← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

كقوله: (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ * وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ) [القصص: ٨٦ - ٨٧]، ولزيادة التثبيت والعصمة، ولذلك قال ﵇ عند نزوله: "لا أشك ولا أسأل، بل أشهد أنه الحق"، وعن ابن عباس: "لا والله، ما شك طرفة عين، ولا سأل أحداً منهم". وقيل: خوطب رسول الله ﷺ ، والمراد خطاب أمته، ومعناه: فإن كنتم في شك مما أنزلنا إليكم، كقوله: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) [النساء: ١٧٤]. وقيل: الخطاب للسامع ممن يجوز عليه الشك، كقول العرب: إذا عز أخوك فهن. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ونظيره قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) [الرعد: ٤٣]. وقوله: (فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ) تفريع على قوله: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ)، وقوله: (وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) تفريع على قوله: (لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ). قوله: (وعن ابن عباس: لا والله، ما شك طرفة عين، ولا سأل أحداً منهم): فالتعليق بالشرط للفرض، والنهي على التقديرين: إما كناية عن رسوخ أهل الكتاب في معرفة حقية الكتاب والرسول، أو من التهييج والإلهاب، فلا يلزم السؤال. هذا على أن يكون الخطاب لرسول الله ﷺ . قوله: (إذا عز أخوك فهُنْ): أي: إذا شكست أخلاقه فحسن خلقك، قال الميداني: "قال أبو عبيد: معناه: مياسرتك صديقك ليست بضيم ركبك منه، فتدخلك الحمية به،

стр. 3712

وقيل: "إن" للنفي، أي: فما كنت في شك فسل، يعنى: لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك، ولكن لتزداد يقينا، كما ازداد إبراهيم ﵇ بمعاينه إحياء الموتى. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إنما هو حُسنُ خلقٍ وتفضل، فإذا عاسرك فياسره، وقال المفضل: إن المثل لهذيل بن هبيرة التغلبي، وكان أغار على بني ضبة، فغنم، فأقبل بالغنائم، فقال له أصحابه: اقسمها بيننا، فقال: إن أخاف إن تشاغلتم بالاقتسام أن يُدرككم الطلب، فأبوا، فعندها قال: إذا عز أخوك فهن، فنزل فقسم". وعلى هذا الخطاب لكل أحد، كقوله صلوات الله عليه: "بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام"، فإنه أمر لكل من تتأتي منه البشارة. قوله: (لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك، ولن لتزداد يقينا): كما تقول لصاحبك: أنت على يقين من هذه المسألة، فاسأل أهل العلم ليزداد يقينك. الانتصاف: "لو قال هذا المفسر: إن نفي الشك عنه توطئة للسؤال لتقوم حجته على المسؤولين، لا لمزيد يقين، كما في قوله تعالى: (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ) [الأنعام: ١٢]، لكان أقوم وأسلم".

стр. 3713

وقرئ: "فاسأل الذين يقرؤون الكتب". [(إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) ٩٦ - ٩٧]. (حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ): ثبت عليهم قول الله الذي كتبه في اللوح، وأخبر به الملائكة؛ أنهم يموتون كفاراً، فلا يكون غيره. وتلك كتابة معلوم لا كتابة مقدّر ومراد، تعالى الله عن ذلك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "فسل"): ابن كثير والكسائي. قوله: (وتلك كتابة معلوم لا كتابة مقدر): يعني: هو معلوم الله لا مقدره، وعند أهل السنة: هو معلوم الله ومقدره ومُراده تعالى، فعلمه تعالى يوافق تقديره وإرادته، ولا وتجوز المخالفة. هذه المسألة تُحرك سلسلة القضاء والقدر، فيجب أن يكشف عن بعض أسرارها نصاً ودراية: أما النص: فهذه الآية، قال الإمام: "وقد احتج أصحابنا على المطلوب". وأما الدراية: فما رويناه عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود والترمذي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "حاج آدم موسى، قال: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك

стр. 3714

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأشقيتهم، قال: قال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني"، فقال رسول الله ﷺ : "فحج آدم موسى". وعن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي في حديث عمر ﵁، قال: "أخبرني عن الإيمان"، إلى قوله: "قال: تؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت". قال التوربشتي: "أن تؤمن بما أخبر الله تعالى أنه عالم بما هم عاملون له، وحاكم بما هم صائرون إليه، ولا يمكن أن يكون خلاف ما علم وما حكم. أو يُقال: أن تؤمن بما أخبر الله تعالى عن تقدم علمه تعالى بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم، وصدورها عن تقدير منه، وخلقٍ لها، خيرها وشرها". هذا من قول الخطابي، رواه صابح "جامع الأصول". وقال: "القدر: اسم لما صدر عن فعل القادر، كالهدم والنشر والقبض التي هي أسماء لماي صدر عنفعل الهادم والناشر والقابض، يُقال: قدرت الشيء وقدرت- خفيفة وثقيلة- بمعنى واحد. والقضاء في هذا: معناها الخلق، كقوله تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) [فصلت: ١٢]، أي: خلقهن، وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم أفعالهم وأكسابهم، ومباشرتهم تلك الأمور، وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقديم إرادة واختيار، فالحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة تلحقهم بها.

стр. 3715

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وجماع القول في هذا: أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه". وقال القاضي في "شرح المصابيح": القضاء: هو الإرادة الأزلية والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر: تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها. وقلت: يمكن أن ينزل على هذا المعنى: ما ذكره المصنف في تفسير قوله تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ) [الرحمن: ٢٩]: "سأل عبد الله بن طاهر الحسين بن فضل، وقال: أشكلتعلي ثلاث آيات: إحداهن: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ) [الرحمن: ٢٩]، وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة؟ وأجاب الحسين: أنها شؤون يبديها، لا شؤون يبتدئها". وقال العلامة قُطبُ الدين الشيرازي: اعلم أن أفعال العباد تنقسم إلى ما يكون تابعاً لقدرته وإرادته، وإلى ما لا يكون كذلك، مثال الأول: المشي والأكل من الإنسان الصحيح الذي لم يُكره على هذين الفعلين، مثال الثاني: حركة الإنسان إلى أسفل إذا وقع من موضع عالٍ. والقدرة: يُراد بها سلامة آلات الفعل من الأعضاء، ويُراد بها الحالة التي يكون الإنسان عليها وقت صدور الفعل عنهن والأول: يكون قبل الفعل ومعه وبعده، وهي القدرة عند المعتزلة، والثاني: لا يكون إلا مع الفعل، وهي القدرة عند الأشعري، ولا شك أن القدرة بالوجهين لا تكون مقدورة للعبد، بل ربما تكون بعض أسبابها- كالتغذي أو التداوي المقتضين لسلامة الأعضاء - مقدوراً له. وأما الإرادة فسببها: إما العلمُ بالمصلحة وإما الشهوة وإما الغضب، ولايكون واحدٌ منها

стр. 3716

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلا عند الشعور، والشعور أيضاً لا يكون مقدوراً للعبد، وربما يكون بعض أسبابه مقدوراً له، وأما عند حصول القدرة والداعي، فهل يجب الفعل أم لا؟ فالحق أنه يجب، وإلا لزم رجحان أحد طرفي الفعل وتركه بغير مرجح، وهذا الوجوب لا يخرج الفعل عن حد الاختيار، أن يكون الفعل أو الترك بإرادة الفاعل، يختار منهما أيهما أراد، وهاهنا كذلك، لأنه لزم الفعل من القدرة والإرادة. فمن نظر إلى أسباب القدرة والإرادة، وهما في الأصل من الله تعالى، وعند وجودهما الفعل واجب وعند عدمهما ممتنع، ذهب على أنه جبر محض، وأن أفعال العباد صادرة عنهم على سبيل القهر والإلجاء من غير قدرة واختيار لهم أصلاً. ومن نظر إلى قدرة العبد وإرادته، ذهب إلى أنه قدر محض، وأن أفعالهم صادرة عنهم على سبيل الاستقلال. وكل واحد منهما أعور بأي عينيه شاء، فإن المذهب الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: هو أنه لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين الأمرين، إذ الاختيار حق، والإسناد إلى فعل الله حق، ولا يتم الفعل بأحدهما دون الآخر. وما قيل في إثبات الجبر: "إن خلاف ما علم الله وقوعه محال، وهو يوجب الجبر"؛ منقوض إجمالاً: بأنه لو صح هذا لزم الجبر في أفعاله تعالى، لأنه كان في الأزل عالماً بأفعاله فيما لا يزال، وخلافُ ما علم الله وقوعه محال، فما هو جوابكم هناك، فهو الجواب هاهنا، وتفصيلاً: بأن العلم بالشيء ربما لا يكون سبباً لوقوعه، فغن من علم بأن الشمس غداً تطلع، لا يكون علمه سبباً لطلوعها، وإذا لم يكن للعلم أثر في الفعل، فلا يكون الفعل ولا الإيجاب، والله أعلم بالصواب.

стр. 3717

[(فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ) ٩٨]. (فَلَوْلا كانَتْ): فهلا كانت (قَرْيَةٌ) واحدة من القرى التي أهلكناها، تابت عن الكفر، وأخلصت الإيمان قبل المعاينة وقت بقاء التكليف، ولم تؤخر كما أخر فرعون إلى أن أخذ بمخنقه، (فَنَفَعَها إِيمانُها) بأن يقبله الله منها لوقوعه في وقت الاختيار. وقرأ أبىّ وعبد الله: "فهلا كانت". (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) استثناء من القرى، لأنّ المراد أهاليها، وهو استثناء منقطع بمعنى: ولكن قوم يونس لما آمنوا. ويجوز أن يكون متصلا، والجملة في معنى النفي، كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس، وانتصابه على أصل الاستثناء، وقرئ بالرفع على البدل، هكذا روى عن الجرمي والكسائي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن المراد أهاليها): تعليل لجعل الاستثناء منقطعاً، ونحوه قوله في سورة الجر: "فإن قلت: (إِلاَّ آلَ لُوطٍ) [الحجر: ٥٩] استثناء متصل أو منقطع؟ قلت: لا يخلو من أن يكون استثناء من (قوْمٍ) [الحجر: ٥٨]، فيكون منقطعاً، لأن القوم موصوفون بالإجرام، فكان كاختلاف الجنسين، وان يكون استثناء من ضمير (مُجْرِمِينَ) [الحجر: ٥٨]، فيكون متصلاً، كانه قيل: إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم"، فكذلك هاهنا، فإن أهالي تلك القرى موصوفون بأن يقال في حقهم: هلا كانت قرية من القرى آمنت فنفعها غيمانها، فلا يكونون إذن موصوفين بالإيمان، ثم قيل: لكن قوم يونس آمنوا، فيصح جعله منقطعاً لاختلاف الصفتين، فلو جُعل متصلاً فسد المعنى، لأنه يكون تحضيضاً لأهل القرى على الإيمان النافع، وهو الإيمان في وقت الاختيار، إلا لقوم يونس. وأما إن قلت: في تحضيضهم على الإيمان النافع معنى نفيه عنهم، كان المعنى: ما كانت قرية آمنت إلا قوم يونس، كان استثناء متصلاً ومعنى صحيحاً، فكان انتصابه على أصل

стр. 3718

روي: أن يونس ﵇ بعث إلى نينوى من أرض الموصل، فكذبوه، فذهب عنهم مغاضباً، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب، فلبسوا المسوح، وعجوا أربعين ليلة. وقيل: قال لهم يونس: إن أجلكم أربعون ليلة، فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخاناً شديداً، ثم يهبط، حتى يغشى مدينتهم، ويسوّد سطوحهم، فلبسوا المسوح، وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، وفرّقوا بين النساء والصبيان، وبين الدواب وأولادها، فحنّ بعضها على بعض، وعلت الأصوات والعجيج، وأظهروا الإيمان والتوبة، وتضرعوا، فرحمهم الله، وكشف عنهم، وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة. وعن ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادّوا المظالم، حتى إنّ الرجل كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه، فيردّه، وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم، فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ فقال لهم: قولوا: "يا حيّ حين لا حي، ويا حي محيى الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت"، فقالوها، فكشف عنهم. وعن الفضيل بن عياض: قالوا: "اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت، وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله". [(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) ٩٩]. (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ) مشيئة القسر والإلجاء، (لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الاستثناء، وإن كان الأفصح أن يُرفع على البدل، لأنه في كلام غير موجب. نحوه مذكور في آخر سورة هود. قوله: ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ) مشيئة القسر والإلجاء)، الانتصاف: "لما علم أن الآية تقتضي عدم مشيئة الله الإيمان من الجميع، وإنما شاء ممن آمن لا ممن كفر، أوله بمشيئة القسر

стр. 3719

على وجه الإحاطة والشمول، (جَمِيعاً) على الإيمان مطبقين عليه، لا يختلفون فيه، ألا ترى إلى قوله: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ) يعنى: إنما يقدر على إكراههم واضطرارهم إلى الإيمان هو لا أنت، وإيلاء الاسم حرف الاستفهام، للإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنما الشأن في المكره؛ من هو؟ وما هو إلا هو وحده لا يشارك فيه، لأنه هو القادر على أن يفعل في قلوبهم ما يضطرّون عنده إلى الإيمان، وذلك غير مستطاع للبشر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والإلجاء، ليتم له". وقال القاضي: "هو دليل على القدرية في أنه تعالى لم يشأ إيمانهم أجمعين، وأن من شاء إيمانه يؤمن لا محالة، والتقييد بمشيئة الإلجاء خلاف الظاهر". قوله: (للإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه): ومذهب المعتزلة: أن الله تعالى قادر على فعل القبائح، لكن الحكمة صارفة عنه، وقد أشار إليه في سورة الأنبياء، في قوله: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا) [الأنبياء: ١٧] ن فدل هذا على أن افكراه ممكن، ودل قوله: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ) على وقوعه قطعاً، لأن إيلاء الضمير حرف الاستفهام يدل على وقوع الفعل وحصوله، لكن الكلام في الفاعل؛ هو هذا المذكور أم غيره؟ قال صاحب "المفتاح": "فلا يجوز بعدما عرفت أن التقديم يستدعي العلم بحال نفس الفعل: أنت ضربت زيداً؟ ". فقول المصنف بـ"أن الإكراه ممكن مقدور عليه" خلاف مايقتضيه التركيب، فالمعنى: أن الله وحده فاعل هذا الإكراه الموجود لا أنت، لأن الإيمان والأعمال الصالحة مشروع على خلاف مقتضى الطبيعة والجبلة الإنسانية، لأنها مائلة على اللذات والشهوات وحُب الرئاسة، ولا يقدر على إيجاد خلاف ما تقتضيه الطبيعة إلا الله ، ويعضده قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ)، أي: لا ينبغي ولا يستقيم بالنظر إلى جبلته وخلقته ان يؤمن لأنه مناف له، إلا أن يسهل الله عليه.

стр. 3720

[(وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) ١٠٠]. (وَما كانَ لِنَفْسٍ) يعنى: من النفوس التي علم أنها تؤمن، (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بتسهيله، وهو منح الألطاف، (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) قابل الإذن بالرجس، وهو الخذلان، والنفس المعلوم إيمانها بالذين لا يعقلون، وهم المصرون على الكفر، كقوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) [البقرة: ١٧١]، وسمى الخذلان رجسا -وهو العذاب- لأنه سببه. وقرئ: "الرجز"، بالزاي، وقرئ "ونجعل" بالنون. [(قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) ١٠١]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قابل الإذن بالرجس، وهو الخذلان، والنفس المعلوم إيمانها بالذين لا يعقلون): يُريد: أن الآية من باب المقابلة، وذلك أن الإذن لما كان معبراً عن التسهيل، وهو من الله التوفيق ومنح الألطاف، ووقع مقابلاً للرجس، ينبغي أن يفسر "الرجس" الذي يُراد به العذاب بالخذلان؛ لأن الخذلان سبب العاب، وإليه الإشارة بقوله: "وسمي الخذلان رجساً- وهو العذاب- لأنه سببه". انظر إلى هذا التعسف والانحراف عن محجة الصواب، أين التقابل؟ أم كيف يموه قوله: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) بهذا التأويل؟ ! وهو مثل قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) [آل عمران: ١٤٥]، وقد قال: "إن موت الأنفس محال أن يكون إلا بمشيئة الله، فأخرجه مخرج فعل لا ينبغي لأحد أن يُقدم عليه إلا بغذن الله تمثيلاً"، وقد سبق بيان المبالغة فيه.

стр. 3721

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. بل الأسلوب من باب اللف والنشر، فقوله: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) مفرعٌ على قوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، كما أن قوله: (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) مبني على قوله: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ)، يعني: لما أوجبنا عليهم القول، وقدرنا أنهم من أصحاب النار، فلا يؤمنون ألبتة، ولو جاءتهم كل آية، حتى يصلوا إلى ما قُدر لهم من العذاب الأليم، وكذلك نجعل الرجس - أي: أدناس الشرك والعصيان والعناد- على الذين ختمنا على قلوبهم وعلى سمعهم وأبصارهم، كقوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) [البقرة: ١٧١]. المعنى: إذا كان إيمان من في الأرض كلهم معلقاً بمشيئة الله وإرادته، فلا يصح ولا يستقيم أن يؤمن أحد إلا بإذن الله ومشيئته، فلا تقدر أنت أن تكرههم على الإيمان، وإذا سبق التقدير، وحقت كلمة العذاب على الكفرة، وجفت الأقلام، فلابد أن يُجعل الرجس عليهم، والطبع على قلوبهم وعلى سمعهم، حتى لا يعقلوا آيات الله، ولا يلتفتوا إلى إرشادك، ولو جئتهم بكل آية. تأمل يا أيها الناظر في هذه الآيات، واقطع بأن الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية: تابعة لمشيئة الله وإرادته، جارية بقضائه وقدره، ولا ترى كلاماً أجمع من هذا، ومن حاول تحريفه زل وضل، هيهات! جرى الوادي فطم على القرى، واتسع الخرق على الراقع.

стр. 3722

(ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) من الآيات والعبر، (وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ): والرسل المنذرون، أو الإنذارات، (عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ): لا يتوقع إيمانهم، وهم الذين لا يعقلون، وقرئ: "وما يغنى"، بالياء، و"ما" نافية، أو استفهامية. [(فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) ١٠٢ - ١٠٣]. (أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ): وقائع الله تعالى فيهم، كما يقال: أيام العرب لوقائعها، (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا) معطوف على كلام محذوف يدل عليه قوله: (إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ)، كأنه قيل: نهلك الأمم ثم ننجي رسلنا، على حكاية الأحوال الماضية، (وَالَّذِينَ آمَنُوا): ومن آمن معهم، كذلك (نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين منكم ونهلك المشركين، و (حَقًّا عَلَيْنا) اعتراض، يعنى: حقّ ذلك علينا حقاً. وقرئ: (ننجّ) بالتشديد. (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ١٠٤]. (يا أَيُّهَا النَّاسُ): يا أهل مكة (إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي) وصحته وسداده، فهذا ديني فاسمعوا وصفه، واعرضوه على عقولكم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "نُنَجِّ" بالتشديد): كلهم إلا حفص والكسائي. قوله: (فهذا ديني، فاسمعوا وصفه، واعرضوه على عقولكم): إشارة إلى أن جواب الشرط- وهو قوله: (فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) - لا يستقيم أن يكون جواباً ومسبباً عن قوله: (إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي)، إلا بتأويل الإعلام والإسماع، على منوال قوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) [النحل: ٥٣]، قال ابن الحاجب: "إن استقرار النعمة بالمخاطبين

стр. 3723

وانظروا فيه بعين الإنصاف، لتعلموا أنه دين لا مدخل فيه للشك، وهو أنى لا أعبد الحجارة التي تعبدونها من دون من هو إلهكم وخالقكم، (وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) وإنما وصفه بالتوفي، ليريهم أنه الحقيق بأن يخاف ويتقى، فيعبد دون مالا يقدر على شيء. (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يعنى: أنّ الله أمرني بذلك، بما ركب فيّ من العقل، وبما أوحى إلىّ في كتابه. وقيل: معناه إن كنتم في شك من ديني ومما أنا عليه: أثبت عليه أم أتركه وأوافقكم، فلا تحدّثوا أنفسكم بالمحال، ولا تشكوا في أمري، واقطعوا غنى أطماعكم، واعلموا أنى لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، ولا أختار الضلالة على الهدى، كقوله: (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ * لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) [الكافرون: ١ - ٢]. (أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ) أصله: بأن أكون، فحذف الجار، وهذا الحذف يحتمل أن يكون من الحذف المطرد؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ليس سبباً لكونها من عند الله تعالى، من جهة كونه فرعاً عنه، فالآية جيء بها لإخبار قوم استقرت بهم نعم جهلوا معطيها، فاستقرارها- مجهولة أو مشكوكة- سبب للإخبار بكونها من الله تعالى"، كذا هاهنا؛ كونهم شاكين معرضين عن دين الله: سبب لإقامة دعوته صلوات الله عليه، بإثبات التوحيد، وغسماعه إياهم، ليعرضوه على عقولهم. قوله: (وهذا الحذف يحتمل أن يكون من الحذف المطرد) إلى آخره: قال صاحب "التقريب": "وفيه نظر؛ لأن تفسيره المطرد بحذف حروف الجارة مع "أن"، يقتضي كونه من المطرد قطعاً، فلعل المراد من قوله: "وهذا الحذف": أن هذا النوع من الحذف، وهو حذف حرف الجر بعد فعل الأمر مثلاً، يحتمل المطرد كما نحن فيه، وغير المطرد كـ "أمرتك الخير"، ونحوه.

стр. 3724

الذي هو حذف الحروف الجارّة مع "إن" و"أن"، وأن يكون من الحذف غير المطرد، وهو قوله: أمرتك الخير (فاصدع بما تؤمر) [الحجر: ٩٤]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويمكن أن يُقال: في (أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ) حذف، ويحتمل المطرد وغيره، بيانه: أن الحذف المطرد له ركنان: حذف الجار وحده وذكر "أن" بعده، فلو لم يذكر "أن"-كـ"أمرتُك الخير"-، أو ليس المحذوف الجار وحده، بل مع المجرور- نحو: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) [الحجر: ٩٤]، أي: بصدعه، فحذف الباء ثم الصدع-، فليس بمطرد، فـ (أَنْ أَكُونَ): إما أن يكون مأموراً به، فهو من المُطرد، وإما أن يكون للتعليل - كما ذكره في (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ) [الأنعام: ٧١]-، والمأمور به محذوف، أي: أمرت بالإيمان لأن أكون مؤمناً، فهو غيرمطرد، إذ حذف الجار والمجرور معاً، نحو: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) [الحجر: ٩٤] " تم كلامه. وتحريره: أن قوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ) فيه اعتباران، فبالنظر إلى لفة "أنْ" من غير اعتبار كونها واقعة بعد لفظ "الأمر"، مع تقدير حذف الجار، يكون من حذف المطرد. وباعتبار لفظ "الأمر" - فإنه قد يحذف معه الجار، نحو: "أمرتك الخير"، (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) [الحجر: ٩٤]-، من غير نظر إلى لفظ "أنْ"، يكون من الحذف غير المطرد. وأما قوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) [الحجر: ٩٤]: فأصله: بماتؤمر به، فحذف حرف الجر وأوصل، فصار: بما تؤمره، ثم حذف الضمير المنصوب. قوله: (أمرتك الخير): تمامه: فافعل ما أمرت به … فقد تركتك ذا مال وذا نشب "النشب": المال والعقار.

стр. 3725

[(وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ١٠٥]. فإن قلت، عطفُ قوله: (وَأَنْ أَقِمْ) على (أَنْ أَكُونَ) [يونس: ١٠٤] فيه إشكال، لأنّ "أن" لا تخلو من أن تكون التي للعبارة، أو التي تكون مع الفعل في تأويل المصدر، فلا يصح أن تكون للعبارة، وإن كان الأمر مما يتضمن معنى القول، لأنّ عطفها على الموصولة يأبى ذلك، والقول بكونها موصولة مثل الأولى، لا يساعد عليه لفظ الأمر، وهو (أَقِمْ)، لأنّ الصلة حقها أن تكون جملة تحتمل الصدق والكذب؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (التي للعبارة): أي: المفسرة. قوله: (لأن عطفها على الموصولة يأبى ذلك): والموصولة لفظة "أن" في قوله: (أَنْ أَكُونَ) [يونس: ١٠٤]؛ لأنها متصلة بالفعل مفيدة معها معنى المصدر، والموصولة- كما قيل - على ثلاثة اضرب: ضرب اتفق على اسميته، وهو "الذي" وأخواتهان وضرب اتفق على حرفيته، وهو "أنَّ" و"أنْ" و"كي"، وضرب اختلف فيه، وهو "ما" المصدرية، والألف واللام، فمن أوجب عود الضمي رعليها جعلها اسماً، وإلا فلا. قوله: (يأبى ذلك): لأن من شرط "أنْ" المفسرة: ان لا يتصل بها شيء منصلة الفعل الذي تفسره، غذ لو اتصل ذلك بها صار في جملة ذلك الفعل، ولم يكن تفسيراً له، قاله في "الإقليد"، فإذا عطفتها على الموصولة اتصلت بها، لأن المطعوف في حكم المعطوف عليه، فيقتضي الاتصال، والذي يدل على أن الأولى موصولة: أنها عملت في (أَكُونَ)، والمفسرة لا تنصب. قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يُقال: (وَأَنْ أَقِمْ) لم يكن عطفاً على (أَكُونَ)، بل المعطوف مقدر، وهو "أوحى إلي" أو "نوديت"، فتكون "أنْ" للعبارة. وقلت: هذا سائغ من حيث الإعراب، لكن في ذلك العطف فائدة معنوية، وهو أن قوله: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ) مع التي تليها من الآيات، كالتفسير لقوله: (أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)، على

стр. 3726

قلت: قد سوّغ سيبويه أن توصل "أن" بالأمر والنهى، وشبه ذلك بقولهم: أنت الذي تفعل، على الخطاب، لأنّ الغرض وصلها بما تكون معه في معنى المصدر. والأمر والنهى دالان على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال. (وأن أَقِمْ وَجْهَكَ): استقم إليه ولا تلتفت يميناً ولا شمالا. و (حَنِيفاً) حال من "الدين"، أو من "الوجه". [(وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ) ١٠٦]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أسلوب: "أعجبني زيدٌ وكرمه"، داخل معها في حكم المأمور به، فلو قُدر ذلك فات غرض التفسير، وتكون الجملة مستقلة معطوفة على مثلها. قوله: (أنت الذي تفعل، على الخطاب): والأصل أن يقال: أنت الذي يفعل، على الغيبة؛ نظراً إلى لفظ "الذي"، فلما كان "الذي" وقع خبراً لـ "أنت"، ومعناه معناه، قيل على الخطاب، ووجه الشبه هو أنه لما كان "الذي" يقتضي أن يكون صلتها جملة مشتملة على ضمير راجع إليها، واقتضى أن يكون للغائب، فبالنظر إلى المعنى جاز الخطاب، كذلك جاز أن ينظروا إلى المعنى ويدخلوا "أنْ" المصدرية على الأمر والنهي، لأن الغرض أن يكون ماب عدها في تأويل المصدر، وقد حصل الغرض، سواء كان الفعل إخبارياً أو إنشائياً، بخلافه في الموصول الاسمي، فنه يجب أن تكون صلته جملة خبرية؛ لأن وضعه على جعل الجملة معرفة، ليصح وصف المعرفة بها، ولا تكون الصفة إلا خبرية، وأما الموصول الحرفي فليس كذلك، فصح أن تقع صلته خبرية وطلبية.

стр. 3727

(فَإِنْ فَعَلْتَ) معناه: فإن دعوت من دون الله مالا ينفعك ولا يضرّك، فكنى عنه بالفعل إيجازاً (فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ): (إذاً) جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدّر، كأنّ سائلا سأل عن تبعة عبادة الأوثان. وجعل من الظالمين، لأنه لا ظلم أعظم من الشرك، (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]. [(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) ١٠٧ - ١٠٨]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فكنى عنه بالفعل إيجازاً): يعني: قد يجاء بلفظ "فعل" بعد تقدم أفعال شتى وكيفيات متعددة، فيعبر به عنها كلها إيجازاً، كما يشار باسم الإشارة إلى كلام طويل اختصاراً، نحوه قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) [البقرة: ٢٤]، أي: فإن لم تأتوا بسورة من مثله، ولم تأتوا بشهدائكم من دون الله. قوله: ((إذاً) جزاء للشرط، وجواب السؤال مقدر): قال ابن الحاجب: "لسنا نعني بالجواب جواب متكلم بالتحقيق، بل قد يكون جواباً لمتكلم، وقد يكون جواباً لتقدير ثبوت أمر، فمثال الأول: يقول الرجل: أنا آتيك، فتقول: إذن أكرمك، فأجبته بهذا الكلام، وصيرت إكرامك جزاء على إتيانه، ومثال الثاني: قولك: لو أكرمتني إذن أكرمك، وأشباهه، في تقدير جواب متكلم سأل: ماذا يكون مرتبطاً بالإكرام؟ فأجابه: بارتباط إكرامه به. وأما معنى الجزاء فيها فواضح، قال الزجاج تأويلها: إن كان الأمر كما ذكرت فني أكرمك؛ تنبيهاً على أن فيها معنى الجزاء، حتى يصح تقديره مصرحاً به".

стр. 3728

أتبع النهي عن عبادة الأوثان ووصفها بأنها لا تنفع ولا تضر، أنّ الله هو الضارّ النافع، الذي إن أصابك بضرّ لم يقدر على كشفه إلا هو وحده دون كل أحد، فكيف بالجماد الذي لا شعور به؟ وكذلك إن أرادك بخير لم يردّ أحد ما يريده بك من فضله وإحسانه، فكيف بالأوثان؟ فهو الحقيق إذن بأن توجه إليه العبادة دونها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أتبع النهي عن عبادة الأثان): مفعول "أتبع": أن الله هو الضار النافع"، يريد: أن قوله: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ) الآية، متصل بما قبله، معطوف على قوله: (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) الآية: (يونس: ١٠٦]، على تأويل الإخباري بالإنشائي، وهما جميعاً متفرعان على قوله: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) [يونس: ١٠٥]، أي: كن مائلاً عن سوى دين الله موحداً غير مشرك. ثم أكد ذلك بأن نهاه بقوله: (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ)، وأمره بأن يدعو من يضره وينفعه بقوله: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ)، أي: وادع من أن يمسسك بضر فلا كاشف له إلا هو، وصور هاهنا حالتي النفع والضر، وخالف بين القرينتين؛ لأن المقام يقتضي الترغيب والتنفير، كقوله تعالى: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) [يونس: ١٠٥]، فالمناسب ذكر المس مع الضر، والإرادة مع الخير، من غير تأويل، يعني: إذا أوقعك في الضراء لا يكشفها إلا هو، إذ لا ملجأ إلا إليه، فلا تكونن من المشركين، وإذا أراد بك الخير فلا يقدر أحد أن يرد ذلك، فلا مرجو إلا هو، فأقم وجهك لدينه، واعبده مخلصاً، يعني: إذا اراد الله أن يتفضل على احد بمحض فضله، لا يقدر أحد رد فضله، . ثم علل ذلك بأنه فعال لما يشاء، وليس لأحد أن يمنعه مما أراد؛ حيث قال: (يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ).

стр. 3729

وهو أبلغ من قوله: (إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ، أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ) [الزمر: ٣٨]. فان قلت: لم ذكر المس في أحدهما، والإرادة في الثاني؟ قلت: كأنه أراد أن يذكر الأمرين جميعاً -الإرادة والإصابة- في كل واحد من الضرّ والخير، وأنه لا رادّ لما يريده منهما، ولا مزيل لما يصيب به منهما، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي تخصيص الضر بالمس، والخير بالإرادة: الإشارة إلى أن الإنسان في الضراء أخضع وأخبت، وإلى كشفها أدعى وأميل، وأن المطلوب اللياذ إليه، وأنه في الرخاء إلى مزيد الخير ورجاء الفضل أحرص وأقبل، والمقصود الركون إليه. أما مقصود المصنف من إيراده: فهو أن الكلام مطلوب فيه التوكيد، فذكر في كل من الفقرتين المتقابلتين ما يدل على إرادة مثله فيما يقابله، وحذف اختصاراً. وهذا ليس بمرضي من مثله؛ لأن فائدة العدول ليس الاختصار ولا التأكيد. وقال القاضي: "ولعله تعالى ذكر الإرادة في الخير، والمس في الضر، مع تلازم الأمرين، للتنبيه على أن الخير مراد بالذات، وأن الضر إنما مسهم لا بالقصد الأول، ووضع "الفضل" موضع الضمير؛ للدلالة على أنه تعالى متفضل بما يريد بهم من الخير، لا بالاستحقاق عليه، ولم يستثن؛ لأن مراد الله لا يمكن رده". قوله: (وهو أبلغ من قوله: (إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ) [الزمر: ٣٨]: قال صاحب "التقريب": وهو أبلغ؛ لعموم النفي ولتصريحه هاهنا، وتخصيص النفي بالأصنام والتجوزعن النفي بالاستفهام".

стр. 3730

فأوجز الكلام بأن ذكر المسّ - وهو الإصابة - في أحدهما، والإرادة في الآخر، ليدلّ بما ذكر على ما ترك، على أنه قد ذكر الإصابة بالخير في قوله (يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ)، والمراد بالمشيئة: مشيئة المصلحة. (قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ) فلم يبق لكم عذر، ولا على الله حجة، فمن اختار الهدى وإتباع الحق فما نفع باختياره إلا نفسه، ومن آثر الضلال فما ضرّ إلا نفسه، واللام و"على": دلا على معنى النفع والضر، ووكل إليهم الأمر بعد إبانة الحق وإزاحة العلل، وفيه حث على إيثار الهدى واطراح الضلال مع ذلك. (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ): بحفيظ موكول إلىّ أمركم وحملكم على ما أريد، إنما أنا بشير ونذير. [(وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) ١٠٩]. (وَاصْبِرْ) على دعوتهم واحتمال أذاهم وإعراضهم، (حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ) لك بالنصر عليهم والغلبة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: أما التجوز عن النفي بالاستفهام: فهو أبلغ لما فيه من إعطائه معنى النفي مع الاستبعاد من أن تكون ممسكات ألبتة، لكن المبالغة هاهنا لإفادة الحصر الحقيقي بـ"لا" و"إلا"، وبالجهات التي أوردناها. قوله: (والمراد بالمشيئة: مشيئة المصلحة): قيدها نظراً إلى معتقده، وإلا فهو فاعل لما يشاء. قوله: (مع ذلك): المشار إليه: قوله: "وكل إليهم" إلى آخره، أي: سيقت الآية لبيان توكيل الأمر بعد إبانة الحق وإزاحة العلل، وأدمج فيه معنى حب إيثار الهدى واطراح الضلال.

стр. 3731

وروي أنها لما نزلت جمع رسول الله ﷺ الأنصار، فقال "إنكم ستجدون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني"، يعنى: أنى أُمرت في هذه الآية بالصبر على ما سامتني الكفرة، فصبرت، فاصبروا أنتم على ما يسومكم الأمراء الجورة، قال أنس: فلم نصبر. وروى: أنّ أبا قتادة تخلف عن تلقى معاوية حين قدم المدينة، وقد تلقته الأنصار، ثم دخل عليه من بعد، فقال له: مالك لم تتلقنا؟ قال: لم تكن عندنا دواب. قال: فأين النواضح؟ قال: قطعناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، وقد قال ﷺ : " يا معشر الأنصار، إنكم ستلقون بعدي أثره". قال معاوية: فماذا قال؟ قال: قال "فاصبروا حتى تلقوني" قال: فاصبر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ستجدون بعدي أثرة) الحديث: من رواية البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول للأنصار: "إنكم ستلقون بعدي أثرة"، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض". رواه أحمد بن حنبل. وروى البخاري عن أنس، عن النبي ﷺ : "إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني، وموعدكم على الحوض". النهاية: "الأثرة- بفتح الهمزة والثاء-: الاسم من: آثر يؤثر إيثاراً: إذا أعطى، أراد أنه يستأثر عليكم، فيفضل غيركم في نصيبه من الفيء". وفي غيرها: أثرة: بضم الهمزة وإسكان الثاء وبفتحها، وبكسر الهمزة وسكون الثاء، قال الأزهري: هو الاستئثار، أي: يستأثر عليكم بأمور الدنيا، ويفضل غيركم عليكم، ولا يجعل لكم في الأمر من نصيب. قوله: (فأين النواضح؟ ): وهي الإبل التي تسقي الزروع.

стр. 3732

قال: إذن نصبر. فقال عبد الرحمن بن حسان: أَلَا أبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ … أمِيرَ الظّالِمِينَ نَثَا كَلَامِي بِأَنّا صَابِرُونَ فَمُنْظِرُوكُمْ … إلَى يَوْمِ التَّغَابُنِ وَالْخِصَامِ عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة يونس أعطى من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بيونس وكذب به، وبعدد من غرق مع فرعون". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النهاية: "منه حديث معاوية للأنصار، رضوان الله عليهم، وقد قعدوا عن تلقيه لما حج: "ما فعلت نواضحكم؟ "، كأنه يقرعهم بذلك، لأنهم كانوا أهل حرث وزروع وسقي". وقيل: فقابله أبو طلحة بقوله: "قطعناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر"، تعريضاً بأنا ظفرنا على أسلافكم، إذ قابلناهم عليها، أشار إلى أنها كانت نجائب. قوله: (نثا كلامي): النثا - بالنون: خبر، مشهور. النهاية: "النثا في الكلام: يطلق على القبيح والحسن".

стр. 3733

سورة هود ﵇ مكية وهي مئة وثلاث وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (أُحْكِمَتْ آياتُهُ): نظمت نظماً رصيناً محكماً لا يقع فيه نقض ولا خلل، كالبناء المحكم المرصف. ويجوز أن يكون نقلا بالهمزة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة هود ﵇ مكية، وهي مئة وثلاث وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (ويجوز أن يكون نقلاً): الضمير في "يكون" راجع إلى (أُحْكِمَتْ)، وهو وعطف على "نظمت نظماً" من حيث المعنى، فعلى الأول: الهمزة ليست للنقل، بل وضع "أحكم" ابتداء لذلك، ومثله "كلم" بالتشديد في قوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً) [النساء: ١٦٤]، لأنه ليس للتكثير، بل هو موضوع لذلك، قاله ابن الأثير. فقوله: "نقلاً" مصدر فعل محذوف، أي: نقل نقلاً.

стр. 3734

من: حكم- بضم الكاف-: إذا صار حكيماً، أي: جعلت حكيمة، كقوله تعالى (آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ) [يونس: ١] وقيل: مُنِعَت من الفساد، من قولهم: أحكمت الدابة: إذا وضعت عليها الحَكَمة لتمنعها من الجماح، قال جرير: أبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ … إنِّى أخَافُ عَلَيْكُمُ أنْ أغْضَبَا وعن قتادة: أُحكمت من الباطل. (ثُمَّ فُصِّلَتْ) كما تفصل القلائد بالفرائد، من دلائل التوحيد، والأحكام، والمواعظ والقصص. أو: جعلت فصولاً، سورةً سورة، وآيةً آية. وفرقت في التنزيل، ولم تنزل جملةً واحدة، أو فُصِّل فيها ما يحتاج إليه العباد: أي بين ولخص ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حكم: [إذا] صار حكيماً): وأنشد للنمر بن تولب: وأبغض بغيضك بغضاً رويداً … إذا أنت حاولت أن تحكما قال الأصمعي: إذا حاولت أن تكون حكيماً. قوله: (أبني حنيفة) البيت: يقول: امنعوا سفهاءكم عن إيذائي وشتمي، فإني أخاف أن أغضب وأصيبكم بسوء من هجو وغيره. قوله: (كما تفصل القلائد بالفرائد)، الراغب: "الفصل: إبانة أحد الشيئين عن الآخر، حتى يكون بينهما فرجة، ومنه قيل: المفاصل، والواحد: مفصل، وفصل القوم عن مكان كذا، وانفصلوا: فارقوه، قال تعالى: (وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ) [يوسف: ٩٤]، ويستعمل في الأفعال والأقوال، كقوله تعالى: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ) [الدخان: ٤٠]،

стр. 3735

وقرئ: (أحكمت آياته ثم فصلت)، أي: أحكمتها أنا ثم فصلتها. وعن عكرمة والضحاك: (ثم فصلت)، أي: فرّقت بين الحق والباطل. فإن قلت: ما معنى (ثم)؟ قلت: ليس معناها التراخي في الوقت، ولكن في الحال، كما تقول: هي محكمة أحسن الإحكام، ثم مفصلةٌ أحسن التفصيل، وفلانٌ كريم الأصل، ثم كريم الفعل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: يفصل بين الناس بالحكم، وفصل الخطاب: ما فيه قطع الحكم، وحكم فيصل، ولسان مفصل، قال تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) إشارة إلى ما قال: (تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً) [النحل: ٨٩]، والمفصل من القرآن: السبع الأخير، والفواصل: أواخر الآي، وفواصل القلادة: شذر يفصل به بينها". قوله: (ليس معناها التراخي في الوقت، ولكن في الحال): قوله: "في الحال": يحتمل أمرين: أن يراد: التراخي في الرتبة- كما مر مراراً-، وأن يراد التراخي في الإخبار، كما قال القاضي، وقال أبو البقاء في غير هذا الموضع: "ثم- ها هنا-: غير مقتضية ترتيباً في المعنى، وإنما

стр. 3736

و (كتاب) خبر مبتدأٍ محذوف، و (أحكمت) صفةٌ له، وقوله: (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) صفةٌ ثانية، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون صلة لـ (أحكمت) و (فصلت)، أي: من عنده إحكامها وتفصيلها، وفيه طباقٌ حسن، لأنَّ المعنى: أحكمها حكيم وفصلها- أي: بينها وشرحها خبيرٌ عالمٌ بكيفيات الأمور ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رتبت الأخبار بعضها على بعض". واختلاف المعنيين بحسب اختلاف تفسير اللفظين، أعني: (أُحْكِمَتْ) و (فُصِّلَتْ)، روى المصنف عن قتادة: "أحكمت آياته من الباطل"، وهو من قوله تعالى: (لا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) [فصلت: ٤٢]. وقال الإمام: "إحكامها: عبارة عن منع الفساد، أي: لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب المتقدمة، أو أنها محكمة في أمور: أحدها: أن معانيها التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، وهي في غاية من الإحكام، وثانيها: أن آياتها غير متناقضة، والنقض ضد الإحكام، وثالثها: أن ألفاظها بلغت في البلاغة والفصاحة بحيث لم تقبل المعارضة، وهي مشعرة بالإحكام. وأما اللفظ الثاني: ففيه الوجوه الأربعة المذكورة في الكتاب، فإذا أريد ما قاله قتادة: "أحكمت من الباطل، ثم فصلت كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والأحكام"، كان من باب التراخي في الرتبة، لأن التفصيل أقوى من الإحكام. وإن أريد بت "الإحكام": ما ذكره الإمام من الوجوه، وبـ "التفصيل": تفصيل السور والآيات، أو التفريق في التنزيل، كان من باب الإخبار، كما ذكره أبو البقاء.

стр. 3737

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم أقول- والعلم عند الله-: يمكن أن يقال: إنه من باب الإخبار، وإن المتكلم ينبه السامع على ما اشتمل عليه الكلام من المعاني الفائقة الرائقة، ويقول: إني أنظرك- أيها المتأمل- ملياً في التروي فيما أورده عليك، واستنباط معانيه ودقائقه، واستخراج نكاته ومحاسنه، فحينئذ يقول: شبه ما تضمنه من المعاني المحكمة الرصينة، نحو: دلائل التوحيد، والنبوات، والمعاد، ووضع الأحكام، والإخبار عن القصص والمغيبات، في أن لا اختلاف فيها ولا اضطراب، بالبناء المحكم المرصف الذي لا نقض فيه ولا خلل، مثاله من هذه السورة الكريمة: الكلمة الفاذة الجامعة: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) [هود: ١١٢]، وشبه ما اشتمل عليه من الألفاظ الحسنة الرشيقة المفرغة في القوالب البديعية بتفصيل القلائد بالفرائد، مثاله فيها: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي) [هود: ٤٤]. ثم علل كلاً من الخلتين بما يناسبها من الوصفين، فإن الحكيم: من يحكم الأشياء ويتقنها، ولذلك أحكمت معاقدها، والخبير: من يكون عالماً بحقائق الأشياء، يدرك ما لطف منها وما دق، فيحسن نيقتها، ومن ثم ترتيب مبانيها، فينطبق على هذا التأويل قوله: "هي محكمة أحسن الإحكام، ثم مفصلة أحسن التفصيل، أحكمها حكيم، وفصلها خبير". وقال السجاوندي: ضمنت الحكم والإحكام، ومنعت الخلل والزلل؛ لفظاً ومعنى، من لدن حكيم في وضع محاسن الأخلاق بإتقان الآيات، خبير في أمر مناظم الأعمال بمصالح السياسات. وقلت- والله أعلم-: فكما وصف المنزل بالإحكام والتفصيل، ونعت المنزل بالحكيم والخبير، وصف المنزل عليه بالنذير والبشير، وأمر أمته بالتحلية بالعبادة، والتخلية بالاستغفار والإنابة.

стр. 3738

[(أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ* وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ* إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)]. (أَلَّا تَعْبُدُوا) مفعولٌ له على معنى: لئلا تعبدوا. أو تكون «أن» مفسرة؛ لأنّ في تفصيل الآيات معنى القول، كأنه قيل: قال لا تعبدوا إلا الله، أو: أمركم أن لا تعبدوا إلا الله (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا)، أي: أمركم بالتوحيد والاستغفار. ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأً منقطعاً عما قبله على لسان النبي ﷺ ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم في العدول من قوله: أحكم آياته الحكيم وفصلها الخبير، إلى الدرجة الثانية: أحكمت آياته ثم فصل الحكيم الخبير، نحو: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ) [النور: ٣٦ - ٣٧]، ثم إلى الثالثة الكناية واختصاص (مِنْ لَدُنْ) المنبئ عن على الحضرة الصمدانية، والجناب الفرداني: من الإجلال والتعظيم ما لا يصل إلى كنهه وصف الواصف. قوله: (كأنه قيل: قال: لا تعبدوا): قيل: لما ذكر أن "أنْ" مفسرة، أتى تارة بالقول الصريح بدون "أن"، وتارة بما في معنى القول مع "أنْ"، وهما سواء. قوله: (مبتدأ منقطعاً عما قبله): أي: غير متصل بما قبله اتصالاً لفظياً كما في الوجوه، بل اتصالاً معنوياً، كأنه لما قيل له: إنا أنزلنا إليك كتاباً موصوفاً بصفات الكمال؛ امتناناً عليه، قال: فماذا يجب علي إذن؟ فقيل: أن تشتغل بما أمرت به من البشارة والنذارة، وتقول لأمتك: الزموا التوحيد والاستغفار.

стр. 3739

إغراءً منه على اختصاص الله بالعبادة. ويدل عليه قوله (إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) كأنه قال: ترك عبادة غير الله، إنني لكم منه نذير، كقوله تعالى: (فَضَرْبَ الرِّقابِ) [محمد: ٤] والضمير في (مِنْهُ) لله ، أي: إنني لكم نذيرٌ وبشيرٌ من جهته، كقوله: (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ) [البينة: ٢]، أو هي صلة لـ (نذير)، أي: أنذركم منه ومن عذابه إن كفرتم، وأبشركم بثوابه إن آمنتم. فإن قلت: ما معنى (ثم) في قوله: (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)؟ قلت: معناه استغفروا من الشرك، ثم ارجعوا إليه بالطاعة ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … قوله: (كقوله [تعالى]: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ)): يعني: إذا كان: (أَلاَّ تَعْبُدُوا) منقطعاً، فـ "أن" لابد أن تكون مصدرية، فهو بمعنى: ترك عبادة غير الله، والأصل: اتركوا عبادة غير الله تركاً، فحذف الفعل، وقدم المصدر، وأنيب مناب الفعل، وأضيف إلى المعمول، نحو: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ) [محمد: ٤]، لأن أصله: فاضربوا الرقاب ضرباً، فحذف الفعل، وقدم المصدر، وأنيب مناب الفعل، ثم أضيف إلى المفعول، وفيه اختصار مع إعطاء معنى التأكيد. وقال القاضي: " (أَلاَّ تَعْبُدُوا) أمر بالتبري عن عبادة الغير، كأنه قيل: ترك عبادة غير الله تركاً، بمعنى: الزموا أو اتركوها تركاً". قوله: (أو هي صلة لـ (نَذِيرٌ): عطف على قوله: "نذير وبشير من جهته"، وعلى الأول: حال، أي: كائناً من جهته، قال أبو البقاء: "التقدير: نذير كائن منه، فلما قدمه صار حالاً، ويجوز أن يتعلق بـ (نَذِيرٌ)، أي: نذير من أجل عذابه". قوله: (معناه: استغفروا من الشرك، ثم ارجعوا إليه بالطاعة): فعلى هذا: (ثُمَّ) للتراخي في الحال، كما قال آنفاً: "ليس معناها التراخي في الوقت، ولكن في الحال".

стр. 3740

أو استغفروا، والاستغفار توبة، ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها، كقوله: (ثُمَّ اسْتَقامُوا). [فصلت: ٣٠، والأحقاف: ١٣]. (يُمَتِّعْكُمْ): يطوّل نفعكم في الدنيا بمنافع حسنةٍ مرضية، من عيشة واسعة، ونعمة متتابعة، (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى): إلى أن يتوفاكم، كقوله: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً) [النحل: ٩٧]، (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ): ويُعط في الآخرة كل من كان له فضلٌ في العمل وزيادة فيه جزاء فضله لا يبخس منه، أو: فضله في الثواب، ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: (اسْتَغْفِرُوا) مما قدمتم من الشرك، والاستغفار لا يتحقق إلا بعد التوبة، لأن الاستغفار باللسان توبة الكذابين، (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أي: دوموا على التوبة، نحو قوله تعالى: (وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) [طه: ٨٢]، والتراخي في الرتبة. قلت: هذا معنى الوجه الثاني: "أو استغفروا، فالاستغفار توبة، ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها"، ومعنى الاستقامة: الدوام على التوبة، ولاشك أن الاستقامة على التوبة أعلى من التوبة نفسها. وقال القاضي: " (ثُمَّ تُوبُوا): ثم توصلوا إلى مطلوبكم بالتوبة، فإن المعرض عن طريق الحق لابد له من رجوع، وقيل: استغفروا من الشرك، ثم توبوا إلى الله بالطاعة، ويجوز أن تكون (ثُمَّ) لتفاوت ما بين الأمرين". قوله: (أو فضله في الثواب): عطف على قوله: "جزاء فضله"، فالفضل الأول بمعنى الزيادة، قال السجاوندي: الفضل: هو العمل الزائد على الإيمان، فيقدر مضاف في الثاني ليصح، وهو الجزاء، لأن العمل لا يؤتى في الآخرة، ومن ثم قال: "جزاء فضله" على الوجه الثاني، وهو بمعنى الثواب، من الفضيلة؛ واحدة الفضائل، فلا يقدر شيء، لأنه نفس

стр. 3741

والدرجات تتفاضل في الجنة على قدر تفاضل الطاعات (وَإِنْ تَوَلَّوْا): وإن تتولوا، (عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) هو يوم القيامة، وصف بالكبر كما وصف بالعظم والثقل، وبين عذاب اليوم الكبير بأن مرجعهم إلى من هو قادرٌ على كل شيء، فكان قادراً على أشدّ ما أراد من عذابهم لا يعجزه. وقرئ: "وإن تولوا"، من: ولى. [(أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)]. (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ): يزورّون عن الحق وينحرفون عنه، لأن من أقبل على الشيء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجزاء، فكأنه قيل: يؤت كل ذي فضل ثوابه، أي: جزاء عمله، أما قوله: "والدرجات تتفاضل في الجنة على قدر تفاضل الطاعات"، فتفسيره على الوجه الأول: فإذا لم ينقص من الجزاء شيء تكون درجة كل مكلف بمقدار فضله من الطاعات، وعلى الثاني: فإذا أعطي كل أحد جزاءه يعلم تفاوته بتفاوت تلك الطاعات، نقل محيي السنة عن أبي العالية: "من كثرت طاعاته في الدنيا زادت درجاته في الجنة، لأن الدرجات تكون بالأعمال". قوله: (وبين عذاب اليوم الكبير بأن مرجعهم إلى من هو قادر على كل شيء): ليس المراد أن جملة قوله: (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) بيان لنفس العذاب، بل المراد أن هذه الجملة بيان للجملة التي ذكر فيها العذاب، فيلزم منه بيان شدة العذاب، كأنه قيل: أخاف عليكم عذاب اليوم الكبير يوم ترجع الأمور كلها إلى القادر العظيم السلطان الواحد القهار، فأعظم بعذاب معذبه من هذا شأنه. قوله: (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) يزورون عن الحق وينحرفون عنه): يريد: أن ثني الصدور كناية

стр. 3742

استقبله بصدره، ومن ازورّ عنه وانحرف ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه (لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) يعني: ويريدون ليستخفوا من الله، فلا يطلع رسوله والمؤمنين على ازورارهم. ونظير إضمار "يريدون" لقود المعنى إلى إضماره: الإضمار في قوله تعالى: (اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ) [الشعراء: ٦٣]، معناه فضرب فانفلق. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن الإعراض والانحراف عن الحق، ثم علل بيان الكناية ولزوم اللفظ هذا المعنى بقوله: "من أقبل على الشيء استقبله بصدره، ومن ازور عنه ثنى عنه صدره". قوله: (ويريدون ليستخفوا): شبهه بقوله: (اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ) [الشعراء: ٦٣] في مجرد إرادة التقدير ليستقيم المعنى، وروي عنه في الحاشية: "ثني الصدور بمعنى الإعراض إظهار للنفاق، فلم يصح أن تتعلق به لام التعليل، فوجب إضمار ما يصح تعلقها به من شيء يستوي معه المعنى، فلذلك قدر: ويريدون ليستخفوا من الله، أي: يظهرون النفاق ويريدون مع ذلك أن يستخفوا، وكذلك (حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ)، معناه: ألا حين يريدون إظهار نفاقهم، ويفعلون ما هو أدل على نفاقهم من ثني الصدور، وهو استغشاء الثياب، يريدون الاستخفاء". قلت: أراد أنه كان يصدر منهم ثني الصدور واستغشاء الثياب، ويريدون استخفاء ما كانوا يضمرونه من النفاق، وهاتان الحالتان سبباً إظهار النفاق، فلا يصح التعليل بقوله: (لِيَسْتَخْفُوا)، فلابد من تقدير "يريدون"، لتكون الآية نعياً عليهم بسوء صنيعهم وشدة وقاحتهم، أي: أنهم كانوا يفعلون في الحالتين ما به يظهر نفاقهم، وهم مع ذلك يريدون الاستخفاء.

стр. 3743

ومعنى (أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ): ويزيدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم أيضاً، كراهةً لاستماع كلام الله تعالى، كقول نوح ﵇: (جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ) [نوح: ٧]، ثم قال: (يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ) يعني: أنه لا تفاوت في علمه بين إسرارهم وإعلانهم، فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الاستخفاء، والله مطلعٌ على ثنيهم صدورهم، واستغشائهم ثيابهم، ونفاقهم غير نافقٍ عنده. روي أنها نزلت في الأخنس بن شريق، وكان يظهر لرسول الله ﷺ المحبة وله … ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. واللام في "ليستخفوا" صلة "يريدون"، كقوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ) [الصف: ٨]، يعضده قوله: "يريدون الاستخفاء" في الكرة الثانية. وفي تكرير كلمة التنبيه، وإقحامه بين الظرف وعامله: الدلالة على الترقي من حالة إلى أخرى أعجب منها؛ استجهالاً لهم، ونظيره إقحام حرف الاستفهام بين المعطوف والمعطوف عليه، والشرط والجزاء، كما مر مراراً. قال السجاوندي: (لِيَسْتَخْفُوا): يطلبوا الخفاء تكلفاً. قوله: (ونفاقهم غير نافق): تجنيس اشتقاقي، ولم يرد بهذا النفاق: ما كان يصدر من المنافقين؛ لعطف قوله: "وقيل: نزلت في المنافقين" عليه، بل ما كان يصدر عن بعض المشركين مما يشبه النفاق. وقال الإمام: "روي أن طائفة من المشركين قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا، وأرخينا ستورنا،

стр. 3744

منطقٌ حلو، وحسن سياقٍ للحديث، فكان يعجب رسول الله ﷺ مجالسته ومحادثته، وهو يضمر خلاف ما يظهر. وقيل: نزلت في المنافقين. وقرئ: "تثنونى صدورهم"، و"اثنونى": من الثني، كـ"احلولى" من الحلاوة، وهو بناء مبالغة، قرئ بالتاء والياء. وعن ابن عباس ﵁: "لتثنونى صدورهم". وقرئ: "تثنونّ"، وأصله: تثنونن؛ تفعوعل من الثن، وهو ما هشَّ وضعف من الكلأ، يريد: مطاوعة صدورهم للثني، كما ينثني الهش من النبات، أو أراد ضعف إيمانهم ومرض قلوبهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمد ﷺ ، كيف يعلم بنا؟ ! وعلى هذا كان (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) كناية عن النفاق"، وقال: "روي أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله ﷺ ثنى صدره، وولاه ظهره، واستغشى ثيابه"، ومن ثم استشهد المصنف بما كان يفعله قوم نوح: (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ) [نوح: ٧]. وأما القول بأنها نزلت في المنافقين، وأن السورة مكية: فمشكل، والله أعلم. قوله: (وقرئ: "تثنوني"): قال ابن جني: "قرأها ابن عباس ومجاهد ويحيى بن يعمر، وهو "يفعوعل" من أبنية المبالغة لتكرار العين، كقولك: أعشب البلد، فإذا كثر قلت: اعشوشب. واستحلى، وإذا قوي قلت: احلولى". قوله: (وقرئ: "تثنون"): قال ابن جني: "روي عن ابن عباس، وهو "تفعوعل"؛ من الثن،

стр. 3745

وقرئ: "تثنئن"؛ من اثنأن، افعالَّ منه، ثم هُمِز، كما قيل: ابيأضت وادهأمت، وقرئ: "تثنوي"، بوزن ترعوي. [(وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ)]. فإن قلت: كيف قال: (عَلَى اللَّهِ رِزْقُها) بلفظ الوجوب، وإنما هو تفضل؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو ما هش وضعف من الكلأ، أنشد أبو زيد: يا أيها الفصيل المعني … إنك ريان فصمت عني يكفي اللقوح أكلة من ثن وأصلها: تثنونن، فلزم الإدغام لتكرير العين إذ كان غير ملحق، وقالوا في "مفعوعل" من رددت: مردود، وأصلها: مردودد، فأسكنت النون الأولى، ونقلت كسرتها إلى الواو، وأدغمت في النون". قوله: (وقرئ: "تثنئن"): قال ابن جني: "رويت عن عروة الأعشى، وهي "تفعال" من لفظ الثن ومعناه، وأصله: تثنان، فحركت الألف لسكونها وسكون النون الأولى،

стр. 3746

قلت: هو تفضلٌ إلا أنه لما ضمن أن يتفضل به عليهم، رجع التفضل واجباً، كنذور العباد. و"المستقرّ": مكانه من الأرض ومسكنه. و"المستودع": حيث كان مودعاً قبل الاستقرار؛ من صُلب، أو رحم، أو بيضة، (وَمُسْتَوْدَعَهَا): كُلٌّ واحدٍ من الدواب ورزقها ومستقرّها ومستودعها في اللوح، يعني: ذكرُها مكتوبٌ فيه مبين. [(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فانقلبت همزة، نحو: ابيأض وابياض، والمعنى: كما أن الثن سريع إلى طالبه غير معتاص على آكله، كذلك صدورهم مجيبة لهم إلى أن يثنوها، ليستخفوا من الله تعالى". قوله: (هو تفضل إلا أنه لما ضمن أن يتفضل [به] عليهم، رجع التفضل واجباً، كنذور العباد): قال الإمام: "وجب على الله الرزق بحسب الوعد والفضل والإحسان"، فلا يكون كالنذور، وقال القاضي: " (عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا): غذاؤها ومعاشها؛ لتكفله إياه تفضلاً ورحمة، وإنما أتى بلفظ الوجوب تحقيقاً لوصوله، وحملاً على التوكل عليه". وقلت: (كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) كالتتميم لمعنى وجوب تكفل الرزق، كمن أقر بشيء في ذمته، ثم كتب عليه صكاً.

стр. 3747

(وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ) أي: ما كان تحته خلقٌ قبل خلق السموات والأرض وارتفاعه فوقها إلا الماء، وفيه دليلٌ على أنّ العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض. وقيل: وكان الماء على متن الريح، والله أعلم بذلك، وكيفما كان فالله ممسكٌ كل ذلك بقدرته، وكلما ازدادت الأجرام كانت أحوج إليه وإلى إمساكه. (لِيَبْلُوَكُمْ) متعلق بـ (خلق)، أي: خلقهن لحكمةٍ بالغة، وهي أن يجعلها مساكن لعباده، وينعم عليهم فيها بفنون النعم، ويكلفهم الطاعات واجتناب المعاصي، فمن شكر وأطاع أثابه، ومن كفر وعصى عاقبه، ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال: (ليبلوكم)، يُريد: ليفعل بكم ما يفعل المبتلى لأحوالكم كيف تعملون؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: ما كان تحته خلق قبل خلق السماوات والأرض): يريد: أن معنى الاستعلاء في قوله: (عَلَى الْمَاءِ) ليس استعلاء تمكن واستقرار، بل استعلاء الفوقية، وكان عرشه على ما هو عليه الآن، وكذا الماء، ثم إن الله تعالى خلق السماوات والأرض، ورفع السماوات فوق الأرض، روى الإمام عن الأصم هذا الوجه. وقال القاضي: " (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) معناه: لم يكن حائل بينهما، لا أنه كان موضوعاً على متن الماء، واستدل به على إمكان الخلاء". قوله: (ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال: (لِيَبْلُوَكُمْ)): أراد أن التركيب من

стр. 3748

فإن قلت: كيف جاز تعليق فعل البلوى؟ قلت: لما في الاختبار من معنى العلم، لأنه طريق إليه، فهو مُلابسٌ له، كما تقول: انظر أيهم أحسن وجهاً، واسمع أيهم أحسن صوتاً، لأنّ النظر والاستماع من طريق العلم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الاستعارة التبعية الواقعة على طريقة التمثيل، شبه حال المكلف الممكن المختار مع تعلق علم الله تعالى بأفعاله، بحال المختبر، ثم استعير لجانب المشبه: (لِيَبْلُوَكُمْ) موضع "ليعلم"، وجعل قرينة الاستعارة علم العالم الخبير بما ظهر وما بطن، وسيجيء تمام تقريره في "الملك". قوله: (لما في الاختبار من معنى العلم): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأنه ذكر في سورة الملك في نظيره: أنه ليس بتعليق. قلت: وعلله بقوله: "إنما التعليق أن توقع بعده ما يسد مسد المفعولين جميعاً، كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق"، ومعناه: أن من شرط التعليق أن لا يذكر شيء من المفعولين قبل الجملة، وها هنا سبق المفعول الأول، وهو الضمير المنصوب، فلا يكون تعليقاً. ويمكن أن يقال: المراد بالتعليق ها هنا أن قوله: (لِيَبْلُوَكُمْ) سبب لما علق عليه الاستفهام، وهو العلم، وقد اكتفى بالسبب- وهو الابتلاء- عن المسبب- وهو العلم-، وعكسه قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ) [البقرة: ١٩٦]، أي: فحلق فعليه فدية، وهو المراد من قوله: "لأنه طريق إليه، كما أن النظر والسمع طريقان إليه"، فتقدير الكلام: ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملاً. هذا تقدير الزجاج في سورة الملك. يؤيده أن المصنف شبه ما في الفرقان، وهو قوله: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً

стр. 3749

فإن قلت: كيف قيل: (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، وأعمال المؤمنين هي التي تتفاوت إلى حسن وأحسن، فأمّا أعمال المؤمنين والكافرين فتفاوتها إلى حسن وقبيح؟ قلت: الذين هم أحسن عملاً هم المتقون، وهم الذين استبقوا إلى تحصيل ما هو غرض الله من عباده، فخصهم بالذكر، واطرح ذكر من وراءهم تشريفاً لهم وتنبيهاً على مكانهم منه، .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أَتَصْبِرُونَ) [الفرقان: ٢٠] بهذه الآية، وكتب في الحواشي: "أن تعلق (أَتَصْبِرُونَ) بقوله: (فِتْنَةً) تعلق (أَيُّكُمْ) بقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ)، والمعنى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة لنعلم أيكم أحسن صبراً، كما ابتليناكم لنعلم أيكم أحسن عملاً"، ولا بعد أن يحمل قوله قبيل هذا: "ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون" على هذا، ويقدر "ليعلم كيف تعملون"، فيكون قرينة لهذا المقدر. وأما في سورة الملك: فهو محمول على التضمين حيث قال: "تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ليعلمكم أيكم أحسن عملا"، وبين التضمين والتقدير بون، ولا يبعد حمل الكلام الواحد على الوجهين المختلفين باعتبارين للتفنن. قوله: (إلى تحصيل ما هو غرض الله من عباده): مذهبه، وعندنا: على التمثيل، وحاصل الجواب: أن قوله: (أَيُّكُمْ) وإن كان عاماً لفظاً، لكن المراد منه المتقون؛ تشريفاً لهم. قال السجاوندي: (لِيَبْلُوَكُمْ) إشارة إلى أنه خلق الخلق ليظهر إحسان المحسن، كذا في "الإيجاز"، فعلى هذا لا بعد أن يحمل "أفعل" على الزيادة المطلقة، وسيجيء تقريره في سورة الزمر، المعنى: ليبلوكم أيكم أحسن عمله.

стр. 3750

وليكون ذلك لطفاً للسامعين، وترغيباً في حيازة فضلهم. وعن النبي ﷺ : "ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً، وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله". قرئ: "ولئن قلت إنكم مبعوثون"؛ بفتح الهمزة. ووجهه أن يكون من قولهم: ائت السوق عنك تشتري لنا لحماً، وأنك تشتري؛ بمعنى: علك، أى: ولئن قلت ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال القاضي: "وإنما ذكر صيغة التفضيل، والاختبار شامل، ليفرق المكلفين باعتبار الحسن والقبح، للتحريض على أحاسن المحاسن، والتحضيض على الترقي دائماً في مراتب العلم والعمل، فإن المراد بالعمل: ما يعم عمل القلب والجوارح، ولذلك قال ﷺ : "أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله"، والمعنى: أيكم أكمل علماً وعملاً". قوله: (قرئ: "ولئن قلت أنكم مبعوثون"؛ بفتح الهمزة): قيل: هي قراءة الأعمش، ولما أن الواجب أن يؤتى بعد القول: "إن" بالكسر، فلما جاء بالفتح، أوله تارة بمعنى: "لعل"،
следующие страницы →