Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
فاتسع في الظرف بحذف الحرف، وإجرائه مجرى المفعول به، كقولك: يوم مشهود، من قوله:
وَيَوْمَ شَهِدْنَاهُ
أو على المجاز، كأنه قيل للوعد: نفي بك، فإذا وفى به فقد صدق ولم يكذب، أو وعد غير كذب، على أنّ "المكذوب" مصدر، كالمجلود والمعقول، وكالمصدوقة بمعنى الصدق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: (ويوم شهدناه): تمامه:
.... سليمان وعامراً … قليل سوى الطعن الدراك نوافله
ويروى: "الطعن النهال".
و"النهال": جمع ناهل، مثل: طلاب وطالب، والناهل: الريان والعطشان، وهو صفة "الطعن"، يريد: يروي الرماح العطاش؛ يصف معركة، "شهد": يتعدى إلى مفعول واحد، وها هنا تعدى إلى مفعولين، "قليل": صفة "يوم"، و"نوافله" فاعل "قليل"، والنافلة: العطية إذا كانت تطوعاً، وأسقط لفظة "في" من اللفظ، وسيجيء تمامه بعيد هذا.
стр. 3852
(وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) قرئ مفتوح الميم لأنه مضاف إلى "إذ"، وهو غير متمكن، كقوله:
عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا
فإن قلت: علام عطف؟ قلت: على (نجينا)، لأنّ تقديره: ونجيناهم من خزى يومئذ، كما قال: (وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) [هود: ٥٨]،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: ((وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) قرئ مفتوح الميم): نافع والكسائي، والباقون: بكسرها.
قوله: (على حين عاتبت المشيب على الصبا): تمامه:
وقلت ألما تصح والشيب وازع
الهمزة في "ألما": للاستفهام، و"لما": من الجوازم، و"تصح": من: صحا يصو: إذا أفاق من سكره، "وازع": كاف مانع؛ من الوزع: الكف، يقول: إنه لما عرف الديار التي كان حل بها من يهواه بكى، وعاوده وجده، فعاتب نفسه على صبابتها وعذلها، وقال: "ألما تصح"، أي: آن لك أن تصحو ويزول عنك ما كنت تجده من الغرام في صباك، فإن الشيب كاف عن أمثال هذا.
قوله: (على (نَجَّيْنَا)): لم يرد أن نفس الجار والمجرور عطف على نفس الفعل، فلا يقدر له متعلق، ويعطف، بل يقدر وتعطف الجملة على الجملة، ليكون على وزان قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) [هود: ٥٨]، وتلخيصه: ولما جاء أمرنا نجينا صالحاً من عذاب الدنيا، ونجيناه من خزي يوم القيامة.
стр. 3853
على: وكانت التنجية من خزى يومئذ، أي: من ذله ومهانته وفضيحته، ولا خزي أعظم من خزي من كان هلاكه يغضب الله وانتقامه. ويجوز أن يريد بـ (يومئذ) يوم القيامة، كما فُسر "العذاب الغليظ" بعذاب الآخرة.
وقرئ (أَلا إِنَّ ثَمُودَ) و (لِثَمُودَ) كلاهما بالصرف وامتناعه، فالصرف للذهاب إلى الحىّ أو الأب الأكبر، ومنعه للتعريف والتأنيث، بمعنى القبيلة.
[(وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ* فَلَمَّا رَأي: أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ* وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ* قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ* قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)].
(رُسُلُنا) يريد: الملائكة، عن ابن عباس: جاءه جبريل ﵇ وملكان معه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من خزي يومئذ، أي: من ذله ومهانته)، الراغب: "خزي الرجل: لحقه انكسار؛ إما من نفسه أو من غيره، فالأول: هو الحياء المفرط، ومصدره: الخزاية، والثاني: هو ضرب من الاستخفاف، ومصدره: الخزي، وعلى ما قلنا في "خزي" قولهم: ذل وهان، فإن ذلك متى كان من الإنسان نفسه يقال له: الهون والذل، ويكون محموداً، ومتى كان من غيره يقال له: الهوان والذل، ويكون مذموماً".
قوله: (وقرئ: (أَلا إِنَّ ثَمُودَا)): حمزة وحفص، والباقون: بالتنوين. والكسائي: "ألا بعداً لثمود" بالتنوين، والباقون: بفتح الدال من غير تنوين.
стр. 3854
وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقيل: كانوا تسعة، وعن السدي: أحد عشر (بِالْبُشْرى) هي البشارة بالولد، وقيل: بهلاك قوم لوط، والظاهر: الولد (سَلاماً) سلمنا عليك سلاماً (سَلامٌ) أمركم سلام،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والظاهر: الولد): اعلم أن البشارة هي الإخبار بما يظهر سرور المخبر به، والظاهر: هو اللفظ المحتمل الراجح أحد محتملاته بقرينة، وها هنا: (بِالْبُشْرَى) حال من (رُسُلُنَا)، أي: لقد جاءت رسلنا ملتبسين بالبشرى، وهي مطلقة صالحة لكل ما يحصل به سرور المخبر، فعقبت بقوله: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، وبقوله: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ).
ومن قال: إن البشرى هلاك قوم لوط، ذهب إلى أن هلاك الظلمة من أجل ما يبشر به المؤمن، قال الله تعالى: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: ٤٥]، وإليه الإشارة بقوله: "فضحكت سروراً بهلاك أهل الخبائث".
ولا شك أن الأول أظهر دلالة من الثاني؛ لتصريح ذكر البشارة فيه.
ثم قوله: (وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى): التعريف فيه للعهد الخارجي، فإذا جعل المعهود ما يفهم من قوله: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) كان من قبيل التعريف في "الذكر" في قولها: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) [آل عمران: ٣٦] الراجع إلى معنى قوله: (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً) [آل عمران: ٣٥]، فإنه دال على أن المطلوب كان ذكراً، وإذا جعل المعهود معنى قوله: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ) كان من قبيل قولك: انطلق الرجل، والمنطلق ذو جد.
ولا ارتياب أن الثاني أظهر، ولذلك قال محيي السنة: " (وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى) بإسحاق ويعقوب"، وأشار إليه المصنف بقوله: "لما اطمأن قلبه بعد الخوف، وملئ سروراً بدل الغم، فرغ للمجادلة"، ولناصر الثاني أن يقول: إن هذه البشرى في مقابلة قوله: (فَبَشَّرْنَاهَا)، فكما أن امرأته ﵇ ضحكت وتعجبت من تلك البشارة، و (قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا
стр. 3855
وقرئ: "فقالوا سلماً قال سلم"؛ بمعنى: السلام. وقيل: سلمٌ وسلام، كحرم وحرام، وأنشد:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً)، وهذا نوع من الجدال، كذلك إبراهيم ﵇ لما بشر بهلاك القوم اهتم بشأن المؤمنين، وجادل الرسل فيهم، والله أعلم.
قوله: (وقرئ: "فقالوا سلماً"): حمزة والكسائي: بكسر السين وإسكان اللام، والباقون: بفتح السين واللام وألف بعدها، قال الزجاج: "وأما "سلم": فعلى معنى: أمري سلم"، أي: لست ممن يريد غير السلامة والصلح.
الراغب: "السلام والسلامة: التعري من الآفات الظاهرة والباطنة، قال تعالى: (إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء: ٨٩]، أي: متعر من الدغل، فهذا في الباطن، وقال تعالى: (مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا) [البقرة: ٧١]، فهذا في الظاهر، والسلامة في الحقيقة ليست إلا في الجنة، لأن فيها بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعزاً بلا ذل، وصحة بلا سقم، قال الله تعالى: (فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ) [الذاريات: ٢٥]، وإنما رفع الثاني؛ لأنه في باب الدعاء أبلغ، فكأنه تحرى في باب الأدب المأمور به في قوله: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا) [النساء: ٨٦].
ومن قال: "سلم"، فلأن السلام لما كان يقتضي السلم، وكان إبراهيم أوجس منهم خيفة، فلما رآهم مسلمين تصور من تسليمهم أنهم قد بذلوا له سلماً، فقال في جوابهم: "سلم"، تنبيهاً على أن ذلك من جهتي لكم كما حصل من جهتكم لي".
стр. 3856
مَرَرْنَا فَقُلْنَا إيِه سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ … كَمَا اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الْغَمَامُ اللَّوَائِحُ
(فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ) فما لبث في المجيء به، بل عجل فيه، أو فما لبث مجيئه. و"العجل": ولد البقرة، ويسمى: الحسيل والخبش بلغة أهل السراة، وكان مال إبراهيم ﵊ البقر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال أبو علي: "أما انتصاب (سَلَاماً): فإنه لم يحك شيئاً تكلموا به، فيحكى كما تحكى الجمل، وهو معنى ما تكلمت به الرسل، كما أن القائل إذا قال: "لا إله إلا الله"، فقلت: حقاً، أعملت القول في المصدر، لأنك ذكرت معنى ما قال، ولم تحك نفس الكلام الذي هو جملة تحكى، وكذلك نصب (سَلَاماً)، لما كان معنى ما قيل، ولم يكن نفس المقول بعينه، وأما (سَلَامٌ) فهو مرفوع، لأنه من جملة الجملة المحكية، والتقدير: سلام عليكم، فحذف الخبر".
والمصنف حكى كلامهم، وقدر الناصب، ليكون العدول منه إلى الرفع أبلغ، تأسياً بقوله تعالى: (فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا) [النساء: ٨٦]، كما أشار إليه الراغب.
قوله: (مررنا فقلنا: إيه) البيت: "إيه": اسم فعل، ومعناه: زد، ونظيرها: أف. النهاية: "هي كلمة يراد بها الاستزادة، وهي مبنية على الكسر، فإذا وصلت نونت فقلت: إيه حدثنا".
اكتل البرق: لمع، سحاب مكتل: ملمع، يقول: سلمنا فردت السلام بالبشاشة والطلاقة مثل البرق اللامع.
стр. 3857
(حَنِيذٍ) مشويّ بالرضف في أخدود، وقيل: (حَنِيذٍ) يقطر دسمه، من حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى تقطر عرقاً، ويدل عليه: (بِعِجْلٍ سَمِينٍ) [الذاريات: ٢٦].
يقال: نكره وأنكره واستنكره، ومنكور: قليل في كلامهم، وكذلك: أنا أنكرك، ولكن منكر ومستنكر، وأنكرك. قال الأعشى:
وَأَنْكَرَتْنِى وَمَا كَانَ الَّذِى نَكِرَتْ … مِنَ الْحَوَادِثِ إلّا الشَّيْبَ وَالصَّلَعَا
قيل: كان ينزل في طرفٍ من الأرض، فخاف أن يريدوا به مكروهاً. وقيل: كانت عادتهم أنه إذا مسّ من يطرقهم طعامهم أمنوه وإلا خافوه، والظاهر: أنه أحسّ بأنهم ملائكة، ونكرهم لأنه تخوّف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه أو لتعذيب قومه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
قوله: (بالرضف): الرضف: الحجارة المحماة.
قوله: (وأنكرتني) البيت: يقال: أنكرت الرجل: إذا كنت من معرفته في شك، ونكرته: إذا لم تعرفه. يقول: إن المحبوبة شكت في معرفتي، وما نكرت إلا الشيب والصلع، فإنهما مبغوضان عندها.
وقال المصنف في "الذاريات" في قوله: (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) [الذاريات: ٢٥]: "أي: أنتم قوم منكرون، فعرفوني من أنتم"، أو أراد أنهم ليسوا من معارفه، كما إذا أبصر العرب قوماً من الخزر، ورأى لهم حالاً وشكلاً خلاف حال الناس وشكلهم.
стр. 3858
ألا ترى إلى قولهم: (لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ)، وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيهم أرسلوا.
(وَأَوْجَسَ) فأضمر، وإنما قالوا: (لا تَخَفْ) لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير في وجهه، أو: عرفوه بتعريف الله، أو: علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف، لأنهم كانوا لا ينزلون إلا بعذاب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ألا ترى إلى قولهم: (لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)): أي: الدليل على أن الظاهر أنه ﵇ أحس أنهم ملائكة، وإنما أنكرهم لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله تعالى على إبراهيم ﵇، لا لأنهم ما مسوا طعامه: تعليل النهي- أي: (لا تَخَفْ) - بقولهم: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، وإلا كان مقتضى الظاهر أن يقولوا: إنا رسل الله، وهذا على خلاف ما ذكره في سورة الحجر، قال: "وكان خوفه لامتناعهم من الأكل، وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت".
روى محيي السنة عن قتادة: أن ذلك الخوف لأجل أنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف، ولم يأكل من طعامهم، ظنوا أنه لم يأت بخير، وإنما جاء بشر"، ولم يذكر غير هذا الوجه في هذا المقام.
وقال القاضي: " (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ) أي: أنكر ذلك منهم".
وقلت: الحق- والله تعالى أعلم- أن الخوف إنما صدر عن مجموع كونهم منكرين،
стр. 3859
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكونهم ممتنعين عن الطعام، كما يعلم من الآيات الواردة في هذه القصة، ولأنه لو عرفهم أنهم ملائكة لم يحضر بين أيديهم الطعام، ولم يحرضهم على الأكل، وإنما عدلوا إلى قوله: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، ليكون الكلام جامعاً للمعاني، بحيث يفهم المقصود منه أيضاً.
واعلم أن إيراد قصة واحدة في مقامات متعددة بعبارات مختلفة وأنحاء شت، بحيث لا تغير ولا تناقض البتة: من فصيح الكلام وبليغه، وهو باب من الإيجاز المختص بالإعجاز، ويحتاج في التوفيق إلى قانون يرجع إليه، وهو أن يعمد إلى الاقتصاصات المتفرقة، ويجعل لها أصل؛ بأن يؤخذ من المباني ما هو أجمع للمعاني، فما نقص فيه من تلك المعاني شيء يلحق به.
مثاله فيما نحن بصدده: أنه تعالى قص هذه القصة في هذه السورة على نمط، وفي الحجر على نمط، وفي الذاريات على نمط، قال في الحجر: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ* إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ* قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ* قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي) إلى قوله: (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ* قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) [الحجر: ٥١ - ٥٨]، وفي الذاريات: (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ* فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ* فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَاكُلُونَ* فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) إلى قوله: (فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ* قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) [الذاريات: ٢٥ - ٣٢]، فذكر في هود: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، ثم ذكر البشارة بعده، ولم يذكره في الموضعين، فينبغي أن يقدر فيهما قبل البشارة هذا المعنى، ويقدر في سورة هود بعد الفراغ من البشارة: (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ* قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ)، لأنه لم يذكره فيه، وذكره في الموضعين، وزيد في هود حديث المجادلة عن قوم لوط، ولم يذكر في الموضعين، فيقدر فيهما، واختصر في الحجر- بعد قولهم: "سلاماً"- جوابهم: "قالوا: سلام"، فيقدر ذلك مع ما يتم به المعنى، حتى يتصل بقوله: (لا تَوْجَلْ).
стр. 3860
(وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ) قيل: كانت قائمةً وراء الستر تسمع تحاورهم، وقيل: كانت قائمة على رؤسهم تخدمهم، وفي مصحف عبد الله: "وامرأته قائمة وهو قاعد"، (فَضَحِكَتْ) بزوال الخيفة أو بهلاك أهل الخبائث، أو كان ضحكها ضحك إنكارٍ لغفلتهم، وقد أظلهم العذاب. وقيل: كانت تقول لإبراهيم: اضمم لوطاً ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم عذاب، فضحكت سروراً لما أتى الأمر .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما معنى السؤال في قوله: (فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ)، بعد تقدير ما سبق من قوله: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، فهو: فما شأنكم وما تطلبون بقولكم: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، وفي تصريح ذكر "المرسلين" الدلالة على ذلك، لأن التعريف فيه كما في قولك: المنطلق ذو جد، بعد قولك: انطلق زيد إلى موضع كذا، فأجيب ﵇ بما علم منه أن الإرسال لأجل الإهلاك؛ من قولهم: (إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ)، فالواجب على المفسر الماهر أن يراعي في تفسيره في كل مقام ما يسلم منه من الخطأ.
وأما التوفيق بين مفردات الألفاظ فمن أجل المقاصد، ولا يعلم كنهه بحسب اقتضاء كل مقام إلا الله ، والحمد لله على ما ألهمنا شمة منه.
قوله: (فضحكت سروراً)، الراغب: "الضحك: انبساط الوجه وتكشر الأسنان من سرور النفس، ولظهور الأسنان عنده تسمى مقدمات الأسنان: الضواحك، ويستعمل في السرور المجرد، نحو: (مُسْفِرَةٌ* ضَاحِكَةٌ) [عبس: ٣٨ - ٣٩]، وفي السخرية، نحو: (وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ) [المؤمنون: ١١٠]، وفي التعجب المجرد قال: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ) [هود: ٧١]، وضحكها كان للتعجب، ويدلك عليه قولها: (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) ".
стр. 3861
على ما توهمت، وقيل: (ضحكت) فحاضت، وقرأ محمد بن زيادٍ الأعرابى: "فَضَحِكَتْ" بفتح الحاء.
(إسحاق يَعْقُوبَ) رفع بالابتداء، كأنه قيل: ومن وراء إسحاق يعقوب مولودٌ أو موجود، أي: من بعده، ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((فَضَحِكَتْ) فحاضت): قال محيي السنة: "هو قول مجاهد وعكرمة، والعرب تقول: ضحكت الأرنب، أي: حاضت". الانتصاف: "يبعده: (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) ولو كان الحيض قبل البشارة لم يكن عجباً ولادة من تحيض، وهو معيار الحمل".
وقلت: طريان الحيض في غير إبانه أيضاً داخل في حكم التعجب، لأن الاستفهام في قولها: (أَأَلِدُ) وارد على تقدير الولادة بعد الحيض، والتعجب من هذه القضية ×××× للعادة المستمرة.
الراغب: "من قال: (فَضَحِكَتْ): حاضت، ليس تفسيراً له، كما تصوره بعضهم، وإنما ذلك تنصيصاً لحالها، وأن الله تعالى جعل ذلك أمارة لما بشرت به، فحاضت في الوقت لتعلم أن حملها ليس بمنكر؛ إذ كانت المرأة ما دامت تحيض فإنها تحبل".
قوله: ("يعقوب" رفع بالابتداء): قرأ ابن عامر وحمزة وحفص: (يَعْقُوبَ) بالنصب، والباقون: بالرفع، قال الزجاج: "من نصب يحمل على موضع (فَبَشَّرْنَاهَا) على المعنى، أي:
стр. 3862
وقيل: الوراء: ولد الولد، وعن الشعبي أنه قيل له: أهذا ابنك؟ فقال: نعم، من الوراء، وكان ولد ولده، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهبنا لها إسحاق، ووهبنا لها يعقوب. ومن رفع فعلى ضربين: أحدهما: على التقديم والتأخير، المعنى: ويعقوب يحدث لها من وراء إسحاق. وثانيهما: هو مرفوع بعامل "من وراء"، أي: ثبت لها من وراء إسحاق يعقوب، ومن زعم أنه في موضع خفض فخطأ؛ لأن الجار لا يفصل بينه وبين المجرور، ولا بينه وبين الواو العاطفة، لا يجوز: مررت بزيد في الدار والبيت عمرو".
قال أبو علي: "من فتح "يَعْقُوبَ) أنه مجرور، أي: بشرناها بإسحاق ويعقوب، كان أقوى من الرفع؛ لأنها بشرت بهما، وفي إعمالها ضعف للفصل بين الجار والمجرور، نص سيبويه على قبح نحو: مررت بزيد أول من أمس، وأمس عمرو، وقال أبو الحسن: لو قلت: "مررت بزيد اليوم، وأمس عمرو" لم يحسن".
قوله: (وقيل: الوراء: ولد الولد): القاضي: "ولعله سمي به لأنه بعد الولد، وعلى هذا تكون إضافته إلى "إسحاق" ليس من حيث إن يعقوب وراءه، بل من [حيث] إنه وراء إبراهيم، ومن جهته، وفيه نظر". وقال الإمام: "هذا الوجه عندي شديد التعسف، واللفظ كأنه ينبو عنه".
стр. 3863
وقرئ: (يَعْقُوبَ) بالنصب، كأنه قيل: ووهبنا لها إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، على طريقة قوله:
لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً وَلَا نَاعِبٍ
الألف في (يا وَيْلَتى) مبدلةٌ من ياء الإضافة، وكذلك في «يا لهفاً» و «يا عجباً» وقرأ الحسن: "يا ويلتى" بالياء على الأصل، و (هذا بعلي شَيْخاً) نصبٌ بما دلّ عليه اسم الإشارة، وقرئ: "شيخ"؛ على أنه خبر مبتدأٍ محذوف، أي: هذا بعلي هو شيخ، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ليسوا مصلحين عشيرة): أوله:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة … ولا ناعب إلا ببين غرابها
مضى شرحه، ووجه تشبيه الآية بالبيت: أن يقدر كأنه قيل: وهبنا له إسحاق، ثم عطف عليه "يعقوب"، أي: وهبنا يعقوب، كما أن الشاعر قدر أنه قال: "ليسوا بمصلحين"، فقال: "ولا ناعب"، فقدر في البيت المعدوم موجوداً، وفي الآية عكسه.
قوله: ("يا ويلتي" بالياء على الأصل): قال الزجاج: "في المصحف: "يا ويلتي" بالياء، والقراءة بالألف: إن شئت على التفخيم، وإن شئت على الإمالة، والأصل: "يا ويلتي"، فأبدل من الياء والكسرة: الألف، لأن الألف والفتح أخف من الياء".
قوله: (و (شَيْخاً) نصب بما دل عليه اسم الإشارة): قال الزجاج: "والحال ها هنا من
стр. 3864
أو (بعلي): بدل من المبتدأ، و"شيخ": خبر، أو يكونان معاً خبرين. قيل: بشرت ولها ثمان وتسعون سنة، ولإبراهيم مئة وعشرون سنة (إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) أن يولد ولد من هرمين، وهو استبعاد من حيث العادة التي أجراها الله.
وإنما أنكرت عليها الملائكة تعجبها فـ (قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)؛ لأنها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأمور الخارقة للعادات، فكان عليها أن تتوقر، ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيوت النبوة، وأن تسبح الله وتمجده مكان التعجب، وإلى ذلك أشارت الملائكة صلوات الله عليهم في قولهم (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لطيف النحو وغامضه، وذلك أنك إذا قلت: هذا زيد قائماً، فإن قصدت أن تخبر به من لم يعرف زيداً أنه زيد، لم يجز؛ لأنه يكون زيداً ما دام قائماً، فإذا زال عن القيام فليس بزيد، وإنما تقول: هذا زيد قائماً لمن يعرف زيداً، فيعمل في الحال التنبيه، أي: انتبه لزيد في حال قيامه، أو: أشير إلى زيد في حال قيامه، لأن "هذا" إشارة إلى ما حضر".
وقلت: إنما جعل العلم مشاراً إليه؛ ليؤذن بأن المتكلم في هذا المقام يفيد المخاطب اتصاف المشار إليه بهذا المعنى، كقولها: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً)، أي: انتبهوا أن المانع من التوالد هذا الذي حصل من الشيخوخة، لا أنه بعلي، وإذا لم يعلم كونه بعلاً لها فالفائدة العقلية مع كونها موصوفة بالشيخوخة، فينتفي كونه بعلاً لها عند انتفاء الشيخوخة.
قوله: (أن تتوقر): بالقاف، ويروى بالفاء، يقال: توقر عليه: رعى حرمته، وتتوقر: من الوقار والرزانة.
قوله: (ولا يزدهيها)، الجوهريك "ازدهاه: استخفه وتهاون به".
قوله: (وإلى ذلك أشارت الملائكة في قولهم: (رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ)): أي: إلى هذا
стр. 3865
أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوّة، فليست بمكان عجب.
و"أمر الله": قدرته وحكمته، وقوله: (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ) كلام مستأنف علل به إنكار التعجب، كأنه قيل: إياك والتعجب، فإنّ أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم. وقيل: الرحمة النبوة، والبركات الأسباط من بنى إسرائيل، لأنّ الأنبياء منهم، وكلهم من ولد إبراهيم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المذكور، وهو: عليك أن تتوقري ولا يزدهينك ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيوت النبوة، وأن تسبحي الله وتمجديه مكان التعجب، وذلك أنهم جاؤوا بهذه الجملة مقتطعة عما قبلها من غير عاطف، لتكون الجملة الأولى- وهي قوله: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) - كالمورد للسؤال، وتكون هذه الجملة جواباً عنه، وذلك أنهم لما أنكروا عليها بقوله: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) استبعادها بقولها: (يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً)، تصوروا أنها أضمرت في نفسها: لم كان أمرنا خلاف أمر النسا؟ أجابوا بقولهم: (رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)، يعني: بأن الله خصكم بهذه الفضيلة والإنعام دون سائر الناس، وإليه الإشارة بقوله: "كلام مستأنف علل به إنكار التعجب"، ودل على الاختصاص النداء بقوله: (أَهْلَ الْبَيْتِ)، فإنه من قبيل قولهم: أنا أفعل كذا أيتها العصابة. لله دره، ما أدق إدراكه.
стр. 3866
(حَمِيدٌ) فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده (مَجِيدٌ) كريم كثير الإحسان إليهم.
و(أهل البيت): نصب على النداء أو على الاختصاص، لأن (أَهْلَ الْبَيْتِ) مدح لهم: إذ المراد: أهل بيت خليل الرحمن.
[(فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ* إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ)].
(الرَّوْعُ) ما أوجس من الخيفة. حين نكر أضيافه. والمعنى: أنه لما اطمأن قلبه بعد الخوف ومليء سروراً بسبب البشرى بدل الغم، فرغ للمجادلة.
فإن قلت: أين جواب "لما"؟ قلت: هو محذوف كما حذف قوله (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا) [يوسف: ١٥]، وقوله: (يُجادِلُنا) كلام مستأنف دال على الجواب، وتقديره: اجترأ على خطابنا، أو فطن لمجادلتنا، أو قال: كيت وكيت،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((حَمِيدٌ) فاعل ما يستوجب به الحمد) يعني: "فعيل" بمعنى: فاعل، وهذه الخاتمة كالتذييل والتعليل لما سبق، فإن قولهم: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) متضمن لما أوجب عليها من الوقار والرزانة والتسبيح والتمجيد لا للتعجب- كما ذكر-، يعني: أنه تعالى (حَمِيدٌ) يفعل ما يستوجب به الحمد من عباده، سيما في حقها، (مَّجِيدٌ) كثير الإحسان إلى العباد، خصوصاً في أن جعل بيتها مهبط البركات.
قوله: ((فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا)): فعلوا به ما فعلوا من الأذى.
قوله: ((يُجَادِلُنَا) كلام مستأنف دال على الجواب): أي: ليس بجواب، لأنه مضارع، و"لما" للماضي، قال الزجاج: " (يُجَادِلُنَا) حكاية قد مضت، لأن "لما" وضعت لما قد وقع
стр. 3867
ثم ابتدأ فقال (يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ) وقيل في (يُجادِلُنا): هو جواب "لما"، وإنما جيء به مضارعاً لحكاية الحال: وقيل: إن «لما» ترد المضارع إلى معنى الماضي، كما تردّ «إن» الماضي إلى معنى الاستقبال، وقيل: معناه أخذ يجادلنا، وأقبل يجادلنا. والمعنى: يجادل رسلنا.
ومجادلته إياهم أنهم قالوا: (إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) [العنكبوت: ٣١]، فقال: أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلاً من المؤمنين أتهلكونها؟ قالوا: لا. قال: فأربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا. حتى بلغ العشرة. قالوا: لا. قال: أرأيتم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فعند ذلك قال: (إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ) [العنكبوت: ٣٢].
(فِي قَوْمِ لُوطٍ) في معناهم. وعن ابن عباس: قالوا له: إن كان فيها خمسة يصلون رفع عنهم العذاب، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بوقوع غيره، تقول: لما جاء زيد جاء عمرو، ويجوز: لما جاء زيد يتكلم عمرو؛ لوجهين: أحدهما: أن ["إن"] لما كانت شرطاً للماضي وقع المستقبل في معنى الماضي. وثانيهما- وهو الذي أختاره-: وهو أن يكون حكاية حال قد مضت، المعنى: فملا ذهب عن إبراهيم الروع، وجاءته البشرى، أخذ يجادلنا في قوم لوط، ولم يذكر في الكلام "أخذ وأقبل"، لأن الكلام إذا أريد به حكاية حال ماضية قدر فيه "أخذ وأقبل"، لأنك إذا قلت: قام زيد، دل على فعل ماض، وإذا قلت: أخذ زيد يقوم، دل على حالة ممتدة، من أجلها ذكر: أخذ وأقبل".
قوله: ((فِي قَوْمِ لُوطٍ) في معناهم): أي: في شأنهم وأمرهم.
стр. 3868
وعن قتادة: ما قوم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير. وقيل: كان فيها أربعة آلاف ألف إنسان.
(إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ) غير عجولٍ على كل من أساء إليه (أَوَّاهٌ) كثير التأوّه من الذنوب (مُنِيبٌ) تائب راجع إلى الله بما يحب ويرضى. وهذه الصفات دالة على رقة القلب والرأفة والرحمة، فبين أنّ ذلك مما حمله على المجادلة فيهم؛ رجاء أن يرفع عنهم العذاب، ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة والإنابة كما حمله على الاستغفار لأبيه.
[(يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ)].
(يا إِبْراهِيمُ) على إرادة القول: أي: قالت له الملائكة: (أَعْرِضْ عَنْ هذا) الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك، فلا فائدة فيه (إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ) وهو قضاؤه وحكمه الذي لا يصدر إلا عن صواب وحكمة، والعذاب نازل بالقوم لا محالة، لا مردّ له بجدال ولا دعاء ولا غير ذلك.
[(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما قوم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير): "ما": يجوز أن تكون نافية، أي: لا تسمى جماعة بـ "قوم": اسم "ما"، و"لا يكون" خبره، و"عشرة": اسم "يكون"، و"فيهم خير": جملة صفة لـ "عشرة". وأن تكون استفهامية، أي: أي جماعة تسمى قوماً، المعنى: لا تسمى جماعة قوماً لا يكون فيهم عشرة فيهم خير، وقيل: معناه: ما قوم خالون عن عشرة فيهم خير، وفيه نظر.
قوله: (كثير التأوه): تأوه تأوهاً: إذا قال: أوه، وهي كلمة توجع.
стр. 3869
كانت مساءة لوطٍ وضيق ذرعه لأنه حسب أنهم إنس، فخاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم. روي أنّ الله تعالى قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقاً بهم إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشر قريةٍ في الأرض عملاً، يقول ذلك أربع مرات، فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها.
يقال: يوم عصيب، وعصبصب، إذا كان شديداً من قولك: عصبه، إذا شدّه.
[(وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ* قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ)].
(يُهْرَعُونَ) يسرعون كأنما يدفعون دفعاً (وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) ومن قبل ذلك الوقت كانوا يعملون الفواحش ويكثرونها، فضروا بها ومرنوا عليها وقل عندهم استقباحها، فلذلك جاءوا يهرعون مجاهرين لا يكفهم حياء. وقيل معناه: وقد عرف لوط عادتهم في عمل الفواحش قبل ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وضيق ذرعه)، الأساس: "ضاق بهم ذرعاً، أي: لم يطلقهم، وما لك علي ذراع، أي: طاقة"، وذلك أن "اليد" كما تجعل مجازاً عن القوة، فـ "الذراع" التي من طرف المرفق إلى طرف الوسطى كذلك.
قوله: (مضى معهم منطلقاً بهم): "منطلقاً بهم" حال مؤكدة، على نحو قوله تعالى: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) [التوبة: ٢٥]، (وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [البقرة: ٦٠، الأعراف ٧٤، هود: ٨٥، الشعراء: ١٨٣، العنكبوت: ٣٦].
قوله: (وقيل: معناه: وقد عرف لوط عادتهم): عطف على قوله: "ومن قبل ذلك كانوا
стр. 3870
(هؤُلاءِ بَناتِي) أراد أن يقي أضيافه ببناته، وذلك غاية الكرم، وأراد: هؤلاء بناتي فتزوّجوهنّ وكان تزويج المسلمات من الكفار جائزاً، كما زوّج رسول الله ﷺ ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن وائل قبل الوحى وهما كافران وقيل كان لهم سيدان مطاعان، فأراد أن يزوجهما ابنتيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعملون الفواحش"، ذكر الواحدي الأول، وقال صاحب "التقريب": "من قبل" متصل بـ (يُهْرَعُونَ)، أي: إنما يرعون لأنهم عملوا ومرنوا عليها، أو متصل بـ "ضاق"، أي: إنما ضاق ذرعاً لأنه عرف عادتهم قبله.
وقلت: أما اتصاله بـ (يُهْرَعُونَ): فأن يكون حالاً من الضمير فيه، و (يُهْرَعُونَ) حال من فاعل "جاء"، واتصاله بـ (سِيءَ) من حيث إنه عطف على "جاء"، وهو حال من المرفوع في (سِيءَ)، ويعضده قول المصنف: "كانت مساءة لوط وضيق صدره لأنه حسب أنهم إنس، فخاف عليهم خبث قومه"، ولو لم يعرف عادتهم في عمل الفاحشة لم تلحقه المساءة وضيق الصدر عند مجيء القبيلين، ولا قال: (يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ).
قوله: (وأبي العاص بن وائل): قيل: الصواب: أبي العاص بن أبي الربيع بن عبد العزى ابن عبد شمس، وفي "جامع الأصول": "هو أبو العاص بن الربيع، واسمها زينب، أكبر بناته صلوات الله عليه، فلما أسر زوجها يوم بدر، وفادى نفسه، أخذ النبي ﷺ عليه العهد أن ينفذها إليه إذا عاد إلى مكة، ففعل، فهاجرت إلى المدينة، ولما أسلم أبو العاص وهاجر ردها إلى نكاحه بعقد جديد، وماتت بالمدينة سنة ثمان".
стр. 3871
وقرأ ابن مروان: "هنّ أطهر لكم" بالنصب، وضعفه سيبويه وقال: احتبى ابن مروان في لحنه. وعن أبي عمرو بن العلاء: من قرأ "هُنَّ أَطْهَرُ" بالنصب فقد تربع في لحنه، وذلك أنّ انتصابه على أن يجعل حالا قد عمل فيها ما في (هؤلاء) من معنى الفعل، كقوله: (وهذا بَعْلِي شَيْخاً) [هود: ٧٢]، أو ينصب (هؤلاء) بفعل مضمر، كأنه قيل:
خذوا هؤلاء، و (بناتي): بدل، ويعمل هذا المضمر في الحال، و (هُنَّ) فصل، وهذا لا يجوز لأنّ الفصل مختص بالوقوع بين جزأي: الجملة، ولا يقع بين الحال وذى الحال، وقد خرّج له وجه لا يكون (هُنَّ) فيه فصلاً، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما عتبة بن أبي لهب: فتزوج برقية بنت رسول الله ﷺ ، ولم يكن دخل بها، فلما نزلت (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) [المسد: ١]، قال أبو لهب: فارق ابنة محمد، ففارقها، فتزوجها عثمان بن عفان ﵁ بمكة، وماتت بالمدينة في غزوة بدر.
قوله: (وقرأ ابن مروان): قال ابن جني: "وقرأها سعيد بن جبير والحسن ومحمد بن مروان وعيسى الثقفي: "هن أطهر لكم" بالنصب".
قوله: (اجتبى ابن مروان): أي: تربع وتمكن، فهو استعارة مكنية، حيث جعل اللحن كمكان الوطء، وجعل تمكينه فيه كالاحتباء والتربع في ذلك المكان.
الجوهري: "احتبى الرجل: إذا جمع ظهره وساقيه بعمامته".
قوله: (قد خرج له وجه): والوجه أخرجه ابن جني قال: "وأنا أرى أن لهذه القراءة وجهاً صحيحاً"، وذكر معنى ما ذكره المصنف.
стр. 3872
وذلك أن يكون (هؤلاء) مبتدأ و (بَناتِي هُنَّ) جملة في موضع خبر المبتدإ، كقولك: هذا أخى هو، ويكون "أَطْهَرُ" حالاً.
(فَاتَّقُوا اللَّهَ) بإيثارهنّ عليهم (وَلا تُخْزُونِي) ولا تهينوني ولا تفضحوني، من الخزي. أو ولا تخجلوني، من الخزاية وهي الحياء (فِي ضَيْفِي) في حق ضيوفى فإنه إذا خزى ضيف الرجل أو جاره فقد خزى الرجل، وذلك من عراقة الكرم وأصالة المروءة (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) رجل واحد يهتدى إلى سبيل الحق وفعل الجميل، والكف عن السوء. وقرئ: (ولا تخزون) بطرح الياء.
ويجوز أن يكون عرض البنات عليهم مبالغةً في تواضعه لهم وإظهاراً لشدّة امتعاضه مما أوردوا عليه، طمعاً في أن يستحيوا منه ويرقوا له إذا سمعوا ذلك، فيتركوا له ضيوفه مع ظهور الأمر واستقرار العلم عنده وعندهم أن لا مناكحة بينه وبينهم، ومن ثمّ (قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ) مستشهدين بعلمه، (ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ) لأنك لا ترى مناكحتنا، وما هو إلا عرض سابريّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وَلَا تُخْزُونِ) بطرح الياء): كلهم إلا أبا عمرو.
قوله: (امتعاضه)، الجوهري: "معضت من ذلك الأمر أمعض معضاً، وامتعضت منه: إذا غضبت وشق عليك".
قوله: (وما هو إلا عرض سابري)، الجوهري: "السابري: ضرب من الثياب رقيق، في المثل: "عرض سابري"، يقوله من يعرض عليه الشيء عرضاً لا يبالغ فيه، لأن السابري من أجود الثياب، يرغب فيه بأدنى عرض".
стр. 3873
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النهاية: "في حديث حبيب بن أبي ثابت قال: "رأيت على ابن عباس ثوباً سابرياً استشف ما وراءه"، وكل رقيق عندهم سابري، والأصل فيه الدروع السابرية؛ منسوبة إلى سابورة.
وفي بعض الحواشي: "شبه العرض الذي ليس من أصل النفس بعرض الثوب السابري"، فهذا لا يخلو: إما أن يكون من كلام المصنف تتمة لقوله: "ويجوز أن يكون عرض البنات عليهم مبالغة في تواضعه للملائكة، وإظهاراً لشدة غضبه من القوم"، وربما يصدر عن الإنسان في أمثال هذه المقامات ما لا يؤاخذ عليه من المقالات، أو أن يكون من كلام القوم: "لأنك لا ترى مناكحتنا، وما عرضك هذا إلا عرض سابري"، أي: ليس من عزم النفس، بل قول من الفم من غير مواطأة القلب، أو أنك غير مبالغ في العرض، كما أن الثياب السابرية لا تفتقر إلى المبالغة في العرض، فإنها في بدء الحال مرغوب فيها.
قال صاحب "الفرائد": قوله: "لأنك لا ترى مناكحتنا": بعيد من الصواب لوجهين:
أحدهما: أن منكوحته كانت كافرة، فكيف يقال: ما لنا في بناتك من حق لأنك لا ترى مناكحتنا، وأنهم علموا أن لا مناكحة بيننا وبينهم؟ ! وأما قولهم: (مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ) فمعناه: لسن بزوجات لنا، وقيل: ما لنا فيهن حاجة.
وثانيهما: أن قوله: (هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) - على ما ذكر-: تحريض على الزنى، لأنه لما لم تجز المناكحة كان إتيانهن زنى، فظهر أن الوجه هو الأول.
والجواب عن الأول: هو أن قولهم: "لا ترى مناكحتنا" عام يراد به الخاص، وهو المناكحة في البنات، لأن الكلام فيه على أنه يجوز للمسلم أن ينكح الذمية، ولا يجوز أن ينكح
стр. 3874
وقيل: لما اتخذوا إتيان الذكران مذهبا وديناً لتواطئهم عليه، كان عندهم أنه هو الحق، وأنّ نكاح الإناث من الباطل، فلذلك قالوا: ما لنا في بناتك من حق قط، لأنّ نكاح الإناث أمرٌ خارج من مذهبنا الذي نحن عليه. ويجوز أن يقولوه على وجه الخلاعة، والغرض نفى الشهوة.
[(قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بناته من الذمي. وعن الثاني: أن قوله: (هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) عرض سابري، لأن غرضه الدفع عن الأضياف، لا التحريض على البنات، وأمثال هذا العرض شائع بين الناس إذا أيقنوا أن لا رغبة البتة.
قوله: (على وجه الخلاعة)، الأساس: "كان الرجل في الجاهلية إذا غلبه ابنه ينادي في الموسم: يا أيها الناس، هذا ابني فلان، قد خلعته، فإن جر لم أضمن، وإن جر عليه لم أطلب، أي: تبرأت منه، ثم قيل لكل شاطر: خليع، وقد خلع خلاعة، وهي خليعة، ومن المجاز: خلع فلان رسنه وعذاره، فعدا على الناس بشر".
قوله: (والغرض نفي الشهوة): يعني الغرض من قولهم: (مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ): أن حقنا أن نقضي شهوتنا من ضيفك، ولم تكن بناتك مكان شهوتنا، فليس لنا فيهن حق، فالخلاعة: هي جعل ذلك الفعل الشنيع كالحق الثابت اللازم الذي لا يجوز العدول عنه.
стр. 3875
(لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ) عنوا إتيان الذكور وما لهم فيه من الشهوة.
جواب (لو) محذوف، كقوله تعالى (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ) [الرعد: ٣١] يعني: لو أنّ لي بكم قوّة لفعلت بكم وصنعت. يقال: مالي به قوّة، وما لي به طاقة. ونحوه (لا قِبَلَ لَهُمْ بِها) [النمل: ٢٧]، و"مالي به يدان"؛ لأنه في معنى: لا اضطلع به ولا أستقلّ به. والمعنى: لو قويت عليكم بنفسي، أو أويت إلى قويّ أستند إليه وأ تمنع به فيحمينى منكم. فشبه القوىّ العزيز بالركن من الجبل في شدّته ومنعته، ولذلك قالت الملائكة - وقد وجدت عليه: إنّ ركنك لشديد،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يقال: ما لي به قوة): قال أبو البقاء: " (بِكُمْ) حال من (قُوَّةً)، وليس معمولاً لها، لأنها مصدر"، فالتقدير: لو ثبت واستقر لنفسي قوة بكم، ولهذا قال: "لو قويت عليكم بنفسي".
قوله: (أو أويت): جعل (أَوْ آَوِي) معطوفاً على المقدر بعد "لو"، قال أبو البقاء: "هو في موضع رفع؛ خبر "أن" على المعنى، أي: "أو أني"، ويضعف أن يكون معطوفاً على (قُوَّةً)؛ إذ لو كان لكان منصوباً بإضمار "أن"، وقد قرئ به، أي: أو أن آوي".
قوله: (فشبه القوي العزيز بالركن)، الراغب: "ركن الشيء: جانبه الذي يسكن إليه، ويستعار للقوة، قال تعالى: (أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)، وناقة مركنة الضرع، وأركان العبادة: جوانبها التي عليها مبناها، وبتركها بطلانها".
قوله: (وقد وجدت عليه): جملة معترضة، الجوهري: "وجد عليه في الغضب موجدة
стр. 3876
وقال النبي ﷺ «رحم الله أخي لوطاً، كان يأوي إلى ركن شديد».
وقرئ: «أو آوى» بالنصب بإضمار «أن» كأنه قيل: لو أن لي بكم قوّة أو أويا، كقولها:
لَلبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي
وقرئ «إلى ركن» بضمتين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ووجداناً أيضاً"، إنما غضبوا عليه لأن كلامه يدل على إقناط كلي ويأس شديد من أن يكون له ناصر ينصره، أليس الله بكاف عبده. ومن ثم قال رسول الله ﷺ : "رحم الله أخي لوطاً، كان يأوي إلى ركن شديد"، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة. قال الشارح: كأنه صلوات الله عليه استغرب عنه هذا القول، وعده بادرة منه؛ إذ لا ركن أشد من الركن الذي يأوي إليه.
قوله: ("أو آوي" بالنصب): قال ابن جني: "رواه الحلواني عن قالون عن شيبة، وروى أيضاً عن أبي جعفر مثله، وأنكره ابن مجاهد، وقال: لا يجوز تحريك الياء هنا، وعندي هذا
стр. 3877
[(قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ)].
وروي: أنه أغلق بابه حين جاؤوا وجعل يرادّهم ما حكى الله عنه ويجادلهم، ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سائغ، وهو أن يعطف "آوي" على (قُوَّةً)، فإذا صرت إلى اعتقاد المصدر، فقد وجب إضمار "أن"، ونصب الفعل بها، ومثله قول ميسون بنت بحدل الكلابية:
للبس عباءة وتقر عيني … أحب إلي من لبس الشفوف
فكأنها قالت: للبس عباءة وأن تقر عيني أحب إلي من كذا وكذا"، تم كلام ابن جني. "الشفوف": جمع شف، وهو ما رق من الثوب، يقول: لبس الثوب الخشن من الحلال بلا رعونة، وبعده ما تقر به عيني: أحب إلي من ثياب ناعمة تجلب إلي سخنة في عيني في المآل.
قوله: (ما حكى الله عنه): مفعول "يرادهم"، والذي حكى الله تعالى عنه: هو قوله تعالى: (هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) إلى قوله: (رَّشِيدٌ)، وردهم: قولهم: (مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ)،
стр. 3878
فتسوّروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب قالوا: يا لوط، إن ركنك لشديد (إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا، فاستأذن جبريل ﵇ ربه في عقوبتهم فأذن له، فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحه، وله جناحان، وعليه وشاح من درّ منظوم وهو براق الثنايا، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم، كما قال الله تعالى (فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ) فصاروا لا يعرفون الطريق، فخرجوا وهم يقولون: النجاء النجاء، فإن في بيت لوط قوماً سحرة.
(لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) جملة موضحة للتي قبلها، لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصلوا إليه ولم يقدروا على ضرره.
قرئ: (فَأَسْرِ): بالقطع والوصل. و (إِلَّا امْرَأَتَكَ) بالرفع والنصب،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ورده أيضاً: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ).
قوله: (النجاءَ النجاء): أي: انجوا بأنفسكم، وهو مصدر منصوب بفعل مضمر، أي: انجوا النجاء، وتكراره للتوكيد، وهو مقصور وممدود.
قوله: (جملة موضحة للتي قبلها): وهو قوله: (يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ)، وإنما يستقيم بياناً، لأن هذا القول في جواب متمناه: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)، فكأنهم أجابوه بقولهم: (إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ)، وتفسيره بـ (لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) - و"لن" لتوكيد النفي- هو: أنك أويت إلى ركن شديد.
قوله: (قرئ (فَاَسْرِ) بالقطع): الحرميان: "فاسر" و"أن اسر"، بوصل الألف حيث
стр. 3879
وروي أنه قال لهم: متى موعد هلاكهم؟ قالوا: الصبح. فقال: أريد أسرع من ذلك. فقالوا: (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ).
وقرئ «الصبح» بضمتين.
فإن قلت: ما وجه قراءة من قرأ: (إِلَّا امْرَأَتَكَ) بالنصب؟
قلت: استثناها من قوله (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ)، والدليل عليه قراءة عبد الله: "فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك"، ويجوز أن ينتصب عن "لا يلتفت"، على أصل الاستثناء وإن كان الفصيح هو البدل، أعنى قراءة من قرأ بالرفع، فأبدلها عن (أحد).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقع، والباقون: بقطعها، قال أبو البقاء: "وهما لغتان، يقال: أسرى وسرى".
وابن كثير وأبو عمرو: "إلا امرأتك" بالرفع، والباقون: بالنصب، قال الزجاج: "من قرأ بالنصب: فعلى معنى: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ … إِلاَّ امْرَأَتَكَ)، ومن قرأ بالرفع: حمله على معنى: (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ)، وقراءة النصب محمولة على الاستثناء من الموجب من قوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ)، فإن القراءتين ثابتتان قطعاً، فيمتنع حملهما على وجهين أحدهما باطل قطعاً، والقضية واحدة، فهو إما أن يكون سرى بها أو ما سرى بها؛ فإن كان قد
стр. 3880
وفي إخراجها مع أهله روايتان:
روي: أنه أخرجها معهم، وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي، فلما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت: يا قوماه، فأدركها حجر فقتلها.
وروي أنه أمر بأن يخلفها مع قومها، فإن هواها إليهم، فلم يسر بها. واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.
[(فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سرى بها فليس مستثنى إلا من قوله: (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ)، وإن كان ما سرى بها فهو مستثنى من قوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ)، فقد ثبت أن أحد التأويلين باطل قطعاً، فلا يصار إليه في أحد القراءتين الثابتتين قطعاً.
والأولى من هذا أن يكون (إِلاَّ امْرَأَتَكَ) في الرفع والنصب مثل قوله: (مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ) [النساء: ٦٦].
ولا بعد أن يكون أقل القراء على الوجه الأقوى، وأكثرهم على الوجه الذي دونه، بل قد التزم بعض الناس أنه يجوز أن يجمع القراء على قراءة غير الأقوى".
стр. 3881
مَنْضُودٍ* مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ)].
(جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها) جعل جبريل جناحه في أسفلها، ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها عليهم وأتبعوا الحجارة من فوقهم.
(مِنْ سِجِّيلٍ) قيل: هي كلمة معربة من سنك كل، بدليل قوله (حجارة من طين) [الذاريات: ٣٣]. وقيل: هي من أسجله، إذا أرسله لأنها ترسل على الظالمين. ويدل عليه قوله (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً) [الذاريات: ٣٣]، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأجاب عنه بعض فضلاء المغرب، وقال: قولك: "وإن كان ما سرى بها فهو مستثنى من قوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) "، غاية هذا الكلام أن لوطاً ما أسرى بها، فلم لا يجوز أنها سرت بنفسها؟ روى الواحدي عن قتادة: "ذكر لنا أنها كانت مع لوط حين خرج من القرية، فلما سمعت هدة العذاب" إلى آخره.
قال المالكي في "الشواهد": "امرأتك": مبتدأ، والجملة بعده خبره، و"إلا" بمعنى "لكن"، ولا يصح أن تجعل "امرأتك" بدلاً من (أَحَدٌ)، لأنها لم تسر معه، فيتضمنها ضمير المخاطبين، ودل على أنها لم تسر معه قراءة النصب، فإنها أخرجتها من أهله الذين أمر أن يسري بهم، وإذا لم تكن في الذين سرى بهم لم يصح أن تبدل من فاعل (يَلْتَفِتْ)، لأنه بعض ما دل عليه الضمير المجرور بـ "من"، وتكلف بعض النحويين الإجابة عن هذا بأن قال: لم يسر بها، ولكن شعرت بالعذاب فتبعتهم ثم التفتت فهلكت. وعلى تقدير صحة هذا فلا يوجب ذلك دخولها في المخاطبين بقوله: (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ).
стр. 3882
وقيل: مما كتب الله أن يعذب به من السجل، وسجل لفلان (مَنْضُودٍ) نضد في السماء نضداً معدّاً للعذاب. وقيل يرسل بعضه في أثر بعض متتابعاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: فإذن التقدير: فأسر بأهلك بقطع من الليل فإنا منجوكم، لكن امرأتك ليست بمنجية، ونظيره قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب: ٤٠]، فإن كونه "أبا رجالهم" مخالف لكونه خاتم النبيين.
وقلت: هذا عذر واضح، به اندفع سؤال ابن الحاجب، لكن بقي على قول المصنف: "واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين" إشكال قوي، وهو أنه جعل القراءة تابعة للرواية، فيلزم الشك في كلام لا ريب فيه من رب العالمين، ولو قال: "واختلاف الروايتين لاختلاف القراءتين" لهان الخطب، ثم وافق هذا قول القاضي: "ولا يجوز حمل القراءتين على الروايتين؛ لأن القواطع لا يصح حملها على المعاني المتناقضة، والأولى الحمل على ما اختاره ابن الحاجب، ولا يلزم من ذلك أمرها بالالتفات، بل عدم نهيها عنه استصلاحاً، ولذلك علله على طريقة الاستئناف بقوله: (إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ)، ولا يحسن جعل الاستثناء منقطعاً على قراءة الرفع".
وأما الروايتان كما ذكرهما: فمسطور في "معالم التنزيل".
قوله: (مما كتب الله أن يعذب من السجل): قال الزجاج: "هذا القول أثبت الأقوال
стр. 3883
(مُسَوَّمَةً) معلمة للعذاب وعن الحسن كانت معلمة ببياضٍ وحمرة. وقيل: عليها سيما يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض. وقيل: مكتوب على كل واحد اسم من يرمى به (وَما هِيَ) من كل ظالم (ببعيد)، وفيه وعيد لأهل مكة. وعن رسول الله ﷺ : "أنه سأل جبريل ﵇؟ فقال: يعني: ظالمي أمّتك، ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة"،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
وأحسنها، لأن في كتاب الله دليلاً عليه، قال الله تعالى: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ* كِتَابٌ مَرْقُومٌ) [المطففين: ٧ - ٩]، وسجيل: في معنى: سجين".
قوله: (وقيل: عليها سيما): مقصور من الواو، قال الله تعالى: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ) [الفتح: ٢٩].
قوله: (وفيه وعيد لأهل مكة): يعني: سيق الكلام لوعيد قوم لوط، وأدمج فيه وعيد أهل مكة، فإن التعريف في (الظَّالِمِينَ) للجنس، بدليل قوله: "وما هي من كل ظالم ببعيد"، فعم جميع الظالمين، ولما كان الكلام مسوقاً في حق قوم لوط، دخلوا فيه دخولاً أولياً، وتضمن وعيد أهل مكة على التبعية.
قوله: (بعرض حجر يسقط عليه): هو من قولهم: فلان عرضة للأمر، أي: معرض له، قال:
فلا تجعلوني عرضة للوائم
ذكره في البقرة.
стр. 3884
وقيل الضمير للقرى، أي: هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في مسايرهم (بِبَعِيدٍ) بشيء بعيد. ويجوز أن يراد: وما هي بمكان بعيد، لأنها وإن كانت في السماء وهي مكان بعيد، إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بالمرمي، فكأنها بمكان قريب منه.
[(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ* وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ* بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)].
(إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ) يريد: بثروة واسعة تغنيكم عن التطفيف. أو أراكم بنعمة من الله حقها أن تقابل بغير ما تفعلون. أو أراكم بخير فلا تزيلوه عنكم بما أنتم عليه، ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قوله: (وقيل: الضمير للقرى): وكذلك في (عَالِيَهَا سَافِلَهَا)، قال أبو البقاء: "و"بعيد" نعت لمكان محذوف، أو خبر (هِيَ)، ولم يؤنثه لأن العقوبة والعقاب بمعنى".
قوله: (أو أراكم بخير فلا تزيلوه): قسيم لقوله: "أو أراكم بنعمة من الله"، وهو قسيم لقوله: " (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ) يريد: بثروة"، لأن "الخير" في الوجه الأول: مفسر بالثروة والمال، وفي الوجه الثاني: بالنعمة المطلقة، ثم النعمة: إما أن توجب الأمر بالشكر، وهو المراد من قوله: "حقها أن تقابل بغير ما تفعلون"، أو النهي عن الكفران، وه المراد من قوله: "فلا تزيلوه عنكم".
стр. 3885
كقول مؤمن آل فرعون (يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَاسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا) [غافر: ٢٩].
(يَوْمٍ مُحِيطٍ) مهلك من قوله (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) [الكهف: ٤٢]، وأصله من إحاطة العدوّ.
فإن قلت: وصف العذاب بالإحاطة أبلغ، أم وصف اليوم بها؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كقول مؤمن آل فرعون): يعني: وزان هذه الآية وزان تلك الآية، فإن قوله: (لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ) [غافر: ٢٩] كقوله: (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ)، وقوله: (فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَاسِ اللَّهِ) [غافر: ٢٩] كقوله: (وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ).
قوله: (وأصله من إحاطة العدو): أي: الإغارة في الصبح بغتة، كقوله تعالى: (فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً) [العاديات: ٣].
الراغب: "الإحاطة على وجهين: أحدهما: في الأجسام، نحو: أحطت بمكان كذا، والثاني: في المعاني؛ إما في العلم، نحو قوله تعالى: (أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) [الطلاق: ١٢]، فالإحاطة بالشيء علماً: هو أن يعلم وجوده وجنسه وقدره وكيفيته، وغرضه المقصود به وبإيجاده، وما يكون به ومنه، وذلك ليس إلا لله تعالى، وقال صاحب موسى ﵉: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً) [الكهف: ٦٨]؛ تنبيهاً أن الصبر التام إنما يقع بعد إحاطة العلم بالشيء، وذلك صعب إلا بفيض إلهي، وإما في القدرة، قال الله تعالى: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) [يونس: ٢٢]، وكذلك قوله: (وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) ".
قوله: (وصف العذاب بالإحاطة أبلغ أم وصف اليوم بها): قال أبو البقاء: " (مُّحِيطٍ) نعت "لليوم" في اللفظ، و"للعذاب" في المعنى، وذهب قوم إلى أن التقدير: عذاب يوم محيط
стр. 3886
قلت: بل وصف اليوم بها، لأن اليوم زمان يشتمل على الحوادث، فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عذابه، وهو بعيد؛ لأن "محيطاً" قد جرى على غير من هو له، فيجب إبراز فاعله".
قوله: (فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه): الضمير المستتر في "أحاط" والمجرور في "بعذابه"، والمستكن في "ما اشتمل": كلها عائد إلى "اليوم"، وفي "عليه" إلى "ما"، و"من" بيان "ما"، والضمير المجرور عائد إلى "العذاب"، وتحقيقه: إما إضافة المظروف إلى الظرف، نحو: ضرب اليوم، فحينئذ يكون اليوم مشتملاً على العذاب.
ثم إذا وصف اليوم بالإحاطة لجميع الحوادث، ومنها المعذب، فيحيطه، فصح قوله: "فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه"، أي: ما اشتمل عليه اليوم من العذاب، وهذا في الكناية قريب من قوله:
إن السماحة والمروءة والندى … في قبة ضربت على ابن الحشرج
فإن كون هذه الصفات في قبة نحو كون العذاب في اليوم، وكون اليوم محيطاً للمعذب نحو كون القبة مضروب على ابن الحشرج.
فأما إذا وصف العذاب بالإحاطة لا يكون هذا المعنى، غايته أن يكون استعارة مفيدة أن المعذبين لا يفوتونه، كما لا يفوت فائت الشيء المحيط.
стр. 3887
فإن قلت: النهي عن النقصان أمر بالإيفاء فما فائدة قوله (أوفوا)؟ قلت: نهوا أولا عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان، لأنّ في التصريح بالقبيح نعياً على المنهي وتعييراً له، ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول مصرحاً بلفظه، لزيادة ترغيب فيه وبعث عليه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصاحب "الفرائد" حين اعتبر ظاهر اللفظ، وترك إمعان المعنى، قال: ومن وصف العذاب بالإهلاك، وهو مضاف إلى اليوم، لا يلزم أن يكونوا هالكين في ذلك اليوم، لأنه لا يمكن أن تكون إضافة العذاب إلى اليوم بسبب أن ظهوره في ذلك اليوم، وإن وصف اليوم بالإهلاك، فيقتضي هلاكهم في ذلك اليوم، لأن ظاهر المعنى: اليوم مهلك، فهو من قبيل: نهاره صائم، فحاصل المعنى: أن ما في اليوم مهلك.
قوله: (النهي عن النقصان أمر بالإيفاء، فما فائدة قوله: (أَوْفُوا)؟ )، الانتصاف: "لمن قال: إن الأمر بالشيء ليس نهياً عن ضده أن يستدل بهذه الآية، وإلا لكانت تكراراً، وفي كلام الزمخشري وهم، فإنه ظن أن النهي قبل أمر بالوفاء، وهي غفلة منه، وتعليله بالحسن والقبح من قواعده".
وقلت: وهم صاحب "الانتصاف"، لأن جوابه: "نهوا أولاً عن عين القبيح الذي كانوا عليه" لأجل التصريح بالقبيح، ليكون تعييراً، ثم ورد الأمر ثانياً لزيادة ترغيب فيه، يدل على أنه ليس من باب قوله: النهي عن الشيء أمر بضده، وإنما هو من باب التأكيد والتذييل للمبالغة، ففي الأول تصوير قبح القبيح، وفي الثاني إظهار حسن الحسن.
قالا لإمام: "ليس للقائل أن يقول: النهي ضد الأمر، فكان التكرير لازماً، لأنا نقول: إنه تعالى جمع بين الأمر بالشيء وبين النهي عن ضده للمبالغة، كما تقول: صل قرابتك ولا
стр. 3888
وجيء به مقيداً (بالقسط): أي: ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية، من غير زيادة ولا نقصان، أمراً بما هو الواجب،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقطعهم، فيدل هذا الجمع على غاية التأكيد"، فسؤال المصنف لرد ذلك المذهب.
وقال القاضي: "صرح بالأمر بالإيفاء بعد النهي عن ضده مبالغة وتنبيهاً على أنه لا يكفيهم الكف عن تعمد التطفيف، بل يلزمهم السعي في الإيفاء، ولو بزيادة لا يتأتى دونها، ثم قيده (بِالْقِسْطِ) ليعلم أن الزيادة مندوب غير مأمور به، وقد يكون محظوراً".
واختلف العلماء في هذه المسألة: اختيار إمام الحرمين والغزالي: أن الأمر بالشيء ليس نهياً عن ضده، ولا يقتضيه عقلاً. وقال القاضي أبو إسحاق: إنه نهي عن ضده، وإليه ذهب الإمام في "المعالم"، والقاضي في "المنهاج"، وقال القاضي أبو إسحاق: والنهي كذلك، يعني: النهي عن الشيء أمر بضده، وكذا يقتضيه عقلاً، لأن النهي طلب فعل الضد، فيكون أمراً بالضد، وتمام تقريره مذكور في موضعه.
قوله: (أمراً بما هو الواجب): مفعول له لقوله: "وجيء به مقيداً (بِالْقِسْطِ) "، وقوله: "أي: ليكن الإيفاء على وجه العدل والسوية من غير زيادة ولا نقصان": معترضة بين العامل والمعمول تفسيراً وبياناً، و"على وجه العدل": خبر "ليكن".
стр. 3889
لأن ما جاوز العدل فضل وأمر مندوب إليه.
وفيه توقيف على أنّ الموفى عليه أن ينوى بالوفاء بالقسط، لأنّ الإيفاء وجه حسنه أنه قسط وعدل، فهذه ثلاث فوائد.
البخس: الهضم والنقص. ويقال للمكس: البخس. قال زهير:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن ما جاوز العدل فضل): تعليل لقوله: "جيء به مقيداً (بِالْقِسْطِ) أمراً بالواجب"، يعني: تقييده بـ (الْقِسْطِ) لبيان أمر الوجوب، وأنه لا يجوز أن ينقص، لأنه لا يصح التجاوز عنه، لأن ما جاوز العدل فضل.
قوله: (وفيه توقيف): أي: في القيد (بِالْقِسْطِ) إيذان بأن القسط مطلوب مطلقاً، وإنما حسن الإيفاء لأنه قسط وعدل، لا أنه إيفاء، وقد يكون محظوراً كما في الربا، فالواجب على من يوفي أن ينوي القسط.
قوله: (فهذه ثلاث فوائد): فذلكة للجواب عن السؤال بقوله: "فما فائدة قوله: (أَوْفُوا)؟ " أي: في الإتيان بقوله: (أَوْفُوا)، وعدم الاقتصار على النهي عن النقصان: ثلاث فوائد: الأولى: زيادة الترغيب، والثانية: بيان الواجب، وأن الزيادة فضل، والثالثة: الإشعار بأن العدل مطلوب لذاته، وهذه الفائدة مدمجة في الكلام، ولهذا قال: "وفيه توقيف" إلى آخره.
قوله: (البخس: الهضم والنقص): يعني: هو لفظ مشترك بين هذين المعنيين، وربما استعملوه في المكس أيضاً، وقوله: "وكانوا يأخذون" إلى آخره: بين استعماله في هذه المعاني، قال القاضي: " (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) تعميم بعد تخصيص، فإنه أعم من أن يكون مقداراً أو غيره، وكذا (وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)، فإن العثو يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد".
стр. 3890
وَفِى كُلِّ مَا بَاعَ امْرُؤٌ بَخْسُ دِرْهَمِ
وروي: مكس درهم، وكانوا يأخذون من كل شيء يباع شيئاً، كما تفعل السماسرة. أو كانوا يمكسون الناس. أو كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء، فنهوا عن ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي كل ما باع امرؤ بخس درهم): أوله:
وفي كل أسواق العراق إتاوة
"الإتاوة": الخراج، والجمع: الأتاوى، يريد به أخذ الخراج والعشور وما هو للقوم في الأسواق من رسوم الظلم.
قوله: (السماسرة): "المغرب": "السمسار- بكسر الأول-: المتوسط بين البائع والمشتري، فارسية معرب، والجمع: السماسرة، وفي الحديث: "كنا ندعى السماسرة، فسمانا النبي ﷺ التجار"، ومصدره: السمسرة"، وقال الأزهري في تفسير قوله: "لا يبع حاضر لباد": أنه لا يكون سمساراً".
قوله: (يمكسون الناس): أي: يأخذون العشر، الجوهري: "مكس في البيع يمكس
следующие страницы →