Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
أي: يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد. والمراد بـ"المشهود": الذي كثر شاهدوه، ومنه قولهم: لفلان مجلس مشهود، وطعام محضور. قال:
فِى مَحْفِلٍ مِنْ نَوَاصِى النَّاسِ مَشْهُودِ
فإن قلت: فما منعك أن تجعل اليوم مشهوداً في نفسه دون أن تجعله مشهوداً فيه، كما قال الله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ؟ [البقرة: ١٨٥]؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قليل سوى الطعن الدراك نوافله
الجوهري: "شهد شهوداً، أي: حضر، فهو شاهد، وقوم شهود، أي: حضور، وهو في الأصل مصدر، والمشهد: محضر الناس"، و"نوافله": فاعل "قليل"، وهو صفة "يوم"، يقول: ويوم حضرنا فيه سليماً وعامراً قليل عطاياه سوى الطعن الدراك، على التهكمية.
قوله: (في محفل من نواصي الناس مشهود): أوله:
ومشهد قد كفيت الغائبين به
"نواصي الناس": أشرافهم والمقدمون منهم، كما وصفوا بالذوائب، يقال: فلان ذؤابة قومه وناصية عشيرته، يقول: رب مشهد عظيم الشأن تكلمت فيه ونبت عن الغائبين عنه، واليوم يوم مشهود، فيه رؤساء الناس وأماثلهم، يعني: كشفت الغمة بقلب ثابت.
قوله: (ما منعك أن تجعل اليوم مشهوداً في نفسه): أي: ما دعاك إلى أن تجعل اليوم مشهوداً
стр. 3922
قلت: الغرض وصف ذلك اليوم بالهول والعظم وتميزه من بين الأيام، فإن جعلته مشهوداً في نفسه فسائر الأيام كذلك مشهودات كلها، ولكن يجعل مشهوداً فيه حتى يحصل التميز كما تميز يوم الجمعة عن أيام الأسبوع بكونه مشهوداً فيه دونها، ولم يجز أن يكون مشهوداً في نفسه، لأنّ سائر أيام الأسبوع مثله يشهدها كل من يشهده، وكذلك قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥]؛ (الشهر) منتصب ظرفاً لا مفعولاً به، وكذلك الضمير في (فَلْيَصُمْهُ)، والمعنى: فمن شهد منكم في الشهر فليصم فيه، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه، كقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ) [البقرة: ١٨٥]، أي: فيه، ثم تجعله على الاتساع مشهوداً، فلا تجعله ابتداء مشهوداً في نفسه، لأن الغرض تهويل ذلك اليوم، وتمييزه بكونه مشهوداً فيه؟
قوله: (الغرض وصف ذلك اليوم بالهول والعظم وتميزه [من] بين الأيام): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ إذ يقال: سائر الأيام مشهود فيها، كما أنها مشهودات، والتحقيق أن في "اليوم المشهود فيه" إيهاماً في "المشهود"، أي: يشهد فيه حال، وفي "اليوم المشهود" لا إيهام، إذ يعلم أن المشهود اليوم، وأما تمييزه عن غيره بالتهويل فلذلك الإيهام مع القرينة والبيان.
قلت: ما أدري ما غرضه من قوله: "سائر الأيام مشهود فيها"، لأن الفرق بين الصورتين في غاية من الظهور، لأنه لا يقال: "يوم مشهود فيه" إلا ليوم تشهد فيه الخلائق من كل أوب لأمر له شأن، أو لخطب يهمهم، نحو أيام الأعياد، وأيام عرفة، وأيام الحرب، وأيام قدوم السلطان، ويقال: يوم مشهود، أي: مدرك، كما تقول: أدركت يوم فلان، وشهر فلان، كما سبق في قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: ١٨٥].
стр. 3923
يعني: فمن كان منكم مقيما حاضراً لوطنه في شهر رمضان فليصم فيه، ولو نصبته مفعولا فالمسافر والمقيم كلاهما يشهدان الشهر، لا يشهده المقيم، ويغيب عنه المسافر.
[(وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ)].
"الأجل": يطلق على مدة التأجيل كلها وعلى منتهاها، فيقولون: انتهى الأجل، وبلغ الأجل آخره، ويقولون: حل الأجل (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ) [الأعراف: ٣٤]، يراد: آخر مدة التأجيل، و"العدّ" إنما هو للمدّة لا لغايتها ومنتهاها، فمعنى قوله (وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) إلا لانتهاء مدة معدودة بحذف المضاف. وقرئ: وما يؤخره بالياء.
[(يَوْمَ يَاتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)].
قرئ: (يَوْمَ يَاتِ) بغير ياء. ونحوه قولهم: لا أدر، حكاه الخليل وسيبويه. وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل. فإن قلت: فاعل يأتى ما هو؟ قلت: الله ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويقولون: حل الأجل) إلى آخره: عطف على "فيقولون: انتهى الأجل"، وهما نشر لقوله: "على مدة التأجيل كلها وعلى منتهاها" من غير ترتيب، وقوله: "والعد: إنما هو للمدة، لا لغايتها": تعليل، لأن المراد في الآية مدة التأجيل لا منتهاها.
قوله: (قرئ: (يَوْمَ يَاتِ) بغير ياء): أثبت الياء في الحالين: ابن كثير، وأثبتها لمجيء الوصل: نافع وأبو عمرو والكسائي، والباقون: يحذفونها في الحالين. قال الزجاج: "الذي يختاره النحويون: إثبات الياء، والذي أختاره في المصحف وعليه القراءات: بكسر التاء،
стр. 3924
كقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ) [البقرة: ٢١٠]، (أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ) [الأنعام: ١٥٨]، (وَجاءَ رَبُّكَ) [الفجر: ٢٢]، وتعضده قراءة: "وما يؤخره"، بالياء. وقوله: (بِإِذْنِهِ) ويجوز أن يكون الفاعل ضمير "اليوم"، كقوله تعالى: (أَوْ تَاتِيَهُمُ السَّاعَةُ) [يوسف: ١٠٧].
فإن قلت: بما انتصب الظرف؟ قلت: إمّا أن ينتصب بـ (لا تكلم)، وإمّا بإضمار «اذكر»، وإمّا بالانتهاء المحذوف في قوله (إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ)، أي: ينتهي الأجل يوم يأتي، فإن قلت: فإذا جعلت الفاعل ضمير اليوم، فقد جعلت اليوم وقتاً لإتيان اليوم وحدّدت الشيء بنفسه؟ قلت: المراد إتيان هوله وشدائده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذيل تستعمله كذا، وقد حكى سيبويه: أن العرب تقول: لا أدر، وتجتزئ بالكسرة لكثرة الاستعمال، والذي أختاره إنما أختاره لمتابعة المصحف".
وقال أبو علي: " (لَا تَكَلَّمُ) يحتمل أن تكون حالاً من الضمير في "يأتي"، وأن تكون صفة لـ "يوم"، وعلى الوجهين لابد من تقدير ضمير، أي: لا تكلم نفس فيه، فإن كان حالاً فحذف الياء من (يَاتِ)، لأنه كلام مستقل، فيشبه لذلك الفواصل، وإن جعلته صفة جاز أيضاً، لأن الصفة قد يستغنى عنها بالموصوف، كما أن الحال قد يستغنى عنها بالفعل، إلا أن من الصفات ما لا يحسن أن يحذف فيه، ولذلك يشبه بغير الكلام التام".
قوله: (وتعضده قراءة من قرأ: "وما يؤخره" بالياء): يعني: فاعل "ما يؤخره" حينئذ: الله، وهذه الجملة تابعة لتلك الجملة صورة ومعنى، لأن التقدير: وما يؤخر الله اليوم المجموع
стр. 3925
(لا تَكَلَّمُ) لا تتكلم، وهو نظير قوله (لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ) [النبأ: ٣٨].
فإن قلت: كيف يوفق بين هذا وبين قوله تعالى (يَوْمَ تَاتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها) [النحل: ١١١]، وقوله تعالى (هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ* وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) [المرسلات: ٣٥ - ٣٦]؟ ، قلت: ذلك يوم طويل له مواقف ومواطن، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم، وفي بعضها يكفون عن الكلام فلا يؤذن لهم، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون، وفي بعضها: يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلا لانتهاء مدة معدودة، تنتهي المدة إلى يوم يأتي الله.
ولو جعلت الضمير "لليوم" لاختل النظم، ولأن المضير في (بِإِذْنِهِ) يقتضي ما يرجع إليه، ولو قلت: يأتي هول اليوم، لم يكن بذاك. فإذا جعلت الفاعل ضمير "اليوم"، فقد جعلت "اليوم" وقتاً لإتيان "اليوم"، قال أبو علي: "لا يجوز أني كون فاعل "يأتي" ضمير اليوم الذي يأتي، لما يلزم منه أن يضاف "اليوم" إلى فعل نفسه، ألا ترى أنك لا تقول: جئتك يوم يسرك، لأن معناه: يوم سروره إياك"، وإنما تضيف المصدر إلى الفاعل، كما إذا قلت: جئتك يوم يخرج زيد، أي: في يوم خروج زيد.
قال أبو البقاء: "وأما فاعل "يأتي" فضمير يرجع على (يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ)، ولا يرجع إلى "يوم" المضاف إلى "يأتي"، لأن المضاف إليه كجزء المضاف، فيؤدي إلى إضافة الشيء إلى نفسه".
стр. 3926
(فَمِنْهُمْ) الضمير لأهل الموقف ولم يذكروا، لأنّ ذلك معلوم، ولأنّ قوله (لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ) يدل عليه، وقد مرّ ذكر الناس في قوله (مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ) و"الشقي": الذي وجبت له النار لإساءته، والسعيد الذي وجبت له الجنة لإحسانه.
[(فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ* خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ)].
قراءة العامّة بفتح الشين. وعن الحسن شَقُوا بالضم، كما قرئ: (سُعِدُوا)، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولأن قوله: (لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ) يدل عليه): وفي هذا إشارة إلى أن الآية من باب الجمع مع التفريق والتقسيم، فالجمع قوله: (لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ) لأنها متعددة معنى، لأن النكرة في سياق النفي تعم، والتفريق: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)، والتقسيم: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ)، والمساعدة: المعاونة فيما يظن به سعادة، والساعد: العضو؛ تصوراً لمساعدتها".
قوله: (كما قرئ: (سُعِدُوا)): حفص وحمزة والكسائي، قال السجاوندي: قرئ:
стр. 3927
و"الزفير": إخراج النفس. والشهيق: ردّه. قال الشماخ:
بَعِيدُ مَدَى التَّطْرِيبِ أَوَّلُ صَوْتِهِ .. زَفِيرٌ وَيَتْلُوهُ شَهِيقٌ مُحَشْرَجُ
(ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) فيه وجهان:
أحدهما: أن تراد سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة مخلوقة للأبد. والدليل على أن لها سموات وأرضاً قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ) [إبراهيم: ٤٨]، وقوله: (وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ) [الزمر: ٧٤]، ولأنه لا بدّ لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم: إمّا سماء يخلقها الله، أو يظلهم العرش، وكل ما أظلك فهو سماء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(سُعِدُوا) مجهولاً، مع أنه لازم، أي: رزقوا السعادة، نحو: جن؛ إذا فعل به ما يصير به مجنوناً، ولو كان المراد: صيروا سعداء، لقال: أسعدوا، والتعدي لغة بني تميم، أو على حذف الزيادة من: أسعد، كمجبوب ومجنون. قال أبو البقاء: "نحوه: رجل مسعود".
قوله: (والزفير): الراغب: "الزفير: ترديد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه، وازدفر فلان: إذا تحمله بمشقة، فتردد فيه نفسه، ومنه: زفر. والشهيق: طول الزفير، وهو رد النفس، والزفير: مد النفس، وأصله من: جبل شاهق، أي: متناهي الطول".
قوله: (بعيد مدى التطريب) البيت: يصف حمار وحش، التطريب في الصوت: مده وتحسينه، وحشرج المريض: تنفس عند الاحتضار.
قوله: (ولأنه لابد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم): قال القاضي: "وفيه نظر، لأنه تشبيه
стр. 3928
والثاني أن يكون عبارةً عن التأييد ونفي الانقطاع، كقول العرب: ما دام تعار، وما أقام ثبير، وما لاح كوكب، وغير ذلك من كلمات التأبيد.
فإن قلت: فما معنى الاستثناء في قوله (إلا ما شاء ربك)، وقد ثبت خلود أهل الجنة والنار في الأبد من غير استثناء؟ قلت: هو استثناء من الخلود في عذاب النار، ومن الخلود في نعيم الجنة، وذلك أن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده، بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب سوى عذاب النار، وبما هو أغلظ منها كلها وهو سخط الله عليهم وخسؤه لهم وإهانته إياهم، وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وأجل موقعاً منهم، وهو رضوان الله، كما قال: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ) [التوبة: ٧٢]، ولهم ما يتفضل الله به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو، فهو المراد بالاستثناء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه، ومن عرفه فإنما يعرفه بما يدل على دوام الثواب والعقاب، فلا يجدي له التشبيه". وأجيب عنه: بأنه ليس هذا من التشبيه بما لا يعرف، بل هو من تشبيه ما لا يعرف بما يعرف، فإنه شبه تلك الدار بهذه الدار، وأثبت لها ما لهذه من المظلة والمقلة، والجامع كونهما جسمين، وإثبات الدوام للمشبه به مبني على العرف والعادة، كما قال: ما لاح كوكب، ما دام تعار.
قوله: (ما دام تعار)، النهاية: "تعار: جبل معروفن يصرف ولا يُصرف"، وفي الحديث ذكر ثبير، وهو الجبل المعروف عند مكة.
стр. 3929
والدليل عليه قوله: (عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)، ومعنى قوله في مقابلته: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ): أنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب، كما يعطى أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له، فتأمّله فإنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً.
ولا يخدعنك عنه قول المجبرة: إنّ المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة، فإنّ الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم. وما ظنك بقوم نبذوا كتاب الله لما روى لهم بعض النوابت عن عبد الله بن عمرو بن العاص: "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً"، وقد بلغني أن من الضلال من اغترّ بهذا الحديث، فاعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار، ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والدليل عليه): أي: على أن الاستثناء في الخلود من عذاب النار، ومن الخلود في نعيم الجنة، لا الانقطاع من العقاب والثواب مطلقاً، لأن قوله: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) يدل على أن لا انقطاع للثواب، فكذلك ينبغي أن يراد من قوله: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، لأنه مقابله، وهو مذهبه، وسيجيء بطلانه.
قوله: (النوابت)، الجوهري: "النوابت من الأحداث: الأغمار"، وقيل: النابتة: قوم من الحشوية لا رأي لهم.
قوله: (الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم): قلت: كلا، بل كل من الاستثنائين في عويل وضجيج بتأويلك؛ أما الأول: فلأن اسم النار غلبت لدار العقاب، لقوله تعالى: (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) [آل عمران: ١٩١ - ١٩٢]، ولو لم يكن اسم النار مشتملاً على أنواع العذاب، كالنار والمهل والضريع والسلاسل والزمهرير، لكان طلب الوقاية عنها مطلقاً لا يغني عن المذكورات، ولأن من إطلاق اسم النار في عرف الشرع لا
стр. 3930
وهذا ونحوه - والعياذ بالله- من الخذلان المبين، زادنا الله هداية إلى الحق ومعرفة بكتابه، وتنبيهاً على أن نعقل عنه، ولئن صح هذا عن ابن العاص، فمعناه: أنهم يخرجون من حرّ النار إلى برد الزمهرير فذلك خلوّ جهنم وصفق أبوابها، وأقول: ما كان لابن عمرو في سيفيه، ومقاتلته بهما علي بن أبي طالب ﵁، ما يشغله عن عن تسيير هذا الحديث.
[(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ* فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ)].
(غَيْرَ مَجْذُوذٍ) غير مقطوع، ولكنه ممتدّ إلى غير نهاية، كقوله: (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) [فصلت: ٨، الانشقاق: ٢٥].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
يتبادر إلا دار العقاب، كما أن من اسم الجنة لا يفهم إلا دار الثواب، قال المصنف في أول تفسير سورة البقرة: "الجنة: اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنان كثيرة"، وهي على نهج الأسماء الغالبة اللاحقة بالأعلام.
وأما الثاني: فلأن الذوق السليم والطبع المستقيم يأبى أن يقال: إن الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها إلا أن ينقلوا إلى رضوان الله، ورضوان الله أيضاً كائن في الجنة، عن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك وسعديك، والخير بيديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضى يا ربنا، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ ! فيقول: ألا
стр. 3931
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: أي شيء أعظم من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً".
هذا، ثم قوله: "الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم"- يعني: كما لا يوجب خروج أهل الجنة من الجنة، كذلك الأول-: يرده تذييل كل من الآيتين بما يخالف الأخرى، فإن اختلافهما يدل على اختلاف الحكمين، فإن قوله تعالى: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) رد لما عسى أن يقول المعتزلي في أفعال الله بالحسن والقبح، وأن الثواب والعقاب واجبان، رداً بليغاً، حيث جيء به مصدراً بـ "إن"، على وجه تقوي الحكم، وبناء "فعال" للمبالغة.
ويعضد هذا التفسير: ما رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ : "قال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة ملؤها".
ثم إن قوله: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) يدل على أن هذا الاستثناء ليس على طريقة الأول، لأنه اسم مصدر يؤكد مضمون الجملة، فلو جعل الاستثناء من الخلود في نعيم الجنة لخرج عن أن يكون مؤكداً، فوجب أن يجعل الاستثناء من أسلوب قوله تعالى: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى) [الدخان: ٥٦]، يعني: أن انقضاء مدة بقائهم فيها محال، فيخلدون فيها أبداً إلا ما شاء الله، وقد علم اتفاقاً أن مشيئة الله على الخلود فيها، فإذن لا انقطاع لخلودهم.
ثم إني وقفت بعد ذلك على ما يوافق هذا المعنى من نص الزجاج رحمه الله تعالى: " (إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ) معناه: هو لا يشاء أن يخرجهم منها، كما تقول: أنا أفعل كذا وكذا إلا أن أشاء
стр. 3932
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غير ذلك، ثم تقيم على ذلك الفعل، وأنت قادر على غير ذلك، والفائدة فيه: أنه تعالى لو شاء أن يخرجهم لقدر، ولكنه قد أعلمنا أنهم خالدون أبداً. هذا مذهب من مذاهب أهل اللغة".
وصرح المصنف في الكهف في قوله: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً* إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف: ٢٣ - ٢٤]: "أن الاستثناء بمعنى التأبيد".
وأما قوله: "قول المجبرة: إن المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة": فليس من تلقاء أنفسهم، لأنهم يرفعون حديث الخروج إلى الصادق المصدوق صلوات الله عليه، روى البخاري ومسلم عن جابر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يخرج من النار قوم بالشفاعة كأنهم الثعارير"، الثعارير- بالثاء المثلثة والعين المهملة-: صغار القثاء.
وروى البخاري وأبو داود والترمذي عن عمران بن الحصين: أن رسول الله ﷺ قال: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ ، فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين".
والأحاديث في هذا الباب بلغت مبلغ التواتر كثرة وصحة.
لكن الحديث الذي رواه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، ونسبه إلى أهل السنة، فهم بريئون عنه، فقد صرح بوضعه ابن الجوزي في كتاب "الموضوعات"،
стр. 3933
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ورواه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي على جهنم يوم ما فيها من بني آدم أحد، تصفق أبوابها، كأنها أبواب الموحدين".
وأما تفسير الاستثناء بالنقل من النار إلى الزمهرير: فما جاء فيه نقل يعتمد عليه.
وأما قوله: "أما كان لابن عمرو في سيسفيه ما يشغله عن تسيير هذا الحديث": ففيه- والعياذ بالله- الطعن فيمن هو من أكابر الصحابة، ومن العلماء المشاهير منهم، ومن العابدين فيهم؛ من وجهين:
أحدهما: أنه عمد إلى وضع الحديث على رسول الله ﷺ ، ومع ذلك اجتهد في تسييره.
وثانيهما: أنه قاتل علياً ﵄ بسيفيه؛ لسانه وحسامه.
هذا- والله- خسارة عظيمة لا يقدم عليه متدين.
قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "إنه كان فاضلاً حافظاً عالماً، وكان يسرد الصوم، ولا ينام الليل، وحديث مراجعته مع النبي ﷺ في الصيام وختم القرآن مشهور"، وقال: "إنه اعتذر من شهوده صفين، وأقسم أنه لم يرم فيها برمح ولا سهم، وإنما شهدها لعزمة أبيه عليه، وأن رسول الله ﷺ كان قال له: "أطع أباك"، وكان يقول: "ما لي ولصفين، ما لي ولقتال المسلمين، والله لوددت أني مت قبل هذا بعشر سنين، وقال: أما والله ما ضربت فيها بسيف، ولا طعنت فيها برمح، ولا رميت بسهم".
стр. 3934
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال ابن الحاجب في "الأمالي": "الاستثناء الأول متصل من وجهين:
أحدهما: أن المراد بـ (مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ): جميع الزمان بعد البعث، فاستثني زمن إقامتهم في المحشر، فإنهم ليسوا في النار حينئذ. روى الواحدي هذا الوجه عن الزجاج، قال الإمام: "هذا بعيد، لأن الاستثناء وقع عن الخلود في النار، ومن المعلوم أن الخلود فيها كيفية من كيفيات الحصول فيها، فقبل الحصول في النار امتنع حصول الخلود فيها، فإذا لم يحصل الخلود، لم يحصل المستثنى منه، وإذا لم يحصل المستثنى منه، وإذا لم يحصل المستثنى منه امتنع حصول الاستثناء.
وثانيهما: أن يكون (الَّذِينَ شَقُوا) عبارة عن الكفار وعصاة المسلمين، فيكون (إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ) استثناء إما المدة التي تكون بعد إخراج العصاة، فإنهم ليسوا فيها حينئذ، وإما لمن يخرج؛ استمالاً لـ "ما" بمعنى: "من"، ويكون استثناء من (الَّذِينَ شَقُوا)، لا من (مَا دَامَتِ) ".
قال الإمام: "هذا الاستثناء يفيد إخراج أهل التوحيد من النار، لأن قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) يفيد أن جملة الأشقياء محكوم عليهم بهذا الحكم، ثم قال: (إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ)، فوجب أن لا يبقى ذلك الحكم على ذلك المجموع، ويكفي في زوال حكم الخلود عن المجموع زواله عن بعضهم، فوجب أن لا يبقى حكم الخلود لبعض الأشقياء، ولما ثبت أن
стр. 3935
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخلود واجب للكفار وجب أن يقال: الذين زال حكم الخلود عنهم هم الفساق من أهل الصلاة".
وتبعه القاضي حيث قال: " (إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ) استثناء من الخلود في النار، لأن بعضهم- وهم فساق الموحدين- يخرجون منها، وذلك كاف في صحة الاستثناء، لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض، وهم المراد بالاستثناء الثاني، فإنهم مفارقون عن الجنة أيام عذابهم؛ فإن التأبيد من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداء، كما ينتقض باعتبار الانتهاء، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم، فقد سعدوا بإيمانهم. لا يقال: فعلى هذا لم يكن قوله: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) تقسيماً صحيحاً؛ لأن من شرطه أن تكون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه، لأن ذلك الشرط حيث التقسيم لانفصال حقيقي أو مانع من الجمع، وها هنا المراد أن أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين، وأن حالهم لا يخلو عن السعادة والشقاوة، وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص باعتبارين".
وقال الزجاج والسجاوندي: "ما" بمعنى: "من"، لأن المراد العدد لا الشخص- كقوله تعالى: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) [النساء: ٣]-، و"إلا" بمعنى "سوى"، كقولك: علي ألفان إلا الألف الذي كان، يعني: سوى، أي: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها على مدة بقاء السماوات والأرض.
وقلت: الحق الذي لا محيد عنه: أن تحمل "ما" على معنى: "من"؛ لإرادة الوصفية، وهي
стр. 3936
لما قصّ قصص عبدة الأوثان، وذكر ما أحلّ بهم من نقمه، وما أعدّ لهم من عذابه قال: (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ) أي: فلا تشك بعد ما أنزل عليك من هذه القصص في سوء عاقبة عبادتهم وتعرّضهم بها لما أصاب أمثالهم قبلهم تسلية لرسول الله ﷺ ، وعدة بالانتقام منهم ووعيداً لهم ثم قال: (ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ) يريد: أن حالهم في الشرك مثل حال آبائهم من غير تفاوت بين الحالين، وقد بلغك ما نزل بآبائهم فسينزلنّ بهم مثله، وهو استئناف معناه تعليل النهي عن المرية.
و«ما» في (مما)، و (كما): يجوز أن تكون مصدرية وموصولة، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المرحومية، ليؤذن أن إخراجهم لمحض مشيئته وسبق رحمته، لا لاستحقاق منهم، فينطبق عليه: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ). وتحقيقه: أن قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا) حال مقدرة من ضمير الاستقرار في الظرف، أي: (فِي النَّارِ)، وأنت تعلم أن الحال قيد للحكم، فإذا انتفى الحكم من البعض بالاستثناء ينتفي مقيداً، المعنى: إن الذين شقوا مستقرون في النار مقدرين الخلود إلا المرحوم الذي شاء الله أن لا يستقر مخلداً. فيفيد إما أن لا يستقر فيها مطلقاً أو يستقر غير مخلد، وأحوال العصاة على هذا النهج، كما علم من النصوص الصحيحة.
وقال المصنف: "زادنا الله هداية إلى الحق ومعرفة بكتابه"، ونقول: زادنا الله اطلاعاً على كشف أستار التنزيل لنذب عن مذهب أهل الحق، ووقوفاً على الجمع بين الكتاب والسنة، ونعوذ بالله من الزيغ عن سنن المؤمنين، وسنن سيد المرسلين.
قوله: (وتعرضهم بها لما أصاب): اللام: صلة التعرض. الجوهري: "عرضت فلاناً لكذا، فتعرض هو له"، والباء في "بها": للسبب، أي: تعرضهم لما أصاب أمثالهم بسبب العبادة.
قوله: (وهو استئناف معناه تعليل النهي): يعني: لما نهاه بقوله: (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ)، أي: لا تشك في سوء عاقبة عبادتهم، قدر السائل أن يقول: لم ما أشك في سوء عاقبتهم؟ فأجاب: لأن حالهم في الشرك مثل حال آبائهم، فيهلكهم الله كما أهلك آباءهم.
стр. 3937
أى: من عبادتهم، وكعبادتهم. أو مما يعبدون من الأوثان، ومثل ما يعبدون منها.
(وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ) أي: حظهم من العذاب كما وفينا آباءهم أنصباءهم.
فإن قلت: كيف نصب (غَيْرَ مَنْقُوصٍ) حالاً عن النصيب الموفى؟ قلت: يجوز أن يوفى وهو ناقص، ويوفى وهو كامل. ألا تراك تقول. وفيته شطر حقه، وثلث حقه، وحقه كاملاً وناقصاً.
[(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)].
(فَاخْتُلِفَ فِيهِ) آمن به قوم وكفر به قوم، كما اختلف في القرآن (وَلَوْلا كَلِمَةٌ) يعنى كلمة الإنظار إلى يوم القيامة (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) بين قوم موسى أو قومك. وهذه من جملة التسلية أيضاً.
[(وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: من عبادتهم وكعبادتهم): فيه نشر، يعني: على تقدير أن تكون "ما" في الصورتين مصدرية: معناه هذا، وعلى تقدير أن تكون موصولة: معناه: مما يعبدون من الأوثان، ومثل ما يعبدون منها.
قوله: (يجوز أن يوفى وهو ناقص، ويوفى وهو كامل)، الانتصاف: "هذا وهم، لأن التوفية تقتضي عدم نقصان الموفى، كلا كان أو بعضاً، فوفاء النصف يلزم منه عدم نقصان النصف، فما وجه جعله حالاً؟ ! والأصح أن تستعمل "التوفية" بمعنى: الإعطاء، كما استعمل "التوفي" بمعنى: الأخذ، ومن قال: أعطيت فلاناً حقه، كان جديراً أن يؤكده بقوله: غير منقوص".
стр. 3938
(وَإِنَّ كُلًّا) التنوين عوض من المضاف إليه، يعني: وإنّ كلهم، وإنَّ جميع المختلفين فيه (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) جواب قسم محذوف. واللام في لَمَّا موطئة للقسم، و «ما» مزيدة. والمعنى: وإن جميعهم والله ليوفينهم (رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ) من حسن وقبيح وإيمان وجحود.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: الحق أن سبيل قوله: (غَيْرَ مَنقُوصٍ) سبيل الحال المؤكدة، وهي أن تقرر مضمون الجملة لدفع توهم التجوز، كقوله تعالى: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) [التوبة: ٢٥].
قوله: ((وَإِنَّ كُلاًّ) التنوين عوض من المضاف إليه): أبو عمرو والكسائي قرءا بتشديد "إن" وتخفيف لَّمَّا).
قوله: (واللام في (لَمَّا) موطئة للقسم، و"ما"مزيدة): قال صاحب "التقريب": "وفيه نظر، لأن الموطئة لا تدخل إلا على شرط، فالوجه أن اللام الأولى: هي الداخلة على خبر "إن"، والثانية: جواب قسم، و"ما": مزيدة، لئلا تتلاقى لامان، تقديره: إن كلهم لوالله ليوفينهم"، تم كلامه.
وهو قول أبي علي في "الحجة"، ذكر أن اللام في "إن زيداً لما لينطلقن"- على قول سيبويه-: هي اللام التي تقتضيه "إن"، واللام الأخرى: هي اللام التي تتلقى القسم، ودخلت "ما" لتفصل بين اللامين مع اتفاق اللفظين.
وقلت: نظره نشأ من قولهم: "اللام الموطئة للقسم: هي التي في قولك: والله لئن أكرمتني لأكرمنك"، كما في "المفصل"، وتفسير ابن الحاجب له: "اللام الموطئة للقسم: هي اللام التي تدخل على الشرط بعد تقدم القسم لفظاً أو تقديراً، لتؤذن بأن الجواب له لا للشرط،
стр. 3939
وقرئ: "وإن كلا" بالتخفيف على إعمال المخففة عمل الثقيلة، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فهذا معنى توطئتها، وليست جواب القسم، وإنما الجواب ما يأتي بعد الشرط".
ويمكن أن يقال: معنى التوطئة فيها: هو أنها توطأت مكان القسم، من قولهم: توطأته بقدمي، وهو موطئ قدمي، أي: دلت على أن اللام التي تليها مما يصلح أن تكون جواباً لقسم محذوف، فهذا لا يوجب الاختصاص بأن يكون مدخولها شرطاً البتة، وبه تعلم علة التسمية؛ إذ رعاية التناسب بين الاسم والمسمى منظور فيه.
فعلى هذا: الجملة القسمية بتمامها وقعت خبراً لـ "إن"، واستغني بمعنى التأكيد فيها عن ذكر اللام، ويعضد ما ذكرناه تقديره: "وإن جميعهم والله ليوفينهم"؛ حيث أوقع القسم خبراً لـ "إن"، واسقط اللام الأولى لإقامة المدلول مقام الدال.
قال صاحب "التخمير": "أجمع الكوفيون وكثير من البصريين على أن اللام الأولى: خلف من القسم، والثانية: لام جواب القسم". وذكر صاحب "الإقليد": أن اللام في قوله: (وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ): موطئة للقسم، والتقدير: والله لما، و"ما": مزيدة، وفي (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ): جواب القسم، أي: وإن كلاً والله ليوفينهم، وقال: التوطئة كثرة الوطء، وهي الرياضة، كقولك: وطئ الفرس ووطئ المركب، تقول: هذه اللام وطأت جواب القسم، أي: سهل تفهم الجواب على المقسم له.
قوله: ("وإن كلا" بالتخفيف): قال ابن الحاجب: "هي قراءة ابن كثير ونافع، و"إن":
стр. 3940
اعتباراً لأصلها الذي هو التثقيل. وقرأ أبيّ: "وإن كل لما ليوفينهم"، على أنّ "إن" نافية. و"لما" بمعنى إلا. وقراءة عبد الله مفسرة لها:
"وإن كل إلا ليوفينهم"، وقرأ الزهري وسليمان بن أرقم: "وإن كلا لما ليوفينهم"، بالتنوين، كقوله: (أَكْلًا لَمًّا) [الفجر: ١٩]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مخففة من الثقيلة، و (كُلاًّ): منصوب بها؛ على إحدى اللغتين في الإعمال والإلغاء، وهي لغة فصيحة، واللام: هي الفارقة، و"ما": زائدة أو بمعنى: الذي، و (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) جملة في موضع خبر "إن"، واللام فيها: لام القسم، وحسن زيادة "ما" لما قصد على جعل (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) جواب قسم، فلم يحسن اجتماع اللامين؛ اللام الفارقة ولام جواب القسم، فلولا "ما" لقيل: لليوفينهم، فزيدت ليفرق بينهما، أو صلة لـ "ما" إن جعلناها موصولة، كأنه قيل: وإن هؤلاء للذين- والله- ليوفينهم ربك أعمالهم".
وقال ابن مالك: "إهمال "إن" المكسورة بالتخفيف أكثر من إعمالها، وإذا أعملت وهي مخففة، فالمتكلم بالخيار في الإتيان باللام وتركها، كما كان قبل التخفيف، ومن إعمالها مخففة: (وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) ".
قوله: ("وإن كل لما ليوفينهم"): قال ابن جني: "معناه: ما كل إلا والله ليوفينهم، كقولك: ما زيد إلا لأضربنه، أي: ما زيد إلا مستحق لأن يقال فيه هذا".
قوله: ("وإن كلاً لما ليوفينهم" بالتنوين): قال ابن جني: "لما- بالتنوين-: مصدر، كالذي في قوله تعالى: (وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً) [الفجر: ١٩]، أي: أكلاً جامعاً
стр. 3941
والمعنى: وإن كلا ملمومين، بمعنى مجموعين، كأنه قيل: وإنّ كلا جميعاً، كقوله (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) [الحجر: ٣٠، ص: ٧٣].
[(فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)].
(فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادّة الحق، غير عادل عنها (وَمَنْ تابَ مَعَكَ) معطوفٌ على المستتر في استقم. وإنما جاز العطف عليه ولم يؤكد بمنفصل لقيام الفاصل مقامه. والمعنى: فاستقم أنت وليستقم من تاب على الكفر وآمن معك (وَلا تَطْغَوْا) ولا تخرجوا عن حدود الله (إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) عالم فهو مجازيكم به، فاتقوه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأجزاء المأكول، وكذلك تقدير هذا بمعنى: وإن كلاً ليوفينهم ربك أعمالهم لماً، أي: توفية جامعة لأعمالهم جميعاً، ومحصلة لأعمالهم تحصيلاً، فهو كقولك: قياماً لأقومن، وقعوداً لأقعدن".
والمصنف ذهب إلى التوكيد، لقوله: "وإن كلاً جميعاً".
وقال أبو البقاء: "وانتصابه على الحال من ضمير المفعول في (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) ضعيف".
قوله: ((إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) عالم فهو مجازيكم به فاتقوه): أشار بقوله: "فاتقوه" إلى أن قوله: (بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) تعليل للأمر والنهي وتهديد، قال القاضي: "في الآية دليل على وجوب اتباع النصوص، من غير تصرف وانحراف بنحو قياس واستحسان".
стр. 3942
وعن ابن عباس: ما نزلت على رسول الله ﷺ في جميع القرآن آية كانت أشدّ ولا أشقّ عليه من هذه الآية. ولهذا قال: "شيبتني هود والواقعة وأخواتهما". وروى أنّ أصحابه قالوا له: لقد أسرع فيك الشيب؟ فقال: "شيبتني هود". وعن بعضهم: رأيت رسول الله ﷺ في النوم فقلت له: روي عنك أنك قلت: شيبتني هود. فقال: نعم. فقلت: ما الذي شيبك منها؟ أقصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ قال: ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: يمكن أن يجعل (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) تتميماً ومبالغة، المعنى: فاستقيموا حق الاستقامة، فإنه بصير لا يخفى عليه سركم وعلانيتكم، فهو من باب الإحسان والإخلاص.
قوله: (قال: "شيبتني هود والواقعة"): روينا عن الترمذي عن ابن عباس قال: قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، قد شبت، قال: "شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت"، قيل: صح "هود" هنا غير منصرف، كـ "ماه" و"جور" في اسمي بلدتين للأسباب الثلاثة، لأن المراد به في الحديث السورة، لا النبي.
стр. 3943
لا، ولكن قوله (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ). وعن جعفر الصادق ﵁ (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) قال: افتقرْ إلى الله بصحة العزم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا، ولكن قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)): دل هذا القول على أنها كلمة جامعة، قال الإمام: "هي جامعة لكل ما يتعلق بالعقائد والأعمال، ولاشك أن البقاء على الاستقامة الحقيقية مشكل جداً، وأنا أضرب لك مثالاً يقرب صعوبة هذا المعنى؛ الخط الذي يفصل بين الظل والضوء جزء واحد لا يقبل القسمة في العرض، فإذا قرب طرف الظل من طرف الضوء اشتبه في الحس، ولم يقو الحس على إدراك ذلك الخط، فالاستقامة بجميع أبواب العبودية كذلك، فأولها: معرفة الله، وتحصيل هذه المعرفة على وجه يبقي العقل مصوناً في طرف الإثبات عن التشبيه، وفي طرف النفي عن التعطيل، في غاية الصعوبة، واعتبر سائر مقامات المعرفة وسائر الأخلاق على هذا، فالقوة الغضبية والشهوانية حصل لكل واحد منهما طرفا إفراط وتفريط، وهما مذمومان، والفاصل هو المتوسط بينهما بحيث لا يميل إلى أحد الجانبين، والوقوف عليه صعب، ثم العمل به أصعب".
وقس على هذا الشجاعة والسخاوة والعفة، على هذا ينظر قول المصنف: "فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادة الحق، غير عادل عنها"، وهذا لا يكون إلا بالافتقار إلى الله تعالى، ونفي الحول والقوة عن النفس بالكلية، فينطبق عليه قول الصادق: "افتقر إلى الله تعالى بصحة العزم".
روى السلمي عن بعضهم: من يطيق مثل هذه المخاطبة بالاستقامة، إلا من أيد بالمشاهدات القوية، والأنوار البينة، والآثار الصادقة، ثم عصم بالتثبيت، (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ
стр. 3944
[(وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ)].
قرئ: (ولا تركنوا)، بفتح الكاف وضمها مع فتح التاء. وعن أبي عمرو: بكسر التاء وفتح الكاف، على لغة تميم في كسرهم حروف المضارعة إلا الياء في كل ما كان من باب "علم يعلم". ونحوه قراءة من قرأ "فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ" بكسر التاء. وقرأ ابن أبي عبلة: "ولا تركنوا"، على البناء للمفعول، من أركنه إذا أماله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ) [الإسراء: ٧٤]، قال أبو علي الجوزجاني: كن طالب الاستقامة، لا طالب الكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة.
قوله: ((وَلا تَرْكَنُوا) بفتح الكاف وضمها): قال ابن جني: "قرأ طلحة وقتادة والأشهب، ورويت عن أبي عمرو: "ولا تركنوا" بضم الكاف، وفيها لغتان: ركن يركن؛ كعلم يعلم، وركن يركن؛ كقتل يقتل، هذا عند أبي بكر من اللغات المتداخلة".
قوله: ("فتمسكم النار" بكسر التاء): قال ابن جني: "قراءة يحيى والأعمش وطلحة بخلاف، ورواه إسحاق الأزرق عن حمزة، هذه لغة تميم؛ أن تكسر أول مضارع ما ثاني ماضيه مكسور، نحو: علمت وركبت، وتقل الكسرة في الياء، نحو: يعلم، ويركب؛ استثقالاً للكسرة في الياء، وكذلك ما في أول ماضيه همزة وصل، نحو: ينطلق، وتسود،
стр. 3945
والنهي متناول للانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم، والتشبه بهم، والتزيي بزيهم، ومدّ العين إلى زهرتهم. وذكرهم بما فيه تعظيم لهم. وتأمّل قوله (وَلا تَرْكَنُوا) فإن الركون هو الميل اليسير، وقوله (إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي: إلى الذين وجد منهم الظلم، ولم يقل إلى الظالمين.
وحُكي أنّ الموفق صلى خلف الإمام فقرأ بهذه الآية فغشي عليه، فلما أفاق قيل له، فقال: هذا فيمن ركن إلى من ظلم، فكيف بالظالم؟ !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتبيض، فكذلك (فتمسكم) ".
قوله: (وحكي أن الموفق): والظاهر أنه أراد أبا أحمد طلحة الموفق بن المتوكل، قال ابن الأثير في "الكامل": "عقد له أخوه المعتمد على الله على الكوفة والحرمين واليمن وبغداد وواسط والبصرة والأهواز وفارس وكرمان، وولاه قتال الزنج بالبصرة، وصاحبهم رجل زعم أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فأبادهم الله على يده، وكان عادلاً حسن التدبير حسن السيرة، يجلس للمظالم، وعنده القضاة وغيرهم، وكان عالماً بالأدب والنسب والفقه وسياسة الملك وغير ذلك، توفي في سنة ثمان وسبعين ومئتين".
وقال ابن حمدون صاحب "التذكرة": وكان العهد في الموفق بعد المعتمد أخيه، ثم في المفوض إلى الله جعفر بن المعتمد، فمات الموفق قبل المعتمد، ثم بويع المعتضد بن الموفق بالعهد، وخلع المفوض، وقال: كان الموفق مستولياً على الأمر كله في خلافة أخيه المعتمد، حتى قال- وقد طلب ما راعى به مغنياً، فمنع منه-:
стр. 3946
وعن الحسن ﵀: جعل الله الدين بين لاءين: (وَلا تَطْغَوْا)، (وَلا تَرْكَنُوا).
ولما خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في الدين: "عافانا الله وإياك - أبا بكر - من الفتن، فقد أصبحت بحالٍ ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك، أصبحت شيخاً كبيراً وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك الله من كتابه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أليس من العجائب أن مثلي … يرى ما قل ممتنعاً عليه
ويؤخذ باسمه الدنيا جميعاً … وما من ذاك شيء في يديه
قوله: (جعل الله الدين بين لاءين: (وَلا تَطْغَوْا)، (وَلا تَرْكَنُوا)): لعل المراد: أن الله تعالى جعل الأمر بقوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) - الذي هو عبارة عن الثبات على الصراط المستقيم، وهو الدين- بين النهيين؛ أحدهما: الإفراط، وهو الطغيان والتجاوز عن الحد، والآخر: التفريط، وهو الميل القليل إلى الظلمة.
قال القاضي: "خطاب الرسول ﷺ ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل، فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط ظلم على نفسه أو غيره، بل ظلم في نفسه".
قوله: (ولما خالط الزهري السلاطين): قال صاحب "الجامع": "هو أبو بكر محمد ابن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، أحد الفقهاء والمحدثين والعلماء من التابعين بالمدينة، المشار إليه في فنون علم الشريعة، قال عمر بن عبد العزيز: لا أعلم أحداً أعلم بالسنة منه. وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ قالك ابن شهاب، قيل: ثم من؟ قال: ابن شهاب. مات في رمضان سنة أربع وعشرين ومئة".
стр. 3947
وعلمك من سنة نبيه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال الله سبحانه (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران: ١٨٧].
واعلم أنّ أيسر ما ارتكبت وأخفّ ما احتملت: أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي بدنوّك ممن لم يؤدّ حقاً ولم يترك باطلاً، حين أدناك اتخذوك قطباً تدور عليك رحى باطلهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلائهم وسلماً يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون الشكّ بك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خرّبوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك في جنب ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وليس كذلك أخذ الله الميثاق): اسم "ليس" محذوف، والكاف: اسم منصوب المحل؛ خبر "ليس"، و"أخذ الله الميثاق": جملة مستأنفة على تقدير السؤال، والأظهر أن تجعل "ليس" بمعنى: لا، كما في قول الشاعر:
إنما يجزي الفتى ليس الجمل
وفي شرح الدار الحديثي: روى أبو عمرو ابن العلاء: "ليس الطيب إلا المسك" بالنصب
стр. 3948
ما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [مريم: ٥٩]، فإنك تعامل من لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم، وهيئ زادك فقد حضر السفر البعيد، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء، والسلام.
وقال سفيان: في جهنم وادٍ لا يسكنه إلا القرّاء الزائرون للملوك. وعن الأوزاعي: ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملاً. وعن محمد بن مسلمة: الذباب على العذرة، أحسن من قارئ على باب هؤلاء .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على المشهور، وبالرفع على جعل "ليس" حرفاً غير عامل، كما عند بني تميم، ذكره سيبويه، وروينا في "صحيح البخاري" عن رافع بن خديج، عن رسول الله ﷺ : "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر"، كأنه قيل: لا كذلك أخذ الله الميثاق، أي: ما أخذ الله الميثاق أخذاً يشبه فعلك.
قوله: (وقال سفيان: في جهنم واد) الحديث: من رواية الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تعوذوا من جب الحزن، قالوا: يا رسول الله، وما جب الحزن؟
стр. 3949
وقال رسول الله ﷺ : «من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه» ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية، هل يسقى شربة ماء؟ فقال: لا، فقيل له: يموت؟ فقال: دعه يموت.
(وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ) حال من قوله (فَتَمَسَّكُمُ) أي: فتمسكم النار وأنتم على هذه الحال. ومعناه: وما لكم من دون الله من أنصار يقدرون على منعكم من عذابه، لا يقدر على منعكم منه غيره (ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) ثم لا ينصركم هو، لأنه وجب في حكمته تعذيبكم وترك الإبقاء عليكم.
فإن قلت: فما معنى "ثم"؟ قلت: معناها: الاستبعاد، لأنّ النصرة من الله مستبعدة مع استيجابهم العذاب واقتضاء حكمته له.
[(وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: واد في جهنم، تعوذ منه جهنم كل يوم أربع مئة مرة، قيل: يا رسول الله، من يدخلها؟ قال: أعد للقراء المرائين بأعمالهم". وزاد ابن ماجة: "وإن من أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزولون الأمراء"، قال المحاربي: يعني: الجورة.
قوله: (فما معنى "ثم"): أتى في السؤال بالفاء للإنكار، يعني: فهم من قولك: "ثم لا ينصركم هو، لأنه وجب في حكمته تعذيبكم": أن "ثم" ها هنا واقعة موقع الفاء السببية، لأن المعنى: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا، لأنكم إن ركنتم إلى الظلمة، فإن الله يعذبكم بالنار بأن يسلطها عليكم، فتمسكم، والحال أن لا ناصر سواه ليخلصكم منها، وهو لا ينصركم، لأنه وجب في حكمته تعذيبكم، فإذن لا تنصرون البتة، فلم جاء بـ "ثم" دون الفاء؟
стр. 3950
(طَرَفَيِ النَّهارِ) غدوة وعشية (وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) وساعاتٍ من الليل وهي ساعاته القريبة من آخر النهار، من أزلفه إذا قربه وازدلف إليه، وصلاة الغدوة: الفجر. وصلاة العشية: الظهر والعصر، لأنّ ما بعد الزوال عشىّ. وصلاة الزلف: المغرب والعشاء. وانتصاب (طرفي النهار) على الظرف، لأنهما مضافان إلى الوقت، كقولك: أقمت عنده جميع النهار، وأتيته نصف النهار وأوله وآخره، تنصب هذا كله على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه. ونحوه (وَأَطْرافَ النَّهارِ) [طه: ١٣٠].
وقرئ: "وزلفاً" بضمتين. "وزلُفا"، بسكون اللام. وزلفى: بوزن قربى. فالزلف: جمع زلفة، كظلم في ظلمة. والزلف بالسكون: نحو بسرة وبسر. والزلف بضمتين نحو بُسُر في بُسَر. والزلفى بمعنى الزلفة، كما أن القربى بمعنى القربة: وهو ما يقرب من آخر النهار من الليل.
وقيل: (وزلفا من الليل): وقرباً من الليل، وحقها على هذا التفسير أن تعطف على (الصلاة)، أي: أقم الصلاة طرفى النهار،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأجاب: ليفيد معنى الاستبعاد مع استيجاب العذاب الذي يعطيه الفاء، قال القاضي: " (ثُمَّ) نزلت منزلة الفاء، فإنه تعالى لما بين أنه معذبهم، وأن غيره لا يقدر على نصرهم، أنتج ذلك أنهم لا ينصرون أصلاً".
قوله: ((وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ): وقرباً من الليل)، الجوهري: "الزلفى: القربة والمنزلة، ومنه قوله تعالى: (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى) [سبأ: ٣٧]، وهي اسم المصدر، كأنه قال: بالتي تقربكم عندنا ازدلافاً، وازدلفوا: تقدموا، والزلفة: الطائفة من الليل، والجمع: زلف".
стр. 3951
وأقم زلفا من الليل، على معنى: وأقم صلاة تتقرّب بها إلى الله في بعض الليل.
(إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) فيه وجهان، أحدهما: أن يراد تكفير الصغائر بالطاعات، وفي الحديث: «إن الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر» والثاني: إن الحسنات يذهبن السيئات، بأن يكن لطفاً في تركها، كقوله: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: ٤٥].
وقيل: نزلت في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري، كان يبيع التمر فأتته امرأة فأعجبته، فقال لها: إن في البيت أجود من هذا التمر، فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها، فقالت له: اتق الله، فتركها وندم، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وحقها على هذا التفسير أن تعطف على (الصَّلاةَ)، لأن معنى "قرباً من الليل": يتقرب إلى الله في بعض الليل، بأن تصلى صلاة التهجد، فتعطف على (الصَّلاةَ)، وهي الصلاة في طرفي النهار، لتجتمع صلاة النهار وصلاة الليل.
قوله: (وفي الحديث: "إن الصلاة إلى الصلاة"): والرواية: أن عثمان دعا بطهور، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله"، أخرجه البخاري ومسلم مع اختلاف.
قوله: (بأن يكن لطفاً في تركها): لأن الصلاة الحقيقية هي أن تكون زاجرة عن ارتكاب المنكرات والفواحش، وإلا فتكون قاضية على صاحبها، قال ابن عباس: "من لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً".
قوله: (أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري): الصحيح في "جامع الأصول": "هو أبو اليسر
стр. 3952
فأتى رسول الله ﷺ فأخبره بما فعل، فقال ﷺ : أنتظر أمر ربي، فلما صلى صلاة العصر نزلت، فقال: نعم، اذهب فإنها كفارة لما عملت.
وروي: أنه أتى أبا بكر فأخبره فقال: استر على نفسك وتب إلى الله، فأتى عمر ﵁ فقال له مثل ذلك، ثم أتى رسول الله ﷺ فنزلت، فقال عمر: أهذا له خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل للناس عامة.
وروي أنّ رسول الله ﷺ قال له: توضأ وضوءاً حسناً وصل ركعتين (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ).
(ذلِكَ) إشارة إلى قوله (فَاسْتَقِمْ) فما بعده (ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ) عظة للمتعظين.
[(وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)].
ثم كرّ إلى التذكير بالصبر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- بفتح السين- كعب بن عمرو الأنصاري"، وفي "الاستيعاب": "كعب بن عمرو بن عباد، ويقال: كعب بن عمرو بن مالك". الحديث: أخرجه الترمذي عنه مع اختلاف وزيادات على ما رواه المصنف، والحديث ينصر القول الأول.
قوله: (ثم كر إلى التذكير بالصبر): يعني: رجع إلى تذكير ما بدئ به ضمناً، وهو قوله: (وَاصْبِرْ)، لأن المذكور أولاً- وهو قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ) إلى قوله:
стр. 3953
بعدما جاء بما هو خاتمة للتذكير، وهذا الكرور لفضل خصوصية ومزية وتنبيه على مكان الصبر ومحله، كأنه قال: وعليك بما هو أهمّ مما ذكرت به وأحق بالتوصية، وهو الصبر على امتثال ما أمرت به والانتهاء عما نهيت عنه، فلا يتم شيء منه إلا به.
(فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) جاء بما هو مشتملٌ على الاستقامة وإقامة الصلوات والانتهاء عن الطغيان والركون إلى الظالمين والصبر وغير ذلك من الحسنات.
[(فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) - كان مشتملاً على المعاني التي لا تتم ولا تكمل إلا بالصبر، فصرح به بعدما ذكر ضمناً؛ للدلالة على أن الصبر ملاك الكل، ولا يتم شيء منه إلا به.
قوله: (بعدما جاء بما هو خاتمة للتذكير): أي: جاء بقوله: (ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) تذييلاً لمجموع قوله: (فَاسْتَقِمْ) إلى قوله: (يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فذلكة له، على منوال قوله: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) [النمل: ٣٤]، ثم علل كلاً من التذييل والمذيل بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) ترغيباً وتحريضاً، وجاء بما هو أعم العام، لأن المحسن من لم يخل بما يدخل تحت مسمى الإحسان، فيدخل فيه دخولاً أولياً.
قال القاضي: " (الْمُحْسِنِينَ) عدول من المضمر؛ ليكون كالبرهان على المقصود، ودليلاً على أن الصلاة والصبر إحسان وإيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص"، ولمح به إلى قوله ﷺ : "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
стр. 3954
(فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ) فهلا كان. وقد حكوا عن الخليل: كل «لولا» في القرآن فمعناها «هلا» إلا التي في الصافات، وما صحت هذه الحكاية ففي غير الصافات (لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ) [القلم: ٤٩]، (وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ) [الفتح: ٢٥]، (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ) [الإسراء: ٧٤].
(أُولُوا بَقِيَّةٍ) أو لو فضل وخير. وسمي الفضل والجودة بقية لأنّ الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله، فصار مثلاً في الجودة والفضل. ويقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، وبه فسر بيت "الحماسة":
إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَاتِينِى بَقِيَّتُكُمْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلا التي في الصافات): وهي قوله تعالى: (وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ) [الصافات: ٥٧].
قوله: (فصار مثلاً في الجودة والفضل): أي: اشتهر معنى الكناية، وسار مسير الأمثال، ويقال: للشيخ بقية، أي: شيء من قوة الشبان.
قوله: (إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم): تمامه:
فما علي بذنب عندكم فوت
يحتمل أن يراد بـ "البقية": خيارهم وأماثلهم، أي: إن تذنبوا ثم يأتيني خياركم يقيمون معذرة أنفسهم، وأنهم لم يساعدوكم، فما علي بجزاء ذنب فوت، وما يلحقكم من لائمة وعيب، وأن يراد: بقيتكم الذين لم يذنبوا، أي: يأتوني معتذرين بأنهم فارقوكم لعظيم جنايتكم، فلا تفوتني مؤاخذتكم.
стр. 3955
ومنه قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا. ويجوز أن تكون "البقية" بمعنى البقوى، كالتقية بمعنى التقوى، أى: فهلا كان منهم ذو وبقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه.
وقرئ: "أولو بقية"، بوزن لقية، من بقاه يبقيه إذا راقبه وانتظره ومنه: «بقينا رسول الله ﷺ » والبقية المرّة من مصدره. والمعنى: فلو كان منهم أولو مراقبة وخشية من انتقام الله، كأنهم ينتظرون إيقاعه بهم لإشفاقهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "أولو بقية"): قال أبو البقاء: "الجمهور على تشديد الياء، وهو الأصل، وقرئ بتخفيفها، وهو مصدر بقي يبقى بقية، كلقيته لقية، فيجوز أن يكون على بابه، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى: فعيل، وهو بمعنى فاعل".
قوله: ("بقينا رسول الله ﷺ "): روينا عن أبي داود عن معاذ بن جبل قال: "بقينا رسول الله ﷺ ، وقد تأخر لصلاة العتمة، حتى ظن الظان أنه ليس بخارج، فإنا كذلك إذ خرج رسول الله ﷺ ، فقالوا له كما قالوا، فقال: أعتموا بهذه الصلاة، فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، لم تصلها أمة قبلكم".
"بقينا": بفتح الباء والقاف، أي: انتظرنا، والاسم منه: البقوى، قلبت الياء واواً، وكذلك كل "فعلى" اسماً، كالتقوى والشروى، وإذا كانت صفة لم تقلب، نحو: امرأة صديا وخزيا.
قوله: (كأنهم ينتظرون إيقاعه بهم لإشفاقهم): بيان لتفسير "أولو مراقبة" بقوله: "وخشية"، فإن المراقب للشيء ينتظر وقوع ما يترقبه، كما أن الخاشي يشفق عما ينتظر وقوعه من المكروه.
стр. 3956
(إِلَّا قَلِيلًا) استثناء منقطع، معناه: ولكن قليلاً ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد، وسائرهم تاركون للنهى. و"مِنَ" في (مِمَّنْ أَنْجَيْنا) حقها أن تكون للبيان لا للتبعيض، لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم، بدليل قوله تعالى (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأعراف: ١٦٥].
فإن قلت: هل لوقوع هذا الاستثناء متصلا وجه يحمل عليه؟ قلت: إن جعلته متصلاً على ما عليه ظاهر الكلام، كان المعنى فاسداً، لأنه يكون تخصيصاً لأولي البقية على النهي عن الفساد، إلا للقليل من الناجين منهم كما تقول:
هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم، تريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن وإن قلت في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم، فكأنه قيل: ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلاً، كان استثناء متصلاً ومعنى صحيحاً، وكان انتصابه على أصل الاستثناء، وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و"من"- في (مِمَّنْ أَنْجَيْنَا) - حقها أن تكون للبيان لا للتبعيض): وذلك أن البيان والمبين شيء واحد، كقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ) [الحج: ٣٠]، فالقليل إذن هم الناجون، ولهذا علله بقوله: "لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم"، أي: دون غيرهم، وأما إذا حمل "من" على التبعيض كان (مِمَّنْ أَنْجَيْنَا) بدلاً من (قَلِيلاً)، فيلزم أن يكون الناهون بعض الناجين، وهو فاسد.
قوله: (على ما عليه ظاهر الكلام): واعلم أن حروف التحضيض تفيد مع الماضي معنى التنديم، ومع المضارع تتخلص للتحضيض، فإذا حمل على ظاهره في هذا المقام، كما يقال: ليتهم كانوا ينهون عن الفساد إلا قليلاً منهم فإنهم لم ينهوا، فسد المعنى، وأما إذا جعل كلمة التحضيض للإنكار لتولد معنى النفي، كما يقال: ما كان أولو بقية إلا قليلاً، صح المعنى واستقام، لكن المختار الرفع في "قليل"، ومن ثم قال: "وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل".
стр. 3957
(وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ) أراد بـ"الذين ظلموا": تاركي النهي عن المنكرات، أي: لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعقدوا هممهم بالشهوات، واتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والتترف، من حب الرياسة والثروة، وطلب أسباب العيش الهنيء. ورفضوا ما وراء ذلك ونبذوه وراء ظهورهم.
وقرأ أبو عمرو- في رواية الجعفي-: "وأُتبِعَ الذين ظلموا"، يعني: واتبعوا جزاء ما أتوفوا فيه. ويجوز أن يكون المعنى في القراءة المشهورة: أنهم أتبعوا جزاء إترافهم، وهذا معنى قويّ لتقدم الإنجاء، كأنه قيل: إلا قليلاً ممن أنجينا منهم وهلك السائر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرأ أبو عمرو): وهي شاذة.
قوله: (معنى قوي لتقدم الإنجاء): أي: النظم يستدعي هذا، لأن بعد تقدم الإنجاء للناهين المناسب أن يبين هلاك الذين لم ينهوا، كأنه قيل: وأنجينا القليل واتبع الذين ظلموا جزاءهم، أي: هلكوا، فيكون وصول الجزاء إلى الكثير في مقابلة إنجاء القليل، ولم يفتقر إلى تقدير معطوف عليه، لقوله: (وَاتَّبَعَ)، لأن الواو حينئذ للحال، وإليه الإشارة بقوله: "الواو للحال"، كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم.
وعلى الأول: "واتبعوا" عطف على "نهوا" مقدراً، كما سيجيء في جواب السؤال.
فإن قلت: قدر المعطوف عليه أولاً غير ما ذكر في الجواب، حيث قال: "لم يهتموا بما هو ركن عظيم في الدين، وعقدوا هممهم بالشهوات، واتبعوا ما عرفوا فيه التنعم" إلى آخره، لأنه عطفه على "عقدوا" أو "لم يهتموا"؟
стр. 3958
فإن قلت: علام عطف قوله (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا)؟ قلت: إن كان معناه: واتبعوا الشهوات، كان معطوفاً على مضمر، لأنّ المعنى إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد، واتبع الذين ظلموا شهواتهم، فهو عطف على نهوا. وإن كان معناه واتبعوا جزاء الإتراف، فالواو للحال، كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم.
فإن قلت: فقوله (وَكانُوا مُجْرِمِينَ)؟ قلت: على (أترفوا) أي: اتبعوا الإتراف وكونهم مجرمين، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: على هذا التقدير لابد من إضمار "نهوا" وهذه المذكورات أيضاً، لأن قوله: "واتبعوا الشهوات" مستدع لذلك، أي: أنهم تركوا متابعة أضدادها، وهي دليل الهدى والاهتمام بالواجب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خاصة في هذا المقام، واستمروا على ضلالهم في متابعة الهوى، فإذن يضمر بعد الاستثناء "نهوا" ليعطف عليه، كأنه قيل: ما كانوا ينهون عن الفساد، لكن القليل منهم نهوا فنجوا، والباقون ما اهتموا به، وعقدوا هممهم بالشهوات، واتبعوا التترف فهلكوا، فوضع موضع "الباقين": (الَّذِينَ ظَلَمُوا) ليؤذن بأن سبب ترك النهي عن المنكر انهماكهم في الشهوات واشتغالهم بحب الجاه والرئاسة، وأن ذلك ظلم عظيم يستأهل صاحبه النكال الشديد، وفيه أن "حب الدنيا رأس كل خطيئة".
قوله: (فقوله: (وَكَانُوا مُجْرِمِينَ)): أي: فعلى أي شيء يعطف قوله: (وَكَانُوا مُجْرِمِينَ).
قوله: (أي: اتبعوا الإتراف وكونهم مجرمين): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لأن
стр. 3959
لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام. أو أريد بـ"الإجرام" إغفالهم للشكر. أو على "اتبعوا"، أي: اتبعوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك. ويجوز أن يكون اعتراضاً وحكماً عليهم بأنهم قوم مجرمون.
[(وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ)].
(كانَ) بمعنى صح واستقام. واللام لتأكيد النفي. و (بِظُلْمٍ) حال من الفاعل، والمعنى: واستحال في الحكمة أن يهلك الله القرى ظالماً لها (وَأَهْلُها) قوم (مُصْلِحُونَ) تنزيها لذاته عن الظلم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"ما"- في (مَا أُتْرِفُوا) - موصولة لا مصدرية؛ لعود الضمير من (فِيهِ) إليه، فكيف يقدر "كانوا" مصدراً، إلا أن يقال: رجع الضمير من (فِيهِ) إلى الظلم، بدلالة (ظَلَمُوا).
قوله: (لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام): تعليل، لأن العطف تفسيري، وأن معنى الإتراف هو كونهم مجرمين، وهذا الجواب مبني على أن (وَاتَّبَعَ) حال، وهو إنما يحسن إذا قدر مضافاً، فكأنه قيل: واتبعوا جزاء آثامهم، وعلى هذا: "إذا أريد بـ "الإجرام": إغفالهم للشكر"، أي: اتبعوا جزاء الإتراف وجزاء كفران النعمة.
قوله: (أو على: "اتبعوا"): هذا على أن يكون "اتبعوا" معطوفاً على المقدر، وهذا العطف من باب قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) [النمل: ١٥] على رأي صاحب "المفتاح": عطف، لحصول مضمون الجملتين، وتعويل ترتب الأول على الثاني إلى الذهن، ولذلك قال: "وكانوا مجرمين بذلك". أو تكون الواو استئنافية، أي: اتبعوا شهواتهم وكانوا قوماً عادتهم الإجرام، فاتبعوا الشهوات لذلك، ولو جعل حالاً من فاعل "اتبعوا"، أي: اتبعوا شهواتهم، والحال أنهم كانوا مجرمين؛ لكان حسناً، والاعتراض أحسن.
стр. 3960
وإيذاناً بأن إهلاك المصلحين من الظلم. وقيل: الظلم الشرك، ومعناه: أنه لا يهلك القرى بسبب شرك أهلها وهم مصلحون يتعاطون الحق فيما بينهم ولا يضمون إلى شركهم فساداً آخر.
[(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)].
(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً) يعني لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل أمّةٍ واحدة أي: ملة واحدة وهي ملة الإسلام، كقوله (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) [الأنبياء: ٩٢]، وهذا الكلام يتضمن نفي الاضطرار، وأنه لم يضطرهم إلى الاتفاق على دين الحق، ولكنه مكنهم من الاختيار الذي هو أساس التكليف، فاختار بعضهم الحق وبعضهم الباطل، فاختلفوا، فلذلك قال (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) إلا ناساً هداهم الله ولطف بهم، فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يتعاطون الحق فيما بينهم، ولا يضمون إلى شركهم فساداً): قال القاضي: "ذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه، ومن ذلك قدم الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقوق العباد، وقيل: الملك يبقى مع الكفر، ولا يبقى مع الظلم".
قوله: (فلذلك قال: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)): أي: فلأجل أن الكلام يتضمن نفي الاضطرار، وأنه تعالى لم يضطرهم إلى الاتفاق، بل جعلهم متمكنين من الاختيار، قال: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) يشير إلى أن المراد بالمشيئة في قوله: (وَلَوْ شَاءَ) مشيئة القسر والإلجاء.
والسني يحمل هذه الآية على معنى قوله: (وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [السجدة: ١٣]، ويقول: لو تعلقت
следующие страницы →