Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
وما كانوا فيه معه من الحال الشديدة عليهم المكروهة عندهم، يعنى: ثم أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة، وحالكم عليكم غمة، أي، غما وهما، والغم والغمة، كالكرب والكربة. والثاني أن يراد به ما أريد بالأمر الأول، والغمة: السترة؛ من غمه: إذا ستره.
ومنها قوله ﵇: "ولا غمة في فرائض الله" أي: لا تستر، ولكن يجاهر بها، يعنى:
ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستورا عليكم، ولكن مكشوفاً مشهوراً تجاهرونني به.
(ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ) ذلك الأمر الذي تريدون بى، أي: أدوا إلىَّ قطعه وتصحيحه، كقوله: (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ) أو: أدّوا إلىّ ما هو حق عليكم عندكم من هلاكي، كما يقضى الرجل غريمه، (وَلا تُنْظِرُونِ): ولا تمهلوني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والغم والغمة كالكرب والكربة)، الراغب: "الغم: ستر الشيء، ومنه الغمام؛ لكونه سائراً لضوء الشمس والقمر، والغمي مثله، ومنه: غُم الهلال، ويوم غمُّن وليلة غمة وغُمي، وغمة الأمر، قال الله تعالى: (لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً)، أي: كربة، يُقال: غم وغمة؛ نحو: كرب وكربة، وناصية غماء: تستر الوجه".
قوله: (أن يُراد به ما أريد بالأمر الأول): وهو ما تريدون من إهلاكي وبذل الوُسع في كيدي، أي: لا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستوراً عليكم، لكن مكشوفاً، فـ (ثُمَّ) على هذا للتراخي في الرتبة، فإن المراد بالأمر الأول: القصد إلى إهلاكه مطلقاً، وبالثاني: ذلك القصد مع قيد كونه مزيلاً للغمة والكرب، ففي الكلام ترق من الأدنى إلى الأغلظ، ومثله قول الحماسي:
ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة … يرى غمرات الموت ثم يزورها
قوله: (أو: أدوا إليَّ ما هو حق عليكم): يريد: أن قوله: (ثُمَّ اقْضُوا) مضمن معنى
стр. 3677
وقرئ: "ثم أفضوا إلىّ"، بالفاء بمعنى: ثم انتهوا إلىّ بشرّكم. وقيل: هو من: أفضى الرجل: إذا خرج إلى الفضاء، أي: أصحروا به إلىّ وأبرزوه لي
(فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ): فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي، (فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ): فما كان عندي ما ينفركم عنى وتتهموني لأجله من طمع في أموالكم، وطلب أجر على عظتكم، (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة، أي: ما نصحتكم إلا لوجه الله تعالي، لا لغرض من أغراض الدنيا، (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) الذين لا يأخذون على تعليم الدين شيئا، ولا يطلبون به دنيا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأداء، ثم القضاء: إما بمعنى قطع الحكم وبته وتصحيحه، واستشهد له بقوله: (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ)، قال: " (قضى) عُدي بـ "إلى"، لأنه ضُمن معنى "أوحينا"، كأنه قيل: أوحينا إليك مقضياً مبتوتاً"، وإما بمعنى قضاء الدين، والمعنى: أدوا إليَّ ما هو حق عليكم عندكم، أي: في معتقدكم، فعلى هذا فيه استعارة، ولهذا قال: "كما يقضي الرجلُ غريمه"، فكأنه كان في معتقدهم أن إهلاك نوح كالحق الثابت للرجل على غريمه، فلابد من استيفائه.
قوله: (فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي): إنما أعاد ذكر "تذكيري" ليؤذن أن هذا الشرط مرتبط بالشرط الأول، وأن المعنى: إن توليتم لأنكم ضجرتم عنين وشق عليكم طول مقامي وتذكيري، فابذلوا وسعكم في هلاكي وإبطال كيدي، ليظهر لكم أني ما أريد بذاك إلا نُصحكم وهدايتكم، وإن توليتم، لا أني طامع في أموالكم، وأطلب منكم أجر الموعظة، فاعلموا وأيقنوا أني ما نصحتكم إلا لوجه الله تعالى، لا لغرض من أغراض الدنيا.
وهذا يُنبئ أن نوحاً ما أتى بهذا النوع من الكلام إلا بعد مراجعات طويلة وإلزامهم الحجة، كما قالوا: (يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) [هود: ٣٢]، وأنه بذل وُسعهُ في
стр. 3678
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التذكير والنصح وإبلاغ ما يجب عليه أن يبلغه، وأن القوم بلغوا الغاية في العناد، وإليه الإشارة بقوله: "فذكر أن توليهم لم يكن عن تفريط منه".
فإن قلت: لم خص المقام الأول بالتوكل، والثاني بالإسلام؟ فنقول- على لسان العارفين، والعلم عند الله تعالى-: إن مقام التسليم فوق مقام التوكل- وسيأتيك تصديقه في قوله تعالى: (فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) بُعيد هذا-، ولأن التوكل: كلة الأمر كله إلى مالكه، والتعويل على وكالته، ومن ثم جعل الله تعالى قوله: (فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ) مقدمة للجزاء، وهو قوله: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ) وبالغ فيه غاية المبالغة.
وقال المصنف: "إنما قال ذلك إظهاراً لقلة مبالاته، وثقته بما وعده ربه من كلاءته"، والتسليم وترك الأسباب التي تُزاحم العقول والأوهام. ومن ثم ذيل قوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ)، لقوله: (فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ).
قال العارف أبو [إسماعيل] عبد الله الأنصاري: "التوكل أصعب المنازل، والتسليم أعلى الدرجات"، وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري: "التوكل صفة المؤمنين، والتسليم صفة الأولياء، والتفويض صفة الموحدين. والتوكل صفة الأنبياء، والتسليم صفة إبراهيم - لقوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [البقرة: ١٣١]-، والتفويض صفة نبينا محمد"، صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، والله أعلم.
стр. 3679
يريد: أن ذلك مقتضى الإسلام، والذي كل مسلم مأمور به. والمراد أن يجعل الحجة لازمة لهم، ويبرئ ساحته، فذكر أن توليهم لم يكن تفريط منه في سوق الأمر معهم على الطريق الذي يجب أن يساق عليه، وإنما ذلك لعنادهم وتمرّدهم لا غير.
(فَكَذَّبُوهُ): فتموا على تكذيبه، وكان تكذيبهم له في آخر المدّة المتطاولة كتكذيبهم في أوّلها، وذلك عند مشارفة الهلاك بالطوفان، (وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ) يخلفون الهالكين بالغرق، (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) تعظيم لما جرى عليهم، وتحذير لمن أنذرهم رسول الله ﷺ عن مثله، وتسلية له.
[(ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) ٧٤].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يريد: أن ذلك مقتضى الإسلام، والذي كل مسلم مأمور به): يريد: أن قوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) جملة مذيلة للكلام السابق مقررة لمضمون معناه، وإلى التقرير والتأكيد الإشارة بقوله: "المراد أن يجعل الحجة لازمة لهم، ويبرئ ساحته".
وفيه أن من دعا الناس إلى هداية أو علمهم من علوم الدين شيئاً، وأخذ عليه الأجرة، خرج من جملة الورثة.
قوله: ((فَكَذَّبُوهُ) فتموا على تكذيبه): يعني: أن في تعقيب (فَكَذَّبُوهُ) بما سبق إشعاراً بتجدد التكذيب، وليس به، بل المراد التعاقب والاستمرار؛ لأن قول نوح ﵇: (إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ) لم يكن إلا عن تكذيب سابق منهم، يعني: كذبوه ابتداء، ثم بعد التذكير والنصح لم ينزلوا عن عادتهم من التكذيب، بل استمروا عليه، مثله في "القمر": (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا) [القمر: ٩]، "أي: كذبوه تكذيباً عقيب تكذيب".
стр. 3680
(مِنْ بَعْدِهِ): من بعد نوح، (رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ) يعنى: هوداً وصالحاً وإبراهيم ولوطاً وشعيباً، (فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ): بالحجج الواضحة المثبتة لدعواهم، (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا): فما كان إيمانهم إلا ممتنعاً كالمحال؛ لشدّة شكيمتهم في الكفر وتصميمهم عليه، (بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ) يريد: أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق، فما وقع فصل بين حالتيهم؛ بعد بعثة الرسل وقبلها، كأن لم يبعث إليهم أحد.
(كَذلِكَ نَطْبَعُ): مثل ذلك الطبع المحكم نطبع (عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ)، والطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم، لأنّ الخذلان يتبعه، ألا ترى كيف أسند إليهم الاعتداء ووصفهم به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فما كان إيمانهم إلا ممتنعاً كالمحال): هذه الاستحالة تستفاد من لام "كي" المؤكدة، كقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) [آل عمران: ١٦١].
قوله: (والطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم): أي: الكناية التلويحية، وذلك أن من عاند وثبت على اللجاج خذله الله، ومنع عنه التوفيق واللطف، فلا يزال على هذا حتى يتراكم الرين، ويطبع على قلبه، قال تعالى: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [المطففين: ١٤]، والدليل على أن الطبع كناية عن العناد واللجاج: تصريح الاعتداء في قوله: (الْمُعْتَدِينَ)، قال القاضي: " (نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) بخذلانهم لانهماكهم في الضلال واتباع المألوف، وفي أمثال ذلك دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد".
стр. 3681
[(ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ * فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ * قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ * قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ) ٧٥ - ٧٨].
(مِنْ بَعْدِهِمْ): من بعد الرسل، (بِآياتِنا): بالآيات التسع، (فَاسْتَكْبَرُوا) عن قبولها، وهو أعظم الكبر؛ أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبينها، ويتعظموا عن تقبلها، (وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ): كفاراً ذوى آثام عظام، فلذلك استكبروا عنها واجترءوا على ردّها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهو أعظم الكبر): قيل: هو ضمير الشأن، و"أن يتهاون" خبر "أعظم الكبر"، والجملة مفسرة للضمير، ويمكن أن يعود الضمير إلى الاستكبار الذي هو مدلول "استكبر"، و"أن يتهاون" بدل من "أعظم الكبر".
والمعنى ينظر إلى قوله صلوات الله عليه: "الكبر بطر الحق وغمط الناس" الحديث، أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي.
النهاية: "بطر الحق: أن يجعل ما جعله الله حقاً من توحيده وعبادته باطلاً، وقيل: أنا يطغى ويتكبر عند سماع الحق فلا يقبله"، غمط الناس: الاحتقار لهم والازدراء بهم.
قوله: ((وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ): كفاراً ذوي آثام عظام، فلذلك استكبروا): قال صاحب "الفرائد": لا دلالة في هذا الكلام على ما ذكر، والظاهر أنه عطف على "استكبروا" أي: استكبروا وثبتوا على إجرامهم، ولا يلزم أيضاً أن استكبارهم بسبب إجرامهم، سلمنا أنه يلزم، لكن لما أمكن أن يكون للعطف ولا مرجح لأن يكون للحال، والعطف فيه الأصل، والعدول عنه إلى غيره لغير ضرورة عدول عن الأصل.
стр. 3682
(فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا): فلما عرفوا أنه هو الحق، وأنه من عند الله، لا من قبل موسى وهارون، (قالُوا) لحبهم الشهوات: (إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) وهم يعلمون أنّ الحق أبعد شيء من السحر الذي ليس إلا تمويهاً وباطلا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: العجب أنه نسب إلى المصنف ما هو عنه بريء، ثم قام مجادلاً يغضب عليه، ولم يدر أنه سلك مسلك التذييل والاعتراض، ألا ترى إلى قوله في تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: ٩٢]: "يجوز أن يكون (وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) حالاً، أي: عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة في غير موضعها، وأن يكون اعتراضاً؛ بمعنى: وأنتم قوم عادتكم الظلم"، فلذلك اتخذتم العجل من بعده إلها، ويُقال في هذا المقام: كان عادتهم الإجرام وركوب الآثام العظام، فلذلك استكبروا.
وإنما فسر (مُجْرِمِينَ) بآثام عظام؛ لأن الكافر إذا وُصف بالفسق أو الجرم أريد التمرد في الكفر، والتناهي فيه.
قوله: (فلما عرفوا أنه هوا لحق، وأنه من عند الله): قال صاحب "الفرائد": لا دلالة في الكلام على أنهم عرفوا أنه هو الحق، وأنه من عند الله، لا من قبل موسى وهارون، وإنما عُلم هذا المعنى في موضع آخر، وهو قوله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ) [النمل: ١٤]، إلا أنه من حقه أن يعرف أنه الحق بأدنى تأمل، وليس بسحر لبعده عن السحر.
وقلت: ما أوضح دلائله، وهو أن قوله: (الْحَقِّ) مُظهر أقيم موضع المضمر من غير لفظه السابق- والمراد منه الآيات السابقة في قوله: (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا)، وهي الآيات على الاستعارة؛ ليدل على غاية ظهوره وشدة سطوعه، حيث لا يخفى على من له أدنى مسكه، ولا يستقيم قولهم: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ) جواباً لقوله: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ)، إلا على حمل الحق على المعجزات، لأن هذا الكلام يقوله العاجز عندما قهرته الحجة، وبهرته سلطانها، ولا يبقى له متشبث.
стр. 3683
فإن قلت: هم قطعوا بقولهم: (إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) على أنه سحر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويعضده ما مر في أول السورة يونس في قوله تعالى: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ) إلى قوله: (قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ) [يونس: ٢]، قال المصنف: "هو دليل عجزهم واعترافهم به"، والمعنى: ثم بعثنا من بعدهم موسى إلى فرعون وملئه بالمعجزات، فلم يلتفتوا إليها، واستكبروا، ثم لما تبين لهم بعد ذلك حقيقته، عاندوا وقالوا: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ)، وأجابهم ﵇ بقوله: (أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ)، وصرح بالحق.
قوله: (هم قطعوا بقولهم): توجيه السؤال: كيف أوقع (أَسِحْرٌ هَذَا) مقولاً لقوله: (أَتَقُولُونَ) على الاستفهام، وأنهم لم يقولوا: (أَسِحْرٌ) على الاستفهام، بل قطعوا فيه القول، حيث صدروا الجملة بـ (إنَّ) وأدخلوا اللام في الخبر؟
وأجاب عنه بأوجه:
أحدها: أن يكون قوله: (أَتَقُولُونَ) كناية عن العيب والطعن؛ لكونه واقعاً في مقابلة طعنهم وعيبهم، واللام لبيان المطعون فيه- كما في قوله: (هَيْتَ لَكَ) [يوسف: ٢٣]، و (لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) [يوسف: ٤٣]-، ثم جاء بقوله: (أَسِحْرٌ هَذَا)؛ تقريراً لقولهم: (إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) واستجهالاً لهم، ما يشبه هذا السحر، وإنه لحق ثابت قاهر في الحجة، والسحر باطل، وصاحبه غير فائز بالبغية، كما قال الزجاج: "والمفلح الذي يفوز بإرادته، أي: كيف يكون سحراً، وقد أفلح الذي أتى به، أي: فاز في حجته".
стр. 3684
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وثانيها: ظاهر.
وثالثها: أن يكون حكاية لكلامهم، كأنهم قالوا: أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح، ولا يفلح الساحر؟ ! وهو ليه السلام يحكي عنهم على طريقة المشاكلة وإطباق الجواب على السؤال، ويرد عليهم، أو أن يكون لهم كلام يقرب من هذا، فإنهم لما قالوا: (إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) جيء بهذا الكلام حاكياً لذلك، يعني: دعوا هذا، فنكم أنكرتموه بأبلغ من ذلك حيث قلتم: أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح؟ !
نحوه مر في قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) [البقرة: ٧]، وفي قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً) [البقرة: ٢٦]، هذا أغمض الوجوه، وإن قال صاحب "الانتصاف": " [في] الفرق بين القولين غموض، وإيضاحه: أن "القول" في الأول: كناية عن العيب، فلا يتقاضى مفعولاً، وفي الثاني: على بابه، فطلب مفعولاً".
وقلت: يحتمل وجهاً آخر في الآية، وهو أن قولهم: (إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ) دل على هذا الجواب من حيث المعنى، فإنهم لما أثبتوا لهما السحر، وأكدوا الجملة بـ (إنَّ) واللام، كأنهم ادعوا أن ما جاء به من قبيل الباطل الذي لا يفلح صاحبهن لما اشتهر بين الناس أن السحر باطل، وصاحبه غير مفلح، ألا ترى إلى قول موسى ﵇: (مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ) - ولذلك سمي رسول الله ﷺ السحرة بالبطلة في قوله: "اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة"، أخرجه مسلم عن أبيأمامة-، فجاء موسى ﵇ بمايلزم من كلامهم، وأنكر عليهم ذلك، أي: أتقولون للحق الواضح الذي يفوز صاحبه بكل بغية ذلك، أي: أسحر هذا، والحال أن الساحر لا يُفلح؟ !
стр. 3685
فكيف قيل لهم: أتقولون أسحر هذا؟ قلت: فيه أوجه: أن يكون معنى قوله (أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ): أتعيبونه وتطعنون فيه، وكان عليكم أن تذعنوا له وتعظموه، من قولهم: فلا يخاف القالة، وبين الناس تقاول: إذا قال بعضهم لبعض ما يسوؤه، ونحو القول: الذكر، في قوله (سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ) (الأنبياء: ٦٠)، ثم قال (أَسِحْرٌ هذا) فأنكر ما قالوه في عيبه والطعن عليه.
وأن يحذف مفعول (أتقولون)، وهو ما دل عليه قولهم: (إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ)، كأنه قيل: أتقولون ما تقولون؟ يعنى قولهم: (إن هذا لسحر مبين)، ثم قيل: (أسحر هذا). وأن يكون جملة قوله: (أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ) حكاية لكلامهم، كأنهم قالوا: أَجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ)، كما قال موسى للسحرة: (ما جئتم به السحر، إنّ الله سيبطله) [يونس: ٨١].
(لِتَلْفِتَنا): لتصرفنا، واللفت والفتل: أخوان، ومطاوعهما: الالتفات والانفتال، (عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا) يعنون عبادة الأصنام، (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ) أي: الملك، لأنّ الملوك موصوفون بالكبر، ولذلك قيل للملك: الجبار، ووصف بالصيد والشوس،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ووصف بالصيد)، الجوهري: "الصيد- بالتحريك-: مصدر للأصيد، وهو الذي يرفع رأسه كبراً، ومنه قيل للملك: أصيد، وأصله في البعير يكون به داء في رأسه فيرفعه، ويُقال: إنما قيل للملك: أصيد؛ لأنه لا يلتفت يميناً وشمالاً".
و"الشوس" بالتحريك: النظر بمؤخر العين تكبراً أو تغيظاً، فعلى هذا: الكبرياء من لوازم الملك، فيكون كناية عنه، قال الزجاج: "وإنما سُمي الملك كبرياء؛ لأنه أكبر ما يُطلب من أمر الدنيا".
стр. 3686
ولهذا وصف ابن الرقيات مصعباً في قوله:
مُلْكُهُ مُلْكُ رَأفَة لَيْسَ فِيهِ … جَبَرُوتٌ مِنْهُ وَلَا كِبْرِيَاءُ
ينفى ما عليه الملوك من ذلك.
ويجوز أن يقصدوا ذمّهما، وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا، كما قال القبطي لموسى ﵇: (إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض) (القصص: ١٩).
(وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ) أي: مصدّقين لكما فيما جئتما به، وقرئ: "يطبع"، "ويكون لكما الكبرياء" بالياء.
[(وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ * فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) ٧٩ - ٨٢].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما قال القبطي لموسى ﵇: (إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ)): وهو على خلاف نقل المفسرين، قال محيي السنة والواحدي: "القائل الإسرائيلي، وذلك أن موسى ﵇ لما أدركته الرقة بالإسرائيلي، فمد يده ليبطش بالفرعوني، ظن الإسرائيلي انه يريد أن يبطش به لما رأى من غضبه ﵇، وسمع قوله: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) [القصص: ١٨]، قال: (يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ) [القصص: ١٩]، وذلك أن القبطي ما كان عالماً أن موسى ﵇ كان قاتل القبطي، وحين سمع انطلق إلى فرعون وأخبره"، وقد ذكر نحوه في "الكواشي".
стр. 3687
(ما جِئْتُمْ بِهِ): (ما) موصولة واقعة مبتدأ، و (السِّحْرُ) خبر، أي: الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله.
وقرئ: (آلسحر)، على الاستفهام، فعلى هذه القراءة (ما) استفهامية، أي: أي شيء جئتم به، أهو السحر؟ وقرأ عبد الله: "ما جئتم به سحر"، وقرأ أبىّ: "ما أتيتم به سحر". والمعنى: لا ما أتيت به.
(إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ) أي: سيمحقه أو يظهر بطلانه بإظهار المعجزة على الشعوذة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "السحر" على الاستفهام): وهي قراءة أبي عمرو، فيوقف على (جِئْتُمْ بِهِ)، ويبدأ "السحر". قال أبو البقاء: " (ما) استفهام على هذا، نصب بفعل محذوف، أي: أي شيء أتيتم؟ و (جِئْتُمْ بِهِ) تفسير للمحذوف، ويجوز أن يكون مرفوعاً على الابتداء، و (جِئْتُمْ بِهِ) الخبر، و"السحر": يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أو عكسه، وعلى هذا يجوز أن يكون "السحر" بدل من موضع (مَا)، كما تقول: ما عندك؟ أدينار أم درهم؟ "، قال أبو علي: "فعلى هذا لا يلزم أن يضمر للسحر خبر، لأنك إذا أبدلته من المبتدأ صار في موضعه، وصار ما كان خبراً لما أبدلت منه، في موضع خبر المبدل".
وقلت: فعلى القراءة المشهورة: الحصر لازم لتعريف الخبر، فيكون الرد ثابتاً على ما قال: "الذي جئتم به السحر"، لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً، وكذا على قراءة "السحر" في غير البدل. وأما على البدل وعلى قراءة عبد الله وأبي: فالحصر مستفاد من التعريض، حيث وقع في مقابل قولهم: (إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ)، ولهذا قال: "لا ما أتيت به"، على النفي.
стр. 3688
(لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ): لا يثبته ولا يديمه، ولكن يسلط عليه الدمار، (وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ): ويثبته (بِكَلِماتِهِ): بأوامره وقضاياه. وقرئ: "بكلمته": بأمره ومشيئته.
[(فَما ءآمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) ٨٣].
(فَما ءآمَنَ لِمُوسى) في أوّل أمره (إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ): إلا طائفة من ذراري بني إسرائيل، كأنه قيل: إلا أولاد من أولاد قومه، وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف. وقيل: الضمير في (قومه) لفرعون، والذرية: مؤمن آل فرعون، وآسية امرأته، وخازنه، وامرأة خازنه، وماشطته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يُثبته ولا يديمه): اعلم أن الإفساد: إخراج الشيء عن كونه منتفعاً به، فقوله: (لا يُصْلِحُ) يحتمل أن يُراد أنه تعالى يتركهم وإفسادهم، وما لم يصلحه الله لا يدوم ولا يثبت، فيصير باطلاً زائلاً، ويحتمل أنه يفسد إفسادهم بأن يسلط عليه الدمار فيبطله، والمصنف نظر إلى الاعتبارين؛ لأنها مقابلة لقوله تعالى: (وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ)، فكأنه قيل: ويحق الله الحق ويبطل الباطل.
قوله: ((بِكَلِمَاتِهِ) بأوامره وقضاياه): فسر "الكلمات" حيث جيء بها جمعاً بالأوامر التي هي مقابلة للنواهي، وحيث جيء بها مفرداً بالأمر الذي هو واحد الأمور، وعطف المشيئة عليها، على سبيل البيان؛ ليؤذن بأنه من قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]، وهو أشمل من الأول، لأن الأوامر والنواهي والأمور والشؤون كلها تابعة لمشيئة الله تعالى وإرادته، ولذلك عطف على الأول: "وقضاياه"، لتتناول "كلماته" ما تناولته "كلمته"، فيستويا في الشمول.
стр. 3689
فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: (وَمَلَإيهِمْ)؟ قلت: إلى فرعون، بمعنى: آل فرعون، كما يقال: ربيعة ومضر، أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له. ويجوز أن يرجع إلى "الذرية"، أي: على خوف من فرعون وخوف من أشراف بنى إسرائيل، لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفا من فرعون عليهم وعلى أنفسهم، ويدل عليه قوله: (أَنْ يَفْتِنَهُمْ) يريد: أن يعذبهم.
(وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ): لغالب فيها قاهر، (وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) في الظلم والفساد، وفي الكبر والعتوّ، بادعائه الربوبية.
[(وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) ٨٤ - ٨٦].
(إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ): صدقتم به وبآياته (فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا): فإليه أسندوا أمركم في العصمة من فرعون،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ذو أصحاب): قال الزجاج: "جاز أن يُقال: (وَمَلَئِهِمْ)، لأن فرعون ذو أصحاب يأتمرون له، والملأ من القوم: الرؤساء الذين يرجع إلى قولهم".
وقلت: اعتبر التعدد في نفس فرعون من جهة كونه ذا أصحاب كأنه جماعة، كما وقع في مخاطباتهم: إنا فعلنا، وهم فعلوا. والفرق أن معنى التعدد في الثاني للتعظيم، وفي الأول لمجرد الإضافة، فعلى هذا: الضمير المرفوع في (أَنْ يَفْتِنَهُمْ) لفرعون وملئه، غُلب "فرعون" على "الملأ"؛ لأنهم يأتمرون بأمره، ولو رجع إليه وإلى الملأ لقيل: "أن يفتنوهم".
والظاهر أن يرجع الضمير في (وَمَلَئِهِمْ) إلى ذرية بني إسرائيل، فلا يفتقر إلى التأويلين، ولهذا قال: "ويدل عليه قوله: (أَن يَفْتِنَهُمْ) ".
стр. 3690
ثم شرط في التوكل الإسلام، وهو أن يسلموا نفوسهم لله، أي: يجعلوها له سالمة خالصة لا حظّ للشيطان فيها، لأن التوكل لا يكون مع التخليط، ونظيره في الكلام: إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوّة.
(فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا) إنما قالوا ذلك، لأنّ القوم كانوا مخلصين، لا جرم أنّ الله سبحانه قبل توكلهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثم شرط في التوكل الإسلام): فهاهنا أشياء ثلاثة: الإيمان والتوكل والإسلام، والمراد بالإيمان: التصديق، وبالتوكل: إسناد الأمر إليه، وبالإسلام: إسلام النفس إليه وقطع الأسباب. فعلق التوكل بالتصديق بعد تعلقه بالإسلام؛ لأن الجزاء معلق بالشرط الأول، وتفسير للجزاء الثاني، كأنه قيل: إن كنتم مصدقين الله وآياته فخصوه بإسناد جميع الأمور إليه، وذلك لا يحصل إلا بعد أن تكونوا مخلصين لله مستسلمين أنفسكم له، ليس للشيطان فيكم نصيب، وإلا فاتركوا أمر التوكل.
فعُلم منه أنه ليس لكل من المؤمنين الخوض في التوكل، بل للآحاد منهم، وأن مقام التوكل دون مقام التسليم، وهذا يؤيد ما سبق لنا في قوله تعالى: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) [يونس: ٧٢]، والتصديق مصححة التوكل، وعليه ينطبق المثال، وهو قوله: "إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوة"، لأن مكافأة الضرب مشروط بوجدان القوة، وألا فالتحمل والاعتراف بالقصور.
والذي يؤيد أن التوكل متوقف على الإخلاص والتسليم قول المصنف: "إنما قالوا ذلك لأن القوم كانوا مخلصين"، وذلك أن موسى ﵇ حين شرط عليهم في التوكل الإخلاص والتسليم، وهم أجابوه بحرف التعقيب دل على سبق الإخلاص على الإجابة.
стр. 3691
وأجاب دعاءهم، ونجاهم وأهلك من كانوا يخافونه، وجعلهم خلفاء في أرضه، فمن أراد أن يصلح للتوكل على ربه والتفويض إليه، فعليه برفض التخليط إلى الإخلاص.
(لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً): موضع فتنة لهم، أي: عذاب يعذبوننا ويفتنوننا عن ديننا، أو فتنة لهم يفتتنون بنا ويقولون: لو كان هؤلاء على الحق لما أصيبوا.
[(وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) ٨٧].
(أن تبوءّأ) تبوأ المكان: اتخذه مباءة، كقولك: توطنه، إذا اتخذه وطناً. والمعنى اجعلا بمصر بيوتاً من بيوته مباءة لقومكما،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأجاب دعاؤهم ونجاهم): هذا يُعلم من قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ) [الدخان: ٣٠ - ٣١].
قوله: (أو فتنة لهم يفتنون بنا): عن بعضهم: أصل الفتن: إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، واستعمل في إدخال الناس النار، وقال تعالى: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) [الذاريات: ١٣]، وسمي ما يحصل عنه العذاب فتنة، قال تعالى: (أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) [التوبة: ٤٩]، ويستعمل في الاختبار، قال تعالى: (وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً) [طه: ٤٠]، وجُعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يُستعملان فيما يُدفع إليه الإنسان منشدة ورخاء، وهما في الشدة أكبر معنى وأكثر استعمالاً، وقد قال تعالى فيهما: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء: ٣٥]، وقال في الشر: (عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ)، أي: يبتليهم ويعذبهم.
قوله: (والمعنى: اجعلا بمصر بيوتاً من بيوته مباءة لقومكما): يريد: أن (تَبَوَّءَا) مُتعد إلى مفعول واحد، تقول: تبوأت بيتاً وتبوأ القوم بيوتاً، فإذا أدخلت اللام قلت: تبوأت للقوم بيوتاً، صار ما كان فاعلاً مفعولاً، وتعدى إلى مفعولين.
قوله: (بيوتاً من بيوته): "مِن" فيه تبعيضية، واللفظان، وإن اتحدت صيغتهما في الجمع، لكن الثاني لما أضيف إلى المعرفة أفاد العموم والاستغراق، كما عُلم في الأصول، والأول لما
стр. 3692
ومرجعاً يرجعون إليه للعبادة والصلاة فيه، (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ) تلك (قِبْلَةً) أي: مساجد متوجهة نحو القبلة، وهي الكعبة، وكان موسى ومن معه يصلون إلى الكعبة، وكانوا في أوّل أمرهم مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم في خفية من الكفرة، لئلا يظهروا عليهم، فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم، كما كان المؤمنون على ذلك في أوّل الإسلام بمكة.
فإن قلت: كيف نوّع الخطاب، فثنى أوّلا، ثم جمع، ثم وحد آخراً؟ قلت: خوطب موسى وهارون ﵉ أن يتبوآ لقومهما بيوتا، ويختاراها للعبادة، وذلك مما يفوّض إلى الأنبياء، ثم سيق الخطاب عامّاً لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها، لأنّ ذلك واجب على الجمهور، ثم خص موسى ﵇ بالبشارة التي هي الغرض، تعظيما لها وللمبشر بها.
[(وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) ٨٨].
الزينة: ما يتزين به من لباس أو حلى أو فرش أو أثاث أو غير ذلك، وعن ابن عباس: كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة وزبرجد وياقوت.
فإن قلت: ما معنى قوله (رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ)؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نُكر أفاد القلة، ولهذا قيل: الجمع المنكر لا يستثني منه على الأكثر، فمعنى قوله: "بيوتاً من بيوته": بيوتاً متعددة من جملة بيوته المتكاثرة.
قوله: ((بُيُوتِكُمْ) تلك): إشارة إلى أن الإضافة في (بُيُوتِكُمْ) بمعنى لام العهد، وأن النكرة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى.
стр. 3693
قلت: هو دعاء بلفظ الأمر، كقوله: (رَبَّنَا اطْمِسْ)، (وَاشْدُدْ)، وذلك أنه لما عرض عليهم آيات الله وبيناته عرضا مكرّرا، وردّد عليهم النصائح والمواعظ زماناً طويلا، وحذرهم عذاب الله وانتقامه، وأنذرهم عاقبة ما كانوا عليه من الكفر والضلال المبين، ورآهم لا يزيدون على عرض الآيات إلا كفراً، وعلى الإنذار إلا استكبارا، وعن النصيحة إلا نبوّا، ولم يبق له مطمع فيهم، وعلم بالتجربة وطول الصحبة أنه لا يجيء منهم إلا الغي والضلال، وأنّ إيمانهم كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة، أو علم ذلك بوحي من الله، اشتد غضبه عليهم، وأفرط مقته وكراهته لحالهم، فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره، كما تقول: لعن الله إبليس، وأخزى الله الكفرة، مع علمك أنه لا يكون غير ذلك.
وليشهد عليهم بأنه لم يبق له فيهم حيلة، وأنهم لا يستأهلون إلا أن يخذلوا ويخلى بينهم وبين ضلالهم يتسكعون فيه، كأنه قال: ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هو دعاء بلفظ الأمر): يُريد: أن القاتل كأنه يدعو الله أن يأمرهم- وهم غيبٌ- بأن يُضلوا عن الدين، والتقدير: ربنا أضلهم.
قوله: (اشتد غضبه): جواب "لما عرض"، وقوله: "وليشهد عليهم بأنه لم يبق له فيهم حيلة" عطف على قوله: "أنه لما عرض"، والظاهر أنه عطف على قوله: "بما علم أنه لا يكون غيره"، ليكون ما ذكر من المقدمات تمهيداً للدعاء، ويكون قوله: "ليشهد" مبنياً عليه، يعني: لما فعلوا كيت وكيت، ودعا عليهم، ليكون كالتسجيل على أنهم من أهل الخذلان، وعلامة لمن سمع به أنه لم يبق له فيهم حيلة.
قوله: (يتسكعون فيه)، الأساس: "فلان يتسكع: لايدري أين يتوجه، ومن المجاز: فلان يتسكع في أمره: لايهتدي لوجهه، وأراك متسكعاً في ضلالك".
стр. 3694
وليكونوا ضلالا، وليطبع الله على قلوبهم، فلا يؤمنوا، وما علىّ منهم! هم أحق بذلك وأحق، كما يقوله الأب المشفق لولده الشاطر إذا ما لم يقبل منه، حسرة على ما فاته من قبول نصيحته، وحرداً عليه، لا أن يريد خلاعته وإتباعه هواه.
ومعنى الشدّ على القلوب: الاستيثاق منها، حتى لا يدخلها الإيمان، (فَلا يُؤْمِنُوا) جواب للدعاء الذي هو (اشدد)، أو دعاء بلفظ النهى،
وقد حملت اللام في (ليضلوا) على التعليل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وما علي منهم! هم أحق بذلك): "ما" استفهامية أو نافية، يعني: كان موسى ﵇ بعد الضجر حين لم يبق له حيلة، قال: ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال، وأي شيء يلزمني من جانبهم حتى يطول علي تحسرهم؟ ثم استأنف: هم أحق بذلك وأحق، أو: ليثبتوا على ما هم عليه، وما يلزمني من جانبهم شيء، إني بالغت في الإنذار، وما على الرسول إلا البلاغ.
وقيل: "ما" موصولة، وهو مبتدأ، وقوله: "هم" خبره، وفيه تعسف وبُعد عن المقام.
قوله: (وقد حُملت اللام في (لِيُضِلُّوا)): هذا وجه آخر، وهذه العبارة مؤذنة بأن الوجه الأول أوجه، أي: أنك آتيت فرعون وملأه زينة ليضلوا عن سبيلك فلا يؤمنوا. وذكره الواحدي وقال: " (فَلا يُؤْمِنُوا) دعاء عليهم، والتأويل: فلا آمنوا".
قال صاحب "الفرائد": الوجه أن يُقال: إنها للتعليل، وإلا فما وجه قوله: (رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، وإنما عدل إلى أمر الغائب؛ ميلاً إلى مذهبه.
الانتصاف: "هذا اعتزال خفي؛ فراراً من أن تكون لام "كي"، فتدل على أن الله أمدهم لعلة الإضلال استدراجاً، كما قال: (لِيَزْدَادُوا إِثْماً) [آل عمران: ١٧٨]، ففر من هذا، وحمل على معتقده".
стр. 3695
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: اللام إذا جُعلت مستعاراً على نحو قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً) [القصص: ٨] لا يضره أيضاً، وإليه الإشارة بقوله: "على أنهم جعلوا نعمة الله سبباً في الضلال"، كما قال الزجاج: ويُقرأ: "ليضلوا عن سبيلك"، المعنى: أنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا، وأصارهم ذلك إلى الضلال.
وأما وجه قوله: ٠ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً) على أمر الغائب: فهو أن موسى ﵇ ما تكلم بها إلى توطئة وتمهيداً، ليتخلص منها إلى الدعاء عليهم، يعني: أنك أوليتهم هذه النعمة ليشكروك ولا يعبدوا غيرك، فما زادتهم تلك النعمة إلا أشراً وتمادياً في الطغيان، وإذا كانت الحالة هذه، فليضلوا عن سبيلك. ولو دعا عليهم ابتداء ربما لم يُعذر، فقدم الشكاية منهم والنعي بسوء صنيعهم، ليتسلق منه إلى الدعاء، مع مراعاة تلاؤم الكلام من إيراد الأدعية منسوقة نسقاً واحداً، ولا مجال للاعتراض؛ لأن الاعتراض حُسن موقعه من الكلام أن تلتذ النفس بسماعه، ولذلك عيب قول النابغة:
لعل زياداً - لا أبا لك - غافل
فليُذق ليدرك.
стр. 3696
على أنهم جعلوا نعمة الله سبباً في الضلال، فكأنهم أوتوها ليضلوا، وقوله: (فَلا يُؤْمِنُوا) عطف على (ليضلوا)، وقوله: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ) دعاء معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.
وقرأ الفضل الرقاشي: "أإنك آتيت"؛ على الاستفهام، و"اطمس" بضم الميم.
[(قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) ٨٩].
قرئ: "دعواتكما"، قيل: كان موسى يدعو وهارون يؤمّن.، ويجوز أن يكونا جميعاً يدعوان. والمعنى: إنّ دعاء كما مستجاب، وما طلبتما كائن، ولكن في وقته، (فَاسْتَقِيما): فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة والزيادة في إلزام الحجة، فقد لبث نوح ﵇ في قومه ألف عام إلا قليلا، ولا تستعجلا. قال ابن جريج: فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة.
(وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) أي: لا تتبعا طريق الجهلة بعادة الله في تعليقه الأمور بالمصالح، ولا تعجلا فإن العجلة ليست بمصلحة، وهذا كما قال لنوح ﵇: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) [هود: ٤٦].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فَلا يُؤْمِنُوا) عطفٌ على (لِيُضِلُّوا): وقال مكي: " (فَلا يُؤْمِنُوا): عطف على (لِيُضِلُّوا)، وفي موضع نصب عند المبرد والزجاج، وقال الأخفش والفراء: منصوب؛ جواب الدعاء في قوله: (اطْمِسْ)، وقال الكسائي وأبو عبيدة: هو في موضع جزم، لأنه دعاء عليهم"، وقال أبو البقاء: " (فَلا يُؤْمِنُوا) نصبٌ؛ عطف على (لِيُضِلُّوا)، أو جواب الدعاء في قوله: (اطْمِسْ)، أو جزم، ومعناه الدعاء، كما تقول: لا تُعذبني".
стр. 3697
وقرئ: (ولا تتبعان)، بالنون الخفيفة - وكسرها لالتقاء الساكنين؛ تشبيهاً بنون التثنية - وبتخفيف التاء من: تبع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "ولا تتبعان" بالنون الخفيفة): ابن ذكوان: بتخفيف النون، والباقون: بتشديدها، قال ابن الحاجب: "رُوي عن ابن ذكوان بتشديد التاء وتخفيف النون، ورُوي عنه أيضاً بتخفيف التاء وإسكانها وفتح الباء وتشديد النون، من: تبع يتبع، وليس فيها إشكال، وإنما الإشكال في تخفيف النون، ووجهه: أن "لا" نافية، والفعل مرفوع على وجهين:
أحدهما: أن يكون جملة خبرية معناها النهي، كقوله تعالى: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) [الصف: ١١]، و (لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ) [البقرة: ٨٣]، والمعنى: على الأمر والنهي، وعطف جملة خبرية معناها النهي على جملة معناها الطلب.
وثانيهما: أن تكون الواو للحال، أي استقيما غير متبعين، والجملة الفعلية المنفية يجوز أن تأتي بالواو وبغير الواو.
وقول من قال: إن "لا" للنهي، والنون نون التوكيد الخفيفة كُسرت، أو الثقيلة حُذفت الأولى منهما: ضعيف، لا ينبغي أن تؤول قراءة صحيحة عليه، لأنه لم يثبت في اللغة مثله".
قوله: (تشبيهاً بنون التثنية): قال الزجاج: "موضع (تَتَّبِعَانِ) جزم، إلا أن النون
стр. 3698
[(وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ٩٠]
قرأ الحسن: "وجوزنا"؛ من: أجاز المكان وجوزه وجاوزه، وليس من: جوز الذي في بيت الأعشى:
وَإذَا تَجَوَّزْنَا حِبَالَ قَبِيلَةٍ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشديدة دخلت للنهي مؤكدة، وكُسرت لسكونها وسكون النون التي قبلها، واختير لها الكسر؛ لأنها بعد ألف تشبه نون الاثنين".
قوله: (وليس من: جوز): يعني: هذه القراءة من: أجاز المكان، أي: خلفه وقطعه، فيُعدى بالباء لأنه لازم؛ الأساس: "جُزت المكان وأجزته وجاوزته وتجاوزته"، وليس من: جوز، بمعنى: نفذ؛ لأنه لا يحتاج إلى التعدية بالباء، يدل عليه قوله:
كما جوز السي في الباب فيتق
قوله: (وإذا تُجوزها حبال قبيلة): تمامه:
أخذت من الأخرى إليك حبالها
стр. 3699
لأنه لو كان منه، لكان حقه أن يقال: وجوّزنا بني إسرائيل في البحر، كما قال:
كَمَا جَوَّزَ السَّكِّيَّ فِي الْبَابِ فَيْتَقُ
(فَأَتْبَعَهُمْ): فلحقهم، يقال: تبعته حتى أتبعته. وقرأ الحسن: "وعدوّا"، وقرئ: (أنه) بالفتح؛ على حذف الباء التي هي صلة الإيمان، و"إنه" بالكسر؛ على الاستئناف بدلا من (آمنت) ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"تجوزها": أي: تنفدها، يعني: الناقة، "الحبال": جمعُ حبل، وهو مستعار للعهد والأمان، يصف ما قاساه في السفر من خوف الطريق حتى وصل إلى الممدوح، يقول: إذا أدخلها وسط قبيلة أمانها، أخذت تلك القبيلة من القبيلة الأخرى أمانها إليك، وعادة العرب أنهم يستجيرون من قوم إلى قوم ليأمنوا من عادتهم وشرهم.
قوله: (كما جوز السكي في الباب فيتق): أوله:
ولابد من جار يجيز سبيلها
"جوز": أي: نفذ ووسط، و"السكي": المسمار، و"الفيتق": النجار
قوله: (يُقال: تبعته حتى أتبعته): أي: جئت بعده حتى لحقت به.
قوله: (وقرأ الحسن: "وعدوا"): العدو: تجاوز الحد والظلم، عدا عليه عَدْواً وعُدُواً
قوله: (وقرئ: (أنه) بالفتح على حذف الباء): وذلك أن الإيمان يُعدى بالباء، نحو: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: ٣]، فلما حذف وصل.
стр. 3700
كرر المخذول المعنى الواحد ثلاث مرات في ثلاث عبارات، حرصاً على القبول، ثم لم يقبل منه حيث أخطأ وقته، وقاله حين لم يبق له اختيار قط، وكانت المرّة الواحدة كافية في حال الاختيار، وعند بقاء التكليف.
[(آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ) ٩١ - ٩٢].
(آلْآنَ): أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين أدركك الغرق، وأيست من نفسك. قيل: قال ذلك حين ألجمه الغرق، يعنى: حين أوشك أن يغرق. وقيل: قاله بعد أن غرق في نفسه، والذي يحكى: "أنه حين قال: (آمَنَتْ) أخذ جبريل ﵇ من حال البحر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كرر المخذول المعنى الواحد ثلاث مرات في ثلاث عبارات): يريد بالمعنى الواحد: ما لو تلفظ به في حال الاختيار عن صدق منه، لقبل منه، وانخرط في سلك امؤمنين الناجين، هذا على قراءة كسر "إن" في (أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ) الآية؛ صريح.
أما قوله: (آمَنَتْ) فإخبار عن نفسه في الزمان الماضي أنه صدر منه الإيمان المعتبر الذي عليه بنو إسرائيل، لأن الإيمان حينئذ قطع عن متعلقه، فصار كقولهم: فلان يعطي ويمنع، إما باعتبار العموم أو الإطلاق. وأما قوله: (وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ) فهو أبلغ منه؛ لأنه ادعى بالبرهان أنه دخل في زمرة المسلمينن وصار معدوداً فيهم.
قوله: (ألجمه الغرق): في الحديث: "يبلغ العرق منهم ما يلجمهم"، أي: يصل إلى أفواههم، فيصير لهم بمنزلة اللجام يمنعهم عن الكلام.
قوله: (من حال البحر)، النهاية: "الحال: الطين الأسود كالحمأة".
стр. 3701
فدسه في فيه"، فللغضب لله على الكافر في وقت قد علم أنّ إيمانه لا ينفعه، وأمّا ما يضم إليه من قولهم: "خشية أن تدركه رحمة الله" فمن زيادات الباهتين لله وملائكته، ........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فدسه)، الأساس: "دس الشيء في التراب، وكل شيء أخفيته تحت شيء فقد دسسته".
قوله: (فمن زيادات الباهتين): يُقال: بهته بهتاً وبهتاناً فهو باهت، أي: افترى عليه ما لم يفعله. الحديث رواه ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "لما أغرق الله تعالى فرعون قال: آمنت أنه لا إله إلا آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين. قال جبريل: يا محمد، لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة"، أخرجه الترمذي، وهو أحد أئمة الثقات المقدم بعد مسلم.
стр. 3702
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: العجب أنه كيف نسي كلامه آنفاً: "أن قوله: (لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) دعاء"، وخالف أهل التفسير فيه، وأقام له بمعاذير، وحين بلغ إلى الخبر المرفوع بهت وبهت.
وأما الحديث: فقوله: "لو رأيتني" إلى آخره: معناه: لرأيت أمراً عجيباً يبهت الواصف عن كنهه، فإني لما شاهدت تلك الحالة نهضت غضباً لله على عدو الله؛ لادعائه تلك العظيمة، فعمدت إلى حال البحر، فادسه في فيه، مخافة أن تدركه الرحمة لسعتها، مع علمي أن الصد عن رحمة الله غير جابر، الا ترى إلى قوله ﵇: "وأنا آخذ من حال البحر"، كيف يصور تلك الحالة في مشاهدته، ويستحضرها، ويستدعي منه العجب على فعله. ونحوه في الشاهد من ينتهز الفرصة على من يغضب ويحنق عليه، فإذا صادفها وفتك به، ربما اختلج في صدره من الفرح أنه بعدُ لم ينل منه، وأن له الخلاص منه.
ونحوه ما روى المصنف: "أن بني إسرائيل كانوا يقولون: إن فرعون أعظم شأناً من أن يغرق، وأنه ما مات، ولا يموت أبداً بعدما غرق".
على أن ليس للعقل مجال في أمثال هذا النقل الصحيح إلا التسليم ونسبة القصور إلى النفس.
стр. 3703
وفيه جهالتان: إحداهما: أنّ الإيمان يصح بالقلب، كإيمان الأخرس، فحال البحر لا يمنعه. والأخرى: أنّ من كره إيمان الكافر وأحب بقاءه على الكفر: فهو كافر؛ لأن الرضا بالكفر كفر. (مِنَ الْمُفْسِدِينَ): من الضالين المضلين عن الإيمان،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما قوله: "الرضا بالكفر كفر" فجوابه ما قال أبو منصور الماتريدي في "التأويلات": "الرضا بالكفر ليس بكفر مطلقاً، إنما يكون كذلك إذا رضي بكفر نفسه، لا بكفر غيره".
وقلت: يؤيده ما روينا عن أبي داود النسائيعن سعد بن أبي وقاص قال: "لما كان يوم فتح مكة، أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر - فسماهم- وابن أبي سرح"، وذكر الحديث: وأما ابن أبي سرح، فإنه اختبأ عند عثمان رضي اللهعنه، فلما دعا رسول الله ﷺ إلى البيعة جاء به، حتى وقفه على النبي ﷺ ، فقال: يا نبي الله، بايع عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثاً، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه، فقال: "أما فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله"، فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسكن ألا أومأت إلينا بعينك، قال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين".
قوله: ((مِنْ الْمُفْسِدِينَ): من الضالين المضلين): فقد سبق أن الكافر إذا وُصف بالإجرام أو الفسق أو الفساد ونحوها كان مبالغة في كفره.
стр. 3704
كقوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ) [النحل: ٩٨].
وروى: "أنّ جبريل ﵇ أتاه بفتيا: ما قول الأمير في عبد لرجل نشأ في ماله ونعمته، فكفر نعمته، وجحد حقه، وادّعى السيادة دونه؟ فكتب فرعون فيه: يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده، الكافر نعماه: أن يغرق في البحر، فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل خطه، فعرفه".
(نُنَجِّيكَ) بالتشديد والتخفيف: نبعدك مما وقع فيه قومك من قعر البحر. وقيل: نلقيك بنجوة من الأرض. وقرئ "ننحيك"، بالحاء: نلقيك بناحية مما يلي البحر، وذلك أنه طرح بعد الغرق بجانب البحر، قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور، (بِبَدَنِكَ) في موضع الحال،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: نلقيك بنجوة من الأرض)، الراغب: "أصل النجاء: الانفصال، ومنه: نجا فلان من فلان، وأنجيته ونجيته، قال تعالى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) [البقرة: ٤٩]، (وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [فصلت: ١٨]، والنجوة والنجاة: [المكان المرتفع] المنفصل بارتفاعه عما حوله، وقيل: سمي لكونه ناجياً من السيل، ونجيته: تركته بنجوة، وعليه قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ)، ونجوت قشر الشجرة، وجلد الشاة".
قوله: ((ببدنك) في موضع الحال): وهو كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، أي: معها. وفي "الضوء": الفرق بين الباء و"مع": أن و"مع": أن "مع" لإثبات المصاحبة ابتداء، والباء لاستدامتها.
стр. 3705
أي: في الحال التي لا روح فيك، وإنما أنت بدن، أو ببدنك كاملا سويا لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عرياناً لست إلا بدناً من غير لباس. أو بدرعك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الزجاج: (نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ): نلقيك عرياناً، وقيل: نلقيك على نجوة من الأرض".
فعلى هذا: كان أصل الكلام: اليوم نطرحك بعد الغرق بجانب البحر، ثم سلك طريق التهكم، وقيل: ننجي بدنك، ثم لمزيد التصوير والتويل أوقع "بدنك" حالاً من الضمير المنصوب.
وقيل: ننجيك مع بدنك، لتصور تلك الهيئة المنكرة في نظر المعتبرين، كما قال: "أي: في الحال التي لا روح فيك"، وإنما أنت بدن، أي: جيفة ملقاة في ساحل البحر، كما يُلقي البحر الجيف ولا يقبله، ثم لإرادة الاستدامة وشدة اللصوق قيل: (نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ)، وكذلك قال: "وإنما أنت بدن"، أي: لست سوى الجيفة شيئا.
ولو جُعلت الباء للآلة، ليكون على وزان قولك: أخذت بيديك، ونظرته بعينيك؛ إيذاناً بحصول هذا المطلوب البعيد التناول، كما قال: "وكان فرعون أعظم شأناً من أن يغرق"، لكان أيضاً وجهاً.
قوله: (أو ببدنك كاملاً سوياً): يعني: لو اقتصر على قوله: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ) لاحتمل النقصان من قطع رأٍ أو رجل أو يد، فزيد (بِبَدَنِكَ)؛ لرفع ذلك التوهم، فالحال مؤكدة.
قوله: (أو عُرياناً): فالحال لبيان الهيئة الفظيعة كما سبق، ومن ثم جاء بإداة الحصر: "لست إلا بدناً".
стр. 3706
قال عمرو بن معدي كرب:
أَعَاذِلُ صاحبي بَدَنِي وَسَيْفِي … َوكُلُّ مُقَلّصٍ سَلِسُ الْقِيَادِ
وكانت له درع من ذهب يعرف بها.
وقرأ أبو حنيفة ﵀: "بأبدانك"، وهو على وجهين: إما أن يكون مثل قولهم: "هوى بأجرامه"، يعنى: ببدنك كله وافياً بأجزائه. أو يريد: بدروعك؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أعاذل صاحبي بدني وسيفي) البيت: ويُروى: "شكتي بدني"، والشكة: السلاح.
"أعاذل": أصله: أعاذلة، فرس مقلص- بكسر اللام-: أي: مشرف مشمر طويل القوائم، "سلس القياد": سهل القود.
قوله: (هوى بأجرامه): مأوخذ من قوله:
وكم موطن لولاي طحت كما هوى … بأجرامه من قلة النيق منهوي
"طحت": أي: هلكت، "النيق": أرفع موضع في الجبل.
стр. 3707
كأنه كان مظاهراً بينها.
(لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً): لمن وراءك من الناس علامة، وهم بنو إسرائيل، وكان في أنفسهم أن فرعون أعظم شأناً من أن يغرق. وروى أنهم قالوا: "ما مات فرعون ولا يموت أبداً". وقيل: أخبرهم موسى بهلاكه فلم يصدّقوه، فألقاه الله على الساحل حتى عاينوه، وكأن مطرحه كان على ممرّ من بني إسرائيل حتى قيل: (لمن خلفك). وقيل: (لِمَنْ خَلْفَكَ): لمن يأتي بعدك من القرون.
ومعنى كونه آية: أن تظهر للناس عبوديته ومهانته، وأنّ ما كان يدّعيه من الربوبية باطل محال، وأنه - مع ما كان فيه من عظم الشأن وكبرياء الملك - آل أمره إلى ما ترون، لعصيانه ربه ، فما الظنّ بغيره؟ أو لتكون عبرة تعتبر بها الأمم بعدك، فلا يجترئوا على نحو ما اجترأت عليه إذا سمعوا بحالك وبهوانك على الله.
وقرئ: (لمن خلقك)، بالقاف؛ أي: لتكون لخالقك آية كسائر آياته.
ويجوز أن يراد: ليكون طرحك على الساحل وحدك، وتمييزك من بين المغرقين - لئلا يشتبه على الناس أمرك، ولئلا يقولوا لادعائك العظمة: إنّ مثله لا يغرق ولا يموت -: آية من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره، وليعلموا أنَّ ذلك تعمد منه؛ لإماطة الشبهة في أمرك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كان مظاهراً بينها): أي: ليس بعضها فوق بعض، الجوهري: "وظاهر بين ثوبين، أي: طارق بينهما وطابق".
قوله: (وكأن مطرحه كان على ممر بني إسرائيل): أي: على طريقهم الذي كانوا يؤمونه، فهم حينئذ خلفه، وهو قدامهم، لينظروا إليه، ويعتبروا، ويصدقوا قول موسى ﵇، ويشكروا نعمة الخلاص وهلاك العدو.
стр. 3708
[(وَلَقَدْ بَوَّانا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ٩٣]
(مُبَوَّأَ صِدْقٍ): منزلا صالحاً مرضيا، وهو مصر والشام، (فَمَا اخْتَلَفُوا) في دينهم، وما تشعبوا فيه شعباً، إلا من بعد ما قرؤُوا التوراة، وكسبوا العلم بدين الحق، ولزمهم الثبات عليه واتحاد الكلمة، وعلموا أن الاختلاف فيه تفرّق عنه.
وقيل: هو العلم بمحمد ﷺ واختلاف بنى إسرائيل - وهم أهل الكتاب-: اختلافهم في صفته ونعته، وأنه هو أم ليس به. بعدما جاءهم العلم والبيان أنه هو لم يرتابوا فيه، كما قال الله تعالى (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ) [البقرة: ١٤٦، الأنعام: ٢٠].
[(فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ * وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ) ٩٤ - ٩٥].
فإن قلت: كيف قال لرسول الله ﷺ (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ) مع قوله في الكفرة: (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) [هود: ١١٠، فصلت: ٤٥]؟ قلت: فرق عظيم بين قوله (وإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) بإثبات الشك لهم على سبيل التأكيد والتحقيق، وبين قوله (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ) بمعنى الفرض والتمثيل، كأنه قيل: فإن وقع لك شك مثلا، وخيل لك الشيطان خيالا منه تقديراً (فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ).
والمعنى: أن الله قدم ذكر بني إسرائيل -وهم قرأة الكتاب-، ووصفهم بأنّ العلم قد جاءهم، لأنّ أمر رسول الله ﷺ مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فأراد أن يؤكد علمهم بصحة القرآن وصحة نبوّة محمد ﵇، ويبالغ في ذلك،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فأراد أن يُؤكد علمهم بصحة القرآن، وصحة نبوة محمد صلوات الله عليه): يعني: أن قوله: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ)
стр. 3709
فقال: فإن وقع لك شك فرضا وتقديراً، وسبيل من خالجته شبهة في الدين أن يسارع إلى حلها وإماطتها، إما بالرجوع إلى قوانين الدين وأدلته، وإما بمقادحة العلماء المنبهين على الحق، فسل علماء أهل الكتاب، يعنى: أنهم من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك، وقتلها علماً، بحيث يصلحون لمراجعة مثلك ومساءلتهم، فضلا عن غيرك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معناه: أن الذي قصصنا عليك من أخبار بني إسرائيل، وصحة القرآن، وصحة نبوتك: لا شك عندهم، وأنهم في رسوخ العلم فيه والثبات في اليقين، بحيث إن فُرض لك شك، كما تُفرض المحالات، يصح أن تزيل شكك باستخبارك إياهم، مع إنكارهم نبوتك، "والفضل ما شهدت به الأعداء"، وهو المراد من قوله: "وصف الأحبار بالرسوخ في العلم، لا وصف رسول الله ﷺ بالشك فيه".
قوله: (أنهم من الإحاطة): "من": يجوز أن تكون اتصالية، كقولك: أنا منك بفرسخين، أي: أنا منك بمسافة فرسخين، فعلى هذا: "مِن" إلى آخره: خبرُ "أنَّ"، ويجوز أن يكون التقدير: أنهم متمكنون من الإحاطة، و"بحيثُ" إلى آخره: حال، كقوله: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً) [هود: ٧٢]، في أن الخبر لا يتم إلا بالحال، وأن تكون "مِن": ابتدائية، و"بحيث": خبرُ "أنَّ"، و"مِنَ الإحاطة": حال.
قوله: (وقتلها علماً): يُقال: قتلتُ الشيء خُبراً، قال الله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً) [النساء: ١٥٧]، أي: لم يُحيطوا به علماً، قال الحماسي:
يروعك من سعد بن عمرو جسومها … وتزهد فيها حين تقتلها خُبرا
стр. 3710
فالغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى رسول الله، لا وصف رسول الله بالشك فيه.
ثم قال: (لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أي: ثبت عندك بالآيات والبراهين القاطعة أنّ ما أتاك هو الحق الذي لا مدخل فيه للمرية، (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ * وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ) أي: فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك والتكذيب بآيات الله.
ويجوز أن يكون على طريقة التهييج والإلهاب،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يكون على طريقة التهييج): هو عطف على قوله: "فإن وقع لك شك مثلاً".
الأساس: "ومن المجاز: إذا استقل الرجل غضباًن قيل: هاج فيه"، "ويُقال: ألهبته الأمر: أردتُ بذلك تهييجه".
وفائدة هذا الأسلوب أيضاً راجعةٌ إلى الثبات في اليقين، والبعث على طلب المزيد فيه، كما تقول لمن يجتهد في مزاولة أمر، وأنت تريد مزيد بعثه عليه: أراك توانيت عن هذا الأمر وقعدت عنه؛ تريد تهييجه وتحريضه، وإليه الإشارة بقوله: "ولزيادة التثبيت والعصمة"، هذا هو الوجه، وعليه النظم والتأليف، فإنه تعالى لما قال لحبيبه ﷺ تهييجاً وإلهاباً: فإن كُنت في شك أن ما أنزلناه إليك حق، وأنك نبي مرسل، فاسأل أهل الكتاب من الذين آمنوا، فإنهم يشهدون بذلك، والله بجلالته وعظمته أيضاً يشهد، ويؤكد الشهادة بالقسم.
стр. 3711
كقوله: (فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ * وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ) [القصص: ٨٦ - ٨٧]، ولزيادة التثبيت والعصمة، ولذلك قال ﵇ عند نزوله: "لا أشك ولا أسأل، بل أشهد أنه الحق"، وعن ابن عباس: "لا والله، ما شك طرفة عين، ولا سأل أحداً منهم".
وقيل: خوطب رسول الله ﷺ ، والمراد خطاب أمته، ومعناه: فإن كنتم في شك مما أنزلنا إليكم، كقوله: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) [النساء: ١٧٤].
وقيل: الخطاب للسامع ممن يجوز عليه الشك، كقول العرب: إذا عز أخوك فهن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ونظيره قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) [الرعد: ٤٣].
وقوله: (فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ) تفريع على قوله: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ)، وقوله: (وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) تفريع على قوله: (لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ).
قوله: (وعن ابن عباس: لا والله، ما شك طرفة عين، ولا سأل أحداً منهم): فالتعليق بالشرط للفرض، والنهي على التقديرين: إما كناية عن رسوخ أهل الكتاب في معرفة حقية الكتاب والرسول، أو من التهييج والإلهاب، فلا يلزم السؤال. هذا على أن يكون الخطاب لرسول الله ﷺ .
قوله: (إذا عز أخوك فهُنْ): أي: إذا شكست أخلاقه فحسن خلقك، قال الميداني: "قال أبو عبيد: معناه: مياسرتك صديقك ليست بضيم ركبك منه، فتدخلك الحمية به،
стр. 3712
وقيل: "إن" للنفي، أي: فما كنت في شك فسل، يعنى: لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك، ولكن لتزداد يقينا، كما ازداد إبراهيم ﵇ بمعاينه إحياء الموتى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنما هو حُسنُ خلقٍ وتفضل، فإذا عاسرك فياسره، وقال المفضل: إن المثل لهذيل بن هبيرة التغلبي، وكان أغار على بني ضبة، فغنم، فأقبل بالغنائم، فقال له أصحابه: اقسمها بيننا، فقال: إن أخاف إن تشاغلتم بالاقتسام أن يُدرككم الطلب، فأبوا، فعندها قال: إذا عز أخوك فهن، فنزل فقسم".
وعلى هذا الخطاب لكل أحد، كقوله صلوات الله عليه: "بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام"، فإنه أمر لكل من تتأتي منه البشارة.
قوله: (لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك، ولن لتزداد يقينا): كما تقول لصاحبك: أنت على يقين من هذه المسألة، فاسأل أهل العلم ليزداد يقينك. الانتصاف: "لو قال هذا المفسر: إن نفي الشك عنه توطئة للسؤال لتقوم حجته على المسؤولين، لا لمزيد يقين، كما في قوله تعالى: (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ) [الأنعام: ١٢]، لكان أقوم وأسلم".
стр. 3713
وقرئ: "فاسأل الذين يقرؤون الكتب".
[(إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) ٩٦ - ٩٧].
(حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ): ثبت عليهم قول الله الذي كتبه في اللوح، وأخبر به الملائكة؛ أنهم يموتون كفاراً، فلا يكون غيره. وتلك كتابة معلوم لا كتابة مقدّر ومراد، تعالى الله عن ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "فسل"): ابن كثير والكسائي.
قوله: (وتلك كتابة معلوم لا كتابة مقدر): يعني: هو معلوم الله لا مقدره، وعند أهل السنة: هو معلوم الله ومقدره ومُراده تعالى، فعلمه تعالى يوافق تقديره وإرادته، ولا وتجوز المخالفة.
هذه المسألة تُحرك سلسلة القضاء والقدر، فيجب أن يكشف عن بعض أسرارها نصاً ودراية:
أما النص: فهذه الآية، قال الإمام: "وقد احتج أصحابنا على المطلوب".
وأما الدراية: فما رويناه عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود والترمذي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "حاج آدم موسى، قال: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك
стр. 3714
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأشقيتهم، قال: قال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني"، فقال رسول الله ﷺ : "فحج آدم موسى".
وعن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي في حديث عمر ﵁، قال: "أخبرني عن الإيمان"، إلى قوله: "قال: تؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت".
قال التوربشتي: "أن تؤمن بما أخبر الله تعالى أنه عالم بما هم عاملون له، وحاكم بما هم صائرون إليه، ولا يمكن أن يكون خلاف ما علم وما حكم.
أو يُقال: أن تؤمن بما أخبر الله تعالى عن تقدم علمه تعالى بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم، وصدورها عن تقدير منه، وخلقٍ لها، خيرها وشرها". هذا من قول الخطابي، رواه صابح "جامع الأصول".
وقال: "القدر: اسم لما صدر عن فعل القادر، كالهدم والنشر والقبض التي هي أسماء لماي صدر عنفعل الهادم والناشر والقابض، يُقال: قدرت الشيء وقدرت- خفيفة وثقيلة- بمعنى واحد.
والقضاء في هذا: معناها الخلق، كقوله تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) [فصلت: ١٢]، أي: خلقهن، وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم أفعالهم وأكسابهم، ومباشرتهم تلك الأمور، وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقديم إرادة واختيار، فالحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة تلحقهم بها.
стр. 3715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجماع القول في هذا: أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه".
وقال القاضي في "شرح المصابيح": القضاء: هو الإرادة الأزلية والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر: تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها.
وقلت: يمكن أن ينزل على هذا المعنى: ما ذكره المصنف في تفسير قوله تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ) [الرحمن: ٢٩]: "سأل عبد الله بن طاهر الحسين بن فضل، وقال: أشكلتعلي ثلاث آيات: إحداهن: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ) [الرحمن: ٢٩]، وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة؟ وأجاب الحسين: أنها شؤون يبديها، لا شؤون يبتدئها".
وقال العلامة قُطبُ الدين الشيرازي: اعلم أن أفعال العباد تنقسم إلى ما يكون تابعاً لقدرته وإرادته، وإلى ما لا يكون كذلك، مثال الأول: المشي والأكل من الإنسان الصحيح الذي لم يُكره على هذين الفعلين، مثال الثاني: حركة الإنسان إلى أسفل إذا وقع من موضع عالٍ. والقدرة: يُراد بها سلامة آلات الفعل من الأعضاء، ويُراد بها الحالة التي يكون الإنسان عليها وقت صدور الفعل عنهن والأول: يكون قبل الفعل ومعه وبعده، وهي القدرة عند المعتزلة، والثاني: لا يكون إلا مع الفعل، وهي القدرة عند الأشعري، ولا شك أن القدرة بالوجهين لا تكون مقدورة للعبد، بل ربما تكون بعض أسبابها- كالتغذي أو التداوي المقتضين لسلامة الأعضاء - مقدوراً له.
وأما الإرادة فسببها: إما العلمُ بالمصلحة وإما الشهوة وإما الغضب، ولايكون واحدٌ منها
следующие страницы →