشيء الذي (كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) وهو القرآن، أي: أخباره وأحواله، بمعنى: سيعلمون بأي: شيءٍ استهزؤوا، وسيظهر لهم أنه لم يكن بموضع استهزاء، وذلك عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا أو يوم القيامة، أو عند ظهور الإسلام وعلوّ كلمته.
[(أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَانا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مردود على كلامٍ محذوف)، أي: شرطٍ محذوف، ونحوه قول الشاعر:
قالوا: خراسان أقصى ما يراد بنا … ثم القفول، فقد جئنا خراسانا
أي: إن صح ما قلتم من أن خراسان المقصد، فقد جئنا، وأين لنا الخلاص؟
قوله: (أو عند ظهور الإسلام). فإن قلت: اتصال قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم ﴿بما قبله على أن المراد بالأنباء في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَاتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ظاهر، لمناسبة الاعتبار بنزول العذاب على الأمم السالفة بالتهديد والوعيد. فما وجه اتصاله به إذا أريد به ما قال: "عند ظهور الإسلام"؟
стр. 2439
مكن له في الأرض: جعل له مكانا فيها، ونحوه: أرّض له، ومنه قوله: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ) [الكهف: ٨٤]، (أَوَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ) [القصص: ٥٧]، وأمّا "مكنته في الأرض": فأثبته فيها. ومنه قوله: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ) [الأحقاف: ٢٦]، ولتقارب المعنيين جمع بينهما في قوله: (مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ)، والمعنى: لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عاداً وثمود وغيرهم؛ من البسطة في الأجسام، والسعة في الأموال، والاستظهار بأسباب الدنيا.
و(السماء): المظلة؛ لأن الماء ينزل منها إلى السحاب، .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: معناه: فسوف يأتيهم أنباءُ القرآن، ومن نزل عليه عند تباشير الظفر، ونصرة الله الإسلام، وقهر أعداء الدين، وغلبة أوليائه، أولم يروا كم أهلكنا من قبلهم من المكذبين، ونصرنا الأنبياء وضعفة المؤمنين على من هم أشد من هؤلاء!
قوله: (ولتقارب المعنيين جمع بينهما). يعني: قوله: "مكن له في الأرض"، وقوله: "مكنته في الأرض" بعد التفرقة بينهما من حيث اللفظ والمعنى منزلان منزلة معنىً واحدٍ في إعطاء معنى الكتابة، ويجمعهما كون الموصوف بهما في منعةٍ من الرجال، والسعة في الأموال والمآل والأحوال.
وإليه الإشارة بقوله: "لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عاداً وثمود وغيرهم، من البسطة، والسعة، والاستظهار".
وتحريره: أن كونهم ثابتين في الأرض يدل على أنها جعلت مكاناً لهم، وهو يدل على كونهم في الاستظهار بأسباب الملك، في غايةٍ من الكمال.
ويعضده قوله تعالى: ﴿ويَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا* إنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ ﴿، ثم بينه بقوله: ﴿وآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا* فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴿[الكهف: ٨٣ - ٨٥].
قوله: (لأن الماء ينزل منها إلى السحاب). يعني: قال تعالى: ﴿وأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا ﴿
стр. 2440
أو السحاب أو المطر. و"المدرار": المغزار.
فإن قلت: أي: فائدةٍ في ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم؟ قلت: الدلالة على أنه لا يتعاظمه أن يهلك قرناً، ويخرب بلاده منهم؛ فإنه قادرٌ على أن ينشئ مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده، كقوله تعالى: (وَلا يَخافُ عُقْباها) [الشمس: ١٥].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[الأنعام: ٦]، وإنما المرسل هو السحاب، لأن الماء ينزل من المظلة إلى السحاب.
قوله: (والمدار: المغزار). قال الزجاج: ﴿مِّدْرَارًا ﴿: أي داراً ذات غيثٍ كثير. و"مفعال" من أسماء المبالغة، كقولهم: "امرأة مذكار": إذا كانت كثيرة الولادة للذكور. وكذلك "مثنات" من الإناث.
قوله: (إنشاء قرنٍ آخرين بعدهم). قال الزجاج: القرن: أهل كل مدةٍ كان فيها نبي، أو كان فيها طبقة من أهل العلم، قلت السنون أو كثرت. يدل عليه قوله ﷺ : "خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".
قوله: (ويخرب بلاده منهم). ضمن "خرب" معنى "أخلى"، وعداه بـ"من"، أي: أخلى الله تعالى بلاده منهم، فهي خربة.
قوله: (كقوله تعالى: ﴿ولا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴿[الشمس: ١٥]). يعني: وزان قوله تعالى: ﴿وأَنشَانَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴿[الأنعام: ٦]، وزان قوله: ﴿ولا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴿[الشمس: ١٥] في كونه تقريراً للكلام السابق، وتتميماً لمعنى عدم المبالاة. كأنه قيل: فأهلكناهم بذنوبهم، وما خفنا
стр. 2441
[(وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ* وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ* وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ)].
(كِتاباً): مكتوباً، (فِي قِرْطاسٍ): في رق، (فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ) ولم يقتصر بهم على الرؤية، لئلا يقولوا: سكرت أبصارنا، فيبقى لهم علة. لقالوا: (إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) تعنتا وعناداً للحق بعد ظهوره.
(لَقُضِيَ الْأَمْرُ): لقضي أمر هلاكهم، (ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ) بعد نزوله طرفة عين، .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عقباهم، وذلك أن المتسلط على تخريب الديار، وقلع الآثار، إنما يخاف من عقبى الأمر إذا لم يقدر على إنشاء مثل ما خربه ودمره، وأما من هو قادر على إنشاء مثله، فلا يخاف عقباها. قال: "فلا يخاف عاقبتها وتبعتها، كما يخاف كل معاقبٍ من الملوك، فيبقي بعض الإبقاء".
قوله: (ولم يقتصر بهم على الرؤية): عطف على محذوف، يعني: ضم مع قوله تعالى: ﴿كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ ﴿، قوله: ﴿فَلَمَسُوهُ ﴿، ولم يقتصر على الرؤية، للتتميم والمبالغة.
قوله: (لقالوا: ﴿إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿) إنما أتي بالضمير، وفي التنزيل: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿ليؤذن أن قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿مظهر وضع موضع المضمر للعلية.
قوله: (سكرت أبصارنا) أي: حبست من النظر، على المجاز. كذا في "الأساس".
قوله: (لقضي أمر هلاكهم). قال الزجاج: "أي: لتم إهلاكهم. و"قضى" على ضروب، ومرجعها إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه".
стр. 2442
إما لأنهم إذا عاينوا الملك قد نزل على رسول الله ﷺ في صورته، وهي آيةٌ لا شيء أبين منها وأيقن، ثم لا يؤمنون كما قال: (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى) [الأنعام: ١١١]- لم يكن بدّ من إهلاكهم، كما أهلك أصحاب المائدة، وإما لأنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف عند نزول الملك، فيجب إهلاكهم، وإما لأنهم إذا شاهدوا ملكاً في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون.
ومعنى (ثُمَّ): بعد ما بين الأمرين؛ قضاء الأمر، وعدم الإنظار. جعل عدم الإنظار أشدّ من قضاء الأمر؛ لأنّ مفاجأة الشدّة أشدّ من نفس الشدّة.
(وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً): ولو جعلنا الرسول ملكاً كما اقترحوا - لأنهم كانوا يقولون: لولا أنزل على محمدٍ ملك! وتارةً يقولون: (ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) [المؤمنون: ٣٣]، ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهي آية لا شيء أبين منها وأيقن). فإن قيل: هذا يؤذن أن هذه الآية أبين من سائر المعجزات، مثل: انشقاق القمر، وفلق البحر، وإحياء الموتى، قلت: نعم، لأنه أراد بقوله: "لأنهم إذا عاينوا الملك": الملك المطلوب، والآية المقترحة، ولا ارتياب أنه لا شيء أبين منها في إزاحة العلل، وأيقن لنزول العذاب. ولذلك أتي بقوله: "كما أهلك أصحاب المائدة" مستشهداً به، لأنها أيضاً كانت مقترحة، فأهلكوا بالمسخ.
قوله: (لأنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف)، يعني: إذا نزلت الملائكة، اضطروا إلى الإيمان، وقاعدة التكليف الاختيار.
هذا في حق الكفار عند نزول العذاب بعد الإنذار، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا ﴿[غافر: ٨٥]. وأما المؤمنون إذا رأوا الملائكة، فيزيد إيمانهم، ﴿ومَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلاَّ بُشْرَى لَكُمْ ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ﴿[آل عمران: ١٢٦].
قوله: (وتارة يقولون). اعلم أن "تارة" مقتضية مقارنتها، وهي محذوفة، إذ التقدير:
стр. 2443
(لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) [فصلت: ١٤]- (لَجَعَلْناهُ رَجُلًا): لأرسلناه في صورة رجل، كما كان ينزل جبريل على رسول الله ﷺ في أعلم الأحوال في صورة دحية، لأنهم لا يبقون مع رؤية الملائكة في صورهم، (وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ): ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ، … ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأنهم تارة كانوا يقولون: لولا أنزل على محمدٍ ملك، وتارةً يقولون: ﴿مَا هَذَا إلاَّ بَشَرٌ ﴿[المؤمنون: ٢٤]، فأوجب ذلك أن يجعل الضمير في قوله: ﴿ولَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا ﴿لما يقال له: الرسول، سواء كان مبعوثاً إليهم لما قالوا: ﴿مَا هَذَا إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴿[المؤمنون: ٢٤]، أو إلى من هو مبعوث إليهم لما قالوا: لولا أنزل على محمدٍ ملك.
فلذلك فسر الضمير بالرسول المطلق في قوله: "ولو جعلنا الرسول ملكاً"، وعلله بقوله: "لأنهم كانوا يقولون" إلى آخره.
فقوله تعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْنَاهُ ﴿: عطف على: ﴿ولَوْ نَزَّلْنَا ﴿، فأردف الجواب بجواب آخر، أعم منه، قلعاً لشبههم من سنخها.
قال القاضي: " ﴿ولَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا ﴿: جواب ثانٍ إن جعل الهاء للمطلوب، وإن جعل للرسول فهو جواب اقتراحٍ ثان، فإنهم تارةً يقولون: ﴿لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴿، وتارة يقولون: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلائِكَةً ﴿[فصلت: ١٤] ".
وما ذهب إليه المصنف أقضى لحق البلاغة، لاشتمال الجواب على المطلوب، وعلى غيره.
قوله: (في صورة دحية). قال صاحب "الجامع": "دحية: بكسر الدال وسكون الحاء
стр. 2444
فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة إنسان: هذا إنسانٌ وليس بملك، فإن قال لهم: الدليل على أني ملكٌ أني جئت بالقرآن المعجز، وهو ناطقٌ بأني ملك لا بشر، كذبوه كما كذبوا محمداً ﷺ ، فإذا فعلوا ذلك خذلوا كما هم مخذولون الآن، فهو ليس الله عليهم.
ويجوز أن يراد: وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ حينئذٍ مثل ما يلبسون على أنفسهم الساعة في كفرهم بآيات الله البينة، وقرأ ابن محيصن: "ولبسنا عليهم"، بلامٍ واحدة. وقرأ الزهري: "وللبسنا عليهم ما يلبسون"، بالتشديد.
[(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المهملة، كذا يرويه أكثر أصحاب الحديث، وأهل اللغة، وقال الأمير أبو نصر بن ماكولا: هو بالفتح"، وهو الذي كان ينزل جبريل ﵇ في صورته.
قوله: (ويجوز أن يراد: وللبسنا عليهم حينئذٍ)، اعلم أن ﴿مَّا ﴿في قوله: ﴿مَّا يَلْبِسُونَ ﴿: إما موصولة، والعائد محذوف، وهو مفعول ﴿ولَلَبَسْنَا ﴿، كما ذكره أبو البقاء. وعليه الوجه الأول في الكتاب، ومن ثم قدر "حينئذٍ" بعد تمام الكلام.
والمراد باللبس: الخلط في أمر الرسول ﷺ . المعنى: لخلطنا عليهم الذي يخلطونه على أنفسهم، في كون الرسول ينبغي أن يكون ملكاً لا بشراً. هذا على مذهب أهل السنة ظاهر، دون مذهبهم، ولهذا أول اللبس بالخذلان، حيث قال: "خذلوا كما هم مخذولون الآن، فهو لبس الله عليهم".
стр. 2445
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ) تسليةٌ لرسول الله ﷺ عما كان يلقى من قومه، (فَحاقَ) بهم: فأحاط بهم الشيء الذي كانوا يستهزئون به وهو الحق، حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به.
[(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)].
فإن قلت: أي: فرق بين قوله: (فَانْظُروا) وبين قوله: (ثُمَّ انْظُرُوا)؟ قلت: جعل النظر مسبباً عن السير في قوله: (فَانْظُروا)، فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين، وأما قوله: (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا) ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أو مصدرية، وهو مفعول مطلق، والكلام فيه تشبيه، وحينئذ لبس الله غير لبسهم. ولهذا كرر الظرف، حيث قال أولاً: "حينئذٍ"، وثانياً: "الساعة". والمراد باللبس: الكفر في أمر آيات الله، وهو ما يعلم من قوله: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿[الأنعام: ٧]. وإليه الإشارة بقوله: "في كفرهم بآيات الله البينة".
قوله: (حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به). يعني أن قوله: ﴿مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿من باب إطلاق السبب على المسبب، لأن المحيط بهم هو العذاب، لا المستهزأ به، ولما كان سبباً له وضع موضعه للمبالغة.
قوله: (أي فرقٍ بين قوله: ﴿فَانظُرُوا ﴿)، أي: في قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا ﴿[آل عمران: ١٣٧].
стр. 2446
فمعناه: إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع وإيجاب النظر في آثار الهالكين. ونبه على ذلك بـ (ثم)، لتباعد ما بين الواجب والمباح.
[(قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)].
(لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) سؤال تبكيت،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إباحة السير في الأرض للتجارة … ، وإيجاب النظر). يريد: الأمر على الأول واحد مقيد، وعلى الثاني شيئان: فالأول مباح، والثاني واجب، بدلالة ﴿ثم ﴿.
قال صاحب "التقريب": "إنما لم يحمل على التراخي، وعدل إلى المجاز، إذ واجب النظر في آثار الهالكين حقه ألا يتراخي عنه السير".
وقلت: يمكن أن يأمرهم بالسير أولاً، وبالنظر ثانياً على الوجوب، ويكون الثاني أعلى رتبة، لأن الكلام مع المنكرين، كما تقول: "توضأ ثم صل"، والآية مع الفاء متضمنة للتنبيه على الغفلة، أو للتوبيخ على التغافل، ومع "ثم" للتعبير على التواني والتقاعد. وإلى الأول الإشارة بقوله: "ولا تسيروا سير الغافلين".
الراغب: "قيل: حث على السياحة في الأرض بالجسم، وقيل: على إجالة الفكر، ومراعاة أحواله، كما روي في وصف الأنبياء ﵈: أبدانهم في الأرض سائرة، وقلوبهم في الملكوت جائلة".
قوله: (سؤال تبكيت)، الأساس: "ومن المجاز: بكته بالحجة، أي: غلبه. وبكته: ألزمه ما عيي بالجواب عنه".
стр. 2447
و (قُلْ لِلَّهِ) تقريرٌ لهم، أي: هو الله، لا خلاف بيني وبينكم، ولا تقدرون أن تضيفوا شيئاً منه إلى غيره، (كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) أي: أوجبها على ذاته؛ في هدايتكم إلى معرفته، ونصب الأدلة لكم على توحيده بما أنتم مقرون به من خلق السموات والأرض، ثم أوعدهم على إغفالهم النظر وإشراكهم به من لا يقدر على خلق شيءٍ بقوله: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) فيجازيكم على شرككم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعني: إذا سئلوا عن قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ﴿[الأنعام: ١٢]، لا محيد لهم إلا أن يقولوا: لله، ﴿ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴿[لقمان: ٢٥].
قوله: (و ﴿قُل لِّلَّهِ ﴿: تقرير)، قيل: أي إلجاء إلى الإقرار. الجوهري: "تقرير الإنسان بالشيء: حمله على الإقرار به"، والأولى أن يكون من تقرير الشيء: إذا جعل في مكانه.
الجوهري: "قررت عنده الخبر حتى استقر".
أي: قرر الجواب لأجلهم، فكأن قوله قولهم، لأنه لا خلاف بينه وبينهم. وهذا هو المراد من قوله: "لا خلاف بيني وبينكم".
قال الإمام: "أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالسؤال أولاً، وبالجواب ثانياً. وهذا إنما يحسن في الموضع الذي يكون الجواب قد بلغ من الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر، ولا على دفعه دافع".
قوله: (أوجبها على ذاته؛ في هدايتكم إلى معرفته) إلى آخره. قال القاضي: " ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴿: التزمها فضلاً وإحساناً. والمراد بالرحمة: ما يعم الدارين، ومن ذلك: الهداية إلى معرفته، والعلم بتوحيده، بنصب الأدلة، وإنزال الكتب، ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴿:
стр. 2448
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استئناف وقسم للوعيد في إشراكهم وإغفالهم النظر، أي: ليجمعنكم في القبور مبعوثين إلى يوم القيامة، أو في يوم القيامة. و"إلى" بمعنى: في".
وقال الزجاج: يجوز أن يكون تمام الكلام: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴿، ثم استأنف ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴿، ويجوز أن يكون ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ ﴿بدلا من ﴿الرَّحْمَةَ ﴿، وفسر رحمته بأنه يمهلهم إلى يوم القيامة. والإمهال: الرحمة.
وقلت: تفسير الرحمة بالعموم أولى، لما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لما قضى الله الخلق كتب كتاباً، فهو عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي"، وفي رواية: "غلبت غضبي".
والحمل على الاستئناف أقضى لحق البلاغة، وذلك أن للكفار - عند ذلك السؤال المبكت، والجواب المقرر المسكت - أن يزعموا: ما بال هذا العزم القوي والتشديد فيه؟ فيقال لهم: لأنكم ما خلقتم سدى، ما خلقكم الله إلا لرحمته، تعرفونه، وتعبدونه، وتفعلون ما تستأهلون به رحمته، لأنه واسع الرحمة، والله يدعو إلى دار السلام.
ويؤيده قول محيي السنة: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴿: استعطاف منه للمتولين عنه إلى الإقبال عليه، وإخبار بأنه رحيم بالعباد، ولا يعجل العقوبة، ويقبل الإنابة والتوبة.
стр. 2449
وقوله: (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) نصبٌ على الذم، أو رفع؛ أي: أريد الذين خسروا أنفسهم، أو أنتم الذين خسروا أنفسهم.
فإن قلت: كيف جعل عدم إيمانهم مسبباً عن خسرانهم، والأمر على العكس؟ قلت: معناه: الذين خسروا أنفسهم في علم الله: لاختيارهم الكفر. فهم لا يؤمنون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم إن القوم لما كانوا ممن طبع على قلوبهم، لهم أن يقولوا عند الأمر بالتكليف، وترك العبادات، وأنهم خلقوا ليعملوا فيجازوا به: ليس الأمر كذلك، بل ﴿نَمُوتُ ونَحْيَا ومَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْر ﴿[الجاثية: ٢٤]. فوبخوا عند ذلك بقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ ﴿، كقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وأَنَّكُمْ إلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ﴿[المؤمنون: ١١٥].
وإدخال لام القسم دل على الترقي في الإنكار، كقول الرسل: ﴿إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴿[يس: ١٦] في الكرة الثانية.
قوله: (معناه: الذين خسروا أنفسهم في علم الله تعالى). قال الإمام: هذا يدل على أن سبق القضاء بالخسران هو الذي حملهم على الامتناع من الإيمان. وذلك عين مذهب أهل السنة.
وقال صاحب "الفرائد": "ويمكن أن يقال: من أضاع رأس المال، لم يحصل له الربح. ورأس المال هو نفس الحياة، والربح الإيمان، فإذا أضاعها فيما لا يعنيه فقد أهلكها، فلم يحصل له الربح".
هذا أقرب إلى أصول المعتزلة. كما أن قول المصنف عين مذهب أهل السنة.
стр. 2450
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: مدار هذين القولين على معنى الذم في قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ ﴿، فإذا حمل على قوله: "أريد الذين خسروا أنفسهم" كان الأولى أن يجري على العموم، ليدخل هؤلاء فيه دخولاً أولياً. فحينئذٍ يتوجه عليه سؤال المصنف، ونطبق عليه جوابه.
وإذا حمل على "أنتم الذين خسروا أنفسهم" ليختص بالمخاطبين، كان المناسب ما ذهب إليه صاحب "الفرائد".
والذي يقتضيه النظم أن الآية كالتذييل لما سبق، وذلك أن الكلام من ابتداء السورة في حق المعاندين الممترين، ذكرهم آيات الآفاق والأنفس، ثم أنذرهم بإهلاك من هم أشد منهم تمكناً في الأرض، ثم وبخهم على قولهم في الكتاب: إنه ﴿سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿، وعلى اقتراحهم: ﴿لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴿، وأرشدهم إلى السير في الأرض للاعتبار، ومكنهم، وقررهم، وعرضهم لرحمة الله الواسعة، ثم بعد الإياس من إيمانهم أتى بقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ ﴿، أي: في علم الله ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿ذماً لهم، وتسليةً للرسول ﷺ لئلا تذهب نفسه عليهم حسرات.
نحوه ما سبق في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ﴿[البقرة: ٧] بقوله: ﴿وسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿[القرة: ٦]. ولهذا أوقع الفاصلة بين
стр. 2451
[(وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)].
(وَلَهُ) عطفٌ على (الله)، (ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) من السكنى، وتعديه بفي كما في قوله (وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) [إبراهيم: ٤٥]. (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) يسمع كل مسموع، ويعلم كل معلوم، فلا يخفى عليه شيءٌ مما يشتمل عليه الملوان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ﴿ولَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ والنَّهَارِ ﴿الآية، وبين المعطوف عليه، لأن لهما مدخلاً في التسلي.
قوله: (﴿ولَهُ ﴿عطف على: ﴿لِلَّهِ ﴿) أي: قل: لله ما في السموات والأرض، ﴿ولَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ والنَّهَارِ ﴿). يعني: "سكن" من السكني، جاء متعدياً بنفسه وبـ"في".
وقال في "الأساس": "وسكنوا الدار، وسكنوا فيها. وأسكنتهم الدار، وأسكنتهم فيها".
ومقصوده من جعله من "السكنى" دون "السكون": التعميم والشمول، إذ لو جعل من السكون الذي يقابل الحركة، لفات الشمول الذي عناه بقوله: "مما يشتمل عليه الملوان"، واقتضاه عطف ﴿ولَهُ ﴿على: ﴿لِلَّهِ ﴿. كما قال صاحب "التقريب": وإنما أدرجه، يعني: قوله: ﴿ولَهُ مَا سَكَنَ ﴿تحت قوله: ﴿قُلْ ﴿، ولم يجعله مستأنفاً، كما هو السابق إلى الفهم، ليكون احتجاجاً ثانياً على المشركين إيذاناً بأن له ما استقر في الأمكنة، وما استقر في الأزمنة. وعليه معنى كلام الزجاج.
стр. 2452
[(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ)].
(أ) وَلي (غَيْرَ اللَّهِ)؟ همزةُ الاستفهام دون الفعل الذي هو (أَتَّخِذُ)؛ لأنّ الإنكار في اتخاذ غير الله ولياً، لا في اتخاذ الولي، فكان أولى بالتقديم، ونحوه: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ) [الزمر: ٦٤]، (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ) [يونس: ٥٩]. وقرئ: (فاطِرِ السَّماواتِ) بالجرّ صفة لله، وبالرفع على المدح. وقرأ الزهري: "فطر" …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال القاضي: "ويجوز أن يكون من السكون أيضاً، أي: وله ما سكن فيهما، أو تحرك. فاكتفي بأحد الضدين عن الآخر".
وقلت: ثم المناسب أن يكون قوله: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴿مردوداً إلى المعطوف والمعطوف عليه، أي: يعلم كل معلوم من الأجناس المختلفة في السموات والأرض، ويسمع هواجس كل ما سكن في الملوين من الحيوان وغيره. وعلى ما ينبئ عنه كلام المصنف أنه من تتمة قوله: ﴿ولَهُ مَا سَكَنَ ﴿لقوله: "مما يشتمل عليه الملوان".
قوله: (لأن الإنكار في اتخاذ غير الله) سيجيء تحقيقه في قوله: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ ﴿[الأنعام: ١٠٠].
قوله: (﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ﴿. إيراده هاهنا يوهم أن تقديم اسم "الله" على
стр. 2453
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفعل كتقديم "غير الله" على الفعل في الموضعين. وليس بذلك، إذ المراد أن إيلاء هذا الاسم حرف الإنكار، وبناء الخبر عليه، دون العكس، وأن يقال: أأذن الله لكم؟ لأنه الأصل في الاستفهام، لاسيما وقد عطف عليه: ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴿[يونس: ٥٩]، وهي فعلية، إذن بتقوية حكم إنكار أن الله هو الآذن، لا حصول الإذن مطلقاً. ألا ترى كيف استشهد به لقوله: "لأن الإنكار في اتخاذ غير الله، لا في اتخاذ الولي"؟ وكيف يوهم تقديم المعمول؟ .
والتركيب من باب تقوى الحكم، مثله في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ ﴿[الزمر: ٢٣]. وقال فيه المصنف: "إيقاع اسم ﴿الله ﴿مبتدأ، وبناء ﴿نَزَّلَ ﴿عليه، فيه تفخيم لـ ﴿أَحْسَنَ الحَدِيثِ ﴿، وتأكيد لإسناده إلى الله، وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلا منه".
فظهر أن المراد بالتقديم في قوله: "فكان أولى بالتقديم" الاهتمام دون التخصيص.
وإلى هذا ينظر قول صاحب "المفتاح": "فلا يحمل قوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ﴿[يونس: ٥٩] على التقديم، فليس المراد أن الإذن ينكر من الله دون غيره، ولكن احمله على الابتداء، مراداً منه تقوية حكم الإنكار". تم كلامه.
هذا التقدير مبني على أن تكون ﴿أَمْ ﴿منقطعة، والهمزة فيها للتقرير، وفي ﴿آللَّهُ﴾
стр. 2454
وعن ابن عباس ﵄: ما عرفت ما فاطر السموات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها.
(وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ): وهو يرزق ولا يرزق، كقوله: (ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) [الذاريات: ٥٩]، والمعنى: أن المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع.
وقرئ: "ولا يطعم"؛ بفتح الياء. وروى ابن المأمون عن يعقوب: "وهو يطعم ولا يطعم"؛ على بناء الأول للمفعول والثاني للفاعل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للإنكار، فيفيد توكيد الافتراء ومزيد تقريره، والله أعلم.
قوله: (أن المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع). يريد أن قوله تعالى: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴿من إطلاق أعظم الشيء على كله، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ﴿[النساء: ١٠]، لأن أعظم المنافع عند الحيوان الطعم. وإنما عبر عن المنافع بالطعم، لأن قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ ولِيًا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴿جاء تقريراً للجواب السابق، وهو قوله: ﴿قُل لِّلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴿إلى قوله: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴿.
يعني: قل لهم بعد ذلك التقرير: أغير الذي ذكرته من له ما في السموات وما في الأرض، والذي منه الرحمة العظمي أتخذ ولياً؟ فوضع: ﴿يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴿، موازياً لـ ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴿تعييراً لهم، وأنهم لا يعرجون إلا إلى المعارف الوارفة من الطعم، واستيفاء الشهوات واللذات الجسمانية، كالبهائم.
стр. 2455
والضمير لـ"غير الله". وقرأ الأشهب. "وهو يطعم ولا يطعم"، على بنائهما للفاعل، وفسر بأن معناه: وهو يطعم ولا يستطعم. وحكى الأزهرى: أطعمت، بمعنى: استطعمت، ونحوه: أفدت. ويجوز أن يكون المعنى: وهو يطعم تارة ولا يطعم أخرى؛ على حسب المصالح، كقولك: وهو يعطي ويمنع، ويبسط ويقدر، ويغني ويفقر.
(أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) لأنّ النبي سابق أمته في الإسلام، كقوله: (وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: ١٦٣] وكقول موسى: (سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) [الأعراف: ١٤٣].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الضمير لـ"غير الله"، أي: في قوله: "وهو يطعم" على البناء للمفعول. وفيه إشكال، لأن الأصنام لا توصف بأنها تطعم ولا تطعم، وليس الكلام مع اليهود والنصارى، ليقال: إن المسيح أو عزيز يطعم ولا يطعم
والجواب: أن المقصود من قوله: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴿إذا أخذ بزبدته على سبيل الكناية، إنها تربي ولا تربي، كقوله: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿[النحل: ٢٠].
قوله: (ونحوه: أفدت)، أي: استفدت. الأساس: "أفدت منه خيراً واستفدته".
قال الشماخ:
أفاد سماحة وأفاد حمداً … فليس بجامدٍ لحزٍ ضمين
أي: استفاد حمداً.
следующие страницы →