← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

(ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا) تعريض بأنهم أحق منه بالنبوة، وأنّ الله لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم، فقالوا: هب أنك واحد من الملأ ومواز لهم في المنزلة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإناء، والأشراف إنما سموا بـ "الملأ" لأنهم أعضاد الملك وأعوانه؛ يدبرون أمور مملكته، قال في "الأساس": "ملأت الإناء، وهو ملآن، وأوعية ملاء، ومن المجاز: نظرت إليه فملأت منه عيني، ومالأه: عاونه، وأصلها المعاونة في الملء، ثم عمت، ومنه: هو مليء بكذا: مضطلع به". فإذن التقدير: الملأ: الأشراف، مأخوذ من قولهم: فلان مليء بكذا، أو من: مالأه: عاونه، أو من: ملأت الإناء، أو من: ملؤ الإناء، لأنهم ملؤوا بكفايات الأمور، أو لأنهم يتمالؤون، أو لأنهم يملؤون القلوب هيبة، أو لأنهم ملاء بالأحلام، فهو من اللف التقديري، والوجه الأول أمتن الوجوه؛ لجعلهم في استقلالهم في الأمور وتمرنهم فيها كالأوعية لها، وإليه الإشارة بقوله: "لأنهم ملؤوا بكفايات الأمور"، ثم الوجه الأخير، لأن المعنى: أنهم لحسن الآراء والتدابير الصائبة ملؤوا بالأمور، قال أبو الطيب: الرأي قبل شجاعة الشجعان … هو أول وهي المحل الثاني قوله: ((مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا) تعريض بأنهم أحق منه بالنبوة): يعني: أننا في البشرية سواء، ولنا المزية بكوننا شرفاء عظماء، لأن القائلين الملأ الذين يملؤون القلوب هيبة والمجالس أبهة، نحوه قولهم: (لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: ٣١]. قوله: (فقالوا: هب أنك واحد من الملأ، ومواز لهم في المنزلة): تنبيه على مكان

стр. 3782

فما جعلك أحق منهم؟ ألا ترى إلى قولهم: (وما نرى لكم علينا من فضل)؟ أو أرادوا أنه كان ينبغي أن يكون ملكا لا بشر. والأراذل جمع الأرذل، كقوله: (أَكابِرَ مُجْرِمِيها) [الأنعام: ١٢٣]، «أحاسنكم أخلاقاً». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التعريض والتفكر في استحقاقهم لها دونه؛ لتنزلهم عن مراتبهم، قال الحريري: "يقولون: هب أني فعلت، وهب أنه فعل، والصواب: إلحاق الضمير المتصل به، فيقال: هبني فعلت، وهبه فعل، قال أبو دهبل الجمحي: هبوني امرأ منكم أضل بعيره … له ذمة إن الذمام كثير ومعنى "هبني": أي: عدني واحسبني، فكان فيه معنى الأمر من: وهب". قوله: (كان ينبغي أن يكون ملكاً، لا بشراً): يعني: دل قوله: (وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) على أن مطلق الأفضلية مطلوب في الرسالة، ونحن وأنت مستوون في البشرية، لا فضل لأحد الفريقين على الآخر، فينبغي أن تكونوا من جنس هو أفضل من البشر، لتختصوا بها دوننا، وليس ذلك إلا الملكية، ففيه اعتزال خفي، والمقام يدفعه. قوله: (والأراذل: جمع الأرذل، كقوله تعالى: (أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا)): أراد أنه جمع اسم التفضيل مضافاً، كما في الآية، وفي الحديث النبوي: "ألا أخبركم بأحبكم إلي، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقاً"، أخرجه الترمذي عن جابر.

стр. 3783

وقرئ: (بادى الرأي)، بالهمز وغير الهمز، بمعنى: اتبعوك أوّل الرأي: أو ظاهر الرأي، وانتصابه على الظرف، أصله: وقت حدوث أوّل رأيهم، أو وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه. أرادوا: أنّ اتباعهم لك إنما هو شيء عنّ لهم بديهة من غير روية ونظر، وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية، لأنهم كانوا جهالاً ما كانوا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال، كما ترى أكثر المتسمين بالإسلام يعتقدون ذلك ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم، ولقد زلّ عنهم أن التقدّم في الدنيا لا يقرب أحداً من الله وإنما يبعده، ولا يرفعه بل يضعه، فضلا أن يجعله سبباً في الاختيار للنبوّة والتأهيل لها! على أن الأنبياء ﵈ بعثوا مرغبين في طلب الآخرة ورفض الدنيا، مزهدين فيها، مصغرين لشأنها وشأن من أخلد إليها، فما أبعد حالهم من الاتصاف بما يبعد من الله، والتشرف بما هو ضعة عند الله ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قرئ: (بَادِي الرَّايِ) بالهمز وغير الهمز): بالهمز: أبو عمرو وحده، قال أبو علي: "من لم يهمز أراد: فيما بدا من الرأي وظهر، ومن همز أراد: أول الرأي ومبدأه، والمعنى على الأول: ما اتبعك إلا الأراذل فيما ظهر لهم من الرأي، أي: لم يعقبوه بنظر فيه، وعلى الثاني: اتبعوك في أول الرأي من غير أن يتبعوا الرأي بفكر وروية، والكلمتان متقاربتان معنى". وقال أبو البقاء: " (بَادِي): ظرف، وجاء على "فاعل" كما جاء على "فعيل"، نحو: قريب وبعيد، والعامل: (مَا نَرَاكَ)، أي: نراك فيما يظهر لنا من الرأي، أو في أول أمرنا،

стр. 3784

(مِنْ فَضْلٍ) من زيادة شرف علينا تؤهلكم للنبوّة، (بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ) فيما تدّعونه. [(قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ* وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ* وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ* وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ* قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَاتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)]. (أَرَأَيْتُمْ): أخبرونى (إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ): على برهان (مِنْ رَبِّي) وشاهدٍ منه يشهد بصحة دعواي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ بإيتاء البينة على أن البينة في نفسها هي الرحمة، ويجوز أن يريد بـ"البينة": المعجزة، وبـ"الرحمة": النبوّة. فإن قلت: فقوله (فَعُمِّيَتْ) ظاهر على الوجه الأوّل، فما وجهه على الوجه الثاني؟ وحقه أن يقال فعميتا؟ قلت: الوجه أن يقدّر "فعميت بعد البينة"، وأن يكون ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أو العامل: (اتَّبَعَكَ)، أي: اتبعوك في أول الرأي فيما ظهر منه من غير أن يبحثوا"، وهو المراد من قول المصنف: "أرادوا أن اتباعهم لك إنما هو شيء عن لهم بديهة"، والوجه الأول لأبي البقاء بعيد، وليس المعنى عليه. قوله: (على أن البينة في نفسها هي الرحمة): فعلى هذا العطف من باب: أعجبني زيد وكرمه، لأن كونه ﵇ على برهان من ربه لم يكن إلا بإيتاء الله له ما يشهد بصحة دعواه من المعجزة، وهو الرحمة بعينه، فلما كان المراد من البينة هذا فسر بقوله: (وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ)، ولذلك أفرد الضمير في قوله: (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ).

стр. 3785

حذفه للاقتصار على ذكره مرة: ومعنى "عميت" خفيت. وقرئ: (فعميت) بمعنى: أخفيت. وفي قراءة أُبي: "فعماها عليكم". فإن قلت: فما حقيقته؟ قلت: حقيقته أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء، لأنّ الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره، فمعنى فعميت عليكم البينة فلم تهدكم، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هادٍ. فإن قلت: فما معنى قراءة أُبيّ؟ قلت: المعنى: أنهم صمموا على الإعراض عنها، فخلاهم الله وتصميمهم، فجعلت تلك التخلية تعمية منه، والدليل عليه قوله (أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ) يعني أنكرهكم على قبولها ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: (فَعُمِّيَتْ)): حفص وحمزة والكسائي بالتشديد وضم العين. قوله: (فما حقيقته؟ ): أي: فما تحقيق نسبة العمى إلى البينة؟ وأجاب: أن النسبة واردة على طريق الاستعارة، يدل عليه قوله: "فعميت عليكم البينة فلم تهدكم، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد"، وقد ورد عكسه في قوله تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) [الإسراء: ٥٩]، أي: آية مبصرة، أي: كما جاءت هذه النسبة، كذلك ما نحن بصدده. قوله: (فما معنى قراءة أبي؟ ): "فعماها عليكم"؛ حيث أسند إلى الله تعالى، وهو قبيح على مذهبه. قوله: (والدليل عليه): أي: على أن المراد التخلية وعدم الإكراه، والإنكار في قوله: (أَنُلْزِمُكُمُوهَا) بمعنى: أنكرهكم على قبولها.

стр. 3786

ونقسركم على الاهتداء بها، وأنتم تكرهونها ولا تختارونها، ولا إكراه في الدين؟ ! وقد جيء بضميري المفعولين متصلين جميعاً. ويجوز أن يكون الثاني منفصلاً، كقولك: أنلزمكم إياها. ونحوه: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ) [البقرة: ١٣٧] ويجوز: فسيكفيك إياهم. وحُكي عن أبي عمروٍ إسكان الميم. ووجهه أنّ الحركة لم تكن إلا خلسة خفيفة، فظنها الراوي سكوناً. والإسكان الصريح لحن عند الخليل وسيبويه وحذاق البصريين، لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ طرحها إلا في ضرورة الشعر. والضمير في قوله: (لا أَسْئَلُكُمْ) راجع إلى قوله لهم: (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما تقريره على مذهب أهل السنة: قال نوح ﵇: إذا كان الله تعالى عماها عليكم فلابد لكم من الكراهية، فكيف ألزمكم عليه إذن، وقريب منه في المعنى قول نوح أيضاً: (وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) [هود: ٣٤]. قوله: (وحكي عن أبي عمرو): أي: على طريق شاذ، والخلسة- بالضم-: اسم من: خلست الشيء إذا سلبته. قوله: (لا يسوغ [طرحها] إلا في ضرورة الشعر): نحو قوله: فاليوم أشرب غير مستحقب

стр. 3787

وقرئ: "وما أنا بطارد الذين آمنوا" بالتنوين على الأصل. فإن قلت: ما معنى قوله (إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ)؟ قلت: معناه أنهم يلاقون الله فيعاقب من طردهم. أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان صحيح ثابت- كما ظهر لي منهم وما أعرف غيره منهم- أو على خلاف ذلك مما تقرفونهم به من بناء إيمانهم على بادئ الرأي من غير نظر وتفكر. وما عليّ أن أشق عن قلوبهم وأتعرّف سر ذلك منهم حتى أطردهم إن كان الأمر كما تزعمون، ونحوه: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) الآية [الأنعام: ٥٢]، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ استحقبه: احتمله، ومنه قيل: أحقب فلان الإثم. قوله: (أو على خلاف ذلك): عطف على قوله: "على ما في قلوبهم من إيمان صحيح"، يعني: أنكم تزعمون أنهم ليسوا على صحة من الإيمان واليقين فأطردهم، وليس ذلك إلي، فأنا أنظر إلى ظاهر الحال، إن حسابهم إلا على ربي، فهو كما علل الله نهي الطرد في قوله: (وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) بقوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) إلى قوله: (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ) [الأنعام: ٥٢]، وإليه الإشارة بقوله: "ونحوه: (وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) ". قوله: (أن أشق عن قلوبهم): ضمن "شق" معنى "كشف"، وعداه تعديته، أي: ما علي أن أكشف عما في قلوبهم شقاً، يدل عليه الحديث: "هلا شققت قلبه".

стр. 3788

أو: هم مصدقون بلقاء ربهم موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة. (تَجْهَلُونَ): تتسافهون على المؤمنين وتدعونهم أراذل، من قوله: أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا أو تجهلون بلقاء ربكم. أو تجهلون أنهم خير منكم. (مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ): من يمنعني من انتقامه (إِنْ طَرَدْتُهُمْ)، وكانوا يسألونه أن يطردهم ليؤمنوا به، أنفةً من أن يكونوا معهم على سواء. (أَعْلَمُ الْغَيْبَ) معطوفٌ على (عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ) أي: لا أقول عندي خزائن الله، ولا أقول: أنا أعلم الغيب. ومعناه: لا أقول لكم: عندي خزائن الله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو: هم مصدقون): جواب آخر، يعني: تزعمون أنهم ما آمنوا على بصيرة منهم، فأطردهم، أي: ما أطردهم لأنهم فازوا بأعلى درجات الإيقان، وحازوا قطري الإيمان، حيث أيقنوا بلقاء الله في الدار الآخرة. قوله: (ألا لا يجهلن أحد علينا): تمامه: فنجهل فوق جهل الجاهلينا أي: لا يسفهن أحد علينا، فنسفه عليهم فوق سفههم، أي: نجازيهم بسفههم جزاء وافياً، سمى جزاء الجهل جهلاً للمشاكلة. قوله: (ومعناه: لا أقول لكم: عندي خزائن الله) إلى آخر تفسير هذه الآية: إعلام بأنها تضمنت أجوبة عن شبه أوردها القوم في الطعن في نبوة نوح ﵇ في الآية المتقدمة، وهي قوله: (فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) الآية [هود: ٢٧].

стр. 3789

فأدعي فضلاً عليكم في الغنى، حتى تجحدوا فضلى بقولكم: (وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ)، ولا أدعي علم الغيب حتى تنسبوني إلى الكذب والافتراء، أو حتى أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) حتى تقولوا لي ما أنت إلا بشر مثلنا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أولها: قالوا: (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا) [هود: ٢٧]، أرادوا: أنك لست ملكاً حتى تكون رسولاً، ولئن سلم عدم استحالة الرسالة للبشر لم تكن أنت أحق بها منا، وذلك أنهم جزموا على أن الرسالة مقصورة على الملكية، وحين ادعاها استبعدوها وأنكروها، ولذلك أجابوه بما يجاب به المنكر من إيتاء (مَا) و (إِلَّا)، وأجاب عنه بقوله: (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ)، يعني: مع أني أدعي النبوة لا أدعي الملكية، لأن البشرية غير قادحة في النبوة، لأن من حق الرسول أن يباشر أمته بالدليل والحجة، ثم بالهداية إلى طريق الحق، لا بالصورة والخلقة، فمن كان كذلك كان أحق بالنبوة كائناً من كان، وإليه الإشارة بقوله: (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) حتى تقولوا لي: ما أنت إلا بشر مثلنا. وثانيها: قالوا: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا) [هود: ٢٧]، يعني: لو كنت نبياً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم، وأجاب بقوله: (وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْراً)، يعني: ليس الشرف والرفعة بالحسب والمال، بل الشرف إنما يحصل بإيتاء الله العبد خير الدارين بسبب الإيمان والإخلاص، كقوله تعالى: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الأنعام: ٥٢، والكهف: ٢٨]، وإليه الإشارة بقوله: "إن الله لن يؤتيهم خيراً في الدنيا والآخرة لهوانهم عليه". وثالثها: قالوا: (وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) [هود: ٢٧]، أي: مال وجاه، يعني: لو كنت صادقاً لكنت شريفاً حسيباً، وكأن الأشرف عندهم من له جاه ومال، وأجاب بقوله: (وَلَا

стр. 3790

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ)، يعني: ماأثبت دعواي بكوني ذا مال وحسب لتتبعوني، بل ما جئت إلا لرفض الدنيا جاهها ومالها، لأنهما سببا الطغيان، وإليه الإشارة بقوله: "لا أدعي فضلاً عليكم في الغنى حتى تجحدوا فضلي". ورابعها: قالوا: (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) [يونس: ٢٧]، يعني: اتباع هؤلاء الأراذل الذين من صفتهم أنهم جهلاء يسرعون في متابعتك بديهاً من غير فكر وروية، وقبولك إياهم من غير أن تطلع على حالهم وتعرف سرهم: أمارات منصوبة على كونكم كاذبين. وأجاب بقوله: (وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ)، يعني: ما علي أن أعلم الغيب حتى أطلع على ما في ضمائر أتباعي، فإن الأنبياء إنما يجرون الأحكام على ظواهرها، والله متولي السرائر، وإليه الإشارة بقوله: "حتى أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائرهم". فإن قلت: إن كانت هذه الآية جواباً عن الشبه التي تضمنت تلك الآية، فما تلك الآيات الثلاث التي توسطت بينهما؟ قلت- والله أعلم-: هي مقدمة وتمهيد للجواب، فإن قوله: (يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) إثبات لنبوته، يعني: ما قلت لكم: (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ) [هود: ٢٥ - ٢٦] إلا عن تقدمة بينة على إثبات نبوتي وصحة دعواي، لكن خفيت عنكم وعميت حتى أوردتم تلك الشبهة الواهية، ومع ذلك ليس نظري فيما ادعيت إلا إلى الهداية، وأني لا أطمع أجراً، حتى ألازم الأغنياء منكم، وأطرد الفقراء، وأنتم تجهلون هذا المعنى حيث تقولون: اطرد الفقراء! وأن الله ما بعثني إلا في الترغيب في طلب الآخرة ورفض الدنيا، فمن ينصرني إن كنت أخالف ما جئت به، ثم شرع في الجواب على سبيل التفصيل، كما سبق. ولما أطنب نبي الله في الجواب بتمهيد المقدمة، وأفحمهم بذلك التفصيل، وألقمهم الحجر، قالوا: (يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) [هود: ٣٢].

стр. 3791

ولا أحكم على من استرذلتم من المؤمنين - لفقرهم- أن الله لن يؤتيهم خيراً في الدنيا والآخرة لهوانهم عليه، كما تقولون، مساعدة لكم ونزولاً على هواكم. (إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) إن قلت شيئاً من ذلك، والازدراء: افتعال من زرى عليه إذا عابه. وأزرى به: قصر به، يقال ازدرته عينه، واقتحمته عينه. [(قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادْلتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَاتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْصَّادِقِينَ)]. (جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا) معناه: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته، كقولك: جاد فلان فأكثر وأطاب (فَاتِنا بِما تَعِدُنا) من العذاب المعجل. [(قالَ إِنَّما يَاتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ* وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (استرذلتم من المؤمنين): تفسير لقوله: (تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ)، قال القاضي: "إسناد الازدراء إلى الأعين للمبالغة والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادي الرأي من غير روية وبما عاينوا من رثاثة حالهم وقلة منالهم دون تأمل في معانيهم وكمالاتهم". وقلت: هذا التفسير ما أحسنه طباقاً لقولهم: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّايِ). قوله: (جاد فلان فأكثر): كقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ) [النحل: ٩٨].

стр. 3792

(إِنَّما يَاتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ) أي: ليس الإتيان بالعذاب إليّ، إنما هو إلى من كفرتم به وعصيتموه (إِنْ شاءَ) يعني إن اقتضت حكمته أن يعجله لكم. وقرأ ابن عباس ﵁: "فأكثرت جدلنا". فإن قلت: ما وجه ترادف هذين الشرطين؟ قلت: قوله: (إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ): جزاؤه ما دلّ عليه قوله (لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي)، وهذا الدال في حكم ما دلّ عليه، فوصل بشرط كما وصل الجزاء بالشرط في قولك: إن أحسنت إليّ أحسنت إليك إن أمكننى. فإن قلت: فما معنى قوله (إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ)؟ قلت: إذا عرف الله من الكافر الإصرار فخلاه وشأنه ولم يلجئه، سمى ذلك إغواءً وإضلالاً، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرأ ابن عباس: "فأكثرت جدلنا"): قال ابن جني: "الجدل: اسم بمعنى الجدال والمجادلة، والجدال: هو الاقتواء على خصمك بالحجة، قال تعالى: (وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) [الكهف: ٥٤]، أي: مغالبة بالقول وتقوياً". قوله: (وهذا الدال في حكم ما دل عليه): يعني: قوله: (إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) جزاؤه محذوف، وقوله: (وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي) دال عليه، فيقدر له مثله، ثم هذا الدال على حكم المدلول- أي: الجزاء- على التوسع، لأن الجزاء لا يتقدم على الشرط. قوله: (فوصل): أي قيد ما هو في حكم الجزاء وساد مسده بشرط، وهو قوله: (إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ)، كما قيد جزاء قولك: "إن أحسنت إلي أحسنت إليك إن أمكنني"- وهو "أحسنت" الثاني- بالشرط الثاني، وهو "إن أمكنني"، فصار التقدير: إن كان الله يريد

стр. 3793

كما أنه إذا عرف منه أنه يتوب ويرعوى فلطف به: سمى إرشاداً وهداية. وقيل: (أَنْ يُغْوِيَكُمْ): أن يهلككم؛ من غوىً الفصيل غوىً: إذا بشم فهلك، .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن يغويكم لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم. قال الإمام: "هذا الشرط المؤخر في اللفظ مقدم في الوجود، فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، كان المفهوم أن ذلك الطلاق من لوازم الدخول، فإذا قال بعده: إن أكلت الخبز، كان المعنى: أن تعلق الجزاء بذلك الشرط الأول مشروط بحصول الشرط الثاني، والشرط مقدم على المشروط في الوجود، فعلى هذا إن حصل الشرط الثاني تعلق الجزاء بذلك الشرط الأول، وإن لم يحصل الثاني لم يتعلق الجزاء بذلك الشرط الأول". وقال في "الانتصاف": "ونظيره قول القائل: أنت طالق إن شربت إن أكلت، وهي مسألة اعتراض الشرط، والمنقول عن الشافعية أنها إن شربت ثم أكلت لم يحنث، وإن أكلت ثم شربت حنث، وهذا الفرق مبناه على جعل الجزاء للشرط الأخير لا الذي يليه، ثم جعلهما معاً جزاء للشرط الأول، وعليه إعراب الزمخشري هذه الآية". وقال القاضي: "هذا جواب لما أوهموا من أن جداله كلام بلا طائل، وفيه دليل على أن إرادة الله يصح تعليقها بالإغواء، وأن خلاف مراده محال". قوله: (إذا بشم)، الجوهري: "البشم: التخمة، وبشم الفصيل من كثرة شرب اللبن".

стр. 3794

ومعناه: أنكم إذا كنتم من التصميم على الكفر بالمنزلة التي لا تنفعكم معها نصائح الله ومواعظه وسائر ألطافه، كيف ينفعكم نصحى؟ (فَعَلَىَّ إِجْرامِي) و"إجرامي" بلفظ المصدر والجمع، كقوله: (والله يعلم إسرارهم) [محمد: ٢٦] و"أسرارهم". ونحو: جرم وأجرام قفل وأقفال. وينصر الجمع أن فسره الأولون بـ"آثامي". والمعنى: إن صح وثبت أنى افتريته، فعليّ عقوبة إجرامي، أي: افترائى. وكان حقي حينئذ أن تعرضوا عنى وتتألبوا علىّ (وَأَنَا بَرِيءٌ) يعنى ولم يثبت ذلك وأنا بريء منه. ومعنى (مِمَّا تُجْرِمُونَ): من إجرامكم في إسناد الافتراء إلىّ فلا وجه لإعراضكم ومعاداتكم. [(وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ* وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فَعَلَيَّ إِجْرَامِي) و"أجرامي"): بكسر الهمزة على المصدر وبفتحها على الجمع، والفتح شاذ، والأسلوب من باب الاستدراج والكلام المنصف، وهو في شأن الرسول ﷺ ، قال الإمام: "وأكثر المفسرين على أنه من كلام نوح ﵇، وقال مقاتل: هذه الآية وقعت في قصة محمد ﷺ في أثناء قصة نوح"، وقال الإمام: "وهو بعيد جداً". وقلت: سبق في بيان النظم عند قوله: (فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) [هود: ١٣] أنه في شأن رسول الله ﷺ . قوله: (وتتألبوا علي)، الجوهري: "وألبت الجيش: جمعته، وتألبوا: اجتمعوا".

стр. 3795

(لَنْ يُؤْمِنَ) إقناط من إيمانهم، وأنه كالمحال الذي لا تعلق به للتوقع، (إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ): إلا من قد وجد منه ما كان يتوقع من إيمانه، و (قد) للتوقع وقد أصابت محزها (فَلا تَبْتَئِسْ) فلا تحزن حزن بائس مستكين. قال: مَا يَقْسِمُ اللَّهُ فَاقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ … مِنْهُ وَاقْعُدْ كَرِيماً نَاعِمَ الْبَالِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و (قَدْ) للتوقع، وقد أصابت محزها): حيث طابقت (لَن)، لأنهما كالمتضادين. قوله: (فلا تحزن حزن بائس): بئس الرجل يبأس بؤساً وبأساً: اشتدت حاجته. "مستكين": من الاستكانة، وهي الخضوع. قوله: (ما يقسم الله) البيت: لأحيحة بن الجلاح، "ما"- في "ما يقسم"-: شرطية، و"أقبل" مجزوم على الجزاء، وهو حكاية عن نفسه، وكذلك "وأقعد"، يقول: أنا راض بما قسم الله تعالى لي غير حزين على ما فات مني، وأقعد ناعم البال طيب القلب، ونحوه في الألفاظ النبوية: "واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك"، وقال القائل: سيكون ما هو كائن في وقته … وأخو الجهالة متعب محزون

стр. 3796

والمعنى: فلا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك ومعاداتك، فقد حان وقت الانتقام لك منهم. (بِأَعْيُنِنا) في موضع الحال، بمعنى: اصنعها محفوظاً، وحقيقته: ملتبساً بأعيننا، كأن لله معه أعينا تكلؤه أن يزيغ في صنعته عن الصواب، وأن لا يحول بينه وبين عمله أحد من أعدائه. (ووحينا): وأنا نوحي إليك ونلهمك كيف تصنع، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فقد حان وقت الانتقام): يعني: قوله تعالى: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ) إيذان بمعنى المتاركة، أي: أنك- يا نوح- قد أنذرت وأبلغت وأديت ما عليك، فلا عليك منهم شيء، (فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)، وذرني والمكذبين، فقد حان وقت الانتقام. قوله: (كأن لله معه أعيناً تكلؤه): أي: رقباء تحفظه، وهو من باب التجريد، دل عليه "الباء" في (بِأَعْيُنِنَا)، وهذا من أبلغ أنواع التجريد، لأنهم ينتزعون من نفس الشيء آخر مثله في صفته؛ مبالغة لكمالها فيه، قال ابن جنيك أنشد أبو علي: أفاءت بنو مروان ظلماً دماءنا … وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل وأنشد المصنف: وفي الرحمن للضعفاء كاف ها هنا جرد من ذاته المهيمن جماعة الرقباء، وهو الرقيب نفسه.

стр. 3797

عن ابن عباس ﵁: لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر (وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا): ولا تدعني في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ): إنهم محكوم عليهم بالإغراق، وقد وجب ذلك وقضي به القضاء وجف القلم، فلا سبيل إلى كفه، كقوله: (يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) [هود: ٧٦]. [(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ* فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَاتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ)]. (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) حكاية حالٍ ماضية (سَخِرُوا مِنْهُ) ومن عمله السفينة، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (جؤجؤ الطائر)، الجوهري: "جؤجؤ الطائر والسفينة: صدرهما، والجمع: الجآجئ". قوله: (وقد وجب ذلك، وقضي به القضاء، وجف القلم، فلا سبيل إلى كفه): هذه التوكيدات يوجبها إخباره تعالى إياه ﵇ بقوله: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ)؛ إقناطاً من إيمانهم، ثم نهيه بقوله: (وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) المشتمل على علة الإهلاك، لوضع المظهر موضع المضمر، مع أنه ﵇ لم يتوقع منه الاستشفاع فيهم

стр. 3798

وكان يعملها في بريةٍ بهماء في أبعد موضع من الماء، وفي وقتٍ عزَّ الماء فيه عزةً شديدة، فكانوا يتضاحكون ويقولون له: يا نوح، صرت نجاراً بعد ما كنت نبياً (فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ) يعني: في المستقبل (كَما تَسْخَرُونَ) منا الساعة، أي: نسخر منكم سخريةً مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة. وقيل: إن تستجهلونا فيما نصنع فإنا نستجهلكم فيما أنتم عليه من الكفر والتعرّض لسخط الله وعذابه، فأنتم أولى بالاستجهال منا، أو: إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم، لأنكم لا تستجهلون إلا عن جهل بحقيقة الأمر، وبناءً على ظاهر الحال، كما هو عادة الجهلة في البعد عن الحقائق. وروي أنّ نوحًا ﵇ اتخذ السفينة في سنتين، وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة بطون، فحمل في البطن الأسفل: الوحوش والسباع والهوام، وفي ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد ما سبق منه من الدعاء عليهم: (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً) [نوح: ٢٦]، لكن جيء به لما عسى أن تدخله أريحية الرحم، ويؤكد ذلك إيقاع قوله: (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) جواباً لسائل، وتأكيده بـ "إن". قوله: (في برية بهماء): البهماء: الفلاة التي لا يهتدى لطرقها، ولا ماء فيها، ولا علم بها. قوله: (إن تستجهلونا فيما نصنع، فإنا نستجهلكم فيما أنتم عليه من الكفر): سمى سخريتهم استجهالاً، لأن السخرية في مثل هذا المقام من باب السفه والجهل، لأنها التعرض لسخط الله وعذابه، نحوه جواب موسى ﵇: (أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ) [البقرة: ٦٧] عن قولهم: (أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً)، وهو من إطلاق المسبب على السبب.

стр. 3799

البطن الأوسط: الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد، وحمل معه جسد آدم ﵇ وجعله معترضاً بين الرجال والنساء. وعن الحسن: كان طولها ألفاً ومئتي ذراع، وعرضها ست مئة. وقيل: إنّ الحواريين قالوا لعيسى ﵇: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة يحدّثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفاً من ذلك التراب فقال: أتدرون من هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: هذا كعب بن حام. قال: فضرب الكثيب بعصاه فقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه، وقد شاب فقال له عيسى ﵇: أهكذا أهلكت؟ قال لا، مُت وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت. قال: حدّثنا عن سفينة نوح. قال: كان طولها ألف ذراع ومئتي ذراع، وعرضها ست مئة ذراع، وكانت ثلاث طبقات: طبقة للدواب والوحوش، وطبقة للإنس، وطبقة للطير، ثم قال له: عُد بإذن الله كما كنت، فعاد تراباً. (مَنْ يَاتِيهِ) في محل النصب بـ (تعلمون)، أي: فسوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يخزيه، ويعني به إياهم، ويريد بـ"العذاب": عذاب الدنيا وهو الغرق (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ) حلول الدين والحق اللازم الذي لا انفكاك له عنه (عَذابٌ مُقِيمٌ) وهو عذاب الآخرة. [(حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ* وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حلول الدين): نصب على المصدر، وفيه أن في الكلام استعارة إما تبعية أو مكنية، شبه حكم الله بقوله: (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) في قضائه بالدين ولزومه.

стр. 3800

(حَتَّى) هي التي يبتدأ بعدها الكلام، دخلت على الجملة من الشرط والجزاء. فإن قلت: وقعت غايةً لماذا؟ قلت: لقوله: (ويصنع الفلك) [هود: ٣٨]، أى: وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد. فإن قلت: فإذا اتصلت (حتى) بـ"يصنع"، فما تصنع بما بينهما من الكلام؟ قلت: هو حال من "يصنع"، كأنه قال: يصنعها والحال أنه كلما مرّ عليه ملأ من قومه سخروا منه. فإن قلت: فما جواب "كلما"؟ قلت: أنت بين أمرين: إما أن تجعل (سَخِرُوا) [هود: ٣٨] جواباً، و (قالَ) استئنافاً، على تقدير سؤال سائل. أو تجعل (سَخِرُوا) بدلاً من (مَرَّ) أو صفة لـ (مَلَأٌ)، و (قالَ) جواباً. (وَأَهْلَكَ) عطفٌ على (اثنين)، وكذلك (وَمَنْ آمَنَ) يعني: واحمل أهلك والمؤمنين من غيرهم. واستثنى من أهله من سبق عليه القول أنه من أهل النار، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو تجعل (سَخِرُوا) بدلاً من (مَرَّ)): بدل الاشتمال، يعني: أن مرورهم كان ملتبساً بالسخرية، بدليل تصدير الجملة بـ "كلما". قوله: ((وَأَهْلَكَ) عطف على (اثْنَيْنِ)): هذا إذا قرئ: "كل زوجين" بالإضافة، وهي قراءة الجماعة إلا حفصاً، فإنه قرأه بتنوين "كل" ها هنا وفي المؤمنين، قال أبو البقاء: "من قرأ "كل" بالإضافة: فمفعول (احْمِلْ): (اثْنَيْنِ)، أي: احمل فيها اثنين من كل زوج، و"من كل زوجين": حال، لأنه صفة نكرة قدم عليها، ومن قرأ بالتنوين: فمفعول (احْمِلْ): (زَوْجَيْنِ)، و (اثْنَيْنِ): توكيد له، و (مِنْ كُلٍّ) على هذا: يجوز أن يتعلق بـ (احْمِلْ)، وأن يكون حالاً، والتقدير: من كل شيء أو صنف".

стр. 3801

وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر، لا لتقديره عليه وإرادته به، تعالى الله عن ذلك. قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته. (إِلَّا قَلِيلٌ) روي عن النبي ﷺ أنه قال: «كانوا ثمانية: نوح وأهله، وبنوه الثلاثة، ونساؤهم» وعن محمد بن إسحاق: كانوا عشرة: خمسة رجالٍ وخمس نسوة. وقيل كانوا اثنين وسبعين رجلاً وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث، ونساؤهم. فالجميع ثمانية وسبعون: نصفهم رجال ونصفهم نساء. ويجوز أن يكون كلاماً واحداً وكلامين: فالكلام الواحد: أن يتصل (بِسْمِ اللَّهِ) بـ (اركبوا) حالاً من الواو، بمعنى: اركبوا فيها مسمين الله. أو قائلين "بسم الله" وقت إجرائها ووقت إرسائها، إما لأن "المجرى" و"المرسى" للوقت، وإما لأنهما مصدران كالإجراء والإرساء، حذف منهما .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الزجاج: الزوج في كلامهم: واحد، والاثنان يقال لهما: زوجان، تقول: عندي زوجان من الطير، تريد: ذكراً أو أنثى فقط. قوله: (وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر، لا لتقديره عليه وإرادته): هذا المعنى قد تكرر في كلامه بناءً على قاعدته، وقد ناقض صريحاً حيث أثبت القضاء والقدر قبل هذا في قوله: "قد وجب ذلك، وقضي به، وجف القلم"، وقد نفاه ها هنا، ويأبى الله إلا إظهار الحق، والله أعلم. قوله: (خمسة رجال وخمس نسوة): مرفوع؛ بدل من الواو في "كانوا".

стр. 3802

الوقت المضاف، كقولهم خفوق النجم، ومقدم الحاج. ويجوز أن يراد مكانا الإجراء والإرساء، وانتصابهما بما في (بِسْمِ اللَّهِ) من معنى الفعل، أو بما فيه من إرادة القول. والكلامان: أن يكون (بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها) جملة من مبتدأٍ وخبر مقتضبة، أي: بسم الله إجراؤها وإرساؤها. يروى: أنه كان إذا أراد أن تجرى قال: "بسم الله" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومقدم الحاج): هو أيضاً يحتمل الأمرين؛ المصدر واسم الزمان، والمصدر هو المراد في الاستشهاد. قوله: (وانتصابهما): أي: (مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا)، سواء كانا في معنى الوقت أو المكان بما ذكر، ولا يجوز أن ينتصبا بـ (ارْكَبُوا) في وقت الإجراء والإرساء أو في مكانهما، وإنما المعنى: اركبوا الآن متبركين باسم الله في الوقتين اللذين لا ينفك الراكبون فيهما من الإجراء والإرساء. قوله: (مقتضبة): أي: مرتجلة مقتطعة غير متصلة بما قبلها، الأساس: "ومن المجاز: اقتضب الكلام: ارتجله، وكان يحدثنا فلان فجاء زيد فاقتضب حديثه، أي: انتزعه واقتطعه". والاقتضاب عرفاً: الخروج من كلام إلى آخر لا علاقة بينهما، ويقابله التخلص، وهو الخروج إلى آخر برابطة مناسبة، ولا مناسبة بين الأمر بالركوب وبين الإخبار بأن مجرى السفينة بذكر اسم الله ومرساها؛ للإنشائية والخبرية، فوجب القطع، قال الشاعر: وقال رائدهم: أرسوا نزاولها … فكل حتف امرئ يجري لمقدار

стр. 3803

فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال: بسم الله فرست. ويجوز أن يقحم الاسم، كقوله: .. ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا ويراد: بالله إجراؤها وإرساؤها، أي: بقدرته وأمره. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن يقحم الاسم)، الانتصاف: "فر بهذا القول من أن الاسم هو المسمى، ولو اعتقد ذلك لما جعله مقحماً"، وقد سبق القول فيه بالتفصيل في أول البقرة عند قوله: (أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) [البقرة: ٣٣]. قوله: (ثم اسم السلام عليكما): تمامه: فقوما وقولا بالذي قد عرفتما … ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا الشعر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما … ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر قاله لبيد بن ربيعة العامري؛ يوصي ابنتيه حين حضرته الوفاة بالندبة عليه قولاً. قوله: (ويراد: بالله إجراؤها وإرساؤها): أي: بقدرته، أي: يجوز الإقحام على إرادة تقدير قدرة الله، ومفهومه أنه لا يجوز الإقحام على تقدير: "مسمين" أو "قائلين"، إذ لا معنى لقولنا: قائلين بالله، هذا على تقدير المصدر، وأما على تقدير الزمان أو المكان فيكون من باب قولهم: نهاره صائم، وطريق سائر. هذا التقدير يجوز تنزله على كلام واحد وعلى كلامين أيضاً.

стр. 3804

وقرئ مَجْراها وَمُرْساها بفتح الميم، من جرى ورسى، إما مصدرين أو وقتين أو مكانين. وقرأ مجاهد: "مجريها ومرسيها" بلفظ اسم الفاعل، مجروري المحل، صفتين لله. فإن قلت: ما معنى قولك: جملة مقتضية؟ قلت: معناه: أن نوحاً ﵇ أمرهم بالركوب، ثم أخبرهم بأن مجراها ومرساها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته. ويحتمل أن تكون غير مقتضية بأن تكون في موضع الحال كقوله: وَجَاؤُونَا بِهِمْ سَكَرٌ عَلَينَا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مجراها ومرساها): بفتح الميم: حمزة والكسائي، والباقون: بضمها، وقراءة مجاهد: شاذة. قوله: (بفتح الميم؛ من: جرى ورسى): قال أبو البقاء: "مجرى ومرسى: بضم الميم؛ مصدر أجريت مجرى، وبفتحهما؛ مصدر جريت ورسيت". قوله: (وجاؤونا بهم سكر علينا): تمامه: فأجلى اليوم والسكران صاح "بهم سكر": أي: سكرين، يعين: سكارى، بمعنى: غضاب علينا، "سكر": مبتدأ، و"بهم": خبر، والجملة حال- بلا واو- من ضمير "جاؤونا"، و"علينا" يتعلق بـ "سكر"، و"أجلى": بمعنى: جلى، أي: انكشف.

стр. 3805

فلا تكون كلاماً برأسه، ولكن فضلةً من فضلات الكلام الأوّل، وانتصاب هذه الحال عن ضمير "الفلك"، كأنه قيل: اركبوا فيها مجراةً ومرساةً باسم الله، بمعنى التقدير، كقوله تعالى: (فادْخُلُوها خالدين) [الزمر: ٧٣]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وانتصاب هذه الحال عن ضمير الفلك): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ الحال إنما تكون مقدرة لو كانت مفردة، بمعنى: مجراة، أما إذا كانت جملة فلا، لأن الجملة معناها: اركبوا وباسم الله إجراؤها، وهذا واقع حال الركوب. وقلت: المصنف جعل (بِسْمِ اللهِ) متعلقاً بـ "مجراة" على هذا التفسير، ولهذا قال: "مجراة باسم الله"، وهي مفردة، فالجملة مؤولة بها لفقدان الواو، كقوله: كلمته فوه إلى في، فيكون قيداً لـ (ارْكَبُوا)، ولا يشك أن إجراءها لم يكن عند الركوب، فتكون مقدرة، كما تقول: اركب الفرس سائراً على اسم الله، وأما مع الواو فلا تفتقر إلى التقدير، كما تقول: اركب الفرس وبإذن الله سيره. على أن أبا البقاء أجاز أن تكون الجملة حالاً مقدرة، قال: " (مَجْرَاهَا) مبتدأ، و (بِسْمِ اللهِ) خبره، والجملة حال مقدرة، وصاحبها الواو في (ارْكَبُوا)، ويجوز أن تكون حالاً من الهاء، أي: اركبوا فيها وجريانها باسم الله، وهي مقدرة أيضاً"، وتبعه صاحب "الكواشي" والقاضي. وللشيخ مكي في هذا المقام كلام مبسوط، قال: " (مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا): في موضع رفع بالابتداء، والخبر: (بِسْمِ اللهِ)، والجملة حال من الضمير المجرور في (فيها)، والعائد ضمير (مَجْرَاهَا)، لأنه للسفينة، والعامل في الحال: الفعل، ولا يحسن أن تكون حالاً من

стр. 3806

(إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ): لولا مغفرته لذنوبكم ورحمته إياكم لما نجاكم. [(وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ* قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الضمير في (ارْكَبُوا)، لأنه لا عائد فيها يرجع إلى ذي الحال، لأن الضمير في (بِسْمِ اللهِ) عائد إلى المبتدأ الذي هو (مَجْرَاهَا). ويجوز أن يرتفع (مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) بـ (بِسْمِ اللهِ)، لأنه متعلق بـ (ارْكَبُوا)، ويجوز أن ينتصبا على الظرف من (بِسْمِ اللهِ)، أي: اركبوا فيها متبركين باسم الله في وقت إجرائها وإرسائها، نحو: آتيك مقدم الحاج. ولا يعمل فيهما (ارْكَبُوا)، لأنه لم يرد: اركبوا فيها في وقت الجري والرسو، ولا يحسن على هذا التقدير أن يكون (بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) حالاً من الهاء في (فِيهَا)، لأنه لا عائد يرجع إلى ذي الحال، ولا يكتفى بالضمير في (مَجْرَاهَا)، لأنه ليس من جملة الحال، وإنما هو ظرف ملغى، إذ يصير التقدير: اركبوا فيها متبركة باسم الله في وقت الجري، وليس المعنى عليه؛ لأن التبرك إنما هو لركابها لا لها. ولو جعلت (مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) في معنى اسم الفاعل، لكانت حالاً مقدرة، والعامل ما في (بِاِسْمِ اللَّهِ) من معنى الفعل، أي: باسم الله جارية وراسية"، هذا تلخيص كلامه. ثم قال: "اعلم أن هذه المسألة من أمهات مسائل النحو وغررها". قوله: (لولا مغفرته لذنوبكم، ورحمته إياكم، لما نجاكم): يريد: أن قوله تعالى: (إِنَّ رَبِّي

стр. 3807

فإن قلت: بم اتصل قوله (وَهِيَ تَجْرِي)؟ قلت: بمحذوفٍ دل عليه (ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ)، كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون: "بسم الله"، وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ، أي: تجري وهم فيها (فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ) يريد: موج الطوفان، شبه كل موجةٍ منه بالجبل في تراكمها وارتفاعها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) جملة مستأنفة بيان للموجب، ولا تصلح أن تكون علة (ارْكَبُوا) لعدم المناسبة، فيقدر ما يصح به الكلام بأن يقال: امتثلوا هذا الحكم لينجيكم من الهلاك بمغفرته ورحمته، أو يقال: اركبوا فيها ذاكرين الله ولا تخافوا الغرق بما عسى أن فرط منكم تقصير، لأن الله غفور رحيم. وفيه أن نجاتهم لم تكن لاستحقاق منهم بسبب أنهم كانوا مؤمنين، بل بمحض رحمة الله وغفرانه، كما عليه أهل السنة، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) [الفرقان: ٦]؛ قال: "فإنه تنبيه على أنهم استوجبوا لمكابرتهم أن يصب عليهم العذاب صباً، ولكن صرف ذلك عنهم أنه غفور رحيم". قوله: (أي: تجري وهم فيها): يريد: أن قوله: (بِهِمْ) في موضع الحال من فاعل (تَجْرِي)، نحوه: تدوس بنا الجماجم والتريبا

стр. 3808

فإن قلت: الموج: ما يرتفع فوق الماء عند اضطرابه وزخيره، وكان الماء قد التقى وطبق ما بين السماء والأرض، وكانت الفلك تجري في جوف الماء كما تسبح السمكة، فما معنى جريها في الموج؟ قلت: كان ذلك قبل التطبيق، وقبل أن يغمر الطوفان الجبال. ألا ترى إلى قول ابنه: (سآوى إلى جبل يعصمني من الماء)، قيل: كان اسم ابنه: كنعان. وقيل: يام. وقرأ علي ﵁: "ابنها"، والضمير لامرأته. وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير: "ابنه" بفتح الهاء، يريدان: ابنها، فاكتفيا بالفتحة عن الألف، وبه ينصر مذهب الحسن. قال قتادة: سألته فقال: والله ما كان ابنه، فقلت: إنّ الله حكى عنه (إن ابني من أهلى)، وأنت تقول: لم يكن ابنه، وأهل الكتاب لا يختلفون في أنه كان ابنه، فقال: ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الموج: ما يرتفع فوق الماء): وجه السؤال: أن الرواية أنه تلاقى ماء الأرض والسماء، وكانت السفينة تجري في جوف الماء، ومعنى "الموج": ما يرتفع فوق الماء من هيئة كالجبال، فبينهما تناف. وأجاب: أن الجريان في الموج في زمان، وفي جوف الماء في زمان، وقال القاضي: "الرواية ليست بثابتة". قوله: (وزخيره)، الجوهري: "زخر الوادي: إذا امتد جداً وارتفع، يقال: بحر زاخر". قوله: (وكان الماء قد التقى): مقتبس من قوله تعالى: (فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) [القمر: ١٢]، وقال: "يعني: مياه السماء والأرض".

стр. 3809

واستدل بقوله (مِنْ أَهْلِي) ولم يقل: مني، ولنسبته إلى أمّه وجهان: أحدهما: أن يكون ربيباً له، كعمر بن أبي سلمة لرسول الله ﷺ ، وأن يكون لغير رشدة، وهذه غضاضة عصمت منها الأنبياء ﵈. وقرأ السدي: "ونادى نوح ابناه"؛ على الندبة والترثى. أي: قال يا ابناه. و"المعزل": مفعل، من: عزله عنه: إذا نحاه وأبعده، يعني: وكان في مكانٍ عزل فيه نفسه عن أبيه وعن مركب المؤمنين. وقيل: كان في معزل عن دين أبيه. (يا نبىّ) قرئ بكسر الياء اقتصاراً عليه من ياء الإضافة، وبالفتح اقتصاراً عليه من الألف المبدلة من ياء الإضافة في قولك: "يا بنيا"، أو سقطت الياء والألف لالتقاء الساكنين، لأنّ الراء بعدهما ساكنة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (واستدل بقوله: (مِنْ أَهْلِي)، ولم يقل: مني): أي: قتادة، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ لو صح لما نفاه بقوله: (لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)، وتقريره: أنه لما قال: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)، أي: من جملة أهلي، لأنه كان من صلبه، أجيب بـ (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) لقطع الولاية بين المؤمن والكافر، ومن ثم علله بقوله: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ). قوله: (كعمر بن أبي سلمة): وفي "الاستيعاب": "هو عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد القرشي المخزومي، ربيب رسول الله ﷺ ، أمة أم سلمة أم المؤمنين، ولد في السنة الثانية من الهجرة، وتوفي في المدينة سنة ثلاث وثمانين، وعمر: بضم العين وفتح الميم". قوله: (لغير رشدة)، الجوهري: "هو لرشدة، بخلاف قولك: لزنية". قوله: (قرئ بكسر الياء اقتصاراً): قرأ عاصم: (يَا بُنَيَّ) بفتح الياء، والباقون: بكسرها.

стр. 3810

(إِلَّا مَنْ رَحِمَ) إلا الراحم، وهو الله تعالى، أو: لا عاصم اليوم من الطوفان إلا من رحم الله. يعني: إلا مكان من رحم الله من المؤمنين، وكان لهم غفوراً رحيماً في قوله (إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، وذلك أنه لما جعل الجبل عاصما من الماء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الزجاج: "الكسر أجود، ووجهه: أن الأصل: يا بنيي، والياء تحذف في النداء، ويبقى الكسر ليدل عليها، أو تحذف الياء لسكون الراء من (ارْكَب)، وتقر في الكتاب على ما هي عليه في اللفظ. ووجه الفتح: أن الأصل: يا بنيا، فتبدل الألف من ياء الإضافة، ثم تحذف الألف لسكونها وسكون الراء، وتقر في الكتابة على حدها في اللفظ، أو أن تحذف الألف في النداء كما تحذف ياء الإضافة، لأن ياء الإضافة زيادة في الاسم، كما أن التنوين زيادة فيه، فيحذف أيضاً". قوله: ((إِلاَّ مَنْ رَحِمَ) إلا الراحم) إلى آخره، الانتصاف: "الاحتمالات الممكنة أربعة: لا عاصم إلا راحم، ولا معصوم إلا مرحوم، ولا عاصم إلا مرحوم، ولا معصوم إلا راحم، والأولان استثناء من الجنس، والآخران من غير الجنس، وزاد الزمخشري خامساً: ولا عاصم إلا مرحوم؛ على أنه من الجنس، على تأويل حذف المكان، والكل جائز". قلت: هذا إنما يتم إذا حمل قوله: " (إِلاَّ مَنْ رَحِمَ) إلا الراحم" على: لا عاصم إلا الراحم، ولا معصوم إلا الراحم. قوله: (إلا مكان من رحم الله): أي: مكان المؤمنين، لأنه تعالى رحمهم حين ركبوا في السفينة، بدليل إيقاع قوله: (إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) تعليلاً للأمر، وهو (ارْكَبُوا فِيهَا)، والوصف

стр. 3811

قال له: لا يعصمك اليوم معتصم قط من جبل ونحوه سوى معتصمٍ واحد وهو مكان من ﵏ ونجاهم يعني: السفينة. وقيل: (لا عاصم): بمعنى: لا ذا عصمةٍ إلا من ﵀، كقوله: (ماءٍ دافِقٍ) [الطارق: ٦]، و (عِيشَةٍ راضِيَةٍ) [الحاقة: ٢١]. وقيل: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ) استثناء منقطع، كأنه قيل: ولكن من ﵀ فهو المعصوم، كقوله: (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ) [النساء: ١٥٧]. وقرئ: "إِلَّا مَنْ رَحِمَ" على البناء للمفعول. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مناسب للحكم، وإنما أتى في هذا الوجه بقوله: "وكان لهم غفوراً رحيماً" مع أن الرحمة شائعة في الوجوه؛ لأن الإضافة للتعريف، ولابد من معهود سابق، وهو السفينة. قوله: (وقيل: (لا عَاصِمَ): بمعنى: لا ذا عصمة): وقال الزجاج: "يجوز أن يكون (عَاصِمَ) في معنى: معصوم، أي: لا ذا عصمة، كما قالوا: (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) [الحاقة: ٢١]: أي: مرضية، و (مَن) في موضع رفع، أي: لا معصوم إلا المرحوم". وقال أبو البقاء: " (عَاصِمَ) بمعنى: ذي عصمة على النسب، مثل: حائض وطالق، والاستثناء متصل، وخبر (لا): (مِنْ أَمْرِ اللهِ)، و (الْيَوْمَ) معموله، ولا يجوز أن يكون (الْيَوْمَ) معمول (عَاصِمَ)، إذ لو كان لنون، ولا يجوز أيضاً أن يكون خبراً؛ لأن (الْيَوْمَ) ظرف، فلا يصح حمله على الجثة". قوله: (إِلاَّ مَنْ رَحِمَ) استثناء منقطع، كأنه قيل: ولكن من ﵀ فهو المعصوم): قال الزجاج: "فعلى هذا موضع (مَن) نصب، المعنى: لكن من رحم الله فإنه معصوم"، فالمعصوم ليس من جنس العاصم، لأن اسم المفعول غير، واسم الفاعل غير، كما أن الظان غير العالم في قوله تعالى: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ) [النساء: ١٥٧].

стр. 3812

[(وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)]. نداء الأرض والسماء بما ينادى به الحيوان المميز، على لفظ التخصيص والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات وهو قوله (يا أَرْضُ) (وَيا سَماءُ)، ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل من قوله (ابْلَعِي ماءَكِ) و (أَقْلِعِي) من الدلالة على الاقتدار العظيم، وأن السموات والأرض وهذه الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة عليه، كأنها عقلاء مميزون قد عرفوا عظمته وجلالته ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نداء الأرض): هو مبتدأ، والخبر: "من الدلالة على الاقتدار العظيم"، و"أن السماوات والأرض" إلى آخره: تفسير للاقتدار العظيم، وأدخل العاطف كما هو دأبه وعادته. قوله: (منقادة لتكوينه فيها ما يشاء) إلى آخره: مستفاد من تعقيب النداء بلفظ (ابْلَعِي)، فإن من عادة من يأمر المطيع- الذي إذا أمر لم يتوقف إذعانه- أن يقدم النداء على الأمر، ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المأمور، فيكون امتثاله للأمر أسرع مما لم يذكر معه النداء، سيما "يا"، فإنها تدل على أن الخطاب المتلو بعده معني به جداً، فالأمر بعد النداء هنا ترشيح للاستعارة؛ شبه السماوات والأرض بالمأمور الذي لا يتأتى منه العصيان لكمال هيبة الآمر، وأدخلهما في جنس ذلك المأمور، ثم خيل أنهما مأموران بعينيهما، فقيل: (يَا أَرْضُ) (وَيَاسَمَاءُ)، وجعلت القرينة الخطاب للجماد، ثم نسي التشبيه رأساً، وبني على الفرع الذي هو المشبه ما يبنى على الأصل المشبه به، قائلاً: (ابْلَعِي) و (أَقْلِعِي). قال الزجاج رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) [يس: ٣٠]: "الفائدة في مناداتها كالفائدة في مناداة من يعقل، لأن النداء باب تنبيه، فإذا قلت: يا زيد، فإن لم تكن دعوته لتخاطبه بكلام غير النداء لم يكن له معنى، وإنما تناديه لتنبهه بالنداء، ثم تقول

стр. 3813

وثوابه وعقابه وقدرته على كل مقدور، وتبينوا تحتم طاعته عليهم وانقيادهم له، وهم يهابونه ويفزعون من التوقف دون الامتثال له والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث، فكما يرد عليهم أمره كان المأمور به مفعولا لا حبس ولا إبطاء. والبلع: عبارةٌ عن النشف. والإقلاع: الإمساك. يقال: أقلع المطر، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ له: فعلت كذا، وافعل كذا، ألا ترى أنك إذا قلت لمن هو مقبل عليك: يا زيد ما أحسن ما صنعت، كان أوكد مما إذا قلت: ما أحسن ما صنعت". قوله: (والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث): أي: بطء، هذا مبني على أن الأمر: هل يفيد الفور أم لا؟ فإن عند بعض الحنفية يفيده، قال صاحب "المفتاح": "الأمر والنهي حقهما الفور"، سيما المقام مقام العظمة والكبرياء وأن لا قول ثمة، بل هو التمثيل، قال المصنف في (كُنْ فَيَكُونُ) [البقرة: ١١٧]: "لا قول ثمة، وإنما هو تمثيل أن ما قضاه وأراد كونه، فإنما يدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف". قوله: (فكما يرد عليهم): قال في "اللباب": وتستعمل الكاف للقران في الوقوع، نحو: كما حضر زيد قام عمرو، أي: اقترن القيام والحضور في الوقوع، فهما متشابهان في المقارنة في الوقوع. قوله: (والبلع: عبارة عن النشف): استعار لغور الماء في الأرض: البلع الذي هو إعمال الجارحة في المطعوم، وإدخاله في الحلق. قوله: (والإقلاع: الإمساك): خولف بين تفسير القرينتين؛ ليؤذن أن "البلع" جار مجرى

стр. 3814

وأقلعت الحمى (وَغِيضَ الْماءُ) من غاضه: إذا نقصه (وَقُضِيَ الْأَمْرُ): وأنجز ما وعد الله نوحاً من هلاك قومه (وَاسْتَوَتْ): واستقرّت السفينة، (عَلَى الْجُودِيِّ) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الترشيح، لأنه صفة ملائمة للمستعار منه، وأن الإقلاع يجري مجرى التجريد، لأنه صفة ملائمة للمستعار له، ولهذا قال: "أقلع المطر"، وإنما اختير الترشيح الذي هو أبلغ في جانب الأرض، والتجريد في السماء، لأن إذهاب الماء لما كان مطلوباً أولياً، وليس للسماء فيه سوى أن تمسك ما كانت تدر، فقيل: (أَقْلِعِي)، وإنما الأرض هي التي تقدر على الإذهاب المطلوب بأن تمسك ما كان ينبع منها، وتنشف ما فيها، فقيل: (ابْلَعِي) على المجاز. قوله: ((وَغِيضَ الْمَاءُ) من: غاضه: إذا نقصه): ظاهر هذا التفسير مشعر بأن قوله: (وَغِيضَ الْمَاءُ) إخبار عن حصول المأمور به من قوله: (وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي) و (يَا أَرْضُ ابْلَعِي)، فالتقدير: قيل ذلك لهما، فامتثلا لما أمرا، ونقص الماء. وكلام صاحب "المفتاح" بخلافه، حيث قدر: قيل: يا سماء أقلعي فأقلعت، ويا أرض ابلعي ماءك فبلعت، وغيض طوفان السماء. خص "غيض الماء" بطوفان السماء؛ لما علم من قوله: "فبلعت" نضوب ماء مختص بالأرض، ولما لم يعلم نضوب ماء مختص بالسماء، تبين ذلك به، فمعنى: "غيض الماء" على هذا: ما قاله الجوهري: "غاض الماء يغيض غيضاً: قل ونضب"، أي: غار وسفل. ولعل هذا الوجه أملأ فائدة وأدق مغزى، وبه تظهر فائدة تخصيص ذكر "الماء"، وإضافته إلى ضمير "الأرض". أما الأولى: فكما قال صاحب "المفتاح": "إنما لم يقل: (ابْلَعِي) بدون المفعول؛ لاستلزام تركه ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء بأسرهن، نظراً إلى مقام ورود الأمر الذي هو مقام عظمة وكبرياء".

стр. 3815

وهو جبل بالموصل (وَقِيلَ بُعْداً) يقال بَعُدَ بُعْداً وبَعَدا، إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ونحو ذلك، ولذلك اختص بدعاء السوء. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والثانية: كما أشار إليه بقوله: "قال: (مَاءَكِ) بإضافة "الماء" إلى "الأرض" على سبيل المجاز؛ تشبيهاً لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك، واختار ضمير الخطاب لأجل الترشيح"، تم كلامه. فإذن الإضافة أخرجت سائر المياه، وخصصت الماء بالماء الذي بسببه صارت الأرض مهيأة للخطاب كالمطيع المنقاد الوارد عليه أمر الآمر المطاع، وهو المعهود في قوله: (وَفَارَ التَّنُّورُ)، وبهذا الاعتبار يحصل التوغل في تناسي التشبيه، والبناء على الأصل ترشيحاً، ولو أجريت الإضافة على غير هذا يكون كالتجريد للاستعارة، وأنت تعلم أن الترشيح أبلغ، ومقام التمثيل والتصوير له أدعى وأهنأ، ولو حمل على العموم لاستلزم ذلك ما ليس بمراد من تعميم ابتلاع المياه بأسرها لورود الأمر الذي هو مقام العظمة والكبرياء. وعلى هذا ينتظم "غيض" في سلك "قيل" و"قضي"، ولا يكون تابعاً للأمرين، وإليه أشار بقوله: "أصل الكلام: قيل: (يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ) فبلعت ماءها، (وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي) عن إرسال الماء، فأقلعت عن إرساله، (وَغِيضَ الْمَاءُ) النازل من السماء، ثم أتبعه ما هو المقصود من القصة، وهو قوله: (وَقُضِيَ الأَمْرُ) ". قوله: (من حيث الهلاك): متعلق بـ "أرادوا"، أي: إنما يقولون: بعد بعداً، إذا أرادوا

стр. 3816

ومجيء أخباره على الفعل المبنى للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء، وأنّ تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر، وتكوين مكون قاهر، وأنّ فاعلها فاعل واحد لا يشارك في أفعاله، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعى، ولا أن يقضى ذلك الأمر الهائل غيره، ولا أن تستوي السفينة على متن الجودي وتستقر عليه إلا بتسويته وإقراره ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البعد من جهة الهلاك والموت، لا من جهة المسافة. قوله: (فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره: يا أرض ابلعي ماءك)، الانتصاف: "وقد تشبثت الشعراء بأذيال هذه المعاني، وهو أن يترك الموصوف اكتفاء بصفاته لشهرته، قال أبو الطيب يمدح عضد الدولة: فلا تحمدهما واحمد هماماً … إذا لم يسم حامده عناكا أي: امدح نفسك، فإنك المنفرد بالمدائح، إذا ذكرت ولم تسم لم يسبق إلى فهم أحد غيرك"، تم كلامه. وقبله: وكم طرب المسامع ليس يدري … أيعجب من ثنائي أم علاكا وذاك النشر عرضك كان مسكاً … وذاك الشعر فهري والمداكا

стр. 3817

ولما ذكرنا من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤسهم، لا لتجانس الكلمتين، وهما قوله (ابْلَعِي) (وأَقْلِعِي) وذلك وإن كان لا يخلي الكلام من حسن، فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللب وما عداها قشور ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الضمير في "فلا تحمدهما" عائد إلى "الفهر والمداكا"، وهما حجران للعطار يسحق بهما الطيب، المداك: التحتاني، والفهر: الفوقاني، والهمام: عضد الدولة، والحامد: المتنبي، وهذا المعنى قريب من قول الأول: وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحة … لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني قوله: (ورقصوا لها رؤوسهم): أي: تعجبوا لها، فهي كناية، قال القاضي: "هذه الآية في غاية الفصاحة؛ لفخامة لفظها، وحسن نظمها، والدلالة على كنه الحال، مع الإيجاز الخالي عن الإخلال". قوله: (لا لتجانس الكلمتين): أي: (أَقْلِعِي) و (ابْلَعِي)، وفيه إدماج في نهاية من الحسن، أراد أن يبالغ في وصف الكلام الذي مضى، أدمج فيه معنى التجانس، ثم نفاه، يعني: روعي فيهما صنعة الجناس اللاحق، على نحو: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) [الهمزة: ١]، مع

стр. 3818

وعن قتادة: استقلت بهم السفينة لعشر خلون من رجب، وكانت في الماء خمسين ومئة يوم، واستقرّت بهم على الجودي شهراً، وهبط بهم يوم عاشوراء. وروي: أنها مرت بالبيت فطافت به سبعا، وقد أعتقه الله من الغرق. وروي أنّ نوحاً صام يوم الهبوط وأمر من معه فصاموا شكراً لله تعالى. [(وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ* قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ)]. نداؤه ربه: دعاؤه له، وهو قوله (رَبِّ) مع ما بعده من اقتضاء وعده في تنجية أهله. فإن قلت: فإذا كان النداء هو قوله: (رَبِّ) فكيف عطف "قالَ رَبِّ" على "نادى" بالفاء؟ قلت: أريد بالنداء إرادة النداء، ولو أريد النداء نفسه لجاء، كما جاء قوله (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ) [مريم: ٣ - ٤] بغير فاء. (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) أي: بعض أهلي، لأنه كان ابنه من صلبه، أو كان ربيبا له فهو بعض أهله (وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ) وأن كل وعد تعده فهو الحق الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به، وقد وعدتني أن تنجي أهلي، فما بال ولدي؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أنها غير ملتفت إليها، فعلم فضل ذلك مع حسن هذه الصنعة، فهي مرادة من وجه وغير مرادة من آخر. قوله: (من اقتضاء وعده في تنجية أهله): أي: دعاؤه ربه كان طلباً لقضاء ما وعده ربه من نجاة أهله، فـ "من" بيان لـ "دعاؤه". في "المغرب": "تقاضيته ديني وبديني، واستقضيته: طلبت قضاءه، واقتضيت منه حقي: أخذته".

стр. 3819

(وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ) أي: أعلم الحكام وأعدلهم، لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل. ورب عريقٍ في الجهل والجور من متقلدي الحكومة في زمانك قد لقب أقضى القضاة، ومعناه: أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر. ويجوز أن يكون من الحكمة، على أن يبنى من الحكمة حاكم بمعنى النسبة كما قيل: "دارع" من الدرع، وحائض وطالق على مذهب الخليل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ورب عريق في الجهل): أعرق الرجل؛ أي: صار عريقاً، وهو الذي عرق في الكرم. قوله: (قد لقب أقضى القضاة)، الانتصاف: "رأي الزمخشري: أن "أقضى القضاة" أرفع من "قاضي القضاة"، والذي يلاحظونه الآن عكسه، وذلك أن القضاة يشاركون أقضاهم في الوصف، وإن فضل عليهم، وأما "قاضي القضاة" هو الذي يقضي بين القضاة، لا يشاركه أحد في وصفه". "الإنصاف": وليس كذلك، لأنه فسر (أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) بـ "أقضى القضاة"، فكما لا يتصور ذلك المعنى هناك لا يتصور ها هنا. قوله: (على أن يبنى من الحكمة: حاكم؛ بمعنى النسبة) إلى قوله: (على مذهب الخليل): يقال:

стр. 3820

(إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) تعليل لانتفاء كونه من أهله. وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، وأنّ نسيبك في دينك ومعتقدك من الأباعد في المنصب وإن كان حبشياً وكنت قرشياً لصيقك وخصيصك. ومن لم يكن على دينك - وإن كان أمس أقاربك رحماً - فهو أبعد بعيد منك، وجعلت ذاته عملا غير صالح، مبالغة في ذمّه، كقولها: فَإنَّمَا هِىَ إقْبَالٌ وَإدْبَارُ وقيل: الضمير لنداء نوح، أي: إنّ نداءك هذا عمل غير صالح وليس بذاك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رجل كاس؛ أي: ذو كسوة، وطاعم: أي: أكل، قال الخليل: ومنه: (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) [الحاقة: ٢١]، أي: ذات رضا، لأن العيشة لا تكون راضية، بمعنى: فاعلة، ومن هذا القبيل: طالق وحائض، بمعنى: ذات طلاق وذات حيض، أي: أن ذلك ثابت وحاصل لها من غير تعرض لحدوثها في زمان، حتى لو أرادوا الإجراء على الفعل لأتوا بالتاء، فقالوا: حائضة الآن، وطالقة غداً، هذا مذهب الخليل. وحمله سيبويه على أنه صفة "شيء" أو "إنسان"، لأن المرأة شيء وإنسان. قال القاضي: "فعلى هذا: معنى (وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ): أنت أكثر حكمة من ذوي الحكم". قوله: (وليس بذاك): لأن قوله: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) تعليل لقوله: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ).
следующие страницы →