← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

(إِلَّا قَلِيلًا) استثناء منقطع، معناه: ولكن قليلاً ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد، وسائرهم تاركون للنهى. و"مِنَ" في (مِمَّنْ أَنْجَيْنا) حقها أن تكون للبيان لا للتبعيض، لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم، بدليل قوله تعالى (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأعراف: ١٦٥]. فإن قلت: هل لوقوع هذا الاستثناء متصلا وجه يحمل عليه؟ قلت: إن جعلته متصلاً على ما عليه ظاهر الكلام، كان المعنى فاسداً، لأنه يكون تخصيصاً لأولي البقية على النهي عن الفساد، إلا للقليل من الناجين منهم كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم، تريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن وإن قلت في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم، فكأنه قيل: ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلاً، كان استثناء متصلاً ومعنى صحيحاً، وكان انتصابه على أصل الاستثناء، وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و"من"- في (مِمَّنْ أَنْجَيْنَا) - حقها أن تكون للبيان لا للتبعيض): وذلك أن البيان والمبين شيء واحد، كقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ) [الحج: ٣٠]، فالقليل إذن هم الناجون، ولهذا علله بقوله: "لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم"، أي: دون غيرهم، وأما إذا حمل "من" على التبعيض كان (مِمَّنْ أَنْجَيْنَا) بدلاً من (قَلِيلاً)، فيلزم أن يكون الناهون بعض الناجين، وهو فاسد. قوله: (على ما عليه ظاهر الكلام): واعلم أن حروف التحضيض تفيد مع الماضي معنى التنديم، ومع المضارع تتخلص للتحضيض، فإذا حمل على ظاهره في هذا المقام، كما يقال: ليتهم كانوا ينهون عن الفساد إلا قليلاً منهم فإنهم لم ينهوا، فسد المعنى، وأما إذا جعل كلمة التحضيض للإنكار لتولد معنى النفي، كما يقال: ما كان أولو بقية إلا قليلاً، صح المعنى واستقام، لكن المختار الرفع في "قليل"، ومن ثم قال: "وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل".

стр. 3957

(وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ) أراد بـ"الذين ظلموا": تاركي النهي عن المنكرات، أي: لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعقدوا هممهم بالشهوات، واتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والتترف، من حب الرياسة والثروة، وطلب أسباب العيش الهنيء. ورفضوا ما وراء ذلك ونبذوه وراء ظهورهم. وقرأ أبو عمرو- في رواية الجعفي-: "وأُتبِعَ الذين ظلموا"، يعني: واتبعوا جزاء ما أتوفوا فيه. ويجوز أن يكون المعنى في القراءة المشهورة: أنهم أتبعوا جزاء إترافهم، وهذا معنى قويّ لتقدم الإنجاء، كأنه قيل: إلا قليلاً ممن أنجينا منهم وهلك السائر. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرأ أبو عمرو): وهي شاذة. قوله: (معنى قوي لتقدم الإنجاء): أي: النظم يستدعي هذا، لأن بعد تقدم الإنجاء للناهين المناسب أن يبين هلاك الذين لم ينهوا، كأنه قيل: وأنجينا القليل واتبع الذين ظلموا جزاءهم، أي: هلكوا، فيكون وصول الجزاء إلى الكثير في مقابلة إنجاء القليل، ولم يفتقر إلى تقدير معطوف عليه، لقوله: (وَاتَّبَعَ)، لأن الواو حينئذ للحال، وإليه الإشارة بقوله: "الواو للحال"، كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم. وعلى الأول: "واتبعوا" عطف على "نهوا" مقدراً، كما سيجيء في جواب السؤال. فإن قلت: قدر المعطوف عليه أولاً غير ما ذكر في الجواب، حيث قال: "لم يهتموا بما هو ركن عظيم في الدين، وعقدوا هممهم بالشهوات، واتبعوا ما عرفوا فيه التنعم" إلى آخره، لأنه عطفه على "عقدوا" أو "لم يهتموا"؟

стр. 3958

فإن قلت: علام عطف قوله (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا)؟ قلت: إن كان معناه: واتبعوا الشهوات، كان معطوفاً على مضمر، لأنّ المعنى إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد، واتبع الذين ظلموا شهواتهم، فهو عطف على نهوا. وإن كان معناه واتبعوا جزاء الإتراف، فالواو للحال، كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم. فإن قلت: فقوله (وَكانُوا مُجْرِمِينَ)؟ قلت: على (أترفوا) أي: اتبعوا الإتراف وكونهم مجرمين، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: على هذا التقدير لابد من إضمار "نهوا" وهذه المذكورات أيضاً، لأن قوله: "واتبعوا الشهوات" مستدع لذلك، أي: أنهم تركوا متابعة أضدادها، وهي دليل الهدى والاهتمام بالواجب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خاصة في هذا المقام، واستمروا على ضلالهم في متابعة الهوى، فإذن يضمر بعد الاستثناء "نهوا" ليعطف عليه، كأنه قيل: ما كانوا ينهون عن الفساد، لكن القليل منهم نهوا فنجوا، والباقون ما اهتموا به، وعقدوا هممهم بالشهوات، واتبعوا التترف فهلكوا، فوضع موضع "الباقين": (الَّذِينَ ظَلَمُوا) ليؤذن بأن سبب ترك النهي عن المنكر انهماكهم في الشهوات واشتغالهم بحب الجاه والرئاسة، وأن ذلك ظلم عظيم يستأهل صاحبه النكال الشديد، وفيه أن "حب الدنيا رأس كل خطيئة". قوله: (فقوله: (وَكَانُوا مُجْرِمِينَ)): أي: فعلى أي شيء يعطف قوله: (وَكَانُوا مُجْرِمِينَ). قوله: (أي: اتبعوا الإتراف وكونهم مجرمين): قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لأن

стр. 3959

لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام. أو أريد بـ"الإجرام" إغفالهم للشكر. أو على "اتبعوا"، أي: اتبعوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك. ويجوز أن يكون اعتراضاً وحكماً عليهم بأنهم قوم مجرمون. [(وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ)]. (كانَ) بمعنى صح واستقام. واللام لتأكيد النفي. و (بِظُلْمٍ) حال من الفاعل، والمعنى: واستحال في الحكمة أن يهلك الله القرى ظالماً لها (وَأَهْلُها) قوم (مُصْلِحُونَ) تنزيها لذاته عن الظلم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "ما"- في (مَا أُتْرِفُوا) - موصولة لا مصدرية؛ لعود الضمير من (فِيهِ) إليه، فكيف يقدر "كانوا" مصدراً، إلا أن يقال: رجع الضمير من (فِيهِ) إلى الظلم، بدلالة (ظَلَمُوا). قوله: (لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام): تعليل، لأن العطف تفسيري، وأن معنى الإتراف هو كونهم مجرمين، وهذا الجواب مبني على أن (وَاتَّبَعَ) حال، وهو إنما يحسن إذا قدر مضافاً، فكأنه قيل: واتبعوا جزاء آثامهم، وعلى هذا: "إذا أريد بـ "الإجرام": إغفالهم للشكر"، أي: اتبعوا جزاء الإتراف وجزاء كفران النعمة. قوله: (أو على: "اتبعوا"): هذا على أن يكون "اتبعوا" معطوفاً على المقدر، وهذا العطف من باب قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) [النمل: ١٥] على رأي صاحب "المفتاح": عطف، لحصول مضمون الجملتين، وتعويل ترتب الأول على الثاني إلى الذهن، ولذلك قال: "وكانوا مجرمين بذلك". أو تكون الواو استئنافية، أي: اتبعوا شهواتهم وكانوا قوماً عادتهم الإجرام، فاتبعوا الشهوات لذلك، ولو جعل حالاً من فاعل "اتبعوا"، أي: اتبعوا شهواتهم، والحال أنهم كانوا مجرمين؛ لكان حسناً، والاعتراض أحسن.

стр. 3960

وإيذاناً بأن إهلاك المصلحين من الظلم. وقيل: الظلم الشرك، ومعناه: أنه لا يهلك القرى بسبب شرك أهلها وهم مصلحون يتعاطون الحق فيما بينهم ولا يضمون إلى شركهم فساداً آخر. [(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)]. (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً) يعني لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل أمّةٍ واحدة أي: ملة واحدة وهي ملة الإسلام، كقوله (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) [الأنبياء: ٩٢]، وهذا الكلام يتضمن نفي الاضطرار، وأنه لم يضطرهم إلى الاتفاق على دين الحق، ولكنه مكنهم من الاختيار الذي هو أساس التكليف، فاختار بعضهم الحق وبعضهم الباطل، فاختلفوا، فلذلك قال (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) إلا ناساً هداهم الله ولطف بهم، فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يتعاطون الحق فيما بينهم، ولا يضمون إلى شركهم فساداً): قال القاضي: "ذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه، ومن ذلك قدم الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقوق العباد، وقيل: الملك يبقى مع الكفر، ولا يبقى مع الظلم". قوله: (فلذلك قال: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)): أي: فلأجل أن الكلام يتضمن نفي الاضطرار، وأنه تعالى لم يضطرهم إلى الاتفاق، بل جعلهم متمكنين من الاختيار، قال: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) يشير إلى أن المراد بالمشيئة في قوله: (وَلَوْ شَاءَ) مشيئة القسر والإلجاء. والسني يحمل هذه الآية على معنى قوله: (وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [السجدة: ١٣]، ويقول: لو تعلقت

стр. 3961

(وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) "ذلك" إشارة إلى ما دل عليه الكلام الأوّل وتضمنه، يعني: ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان عنه الاختلاف خلقهم، ليثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره. (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) وهي قوله للملائكة (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) لعلمه بكثرة من يختار الباطل. [(وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ* وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ* وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مشيئة الله تعالى باتفاق الناس على دين الحق ما اختلفوا حقاً ولا باطلاً، وحين تعلقت مشيئته بهداية البعض وضلالة البعض؛ بأن يكون فريق في الجنة وفريق في السعير، اختلفوا، يدل عليه قوله في هذه الآية: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، وتؤيده الأحاديث الواردة في القدر. روى محيي السنة: "عن الحسن وعطاء: وللاختلاف خلقهم. وقال مالك: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير. وقال أبو عبيدة: هذا القول أختاره". وقال القاضي: "في الآية دليل ظاهر على أن الأمر غير الإرادة، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد، وأن ما أراده يجب وقوعه". قوله: ((كَلِمَةُ رَبِّكَ) هي قوله للملائكة: (لأَمْلأَنَّ)): يريد: أن المراد بـ "الكلمة": الإخبار، كما قال تعالى في الأنعام: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) [الأنعام: ١١٥]، أي: ما أخبر به، وأمر ونهى، ووعد وأوعد، فر من إثبات العلم الأزلي، وجف القلم بما هو كائن، الذي

стр. 3962

(وَكُلًّا) التنوين فيه عوض من المضاف إليه كأنه قيل. وكل نبأ (نَقُصُّ عَلَيْكَ) و (مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ) بيان لـ"كل"، و (ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) بدل من "كلا". ويجوز أن يكون المعنى: كل واقتصاص نقصّ عليك، على معنى: وكل نوع من أنواع الاقتصاص نقصّ عليك، يعني: على الأساليب المختلفة، (وما نُثَبِّتُ بِهِ) مفعول (نقصّ). ومعنى تثبيت فؤاده: زيادة يقينه وما فيه طمأنينة قلبه، لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ للعلم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يستتبع الكائنات إلى تحقيقه، وجعل العلم تابعاً للمعلوم، حيث قال: "لعلمه بكثرة من يختار الباطل". قوله: (و (مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) بدل من "كلا"): أي: نقص عليك من كل نبأ من أنباء الرسل، ث نقص عليك ما نثبت به فؤادك من أنباء الرسل، قال أبو البقاء: " (كلاً): منصوب بـ (نَقُصُّ)، و (مِنْ أَنْبَاءِ) صفة لـ (كلاً)، و (مَا نُثَبِّتُ بِهِ) بدل من (كلاً) ". قوله: (وكل نوع من أنواع الاقتصاص نقص): فعلى هذا: (مِنْ أَنْبَاءِ) حال من المفعول، وهو (مَا نُثَبِّتُ)، و"كلاً" منصوب على المصدر، أي: نقص ما نثبت به فؤادك كائناً من أنباء الرسل كل نوع من أنواع الاقتصاص، قال أبو البقاء: "يجوز أن يكون (مَا نُثَبِّتُ) مفعول (نَقُصُّ)، و"كلاً" حال من (مَا)، أو من الهاء عند من أجاز تقديم الحال من المجرور". وعليه قال القاضي: "يجوز أن يكون "كلاً" مصدراً".

стр. 3963

(وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ) أي: في هذه السورة. أو في هذه الأنباء المقتصة فيها ما هو حق (وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ). (وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) من أهل مكة وغيرهم (اعْمَلُوا) على حالكم وجهتكم التي أنتم عليها (إِنَّا عامِلُونَ). (وَانْتَظِرُوا) بنا الدوائر (إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) أن ينزل بكم نحو ما اقتص الله من النقم النازلة بأشباهكم. [(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)]. (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) لا تخفى عليه خافية مما يجرى فيهما، فلا تخفى عليه أعمالكم (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) فلا بدّ أن يرجع إليه أمرهم وأمرك، فينتقم لك منهم (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) فإنه كافيك وكافلك (وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ) أي: في هذه السورة) على آخره: إشارة إلى أن هذه الآية فذلكة لتفاصيل السورة، كما أسلفناه في قوله: (فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) [هود: ١٣]، وأن السورة إلى خاتمتها تسلية لقلب الحبيب صلوات الله عليه. قوله: (فلابد أن يرجع إليه أمرهم وأمرك): يريد: أن هذه الكلمة جامعة، فيدخل فيها تسلية الرسول ﷺ ، وتهديد الكفار، والانتقام منهم، دخولاً أولياً. الراغب: "الأمر: الشأن، وجمعه: أمور، ومصدر "أمرته"؛ إذا كلفته شيئاً، وهو لفظ عام للأقوال والأفعال كلها، وعلى ذلك: إليه يرجع الأمر كله، (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)

стр. 3964

وقرئ: (تعملون)، بالتاء: أي: أنت وهم على تغليب المخاطب. عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة هودٍ أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بنوح ومن كذب به، وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وكان يوم القيامة من السعداء إن شاء الله تعالى ذلك". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [آل عمران: ١٥٤]، ويقال للإبداع: أمر، نحو: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) [الأعراف: ٥٤]، وقوله: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [النحل: ٤٠] إشارة إلى إبداعه، وعبر عنه بأقصر لفظ وأبلغ ما يتقدم فيه فيما بيننا، ومنه قوله: (وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ) [القمر: ٥٠]، والأمر: التقدم بالشيء، سواء كان بقولهم: افعل، أو: لتفعل، أو: بلفظ الخبر؛ نحو: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ) [البقرة: ٢٢٨]، وقوله: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) [هود: ٩٧] عام في أقواله وأفعاله، وقيل: أمر القوم؛ إذا كثروا، لأن القوم إذا كثروا صاروا ذا أمير، من حيث إنه لابد من سائس يسوسهم". قوله: (وقرئ: (تَعْمَلُونَ) بالتاء) الفوقانية: نافع وابن عامر وحفص، والله أعلم.

стр. 3965

سورة يوسف ﵇ مكية، وهي مائة وإحدى عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ)]. (تِلْكَ) إشارة إلى آيات السورة، و (الْكِتابِ الْمُبِينِ) السورة؛ أي: تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة يوسف ﵇ مكية، وهي مئة وإحدى عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (أي: تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة)، إشارة إلى أن (تِلْكَ) مبتدأ، والمشار إليه ما في ذهن المخاطب، قال ابن الحاجب: "المشار إليه لا يشترط أن يكون موجوداً

стр. 3966

أو التي تبين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر. أو الواضحة التي لا تشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم. أو قد أبين فيها ما سألت عنه اليهود من قصة يوسف. فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟ وعن قصة يوسف؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حاضراً، بل يكفي أن يكون موجوداً ذهناً"، فقوله: "أي: تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة" إشارة إلى المتصور، وقوله: "آيات السورة الظاهر أمرها" هو المذكور في التنزيل الواقع خبراً لاسم الإشارة الذي المشار إليه به ما في الذهن، قال المصنف في قوله: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) [الكهف: ٧٨]: "تصور فراق بينهما عند حلول الميعاد، فأشار إليه، وجعله مبتدأ، وأخبر عنه". قوله: (أو: قد أبين فيها ما سألت عنه اليهود)، الجوهري: "بان الشيء بياناً: اتضح، فهو بين، وكذلك أبان الشيء فهو مبين، وأبنته أنا، أي: أوضحته، يتعدى ولا يتعدى". فـ (الْمُبِينِ) ها هنا: يحتمل أن يكون من اللازم ومن المتعدي، وإذا حمل على الأول يحتمل وجهين؛ لأن ظهورها: إما بحسب الألفاظ من كونها معجزاً ظاهر الإعجاز، لا يخفى على أرباب البلاغة أن البشر لا تطيق الإتيان بمثلها، كقوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ) [البقرة: ٢٤]، فهو المراد من قوله: "الظاهر أمرها في إعجاز العرب"، أو بحسب المعاني، كقوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، وإليه الإشارة بقوله: "لا تشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم". وإذا حمل على الثاني يحتمل وجهين أيضاً: أحدهما: أنها من الظهور والبيان بمنزلة المبين والمفسر، حيث تحمل التدبر على التقدير، كقوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) [النساء: ٨٢]، وهو الذي عناه بقوله: "التي

стр. 3967

(أَنْزَلْناهُ) أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف في حال كونه (قُرْآناً عَرَبِيًّا)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تبين لمن تدبرها أنها من عند الله، لا من عند البشر". وثانيهما: مبين من جهة أن الله تعالى أبان فيها وأوضح مطلوب اليهود، وإليه الإشارة بقوله: "أبين فيها ما سألت عنه اليهود"، فعلى هذا هو من الإسناد المجازي، وإنما حمله على الاختلاف وترك الاتساق- وإن لم يجمع بين المتعديين واللازمين- أن الوجهين الأولين محمولان على معنى الكمال، بحيث لا يوجد في غيره من الكتب، ولا كذلك الوجهان الأخيران. قوله: (في حال كونه (قُرْآناً عَرَبِيّاً))، قال أبو البقاء: "فيه وجهان: أحدهما: أنه توطئة للحال التي هي (عَرَبِيّاً)، والثاني: أنه حال، وهو مصدر في موضع المفعول، أي: مجموعاً ومجتمعاً". وقلت: معنى التوطئة أنها تنبئ أن ما بعدها حال ومقصود بالذكر، لا أنها في نفسها حال، لأنها لا تدل حينئذ على الهيئة، قال الزجاج في قوله تعالى: (لِسَاناً عَرَبِيّاً): "هو منصوب على الحال. المعنى: مصدقاً لما بين يديه عربياً، وذكر (لِسَاناً) توكيداً، كما تقول: جاءني زيد رجلاً صالحاً، تريد: جاءني زيد صالحاً، وتذكر "رجلاً" توكيداً".

стр. 3968

وسمي بعض القرآن قرآناً، لأنّ القرآن اسم جنس يقع على كله وبعضه (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم؛ (وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ) [فصلت: ٤٤]. "الْقَصَصِ" على وجهين: يكون مصدراً بمعنى الاقتصاص، تقول: قصّ الحديث يقصه قصصاً، كقولك: شله يشله شللاً، إذا طرده. ويكون «فعلاً» بمعنى «مفعول» كالنفض والحسب. ونحوه النبأ والخبر: في معنى المنبأ به والمخبر به. ويجوز أن يكون من تسمية المفعول بالمصدر، كالخلق والصيد. وإن أريد المصدر، فمعناه: نحن نقص عليك أحسن القصص (بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) أي: بإيحائنا إليك هذه السورة، على أن يكون (أحسن) منصوباً نصب المصدر، لإضافته إليه، ويكون المقصوص محذوفاً، لأنّ قوله (بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) مغن عنه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (سمي بعض القرآن قرآناً)، أي: (قُرْآناً) - في (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً) - المراد به السورة، لقوله: "أنزلنا هذا الكتاب"، وسبق أن المراد منه السورة. قوله: (إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه)، قال القاضي: "أن تفهموه وتستعملوا فيه عقولكم، فتعلموا أن اقتصاصه كذلك ممن لم يعلم القصص معجز لا يتصور إلا بالإيحاء". وفي التفسيرين خلاف؛ يظهر الفرق من تفسير "مبين" كما سبق، لأن تفسير القاضي موافق للوجه الأول والثاني، وتفسيره للوجه الثالث. قوله: (ويكون المقصوص محذوفاً)، أي: مفعول (نَقُصُّ) محذوف لدلالة (بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)، التقدير: نقص الموحى أحسن القصص.

стр. 3969

ويجوز أن ينتصب (هذا القرآن) بـ (نقصّ)، كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إليك. والمراد بـ"أحسن الاقتصاص": أنه اقتصّ على أبدع طريقة وأعجب أسلوب. ألا ترى أنّ هذا الحديث مقتص في كتب الأولين وفي كتب التواريخ؟ ولا ترى اقتصاصه في كتاب منها مقارباً لاقتصاصه في القرآن؟ وإن أريد بـ (القصص): المقصوص، فمعناه: نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث، وإنما كان أحسنه لما يتضمن من العبر والنكت والحكم والعجائب التي ليست في غيرها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن ينتصب (هَذَا الْقُرْآنُ) بـ (نَقُصُّ))، والفرق بين هذا والأول: هو أن على الأول مفعول (نَقُصُّ) محذوف، ومفعول (أَوْحَيْنَا): (هَذَا الْقُرْآنُ)، وعلى هذا بالعكس، والمعنى على هذا: نحن نقص عليك هذا القرآن- أي: قصة يوسف- بواسطة الإيحاء أحسن الاقتصاص، وعلى الأول: نحن نقص عليك قصة يوسف بواسطة إيحاء هذا القرآن المعجز الباهر تبيانه القاهر سلطانه أحسن الاقتصاص، وهذا أبلغ، ويكون المصدر مؤكداً. قوله: (وإن أريد بـ (الْقَصَصِ))، معطوف على قوله: "فإن أريد المصدر فمعناه". قوله: (وإنما كان أحسنه لما يتضمن من العبر والنكت)، قال محيي السنة: "والفوائد التي تصلح للدين والدنيا من سير الملوك والمماليك والعلماء، ومكر النساء، وقصص الرؤيا، والصبر على أذى الأعداء، والتجاوز عنهم بعد الاقتدار، وغير ذلك".

стр. 3970

والظاهر أنه أحسن ما يقتص في بابه، كما يقال في الرجل: هو أعلم الناس وأفضلهم، يراد في فنه. فإن قلت: ممّ اشتقاق "القصص"؟ قلت: من قصّ أثره إذا اتبعه، لأنّ الذي يقصّ الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، كما يقال: تلا القرآن، إذا قرأه، لأنه يتلو أي: يتبع ما حفظ منه آية بعد آية. (وَإِنْ كُنْتَ): "إن" مخففة من الثقيلة. واللام هي التي تفرق بينها وبين النافية. والضمير في (قَبْلِهِ) راجع إلى قوله: (بما أوحينا). والمعنى: وإنّ الشأن والحديث كنت من قبل إيحائنا إليك من الغافلين عنه، أى: من الجاهلين به، ما كان لك فيه علم قط ولا طرق سمعك طرف منه. [(إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والظاهر أنه أحسن ما يقتص في بابه)، المعنى: أن قصة يوسف في الاقتصاص أحسن من سائر الأقاصيص فيه، فلا يلزم أن تكون قصته أحسن من قصة سيدنا محمد ﷺ ، وكونه أحسن اقتصاصاً لأنها اقتصت على أبدع طريقة وأعجب أسلوب. قوله: (مم اشتقاق "القصص"؟ )، أي: من أي معنى اشتق "القصص"، وما المنقول منه؟ وإلا فقد بين اشتقاقه فيما سبق حيث قال: "قص الحديث يقصه قصصاً". قوله: (من الجاهلين به)، هذه كبوة منه توهم أن الغافل عن الشيء هو الجاهل به، ولم يكن رسول الله ﷺ ممن يطلق عليه اسم الجاهل ويخاطب به أبداً، قال القاضي: " (لَمِنْ الْغَافِلِينَ) عن هذه القصة؛ لم تخطر ببالك، ولم تقرع سمعك قط، وهو تعليل لكونه موحى".

стр. 3971

(إِذْ قالَ يُوسُفُ) بدل من (أحسن القصص)، وهو من بدل الاشتمال، لأن الوقت مشتمل على القصص وهو المقصوص، فإذا قصَّ وقته فقد قص. أو بإضمار «اذكر». ويوسف اسم عبراني، وقيل عربى وليس بصحيح، لأنه لو كان عربياً لا نصرف لخلوّه عن سبب آخر سوى التعريف. فإن قلت: فما تقول فيمن قرأ «يوسِف» بكسر السين، أو «يوسَف» بفتحها، هل يجوز على قراءته أن يقال «هو عربي» لأنه على وزن المضارع المبنى للفاعل أو المفعول من آسف. وإنما منع الصرف للتعريف ووزن الفعل؟ قلت: لا، لأنّ القراءة المشهورة قامت بالشهادة، على أن الكلمة أعجمية، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: ويمكن أن يقال: إن الشيء إذا كان بديعاً، وفيه نوع غرابة إذا وقف عليه، قيل للمخاطب: كنت من هذا غافلاً، يعني: كان يجب عليك أن تفتش عنه وتتوخى في تحصيله. الراغب: "الغفلة: سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، وأرض غفل: لا منار بها، وإغفال الكتاب: تركه غير معجم، قوله تعالى: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) [الكهف: ٢٨]، أي: جعلناه غافلاً عن الحقائق، أو تركناه غير مكتوب فيه الإيمان، كما قال: (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ) [المجادلة: ٢٢] ". قوله: (وهو المقصوص)، وإنما خصه، وقد ذكر أيضاً أنه يكون مصدراً بمعنى الاقتصاص، لأن زمان الاقتصاص زمان ما قص على النبي ﷺ وأوحي إليه، وزمان قول يوسف منقرض غير مشتمل على أحسن الاقتصاص، فلا يصلح البدل، فهو على هذا معمول "اذكر".

стр. 3972

فلا تكون عربية تارة وأعجمية أخرى، ونحو يوسف: يونس، رويت فيه هذه اللغات الثلاث ولا يقال هو عربى لأنه في لغتين منها بوزن المضارع من آنس وأونس. وعن النبي ﷺ «إذا قيل: من الكريم؟ فقولوا: الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم». (يا أَبَتِ) قرئ بالحركات الثلاث. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الكريم ابن الكريم)، الحديث: رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة. قوله: ((يَا أَبَتِ) قرئ بالحركات الثلاث)، ابن عامر: بفتح التاء، والباقون: بكسرها، والضم: شاذ.

стр. 3973

فإن قلت: ما هذه التاء؟ قلت: تاء تأنيث وقعت عوضاً من ياء الإضافة، والدليل على أنها تاء تأنيث قلبها هاء في الوقف. فإن قلت: كيف جاز إلحاق تاء التأنيث بالمذكر؟ قلت: كما جاز نحو قولك: حمامة ذكر، وشاة ذكر، ورجل ربعة، وغلام يفعة. فإن قلت: فلم ساغ تعويض تاء التأنيث من ياء الإضافة؟ قلت: لأنَّ التأنيث والإضافة يتناسبان في أنّ كل واحد منهما زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تاء التأنيث وقعت عوضاً من ياء الإضافة)، قال الزجاج: " (يَا أَبَتِ) بكسر التاء على الإضافة إلى نفسه، وحذف ياء الإضافة شائع في النداء، وأما إدخال تاء التأنيث فيختص بالأب والأم، والمذكر يوصف بما فيه تاء التأنيث، نحو: غلام يفعة، ورجل ربعة، والتاء إنما كسرت ولزمت في الأب عوضاً من ياء الإضافة، والوقف عليه: يا أبه، وزعم الفراء أنك إذا كسرت وقفت بالتاء لا غير، وإذا فتحت وقفت بالهاء والتاء، ولا فرق بين الكسر والفتح، وأما الرفع فضعيف، لأن الهاء بدل من ياء الإضافة". قوله: (قلبها هاء)، أي: لو كانت أصلية لبقيت ياء خالصة في الوقف، ولم تقل: يا أبه، كما في الثبت، وهو الحجة، وقرأ: "يا أبه"- بالهاء في الوقف- ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب. قوله: (ربعة)، الجوهري: "أي: مربوع الخلق، لا طويل ولا قصير، وامرأة ربعة، وجمعها ربعات"، "وأيفع الغلام: ارتفع، وغلام يافع ويفعة، وغلمان أيفاع ويفعة".

стр. 3974

فإن قلت: فما هذه الكسرة؟ قلت: هي الكسرة التي كانت قبل الياء في قولك: يا أبى، قد زحلقت إلى التاء، لاقتضاء تاء التأنيث أن يكون ما قبلها مفتوحاً. فإن قلت: فما بال الكسرة لم تسقط بالفتحة التي اقتضتها التاء وتبقى التاء ساكنة؟ قلت: امتنع ذلك فيها، لأنها اسم، والأسماء حقها التحريك لأصالتها في الإعراب، وإنما جاز تسكين الياء وأصلها أن تحرّك تخفيفاً، لأنها حرف لين. وأما التاء فحرف صحيح نحو كاف الضمير، فلزم تحريكها. فإن قلت: يشبه الجمع بين التاء وبين هذه الكسرة الجمع بين العوض والمعوّض منه، لأنها في حكم الياء، إذا قلت: يا غلام، فكما لا يجوز «يا أبتى» لا يجوز «يا أبت». قلت الياء والكسرة قبلها شيئان والتاء عوض من أحد الشيئين، وهو الياء والكسرة غير متعرض لها، فلا يجمع بين العوض والمعوض منه، إلا إذا جمع بين التاء والياء لا غير. ألا ترى إلى قولهم «يا أبتا» مع كون الألف فيه بدلا من التاء، كيف جاز الجمع بينها وبين التاء، ولم يعد ذلك جمعاً بين العوض والمعوّض منه، فالكسرة أبعد من ذلك. فإن قلت: فقد دلت الكسرة في "يا غلام" على الإضافة، لأنها قرينة الياء ولصيقتها. فإن دلت على مثل ذلك في «يا أبت» فالتاء المعوّضة لغو: وجودها كعدمها؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (زحلقت)، الجوهري: "الزحلقة: كالدحرجة والدفع، يقال: زحلقته فتزحلق". قوله: (بالفتحة التي اقتضتها التاء)، وهي الفتحة التي قبل التاء في مثل طلحة وحمزة، أي: إذا اقتضت التاء فتح ما قبلها كان القياس أن يسقط هذا الاقتضاء تلك الكسرة، لوجود ما يقتضي عدمها، إلا أن تزحلق إلى التاء، لأنها اسم، قيل: ليست باسم، وإنما هي عوض من الاسم، فأجريت مجراه. قوله: (وجودها كعدمها)، لأن الكسرة لما دلت على الياء، فأي حاجة إلى ذكر التاء.

стр. 3975

قلت: بل حالها مع التاء كحالها مع الياء إذا قلت يا أبي. فإن قلت: فما وجه من قرأ بفتح التاء وضمها؟ قلت: أما من فتح فقد حذف الألف من «يا أبتا» واستبقى الفتحة قبلها، كما فعل من حذف الياء في «يا غلام» ويجوز أن يقال: حركها بحركة الباء المعوض منها في قولك «يا أبي». وأما من ضم فقد رأي: اسماً في آخره تاء تأنيث، فأجراه مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء فقال: «يا أبت» كما تقول «يا ثبة» من غير اعتبار لكونها عوضا من ياء الاضافة. وقرئ: "إني رأيت"، بتحريك الياء. "وأحد عشر" بسكون العين، تخفيفاً لتوالي المتحركات فيما هو في حتم اسم واحد، وكذا إلى تسعة عشر، إلا اثني عشر، لئلا يلتقي ساكنان. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بل حالها مع التاء كحالها مع الياء)، يعني: الكسرة على التاء ليست كالكسرة على الميم في "يا غلام"، وإنما هي كالكسرة في "يا غلامي" مع الياء. قوله: (يا ثبة)، الجوهري: "الثبة: الجماعة، وأصلها ثبي، والجمع ثبات وثبون وأثابي. قوله: (و"أحد عشر" بسكون العين)، قال ابن جني: "قرأها أبو جعفر ونافع- بخلاف- وطلحة بن سليمان، والسبب أن الاسمين لما جعلا كالاسم الواحد، وبني الاسم الأول منهما لأنه كصدر الاسم، والثاني منهما لتضمنه معنى حرف العطف، لم يجز الوقف على الأول، لأنه كصدر الاسم من عجزه، فجعل تسكين أول الثاني دليلاً على أنهما قد صارا كالاسم الواحد، وكذلك البقية إلى "تسعة عشر"، إلا "اثنا عشر" و"اثني عشر"، فإنه لا يسكن لسكون الألف والياء قبلها، ومما يدل على أن الاسمين إذا أجريا مجرى الاسم الواحد

стр. 3976

و (رأيت) من الرؤيا، لا من الرؤية، لأنَّ ما ذكره معلوم أنه منام، لأنّ الشمس والقمر لو اجتمعا مع الكواكب ساجدة ليوسف في حال اليقظة، لكانت آيةً عظيمة ليعقوب ﵇، ولما خفيت عليه وعلى الناس. فإن قلت: ما أسماء تلك الكواكب؟ قلت: روى جابر أنّ يهودياً جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: يا محمد، أخبرني عن النجوم التي رآهنّ يوسف، فسكت رسول الله ﷺ : فنزل جبريل ﵇ فأخبره بذلك، فقال النبي ﷺ لليهودي «إن أخبرتك هل تسلم»؟ قال: نعم. قال: «جريان، والطارق، والذيال، وقابس، وعمودان، والفليق، والمصبح، والضروح، والفرغ. ووثاب، وذو الكتفين. رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له» فقال: اليهودي: أي والله، إنها لأسماؤها. وقيل: الشمس والقمر أبواه. وقيل: أبوه وخالته، والكواكب: إخوته. وعن وهبٍ: أنّ يوسف رأى وهو ابن سبع سنين أنّ إحدى عشرة عصا طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة، وإذا عصاً صغير تثب عليها حتى اقتلعتها وغلبتها، فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك، ثم رأى وهو ابن ثنتي عشرة سنة الشمس والقمر والكواكب تسجد له، فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم، فيبغوا لك الغوائل. وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومصير إخوته إليه أربعون سنةً. وقيل: ثمانون. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عوملا معاملته: ما حكاه أبو عمرو الشيباني من قولهم في حضرموت: حضرموت- بضم الميم-؛ ليكون كعنكبوت".

стр. 3977

فإن قلت لم أخر الشمس والقمر؟ قلت: أخرهما ليعطفهما على "الكواكب" على طريق الاختصاص، بياناً لفضلهما واستبدادهما بالمزية على عيرهما من الطوالع، كما أخر جبريل وميكائيل عن الملائكة، ثم عطفهما عليها لذلك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على طريق الاختصاص بياناً لفضلهما واستبدادهما بالمزية)، وكان من حق الظاهر تقديم "الشمس والقمر" على "الكوكب" بعد إخراجهما من الجنس؛ تقديماً للفاضل على المفضول، كقوله تعالى: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ) [الأعراف: ٥٤]، لكن خولف هذا الاعتبار بتأخرهما؛ قصداً إلى تغايرهما مطلقاً، وإخراجهما من الجنس رأساً، بحيث لا مناسبة بينهما، كتقديم الفاضل على المفضول. فإن قلت: ما نحن بصدده ليس من قبيل: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) [البقرة: ٩٨]، لأنه من عطف الخاص على العام، لأنهما داخلان في الملائكة، بخلافه ها هنا؟ قلت: يكفي في التشبيه بالفضل والاختصاص تأخيرهما وإخراجهما من جنس الكوكب، وجعلهما مغايرين لها بالعطف، وهو المراد من قوله: "كما أخر"، وقوله: "ثم عطفهما عليها". فإن قلت: فما فائدة العدول، ولمَ لم يقل: إني رأيت الكوكب والشمس والقمر؛ ليوازي تلك الآية؟ قلت: القصد الأولي في تلك الآية ذكر جبريل وميكائيل، كما دل عليه سبب النزول، وذكر الملائكة للتوطئة والتمهيد، بخلافه ها هنا، فسلك به مسلكاً علم منه المقصود، وأدمج التفضيل والاختصاص، وفيه إشارة إلى أن الآخرة مع تلك الهنات ما سلب عنهم نور الولاية والنبوة.

стр. 3978

ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع"، أي: رأيت الكواكب مع الشمس والقمر. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن تكون "الواو" بمعنى: مع)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لاتفاقهم على أن "عمراً" في "ضربت زيداً وعمراً" ليس مفعولاً معه. ويجاب: أنا لمعني بقوله: "بمعنى: مع" ليس أنه مفعول معه، فإن سؤاله: "لم أخر "الشمس والقمر"؟ ". ومعناه: كيف أخرهما وموضع التقديم ظاهر. وأجاب بجوابين: أحدهما: فيه التزام التأخير لإفادة المبالغة في التغاير، وثانيهما: أن "الواو" لا توجب الترتيب، لأن مقتضاها الجمعية، لأنها بمعنى: مع، كأنه قيل: رأيت الشمس والقمر والكواكب دفعة واحدة. يؤيده قوله في تفسير: (لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ) [المائدة: ٣٦]: "إنما وحد الراجع في "به"، لأن الواو بمعنى: "مع"، فيتوحد المرجوع إليه"، وقوله بعيد هذا: " (يَخْلُ لَكُمْ) إما مجزوم بإضمار "إن"، والواو بمعنى: "مع"، كقوله: (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) ". قال شارح "الهادي": الواو تدل على الجمع المطلق، ودلالتها على الجمع أقوى من دلالتها على العطف، فإنها قد تعرى عن معنى العطف، ولا تعرى من معنى الجمع، فإن

стр. 3979

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واو القسم وواو الحال بمعنى "مع"، ولا تفيد العطف، وتفيد الجمع، لأنها في القسم نائبة عن الباء، والباء للإلصاق، والحال مصاحبة لذي الحال، والواو في المختلفين بمنزلة التثنية والجمع في المتفقين إذا لم يمكنهم التثنية والجمع في المختلفين، فعدلوا إلى الواو. وتلخيص الجوابين يرجع إلى ما قاله في سورة النمل: "فإن قلت: ما الفرق بين هذا- أي: (تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ) [النمل: ١]- وبين قوله: (تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ) [الحجر: ١]؟ قلت: لا فرق بينهما إلا ما بين المعطوف والمعطوف عليه من التقدم والتأخر، وذلك على ضربين: ضرب جار مجرى التثنية، لا يترجح جانب على جانب، وضرب فيه ترجح، والأول نحو قوله: (وَقُولُوا حِطَّةٌ) (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً)، والثاني نحو قوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ) [آل عمران: ١٨] ". ونقل عن تلميذ ابن الحاجب أنه قال: ظاهر كلام الزمخشري لا يشترط في المفعول معه مصاحبة الفاعل، والحد المذكور في "الكافية" لا يمنع من مصاحبة المفعول، ونقل المالكي عن سيبويه أنه قال بعد تمثيله بـ "ما صنعت وأباك" و"لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها"، فـ "الفصيل" مفعول معه، و"الأب" كذلك. وقال المالكي أيضاً: ويترجح

стр. 3980

فإن قلت: ما معنى تكرار (رأيت)؟ قلت: ليس بتكرار، إنما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جواباً له، كأن يعقوب ﵇ قال له عند قوله (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً): كيف رأيتها سائلاً عن حال رؤيتها؟ فقال (رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ). فإن قلت. فلم أجريت مجرى العقلاء في (رأيتهم لي ساجدين)؟ قلت: لأنه لما وصفها بما هو خاص بالعقلاء وهو السجود. أجرى عليها حكمهم، كأنها عاقلة، وهذا كثير شائع في كلامهم، أن يلابس الشيء الشيء من بعض الوجوه، فيعطى حكما من أحكامه إظهاراً لأثر الملابسة والمقاربة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العطف إن كان بلا تكلف ولا مانع ولا موهن، فلو خيف به فوات ما تصرفوا به رجح النصب على المعية. كذلك ها هنا رجحنا المعية على العطف لتوخي حصول الأفضلية ليترجح معنى الآية إلى معنى قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) [النساء: ٦٩]. قوله: (أجرى عليها حكمهم، كأنها عاقلة)، قال الزجاج: "إذا جعل الله غير المميز كالمميز كذلك تكون أفعالها وآثارها، وأما (سَاجِدِينَ) فحقيقته فعل كل من يعقل، فإذا وصف به غيرهم فقد دخل في المميزين، وصار الإخبار عنهم كالإخبار عنهم". قوله: (أن يلابس الشيءُ الشيء)، قيل: هو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أن يلابس، والجملة بيان لقوله: "هذا كثير في كلامهم".

стр. 3981

[(قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ* وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَاوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)]. عرف يعقوب ﵇ دلالة الرؤيا على أن يوسف يبلغه الله مبلغاً من الحكمة، ويصطفيه للنبوّة، وينعم عليه بشرف الدارين، كما فعل بآبائه، فخاف عليه حسد الإخوة وبغيهم. والرؤيا بمعنى الرؤية، إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة، فرق بينهما بحرفى التأنيث كما قيل: القربة والقربى. وقرئ: "روياك" بقلب الهمزة واواً. وسمع الكسائي: "رُيَّاك" و"رِيَّاك" بالإدغام وضم الراء وكسرها، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والرؤيا: بمعنى الرؤية، إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام)، قال أبو علي: "الرؤيا: مصدر كالبشرى والسقيا والبقيا، إلا أنه لما صار اسماً لهذا المتخيل في المنام جرى مجرى الأسماء، وخرج عن حكم الإعمال، ومما يقوي خروجه عن أحكام المصادر تكسيرهم لها على "رؤى"، فصار بمنزلة "ظلم"، والمصادر في أكثر الأمر لا تكسر"، وسيجيء الكلام في حقيقة "الرؤيا" بعيد هذا. قوله: (وقرئ: "روياك" بقلب الهمزة واواً)، قال أبو البقاء: "الجمهور أن الأصل الهمز، وقرئ بواو مكانها، لانضمام ما قبلها، ومنهم من يدغم، فيقول: رياك، فأجرى المخففة مجرى الأصلية، ومنهم من يكسر الراء لتناسب الياء".

стр. 3982

وهي ضعيفة، لأنّ الواو في تقدير الهمزة فلا يقوى إدغامها كما لم يقو الإدغام في قولهم «اتزر» من الإزار، و «اتجر» من الأجر. (فَيَكِيدُوا) منصوب بإضمار «أن» والمعنى: إن قصصتها عليهم كادوك. فإن قلت: هلا قيل: فيكيدوك، كما قيل: (فكيدوني) [هود: ٥٥]؟ قلت: ضمن معنى فعل يتعدى باللام، ليفيد معنى فعل الكيد، مع إفادة معنى الفعل المضمن، فيكون آكد وأبلغ في التخويف، وذلك نحو: فيحتالوا لك. ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر. (عَدُوٌّ مُبِينٌ) ظاهر العداوة لما فعل بآدم وحواء، ولقوله (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف: ١٦]، فهو يحمل على الكيد والمكر وكل شرّ، ليورّط من يحمله، ولا يؤمن أن يحملهم على مثله. (وَكَذلِكَ) ومثل ذلك الاجتباء (يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ) يعني: وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز وكبرياء شأن، كذلك يجتبيك ربك لأمور عظام. وقوله (وَيُعَلِّمُكَ) كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه، كأنه قيل: وهو يعلمك ويتمّ نعمته عليك. والاجتباء. الاصطفاء، افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض: جمعته. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهي ضعيفة)، قال أبو علي: "فإن خففت قلت: "الرويا"، قلبتها ولم تدغم الواو في الياء، وإن كانت قد تقدمتها ساكنة، لأن الواو في تقدير الهمزة، فهي كذلك غير لازمة، وإذا لم يلزم لم يقع الاعتداد بها، فلم تدغم، كما لم تقلب الأولى في (وُورِيَ عَنْهُمَا) [الأعراف: ٢٠] لما كانت الثانية غير لازمة، ومن ثم جاز "ضو" و"شيٌ"، فبقي الاسم على حرفين؛ أحدهما حرف لين، وجاز تحرك حرف اللين وتصحيحه مع انفتاح ما قبله، لأن الهمزة في تقدير الثبات".

стр. 3983

والأحاديث: الرؤيا: لأنّ الرؤيا إمّا حديث نفس أو ملك أو شيطان. وتأويلها. عبارتها وتفسيرها، وكان يوسف ﵇ أعبر الناس للرؤيا، وأصحهم عبارة لها. ويجوز أن يراد بـ (تأويل الأحاديث): معاني كتب الله وسنن الأنبياء، وما غمض واشتبه على الناس من أغراضها ومقاصدها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يراد بـ (تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ) معاني كتب الله وسنن الأنبياء)، فعلى هذا فيه إشارة إلى أن العلم أجل النعم، وأشرف العلوم: تأويل كتاب الله . الراغب: "التأويل: من الأول، وهو الرجوع إلى الأصل، ومنه الموئل للموضع الذي يرجع إليه، وذلك هو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه؛ علماً كان أو فعلاً، ففي العلم قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ) [آل عمران: ٧]، وفي الفعل قول الشاعر: وللنوى قبل يوم البين تأويل وقوله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ) [الأعراف: ٥٣] أي: بيانه الذي هو غايته المقصودة منه، والأول: السياسة التي يرعى مآلها، يقال: ألنا وإيل علينا".

стр. 3984

يفسرها لهم ويشرحها ويدلهم على مودعات حكمها. وسميت أحاديث، لأنه يحدث بها عن الله ورسله، فيقال: قال الله وقال الرسول كذا وكذا. ألا ترى إلى قوله تعالى (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: ١٨٥]، (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) [الزمر: ٢٣]، وهو اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة؟ ومعنى إتمام النعمة عليهم: أنه وصل لهم نعمة الدنيا بنعمة الآخرة، بأن جعلهم أنبياء في الدنيا وملوكا. ونقلهم عنها إلى الدرجات العلا في الجنة. وقيل: أتمها على إبراهيم بالخلة، والإنجاء من النار، ومن ذبح الولد. وعلى إسحاق بإنجائه من الذبح، وفدائه بذبح عظيم، وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه. وقيل: علم يعقوب أنّ يوسف يكون نبياً وإخوته أنبياء استدلالا بضوء الكواكب، فلذلك قال: (وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهو اسم جمع للحديث، وليس بجمع أحدوثة)، وقال في موضع آخر: "الأحاديث تكون اسم جمع للحديث، ومنه: أحاديث الرسول، وتكون جمعاً للأحدوثة التي هي مثل الأضحوكة والأعجوبة، وهي ما يتحدث به الناس تلهياً وتعجباً"، وقد يظن أنه ناقض؛ لأنه قال في "المفصل": "وقد يجيء الجمع مبنياً على غير واحده المستعمل، وذلك نحو: أراهط وأباطيل وأحاديث". قال الفراء: ترى أن واحد "الأحاديث": أحدوثة، ثم جعلوه جمعاً للحديث. وقال علم الدين السجاوندي في "شرح المفصل": كأنهم جمعوا "حديثاً" على "أحدثة"، ثم جمعوا الجمع على "أحاديث"، كقطيع وأقطعة وأقاطيع، فعلى هذا يصح أن يقال: وهو مبني على واحدة المستعمل.

стр. 3985

وقيل: لما بلغت الرؤيا إخوة يوسف حسدوه وقالوا: ما رضي أن سجد له إخوته حتى سجد له أبواه. وقيل: كان يعقوب مؤثرا له بزيادة المحبة والشفقة لصغره، لما يرى فيه من المخايل. وكان إخوته يحسدونه، فلما رأي: الرؤيا ضاعف له المحبة، فكان يضمه كل ساعة إلى صدره ولا يصبر عنه، فتبالغ فيهم الحسد. وقيل: لما قص رؤياه على يعقوب قال: هذا أمر مشتت يجمع الله لك بعد دهر طويل. و"آل يعقوب": أهله وهم نسله وغيرهم. وأصل "آل": أهل، بدليل تصغيره على "أُهَيل"، إلا أنه لا يستعمل إلا فيمن له خطر. يقال: آل النبي، وآل الملك. ولا يقال: آل الحائك، ولا آل الحجام، ولكن أهلهما. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من المخايل)، وهي جمع مخيلة، وهي المظنة، وياؤه كياء "معايش". قوله: (هذا أمر مشتت يجمعه الله بلك) بعد دهر طويل)، يعني: أن رؤياك أمر يدل على تشتيت أمرك أولاً، ثم يجمع الله من شتاتك بعد دهر طويل، الجوهري: "الحمد لله الذي جمعنا من شت"، ودلالته عليه لأن سجود إخوته مع بغضهم إياه وحسدهم أمر بعيد، وكونه مسجوداً لأبويه أبعد، وذلك لا يحصل إلا بعد ضربات الدهر وشتات الأمور وتقلبات الأحوال.

стр. 3986

وأراد بـ"الأبوين": الجد، وأبا الجد، لأنهما في حكم الأب في الأصالة. ومن ثم يقولون: ابن فلان، وإن كان بينه وبين فلان عدّة. و(إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ) عطف بيانٍ لـ (أبويك)، (إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ) يعلم من يحق له الاجتباء (حَكِيمٌ) لا يتم نعمته إلا على من يستحقها. [(لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ)]. (فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ) أي: في قصتهم وحديثهم (آياتٌ) علامات ودلائل على قدرة الله وحكمته في كل شيء (لِلسَّائِلِينَ) لمن سأل عن قصتهم وعرفها. وقيل: آيات على نبوّة محمد ﷺ للذين سألوه من اليهود عنها، فأخبرهم بالصحة من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب. وقرئ: "آية"، وفي بعض المصاحف: "عبرة". وقيل: إنما قص الله تعالى على النبي ﵊ خبر يوسف وبغي إخوته عليه، لما رأى من بغى قومه عليه ليتأسى به. وقيل أساميهم: يهوذا: وروبيل، وشمعون، ولاوى، وزبالون، ويشجر، ودينة، ودان، ونفتالى، وجاد، وآشر؛ السبعة الأولون كانوا من ليا بنت خالة يعقوب، والأربعة الآخرون من سريتين: زلفة، وبلهة: فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل، فولدت له بنيامين ويوسف. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (للذين سألوه)، الضمير راجع للرسول ﷺ ، وقوله: "من اليهود" بيان "للذين"، والضمير في "عنها" للقصة، هذا مشعر بأن السائلين هم اليهود، وقال في أول السورة: "فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً عن قصة يوسف"، وذلك أنه نزل استدعاءهم المشركين سؤاله منزلة سؤالهم.

стр. 3987

[(إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)]. (قالوا لَيُوسُفُ) اللام للابتداء. وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة. أرادوا أنّ زيادة محبته لهما أمر ثابت لا شبهة فيه (وَأَخُوهُ) هو بنيامين. وإنما قالوا أخوه وهم جميعاً إخوته، لأنّ أمّهما كانت واحدة. وقيل (أَحَبُّ) في الاثنين، لأن "أفعل من" لا يفرّق فيه بين الواحد وما فوقه، ولا بين المذكر والمؤنث إذا كان معه «من» ولا بد من الفرق مع لام التعريف، وإذا أضيف جاز الأمران. والواو في (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) واو الحال. يعني: أنه يفضلهما في المحبة علينا، وهما اثنان صغيران لا كفاية فيهما ولا منفعة، ونحن جماعة عشرة رجال كفأة نقوم بمرافقه، فنحن أحقّ بزيادة المحبة منهما، لفضلنا بالكثرة والمنفعة عليهما (إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: في ذهاب عن طريق الصواب في ذلك. والعصبة والعصابة: العشرة فصاعداً. وقيل: إلى الأربعين، سموا بذلك لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: في ذهاب عن طريق الصواب في ذلك)، يعني: أن نسبة الضلال إلى أبيهم إن كان مطلقاً، يوهم سوء أدب، لكن مقيد بقرينة الأحوال، كقوله تعالى: (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) [البقرة: ١٦]، أي: في أمور التجارة، كقوله: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً) [النساء: ٦]، أي: رشداً في طريق التجارة. قوله: (لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور)، الراغب: "العصب: أطناب المفاصل، ولحم عصيب: كثير العصب، والمعصوب: المشدود بالعصب، ثم يقال لكل شد: عصب، نحو قولهم: لأعصبنك عصب السلمة، وفلان شديد العصب، ومعصوب الخلق، أي: مدمج الخلقة، والعصبة: جماعة متعصبة، قال تعالى: (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ) [القصص: ٧٦]،

стр. 3988

ويستكفون النوائب. وروى النزال بن سبرة عن عليّ ﵁: "ونحن عصبة"، بالنصب. وقيل: معناه ونحن نجتمع عصبة. وعن ابن الأنباري: هذا كما تقول العرب، إنما العامري عمته؛ أي: يتعهد عمته. [(اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال: (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) [يوسف: ١٤]، أي: مجتمعة الكلام متعاضدة، واعصوصب القوم: صاروا عصباً، والعصابة: ما يعصب بها الرأس والعمامة". قوله: ("ونحن عصبة" بالنصب)، الانتصاف: "هذا يؤيد قراءة من قرأ: "هن أطهر لكم"، كأنه قال: ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن نَحْن، كقوله: أنا أبو النجم وشعري شعري فلا بعد لحذف الخبر لمساواته المبتدأ، فوقع الحال بعده، ومثله: "هؤلاء بناتي هن أطهر لكم"، فقوله: "هن" في حكم الكلام التام، أي: هن المشهورات بالأوصاف الكاملة". قوله: (إنما العامري عمته)، الجوهري: "فلان حسن العمة: أي: حسن الاعتمام، واعتم

стр. 3989

(اقْتُلُوا يُوسُفَ) من جملة ما حكى بعد قوله: (إذ قالوا) كأنهم أطبقوا على ذلك إلا من قال: (لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ) وقيل: الآمر بالقتل شمعون، وقيل: دان، والباقين كانوا راضين، فجعلوا آمرين (أَرْضاً) أرضاً منكورة مجهولة بعيدة من العمران، وهو معنى تنكيرها وإخلائها من الوصف، ولإبهامها من هذا الوجه نصبت نصب الظروف المبهمة (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم. والمراد: سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها وينازعهم إياها، فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم، لأنّ الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه. ويجوز أن يراد بالوجه الذات، كما قال تعالى (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ) [الرحمن: ٢٧]. وقيل: (يَخْلُ لَكُمْ) يفرغ لكم من الشغل بيوسف (مِنْ بَعْدِهِ) من بعد يوسف، أي: من بعد كفايته بالقتل أو التغريب، أو يرجع الضمير إلى مصدر (اقتلوا) أو (اطرحوه) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالعمامة وتعمم بها: بمعنى"، يقول: ليس العامري إلا عبارة عن تعهد عمامته واستعماله بما يتزين به، وليس من المكارم في شيء، قال الحطيئة: دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي قوله: (وقيل: (يَخْلُ لَكُمْ): يفرغ لكم من الشغل بيوسف)، عطف على قوله: " (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) يقبل عليكم إقبالة واحدة"، وأما توسيط قوله: "ويجوز أن يراد بـ "الوجه": الذات" بين المعطوف والمعطوف عليه، فللدلالة على أن الوجه الأول محتمل لأن يراد بـ "الوجه": الجارحة المخصوصة، وأن يراد الذات كله؛ إطلاقاً لاسم معظم الشيء على كله، وعلى أن الثاني لا يحتمل غير الذات.

стр. 3990

(قَوْماً صالِحِينَ) تائبين إلى الله مما جنيتم عليه. أو يصلح ما بينكم وبين أبيكم بعذر تمهدونه. أو تصلح دنياكم وتنتظم أموركم بعده بخلوّ وجه أبيكم. و (تَكُونُوا) إمّا مجزوم عطفاً على (يَخْلُ لَكُمْ) أو منصوب بإضمار "أن" والواو بمعنى "مع"، كقوله (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) [البقرة: ٤٢]. [(قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعلى التقادير: التركيب من باب الكناية؛ أما بيان الوجه الأول- وهو أن يراد بـ "الوجه" الجارحة-: فإن من أقبل على الشيء بوجهه لا يلتفت إلى الغير، وملزوم ذلك إخلاص المحبة له، وإليه الإشارة بقوله: "والمراد سلامة محبته لهم، وإلى معنى الكناية أشار بقوله: "وكان ذكر "الوجه" لتصوير معنى إقباله عليهم"، وهو كما إذا عبرت عن جود زيد بقولك: "هو كثير الرماد"، وإذا أريد بـ "الوجه" الذات، ويكون كناية عن المحبة، فالأمر على هذا. وأما بيان الوجه الثاني: فإن من تخلى بذاته كله إلى الشيء تفرغ له من الشغل بالغير، وهذا لا يوجب المحبة، وعليه قوله تعالى: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ) [الرحمن: ٣١]، قال المصنف: "هو من قول الرجل لمن يهدده: سأفرغ لك؛ يريد: سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنه، حتى لا يكون لي شغل سواه"، والمراد في هذا المقام التوفر على إصلاح أمورهم وانتظام أحوالهم. قوله: (أو: تصلح دنياكم)، عطف على "تائبين إلى الله"، لأن المراد بـ "الصلاح": إما الديني وإما الدنيوي، والديني: إما التوبة إلى الله تعالى أو التحري إلى رضا الوالد، لأنه أيضاً موجب رضا الله. قوله: (كقوله: (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ))، يريد قوله تعالى: (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ

стр. 3991

(قائِلٌ مِنْهُمْ) هو يهوذا، وكان أحسنهم فيه رأيا. وهو الذي قال، (فلن أبرح الأرض) [يوسف: ٨٠]. قال لهم: القتل عظيم (فِي غَيابَتِ الْجُبِّ) وهي غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله. قال المنخل: وَإنْ أنَا يَوْماً غَيَّبَتْنِى غَيَابَتِى … فَسِيرُوا بِسَيْرِى فِى الْعَشِيرَةِ وَالأَهْلِ أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها. وقرئ "غيابات" على الجمع. و"غيابات" بالتشديد. وقرأ الجحدري: غيبة ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) [البقرة: ٤٢]، أي: لا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وكتمان الحق، كقوله: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن"، والمعنى: اطرحوه أرضاً ليجتمع لكم إقبال أبيكم عليكم وصلاح أمر دنياكم. قوله: (وقال لهم: القتل عظيم)، وإنما وصفه بالعظم لأن الذي أبدل منه- وهو الإلقاء في الجب- معلل بالالتقاط، ولأنه مؤكد بالشرط، أي: إن كان لابد من أن تفعلوا به ما ترومونه، فهذا، لأنه أهون. قوله: (وإن أنا يوماً غيبتني) البيت، أي: غيابة حفرتي التي أدفن فيها، فسيروا بنعتي في القبائل والعشائر، وقيل: "فسيروا" من السيرة لا من السير، كانت العادة فيهم إذا مات رئيس عظيم الخطر يطوف أحد منهم على القبائل، ويصعد على الروابي، ويقول: أنعى فلاناً، يريدون تشهير أمره، وتعظيم التفجع به. قوله: (قرئ: "غيابات" على الجمع)، نافع في الموضعين، والباقون: على التوحيد. قوله: (و"غيابات" بالتشديد)، قال ابن جني: "وهي قراءة الأعرج، وقرأ الحسن: "في غيبة"، أما "غيابة" فإنه اسم جاء على "فعالة"، وكان أبو علي يضيفه إلى ما حكاه سيبويه

стр. 3992

"والجب": البئر لم تطو، لأن الأرض تجبّ جباً لا غير. (يَلْتَقِطْهُ) يأخذه (بعض السيارة) بعض الأقوام الذين يسيرون في الطريق. وقرئ: "تلتقطه". بالتاء على المعنى، لأنّ بعض السيارة سيارة، كقوله: كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ ومنه: ذهبت بعض أصابعه. (إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) إن كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به غرضكم، فهذا هو الرأي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من الأسماء التي جاءت على "فعال"، كالجبان، والكلاء، والفياد- لذكر البوم-، ووجدت أنا التيار- للموج-، والفخار- للخزف-، وغيرها. وأما "غيبة الجب": فيجوز أن يكون حدثاً فعلة من: غيب، فيكون كقولنا: وظلمة الجب". قوله: (والجب: البئر لم تطو، لأن الأرض تجب جباً)، يعني: إنما سمي البئر من غير المطوي جباً، إذ ليس فيه إلا جب الأرض، فإنه لم يطو بعد. "الأساس": "طوي البناء باللبن، والبئر بالحجارة، وهي الطوي والأطواء". قوله: (كما شرقت صدر القناة من الدم)، مضى شرحه في آل عمران.

стр. 3993

[(قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَامَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ* أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)]. (ما لَكَ لا تَامَنَّا) قرئ بإظهار النونين، وبالإدغام بإشمام وبغير إشمام، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وبالإدغام بإشمام)، قال صاحب "التيسير": "كلهم قرأ (مَا لَكَ لَا تَامَنَّا) بإدغام النون الأولى في الثانية، وإشمامها الضم، وحقيقة الإشمام في ذلك أن يشار بالحركة إلى النون لا بالعضو إليها، فيكون ذلك إخفاء لا إدغاماً صحيحاً، لأن الحركة لا تسكن رأساً، بل يضعف الصوت، فيفصل بين المدغم والمدغم فيه لذلك، هذا قول عامة أئمتنا، وهو الصواب؛ لتأكد دلالته وصحته في القياس". وقال الشيخ برهان الدين الجعبري شارح "القصيدة"- في قوله: "وتأمننا للكل يخفي مفصلاً"، وقوله: "وأدغم مع إشمامه البعض عنهم"-: يريد بقوله: "إخفاء الحركة": اختلاسها، ومعنى "مفصلاً": فصل إحدى النونين عن الأخرى، وهو حقيقة الإظهار، وهذا معنى قول أبي علي الفارسي: "ويجوز أن تبين ولا تدغم وتخفي الحركة، وهو أن تختلسها"، ومفهوم إطلاق البيت أن كلاً من النقلة رووه عن السبعة، وليس كذلك؛ لإطباق العراقيين على خلافه، وقوله: "وأدغم" وجه ثان، وهو إدغام النون في الأخرى والإشمام، وهو ضم الشفتين مع أول التشديد من غير حركة في النون، وبهذا قطع ابن مجاهد في قوله: وكلهم قرأ

стр. 3994

و"تيمناً" بكسر التاء مع الإدغام. والمعنى: لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير ونحبه ونشفق عليه؟ وما وجد منا في بابه ما يدل على خلاف النصيحة والمقة؟ وأرادوا بذلك لما عزموا على كيد يوسف استنزاله عن رأيه وعاد به في حفظه منهم. وفيه دليل على أنه أحسّ منهم بما أوجب أن لا يأمنهم عليه. (نَرْتَعْ) نتسع في أكل الفواكه وغيرها. وأصل الرتعة: الخصب والسعة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (تَامَنَّا) بفتح الميم وضم النون وإدغام النون الأولى في الثانية، والإشارة إلى إعراب النون المدغمة بالضم، ونبه بقوله: "وضم النون" على أن الفعل مرفوع، لتفهم علة الإشمام. قوله: (والمقة)، الجوهري: "المقة: المحبة، والهاء عوض من الواو، وقد ومقه يمقه- بالكسر فيهما-: أي: أحبه، فهو وامق"، وفي قولهم: "وما وجد منا في بابه ما يدل على خلاف النصيحة" إشارة على أن جملة قوله: (وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) جار مجرى الاعتراض والتذييل، لا الحال، أي: نحن عصبة عادتنا في حقه النصح والشفقة. قوله: (استنزاله عن رأيه)، مفعول "أرادوا"، وقوله: "لما عزموا" ظرف له. قوله: ("نرتع" نتسع في أكل الفواكه)، وهذا أولى مما قيل: نرتع إبلنا؛ إذ المراد التنزه والخروج إلى الأرياف والمياه، كما هو عادة الناس إذا خرجوا إلى الرياض والبساتين، ثم اتسع واستعمل في نيل الثواب الجزيل، كما ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، فقيل: يا رسول الله، ما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قيل: فما الرتع يا رسول الله؟ قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، أخرجه الترمذي عن أبي هريرة. وتلخيصه: فإذا مررتم بالمساجد فقولوا: سبحان الله، والحمد لله، فلما وضع "رياض الجنة" موضع "المساجد"؛ بناءً على أن العبادة فيها سبب للحصول في رياض الجنة، روعيت

стр. 3995

وقرئ: "يرتع" من: ارتعى يرتعي. وقرئ: (يرتع ويلعب) بالياء، ويرتع، من أرتع ماشيته، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المناسبة لفظاً ومعنى، ووضع "الرتع" موضع القول، لأن هذا القول سبب لنيل الثواب الجزيل، كل ذلك للترغيب والتحريض. ولو لمح في "الرتع" تناول ثمرة الشجرة التي غرسها الذاكر؛ على ما روى الترمذي عن جابر عن رسول الله ﷺ قال: "لقيت ليلة أسري بي إبراهيم، فقال لي: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، فجاء أسلوباً بديعاً وتمليحاً عجيباً. قوله: ("يرتع" من: ارتعى)، الحرميان: بكسر العين من "يرتع"، وجزمها الباقون، أي: سكنها. الكوفيون ونافع: (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) بالياء فيهما، والباقون: بالنون. وفي "المعالم": قيل: المعنى في "نرتع"- بالنون-: نرتع إبلنا، فحذف المضاف، وأسند الفعل إلى المضاف إليه. يريد: أن الأصل: يرتع إبلنا- بالياء-، والفاعل "إبلنا"، فلما حذف الفاعل أقيم المضاف إليه مقامه، وهو ضمير المتكلم، فانقلب الفعل عن لفظ الغائب للمتكلم. كذا عن المصنف في سورة الكهف في قوله: (لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ) [الكهف: ٦٠].
следующие страницы →