← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

من الثناء على الله بما هو أهله، ومن التعبد بالأمر والنهي، ومن الوعد والوعيد؛ وسورة الكنز، والوافية لذلك، وسورة الحمد، والمثاني؛ لأنها تثنى في كل ركعة، وسورة الصلاة؛ لأنها تكون فاضلة أو مجزئة بقراءتها فيها، وسورة الشفاء، والشافية. وهي سبع آيات بالاتفاق، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومن التعبد بالأمر والنهي)، الأساس: تعبدني فلان واعتبدني: صيرني كالعبد له. وتعبد فلان: تنسك، وقعد في متعبده. وعدي بالباء لتضمنه معنى التكليف، أي: كلفه بالأمر والنهي تعبداً، أي: بالمأمور والمنهي. ويجوز أن تكون الباء كما في كتبت بالقلم، والأمر والنهي على حقيقتهما. قوله: (والوافية لذلك)، أي: تسمى الكنز والوافية للمعنى المذكور، وهو اشتماله على المعاني. قوله: (في كل ركعة)، أي: صلاة، قال الله تعالى: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) [البقرة: ٤٣] وقيل: لأنها تثنى بسورة أخرى في كل ركعة. قوله: (لأنها تكون فاضلة أو مجزئة)، تعليل لوجه مناسبة اسم الصلاة للفاتحة، فإن الحنفية يقولون: إنما سميت سورة الصلاة؛ لكونها فاضلة، أي: قراءتها في الصلاة أولى من غيرها، والشافعية يعللون التسمية بأن الصلاة إنما تكون مجزئة بها.

стр. 72

إلا أن منهم من عد (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) دون التسمية، ومنهم من مذهبه على العكس. [(بسم الله الرحمن الرحيم) ١] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلا أن منهم من عد (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) دون التسمية، ومنهم من مذهبه على العكس)، قال في "المرشد": إن وقفت على (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) كان آخر آية على مذهب أهل المدينة والبصرة، وهو جائز، وليس بحسن؛ لأن "غير" مجروراً متعلق به على الوصفية أو البدلية، ومنصوباً على الحالية أو الاستثنائية، وجوازه إنما يكون بالخبر المروي أنه ﷺ كان يقف عند أواخر الآيات. وهذا آخر آية عند من ذكرت، فهذا وجه جوازه. تم كلامه. قلت: القول الثاني أولى؛ لأن (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) لا يناسب وزانه وزان فواصل السورة، ولما روى محيي السنة في "شرح السنة" عن ابن جريج، أخبرني أبي، عن سعيد ابن جبير: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) [الحجر: ٨٧] هي أم القرآن. قال أبي: وقرأها علي سعيد بن جبير حتى ختمها، ثم قال: (بسم الله الرحمن الرحيم)، الآية السابعة، قال سعيد: قرأها علي ابن عباس كما قرأتها عليك ثم قال: (بسم الله الرحمن الرحيم) الآية السابعة.

стр. 73

قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها على أن التسمية ليست بآية من الفاتحة، ولا من غيرها من السور، وإنا كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها، كما بدئ بذكرها في كل أمر ذي بال، وهو مذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه، ومن تابعه؛ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قراء المدينة والبصرة والشام)، قال في "الشعلة": من مكة ابن كثير، ومن الكوفة عاصم والكسائي يعتقدون أن البسملة من "الفاتحة" ومن كل سورة، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير، ومذهب الشافعي وعطاء والزهري وابن المبارك ﵃، ومن الكوفة أيضاً حمزة يعتقد أنها من "الفاتحة" ليس إلا، والقرآن جميعه بمنزلة سورة واحدة، وهذا قول سعيد بن المسيب. ومن البصرة أبو عمرو، ومن المدينة نافع، ومن الشام ابن عامر على أنها ليست بآية من "الفاتحة" ولا من غيرها. وما في "النمل" بعض آية. وهذا قول ابن مسعود، ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد ﵃. قوله: (في كل أمر ذي بال)، روى الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح فيه بذكر الله فهو

стр. 74

ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة. وقراء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وعليه الشافعي ﵁، وأصحابه؛ ولذلك يجهرون بها. وقالوا: قد أثبتها السلف في المصحف مع توصيتهم بتجريد القرآن؛ ولذلك لم يثبتوا (آمين)، فلولا أنها من القرآن لما أثبتوها. وعن ابن عباس ﵄: من تركها فقد ترك مئة وأربع عشرة آية من كتاب الله. فإن قلت: بم تعلقت الباء؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أبتر، أو قال: أقطع". النهاية: البال: الحال والشأن. وأمر ذو بال، أي: شريف يحتفل به ويهتم. والبال في غير هذا: القلب. وقيل: إنما قيل: ذو بال؛ لأنه من حيث إنه يشغل القلب كأنه ملكه، وكان صاحب بال. ويجوز أن يقال للأمر الخطير: ذو بال، على الاستعارة المكنية، ويجعل قوله: "أبتر" ترشيحاً لها على نحو (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) [الكوثر: ٣] كما جعله صلوات الله عليه ذا رأس وذروة سنام في قوله: "رأس الأمر الإسلام، وذروة سنامه الجهاد" الحديث أخرجه الترمذي. قوله: (من تركها فقد ترك مئة وأربع عشرة آية)، هذا القول إما للتغليب أو للتغليظ على التوبيخ، أو يدخل فيه ما في "النمل"؛ لأن النفي وارد على ترك ما تصدق عليه البسملة، أو على أن البسملة ينبغي أن تصدر بها سورة "براءة" أيضاً على اعتقاده. وينصره ما رويناه عن

стр. 75

قلت: بمحذوف تقديره: بسم الله أقرأ، أو أتلو؛ لأن الذي يتلو التسمية مقروء، كما أن المسافر إذا حل أو ارتحل ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الترمذي وأبي داود: سأل ابن عباس عثمان ﵄: ما حملكم على أن لا تكتبوا "بسم الله الرحمن الرحيم" يعني في "البراءة". الحديث. قوله: (بمحذوف)، لأن حروف الجر لا تنفك عن متعلق؛ لأن وضعها لإفضاء معاني الأفعال إلى الأسماء، غير أنها تدل على مطلق الفعل، ولابد في تخصيصه من قرينة. وفيما نحن فيه القرينة ما يتبع التسمية، وهو قوله: (الحَمْدُ لِلَّهِ)، وهو مقروء متلو، فدل ذلك على أن المضمر: أقرأ أو أتلو، والتعليل في قوله: "لأن الذي يتلو" لتعيين المقدر. وكان الأنسب أن يقال: الذي يتلو التسمية القراءة؛ لأن الابتداء بالتسمية غنما يكون في الفعل الذي يريد أن يفعله المسمي، يدل عليه قوله: "كل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله الرحمن الرحيم كان مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له"، والمضمر الفعل لا المفعول، كما أن تسمية الذابح إنما يتلوها الذابح لا المذبوح. قال: صاحب "الانتصاف": "الذي يقدره النحاة هو: أبتدئ فعل القراءة، والعام

стр. 76

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صحة تقديره أولى: ألا تراهم يقدرون متعلق الجار الواقع خبراً أو صفة أو صلة أو حالاً بالكون والاستقرار حيثما وقع، ويؤثرونه لعمومه؟ وأيضاً: إن تقدير فعل الابتداء مستقل بالغرض المقصود من التسمية، فإن الغرض منها أن تقع مبتدأ بها، فتقدير فعل الابتداء أوقع. وأما ظهور فعل القراءة في قوله تعالى: (اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ) فلأن الأهم ثمة القراءة؛ ولهذا قدم الفعل فيها على متعلقه، بخلاف البسملة فإن الأهم فيها الابتداء". وأجاب صاحب "الإنصاف" بأن قال: ما ذكره الزمخشري أصح؛ لأنه أخص وأمس بالمقصود، وأتم شمولاً، وأنه يقتضي أن التسمية واقعة على القراءة كلها مصاحبة لها، أو أن القراءة كلها بالله على المذهبين على ما يأتي بيانه، بخلاف تقدير "أبتدئ"؛ فإنه يقتضي مصاحبتها لأول القراءة. واستشهاده بتقدير النحاة غير مجد، لأنهم إنما فعلوه تمثيلاً وتقريباً، ولو قلت: زيد على الفرس، أو: زيد من العلماء، أو: زيد في البصرة- لقدرت: "راكب"، و"معدود"، و"مقيم"، وكان أمس من الاستقرار. وأما قوله: "إن الغرض أن تقع التسمية مبتدأ بها"، فنقول بموجبه، وأن ذلك يقع فعلاً بالبداءة بها لا بإضمار فعل الابتداء؛ لأن من صلى

стр. 77

فقال: بسم الله والبركات كان المعنى: بسم الله أحل وبسم الله أرتحل، وكذلك الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله بـ (بسم الله) كان مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له. ونظيره في حذف متعلق الجار قوله : (فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ) [النمل: ١٢]، أي اذهب في تسع آيات، وكذلك قول العرب في الدعاء للمعرس: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فبدأ بتكبيرة الإحرام، وبدأ في الوضوء بغسل وجهه، لا يحتاج في كونه بادئاً إلى إضمار: "بدأت بذلك"، لكنه مفتقر على بركة التسمية وشمولها لجميع فعله. قوله: (فقال: بسم الله)، عطف على "حل"، وجواب "إذا" قوله: "كان المعنى"، وقوله: "يبدأ في فعله" صفة "كل فاعل". قوله: (قول العرب)، ثم "قول الأعرابي" مشعر بالفرق، النهاية: الأعراب: ساكنو البادية الذين لا يقيمون [في] الأمصار، والعرب: اسم لهذا الجيل المعروف، ولا واحد له من لفظه، سواء أقام بالبادية أو المدن. المغرب: العربي: سكان المدن والقرى، والأعرابي: سكان البوادي. قوله: (للمعرس)، النهاية: أعرس الرجل فهو معرس: إذا دخل بامرأته عند بنائها. ولا يقال: عرس، كما تقول العامة. وفي "الجامع": الرفاء: حسن المعاشرة والموافقة، من رفو الثوب، يعنون بقولهم: بالرفاء والبنين: أن هذا النكاح ملتبس بهما، ونهى عنه رسول الله ﷺ لأنه من شعار الجاهلية.

стр. 78

بالرفاء والبنين، وقول الأعرابي: باليمن والبركة، بمعنى: أعرست أو نكحت، ومنه قوله: فقلت: إلى الطعام فقال منهم … فريق: نحسد الإنس الطعاما فإن قلت: لم قدرت المحذوف متأخراً؟ قلت: لأن الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به؛ لأنهم كانوا يبدؤون بأسماء آلهتهم، فيقولون: باسم اللات، باسم العزى، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بمعنى أعرست أو نكحت)، إما متعلق بالأول، و"قول الأعرابي" معترض؛ لأن قوله: "باليمن والبركة" لفظ عام يستعمل في كل من يتوخى أمراً ما، أو متعلق بهما، وهو الأوجه. قوله: (فقلت إلى الطعام)، البيت. قبله: أتوا ناري فقلت منون أنتم؟ … فقالوا الجن، قلت عموا ظلاما قال الأصمعي: عم صباحاً: معناه أنعم، وتقدير الفعل الماضي منه: وعم يعم، ولا ينطق به كمالا ينطق بماضي دع وذر. ذكره الأنباري. زعم الشاعر أنه أتاه الجن وهو عند ناره فحياهم ودعاهم إلى الطعام. حسده الشيء وحسده على الشيء، أي: إنما نحسدهم لأنهم يأكلون ونحن لا نأكل. "إلى الطعام" أي: هلموا. قوله: (لأن الأهم من الفعل)، وهو أتلو وأقرأ، "والمتعلق به" بكسر اللام في الموضعين. هو "بسم الله"، و"من" في: "من الفعل" للابتداء، أي: الأهم من "أقرأ" و"بسم الله" هو "بسم الله".

стр. 79

فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله تعالى بالابتداء، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل، كما فعل في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، حيث صرح بتقديم الاسم إرادة الاختصاص، والدليل عليه: قوله: (بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: ٤١]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (معنى اختصاص اسم الله بالابتداء)، اعلم أن التقديم إما لمجرد الاهتمام، أو مع الاختصاص. ولابد في التخصيص من سبق حكم أخطأ فيه المخاطب، أو شك فيه ليرد إلى الصواب، أو إلى العلم، والاهتمام لا يستدعي ما يستدعيه التخصيص. فالمشركون إنما قدموا أسماء آلهتهم للاهتمام والتبرك لا للرد، لقوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لقمان: ٢٥]، ولقولهم: (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا) [يونس: ١٨]، ولما روينا عن البخاري وأبي داود والنسائي عن المسور بن مخرمة في قصة الحديبية: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ : "بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: "أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: "باسمك اللهم" الحديث. وأما المسلمون: فإنما يقدمون ليكون رداً لخطئهم، وقمعاً لأباطيلهم، فيكون من باب قصر الإفراد. وإلى هذا المعنى ينظر قوله: "فوجب أن يقصد الموحد معنى الاختصاص". هذا هو الوجه، لا ما قيل: أخص اسم الله بالافتتاح، وأخالفهم في اختصاصهم أسماء آلهتهم بالافتتاح. قوله: (والدليل عليه)، قيل: على أن التقديم لإرادة الاختصاص، وفيه إشكال وهو أن يقال: ما تعني بهذه الدلالة؟ إن عنيت أن دلالة التقديم في (بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: ٤١] على

стр. 80

فإن قلت: فقد قال: (اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ) [العلق: ١] فقدم الفعل، قلت: هناك تقديم الفعل أوقع؛ لأنها أول سورة نزلت؛ فكان الأمر بالقراءة أهم. فإن قلت: ما معنى تعلق اسم الله بالقراءة؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بها تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم، على معنى: أن المؤمن لما اعتقد أن فعله لا يجيء معتداً به في الشرع واقعاً على السنة حتى يصدر بذكر اسم الله، لقوله ﷺ : "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر" إلا كان فعلاً كلا فعل، جعل فعله مفعولاً (بسم الله)، كما يفعل الكتب بالقلم. والثاني: أن يتعلق بها تعلق الدهن بالإنبات في قوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) [المؤمنون: ٢٠] على معنى: متبركاً باسم الله أقرأ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الاختصاص لتقديم الخبر على المبتدأ، فالخصم إن ساعدك في دعواك أن "بسم الله" يفيد الاختصاص، فلا يجدي هذا شيئاً، وإن لم يساعدك عليه، لم يساعد على هذا أيضاً؛ لأن الكلام فيه كالكلام على الأول. وإنما قلنا: لتقديم الخبر على المبتدأ؛ لأن (مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) بمعنى الإجراء والإرساء، ولا يقدم معمول المصدر عليه. والحق أن قوله: "والدليل عليه" أي: على تقدير تأخير المقدر وتقديم "بسم الله"، للاهتمام سواء كان على عامله أو على المبتدأ؛ لأن تقدير المقدر مؤخراً، وتقديم "بسم الله" للأهمية وهو الذي سيق الكلام لأجله، والدليل عليه قوله: "لم قدرت المحذوف متأخراً" يعني: قدمنا هذا الاسم للأهمية كما ورد في كلام السلف؛ يعني تقديم هذا الاسم سنة جارية من قديم الزمان، فإن الأمم السالفة درجت على هذا، فعلى هذا التقدير ورود السؤال الآتي ظاهر الارتباط بناءً على وجود الفاء فيه؛ لأنه علم من تتبع كلامه أن كل سؤال له بعد "فإن قلت" إذا تصدر بالفاء يكون مسبباً عما قبله، أي: لم زعمت أن تقديم هذا الاسم أهم مطلقاً، فقد جاء متأخراً في قوله: (اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ) [العلق: ١]؟ فأجاب بما اقتضاه المقام وهو أهمية القراءة. قوله: (متبركاً باسم الله أقرأ)، اعلم أن تنزيل هذا التقدير على معنى قوله: "فوجب أن

стр. 81

وكذلك قول الداعي للمعرس: بالرفاء والبنين، معناه: أعرست ملتبساً بالرفاء والبنين، وهذا الوجه أعرب وأحسن. فإن قلت: فكيف قال الله تعالى: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله بالابتداء" هو أن يقال: قراءتي مختصة بأن أتبرك باسم الله، وأخالف أعداء الله بتبركهم باسم آلهتهم. وأما احتمال التركيب- يعني: قراءتي مختصة بالتبرك باسم الله، لا بشيء آخر- فبمعزل عن المرام ومراحل من مقتضى المقام. وفي هذا التعلق بحث، لأن "أقرأ" حينئذ ليس بعامل في الجار والمجرور، فهو إما أن يحمل على اللغوي، فإن للحال تعلقاً بعاملها فسلك فيه طريق المشاكلة، أو على الإفضاء كما نص عليه في قوله تعالى: (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِماً) [يونس: ٢٧]، فيه إشارة على أن التبرك تابع لقراءتها وهو مطلوب بها، وسيجيء بيانه. قوله: (أعرب)، أي: أفصح؛ من قولهم: كلام عربي، أي: فصيح. وقيل: أبين، الأساس: عرب عن صاحبه تعريباً: إذا تكلم عنه واحتج له. قيل: إنما كان أعرب وأحسن؛ لأن باء المصاحبة تقتضي الاستدامة في قصد المتكلم. فمعناه كل حرف مما أتكلم به بعد التسمية أقدر فيه "بسم الله"، ففيه تعميم الفعل مع التسمية كما في قوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) [المؤمنون: ٢٠] أي: تنبت ثمارها وفيها الدهن. ويناسبه ما روي في الحديث "تسمية الله تعالى في قلب كل مسلم، سمى أو لم يسم" وقيل: إنما كان أحسن؛ لأن التبرك مؤذن برعاية حسن الأدب، واسم الإله بخلافه. وفيه نظر؛ لأن القارئ في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: ٥] إنما يطلب من الله تعالى

стр. 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المعونة والتوفيق على عبادته في جميع أحواله، ولا يلزم من كون الله معيناً ما تصور في القلم كأنه يقول: أقرأ باستظهاره ومكانته عند مسماه، وفي الحقيقة الله المعين في كل حرف. وقال صاحب "التقريب": إنما كان أحسن لتقدير الموجود حساً في الأول كالمعدوم. ولعل مراده منه قوله: "كان فعلاً كلا فعل" وفيه نظر؛ لأن جعل الموجود كالمعدوم بسبب الجري لا على المقتضى من محسنات الكلام ولطيف إشاراته. ومما يختص هذا الموضع من النكتة هي أن شبه اسم الله تعالى؛ بناءً على يقين المؤمن بما ورد من السنة والقطع بمقتضاها بالأمر المحسوس، وهو حصول الكتب بالقلم وعدم حصوله بعدمه، ثم أخرج مخرج الاستعارة على سبيل التبعية لوقوعها في الحرف. ألا ترى كيف صرح المصنف بذكر المؤمن، وضم إليه الاعتقاد والسنة؟ بل ينبغي أن يكون هذا كشفاً كما ورد: "لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً" و"أن" في "وإلا كان" شرطية، أي: وإن لا يصدر بذكر اسم الله كان فعلاً كلا فعل. وقيل: المراد أن "بسم الله" موجود في القراءة، فإذا جعلت الباء للاستعانة كان سبيله سبيل القلم، فلا يكون مقروءاً، والحال أنه مقروء. فيقال: إنا بينا ضعف التشبيه بالقلم. وقيل: إنما كان أعرب؛ لأن فيه الإيجاز والتوصل بتقليل اللفظ إلى تكثير المعنى، وهذا

стр. 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أقرب. وبيانه: أن الحال لبيان هيئة الفاعل هنا. وقد ثبت بالدليل أن لابد لكل فعل متقرب به إلى الله تعالى من إعانة الله وتسديده؛ فدل تقدير الحال على أمر زائد فيكون أبين. وينكشف هذا المعنى كشفاً تاماً في قولك: تنبت هذه الشجرة بالماء، إذا أردت بالباء الصلة كان المعنى: تنبت بواسطة الماء، وإذا أردت الحال رجع إلى أنها تنبت وهي ملتبسة بالماء، فأفاد أنها طرية رياً. والتحقيق أن يقال: على تقدير الحال أقرأ وأنا متبرك باسم الله، ومتوسل بمكانته عند الله لاستزادة التوفيق على إتمام ما شرعت فيه، وقبول ما تقربت به إليه. هذا كله يعطيه معنى التبرك المقدر لإرادة الحال. وقال: "البركة كثرة الخير وزيادته"، ولما كان مآل ذلك الوجه في الحقيقة إلى هذا، وكان أبين منه قال: "أعرب وأحسن". الراغب: قال بعض العلماء: إنما قال: "بسم الله" ولم يقل: بالله؛ لأنه لما استحب الاستعانة بالله في كل أمر يفتتح به من قراءة أو غيرها فبعضهم يذكره بقلبه، وبعضهم يريده ويقول بلسانه، ويكون أبلغ، فألفاظ الاستعانة نحو: أستعين بالله، واللهم أعني، ونحو ذلك. وذكر الله مستعمل في كل ذلك فصار لفظه "بسم الله" مستغنى به عن جميعها وقائماً مقامها. ولو قال: بالله لتوهم الاستعانة بهذه اللفظة فقط، والاسم ها هنا موضوع موضع المصدر، أي: التسمية. فالقائل إذا قال: بالله أبتدئ؛ فمعناه بهذا الاسم، وإذا قال: بسم الله؛ فإن المقصود به المسمى. وما ذكر من الخلاف في أن الاسم هل هو المسمى أو غيره؟ فكلاهما صحيح؛ فإن من قال: إن الاسم هو زيد أو عمرو، وهو المسمى، نظر إلى قولهم: رأيت زيداً، وزيد رجل صالح. فإن زيداً ها هنا عبارة عن المسمى، والرؤية به تعلقت.

стр. 84

متبركاً باسم الله أقرأ؟ قلت: هذا مقول على ألسنة العباد، كما يقول الرجل الشعر على لسان غيره، وكذلك (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إلى آخره، وكثير من القرآن على هذا المنهاج، ومعناه: تعليم عباده كيف يتبركون باسمه، وكيف يحمدونه، ويمجدونه، ويعظمونه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومن قال: هو غير المسمى؛ نظر إلى نحو قولهم: سميت ابني زيداً، وزيد اسم حسن، فإنه عنى أني سميت ابني بهذا اللفظ، وأن هذا اللفظ محكوم عليه بالحسن. فإذا قولك: زيد حسن، لفظ مشترك يصح أن يعنى به أن هذا اللفظ حسن، وأن يعنى به أن المسمى حسن. وأما تصور من قال: لو كان الاسم هو المسمى لكان من قال: النار، احترق فمه فهو بعيد؛ لأن العاقل لا يقول: إن زيداً الذي هو (زاي وياء ودال) هو الشخص. قوله: (هذا مقول على ألسنة العباد)، قال المصنف: مثاله ما إذا أمرك إنسان أن تكتب رسالة من جهته إلى غيره؛ فإنك تكتب: كتبت هذه الأحرف، وإنما تفعل هذا على لسان آمرك. الراغب: إن قيل: لِمَ لَم يقل: الحمدُ لي؟ قيل: لأن ذلك تعليم منه لعباده، كأنه قال: قولوا: بسم الله والحمد لله. وقيل: قل غير مقدر؛ لأن الله حمد نفسه ليقتدى به، أو لأن أرفع حمد ما كان من أرفع حامد وأعرفهم بالمحمود وأقدرهم على إيفاء حقه. قال: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".

стр. 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقيل: كل ما أثنى الله على نفسه، فهو في الحقيقة إظهاره بفعله؛ فحمده لنفسه هو بث آلائه وإظهار نعمائه لمحكمات أفعاله، وعلى ذلك قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ … ) [آل عمران: ١٨]، فإن شهادته لنفسه إحداثه الكائنات دالة على وحدانيته، ناطقة بالشهادة له. قال ذو النون: لما شهد الله لنفسه أنطق كل شيء بشهادته (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء: ٤٤]. فإن قلت: كيف استحسن حمده لنفسه، وقد عُلم في الشاهد استقباحه! حتى قيل للحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقاً؟ قال: مدح الرجل نفسه. وأجيب: إنما قبح ذلك من الإنسان، لأن النقص فيه ظاهر، ولو لم يكن فيه إلا الحاجة إلى الكمال، وأن أثر الصنعة فيه ظاهر لكفى به نقصاً. ومن خفي عليه نقصه فقد خُدع عليه عقله. وقد يستحسن منه عند تنبيه المخاطب على ما خفي عليه من حاله كقول المعلم للمتعلم: اسمع مني، فإنك لا تجد مثلي. وعلى ذلك قول يوسف ﵇: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) [يوسف: ٥٥]. وسئل بعض المحققين عن شيء لم يقبح إطلاقه

стр. 86

فإن قلت: من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة التي هي أخت السكون، نحو: كاف التشبيه، ولام الابتداء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في الله تعالى مع ورود الشرع، فأنشد: ويقبح من سواك الشيء عندي … وتفعله فيحسن منك ذاكا قوله: (حروف المعاني)، اعلم أن الحروف تنقسم إلى: حروف معان وهي التي تفيد معنى نحو الجارة والعاطفة وسين الاستقبال وغيرها، سميت بها للمعنى المختص بها، وحروف مبان وهي التي تبتني الكلمات كزاي زيد وراء رجل. قوله: (أن تبنى على الفتحة)، قال الزجاج: أصل الحروف التي يتكلم بها وهي على حرف واحد الفتح أبداً إلا أن تجيء علة تزيله؛ لأن الحرف الواحد لا حظ له في الإعراب، فيقع مبتدأ في الكلام، ولا يبتدأ بساكن، فاختير له الفتح لأنه أخف الحركات. والباء مكسورة أبداً، لأنه لا معنى له إلا الخفض، فوجب أن يكون لفظه مكسوراً ليفصل بين ما يجر وهو اسم نحو كاف كزيد، وبين ما يجر وهو حرف.

стр. 87

وواو العطف، وفائه، وغير ذلك، فما بال لام الإضافة وبائها بنيتا على الكسر؟ وأما الباء فلكونها لازمة للحرفية، والجر، والاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة؛ لئلا يقع ابتداؤهم بالساكن؛ إذ كان دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك، ويقفوا على الساكن؛ لسلامة لغتهم من كل لكنة وبشاعة، ولوضعها على غاية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فما بال لام الإضافة)، قال المصنف: حروف الجر كلها تسمى حروف الإضافة؛ لأنها تضيف معاني الأفعال إلى الأسماء. وإنما بنيت لام الإضافة على الكسر إذا دخلت على المظهر ليتميز عن لام الابتداء إذا دخلت فيه، وأما إذا دخلت على المضمر فلا بأس؛ لعدم الإلباس؛ لأن لام الابتداء لا تدخل إلا على الضمير المرفوع نحو: لأنت، ولم يعكسوا ليكون بناؤها على وفق عملها، وأما باء الإضافة فبنيت على الكسر؛ لكونها لا تنفك عن الجر المناسب للكسرة، وعن الحرفية المقتضية لعدم الحركة. قيل: ينتقض بواو القسم؛ فإنها لازمة الحرفية والجر وبنيت على الفتحة. وأجيب: أن هذه "الواو" إنما تجيء لنيابتها عن الفعل وعن هذه الباء على ما صرح به في "والشمس" فأجريت على الأصل. قوله: (الأسماء العشرة)، وهي ابن وابنة وابنُم- بمعنى ابن- واسم واست واثنان واثنتان وامرؤ وامرأة وايمن الله. وأما أيم الله فمحذوف منها نون ايمن. قوله: (لسلامة لغتهم)، هذا يشعر أن الابتداء بالساكن ممكن وموجود في لغة لكنه مستكره، وبه صرح صاحب "المفتاح" في الصرف، قال: دعوى امتناع الابتداء بالساكن

стр. 88

من الإحكام والرصانة، وإذا وقعت في الدرج لم تفتقر إلى زيادة شيء، ومنهم من لم يزدها، واستغنى عنها بتحريك الساكن، فقال: سِمٌ وسُم. قال: باسم الذي في كل سورة سمُه وهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز؛ كيد ودم، وأصله سمو، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيما سوى حروف المد واللين ممنوعة، اللهم إلا إذا حكيت عن لسانك، لكن ذلك غير مجد عليك. قوله: (والرصانة)، وهي: الإحكام، الأساس: رصن البناء رصانة. ومن المجاز: له رأي رصين وكلام متين. قوله: (باسم الذي في كل سورة سمُه)، قبله: أرسل فيها بازلاً يقرمه … فهو بها ينحو طريقاً يعلمه يقرمه: يتركه عن الركوب والعمل به ويدعه للفحل، الجوهري: المقرم: البعير المكرم الذي لا يُحمل عليه ولا يذلل، ولكن يكون للفحلة، والضمير المستتر في "أرسل" للراعي، والبارز في "فيها" للإبل، وباسم يتعلق بـ "أرسل". قوله: (وأصله سمو)، فحذف الواو تخفيفاً لكثرة الاستعمال ولتعاقب الحركات، وخفف السين وحرك الميم، واجتلبت ألف الوصل ليمكن الابتداء. فقولك: اسم ليس فيه لام، فإذا جمعت وصغرت رددتها. وقال الكوفيون: أصله وسم وهو العلامة. وقال الزجاج: هذا غلط لأنا لا نعرف شيئاً دخلت عليه ألف الوصل فيما حذفت فاء فعله نحو عدة وزنة،

стр. 89

بدليل تصريفه، كأسماء، وسمي، وسميت، واشتقاقه من السمو؛ لأن التسمية تنويه بالمسمى، وإشادة بذكره، ومنه قيل للقب النبز، من النبز بمعنى النبر؛ وهو رفع الصوت. والنبز: قشر النخلة الأعلى. فإن قلت: فمل حذفت الألف في الخط وأثبتت في قوله: (بِاسْمِ رَبِّكَ) [العلق: ١]؟ قلت: قد اتبعوا في حذفها حكم الدرج دون الابتداء الذي عليه وضع الخط؛ لكثرة الاستعمال، وقالوا: طولت الباء تعويضاً من طرح الألف. وعن عمر بن عبد العزيز ﵁: أنه قال لكاتبه: طول الباء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فلو كان من الوسم لكان تصغيره وسيماً، كما أن تصغير عدة وعيدة. قوله: (تنويه)، من ناه الشيء ينوه: إذا ارتفع، فهو نائه. ونوهته تنويهاً إذا رفعته. والإشادة: رفع الصوت بالشيء، وأشاد بذكره: رفع قدره. قوله: (ومنه)، أي: من هذا القبيل، وهو أن التسمية تنويه بالمسمى. و"النبر" الرفعة: ومنه المنبر، لتنويه اسم الله عليه، أول مرتبة من استعلاه. قوله: (في حذفها حكم الدرج)، والمعنى: أن لهذه الألف حكمين: حكماً في الدرج وذلك إسقاطها في اللفظ، وحكماً في ابتداء الكلام وذلك إثباتها لفظاً. وقد أتبعوا في "بسم الله" خاصة حكم الخط حكم الدرج؛ حيث أسقطوها في الخط، وخالفوا القياس الذي هو إتباعها لحكم الابتداء لكثرة الاستعمال. قال أبو البقاء: "فلو قلت:

стр. 90

وأظهر السنات، ودور الميم. و(الله) أصله: الإله، قال: معاذ الإله أن تكون كظبية ونظيره: الناس، أصله: الأناس، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لاسم الله أو: باسم ربك؛ أثبت الألف. قوله: (السينات)، ويروى: "السنات"، وهو أصح دراية، والأول رواية، جمع سنة وهي رأس القلم وسنة السين. قوله: (معاذ الإله أن تكون كظبية)، تمامه: ولا دمية ولا عقيلة ربرب "معاذ الإله": مبالغة في الاعتصام بالله من تشبيهها بالظبية، وأصله: أعوذ بالله معاذاً. والدمية: الصنم والصورة المنقوشة. وعقيلة كل شيء: أكرمه. والربرب: سرب من بقر الوحش. وصف المحبوبة بهذه الأوصاف أو تصور أنها كذلك ثم تبين له أنها أحسن؛ فاستعاذ بالله من الخطأ. قوله: (ونظيره)، أي: ونظير لفظة "الله" في حذف الهمزة فقط: الناس؛ إذ ليس في الناس

стр. 91

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التعويض، كما ذكر أبو علي في "الإغفال": "فإن قلت: أليس قد قال سيبويه: ومثل ذلك أناس، فإذا أدخلت الألف واللام قلت: الناس؟ قلت: معنى قول سيبويه: ومثل ذلك أناس، أي: مثله في حذف الهمزة في حال دخول الألف واللام عليه، لا أنه بدل من المحذوف كما كان في اسمه تعالى بدلاً. ويقوي ذلك ما أنشده أبو العباس عن أبي عثمان: إن المنايا يطلعـ … ـن على الأناس الآمنينا فلو كان عوضاً لم يكن ليجتمع مع المعوض منه"، وفيه بحث. قال المالكي: قول من زعم أن اللام في "الله" عوض عن الهمزة باطل؛ لحذفهما معاً في "لاه أبوك" بمعنى: لله أبوك، والعوض لا يحذف. جوابه: ما وقع في كلام أبي علي: أنهم يحذفون من نفس الكلمة في نحو: لم يك، ولا أدر، إذا كان في الذي أبقى دليل على ما ألقى سيجيء بعيد هذا تمامه في لاه أبوك.

стр. 92

قال: إن المنايا يطلعـ … ـن على الأناس الآمنينا فحذفت الهمزة، وعوض منها حرف التعريف؛ ولذلك قيل في النداء: يا ألله بالقطع، كما يقال: يا إله، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولذلك قيل في النداء: يا ألله)، أي: ولأجل أن حرف التعريف عوض عن الهمزة استجيز قطع الهمزة الموصولة الداخلة على لام التعريف في النداء. ويُعلم منه: أنه لو لم يكن عوضاً، وكان حذفاً قياسياً كما نقله أبو البقاء، أصله الإله فألقيت حركة الهمزة على لام التعريف، ثم سكنت وأدغمت في اللام الثانية- لم يجز القطع. وهذا الذي اختاره المصنف أحد قولي سيبويه في هذا الاسم على ما نقل عنه أبو علي في "الإغفال" قال: أصله إله، ففاء الكلمة همزة، وعينها لام، واللام هاء، والألف ألف فعال، فحذفت الفاء لا على التخفيف القياسي. قال أبو علي: فإن قيل: هلا حمله على الحذف القياسي؛ إذ تقدير ذلك سائغ فيه غير ممتنع، والحمل عليه أولى؟ قيل: فلو كان طرح الهمزة على القياس دون الحذف لما لزم أن يكون فيها عوض؛ لأن المحذوف القياسي ملقى من اللفظ مبقى في النية، كما تقول في "جيل" إذا خففته: جيل، ولو كانت محذوفة في التقدير كما أنها محذوفة في اللفظ للزم قلب الياء ألفاً، فلما كانت الياء في نية السكون لم تقلب كما قلبت في "ناب".

стр. 93

والإله: من أسماء الأجناس، كالرجل، والفرس، اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قيل: ما بال الهمزة قطعت في النداء ووصلت في غيره؟ قلت: قال صاحب "الضوء": إنما تجردت للتعويض في النداء؛ لأن التعريف الندائي أغنى عن تعريفها، فجرت مجرى الهمزة الأصلية، فقطعت. وفي غير النداء لما لم ينخلع عنه معنى التعريف رأساً وصلوا الهمزة. وقال المصنف في "مريم": أخلصت الهمزة في "يا ألله" للتعويض واضمحل عنها التعريف. وقلت: إنهم كثيراً ما يجردون الحرف عن معناه المطابقي مستعملين في معناه الالتزامي أو التضمني نحو الهمزة في قوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) [البقرة: ٦] عزلت عن الاستفهام وجردت لمعنى الاستواء، و"الواو" في قوله تعالى: (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) [الكهف: ٢٢] تجردت لمعنى الجمعية فقط، وسلب عنها معنى المغايرة. قوله: (والإله من أسماء الأجناس … ثم غلب على المعبود بحق)، وفي بعض "شروح المفصل": الأعلام متى غلبت باللام فلابد من أن تكون مسبوقة بالجنسية، ثم الجنسية إما أن تكون بالنظر إلى الدليل والأمارة أو إلى استعمال العرب. أما معنى الاستعمال فكما في النجم والصعق. وأما الدليل فهو أن الدبران والعيوق والسماك، وإن لم تكن أجناساً بالاستعمال لكنها بالنظر إلى أنها أوزان مخصوصة وحروف مخصوصة، ومعنى كل واحد منها

стр. 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معلوم، كأن كل واحد منها جنس في الأصل بالنظر إلى الدليل. ونحو هذا المعنى في "التخمير" وفيه أيضاً: "أما الدبران فهو فعلان من الدبور، وأما العيوق فهو فيعول بمعنى فاعل من العوق، وأما السماك فمن السموك؛ فعلى هذا: الإله من القسم الثاني. وأما الله، والرحمن؛ فمن القسم الأول. وبيان ذلك: أن الإله من حيث إنه كان اسماً لكل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بالحق، هو مثل النجم والكتاب. وأما الله من حيث إن المعبود يجب أن يكون خالقاً رازقاً مدبراً مقتدراً إلى ما لا نهاية له، واسم الله جامع لهذه المعاني، ومن لم يجتمع فيه كل ذلك لم يستحق أن يسمى به، فتكون الغلبة بحسب الدليل. وكذا الرحمن صفة لمن وسعت رحمته كل شيء، ومن لم يكن كذلك لا يسمى رحماناً، وليس كذلك إلا الله. فهو بهذا الاعتبار من الصفات الغالبة. والحاصل أن الإله من حيث الإطلاق والاستعمال من غير اعتبار المعنى من قبيل النجم ومن حيث اعتبار المعنى والاستحقاق من قبيل العيوق والدبران. ثم فرق بين الصيغتين؛ لاقتران المعنيين بالتعويض وتركه. وروى الأزهري في تفسير "الله" عن أبي الهيثم أنه قال: في قوله: لا إله إلا الله، أي: لا معبود إلا الله، قال: ولا يكون إلهاً حتى يكون معبوداً، وحتى يكون لعابده خالقاً ورازقاً ومدبراً وعليه مقتدراً، فمن لم يكن كذلك فليس بإله وإن عُبِد. وقال المالكي: إن الله علم للإله بالحق جامع لمعاني الأسماء الحسنى ما عُلِمَ وما لم يُعْلم.

стр. 95

كما أن النجم اسم لكل كوكب، ثم غلب على الثريا، وكذلك السنة على عام القحط، والبيت على الكعبة، والكتاب على "كتاب" سيبويه. وأما "الله" بحذف الهمزة، فمختص بالمعبود بالحق، لم يطلق على غيره، ومن هذا الاسم اشتق: تأله، وأله، واستأله، كما قيل: استنوق، واستحجر، في الاشتقاق من الناقة والحجر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي "الحقائق" للسلمي: الأسماء كلها داخلة في هذا الاسم خارجة منه، تخرج منه معاني الأسماء كلها، ولا يخرج هو من غيره؛ وذلك أن الله تفرد بهذا الاسم وشارك غيره في اشتقاق أسمائه. وقال الزجاج: إن فعلان من أبنيته ما يبالغ في وصفه، وغضبان معناه الممتلئ غضباً، فالرحمن: الذي وسعت رحمته كل شيء؛ ولهذا لا يجوز أن يقال لغير الله: رحمن. قوله: (وأما "الله" بحذف الهمزة فمختص)، قال في "مريم" في قوله تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) [مريم: ٦٥] أي: لم يسم شيء بالله قط. وكانوا يقولون لأصنامهم: آلهة، والعزى إله، وأما الذي عوض فيه الألف واللام من الهمزة فمخصوص به المعبود الحق غير مشارك فيه. قوله: (ومن هذا الاسم اشتق: تأله)، قال أبو زيد: تأله الرجل إذا تنسك. قال أبو علي: كأنه ذو العبادة، ويحتمل أن يكون مأخوذاً من الله الذي هو اسم نحو: استحجر الطين واستنوق الجمل. المعنى: يفعل الأفعال المقربة إلى الله تعالى المستحق بها الثواب.

стр. 96

فإن قلت: أسمٌ هو أم صفة؟ قلت: بل اسم غير صفة، ألا تراك تصفه ولا تصف به؟ لا تقول: شيء إله، كما لا تقول: شيء رجل، وتقول: إله واحد صمد، كما تقول: رجل كريم خير. وأيضاً فإن صفاته تعالى لابد لها من موصوف تجري عليه، فلو جعلتها كلها صفات بقيت غير جارية على اسم موصوف بها، وهذا محال. فإن قلت: هل لهذا الاسم اشتقاق؟ قلت: معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعداً معنى واحد، وصيغة هذا الاسم وصيغة قولهم: أله؛ إذا تحير، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا محال)، قال في "التقريب": في استحالة اللازم وفي الملازمة نظر، والجواب عن نظر الملازمة: أن المراد بالصفات جميع ما نُقل عن الشارع من الأسامي، فلو جعلها بأسرها صفات بقيت تلك الصفات وليس لها اسم تجري عليه لفظاً ولا تقديراً. هذا صحيح؛ نعم، لو قال: غير جارية على مسمى، كان عليه الكلام. وعن استحالة اللازم: أن استعمال الألفاظ التي هي الصفات على طريقة الإجراء على الغير من غير أن يكون لها موصوف لفظاً أو تقديراً مما يستلزم الخروج عن استعمال العرب، ولا يعني بالمحال إلا هذا. قال الجنزي: إذا لم يكن الله اسماً وكان صفة، وسائر أسمائه صفات لم يكن للباري تعالى اسم، ولم تُبق العرب شيئاً من الأشياء- أي: المعتبرة إلا سمته- ولم تسم خالق الأشياء وبارئها ومبدعها. هذا محال، وهو اختيار الخليل ومذهب أبي زيد البلخي.

стр. 97

ومن أخواته: دله وعله، ينتظمهما معنى التحير والدهشة، وذلك أن الأوهام تتحير في معرفة المعبود، وتدهش الفطن؛ ولذلك كثر الضلال، وفشا الباطل، وقل النظر الصحيح. فإن قلت: هل تفخم لامه؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال المالكي: ولكون الله اسم عَلَم وليس بصفة قيل: في كل اسم من أسمائه تعالى سواه اسم من أسماء الله تعالى. ومما يواخيه سؤال ابن خالويه أبا علي: كم للسيف اسماً؟ فقال: اسم واحد فقال ابن خالويه: بل له أسماء، وأخذ يعددها؛ نحو: الحُسام، والمخذم، والقضيب، والمقضب، إلى غير ذلك، فقال أبو علي: هذه كلها صفات. قوله: (ومن أخواته دله وعله)، معترضة، وفائدتها: أن الاشتقاق بينه وبين "أله"كان صغيراً، وبينه وبين "علِهَ" كان من الأكبر؛ لجامع قرب المخرج بين الهمزة والعين، وإذا أخذ مع "دله" لجامع النوعية بين الهمزة والدال- وهو كونهما من المجهورة والشديدة- كان أيضاً من الأكبر. قوله: (ينتظمهما معنى التحير والدهشة)، يعني: أن تعريف الاشتقاق صادق عليه من حيث القياس، وهو كون أحد اللفظين مشاركاً للآخر في المعنى والتركيب. فدل هذا الجواب على أنه غير جازم في الاشتقاق؛ وذلك أنه حين سأل نفسه: أسمٌ هو أو صفة؟ أجاب بقوله: بل اسمٌ، وكان يكفيه أن يقول: اسمٌ، لكن لما اعتقد أن غيره محال أضرب عن تصور الوصفية. وها هنا كان حق الجواب أن يقول: نعم، أو لا، فعل إلى تلك العبارة؛ ليؤذن باختلاف الأئمة؛ فقد نقل الأزهري: أن سيبويه قال: سألت الخليل عن هذا الاسم، فقال: الأصل: الإله، فأدخلت الألف واللام بدلاً من الهمزة. وقال مرة أخرى: الأصل لاه، فأدخلت

стр. 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الألف، واللام لازمة، لم يرد الخليل على هذا، ولم يفسر مشتقه الذي اشتق منه. وقال بعضهم: أسامي الرب صفات كلها إلا الله فإنه اسم علم، وسائر أهل اللغة على أنه مشتق. وقال أبو علي: روي عن ابن عباس في قوله: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) [الأعراف: ١٢٧]: أنه قال: (وَآلِهَتَكَ) أي: عبادتك، فقوله: الإله كأنه ذو العبادة، أي: إليه بها نتوجه. ونظيره في أنه في الأصل اسم حدث ثم جرى صفة للقديم : السلام، من سلم، والمعنى: ذو السلام، فأخر الحال عنه، كقولك: هو الله معبوداً، وعلق الظرف به نحو: هو الله في السموات، كما يجوز ذلك في المصادر. قلت: ذلك لا يلزم؛ ألا ترى أنهم قد أجروا أشياء من المصدر واسم الفاعل مجرى الأسماء، نحو: لله درك، وزيد صاحب عمرو، فلم يعملوها عمل الفعل؟ ! وقال المالكي: الله علم للإله الحق، واللام قارنت وضعه، وليس أصله الإله. وقال القاضي: لو كان "الله" وصفاً لم يكن قول: "لا إله إلا الله" توحيداً مثل "لا إله إلا الرحمن" فإنه لا يمنع الشركة. وكُتب في "حاشيته": الرحمن وإن خص بالباري تعالى إلا أن ذلك قد حصل بدليل منفصل؛ لأنه من حيث اللغة: الذي يبالغ في الرحمة. وقال أيضاً: والأظهر أنه وصف في أصله لكنه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في

стр. 99

قلت: نعم قد ذكر الزجاج أن تفخيمها سنة، وعلى ذلك العرب كلهم، وإطباقهم عليه دليل أنهم ورثوه كابراً عن كابر. و(الرحمن): فعلان من رحم، كغضبان وسكران من غضب وسكر، وكذلك (الرحيم) فعيل منه، كمريض وسقيم، من مرض وسقم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ غيره، وصار كالعلم مثل الثريا أجري مجراه في إجراء الوصف عليه، وامتناع الوصف به، وعدم تطرق احتمال الشركة إليه؛ لأنه لو دل على مجرد ذاته المخصوصة لما أفاد قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ) [الأنعام: ٣] معنى صحيحاً. وفيه نظر، وسيجيء في سورة الأنعام. قوله: (نعم)، قيل: في هذا الجواب نظر لإطلاقه؛ فإن لامه إذا فُتح ما قبل الكلمة أو ضم تفخم وإذا كسر ترقق. وقلت: المقصود من السؤال تفخيم هذا الاسم مطلقاً لا بيان مواقع تفخيمه وترقيقه. وفيه فائدة تفخيم هذا الاسم وتعظيمه؛ ولهذا قرنه بقوله: "وإطباقهم عليه دليل أنهم ورثوه كابراً عن كابر" ثم تصريحه بالدليل كتصريح الدليل في قوله: "والدليل عليه قوله: " (بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: ٤١] " يعني لم يزل الأقدمون يقدمون هذا الاسم اهتماماً، ولم يزالوا يفخمونه تعظيماً". قوله: (ورثوه كابراً عن كابر)، الأساس: هو كبر قومه: أكبرهم في السن والرئاسة؛ أو في النسب. وأنشد العتبي: نسبٌ توارث كابراً عن كابر … كالرمح أنبوباً على أنبوب

стр. 100

وفي (الرَّحْمَنِ) من المبالغة ما ليس في (الرَّحِيمِ)؛ ولذلك قالوا: رحمنُ الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا. ويقولون: إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى. وقال الزجاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفي (الرَّحْمَنِ) من المبالغة ما ليس في (الرَّحِيمِ)، قال الزجاج: الرحمن اسم الله خاصة، لا يقال لغيره: رحمن، ومعناه المبالغ في الرحمة، وفعلان من بناء المبالغة تقول للشديد الامتلاء: ملآن، وللشديد الشبع: شبعان. والرحيم: اسم الفاعل من رحم فهو رحيم، وهو أيضاً للمبالغة. وقيل: الرحمن أبعد جرياً من الفعل، والرحيم أقرب إلى مضارعه في عدد الحروف والحركات، فما كان أبعد من الفعل كان أولى. قوله: (ولذلك قالوا: رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا)، المطلع: الرحمن: الذي كثرت آثار رحمته، والرحيم: الذي قويت آثار رحمته؛ ففي الدنيا يصل رزقه إلى كل مؤمن وكافر وحيوان ونبات، وفي الآخرة لا يصل إلا إلى المؤمنين، غير أن الواصل في الدنيا كثير الكمية قليل الكيفية؛ لقلة الدنيا وسرعة انصرامها وكثرة شوائبها، وفي الآخرة قليل الكمية بالإضافة إلى من يصل إليها وهم الذين ماتوا على الإسلام، لكنها كثيرة الكيفية لوجود الملك المؤبد والنعيم المخلد. قوله: (ويقولون: إن الزيادة)، عطف على قوله: "قالوا: رحمن الدنيا"، واستدل على أن "الرحمن" أبلغ من "الرحيم" بوجهين: أحدهما: نقلي؛ وهو قوله: "قالوا" إلى آخره، والآخر: قياسي، وهو قوله: "يقولون"، وخالف بين الصيغتين ماضياً ومضارعاً ليؤذن بأن القول الثاني هو الدائر بين الأدباء، والأول قول قديم مأثور كقوله تعالى: (فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) [البقرة: ٨٧]. قوله: (وقال الزجاج)، عطف على "يقولون" على سبيل البيان. وفيه دلالة على إرادة الاستمرار فيه. ثم نقول: إن المبالغة في الرحمن إما بحسب الكمية؛ فهو المراد من الاستشهاد

стр. 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالنقل، وإما بحسب الكيفية؛ فهو المراد من الاستشهاد بالغضبان. والمختار الثاني، أي: المبالغة بحسب الكيفية. يدل عليه قوله: "لما قال الرحمن فتناول جلائل النعم وعظائمها، أردفه بالرحيم ليتناول ما دق منها" ونحوه قال في قوله تعالى: (وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) [ق: ٢٩]: هو من قولك: ظالم لعبده، وظلام لعبيده، وأن يراد لو عذبت من لا يستحق العذاب لكنت ظلاماً، وهذا هو المراد بالاستشهاد. قال صاحب "الانتصاف": تعليل الزمخشري بقوله: "رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا"، بأن الرحمن أبلغ- ضعيف؛ غاية ما فيه: أن الرحمة المستفادة من الرحمن أعم من الرحمة المستفادة من الرحيم. والعموم بالدلالة على قصور المبالغة أولى منه بالدلالة على غايتها، ألا ترى أن ضارباً لما كان أعم من ضراب كان ضراب أبلغ منه لخصوصه، فلا يلزم من خصوص رحيم أن يكون أقل مبالغة من رحمن. أجاب صاحب "الإنصاف": أما أن الخصوص لا يلزم منه قلة المبالغة فحسن، وأما دعواه أن الخصوص دال على المبالغة والعموم على قصورها، واستشهاده بضراب وضارب فغير صحيح؛ لأن المبالغة في ضراب لم تكن لأجل خصوصه بل لدلالته على التكرار، ألا ترى أنا لو وضعنا لمن حصل منه الضرب اسم فاعل يخصه لم يكن أبلغ من ضارب مع أن ضارباً أعم منه؟ ! ولما انقسم المطر إلى: وابل، وطل، وجود؛ لم يكن الوابل والطل والجود أبلغ من المطر؛ لكونها أخص.

стр. 102

في الغضبان: هو الممتلئ غضباً. ومما طن على أذني من ملح العرب: أنهم يسمون مركباً من مراكبهم بالشقدف، وهو مركب خفيف ليس في ثقل محامل العراق، فقلت في طريق الطائف لرجل منهم: ما اسم هذا المحمل؟ أردت المحمل العراقي. فقال: أليس ذاك اسمه الشقدف؟ قلت: بلى. فقال: هذا اسمه الشقنداف، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال أيضاً: إن قوله: "الزيادة في البناء لزيادة المعنى" منقوض بحذر وهو أبلغ من حاذر. وأجاب عنه صاحب "الإنصاف" من وجهين: أحدهما: الحكم بالغالب. وثانيهما: أن حذراً ما وقعت المبالغة فيه لنقص الحرف، بل لإلحاقه بالأمور الجلية كالشره والنهم والفطن. والنقص إنما يكون مع اتحاد العلة، والعلة ها هنا ليست متحدة، والدعوى أن البناء على الزيادة يدل على المبالغة، ولم ندع انحصار المبالغة في ذلك. قلت: والصحيح أن استفادة المبالغة من (الرحمن) في الوجه الأول لأجل أنه مشارك لـ (الرحيم) في الآخرة بحسب الكيفية، وله مزيد اختصاص بحسب الكمية في الدنيا على تعليل صاحب "المطلع" لا تقديره. قوله: "وقال الزجاج"، قال الأنباري في "نزهة الألباء": هو أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج، كان من أكابر أهل العربية، حسن العقيدة، جميل الطريقة، صنف مصنفات كثيرة منها كتاب "المعاني في القرآن"، وكان صاحب اختيار في علم النحو والعروض. وقال غيره: أخذ العلم من المبرد، وأخذ منه أبو علي. والذي يدل على جلالته أن المصنف في كتابه هذا قد أخذ منه ما لا يحصى كثرة، وقلما ترى تفسيراً يخلو من كلامه. قوله: (المحمل)، الجوهري: المحمل: واحد محامل الحاج، بفتح الميم الأولى وكسر الثانية.

стр. 103

فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمى، وهو من الصفات الغالبة، كالديبران، والعيوق، والصعق، لم يستعمل في غير الله ، كما أن (الله) من الأسماء الغالبة. وأما قول بني حنيفة في مسيلمة: رحمان اليمامة، وقول شاعرهم فيه: وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا فباب من تعنتهم في كفرهم. فإن قلت: كيف تقول: الله رحمن، أتصرفه أم لا؟ قلت: أقيسه على أخواته من بابه، أعني نحو عطشان وغرثان وسكران؛ فلا أصرفه … ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لم يستعمل في غير الله كما أن (الله) من الأسماء الغالبة)، هذا النص يوقفك على صحة ما تكلمنا في الأسماء الغالبة، والصفات من "الله" و"الرحمن" غلبا بحسب الدليل لا الاستعمال، فإذن ليس في كلامه تناقض كما ظن. قوله: (وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا)، أوله: سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أباً الجوهري: اليمامة اسم جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، واليمامة بلاد كان اسمها الجو فسميت باسم هذه الجارية لكثرة ما أضيف إليها. قوله: (فباب من تعنتهم)، النهاية: العنت: المشقة والفساد والهلاك والإثم والغلط والخطأ. الأساس: وقع فلان في العنت، أي: فيما شق عليه، وتعنتني، أي: سألني عن شيء أراد به اللبس علي والمشقة. قوله: (كيف تقول: الله رحمن، أتصرفه أم لا؟ )، فإن قلت: لم عدل في السؤال عن قوله: أرحمن منصرف أم لا؟ وما دعاه إلى هذا الإطناب؟

стр. 104

فإن قلت: قد شرط في امتناع صرف فعلان أن يكون فعلان فعلى، واختصاصه بالله يحظر أن يكون فعلان فعلى، فلم تمنعه الصرف؟ قلت: كما حظر ذلك أن يكون له مؤنث على فعلى، كعطشى، فقد حظر أن يكون له مؤنث على فعلانة، كندمانة، فإذن لا عبرة بامتناع التأنيث للاختصاص العارض، فوجب الرجوع إلى الأصل قبل الاختصاص، وهو القياس على نظائره. فإن قلت: ما معنى وصف الله تعالى بالرحمة؟ ومعناها العطف والحنو، ومنها الرحم؛ لانعطافها على ما فيها. قلت هو مجاز عن إنعامه على عباده؛ لأن الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم بمعروفه وإنعامه، كما أنه إذا أدركته الفظاظة والقسوة عنف بهم، ومنعهم خيره ومعروفه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: ليوقفك على الخلاف فيه، ويرشدك إلى طريق استنباطه. يعني لما خصصت "الرحمن" بالله كيف حكمه في الصرف وعدمه؟ وأجاب بأن حكمه القياس على عطشان وغرثان في امتناع الصرف، ثم قال: لم تقيسه عليهما ولا تعتبر انتفاء فعلى فتصرفه؟ فقال: لأن له معارضاً وهو عدم فعلانة للاختصاص العارض، فإذن لا عبرة بامتناع التأنيث، فالواجب حمله على الأكثر؛ لأن إلحاق الفرد بالأعم الأغلب أولى، فيمتنع الصرف. قوله: (أصابهم بمعروفه وإنعامه)، الانتصاف: فسر الرحمة بأنها مجاز عن إنعام الله تعالى على عباده، ولك أن تفسرها بإرادة الخير، وكلا القولين منقول، منهم من جعلها من صفات الذات، ومنهم من جعلها من صفات الأفعال. وقال في "الإنصاف": والعجب منه أنه كيف لم ينتبه على أن الزمخشري لا يمكنه أن يجعل الإرادة من صفات الذات؛ لأنه لا يثبت صفات الذات، والعجب من الزمخشري أنه إن

стр. 105

فإن قلت: فلم قدم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه؟ والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اجتنب ها هنا ما هو مخالف لمذهبه. وجاء في تفسير (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٧] أن معنى الغضب إرادة الانتقام. والبحث في الموضعين سواء. وهم وإن أثبتوا الإرادة لكنهم لم يجعلوها صفة ذات. وقلت: إن المصنف ما أخطر بباله ذلك بل أجرى الرحمة والغضب في الموضعين على التمثيل والاستعارة، فلابد من تقدير الإرادة هاهنا أيضاً؛ ألا ترى كيف صرح بالتشبيه فيهما حيث قال هاهنا: "إن الملك إذا عطف على رعيته"، وقال هناك: "ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده"؟ ! قوله: (فلم قدم ما هو أبلغ)، وهذا مقام تكلم فيه العلماء فلابد من عد أقوالهم. قال صاحب "التقريب": وإنما قدم أعلى الوصفين، والقياس تقديم أدناهما كجواد فياض؛ لأن ذلك القياس فيما كان الثاني من جنس الأول، وفيه زيادة، والرحمن يتناول جلائل النعم وأصولها، والرحيم دقائقها وفروعها، فلم يكن في الثاني زيادة على الأول، كأنه جنس آخر فيقال: لما ثبت أن الرحمن أبلغ من الرحيم في تأدية معنى الرحمة، صح الترقي من الرحيم إليه؛ لأن معنى الترقي: هو أن يذكر معنى ثم يردف بما هو أبلغ منه. ثم نقول: ما تريد بقولك: فيما كان الثاني من جنس الأول؟ إن أردت أن الجنسية معتبرة

стр. 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيما فيه الترقي، فلم قلت: إن تلك في الصيغتين مفقودة؛ لأنهما مشتملان على معنى الرحمة، وفي أحدهما أبلغ من الآخر؟ وإن أردت أن الصيغتين لابد أن يتفقا في المعنى كما هو في قولك: جواد فياض، وليس فيهما ذلك؛ فغير مسلم، ألا ترى أن المصنف كيف اعتبر الترقي في قوله تعالى: (لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) [النساء: ١٧٢] وفي قول الشاعر: وما مثله ممن يجاود حاتم … ولا البحر ذو الأمواج يلتج زاخره مع أن الملائكة والبحر ليسا من جنس البشر؟ ! وقال صاحب "الفرائد": فلما كان فعلان للأمور العارضة على ما عرف، كالسكران والعطشان، وفعيل للصفات الغريزية كالكريم ونحوه؛ وجب تقديم الرحمن على الرحيم. وأما عروض المعنى فمن جهة العباد، وأنه تعالى ينعم على العباد حالاً بعد حال، وهو ضعيف لأن فعلان صفة مشبهة وهو أبعد جرياً من الفعل كما سبق، وأن الرحيم اسم فاعل كما نص عليه الزجاج. وقوله: فعيل من الصفات الغريزية وذلك في نحو شرف وكرم، وليس وزان رحم وزانه، بل وزان مرض وسقم كما صرح به المصنف آنفاً. سلمنا، لكن قولك: ينعم على العباد حالاً بعد حال؛ يدل على أنه أبلغ من الدوام في بعض الصور كما سيجيء. الراغب: النديم: هو الذي كثرت منادمته، والندمان هو الذي مع كثرة ذلك منه تكررت

стр. 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عنه؛ ولذلك قال أهل اللغة: ندمان أبلغ من النديم، فإن العرب إذا زادوا معنى زادوا في اللغة أيضاً. قال صاحبا "الإيجاز" و"الانتصاف": الرحمن أبلغ؛ لأنه كالعلم إذ كان لا يوصف به غير الله، فكأنه الموصوف. وهو أقدم؛ إذ الأصل في نعم الله أن تكون عظيمة، فالبداية بما يدل على عظمها أولى. هذا أحسن الأقوال وأقرب إلى مراد المصنف؛ يعني أن هذا الأسلوب ليس من باب الترقي، بل هو من باب التتميم: وهو تقييد الكلام بتابع يفيد مبالغة؛ وذلك أنه تعالى لما ذكر ما دل على جلائل النعم وعظائمها، أراد المبالغة والاستيعاب، فتمم بما دل على دقائقها وروادفها؛ ليدل به على أنه مولى النعم كلها: ظواهرها وبواطنها، جلائلها ودقائقها، وهو المراد بقوله هنا: "أردفه الرحيم، كالتتمة والرديف"، وفي "الفاتحة" قوله: "من كونه منعماً بالنعم كلها: الظاهرة والباطنة والجلائل والدقائق"، ولو قصد الترقي لفاتت المبالغة المذكورة وذهب به معنى التعميم المطلوب في ألفاظ "الفاتحة" كما سبق. وذلك أن الترقي يحصل فيما إذا قلت: فلان يعلم التصريف والنحو،

стр. 108

كقولهم: فلان عالم نحرير، وشجاع باسل، وجواد فياض؟ قلت: لما قال: (الرَّحْمَنِ) فتناول جلائل النعم، وعظائمها وأصولها، أردفه (الرَّحِيمِ)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والتتميم لا يحصل إلا من قولك: يعلم معاني كلام الله المجيد والتصريف؛ إذ من شرط التتميم الأخذ بما هو الأعلى في الشيء، ثم ما هو أحط منه ليستوعب جميع ما يدخل تحت ذلك الشيء؛ لأنهم لا يعدلون عن الأصل والقياس إلا لتوخي نكتة، والجواب إذن من باب الأسلوب الحكيم، والله أعلم. والذي عليه ظاهر كلام الإمام: أنه من باب التكميل وهو أن يؤتى بكلام في فن، فيرى أنه ناقص فيه فيكمل بآخر، فإنه تعالى لما قال: "الرحمن" توهم أن جلائل النعم منه، وأن الدقائق لا يجوز أن تنسب إليه لحقارتها، فكمل بالرحيم. وينصره ما روينا عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع"، وزاد: "حتى يسأله الملح"، أخرجه الترمذي. قوله: (نحرير)، أي: بليغ في العلم، كأنه ينحر الشيء علماً، الأساس: جلس فلان في نحر فلان: قابله، ونحرته نحراً: قابلته، ونحر الأمور علماً. ومنه: هو نحرير من النحارير، وسئل جرير عن شعراء الإسلام فقال: نبغة الشعر للفرزدق، وأنا نحرت الشعر نحراً.

стр. 109

كالتتمة والرديف؛ ليتناول ما دق منها ولطف. [(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ٢ - ٣] والحمد والمدح أخوان، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الحمد والمدح أخوان)، أي: متشابهان لا مترادفان، فإن الأخ يستعمل في المشابهة. قال في "الفائق" في قوله: كأخ السرار: أي: كلاماً كمثل المسارة، وشبهها به لخفض صوته. واعلم أنه ذكر ها هنا ألفاظاً متقاربة المعنى، متدانية المغزى، ولابد من الفرق وهي: الثناء والشكر، والحمد، والمدح. فالثناء: الذكر بالخير مطلقاً. الراغب: الثناء ما يذكر من محامد الناس فيثنى حالاً فحالاً ذكره. الجوهري: أثنى عليه خيراً، والاسم: الثناء. والشكر: الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف. والحمد: نقيض الذم، والمحمد: الذي كثرت خصاله المحمودة. والمدح: الثناء الحسن. فالثناء: هو القدر المشترك بين المفهومات الثلاث. قال الإمام: المدح أعم من الحمد؛ لأن المدح يحصل للعاقل وغيره، والحمد لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإحسان والفضائل. وقال الراغب: كل شكر حمد، وليس كل حمد شكراً، وكل حمد مدح، وليس كل مدح حمداً.

стр. 110

وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: الحمد هو الثناء على الجميل الاختياري من نعمة أو غيرها، والمدح هو الثناء على الجميل مطلقاً، تقول: حمدت زيداً على علمه وكرمه، ولا تقول: حمدته على حسنه؛ بل مدحته. وقال الإمام: وإنما خص الحمد ها هنا دون المدح ليؤذن بالفعل الاختياري، ودون الشكر ليعم الإحسان والفضائل. ولعمري إن المقام يقتضي ما قال، لما أسلفنا أن "الفاتحة" هي أم القرآن؛ لاشتمالها على المعاني التي في القرآن، وأنها بنيت على إجمال ما يحتويه القرآن مفصلاً، وأنها واقعة في مطلع التنزيل، والبلاغة فيه: أن يتضمن ما سيق الكلام له كما سبق في شرح الخطبة. فينبغي أن لا يقيد شيء من كلماتها ما أمكن الحمل على الإطلاق، فنحن بعون الله تعالى نراعي هذه الشريطة في التقرير؛ فما وافقنا المصنف فيها نتبعه، وما خالفنا نقف عنده ونجري الكلام على سننه. نعم فيها كلمات ثلاث خصت بمعان مهمة في التوحيد فتقتضي مزيد اختصاص به تعالى، إحداها: اللام في "لله" والكلمتان الأخريان: الصيغتان المنصوبتان وهما: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فأنهما مخصوصتان لغة ومعنى وتركيباً، والتاء في "أنعمت"، فانظر إلى أسرار كلام الله المجيد. ولله در القائل: أنعى إليك قلوباً طالما هطلت … سحائب الوحي فيها أبحر الحكم قوله: (النداء على الجميل)، أي: رفع الصوت بالثناء على الجميل. خص النداء لما قرر أن الحمد: هو الشكر باللسان، فبالغ في الإظهار والإشادة، وأشار بقوله: "على حسبه وشجاعته" إلى الأفعال الاختيارية.
следующие страницы →