Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.
стр. 3816
ومجيء أخباره على الفعل المبنى للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء، وأنّ تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر، وتكوين مكون قاهر، وأنّ فاعلها فاعل واحد لا يشارك في أفعاله، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعى، ولا أن يقضى ذلك الأمر الهائل غيره، ولا أن تستوي السفينة على متن الجودي وتستقر عليه إلا بتسويته وإقراره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البعد من جهة الهلاك والموت، لا من جهة المسافة.
قوله: (فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره: يا أرض ابلعي ماءك)، الانتصاف: "وقد تشبثت الشعراء بأذيال هذه المعاني، وهو أن يترك الموصوف اكتفاء بصفاته لشهرته، قال أبو الطيب يمدح عضد الدولة:
فلا تحمدهما واحمد هماماً … إذا لم يسم حامده عناكا
أي: امدح نفسك، فإنك المنفرد بالمدائح، إذا ذكرت ولم تسم لم يسبق إلى فهم أحد غيرك"، تم كلامه. وقبله:
وكم طرب المسامع ليس يدري … أيعجب من ثنائي أم علاكا
وذاك النشر عرضك كان مسكاً … وذاك الشعر فهري والمداكا
стр. 3817
ولما ذكرنا من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤسهم، لا لتجانس الكلمتين، وهما قوله (ابْلَعِي) (وأَقْلِعِي) وذلك وإن كان لا يخلي الكلام من حسن، فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللب وما عداها قشور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الضمير في "فلا تحمدهما" عائد إلى "الفهر والمداكا"، وهما حجران للعطار يسحق بهما الطيب، المداك: التحتاني، والفهر: الفوقاني، والهمام: عضد الدولة، والحامد: المتنبي، وهذا المعنى قريب من قول الأول:
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحة … لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني
قوله: (ورقصوا لها رؤوسهم): أي: تعجبوا لها، فهي كناية، قال القاضي: "هذه الآية في غاية الفصاحة؛ لفخامة لفظها، وحسن نظمها، والدلالة على كنه الحال، مع الإيجاز الخالي عن الإخلال".
قوله: (لا لتجانس الكلمتين): أي: (أَقْلِعِي) و (ابْلَعِي)، وفيه إدماج في نهاية من الحسن، أراد أن يبالغ في وصف الكلام الذي مضى، أدمج فيه معنى التجانس، ثم نفاه، يعني: روعي فيهما صنعة الجناس اللاحق، على نحو: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) [الهمزة: ١]، مع
стр. 3818
وعن قتادة: استقلت بهم السفينة لعشر خلون من رجب، وكانت في الماء خمسين ومئة يوم، واستقرّت بهم على الجودي شهراً، وهبط بهم يوم عاشوراء. وروي: أنها مرت بالبيت فطافت به سبعا، وقد أعتقه الله من الغرق. وروي أنّ نوحاً صام يوم الهبوط وأمر من معه فصاموا شكراً لله تعالى.
[(وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ* قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ)].
نداؤه ربه: دعاؤه له، وهو قوله (رَبِّ) مع ما بعده من اقتضاء وعده في تنجية أهله. فإن قلت: فإذا كان النداء هو قوله: (رَبِّ) فكيف عطف "قالَ رَبِّ" على "نادى" بالفاء؟ قلت: أريد بالنداء إرادة النداء، ولو أريد النداء نفسه لجاء، كما جاء قوله (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ) [مريم: ٣ - ٤] بغير فاء.
(إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) أي: بعض أهلي، لأنه كان ابنه من صلبه، أو كان ربيبا له فهو بعض أهله (وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ) وأن كل وعد تعده فهو الحق الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به، وقد وعدتني أن تنجي أهلي، فما بال ولدي؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنها غير ملتفت إليها، فعلم فضل ذلك مع حسن هذه الصنعة، فهي مرادة من وجه وغير مرادة من آخر.
قوله: (من اقتضاء وعده في تنجية أهله): أي: دعاؤه ربه كان طلباً لقضاء ما وعده ربه من نجاة أهله، فـ "من" بيان لـ "دعاؤه". في "المغرب": "تقاضيته ديني وبديني، واستقضيته: طلبت قضاءه، واقتضيت منه حقي: أخذته".
стр. 3819
(وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ) أي: أعلم الحكام وأعدلهم، لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل. ورب عريقٍ في الجهل والجور من متقلدي الحكومة في زمانك قد لقب أقضى القضاة، ومعناه: أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر. ويجوز أن يكون من الحكمة، على أن يبنى من الحكمة حاكم بمعنى النسبة كما قيل: "دارع" من الدرع، وحائض وطالق على مذهب الخليل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ورب عريق في الجهل): أعرق الرجل؛ أي: صار عريقاً، وهو الذي عرق في الكرم.
قوله: (قد لقب أقضى القضاة)، الانتصاف: "رأي الزمخشري: أن "أقضى القضاة" أرفع من "قاضي القضاة"، والذي يلاحظونه الآن عكسه، وذلك أن القضاة يشاركون أقضاهم في الوصف، وإن فضل عليهم، وأما "قاضي القضاة" هو الذي يقضي بين القضاة، لا يشاركه أحد في وصفه".
"الإنصاف": وليس كذلك، لأنه فسر (أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) بـ "أقضى القضاة"، فكما لا يتصور ذلك المعنى هناك لا يتصور ها هنا.
قوله: (على أن يبنى من الحكمة: حاكم؛ بمعنى النسبة) إلى قوله: (على مذهب الخليل): يقال:
стр. 3820
(إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) تعليل لانتفاء كونه من أهله. وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، وأنّ نسيبك في دينك ومعتقدك من الأباعد في المنصب وإن كان حبشياً وكنت قرشياً لصيقك وخصيصك. ومن لم يكن على دينك - وإن كان أمس أقاربك رحماً - فهو أبعد بعيد منك، وجعلت ذاته عملا غير صالح، مبالغة في ذمّه، كقولها:
فَإنَّمَا هِىَ إقْبَالٌ وَإدْبَارُ
وقيل: الضمير لنداء نوح، أي: إنّ نداءك هذا عمل غير صالح وليس بذاك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رجل كاس؛ أي: ذو كسوة، وطاعم: أي: أكل، قال الخليل: ومنه: (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) [الحاقة: ٢١]، أي: ذات رضا، لأن العيشة لا تكون راضية، بمعنى: فاعلة، ومن هذا القبيل: طالق وحائض، بمعنى: ذات طلاق وذات حيض، أي: أن ذلك ثابت وحاصل لها من غير تعرض لحدوثها في زمان، حتى لو أرادوا الإجراء على الفعل لأتوا بالتاء، فقالوا: حائضة الآن، وطالقة غداً، هذا مذهب الخليل. وحمله سيبويه على أنه صفة "شيء" أو "إنسان"، لأن المرأة شيء وإنسان.
قال القاضي: "فعلى هذا: معنى (وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ): أنت أكثر حكمة من ذوي الحكم".
قوله: (وليس بذاك): لأن قوله: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) تعليل لقوله: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ).
стр. 3821
فإن قلت: فهلا قيل: إنه عمل فاسد؟ قلت: لما نفاه عن أهله، نفى عنه صفتهم بكلمة النفي التي يستبقى معها لفظ المنفي، وآذن بذلك أنه إنما أنجى من أنجى من أهله لصلاحهم، لا لأنهم أهلك وأقاربك. وإنّ هذا لما انتفى عنه الصلاح لم تنفعه أبوّتك، كقوله (كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً) [التحريم: ١٠].
وقرئ: "عمل غير صالح"، أي: عمل عملا غير صالح. وقرئ: (فلا تسئلنّ)، بكسر النون بغير ياء الإضافة ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بكلمة النفي التي يستبقى معها لفظ المنفي): يعني: أن "غير" ها هنا تنفي ما بعدها، وتستبقي فيما قبلها من جنس ما نفاه، وهو الصلاح، كالاستثناء المفرغ، فإنه يدل على أن المستثنى منه أي جنس هو، فعلى هذا قوله: "إنما أنجي من أنجي من أهله" معناه: إنما أنجي من أهلك لصلاحهم، لا أنهم من أهلك، يعني: نفى أن ابنه من أهله، ثم نفى عنه صفتهم؛ ليدل على أن ذلك النفي لأجل انتفاء هذه الصفة فيه، فلو لم تكن هذه الصورة معتبرة في اعتبار معنى الأهلية، لم يصح (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ).
قال في "الانتصاف": "ومنه: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) [الشعراء: ٢١٤]، وإن كان الإنذار على العموم، لكن لما كانت الأهلية مظنة الاتكال خص، ولهذا أنذرهم النبي ﷺ وقال: (لا أملك لكم من الله شيئاً) ".
قوله: (وقرئ: "عمل غير صالح"): بكسر الميم ونصب "غير": الكسائي، والباقون: بفتح الميم مع التنوين ورفع "غير".
قوله: (فَلا تَسْأَلْنِي) بكسر النون): الجماعة غير نافع وابن عامر، فإنهما قرءا: "فلا
стр. 3822
وبالنون الثقيلة بياء وبغير ياء، يعني: فلا تلتمس منى ملتمساً أو التماساً لا تعلم أصواب هو أم غير صواب، حتى تقف على كنهه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تسألن" بفتح اللام وكسر النون وتشديدها، على أن صله: تسألنني، فحذفت نون الوقاية لاجتماع النونات، وكسرت المشددة للياء، ثم حذفت اكتفاء بالكسرة، وعن نافع: إثباتها في الوصل.
قوله: (ملتمساً أو التماساً): يريد: أن "ما" في قوله: (فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ): موصوفة، والصفة: الجملة، ثم "ما" إما اسم مفعول، فهو المراد من "ملتمساً"، أو مفعول مطلق، وإليه أشار بقوله: "التماساً"، لأن السؤال الذي بمعنى الاستجداء التماس.
قوله: (حتى تقف على كنهه)، الأساس: "سله عن كنه الأمر، أي: حقيقته وكيفيته، واكتنه الأمر: بلغ كنهه"، وفيه: أن المراد بالعلم: المتيقن، قال أبو علي: "المراد بالعلم ها هنا: العلم المتيقن الذي يعلم به الشيء على حقيقته، ليس العلم الذي يعلم به الشيء على ظاهره، كالذي في قوله تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) [الممتحنة: ١٠] ونحوه".
وقال: "الجار والمجرور في (بِهِ عِلْمٌ): إما أن يتعلق بما يدل عليه العلم المذكور، وإن لم يتسلط عليه، كقوله:
ربيته حتى إذا تمعددا … كان جزائي بالعصا أن أجلدا
"بالعصا": متعلق بما دل عليه "أن أجلدا". تمعدد الصبي: غلظ وصلب وذهب عنه رطوبة الصبا.
стр. 3823
وذكر المسألة دليل على أنّ النداء كان قبل أن يغرق حين خاف عليه.
فإن قلت: لِمَ سمي نداؤه سؤالا ولا سؤال فيه؟ قلت: قد تضمن دعاؤه معنى السؤال وإن لم يصرح به، لأنه إذا ذكر الموعد بنجاة أهله في وقت مشارفة ولده الغرق فقد استنجز. وجعل سؤال ما لا يعرف كنهه جهلاً وغباوة، ووعظه أن لا يعود إليه وإلى أمثاله من أفعال الجاهلين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإما أن يتعلق بالمستقر في قولك: (لَكَ)، كما تقول: أليس لك فيه رضا".
وحاصل هذا الوجه: أن (عِلْمٌ) اسم (لَيْسَ)، و (لَكَ) خبر، و (بِهِ) يتعلق بالجر، وكذلك قوله: (مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ).
قوله: (وذكر المسألة دليل على أن النداء كان قبل أن يغرق حين خاف عليه): لأن المسألة كالشفاعة في حقه، وطلب نجاته، واستنجاز وعده، وذلك إنما ينفع إذا لم يكن قد غرق، بل كان على مشارفة الهلاك.
فإن قلت: هذه المسألة مذكورة بعد قوله: (فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ* وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ) الآية، فكيف يتصور أنه لم يغرق بعد، وأنه على مشارفة من الهلاك، ولهذا السؤال القوي قال القاضي: "فقال: إن ابني من أهلي، وما له لم ينج؟ ".
قلت: مرد قصة سفينة نوح ﵇ أولاً على الترتيب الأنيق إلى أن ختم بقوله: (وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [هود: ٤٤]، ثم ذكر نداءه ربه في شفاعته في ابنه الواقع في أثناء تلك القصة عند مشارفته الهلاك، لتكون القصة كالمستقلة، على وزان قصة البقرة في تقديم
стр. 3824
فإن قلت: قد وعده أن ينجي أهله، وما كان عنده أن ابنه ليس منهم ديناً، فلما أشفى على الغرق تشابه عليه الأمر، لأن العدة قد سبقت له وقد عرف الله حكيما لا يجوز عليه القبيح وخلف الميعاد، فطلب إماطة الشبهة وطلبُ إماطة الشبهة واجب، فلم زجر وسمي سؤاله جهلاً؟ قلت: إن الله عز وعلا قدّم له الوعد بإنجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم، فكان عليه أن يعتقد أن في جملة أهله من هو مستوجب للعذاب لكونه غير صالح، وأن كلهم ليسوا بناجين، وأن لا تخالجه شبهةٌ حين شارف ولده الغرق في أنه من المستثنين لا من المستثنى منهم، فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب أن لا يشتبه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما هو مؤخر في الوجود، وها هنا عكس اعتناء بشأن هذا النداء وجوابه، وذلك لما اشتمل على أمر من أمور الدين، وهو أن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، قال أبو فراس:
كانت مودة سلمان له نسب … ولم يكن بين نوح وابنه رحم
وأما قول القاضي: "وما له لم ينج؟ " فيرده قول نوح ﵇ أولاً: (وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) [هود: ٤٢]، فإنه قطع بكفره ودخوله في زمرة المغرقين على الطريق البرهاني، وجواب الله عنه آخراً: (فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)، كما سبق.
قوله: (فلم زجر): أي: بقوله: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ).
قوله: (وأن لا تخالجه شبهة)، الجوهري: "خالج في صدري منه شيء: إذا شككت".
قوله: (فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب أن لا يشتبه)، الانتصاف: "في كلامه ما يدل على اعتقاده أن نوحاً صدر منه ما أوجب نسبة الجهل إليه، ومعاتبته على ذلك، وليس كذلك، فإنه تعالى وعده نجاة أهله إلا من سبق عليه القول، ولم يكن كاشفاً لحال ابنه، ولا مطلعاً عليه،
стр. 3825
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وما كان يعتقد كفر ابنه حتى يخرج من الأهل، ويدخل في المستثنى، فلهذا سأل، وهذا بإقامة عذره أولى أن يكون عتباً، فإن نوحاً ﵇ لا يكلفه الله تعالى علم ما استأثر به.
وأما قوله: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ): أي: في المستقبل بعد أن أعلمه الله باطن أمره، وأنه إن سأل بعد ذلك كان من الجاهلين، أو نهي النبي عن أمر لا يقتضي صدوره عنه، ولذلك أمسك النبي واستعاذ منه".
وقلت: قول المصنف: "وكان عليه أن يعتقد" إلى قوله: "وأن يخالجه شك حين شارف ولده الغرق في أنه من المستثنين- أي: من الذين سبق عليهم القول-، لا من المستثنى منهم"، أي: من جملة الأهل في قوله: (احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ) حق، لأنه ﵇ حين قال لابنه: (يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) - أي: من زمرتهم والمعدودين فيهم، وهو أبلغ من أن لو قال: "ولا تكن كافراً"-، وأجابه بقوله: (سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ) إلى قوله: (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ)، وجب عليه أن يعتقد أنه من المستثنين، ومثل هذه القضية من الأمارات، بل من الدلالات التي لا يبقى معه شك، فكيف قال: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)، أي: من المستثنى منهم البتة؟ ! حيث صدر بقوله: (رَبِّ) مستعطفاً، وأردفه بـ "إن" المؤكدة، وضم معه (وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ)، وذيله بقوله: (وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ).
قال القاضي: "استثناء من سبق عليه القول من أهله قد دله على الحال، وأغناه عن السؤال، لكن شغله حب الولد عنه، حتى اشتبه الأمر عليه".
стр. 3826
[(قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ)].
(أَنْ أَسْئَلَكَ) من أن أطلب منك في المستقبل ما لا علم لي بصحته، تأدباً بأدبك واتعاظاً بموعظتك (وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي) ما فرط مني من ذلك (وَتَرْحَمْنِي) بالتوبة عليّ (أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ) أعمالاً.
[(قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ)].
وقرئ: "يا نوح اهبط" بضم الباء، (بِسَلامٍ مِنَّا) مسلماً محفوظاً من جهتنا أو مسلماً عليك مكرّماً (وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ) ومباركاً عليك، والبركات الخيرات النامية، وقرئ: "وبركة" على التوحيد، (وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) يحتمل أن تكون "من" للبيان. فيراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة، لأنهم كانوا جماعات. أو قيل لهم: أمم، لأنّ الأمم تتشعب منهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والبركات: الخيرات النامية): قال الراغب: "البرك: صدر البعير، وبرك البعير: ألقى بركه، واعتبر منه اللزوم، وسمي محبس الماء: بركة، والبركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، قال تعالى: (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) [الأعراف: ٩٦]، وسمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة، ولما كان الخير الإلهي يصدر على وجه لا يحس ولا يحصى قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مبارك، وفيه بركة".
стр. 3827
وأن تكون لإبداء الغاية أي: على أمم ناشئة ممن معك، وهي الأمم إلى آخر الدهر وهو الوجه.
وقوله (وَأُمَمٌ) رفع بالابتداء. و (سَنُمَتِّعُهُمْ) صفة، والخبر محذوف تقديره: وممن معك أمم سنمتعهم، وإنما حذف لأنّ قوله: (مِمَّنْ مَعَكَ) يدل عليه. والمعنى: أنّ السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشئون ممن معك، وممن معك أمم ممتعون بالدنيا منقلبون إلى النار، وكان نوحٌ ﵇ أبا الأنبياء، والخلق بعد الطوفان منه وممن كان معه في السفينة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأن تكون لابتداء الغاية): يريد: أن "من" في قوله: (مِمَّنْ مَعَكَ): إذا جعلت بيانية فالمراد بـ "الأمم": هم الذين كانوا معه في السفينة، وصح تسميتهم بالأمم لأنهم كانوا جماعة، وكل طائفة منها أمة، أو إنما سموا أمماً باعتبار مصير حالهم ومآل أمرهم، وإذا جعلت ابتدائية فالمراد بـ "الأمم": الذين ينشؤون منهم إلى آخر الدهر، وهذا أوجه؛ لما يلزم من الأول تسمية الجماعة القليلة بالأمم، ومن الثاني اعتبارا لمجاز بغير المبالغة.
وأيضاً لا يحسن التقابل بين قوله: (وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ) وبين قوله: (أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) في الأول، كما يحسن في الوجه الأخير؛ فإن الناشئ من الذين في صحبته في السفينة فرقتان: فرقة مؤمنون داخلون تحت سلام الله وبركاته، وفرقة أخرى ممتعون بالدنيا منقلبون إلى النار، وإليه الإشارة بقوله: "إن السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشؤون ممن معك، وممن معك أمم ممتعون بالدنيا، منقلبون إلى النار"، ومن ثم قال: "وهو الوجه".
وفي قطع الجملة الثانية بالابتداء عن سنن الجملة الأولى: الدلالة على أن التمتع الجسماني والاشتغال به يخرج الإنسان عن حكم الصالحين من عباده، وأن التبتل إلى الله يدخله في
стр. 3828
وعن كعب بن محمد القرظي: دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنةٍ إلى يوم القيامة، وفيما بعده من المتاع والعذاب: كل كافر. وعن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض ثم أخرج منهم نسلا، منهم من رحم ومنهم من عذب. وقيل: المراد بالأمم الممتعة: قوم هود وصالح ولوط وشعيب.
[(تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)].
(تِلْكَ) إشارة إلى قصة نوح ﵇. ومحلها الرفع على الابتداء، والجمل بعدها أخبار، أي: تلك القصة بعض أنباء الغيب موحاة إليك، مجهولة عندك وعند قومك (مِنْ قَبْلِ هذا) مِن قبل إيحائي إليك وإخبارك بها. أو من قبل هذا العلم الذي كسبته بالوحي. أو من قبل هذا الوقت،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زمرة الأنبياء والصالحين، وينظر هذا إلى قوله: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)، وأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب.
قوله: (والجمل بعدها أخبار): قال القاضي: " (نُوحِيهَا) خبر ثان، والضمير لها، أي: موحاة إليك، ويجوز أن يكون حالاً من "الأنباء"، وأن يكون هو الخبر، و (مِنْ): إما متعلق به، أو حال من الهاء في (نُوحِيهَا)، وقوله: (مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ) خبر ثالث، أي: مجهولة عندك وعند قومك، ويجوز أن يكون حالاً من [الهاء في] (نُوحِيهَا)، أو الكاف في (إِلَيْكَ)، أي: غير عالم أنت وقومك بها".
стр. 3829
(فَاصْبِرْ) على تبليغ الرسالة وأذى قومك، كما صبر نوح وتوقع في العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما قيض لنوح ولقومه (إِنَّ الْعاقِبَةَ) في الفوز والنصر والغلبة (لِلْمُتَّقِينَ).
وقوله (وَلا قَوْمُكَ) معناه: إنّ قومك الذين أنت منهم على كثرتهم ووفور عددهم إذا لم يكن ذلك شأنهم ولا سمعوه ولا عرفوه، فكيف برجلٍ منهم؟ ! كما تقول لم يعرف هذا عبد الله ولا أهل بلده.
[(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ* يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ* وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما قيض لنوح)، الجوهري: "قيض الله فلاناً لفلان؛ أي: جاءه به وأتاحه- أي: قدره- له"، والذي قدر لنوح: هو النجاة، ولقومه: الهلاك.
قوله: (لم يعرف هذا عبد الله ولا أهل بلده): إشارة إلى أن الأسلوب من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى- كقوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى) [البقرة: ١٢٠]- لقوله: "إن قومك على كثرتهم إذا لم يعرفوه، فكيف برجل منهم"، فوضع "برجل منهم" موضع "أنت" اعتباراً للقلة، لتحصيل الترقي.
ويجوز أن يكون من باب التكميل، لأن تلك الأنباء مقصوصة لتسلي رسول الله ﷺ من إيذاء قومه له، يدل عليه ترتب قوله: (فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) عليها، ثم ضم إليه ما يتنبه به القوم على التهديد، كأنه قيل: إنما قصصنا عليك وعلى قومك قصة نوح ليكون تسلياً لك واعتباراً لقومك.
стр. 3830
(أَخاهُمْ) واحداً منهم، وانتصابه للعطف على (أرسلنا نوحاً) [هود: ٢٥]، و (هُوداً) عطف بيان. و (غَيْرُهُ) بالرفع: صفة على محل الجار والمجرور. وقرئ: غيره، بالجرّ صفة على اللفظ (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) تفترون على الله الكذب باتخاذكم الأوثان له شركاء.
ما من رسولٍ إلا واجه قومه بهذا القول، لأنّ شأنهم النصيحة، والنصيحة لا يمحصها ولا يمحضها إلا حسم المطامع، وما دام يتوهم شيء منها لم تنجع ولم تنفع (أَفَلا تَعْقِلُونَ) إذ تردّون نصيحة من لا يطلب عليها أجراً إلا من الله. وهو ثواب الآخرة، ولا شيء أنفى للتهمة من ذلك.
قيل: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) آمنوا به (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) من عبادة غيره، لأن التوبة لا تصلح إلا بعد الإيمان، و"المدرار": الكثير الدرور، كالمغزار. وإنما قصد استمالتهم إلى الإيمان وترغيبهم فيه بكثرة المطر وزيادة القوّة، لأنّ القوم كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات، حراصاً عليها أشد الحرص،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي قول المصنف: " (فَاصْبِرْ) على تبليغ الرسالة وأذى قومك، كما صبر نوح، وتوقع في العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما قيض لنوح ولقومه": إشعار به، وفي قوله تعالى: (إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ): تعريض بالمشركين، وتنبيه على الدمار.
قوله: (لا يمحصها): محصت الذهب بالنار: إذا خلصته مما يشوبه.
قوله: ((اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) آمنوا به، (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) من عبادة غيره): قال القاضي: "اطلبوا مغفرة الله [بالإيمان]، ثم توسلوا إليها بالتوبة، وأيضاً التبري عن الغير إنما يكون بعد الإيمان منهم بالله، والرغبة فيما عنده".
стр. 3831
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال صاحب "الفرائد": الاستغفار: طلب الغفران، ويستلزم اعتقاد أن ما مضى ذنب، وهو يستلزم الإيمان، لأن ما مضى منهم كفر، والاستغفار ها هنا هو التوبة عن الكفر، فعلى هذا: قوله تعالى: (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) معناه: دوموا على التوبة؛ بدلالة "ثم"، ولأن الفعل يذكر ويراد به الثبات، كقوله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) [طه: ٨٢].
وقلت: الذي يقتضيه النظم حمل (اسْتَغْفِرُوا) على الاستغفار عن الذنوب بعد الإيمان، وحمل (تُوبُوا) على الدوام، كما يؤمر المسلمون بذلك، لأن قول هود لقومه: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) متضمن للأمر بالإيمان واختصاص الله بالعبادة، كما سبق في الأعراف في قصة نوح: أن قوله: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: ٥٩]، أي: بيان لتضمنه معنى اختصاص العبادة بالله، لأنه ﵇ قال لقومه وهم مشركون: (اعْبُدُوا اللَّهَ).
وفائدة هذا الأمر الإيذان بأن العبادة المقرونة بالإشراك ليست عبادة في الحقيقة، فخصوه بالعبادة إن كنتم تعبدونه، ثم بين بقوله: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) هذا المعنى، ثم لما أتبعه: (يَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)، وجب حمله على معنى زائد عليه، وهو ما قاله في مفتتح السورة: "استغفروا، والاستغفار التوبة، ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها".
وفيه أيضاً: أن الاستغفار سبب لإنزال البركات من السماء وكل خير، فيدخل في هذا
стр. 3832
فكانوا أحوج شيء إلى الماء. وكانوا مدلين بما أوتوا من شدّة القوّة والبطش والبأس والنجدة، مستحرزين بها من العدوّ، مهيبين في كل ناحية. وقيل: أراد القوّة في المال. وقيل: القوّة على النكاح وقيل: حبس عنهم القطر ثلاث سنين وعقمت أرحام نسائهم.
وعن الحسن بن عليّ ﵄ أنه وفد على معاوية، فلما خرج تبعه بعض حجابه فقال: إني رجل ذو مال ولا يولد لي، فعلمني شيئاً لعلّ الله يرزقني ولداً، فقال: عليك بالاستغفار، فكان يكثر الاستغفار حتى ربما استغفر في يوم واحدٍ سبع مئة مرة، فولد له عشرة بنين، فبلغ ذلك معاوية فقال: هلا سألته ممَّ قال ذلك، فوفد وفدة أخرى، فسأله الرجل فقال: ألم تسمع قول هود ﵇ (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ)، وقول نوح ﵇ (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ) [نوح: ١٢].
(وَلا تَتَوَلَّوْا) ولا تعرضوا عنى وعما أدعوكم إليه وأُرغبكم فيه (مُجْرِمِينَ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأمر المسلمون أيضاً، كما رواه المصنف عن الحسن بن علي ﵄ في حديث معاوية رضيا لله عنه، ولذلك شرع الاستغفار في الاستسقاء.
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون التكرار لتعليق زيادة خلا عنها الكلام الأول، وهو قوله: (يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ)؟ قلت: هذا سائغ، لكن هذا المعنى أليق بفصاحة القرآن، وأكثر فائدة.
قوله: (وكانوا مدلين بما أوتوا من شدة القوة)، الجوهري: "وهو يدل بفلان، أي: يثق به"، قال أبو البقاء: " (يزدكم) متضمن لمعنى: يضفكم، ولهذا عدي بـ "إلى"، ويجوز أن يكون صفة لـ (قُوَّةً)، أي: قوة مضافة إلى قوتكم"، وقيل: أراد القوة في المال، قال السجاوندي: أي: قوة الإيمان إلى قوة الأبدان.
стр. 3833
مصرّين على إجرامكم وآثامكم.
[(قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)].
(ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ) كذب منهم وجحود، كما قالت قريش لرسول الله ﷺ : (لولا أُنزل عليه آية من ربه) [يونس: ٢٠، الرعد: ٧ و ٢٧]، مع فوت آياته الحصر (عَنْ قَوْلِكَ) حال من الضمير في "تاركي آلهتنا"، كأنه قيل: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك (وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) وما يصح من أمثالنا أن يصدقوا مثلك ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: يمكن أن تفسر "القوة" بما في سورة نوح لقوله: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً)، [نوح: ١٠ - ١٢].
قوله: (وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك): قدر "عن قولك" حالاً من فاعل (بِتَارِكِي)، قال السجاوندي: "عن" يستعمل في معنى الباء حقيقة، لا قائماً مقامه، قال عن يقين وبيقين، وسأل به وعنه. وقلت: الأحسن أن يضمن "الترك" معنى: الصدور، فـ "عن" مثلها في قوله: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) [الكهف: ٨٢]، وقوله:
ينهون عن أكل وعن شرب
قوله: (وما يصح من أمثالنا أن يصدقوا مثلك): على أسلوب قولك: مثلك يجود، ومثلك لا يبخل، بمعنى: ما يصح منا أن نصدقك، وفيه المبالغة، وأشار بهذا إلى أن قوله: (وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) تذييل للكلام السابق وتأكيد لمضمونه، كما في قوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: ٥١ و ٩٢] على وجه، وذلك أنهم لما قالوا: (مَا
стр. 3834
فيما يدعوهم إليه، إقناطاً له من الإجابة.
[(إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ)].
(اعْتَراكَ) مفعول (نقول)، و (إلا) لغو،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) فهم منه أنه لا يصلح للنبوة وأن تصدق دعواه؛ لأن النبوة إنما تثبت بالمعجزة، ولا معجزة، ولما قالوا: (وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا) مؤكداً للنفي بالباء، وللفاعل بإيلاء حرف النفي الضمير، علم أنهم ثابتون على ما هم عليه غير زائلين عنه، فجاؤوا بعد ذلك بقولهم: (وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) توكيداً لمضمون ذينك الكلامين، ليفيد ما قاله من الكناية. وتلخيصه: ما يصح منا- وصفتنا أنا ثابتون على ما نحن عليه- أن نصدقك، وصفتك أنك خلو عن حجة وبينة. فعمهما ليحسن التذييل.
قوله: (إقناطاً [له] من الإجابة): مفعول له، أي: قالوا هذا القول إقناطاً له.
قوله: ((اعْتَرَاكَ)) أي: أصابك، من: عراه يعروه: إذا أصابه. الراغب: "العرا- مقصور-: الناحية، وعراه واعتراه: قصد عراه، قال تعالى: (إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ)، والعروة: ما يتعلق به من عراه، أي: ناحيته".
قوله: ((إِلَّا) لغو): أي: لا عمل لها في اللفظ، لكن لها عمل في المعنى، أما أنه لا عمل
стр. 3835
والمعنى: ما نقول إلا قولنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء، أي: خبلك ومسك بجنون لسبك إياها وصدّك عنها وعداوتك لها. مكافأة لك منها على سوء فعلك بسوء الجزاء، فمن ثم تتكلم بكلام المجانين وتهذى بهذيان المبرسمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لها في اللفظ: فلأنه يؤتى بها لمعاونة الفعل في غير المفرغ، ذكره في "الإقليد"، ولا حاجة ها هنا إلى المعونة والواسطة، لأن الفعل فرغ للمعمول، وأما أن لها عملاً في المعنى: فلأن المراد: ما نقول قولاً إلا هذا القول، وهو اعتراك بعض آلهتنا، وقال ابن الحاجب: "العامل في الاستثناء ما قبله بواسطة "إلا" إذا كان فضلة".
قوله: (ما نقول إلا قولنا: اعتراك): يريد: أن (اعْتَرَاكَ) مقول القول، أقيم مقام المصدر، وسبق الاختلاف فيه؛ أن المقول هل هو مفعول به أو مفعول مطلق؟
قوله: (خبلك)، الجوهري: "الخبل- بالتحريك-: الجن، يقال: به خبل، أي: شيء من أهل الأرض، وقد خَبَلَه وخبَّله واختبله: إذا أفسد عقله أو عضوه".
قوله: (المبرسمين)، الجوهري: "البرسام: علة معروفة، وقد برسم الرجل فهو مبرسم"، وفي "الأسباب والعلامات": البرسام: ورم يحدث في الحجاب المعترض بين الكبد والمعدة،
стр. 3836
وليس بعجب من أولئك أن يسموا التوبة والاستغفار خبلا وجنوناً وهم عادٌ أعلام الكفر وأوتاد الشرك. وإنما العجب من قوم من المتظاهرين بالإسلام سمعناهم يسمون التائب من ذنوبه مجنونا والمنيب إلى ربه مخبلا، ولم نجدهم معه على عُشر مما كانوا عليه في أيام جاهليته من الموادّة، وما ذاك إلا لعِرقٍ من الإلحاد أبى إلا أن ينبض، وضب من الزندقة أراد أن يطلع رأسه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيزول العقل لاتصال هذا الحجاب بحجب الدماغ.
قوله: (وهم عاد أعلام الكفر): ذكر "عاد" مقحم لمزيد تقرير كفرهم، وأنهم مشهورون فيه، حيث صار اسمهم في العتو كالوصف، كما يقال: هو حاتم الجود.
قوله: (المتظاهرين بالإسلام): التظاهر: تفاعل؛ من الظهور.
قوله: (وضب من الزندقة) أي: غل، الأساس: "ومن المجاز: في قلبه ضب؛ أي: غل داخل، كالضب المعن في جحره، قال سابق:
ولا تك ذا وجهين يبدي بشاشة … وفي صدره ضب من الغل كامن"
قوله: (أن ينبض) و (أن يطلع): كالترشيحين، وإنما قلت: "كالترشيحين"؛ لأن "من الإلحاد" و"من الزندقة" أخرجا "العرق" و"الضب" أن يكونا مستعارين، كقوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧].
стр. 3837
وقد دلت أجوبتهم المتقدّمة على أنّ القوم كانوا جفاة غلاظ الأكباد، لا يبالون بالبهت ولا يلتفتون إلى النصح. ولا تلين شكيمتهم للرشد. وهذا الأخير دال على جهل مفرط وبلهٍ متناه، حيث اعتقدوا في حجارة أنها تنتصر وتنتقم، ولعلهم حين أجازوا العقاب كانوا يجيزون الثواب.
من أعظم الآيات أن يواجه بهذا الكلام رجل واحد أمّة عطاشاً إلى إراقة دمه. يرمونه عن قوس واحدة، وذلك لثقته بربه وأنه يعصمه منهم، فلا تنشب فيه مخالبهم. ونحو ذلك قال نوح ﵇ لقومه (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ) [يونس: ٧١]، أكد براءته من آلهتهم وشركهم ووثقها بما جرت به عادة الناس من توثيقهم الأمور بشهادة الله وشهادة العباد، فيقول الرجل: الله شهيد على أنى لا أفعل كذا، ويقول لقومه: كونوا شهداء على أنى لا أفعله.
فإن قلت: هلا قيل: إني أشهد الله وأشهدكم؟ قلت: لأنّ إشهاد الله على البراءة من الشرك إشهاد
صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد وشدّ معاقده،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد دلت أجوبتهم المتقدمة): وهي (مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) إلى قوله: (وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) [هود: ٥٣]، ودلالتها على غلظ قلوبهم من حيث تلك التوكيدات التي أشرنا إليها، وهذا الأخير- وهو قوله: (إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ) - دال على جهل مفرط.
قوله: (من أعظم الآيات أن يواجه بهذا): "أن يواجه": مبتدأ، و"من أعظم": الخبر، والمشار إليه بقوله: "هذا": قوله: (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ) إلى آخر الآية، لأنه ﵇ قابلهم في التوكيد، وزاد عليهم.
قوله: (إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد) إلى آخره، الانتصاف: "تلخيص
стр. 3838
وأمّا إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم فحسب، فعدل به عن لفظ الأوّل لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر بالشهادة، كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه. اشهد علي أني لا أحبك، تهكما به واستهانة بحاله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلام الزمخشري أن صيغة الخبر تقتضي الإخبار بوقوع المخبر به، وإشهاده لله حقيقة، وإشهاده إياهم لما لم يكن حقيقة كان من مجاز ورود الأمر بمعنى التهديد، ويحتمل أن يكون إشهاده لهم حقيقة لإقامة الحجة، وعدل عن الخبر إلى الأمر ليميز خطابهم عن خطاب الله تعالى".
وقلت: الأول هو الوجه، لأنه قد تقرر في البيان أن إجراء الكلام على مقتضى الظاهر لا يتضمن من النكتة واللطيفة ما يتضمنه الإجراء على خلاف المقتضى، فإن قوله: (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ) كلام جار على الإخبار عن براءته من شركهم، فيفيد ما قال: "إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد، وأما قوله: (وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) فغير جار على مقتضاه، لأن أحداً لا يقول لعدوه المناوئ: اشهد أني بريء عنك، إلا أنه ينبهه بأنه لا يبالي به، ولا يخاف غوائله، وإليه الإشارة بقوله: "فما هو إلا تهاون بهم".
قوله: (يبس الثرى)، الأساس: "والتقى الثريان: مثل في سرعة تواد الرجلين، وأصله: أن يسقط الغيث الجود، فيلتقي نداه وندى الأرض العتيق تحتها. ولا توبس الثرى بيني وبينك؛ أي: لا تقاطعني، قال جرير:
ولا توبسوا بيني وبينكم الثرى … فإن الذي بيني وبينكم مثري"
الجوهري: "ما بيني وبينك مثر، أي: أنه لم ينقطع، وهو مثل، كأنه قال: لم ييبس الثرى
стр. 3839
(مِمَّا تُشْرِكُونَ* مِنْ دُونِهِ) من إشراككم آلهة من دونه، أو مما تشركونه من آلهة من دونه، أي: أنتم تجعلونها شركاء له، ولم يجعلها هو شركاء. ولم ينزل بذلك سلطاناً،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بيني وبينك، وفي الحديث: (بلوا أرحامكم ولو بالسلام) "؛ استعار "البل" لمعنى الوصل، واليبس: بمعنى القطع.
قوله: (أو مما تشركونه من آلهة): فعلى هذا: "ما" موصولة، ولهذا جاء بالضمير المحذوف، و"من آلهة" بيان "ما"، و"من دونه" صفة "آلهة"، أو حال من فاعل "تشركون"، أي: تشركون مجاوزين الله تعالى في هذا الحكم، فإنهم إذا حكموا بغير ما حكم الله تعالى به فقد جاوزوا حكمه.
وعلى الأول: "ما" مصدرية، و"دون" بمعنى: غير، صفة أيضاً، كما قدره: "من إشراككم آلهة من دونه"، أي: غيره.
стр. 3840
(فَكِيدُونِي جَمِيعاً) أنتم وآلهتكم أعجل ما تفعلون، من غير إنظار، فإني لا أبالي بكم وبكيدكم، ولا أخاف معرّتكم وإن تعاونتم عليّ وأنتم الأقوياء الشداد، فكيف تضرني آلهتكم، وما هي إلا جماد لا تضر ولا تنفع، وكيف تنتقم مني إذا نلت منها وصددت عن عبادتها، بأن تخبلنى وتذهب بعقلي.
[(إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ)].
ولما ذكر توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته من كيدهم، وصفه بما يوجب التوكل عليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم، من كون كل دابة في قبضته وملكته وتحت قهره وسلطانه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أعجل ما تفعلون): "أعجل": منصوب على الظرف من قوله: (فَكِيدُونِي)، أي: فكيدوني زماناً أعجل أوقات ما تفعلون، كقوله: أخطب ما يكون الأمير.
قوله: (فكيف تضرني آلهتكم): هذا يؤذن أن قوله: (فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) جواب عن قولهم: (إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا) على المبالغة، وأن قوله: (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) مقدمة وتمهيد للجواب، فإنهم لما سموها آلهة، وأثبتوا لها الضرر، نفى هو بقوله: (أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) كونهم آلهة رأساً، ثم نفى الضرر بقوله: (فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) على أبلغ وجه، كما قال: لا أخاف فسادكم ومضرتكم، فكيف بالجماد الذي هو أوهن من بيت العنكبوت.
قوله: (نلت منها): أي: عبتها واشتفيت غيظي منها.
قوله: (وصفه بما يوجب التوكل عليه): أي: في هذا المقام، ويدل أنه ﵇ رتب
стр. 3841
والأخذ بنواصيها، تمثيل لذلك (إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) يريد: أنه على طريق الحق والعدل في ملكه، لا يفوته ظالم، ولا يضيع عنده معتصم به.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا) فإن تتولوا. فإن قلت: الإبلاغ كان قبل التولي، فكيف وقع جزاء للشرط؟ قلت: معناه فإن تتولوا لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ، وكنتم محجوجين بأنّ ما أرسالات به إليكم قد بلغكم فأبيتم إلا تكذيب الرسالة وعداوة الرسول (وَيَسْتَخْلِفُ) كلام مستأنف، يريد: ويهلككم الله،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حكم توكله على الله والالتجاء إليه من كيدهم على الوصف المناسب، أثبت بقوله: (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) صفة المالكية والقهارية، وبقوله: (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وصف العدل، فلكونه مالكاً لا يفوته أحد، ولكونه قاهراً لا يعجزه شيء، ولكونه عادلاً لا يضع كل شيء إلا في موضعه، فمن يكون كذلك فمن حق الملتجئ أن لا يلتجئ إلا إليه.
قوله: (الإبلاغ كان قبل التولي): يعني: من حق الجزاء أن يكون مسبباً عن الشرط، والسبب مقدم على المسبب، فما باله مؤخر؟ والجواب: أن الجزاء مبني على الإخبار والإعلام والتوبيخ، يعني: توليكم عما جئت به من الحق سبب لأن أخبركم أني ما قصرت في التبليغ، وأنكم تجاوزتم حد الإنصاف، وأبيتم قبول الحق، وكنتم محجوجين، لأن الغرض في إرسال الرسل الإبلاغ، فقد حصل ذلك، فلزمتكم الحجة، قال القاضي: " (فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ) فقد أديت ما علي من الإبلاغ وإلزام الحجة".
قوله: ((وَيَسْتَخْلِفُ) كلام مستأنف): أي: ليس بداخل في حيز الجملة الشرطية جزاء عنه، كما في الوجه الثاني، بل يكون جملة مستقلة برأسها، معطوفة على الجملة الشرطية،
стр. 3842
ويجيء بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم وأموالكم، (وَلا تَضُرُّونَهُ) بتوليكم (شَيْئاً) من ضرر قط، لأنه لا يجوز عليه المضارّ والمنافع، وإنما تضرون أنفسكم.
وفي قراءة عبد الله: "ويستخلف" بالجزم. وكذلك: "ولا تضروه"؛ عطفاً على محل (فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ) والمعنى: إن يتولوا يعذرني ويستخلف قوماً غيركم ولا تضروا إلا أنفسكم.
(عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) أي: رقيب عليه مهيمن، فما تخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مؤاخذتكم. أو من كان رقيباً على الأشياء كلها حافظاً لها وكانت مفتقرة إلى حفظه من المضارّ، لم يضر مثله مثلكم.
[(وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
مؤذنة بأن الحجة قد لزمتهم بإبلاغ الرسول ما عليه من التبليغ وتوليهم عنه، وأن الله يهلكهم ويستخلف في ديارهم قوماً غيرهم، فعلى هذا: الجملة الشرطية برأسها إخبار بإلزام الحجة عليهم، والجملة الثالثة ابتداء إخبار باستخلاف غيرهم بعد إهلاكهم.
قوله: (أو: من كان رقيباً على الأشياء كلها): على هذا الوجه: (إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) كالتعليل لقوله: (وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً)، وعلى الأول: تعليل لقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ) ولقوله: (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ).
стр. 3843
(وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) قيل: كانوا أربعة آلاف. فإن قلت: ما معنى تكرير التنجية؟ قلت: ذكر أولاً أنه حين أهلك عدوهم نجاهم، ثم قال: (وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) على معنى: وكانت تلك التنجية من عذاب غليظ، وذلك أنّ الله بعث عليهم السموم فكانت تدخل في أنوفهم وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضواً عضواً. وقيل: أراد بالثانية التنجية من عذاب الآخرة، ولا عذاب أغلظ منه وأشدّ.
وقوله: (برحمة منا): يريد: بسبب الإيمان الذي أنعمنا عليهم بالتوفيق له.
[(وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ* وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ)].
(وَتِلْكَ عادٌ) إشارةٌ إلى قبورهم وآثارهم، كأنه قال: سيحوا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا، ثم استأنف وصف أحوالهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أراد بالثانية التنجية من عذاب الآخرة): الحاصل: أن التكرير لتعليق أمر زائد على الأول؛ إما بحسب الإبهام والتفسير، على نحو: أعجبني زيد وكرمه، وإما بحسب التغاير في الذات.
قوله: ((وَتِلْكَ عَادٌ) إشارة إلى قبورهم): قال القاضي: "أنث اسم الإشارة باعتبار القبيلة، أو لأن الإشارة إلى قبورهم وآثارهم". وقلت: كأنه آذن بتصوير تلك القبيلة في الذهن، ثم أشار إليها وجعلها خبراً للمبتدأ لمزيد الإبهام، فيحسن التفسير بقوله: (جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) كل الحسن لمزيد الإجمال والتفصيل، وينصر الثاني أن هذه الآية واردة بعد هلاك القوم.
стр. 3844
فقال: (جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ)، لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل الله، (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) [البقرة: ٢٨٥]، قيل: لم يرسل إليهم إلا هود وحده (كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) يريد رؤساءهم وكبراءهم ودعاتهم إلى تكذيب الرسل. ومعنى اتباع أمرهم: طاعتهم.
ولما كانوا تابعين لهم دون الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين تكبهم على وجوههم في عذاب الله. و (أَلا) وتكرارها مع النداء على كفرهم والدعاء عليهم: تهويل لأمرهم وتفظيع له، وبعث على الاعتبار بهم والحذر من مثل حالهم.
فإن قلت: (بُعْداً) دعاء بالهلاك، فما معنى الدعاء به عليهم بعد هلاكهم؟ قلت: معناه الدلالة على أنهم كانوا مستأهلين له: ألا ترى إلى قوله:
إخْوَتِى لَا تَبْعَدُوا أبَداً … وَبَلَى وَاللَّهِ قَدْ بَعِدُوا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأنهم إذا عصوا رسولهم): فيه حذف، أي: إنما قيل: (وَعَصَوْا رُسُلَهُ)، وما هو إلا رسول، لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل الله، كقوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء: ١٠٥].
قوله: (ولما كانوا تابعين لهم دون الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم): يعني: لما تبع عاد أمر كل جبار عنيد، وعصوا رسل الله، وكذبوا بآيات ربهم، جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين.
وفيه: أنهم لو عكسوا جعلت الرحمة تابعة لهم في الدارين، يدل عليه قوله تعالى: (نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا).
قوله: (و (أَلَا) وتكرارها): عطف على لفظة (أَلَا) على منوال التفسير.
قوله: (إخوتي لا تبعدوا أبداً) البيت: أي: كانوا في حال حياتهم مستأهلين لأن يقال
стр. 3845
(قَوْمِ هُودٍ) عطف بيان لعاد: فإن قلت: ما الفائدة في هذا البيان والبيان حاصل بدونه؟ قلت: الفائدة فيه أن يوسموا بهذه الدعوة وسماً، وتجعل فيهم أمراً محققاً لا شبهة فيه بوجه من الوجوه، ولأنّ عاداً عادان: الأولى: القديمة التي هي قوم هود والقصة فيهم، والأخرى: إرم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لهم: لا تبعدوا أبداً، كأنه يتعرض في المصراع الثاني على نفسه بقوله: "وبلى والله قد بعدوا"، على أنك لم قلت: لا تبعدوا؟ هذه ألفاظ يستعملونها عند المصائب، وليس فيها طلب ولا سؤال، وإنما هي تنبيه على شدة الأمر، وتفاقم الجزع، وتناهي التفجع.
قوله: (الفائدة فيه أن يوسموا بهذه الدعوة وسماً، وتجعل فيهم أمراً محققاً): وذلك أن قوله: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا) إلى قوله: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ)، بعد قوله: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً)، للدلالة على القطع في أنهم إنما استحقوا لعنة الدارين لما جحدوا بآيات الله، وعصوا رسله، وتجبروا، على منوال قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة: ٥]، بعد قوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [البقرة: ٣].
ولما أراد أن يسجل عليهم بالطرد والهلاك، ويجعله كالوسم بهم، أوقع هذا الدعاء خاتمة لقصتهم، مصدراً بحرف التنبيه المتلقية للقسم، وأوقع (قَوْمِ هُودٍ) بياناً وصفة لذكرهم، قال الإمام: "المبالغة في التنصيص تدل على مزيد التأكيد".
وأما الوجه الثاني- وهو قوله: "ولأن عاداً عادان"- فضعيف، لأنه لا لبس في أن عاداً هذه ليست إلا قوم هود، لتصريح اسمه وتكريره في القصة، قيل: عاد الأولى: هي عاد إرم ابن سام بن نوح، وعاد الآخرة: قوم لقيم بن هلال بن هذيم، هكذا في "العرائس".
стр. 3846
[(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ* قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ* قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ* وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَاكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَاخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ* فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ*
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ* وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ* كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ)].
(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) لم ينشئكم منها إلا هو، ولم يستعمركم فيها غيره. وإنشاؤهم منها خلق آدم من التراب (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) وأمركم بالعمارة، والعمارة متنوعة إلى واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لم ينشئكم منها إلا هو): الحصر مستفاد من تقديم الفاعل المعنوي، لأنه مثل: أنا كفيت همك، وأنا قضيت حاجتك.
قوله: (والعمارة متنوعة إلى واجب وندب ومباح ومكروه): فالواجب: مثل سد الثغور، والقناطر المبنية على الأنهر المهلكة، والمسجد الجامع في مصر، والمندوب: كالمسجد والقناطر والمدارس والربط، والمباح: كالبيوت التي يسكن فيها ويكن بها، والحرام: كأبنية الظلمة وغيرهم للمباهاة، واسأل الله المغفرة والتوبة.
стр. 3847
وعمروا الأعمار الطوال، مع ما كان فيهم من عسف الرعايا، فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم، فأوحى إليه: إنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي.
وعن معاوية بن أبي سفيان: أنه أخذ في إحياء الأرض في آخر أمره، فقيل له، فقال: ما حملني عليه إلا قول القائل:
لَيْسَ الفَتَى بِفَتيً لَا يُسْتَضَاءُ بِهِ … وَلَا تَكُونُ لَهُ فِى الأَرْضِ آثَارُ
وقبل: استعمركم من العمر، نحو استبقاكم من البقاء، وقد جعل من العمرى. وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون "استعمر" في معنى أعمر، كقولك "استهلكه" في معنى أهلكه، ومعناه: أعمركم فيها دياركم، ثم هو وارثها منكم عند انقضاء أعماركم. والثاني أن يكون بمعنى جعلكم معمرين دياركم فيها، لأنّ الرجل إذا ورّث داره من بعده فكأنما أعمره إياها، لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لغيره.
(قَرِيبٌ) داني الرحمة سهل المطلب، (مُجِيبٌ) لمن دعاه وسأله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد جعل من العمرى)، الجوهري: "أعمرته داراً أو أرضاً أو إبلاً: إذا أعطيته إياها، وقلت: هي لك عمري أو عمرك، فإذا مت رجعت إلي، والاسم: العمرى".
قوله: ((قَرِيبٌ) داني الرحمة سهل المطلب): نحو قول الشاعر:
الله أنجح ما طلبت به
وفي تعليل الاستغفار والتوبة بما يعلل به الدعاء من كونه قريباً مجيباً، كقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي) [البقرة: ١٨٦]: الدلالة على أن
стр. 3848
(فِينا) فيما بيننا (مَرْجُوًّا) كانت تلوح فيك مخايل الخير وأمارات الرشد فكنا نرجوك لننتفع بك، وتكون مشاوراً في الأمور ومسترشداً في التدابير، فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا أن لا خير فيك. وعن ابن عباس: فاضلاً خيراً نقدّمك على جميعنا. وقيل: كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه (يَعْبُدُ آباؤُنا) حكاية حال ماضية (مُرِيبٍ) من: أرابه: إذا أوقعه في الريبة، وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين. أو من: أراب الرجل: إذا كان ذا ريبة على الإسناد المجازى.
قيل: (إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) بحرف الشك وكان على يقينٍ أنه على بينة، لأنّ خطابه للجاحدين، فكأنه قال: قدّروا أني على بينة من ربي، وأني نبيّ على الحقيقة، وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربى في أوامره، فمن يمنعني من عذاب الله؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجرد الاستغفار أيضاً سؤال ودعاء، ويؤيده قوله تعالى: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ) [نوح: ١٠ - ١٢] الآية، كما سبق في قصة الحسن ابن علي ﵄.
قوله: (نرجوك لننتفع بك، وتكون مشاوراً في الأمور، ومسترشداً في التدابير): وذلك لإطلاق الرجاء في قولهم: (مَرْجُوّاً).
قوله: (من: أراب الرجل: إذا كان ذا ريبة): أي: لفي شك ذي ريبة، نحو قولهم: جد جده.
قوله: (لأن خطابه للجاحدين): يعني: إنما قال: (إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ) بحرف
стр. 3849
(فَما تَزِيدُونَنِي) إذن حينئذ، (غَيْرَ تَخْسِيرٍ) يعني: تخسرون أعمالي وتبطلونها، أو فما تزيدونني بما تقولون لي وتحملونني عليه غير أن أخسركم، أي: أنسبكم إلى الخسران وأقول لكم إنكم خاسرون.
(آيَةً) نصب على الحال قد عمل فيها ما دلّ عليه اسم الإشارة من معنى الفعل. فإن قلت: فبم يتعلق (لَكُمْ)؟ قلت: بـ (آية) حالاً منها متقدّمة، لأنها لو تأخرت لكانت صفة لها، فلما تقدمت انتصبت على الحال، .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشك، مع أنه على يقين، لأنه من الكلام المنصف، يستدرجهم ويقول: قدروا على زعمي أني على حق، ثم أني عصيت ربي، فلابد أن الله تعالى ينتقم مني، فتفكروا هل تقدرون أن تمنعوا عذاب الله مني، بل ما تزيدونني غير تخسير.
قوله: (إذن حينئذ): أكد "إذن" بـ "حينئذ" ليختص بالظرفية.
قوله: (فلما تقدمت انتصبت على الحال): قيل: هذا قول لم يقل به أحد، لما يلزم منه أن يكون الحال ذا الحال، والأولى: (لَكُمْ) حال عمل فيها معنى الإشارة، و (آَيَةً) حال من الضمير المستتر فيه، فيكونان حالين متداخلين.
وقلت: وقد قال به أبو البقاء والكواشي، وقال الواحدي: " (آيَةً) جازت أن تكون حالاً بمعنى: دالة، فلا امتناع حينئذ [من] وقوعها ذا حال باعتبار الضمير"، وقال الزجاج: "إن نصب (آيَةً) على الحال، المعنى: إذا قال: هذه ناقة الله لكم آية أو آية لكم، فكأنه قال: انتبهوا لها في هذه الحال".
стр. 3850
(عَذابٌ قَرِيبٌ) عاجلٌ لا يستأخرُ عن مسكم لها بسوء إلا يسيراً، وذلك ثلاثة أيام ثم يقع عليكم.
(تَمَتَّعُوا) استمتعوا بالعيش، (فِي دارِكُمْ) في بلدكم، وتسمى البلاد: الديار، لأنه يدار فيه أي: يتصرف. يقال: "ديار بكر" لبلادهم. وتقول العرب الذين حوالى مكة: نحن من عرب الدار، يريدون: من عرب البلد. وقيل: في دار الدنيا. وقيل: عقروها يوم الأربعاء وهلكوا يوم السبت (غَيْرُ مَكْذُوبٍ) غير مكذوب فيه، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: المقصود من هذا التركيب اتصاف المشار إليه بالحال، وتنبيه المخاطب عليه، كما أنك إذا قلت لمن يعرف زيداً: هذا زيد قائماً، تفيده التنبيه على قيامه فقط، وسيجيء تحقيقه في قوله: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً) [هود: ٧٢]، فعلى هذا: فيه التنبيه للقوم على اتصاف الناقة بكونها آية، ثم بيان أن تلك الآية بمن تختص، وقد قال المصنف رحمه الله تعالى في الأعراف: " (لَكُمْ) بيان لمن هي له آية موجبة عليه الإيمان".
قوله: ((تَمَتَّعُوا) استمتعوا بالعيش)، الراغب: "المتوع: الامتداد والارتفاع، يقال: متع النهار، ومتع النبات: ارتفع، والمتاع: انتفاع ممتد الوقت، يقال: متعه الله بكذا، وأمتعه، وتمتع به. وكل موضع ذكر فيه "تمتعوا" في الدنيا فعلى طريق التهديد، وذلك لما فيه من معنى التوسع، قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) [البقرة: ٣٦] تنبيهاً على أن لكل إنسان من الدنيا تمتع مدة معلومة، وقوله تعالى: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) [النساء: ٧٧] تنبيهاً على أن ذلك في جنب الآخرة غير معتد به، ويقال لما ينتفع به في البيت: متاع، قال تعالى: (ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ) [الرعد: ١٧]، وكل ما ينتفع به على وجه فهو متاع، والمتعة: ما تعطى المطلقة لتنتفع بها مدة عدتها، ومتعة النكاح: أن تشارط المرأة بمال معلوم إلى أجل معلوم، فإذا انقضى فارقها من غير طلاق".
стр. 3851
فاتسع في الظرف بحذف الحرف، وإجرائه مجرى المفعول به، كقولك: يوم مشهود، من قوله:
وَيَوْمَ شَهِدْنَاهُ
أو على المجاز، كأنه قيل للوعد: نفي بك، فإذا وفى به فقد صدق ولم يكذب، أو وعد غير كذب، على أنّ "المكذوب" مصدر، كالمجلود والمعقول، وكالمصدوقة بمعنى الصدق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: (ويوم شهدناه): تمامه:
.... سليمان وعامراً … قليل سوى الطعن الدراك نوافله
ويروى: "الطعن النهال".
و"النهال": جمع ناهل، مثل: طلاب وطالب، والناهل: الريان والعطشان، وهو صفة "الطعن"، يريد: يروي الرماح العطاش؛ يصف معركة، "شهد": يتعدى إلى مفعول واحد، وها هنا تعدى إلى مفعولين، "قليل": صفة "يوم"، و"نوافله" فاعل "قليل"، والنافلة: العطية إذا كانت تطوعاً، وأسقط لفظة "في" من اللفظ، وسيجيء تمامه بعيد هذا.
стр. 3852
(وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) قرئ مفتوح الميم لأنه مضاف إلى "إذ"، وهو غير متمكن، كقوله:
عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا
فإن قلت: علام عطف؟ قلت: على (نجينا)، لأنّ تقديره: ونجيناهم من خزى يومئذ، كما قال: (وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) [هود: ٥٨]،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: ((وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) قرئ مفتوح الميم): نافع والكسائي، والباقون: بكسرها.
قوله: (على حين عاتبت المشيب على الصبا): تمامه:
وقلت ألما تصح والشيب وازع
الهمزة في "ألما": للاستفهام، و"لما": من الجوازم، و"تصح": من: صحا يصو: إذا أفاق من سكره، "وازع": كاف مانع؛ من الوزع: الكف، يقول: إنه لما عرف الديار التي كان حل بها من يهواه بكى، وعاوده وجده، فعاتب نفسه على صبابتها وعذلها، وقال: "ألما تصح"، أي: آن لك أن تصحو ويزول عنك ما كنت تجده من الغرام في صباك، فإن الشيب كاف عن أمثال هذا.
قوله: (على (نَجَّيْنَا)): لم يرد أن نفس الجار والمجرور عطف على نفس الفعل، فلا يقدر له متعلق، ويعطف، بل يقدر وتعطف الجملة على الجملة، ليكون على وزان قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) [هود: ٥٨]، وتلخيصه: ولما جاء أمرنا نجينا صالحاً من عذاب الدنيا، ونجيناه من خزي يوم القيامة.
стр. 3853
على: وكانت التنجية من خزى يومئذ، أي: من ذله ومهانته وفضيحته، ولا خزي أعظم من خزي من كان هلاكه يغضب الله وانتقامه. ويجوز أن يريد بـ (يومئذ) يوم القيامة، كما فُسر "العذاب الغليظ" بعذاب الآخرة.
وقرئ (أَلا إِنَّ ثَمُودَ) و (لِثَمُودَ) كلاهما بالصرف وامتناعه، فالصرف للذهاب إلى الحىّ أو الأب الأكبر، ومنعه للتعريف والتأنيث، بمعنى القبيلة.
[(وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ* فَلَمَّا رَأي: أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ* وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ* قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ* قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)].
(رُسُلُنا) يريد: الملائكة، عن ابن عباس: جاءه جبريل ﵇ وملكان معه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من خزي يومئذ، أي: من ذله ومهانته)، الراغب: "خزي الرجل: لحقه انكسار؛ إما من نفسه أو من غيره، فالأول: هو الحياء المفرط، ومصدره: الخزاية، والثاني: هو ضرب من الاستخفاف، ومصدره: الخزي، وعلى ما قلنا في "خزي" قولهم: ذل وهان، فإن ذلك متى كان من الإنسان نفسه يقال له: الهون والذل، ويكون محموداً، ومتى كان من غيره يقال له: الهوان والذل، ويكون مذموماً".
قوله: (وقرئ: (أَلا إِنَّ ثَمُودَا)): حمزة وحفص، والباقون: بالتنوين. والكسائي: "ألا بعداً لثمود" بالتنوين، والباقون: بفتح الدال من غير تنوين.
стр. 3854
وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقيل: كانوا تسعة، وعن السدي: أحد عشر (بِالْبُشْرى) هي البشارة بالولد، وقيل: بهلاك قوم لوط، والظاهر: الولد (سَلاماً) سلمنا عليك سلاماً (سَلامٌ) أمركم سلام،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والظاهر: الولد): اعلم أن البشارة هي الإخبار بما يظهر سرور المخبر به، والظاهر: هو اللفظ المحتمل الراجح أحد محتملاته بقرينة، وها هنا: (بِالْبُشْرَى) حال من (رُسُلُنَا)، أي: لقد جاءت رسلنا ملتبسين بالبشرى، وهي مطلقة صالحة لكل ما يحصل به سرور المخبر، فعقبت بقوله: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، وبقوله: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ).
ومن قال: إن البشرى هلاك قوم لوط، ذهب إلى أن هلاك الظلمة من أجل ما يبشر به المؤمن، قال الله تعالى: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: ٤٥]، وإليه الإشارة بقوله: "فضحكت سروراً بهلاك أهل الخبائث".
ولا شك أن الأول أظهر دلالة من الثاني؛ لتصريح ذكر البشارة فيه.
ثم قوله: (وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى): التعريف فيه للعهد الخارجي، فإذا جعل المعهود ما يفهم من قوله: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) كان من قبيل التعريف في "الذكر" في قولها: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) [آل عمران: ٣٦] الراجع إلى معنى قوله: (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً) [آل عمران: ٣٥]، فإنه دال على أن المطلوب كان ذكراً، وإذا جعل المعهود معنى قوله: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ) كان من قبيل قولك: انطلق الرجل، والمنطلق ذو جد.
ولا ارتياب أن الثاني أظهر، ولذلك قال محيي السنة: " (وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى) بإسحاق ويعقوب"، وأشار إليه المصنف بقوله: "لما اطمأن قلبه بعد الخوف، وملئ سروراً بدل الغم، فرغ للمجادلة"، ولناصر الثاني أن يقول: إن هذه البشرى في مقابلة قوله: (فَبَشَّرْنَاهَا)، فكما أن امرأته ﵇ ضحكت وتعجبت من تلك البشارة، و (قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا
стр. 3855
وقرئ: "فقالوا سلماً قال سلم"؛ بمعنى: السلام. وقيل: سلمٌ وسلام، كحرم وحرام، وأنشد:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً)، وهذا نوع من الجدال، كذلك إبراهيم ﵇ لما بشر بهلاك القوم اهتم بشأن المؤمنين، وجادل الرسل فيهم، والله أعلم.
قوله: (وقرئ: "فقالوا سلماً"): حمزة والكسائي: بكسر السين وإسكان اللام، والباقون: بفتح السين واللام وألف بعدها، قال الزجاج: "وأما "سلم": فعلى معنى: أمري سلم"، أي: لست ممن يريد غير السلامة والصلح.
الراغب: "السلام والسلامة: التعري من الآفات الظاهرة والباطنة، قال تعالى: (إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء: ٨٩]، أي: متعر من الدغل، فهذا في الباطن، وقال تعالى: (مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا) [البقرة: ٧١]، فهذا في الظاهر، والسلامة في الحقيقة ليست إلا في الجنة، لأن فيها بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعزاً بلا ذل، وصحة بلا سقم، قال الله تعالى: (فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ) [الذاريات: ٢٥]، وإنما رفع الثاني؛ لأنه في باب الدعاء أبلغ، فكأنه تحرى في باب الأدب المأمور به في قوله: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا) [النساء: ٨٦].
ومن قال: "سلم"، فلأن السلام لما كان يقتضي السلم، وكان إبراهيم أوجس منهم خيفة، فلما رآهم مسلمين تصور من تسليمهم أنهم قد بذلوا له سلماً، فقال في جوابهم: "سلم"، تنبيهاً على أن ذلك من جهتي لكم كما حصل من جهتكم لي".
следующие страницы →