← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

(فَمَنْ تَبِعَنِي) على ملتي وكان حنيفاً مسلماً مثلي (فَإِنَّهُ مِنِّي) أي: هو بعضي لفرط اختصاصه بي وملابسته لي، وكذلك قوله: «من غشنا فليس منا» أي: ليس بعض المؤمنين، على أنّ الغش ليس من أفعالهم وأوصافهم، (وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تغفر له ما سلف منه من عصياني إذا بدا له فيه واستحدث الطاعة لي. وقيل: معناه (ومن عصاني) فيما دون الشرك. [(رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لعلهم يَشْكُرُونَ)]. (مِنْ ذُرِّيَّتِي) بعض أولادي، وهم إسماعيل ومن ولد منه (بِوادٍ) هو وادي .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((فَإِنَّهُ مِنِّي) أي: هو بعضي)، لا يريد أن "من" في قوله: (مِنِّي) تبعيضية، وإن صرح بلفظ البعض، بل هي اتصالية، كقوله تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)، ولهذا قال: "لفرط اختصاصه بي وملابسته لي". قوله: ((وَمَنْ عَصَانِي) فيما دون الشرك)، يدل على أنه حمل "العصيان" في الوجه الأول على الشرك، لأنه مقابل لقوله: (فَمَنْ تَبِعَنِي) على ملتي، وكان حنيفاً مسلماً"، أي: موحداً، والكلام مبني على التخييل والتورية، كما سبق في قوله تعالى: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) [التوبة: ٨٠]. قال القاضي: " (فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: تقدر أن تغفر له وترحمه ابتداء أو بعد التوفيق للتوبة، وفيه دليل على أن كل ذنب فلله أن يغفره حتى الشرك، إلا أن الوعيد فرق بينه وبين غيره".

стр. 4342

مكة (غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) لا يكون فيه شيءٌ من زرعٍ قط، كقوله: (قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) [الزمر: ٢٨] بمعنى: لا يوجد فيه اعوجاج، ما فيه إلا الاستقامة لا غير. وقيل للبيت: المحرم، لأنّ الله حرم التعرض له والتهاون به، وجعل ما حوله حرما لمكانه، أو لأنه لم يزل ممنعاً عزيزاً يهابه كل جبار، كالشئ المحرم الذي حقه أن يجتنب، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكه، أو لأنه حرّم على الطوفان أي: منع منه، كما سمي "عتيقاً" لأنه أعتق منه فلم يستول عليه (لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) اللام متعلقة بـ (أسكنت)، أي: ما أسكنتهم هذا الوادي الخلاء البلقع من كل مرتفق ومرتزق، إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم، ويعمروه بذكرك وعبادتك، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا يكون فيه شيء من زرع قط)، هذه المبالغة يفيدها معنى الكناية، لأن نفي ذي الزرع يستلزم كون الوادي غير صالح، لأنه نكرة في سياق النفي. قوله: (انتهاكه)، الجوهري: "انتهاك الحرمة: تناولها بما لا يحل". قوله: (ما أسكنتهم … إلا ليقيموا الصلاة) إلى آخره، هذا الحصر وتلك الفوائد إنما يفيدها تكرير ذكر (رَبَّنَا)، لأنه للاهتمام بشأن المدعو المطلوب، وجعل (لِيُقِيمُوا) علة للإسكان بواد موصوف بهذين الوصفين؛ كونه غير ذي زرع، وكونه عند بيتك المحرم، يعني: لا يختار أحد مثل هذا الموضع إلا للانقطاع للعبادة والتبتل إلى الله، والتبرك به لشرفه، وخص الصلاة لأنها عمود الدين. قوله: (البلقع)، الجوهري: "البلقع والبلقعة: الأرض القفر التي لا شيء بها". قوله: (مرتفق ومرتزق)، الأساس: "ارتفقت به: انتفعت به، تقول: بكرمك أثق، وعلى

стр. 4343

وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك، متبركين بالبقعة التي شرفتها على البقاع، مستسعدين بجوارك الكريم، متقربين إليك بالعكوف عند بيتك، والطواف به، والركوع والسجود حوله، مستنزلين الرحمة التي آثرت بها سكان حرمك. (أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ) أفئدة من أفئدة الناس، ومن للتبعيض، ويدل عليه ما روي عن مجاهد: لو قال أَفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم، وقيل: لو لم يقل: (مِنْ) لازدحموا عليه حتى الروم والترك والهند. ويجوز أن يكون (مِنْ) للابتداء، كقولك: القلب منى سقيم، تريد قلبي، فكأنه قيل: أفئدة ناس، وإنما نكرت المضاف إليه في هذا التمثيل لتنكير (أفئدة)، لأنها في الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سؤددك أرتفق، ومنه قوله تعالى: (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) [الكهف: ٣١]، ويقال: ما فيها مرفق من مرافق الدار؛ نحو المتوضأ والمطبخ". قوله: (القلب مني سقيم)، والظاهر أنه مثل قوله تعالى: (وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) [مريم: ٤]، لكنه جعله ابتدائية لتفخيم الأمر، كأنه قيل: نشأ سقم هذا العضو الذي يصلح بصلاحه البدن، ويفسد بفساده مني ومن جهتي، فعلى هذا: التعريف في (النَّاسَ) للجنس، والمراد قوم مخصوصون، أي: نشأ جعل الأفئدة مائلة إلى جهة الكاملين من الناس. قوله: (وإنما نكرت المضاف إليه في هذا التمثيل)، أي: في "الكشاف" في قوله: "فكأنه قيل: أفئدة ناس"، وفي الآية معرفة؛ ليتناول بعض الأفئدة، قال صاحب "الفرائد": لا يحتاج

стр. 4344

وقرئ: "آفدةً"، بوزن عاقدة. وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون من القلب كقولك: آدر، في أدؤر. والثاني: أن يكون اسم فاعلة من أفدت الرحلة إذا عجلت، أي: جماعة أو جماعات يرتحلون إليهم ويعجلون نحوهم. وقرئ: "أفدةً"، وفيه وجهان: أن تطرح الهمزة للتخفيف، وإن كان الوجه أن تخفف بإخراجها بين بين. وأن يكون من أفد. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلى جعل المعرفة نكرة لجواز أن يقال: المضاف مقدر، أي: بعض أفئدة من الناس، أو يقال: "الناس" للجنس، كقوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) [آل عمران: ١٧٣]. وقلت: هذا هو الذي أراده المصنف، فإنه أشار به إلى أن التعريف في (الْنَّاسِ) بمنزلة النكرة، كقولك: ادخل السوق في بلد كذا، أي: سوقاً من الأسواق. وأما الوجه الأول فساقط يظهر بالتأمل. قوله: (بوزن عافدة)، وفي "الأساس": "اعتفد الرجل: إذا أغلق الباب ليموت جوعاً ولا يسأل، ولقي رجل جارية تبكي، فقال: مالك؟ قالت: نريد أن نعتفد. وأنشد ابن الأعرابي: وقائلة ذا زمان اعتفاد" قوله: (من: أفدت الرحلة؛ إذا عجلت)، الجوهري: "أفد الرجل- بالكسر- يأفد إفداً؛ أي: عجل، فهو أفد؛ على "فعل"، أي: مستعجل، وأفد الترحل: إذا دنا وأزف". قوله: (أن تخفف بإخراجها بينَ بين)، قيل: فيه نظر؛ لأن الهمزة المتحركة الساكن ما قبلها إنما يكون تخفيفها بالحذف، كما في "مسألة" و"الخبء"، ولا يمكن فيها بينَ بينَ؛ المشهور ولا غيره، لأن بينَ بين: إما ساكن أو قريب من الساكن؛ على اختلاف المذهبين، فلو جعلت هذه الهمزة بين بينَ لزم التقاء الساكنين، أو ما هو في حكمه.

стр. 4345

(تَهْوِي إِلَيْهِمْ) تسرع إليهم وتطير نحوهم شوقا ونزاعا من قوله: يَهْوِي مَخَارِمَهَا هُوِىَّ الأَجْدَلِ وقرئ: "تهوى إليهم" على البناء للمفعول، من: هوى إليه، وأهواه غيره. و"تهوى إليهم"؛ من هوي يهوى؛ إذا أحب، ضمن معنى تنزع فعدّى تعديته. (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ) مع سكناهم وادياً ما فيه شيء منها، بأن تجلب إليهم من البلاد (لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يهوي مخارمها هوي الأجدل)، أوله: وإذا رميت به الفجاج رأيته قال المرزوقي: "الفج: الطريق الواسع في قُبُل جبل، والجمع: الفجاج، والمخارم: جمع المخرم، وهو منقطع أنف الجبل، والخرم: أنف الجبل، والأجدل: من جدل الخلق، والهوي- بضم الهاء-: هو القصد إلى الأعلى. يقول: إذا وجهت هذا الجلد في طرق الجبال رأيته يقصد أعاليها قصد الصقر". قوله: ("تهوى إليهم" … من هوي [يهوى]؛ إذا أحب)، قال ابن جني: "قرأها علي ﵁، هو من: هويت الشيء؛ إذا أحببته، لا تقول: هويت إلى فلان، ولكن: هويت فلاناً، لكن لاحظ معنى: تميل إليهم، وهذا باب من العربية ذو عوز".

стр. 4346

حاضرةً في وادٍ يبابٍ ليس فيه نجم ولا شجر ولا ماء لا جرم أن الله أجاب دعوته فجعله حرماً آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنه، ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل ريفٍ وعلى أخصب البلاد وأكثرها ثماراً، وفي أي: بلد من بلاد الشرق والغرب ترى الأعجوبة التي يريكها الله بواد غير ذي زرع، وهي اجتماع البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد، وليس ذلك من آياته بعجيب، متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا لشكر نعمه، وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم ﵇، ورزقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم. [(رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في واد يباب)، الجوهري: "أرض يباب: خراب". قوله: (ثم فضله)، "ثم" للتراخي في الإخبار أو الزمان. قوله: (على كل ريف)، الريف: أرض فيها زرع وخصب. قوله: (وفي أي بلد من بلاد الشرق والغرب)، "أي" فيه استفهامية، و"التي" صفة الأعجوبة، فإنه لما قال: "ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلاد"، قال: "في أي بلد"، أي: لا ترى الأعجوبة التي يريكها الله تعالى في مكة في بلاد الشرق والغرب أي بلد شئت. قوله: (اجتماع البواكيل)، الجوهري: "الباكورة: أول الفاكهة".

стр. 4347

النداء المكرر دليل التضرع واللجأ إلى الله تعالى (إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ) تعلم السرَّ كما تعلم العلن علماً لا تفاوت فيه، لأنّ غيباً من الغيوب لا يحتجب عنك. والمعنى: أنك أعلم بأحوالنا وما يصلحنا وما يفسدنا منا، وأنت أرحم بنا وأنصح لنا منا بأنفسنا ولها، فلا حاجة إلى الدعاء والطلب، وإنما ندعوك إظهارا للعبودية لك، وتخشعاً لعظمتك، وتذللاً لعزتك، وافتقاراً إلى ما عندك، واستعجالاً لنيل أياديك، وولهاً إلى رحمتك، وكما يتملق العبد بين يدي سيده، ورغبةً في إصابة معروفه، مع توفر السيد على حسن الملكة. وعن بعضهم: أنه رفع حاجته إلى كريم، فأبطأ عليه النجح، فأراد أن يذكره فقال: مثلك لا يذكر استقصاراً ولا توهما للغفلة عن حوائج السائلين، ولكن ذا الحاجة لا تدعه حاجته أن لا يتكلم فيها. وقيل: (ما نخفي) من الوجد لما وقع بيننا من الفرقة، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما تعلم العلن)، أشار إلى تكرير "ما"، وأن لم يقل: "تعلم ما نخفي ونعلن"؛ ليؤذن باستقلال إيقاع العلم على كل من السر والعلن، حيث لا يتفاوت العلم فيهما. قوله: (وقيل: (مَا تُخْفِي) من الوجد)، عطف على قوله: "تعلم السر كما تعلم العلن"، جعل (نُعْلِنُ) و (نُخْفِي) على الأول مطلقاً؛ على منوال "يعطي ويمنع" تتميماً لحسن المطلب، يعني: هذا الذي يظهر من الطلب ليس إلا التملق والرغبة إلى إصابة المعروف، لا الاستقصار والإعلام، وقريب منه قول الشاعر: أهزك لا أني عرفتك ناسياً … لأمري ولا أني أردت التقاضيا

стр. 4348

(وما نعلن) من البكاء والدعاء. وقيل: (ما نخفي) من كآبة الافتراق، (وما نعلن) يريد: ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله أكلكم. قالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا نخشى، تركتنا إلى كاف. (وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) من كلام الله تصديقاً لإبراهيم ﵇، كقوله: (وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ) [النمل: ٣٤]. أو من كلام إبراهيم، يعني: وما يخفى على الله الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان. و «من» للاستغراق، كأنه قيل: وما يخفى عليه شيء ما. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولكن رأيت السيف من بعد سله … إلى الهز محتاجاً وإن كان ماضيا قوله: (ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟ )، هذا في حديث طويل رواه البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس قال: "جاء إبراهيم ﵇ بهاجر وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هناك، ووضع عند هاجر إناء فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم ثنى إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ قالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، فرفع يديه فقال: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) ". قوله: ((وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) من كلام الله أو من كلام إبراهيم)، وعلى التقديرين:

стр. 4349

"عَلَى"- في قوله: (عَلَى الْكِبَرِ) - بمعنى "مع"، كقوله: إنِّي عَلَى مَا تَرَيْنَ مِنْ كِبَرِي … أَعْلَمُ مِنْ حَيْثُ تُؤْكَلُ الْكَتِفُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هو تذييل لما سبق وتأكيد له، ولهذا استشهد بقوله: (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)، لأنه من كلام الله تذييلاً لكلام بلقيس: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً) [النمل: ٣٤]. فعلى الأول: كان من الظاهر أن يقول: "صدقت يا إبراهيم ما يخفى علي شيء"، أقام المظهر موضع المضمر، وأتى باسمه الأقدس الجامع، أي: اقتضى عظمة جلاله وكبرياء سلطانه وشمول علمه أن لا يخيب دعاءك. وعلى الثاني: "وما يخفى عليك من شيء"، فعدل ليؤذن أنه كيف تخفى عليه حاجتي، وعلمه شامل لكل غيب وشهادة؟ ! قوله: ("على" في قوله: (عَلَى الْكِبَرِ) بمعنى: "مع")، ويجوز أن تجري على حقيقتها، ويقال: وهب لي وأنا متمكن على الكبر، كقوله تعالى: (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) [يوسف: ١٨]، وهذا أنسب؛ لقوله: "لأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية". قوله: (إني على ما ترين من كبري)، يقول: إني مع ما ترين من كبري أعرف الأشياء حق معرفتها، لأني جربتها ومارستها، وإني الآن على ما كنت مع كبر سني وتغير أحوال الحواس. وإليه أومئ بقوله: "وإنما ذكر حال الكبر، لأن المنة بهبة الولد فيها أعظم". قوله: (أعلم من حيث تؤكل الكتف)، مثل في التجربة، لأن المجرب يأخذ

стр. 4350

وهو في موضع الحال، معناه: وهب لي وأنا كبير وفي حال الكبر. روي أنّ إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ابن مئة وثنتي عشرة سنة، وقد روي أنه ولد له إسماعيل لأربع وستين. وإسحاق لتسعين. وعن سعيد بن جبير: لم يولد لإبراهيم إلا بعد مئة وسبع عشرة سنة، وإنما ذكر حال الكبر لأنّ المنة بهبة الولد فيها أعظم، من حيث أنها حال وقوع اليأس من الولادة. والظفر بالحاجة على عقب اليأس من أجلّ النعم وأحلاها في نفس الظافر، ولأنّ الولادة في تلك السنّ العالية كانت آية لإبراهيم (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ) كان قد دعا ربه وسأله الولد، فقال: (رب هب لي من الصالحين) [الصافات: ١٠٠]، فشكر لله ما أكرمه به من إجابته. فإن قلت: الله تعالى يسمع كل دعاء، أجابه أو لم يجبه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكتف من أعلاه، ليجذب اللحم عنه، وقيل: تؤكل من أسفلها ليسهل. قوله: ((إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) كان قد دعا ربه، وسأله الولد) إلى قوله: (فشكر لله ما أكرمه به من إجابته)، وقلت: قضية النظم أن يكون قوله: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) تعليلاً لإجابة دعائه السابق على سبيل التذييل، وأن يكون قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ) تذكيراً لشكر نعمه السابقة، ووسيلة لاستجابة هذا الدعاء، فإن هذه الآية كالاعتراض بين أدعية إبراهيم ﵇ في هذا المكان، كأنه ﵇ يقول: "اللهم استجب دعائي في حق ذريتي في هذا المقام، فإنك لم تزل سميع الدعاء، وقد دعوتك على الكبر، وسألت أن تهب لي إسماعيل وإسحاق، فأجبت لي"، فذكره وسيلة لاستجابة الدعاء. وفي تقييده تلك النعمة بالحمد دون إطلاقها: إشارة إلى التزام الشكر لهذه النعمة المستجدة. قوله: (الله يسمع كل دعاء أجابه أو لم يجبه)، يعني: كيف استعمل (سَمِيعُ الدُّعَاءِ) بمعنى: مجيبه، فإنه تعالى يسمع الدعاء، أجابه أو لم يجبه؟ وما فائدة اختصاصه به؟

стр. 4351

قلت: هو من قولك: سمع الملك كلام فلان إذا اعتد به وقبله، ومنه: سمع الله لمن حمده. وفي الحديث: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن». فإن قلت: ما هذه الإضافة إضافة "السميع" إلى "الدعاء"؟ قلت: إضافة الصفة إلى مفعولها، وأصله لسميع الدعاء. وقد ذكر سيبويه "فعيلاً" في جملة أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل، كقولك: هذا ضروب زيداً، وضراب أخاه، ومنحار إبله، وحذر أموراً، ورحيم أباه. ويجوز أن يكون من إضافة فعيل إلى فاعله، ويجعل دعاء الله سميعا على الإسناد المجازي. والمراد سماع الله. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأجاب: أن الفائدة أنه اعتد به وقبل منه، كما إذا رفع شخصان قصتهما إلى الأمير، وسمع كلامهما، وقبل من أحدهما وقضى حاجته، ولم يقبل من الآخر، يقال: سمع قصة فلان، ولم يسمع من الآخر، وهو من باب الكناية. قوله: (ما أذن الله) الحديث، رواه الشيخان عن أبي هريرة، يعني: لا يعتد بشيء كاعتداده لنبي يتغنى بالقرآن، قال في "الفائق": "الأذن: الاستماع، والمراد بالتغني: تخزين القراءة وترقيقها، ومنه الحديث: (زينوا القرآن بأصواتكم) ". الراغب: "غنى أغنية وغناء وتغنى، وقيل: تغنى؛ بمعنى: استغنى، ومنه: "من لم يتغن بالقرآن". قوله: (من إضافة "فعيل" إلى فاعله)، أي: لسميع دعاؤك.

стр. 4352

[رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ* رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ)]. (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) وبعض ذرّيتي، عطفاً على المنصوب في (اجعلني)، وإنما بعض لأنه علم بإعلام الله أنه يكون في ذرّيته كفار، وذلك قوله: (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة: ١٢٤]. (وَتَقَبَّلْ دُعاءِ) أي: عبادتي؛ (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [مريم: ٤٨]. يعني: أباه، وقرأ الحسن بن علي ﵄: "ولولدي" يعني: إسماعيل وإسحاق. وقرئ: "لولدي" بضم الواو، والوُلُد بمعنى: الوَلَد، كالعدم والعدم. وقيل: جمع ولد، كـ"أُسدٍ" في: أسد. وفي بعض المصاحف: "ولذريتي". فإن قلت: كيف جاز له أن يستغفر لبويه وكانا كافرين؟ قلت: هو من مجوزات العقل، لا يعلم امتناع جوازه إلا بالتوقيف. وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء. وقيل: بشرط الإسلام، ويأباه قوله: (إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك) [الممتحنة: ٤]؛ لأنه لو شرط الإسلام لكان استغفاراً صحيحاً لا مقال فيه، فكيف يُستنى الاستغفار الصحيح من جُملة ما يؤتسى فيه بإبراهيم. في قراءة أبيّ: "ولأبويّ". وقرأ سعيد بن جبير: "ولوالدي"، على الإفراد، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ))، استشهاد لأن الدعاء يجيء بمعنى العبادة. قوله: (ويأباه قوله: (إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ))، يعني: هذا القول مردود، لأنه لو نوى إبراهيم ﵇ في قوله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ): "إن أسلما"، لكان مثل هذا الاستغفار مما يؤتسى به ومأموراً به، وقد قال الله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) إلى قوله: (إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) [الممتحنة: ٤]، فالله تعالى

стр. 4353

(يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ) أي: يثبت، وهو مستعارٌ من قيام القائم على الرجل، والدليل عليه قولهم: قامت الحرب على ساقها. ونحوه قولهم: ترجلت الشمس: إذا أشرقت وثبت ضوؤها، كأنها قامت على رجل. ويجوز أن يسند إلى الحساب قيام أهله إسناداً مجازياً، أو يكون مثل (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢]. وعن مجاهد: قد استجاب الله له فيما سأل، فلم يعبد أحد من ولده صنما بعد دعوته، وجعل البلد آمنا، ورزق أهله من الثمرات، ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نهانا أن نأتسي به في هذا الاستغفار، ولو كان مشروطاً بالإسلام لكان مأموراً بالاتباع، فضلاً عن أن يكون منهياً عنه، وقد استقصينا الكلام عليه في "مريم"؛ رداً على المصنف. قوله: (وهو مستعار من قيام القائم)، أي: القيام مستعار للثبات، شبه (الْحِسَابُ) في الوقوع والثبوت بإنسان إذا كان على أقوى حاله، وهو القائم، ثم خيل له ما يلازم الإنسان في هذه الحالة، وهو القيام، ثم شبه هذا المتخيل بمثله من المحقق، ثم أطلق المحقق على ذلك المتخيل، فهي استعارة مكنية مستلزمة للتخييلية. قوله: (وعن مجاهد: قد استجاب الله له)، بيان لربط الآيات من ابتداء دعوة إبراهيم ﵇، فقوله: "فمل يعبد أحد من ولده صنماً بعد دعوته": مبني على ما سبق من جواب ابن عيينة: "ما عبد أحد من ولد إسماعيل صنماً، وإنما كانت أنصاب حجارة"، وفي قوله: "وجعل في ذريته من يقيم الصلاة": إشارة إلى أن "من" في (مِن ذُرِّيَّتِي) للتبعيض، وقوله: "وأراه مناسكه وتاب عليه": إشارة إلى ما في البقرة: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا) [البقرة: ١٢٨]. وقول ابن عباس: إما من تتمة كلام مجاهد، أو أنه لما لم يذكره جاء به ليستوعب جميع ما اشتملت عليه الآيات من المعاني.

стр. 4354

وجعله إماماً، وجعل في ذريته من يقيم الصلاة، وأراه مناسكه، وتاب عليه. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: كانت الطائف من أرض فلسطين، فلما قال إبراهيم: (رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ) [إبراهيم: ٣٧]، رفعها الله فوضعها حيث وضعها رزقا للحرم. [(وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ* مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ)]. فإن قلت: يتعالى الله عن السهو والغفلة، فكيف يحسبه رسول الله ﷺ وهو أعلم الناس به غافلاً حتى قيل: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا)؟ قلت: إن كان خطاباً لرسول الله ﷺ ففيه وجهان: أحدهما: التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلاً، كقوله: (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: ١٤]، (فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ) [الشعراء: ٢١٣]، كما جاء في الأمر (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) [النساء: ١٣٦]. والثاني: أنّ المراد بالنهي عن حسبانه غافلاً، الإيذان بأنه عالم بما يفعل الظالمون، لا يخفى عليه منه شيء، وأنه معاقبهم على قليله وكثيره على سبيل الوعيد والتهديد كقوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ يريد الوعيد. ويجوز أن يراد: ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الإيذان بأنه عالم بما يفعله الظالمون)، يريد: أن قوله: (غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) كناية أو مجاز في المرتبة الثانية عن الوعيد والتهديد، أي: لا تحسبن الله يترك عقابهم، لأنه جائز في كرمه ولطفه أن يعفو عنهم، لكن لابد أن يعاقبهم على القليل والكثير. قوله: (يعاملهم معاملة الغافل)، فعلى هذا [هو] استعارة تمثيلية، كما مر في (يُخَادِعُونَ اللهَ) [البقرة: ٩].

стр. 4355

ولكن معاملة الرقيب عليهم، المحاسب على النقير والقطمير. وإن كان خطاباً لغيره ممن يجوز أن يحسبه غافلاً، لجهله بصفاته، فلا سؤال فيه. وعن ابن عيينة: تسلية للمظلوم وتهديد للظالم، فقيل له. من قال هذا؟ فغضب وقال: إنما قاله من علمه. وقرئ: (يؤخرهم) بالنون والياء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (النقير والقطمير)، الجوهري: "النقير: النقرة التي في ظهر النواة"، و"القطمير: الفوفة التي في النواة، وهي القشرة الرقيقة". قوله: (تسلية للمظلوم، وتهديد للظالم)، يعني: الخطاب عام، فلا يختص به مخاطب دون مخاطب، لأن الناس بين ظالم ومظلوم، فإذا سمع المظلوم أن الله تعالى عالم بما يفعله الظالم وينتصر له هان عليه ظلمه، والظالم إذا تصور أن الله تعالى عالم بما يفعله، ولابد أن يجازيه على ظلمه، ربما ارتدع عن ظلمه. وإنما غضب عليه؛ لأن السائل قصر التأويل على التقليد، وطلب منه الرواية، ولهذا قال: "إنما قاله من علمه"، أي: قاله صاحب الدراية. وهذا مناسب لتأليف النظم؛ فإن الآية مردودة إلى قوله: (قُلْ تَمَتَّعُوا) و (قُل لِعِبَادِيَ) [إبراهيم: ٣٠ - ٣١]، أمر صلوات الله عليه وسلامه بمتاركة القوم، وبأن يقول لهم: (تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) [إبراهيم: ٣٠]، وبأن يشتغل بتبليغ الرسالة مع من ينتفع به بالعمل وباستعمال الفكر والاعتبار؛ بقوله: (يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) [إبراهيم: ٣١] الآية، وبقوله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) [إبراهيم: ٣٢]، وقوله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ) [إبراهيم: ٣٥]، ثم سلاه وهدد الظالم على سبيل العموم بقوله: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)، وختم به وبما يتصل به السورة، والله أعلم.

стр. 4356

(تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ) أي: أبصارهم لا تقرّ في أماكنها من هول ما ترى. (مُهْطِعِينَ) مسرعين إلى الداعي. وقيل: الإهطاع: أن تقبل ببصرك على المرئي تديم النظر إليه لا تطرف (مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ) رافعيها (لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ) لا يرجع إليهم أن يطرفوا بعيونهم، أي: لا يطرفون، ولكن عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك للأجفان. أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم. الهواء: الخلاء الذي لم تشغله الأجرام، فوصف به فقيل: قلب فلان هواء إذا كان جبانا لا قوّة في قلبه ولا جرأة. ويقال للأحمق أيضا: قلبه هواء. قال زهير: مِنَ الظُّلْمَانِ جُؤْجُؤُهُ هَوَاءُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: أبصارهم لا تقر في أماكنها)، الراغب: "الشخص: سواد الإنسان القائم المتراءى من بعيد، وقد شخص من بلده: نفذ، وشخص سهمه وبصره، وأشخصه صاحبه، قال الله تعالى: (تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ)، وقال: (شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الأنبياء: ٩٧]، أي: أجفانهم لا تطرف". قوله: (لا يرجع إليهم أن يطرفوا)، الجوهري: "طرف بصره يطرف طرفاً؛ إذا أطبق أحد جفنيه على الآخر، الواحدة من ذلك: طرفة، يقال: أسرع من طرفة عين". قوله: (من الظلمان جؤجؤه هواء)، وأنشده الزجاج، صدره:

стр. 4357

لأنّ النعام مثل في الجبن والحمق. وقال حسان: فَأَنْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَوَاءُ وعن ابن جريج: (أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ) صفرٌ من الخير خاوية منه. وقال أبو عبيدة: جوف لا عقول لهم. [(وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَاتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ* وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ* وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ* فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كأن الرحل منها فوق صعل الصعل: الصغير الرأس من الرجال والنعام من غير قصر العنق، والجؤجؤ من الطائر والسفينة: صدرهما، يهمز ولا يهمز، يصف مطيته بالقلق، يقول: كأن رحل هذا المطي فوق ظليم- أي: نعامة- لا قوة في قلبه، لأن النعام يضرب به المثل في الجبن. قوله: (فأنت مجوف نخب هواء)، صدره: ألا أبلغ أبا سفيان عني يقال: رجل مجوف: لا قلب له، كأنه خالي الجوف من القلب، والنخب: الفاسد، رجل

стр. 4358

(يَوْمَ يَأتِيهِمُ الْعَذابُ) مفعول ثانٍ لـ"أنذر" وهو يوم القيامة. ومعنى: (أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ): رُدّنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمدٍ وحدّ من الزمان قريب، نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك. أو أريد بـ"اليوم": يوم هلاكهم بالعذاب العاجل، أو يوم موتهم معذبين بشدّة السكرات ولقاء الملائكة بلا بشرى، وأنهم يسألون يومئذ أن يؤخرهم ربهم إلى أجل قريب، كقوله: (لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ) [المنافقون: ١٠]. (أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ) على إرادة القول، وفيه وجهان: أن يقولوا ذلك بطراً وأشراً، ولما استولى عليهم من عادة الجهل والسفه، وأن يقولوه بلسان الحال حيث بنوا شديداً وأمّلوا بعيداً. (وما لَكُمْ) جواب القسم، وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله (أَقْسَمْتُمْ)، ولو حكى لفظ المقسمين لقيل: ما لنا مِنْ زَوالٍ والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء. وقيل. لا تنتقلون إلى دار أخرى يعنى كفرهم بالبعث، كقوله (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) يقال: سكن الدار وسكن فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نخب- بكسر الخاء-: أي جبان لا فؤاد له، وهواء: صفر من الخير. قوله: (أن يقولوا ذلك بطراً وأشراً)، إشارة إلى أن القول مضمر، أي: ألم يكونوا بطرين أشرين قائلين: والله ما لنا من زوال، أو أن يقولوه بلسان الحال، أي: لا قول ثمة ولا قسم، ولكن دل بطرهم وأشرهم من بناء القصور والأمل البعيد على هذا المعنى. قوله: (يعني: كفرهم بالبعث)، يريد: أن قولهم: "ما لنا من زوال" مبني على إنكار البعث، وأن القوم دهرية، يعني: لم نزل على هذه الطريقة، لأن القائلين بالقدم يقولون: (مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ) [الجاثية: ٢٤]، خذلهم الله.

стр. 4359

ومنه قوله تعالى (وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) لأنّ "السكنى" من السكون الذي هو اللبث، والأصل تعدّيه بـ"في"، كقولك: قرّ في الدار وغني فيها وأقام فيها، ولكنه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه فقيل: سكن الدار كما قيل: تبوّأها وأوطنها. ويجوز أن يكون: "سكنوا" من السكون، أي: قرّوا فيها واطمأنوا طيبي النفوس، سائرين سيرة من قبلهم في الظلم والفساد، لا يحدّثونها بما لقي الأوّلون من أيام الله، وكيف كان عاقبة ظلمهم، فيعتبروا ويرتدعوا. (وَتَبَيَّنَ لَكُمْ) بالإخبار والمشاهدة (كَيْفَ) أهلكناهم وانتقمنا منهم. وقرئ: "ونبين لكم" بالنون. (وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ) أي: صفات ما فعلوا وما فعل بهم، وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يكون "سكنوا" من السكون)، عطف على قوله: "سكن الدار وسكن فيها" من حيث المعنى، يعني: (سَكَنتُم) في الآية: إما من السكون الذي هو بمعنى اللبث والتبوء، أو من السكون بمعنى القرار، فإن كان الأول فاستعماله بـ "في" بالنظر إلى أصل الاستعمال. لا بالنظر إلى النقل بحسب العرف، فإنهم يستعملونه بغير "في". وقوله: "لأن "السكنى" من السكون": تعليل لقوله: "ومنه قوله تعالى: (وَسَكَنتُمْ) "، أي: (وَسَكَنتُمْ) من هذا الاستعمال، لأن"سكن الدار"- بمعنى: السكنى والتبوء- يستعمل بالجار على الأصل، وبلا جار للنقل إلى العرف، فاستعمل ها هنا بالجار. قوله: (وكيف كان)، عطف على قوله: "ما لقي" على سبيل البيان؛ على تأويل جواب "كيف"، أي: لا يحدثونها بأحوال عاقبة ظلم الأولين من الهلاك والدمار.

стр. 4360

(وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ) أي: مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم (وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ) لا يخلو: إمّا أن يكون مضافاً إلى الفاعل كالأوّل، على معنى: ومكتوب عند الله مكرهم، فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه، أو يكون مضافاً إلى المفعول على معنى: (وعند الله مكرهم) الذي يمكرهم به، وهو عذابهم الذي يستحقونه يأتيهم به من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ) وإن عظم مكرهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلا لتفاقمه وشدته، أي: وإن كان مكرهم مسوى لإزالة الجبال. معداً لذلك. وقد جعلت "إن" نافيةً واللام مؤكدة لها، كقوله تعالى: (وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) [البقرة: ١٤٣]، والمعنى: ومحال أن تزول الجبال بمكرهم، على أنّ الجبال مثل لآيات الله وشرائعه، لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتاً وتمكناً. وتنصره قراءة ابن مسعود: "وما كان مكرهم". وقرئ: "لتزول" بلام الابتداء، على: (وإن كان مكرهم) من الشدّة بحيث تزول منه الجبال ونتقلع من أماكنها. وقرأ علي وعمر ﵄: "وإن كاد مكرهم". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مكرهم العظيم)، إنما عظمه للإضافة، وهذا إنما يصار إليه إذا علم شدة شكيمة من أضيف إليه، وتماديهم في الطغيان، كأنه قيل: فما ظنك بمكر مباشره مثل صناديد قريش. قوله: (وقرئ: "لتزول" بلام الابتداء)، قال الزجاج: "قرئ: "لتزول" على الرفع وفتح اللام الأولى، المعنى: وعند الله مكرهم، وإن كان يبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال، فإن

стр. 4361

(مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) يعني قوله: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا) [غافر: ٥١]، (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة: ٢١]. فإن قلت: هلا قيل: مخلف رسله وعده؟ ولم قدم المفعول الثاني على الأوّل؟ قلت: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً، كقوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) [آل عمران: ٩]، ثم قال: (رُسُلَهُ) ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، كيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته؟ وقرئ: "مخلف وعده رسله" بجرّ "الرسل" ونصب "الوعد". وهذه في الضعف كمن قرأ «قتل أولادهم شركائهم» [الأنعام: ١٣٧]. (عَزِيزٌ) غالب لا يماكر (ذُو انتِقامٍ) لأوليائه من أعدائه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الله ينصر دينه". وعلى هذا: "إن" مخففة من الثقيلة، وعلى الأول: شرطية. وقدر "مسوى" لتعلق به اللام، لأنه خبر لـ "كان"، وهو من الشرط الذي يعقب به الكلام مبالغة. قوله: (يعني: قوله: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا))، يعني: المراد بـ "الوعد" قوله هذا في غير هذا الموضع. وقلت: ويمكن أن يحمل "الوعد" على قوله: (وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ)، لأنه إيماء إلى النصرة، يدل عليه قوله: "فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه"، وقوله: "وهو عذابهم". قوله: (قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً)، قال في "الانتصاف": "وفيه نظر، لأن الفعل إذا تقيد بمفعول انقطع إطلاقه، فليس تقديم الوعد دالاً على إطلاق الفعل حتى يكون ذكر "الرسل" ثانياً كالأجنبي، فلا فرق بين تقديم الوعد وتأخيره، بل فيه الإيذان

стр. 4362

[(يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ* وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ* سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ* لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ)]. (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ) انتصابه على البدل من (يوم يأتيهم)، أو على الظرف للانتقام. والمعنى: يوم تبدّل هذه الأرض التي تعرفونها أرضاً أخرى غير هذه المعروفة، وكذلك السموات. والتبديل: التغيير، وقد يكون في الذوات كقولك: بدّلت الدراهم دنانير. ومنه (بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها) [النساء: ٥٦] و (وبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ) [سبأ: ١٦]، وفي الأوصاف، كقولك: بذلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً، فنقلتها من شكل إلى شكل. ومنه قوله تعالى (فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ) [الفرقان: ٧٠]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعناية المتكلم، وهذه الآية سيقت لتهديد الظالمين بما وعدهم الله على ألسنة الرسل، فالمهم ذكر الوعد، أما كونه على ألسنة الرسل فلا يقف التخويف عليه". وقال في "الإنصاف": "هذا السؤال قوي، وإنما الذي ذكره الزمخشري هو القاعدة عند علماء البيان، قال الجرجاني مثل ذلك في قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) [الأنعام: ١٠٠]: إنما قدم (شُرَكَاءَ) للإيذان بأنه لا ينبغي أن يتخذ الشركاء لله مطلقاً، ثم ذكر (الجِنَّ) تحقيراً لهم، أي: إذا لم يتخذ من غير الجن، فالجن أحق أن لا يتخذوا شركاء، وإن كان السؤال متوجهاً على هذا أيضاً". وقلت: صاحب "الإنصاف" ما أنصف من نفسه حيث قال: "هذا السؤال قوي" بعدما أقر السائل بأن لا فرق بين تقديم الوعد وتأخيره إلا الإيذان بعناية المتكلم، ألا تسمع سيبويه

стр. 4363

واختلف في تبديل الأرض والسموات، فقيل: تبدّل أوصافها فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوّى فلا يرى فيها عوج ولا أمت. وعن ابن عباس: هي تلك الأرض وإنما تغير، وأنشد: وَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الّذِينَ عَهِدْتَهُمْ … وَلَا الدَّارُ بِالدَّارِ الّتِى كُنْتَ تَعْلَمُ وتبدّل السماء بانتثار كواكبها، وكسوف شمسها، وخسوف قمرها، وانشقاقها، وكونها أبواباً. وقيل: يخلق بدلها أرض وسموات أخر. وعن ابن مسعود وأنس: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئةً. وعن علي ﵁: تبدّل أرضاً من فضة، وسماوات من ذهبٍ. وعن الضحاك: أرضاً من فضة بيضاء كالصحائف. وقرئ: "يوم نبدّل الأرض" بالنون. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كيف قال: فإنهم يقدمون الأهم وما هم ببيانه أعنى، فإذا قدم المفعول الثاني على الأول وقع الكلام فيه أصالة، ويكون المفعول الأول تبعاً له، لا أن الفعل يصير مطلقاً كما توهم، حققنا المعنى في سورة الأنعام في قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) [الأنعام: ١٠٠]، فإذن المعنى ما قال المصنف: ليس من شأن الله إخلاف المواعيد، كقوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران: ٩، والرعد: ٣١]، ثم قال: (رُسُلَهُ)، ولما كان السياق في تهديد الظالمين كان ذكر الرسل تتميماً لذلك التهديد ومبالغة فيه، وأن ذلك كائن لا محالة، لأنهم خيرته وصفوته، وهو على منوال قولها: كأنه علم في رأسه نار

стр. 4364

فإن قلت: كيف قال: (الْواحِدِ الْقَهَّارِ)؟ قلت: هو كقوله: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: ١٦]؛ لأنّ الملك إذا كان لواحدٍ غلابٍ لا يغالب ولا يعازّ، فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار، كان الأمر في غاية الصعوبة والشدّة. (مُقَرَّنِينَ) قرن بعضهم مع بعض، أو مع الشياطين، أو قرنت أيديهم ألى أرجلهم مغللين. وقوله: (فِي الْأَصْفادِ): إمّا أن يتعلق بـ (مقرّنين)، أي: يقرنون في الأصفاد. وإمّا أن لا يتعلق به، فيكون المعنى: مقرّنين مصفدين. والأصفاد: القيود: وقيل الأغلال، وأنشد لسلامة بن جندل: وَزَيْدُ الْخَيْلِ قَدْ لَاقَى صِفَاداً … بَعَضُّ بِسَاعِدٍ وَبِعَظْمِ سَاقِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وسقط أيضاً قول صاحب "الانتصاف": "أما كونه على ألسنة الرسل فلا يقف التخويف عليه". قوله: (كيف قال: (الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)؟ )، أي: كيف ضم هذا مع قوله: (وَبَرَزُوا لِلهِ)؟ وأجاب: أن انضمامه معه يفيد معنى الصعوبة والشدة كانضمام قوله: (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) مع قوله: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: ١٦]. قوله: (إما أن يتعلق بـ (مُقَرَّنِينَ))، أي: يكون (فِي الأَصْفَادِ) ظرفاً لغواً، وهو نشر لقوله: "قرن بعضهم مع بعض أو مع الشياطين"، أيك في الأغلال، وقوله: "وإما أن لا يتعلق به"، أي: يكون ظرفاً مستقراً حالاً من ضمير المجرمين، وهو نشر لقوله: "قرنت أيديهم إلى أرجلهم مغللين". قوله: (وزيد الخيل قد لاقى صفادا)، قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "هو زيد ابن مهلهل بن زيد الطائي، قدم على النبي ﷺ ، وسماه ﷺ زيد الخير، وقال له: ما وصف

стр. 4365

القطران: فيه ثلاثة لغات: قَطِران، وقِطْران، وقَطْران؛ بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء، وهو ما يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ، فتهنأ به الإبل الجربى، فيحرق الجرب بحرّه وحدّته، والجلد، وقد تبلغ حرارته الجوف، ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار، وقد يستسرج به، وهو أسود اللون منتن الريح، فتطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل وهي القمص، لتجتمع عليهم الأربع: لذع القطران. وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح. على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين، وكل ما وعده الله أو وعد به في الآخرة، فبينه وبين ما نشاهد من جنسه من لا يقادر قدره، وكأنه ما عندنا منه إلا الأسامى والمسميات ثمة، فبكرمه الواسع نعوذ من سخطه، ونسأله التوفيق فيما ينجينا من عذابه. وقرئ: "من قِطْرٍ آنٍ"، والقطر: النحاس أو الصفر المذاب. والآني: المتناهي حرّه. (وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ): كقوله تعالى: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ) [الزمر: ٢٤]، (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ) [القمر: ٤٨] لأن الوجه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه، كالقلب في باطنه، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لي [أحد] في الجاهلية فرأيته في الإسلام [إلا رأيته] دون صفته غيرك، ومات منصرفه من عند النبي ﷺ محموماً". قوله: (وقرئ: "من قطر آنٍ")، قال ابن جني: "وهي قراءة ابن عباس وأبي هريرة وجماعة من التابعين، والآني: من: أنى الشيء يأني أنياً وإنى- مقصور-، ومنه قوله تعالى: (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) [الأحزاب: ٥٣]، أي: بلوغه وإدراكه، قال أبو علي: ومنه: الإناء، لأنه الظرف الذي قد بلغ غايته المرادة فيه".

стр. 4366

ولذلك قال: (تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) [الهمزة: ٧]. وقرئ: (وتغشى وجوههم)، بمعنى تتغشى: أي: يفعل بالمجرمين ما يفعل (لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ) مجرمةٍ (ما كَسَبَتْ) أو كل نفسٍ من مجرمةٍ ومطيعة، لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم على أنه يثيب المطيعين لطاعتهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بمعنى: تتغشى)، أي: يجب حمل هذه القراءة على المضارع، فحذف إحدى التاءين ليوافق المشهورة. فإن قلت: (مُقَرَّنِينَ) و (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ) (وَتَغْشَى) ثلاثتها أحوال من ضمير (الْمُجْرِمِينَ)، فلم خولف بينها؟ قلت: ليؤذن بالترقي، فإن كونهم مقرنين في الأصفاد دون أن تكون سرابيلهم من قطران، فجيء بها جملة اسمية، وغشيان أكرم الأعضاء واستعلاء أقوى العناصر عليها فوق الكل، فجدد بالمضارع الدال على استحضار تلك الحالة الفظيعة في مشاهدة السامع. وإنما قلت: "فجدد" لأن إتيان "ترى" لذلك. قوله: (أي: يفعل بالمجرمين ما يفعل)، كناية عن قوله تعالى: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ) الآيتين، واللام تعليل للمذكور. قوله: (لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم)، علة لإجزاء كل نفس بما كسبت على العموم، يعني: أن (كُلَّ نَفْسٍ) لما عقبت ذكر (الْمُجْرِمِينَ)، خصصت بنفس مجرمة وكانت مقيدة بها، أو يترك على الإطلاق، وإن كان تعليلاً للكلام السابق. قال القاضي: "ويتعين ذلك إن علق اللام بـ "برزوا لله الواحد القهار"، للدلالة على أنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم، علم بالمفهوم أنه يثيب المطيعين لطاعتهم".

стр. 4367

[(هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ)]. (هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ) كفاية في التذكير والمواعظة، يعني بـ (هذا) ما وصفه من قوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ) [آل عمران: ١٦٩] إلى قوله (سَرِيعُ الْحِسابِ) [آل عمران: ١٩٩]. (وَلِيُنْذَرُوا) معطوفٌ على محذوف، أي: لينصحوا ولينذروا (بِهِ) بهذا البلاغ. وقرئ: "ولينذروا" بفتح الياء؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يعني بـ (هَذَا) ما وصفه من قوله: (فَلَا تَحْسَبَنَّ) إلى قوله: (سَرِيعُ الْحِسَابِ))، قال القاضي: " (هَذَا) إشارة إلى القرآن أو إلى السورة أو ما فيها من العظة والتذكير". وقلت: إلى السورة هو الظاهر؛ ليكون كالخاتمة لها، فإن الفاتحة- وهي قوله: (الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [إبراهيم: ١]- وهلم جرا إلى آخره دل على التذكير والعظة والإنذار، والله أعلم. قوله: (وقرئ: "ولينذروا" بفتح الياء) والذال، قال ابن جني: "قرأها يحيى بن عمر وأحمد بن يزيد السلمي، يقال: نذرت بالشيء: إذا علمت به فاستعددت له، فهو في معنى: فهمته وعلمته، وطبنت له: في وزن ذلك، ولم تستعمل العرب لقولهم: "نذرت بالشيء"

стр. 4368

من: نذر به: إذا علمه واستعدّ له، (وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ) لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به، دعتهم المخافة إلى النظر حتى يتوصلوا إلى التوحيد، لأنّ الخشية أمّ الخير كله. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة إبراهيم أُعطى من الأجر عشر حسنات بعدد كل من عبد الأصنام وعدد من لم يعبد». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مصدراً، كأنه من الفروع المهجورة الأصول، ومنه: "عسى" لا مصدر لها، وكذلك "ليس"، كأنهم استغنوا عنه بـ "أن" والفعل، نحو: سرني أن نذرت بالشيء، ويسرني أن تنذر به". قوله: (لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به، دعتهم المخافة إلى النظر حتى يتوصلوا إلى التوحيد)، قال القاضي: "اعلم أنه تعالى ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد، هي الغاية الحكمة في إنزال الكتب: تكميل الرسل للناس، واستكمالهم النظر إلى منتهى كماله، وهو التوحيد، واستصلاحهم العمل الصالح، وهو التدرع بلباس التقوى. جعلنا الله من الفائزين بهما. والله أعلم تمت السورة

стр. 4369

سورة الحجر مكية، وهي تسعُ وتسعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ)] (تِلْكَ) إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات. والكتاب، والقرآن المبين: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الحجر مكية، وهي تسع وتسعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: ((تِلْكَ) إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات)، وهو على منوال: هذا أخوك. قال المصنف: لا يكون "هذا" إشارة إلى غير الأخ. قال ابن الحاجب: المشار إليه لا يُشترط أن يكون موجوداً حاضراً، بل يكفي أن يكون موجوداً ذهناً. قال أبو البقاء: (تِلْكَ): يجوز أن يكون مبتدأ، و (آيَاتُ الْكِتَابِ) ": خبره، وأن يكون خبر (الر)، و (آيَاتُ الْكِتَابِ) بدل أو عطف بيان، واختار المصنف الأول لقوله: "والمعنى: تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتابا"، فقوله: "الكامل في كونه كتاباً"

стр. 4370

السورة. وتنكير القرآن؛ للتفخيم. والمعنى: تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتاباً، وأي قرآن مبين، كأنه قيل: الكتاب الجامع للكمال والغرابة في البيان. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مستفاد من التعريف الجنسين وإيقاع (آيَاتُ الْكِتَابِ) خبراً من اسم الإشارة كما سبق في "البقرة". وقوله: "وآي قرآن" مستفاد من التنكير التفخيمي في "قرآن". وقوله: "الجامع للكمال" من توسيط العاطف بين الوصفين. قوله: (وآي قرآن مبين) بالجر عطفاً على "كتاب كامل". قوله: (والغرابة في البيان) من إيقاع (مُبِينٍ) وصفاً للقرآن بعد تعداد حروف التهجي، وأن المبين من: أبان، بمعنى بان، للمبالغة. قال محيي السنة: فإن قيل: لم ذكر الكتاب ثم قال: (قُرْآنٍ مُبِينٍ)، وكلاهما واحد؟ قيل: ليفيد أن المراد بالكتاب: ما يُكتب، وبالقرآن: ما يُجمع بعضه إلى بعض، ذهب إلى معنى العطف من الوصفين. فإن قلت: رجع المآل إلى أن (الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ)، وصفان لموصوف واحد أقيما مقامه، فما ذلك الموصوف؟ وكيف تقديره؟ فإن قدرته معرفة دفعه (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ)، وإن ذهبت إلى أنه نكرة، أباه لفظ الكتاب؟ قلت: أقدره معرفة، (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ): في تأويل المعرفة، لأن معناه: البالغ في الغرابة إلى حد الإعجاز، فهو إذا محدود بل محصور، كأنه قيل: تلك آيات الكتاب الكامل المعجز، وإليه أشار بقوله: "الكتاب الجامع بين الكمال الغرابة في البيان"، فقوله: "الكتاب" هُو

стр. 4371

[(رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ* ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)]. قرئ: ربما، وربتما بالتشديد، (وربتما)، (وربما): بالضم والفتح مع التخفيف. فإن قلت: لم دخلت على المضارع وقد أبوا دخولها إلا على الماضي؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الموصوف المضمر، وأحد الوصفين ما دل عليه قوله: "للكمال"، لأنه معنى الكتاب المذكور في التنزيل، ومعنى "الكمال" فيه مستفاد من التعريف الجنسي، كما سبق، والآخر قوله: "الغرابة في البيان"، وهو المعنى من قوله: (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) على ما أسلفناه. فإن قلت: جعلت (الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) وصفين لموصوف، والمصنف جعلهما في قوله: "والكتاب والقرآن المبين: السورة نفس السورة؟ " قلت: لما قلت: أقيما مقام الموصوف، صح ذلك، ولا منافاة. قوله: (قرئ: "رُبما")، نافع وعاصم: بتخفيف الباء، والباقون بالتشديد، والبواقي شواذ. قوله: (وقد أبوا دخولها إلا على الماضي). قال ابن الحاجب: لأنها لتقليل ما ثبت وتحقيقه. وقيل: هي لتقليل المحقق، وهو بالماضي أجدر، نص عليه المبرد. قيل: إن (يَوَدُّ)، بمعنى: ود؛ لأنه خبر من الله مقطوع به، فجرى مجرى الماضي المحقق، و (ما) في (رُبَمَا): اسم نكرة، و (يَوَدُّ) نعته، وإنما حذف فعل (رُب) لأن الصفة قد أغنت عنه، وسدت مسده. ذكره اليمني.

стр. 4372

قلت: لأن المترقب في إخبار الله بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه، فكأنه قيل: ربما ودّ. فإن قلت: متى تكون ودادتهم؟ قلت: عند الموت، أو يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين. وقيل: إذا رأوا المسلمين يخرجون من النار، وهذا أيضاً باب من الودادة. فإن قلت: فما معنى التقليل؟ قلت: هو وارد على مذهب العرب في قولهم: لعلك ستندم على فعلك، وربما ندم الإنسان على ما فعل، ولا يشكون في ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: إذا رأوا المسلمين يخرجون من النار، وهذا أيضاً باب من الودادة). يعني: تأول هذه الآية بهذا المعنى من الودادة الباطلة، وتفسيرٌ لها بما يُهوى ويُحب، قال الإمام: هذا قول أكثر المفسرين، كابن عباس، ومجاهد. والعجب من هذا الرجل كيف يجترئ على هذا الكلام؟ وقلتُ: بل فسرها من هبط إليه التنزيل على ما روينا عن الترمذي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، في تفسير هذه الآية، قال: "إذا أُخرج أهلُ التوحيد من النار وأدخلوا الجنة، ود الذين كفروا لو كانوا مسلمين"، وعليه معنى التمني؛ وإنما يحسن موقعه إذا رأى الكافرون حسن عاقبة المسلمين، وشاهدوا سوء مغبة الكافرين، وأيقنوا اليأس التام، والإقناط الكلي، كما يقول الكافر: (يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) [النبأ: ٤٠] قال المصنف: "يُحشر الحيوان غير المكلف، حتى يُقتص للجماء من القرناء ثم تُرد تراباً، فيود الكافر حاله". وقال الراغب: ومن المودة التي تقتضي معنى التمني قوله تعالى: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا).

стр. 4373

تندمه، ولا يقصدون تقليله، ولكنهم أرادوا: لو كان الندم مشكوكا فيه أو كان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لو كان الندم مشكوكاً فيه) يُشير لقوله: "لعلك ستندم"، وقوله: "ربما ندم الإنسان على ما فعل" أي: هذا الذي فعلت، ربما ندم الإنسان عليه. وخلاصة الجواب أن يقال: لا شك أنهم يكثرون الودادة، ولكن استعمل رُب لتقليلها على الاستعارة، أي: تقل ودادتهم للإسلام حينئذ على إرادة أنهم يبالغون في الودادة، ويكثرون منها لاقتضاء مقام التوبيخ لهم، ثم تفيد هذه الاستعارة على طريقة الكناية الإيمائية- وهي أخذ الزبدة والخلاصة من المجموع- معنى توخي انتهاز فرصة الإسلام، أي: اغتنموا فرصة الإسلام، وسارعوا في تحصيله، فإنكم لو كنتم تودونه مرة واحدة فبالحري أن تُسارعوا فيها، فكيف والحال ما ذكرناها؟ الانتصاف: العرب تُعبر عن المعنى بضده، ومنه: قد أترك القرن مصفراً أنامله وإنما يُمتدح بالإكثار من ذلك، وعبر عنه بـ "قد" المفيدة للتقليل، ومنه (وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) [الصف: ٥]، فإن القصد توبيخهم على الأذى، مع توفر علمهم برسالته ونصحه. قلتُ: ومنه قوله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) [البقرة: ١٤٤] أي: مِن حق اهتمامك بشان القبلة مع كثرة تقلب وجهك في السماء أن يكون أكثر مما وُجد منك وشوهد من حالك، لأن أصل أمرك أن تستقبل قبلة آبائك، ولكونه أدعى للعرب إلى الإيمان، ولوجوب مخالفة اليهود.

стр. 4374

قليلا لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل؛ لأنّ العقلاء يتحرّزون من التعرّض للغم المظنون، كما يتحرّزون من المتيقن ومن القليل منه، كما من الكثير، وكذلك المعنى في الآية: لو كانوا يودّون الإسلام مرة واحدة، فبالحري أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودّونه في كل ساعة (لوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) حكاية ودادتهم، وإنما جيء بها على لفظ الغيبة؛ لأنهم مخبر عنهم، كقولك: حلف بالله ليفعلنّ. ولو قيل: حلف بالله لأفعلنّ، ولو كنا مسلمين؛ لكان حسناً سديداً، وقيل: تدهشهم أهوال ذلك اليوم فيبقون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فبالحرى أن يسارعوا): قيل: "أن يسارعوا": مبتدأ، و"بالحري": خبره، وهو مصدر، والباء غير زائدة، أي: المسارعة ثابتة بالحري، وإذا جُعل صفة مشبهة، فالباء زائدة، وبالحري: مبتدأ، و"أن يُسارعوا": الخبر، كقولك: بحسبك زيدٌ، وقلت: جواب لو محذوف، والفاء في فبالحري جواب لشرط محذوف، يعني: لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة لكان الواجب المسارعة إليه، وإذا كان كذلك فبالحري أن يسارعوا غليه، فكيف وهم يودونه في كل ساعة؟ ويجوز أن يكون جواباً لـ "لو"، لمعنى الشرطية فيها، وجاء في "البقرة" في قصة المنافقين أن قولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق، وعقيدتهم عقيدتهم فهو كفر. قوله: (وإنما جيء بها على لفظ الغيبة لأنهم مخبر عنهم)، قال صاحب "الفرائد": لابُد لقوله (يَوَدُّ) من مفعول، فـ"لَو" مع ما بعده نُزل منزلته، كأنه قيل: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) ما يلازم لو كانوا مسلمين، [وهو الخلاص من النار ودخول الجنة، ولو قيل: لو كنا مسلمين لكان التقدير: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) الإسلام قائلين: لو كنا مسلمين] لما ابتلينا بالنار ولدخلنا الجنة، فظهر من هذا أن الغيبة أولى بالذكر، لأنها أقل احوجاجاً إلى التقدير. وقلت: ولهذا قدمه المصنفُ على الثاني، وقال: "ولو قيل: لكان كذا، لكان سديداً". قوله: (وقيل: تدهشهم) جواب آخر للسؤال معطوف على قوله: "هو وارد"، ورُب حينئذ: للتقليل حقيقة.

стр. 4375

مبهوتين، فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات من سكوتهم تمنوا، فلذلك قلل (ذَرْهُمْ) يعنى اقطع طمعك من ارعوائهم، ودعهم عن النهى عما هم عليه والصدّ عنه بالتذكرة والنصيحة، وخلهم (يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا بدنياهم) وتنفيذ شهواتهم، ويشغلهم أملهم وتوقعهم لطول الأعمار واستقامة الأحوال، وأن لا يلقوا في العاقبة إلا خيراً (فَسَوْفَ يَعْلَمُون) سوء صنيعهم. والغرض الإيذان بأنهم من أهل الخذلان، وأنهم لا يجيء منهم إلا ما هم فيه، وأنه لا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ، ولا سبيل إلى اتعاظهم قبل ذلك، فأمر رسوله بأن يخليهم وشأنهم ولا يشتغل بما لا طائل تحته، وأن يبالغ في تخليتهم حتى يأمرهم بما لا يزيدهم إلا ندماً في العاقبة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من ارعوائهم)، النهاية: لا يرعوي: أي لا ينكف ولا ينزجر عن القبيح. قوله: (وأن لا يلقوا) عطف على سبيل البيان على قوله: "لطول الأعمار واستقامة الأحوال"، أي: خلهم يشغلهم توقعهم أن لا يلقوا في العاقبة إلا خيراً. قوله: (حين لا ينفعهم): ظرف لقوله: "معاينة". قوله: (فأمر رسول الله ﷺ مسبب عن قوله: "والغرض" أي: الغرض من إيراد قوله: (ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الأَمَلُ) الإعلام بأنهم من أهل الخذلان على سبيل الكناية، لا حقيقة الأمر، فأمر رسوله ﷺ بأن يخليهم لذلك الغرض، كما أن الأمر في قوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: ٢٩] لطلب الكفر ظاهراً، والغرض منه التهديد والوعيد. قوله: (وأن يبالغ في تخليتهم حتى يأمرهم بما لا يزيدهم إلا ندماً)، فإن قلت: ليس

стр. 4376

وفيه إلزام للحجة ومبالغة في الإنذار وإعذار فيه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في الآية أمرٌ، فكيف قال: حتى يأمرهم؟ قلت: قوله: (ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا) كلمة موادعة ومُتاركة، ولا يُذهب إليه إلا بعد الإياس التام والإقناط الكلي، كأنه قيل: "كلوا وتمتعوا" كما في قوله تعالى: (قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ) [إبراهيم: ٣٠]، وقوله تعالى: (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ) [المرسلات: ٤٦]. وموقع قوله: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) إلى قوله: (وَمَا يَسْتَاخِرُونَ) موقع الاعتراض بين قوله: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) وبين قوله: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) كقوله تعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ) [يونس: ١ - ٢]، فإنه تعالى لما بالغ في وصف الكتاب على ما سبق حتى بلغ القضيا في كماله، وبالغوا في التكذيب حتى قابلوه بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) سُلي صلوات الله عليه بقوله: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) أي: هون على نفسك فإنك بالغت في الإرشاد والإنذار، وهم أيضاً أفرطوا في التكذيب، فهم قوم جهلة قليلو الدراية، لو كانوا يودون الإسلام مرة فبالحري أن يُسارعوا إليه، فكيف وهم يودونه كل ساعة؟ وإذا كان كذلك فاقطع طمعك في ارعوائهمن ودعهم عن النهي عما هم عليهن والصد عنه بالتذكرة، بل مرهم بالأكل الأنعام والتمتع فيها أياماً قلائل، فسوف يعلمون سوء صنيعهم. والله أعلم. قوله: (وفيه إلزام) أي: في قوله: (ذَرْهُمْ)، وقلت: في الأمر بالتمتع والاشتغال بالتلذذ: إدماج لهذا المعنى، لأن هذا القول لا يصدر عن الرسول إلا بعد الإنذار البالغ حده، واليأس من الإيمان، أي: أبلغت في الإنذار وألزمت الحجة عليهم، فلله الحجة البالغة. قوله: (وإعذار فيه)، الجوهري: أعذر، أي: بالغ في الإنذار، وقيل: يجوز أن تكون الهمزة للسلب.

стр. 4377

وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدّى إليه طول الأمل- وهذه هجيرى أكثر الناس- ليس من أخلاق المؤمنين، وعن بعضهم: التمرغ في الدنيا من أخلاق الهالكين. [(وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ* ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَاخِرُونَ)]. (وَلَها كِتابٌ) جملة واقعة صفة ل (قريةٍ)، والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفيه تنبيه) أي: في تخصيص الأكل والتمتع بالمشتهيات والتلهي بالأمل إدماج أيضاً بأن هذه الأشياء ليست من أخلاق المؤمنين، فقوله: "وهذه هجيري أكثر الناس" جملة معترضة، قال بعض المشايخ: التزين بالدنيا من أخلاق المنافقين، والتمتع بها من أخلاق الكافرين، والتمرغ فيها من أخلاق الهالكين. قوله: (وهذه هجيري أكثر الناس). الراغب: الهجرُ: الكلام المهجور لقبحه، وأهجر فلان: إذا أتى بهجر من الكلام عن قصد، يقال: رماه بهاجرات فمه، أي بفضائح كلامه، وقولهم: فلان هجيراه كذا، إذا أولع بذكره، وهذى به هذيان المريض المهجر، ولا يكاد يستعمل الهجيري إلا في العادة الذميمة. قوله: (التمرغ في الدنيا)، الجوهري: مرغته في التراب فتمرغ، أي: معكته، وفي تخصيص التمرغ إشارة إلى دأب الحيوان. قوله: (أن لا يتوسط الواو) يعني: القياس أن لا يتوسط بين الصفة والموصوف العاطف

стр. 4378

كما في قوله تعالى (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ) وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني وعليه ثوب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لشدة اتصالها به، كما في قوله تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ) [الشعراء: ٢٠٨]، لكن لما افترق الحكم بينهما اختصت هذه بها، فإن لصوق الصفة فيما نحن فيه أشد من لصوقها في قوله: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ)، فإن إهلاك قرية من القرى لكون أجلها مقدراً لا ينفك عن قضائه وقدره، بخلاف إهلاكها عن إنذار منذر، فإنه قد ينفك عنه، قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً) [الإسراء: ٥٨]. قوله: (كما يقالُ في الحال)، يعني: هذه الواو الداخلة بين الصفة والموصوف كالواو الداخلة بين الحال وصاحبها، فكما أن معنى الحالية لا يتغير إذا قلت: جاءني زيدٌ عليه ثوب، وجاءني زيدٌ وعليه ثوب، كذلك هاهنا. وأيضاً، كما أن الواو هناك لمجرد الربط، فكذلك هاهنا، وذلك أن الأصل في الجملة إذا وقعت موقع الحال أن لا تدخلها الواو لفوات المغايرة؛ لأن حم الحال مع صاحبها حكم اخبر مع المخبر عنه، والخبر ليس موضعاً لدخول الواو، وإنما تدخل لمجرد الربط، لاسيما إذا كانت جملة اسمية فإنها أشد افتقاراً إلى الربط، فحكم الصفة كذلك، ويؤيده قول أبي البقاء: وساغ دخول الواو لما كانت صورة الجملة هاهنا كصورتها إذا كانت حالاً. وقال صاحب "التقريب": في قول المصنف نظر؛ لأن توسيط العاطف بين الصفات معهود لا بين الصفة والموصوف، والحال ليس وزانها وزان الصفة، إذ حقها الواو، وقد تُحذفن وإنما لم يجعله حالاً لتنكير ذي الحال، وهو (قرية)، وجاز أن يُقال: عمومها يصحح كونها ذا الحال، كما في المبتد، نحو: ما أحد خير منك، وهو تبع صاحب "المفتاح"، حيث

стр. 4379

(كتابٌ مَعْلُومٌ مكتوب معلومً)، وهو أجلها الذي كتب في اللوح وبين، ألا ترى إلى قوله (ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها في موضع كتابها)، وأنث الأمّة أوّلا ثم ذكرها آخرا، حملا على اللفظ والمعنى: وقال (وَما يَسْتَاخِرُونَ) بحذف «عنه» لأنه معلوم. [(وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)]. قرأ الأعمش: يا أيها الذي ألقى عليه الذكر، وكأن هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء، كما قال فرعون (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) وكيف يقرّون بنزول الذكر عليه وينسبونه إلى الجنون. والتعكيس في كلامهم للاستهزاء والتهكم مذهب واسع. وقد جاء في كتاب الله في مواضع، منها (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: ٢١]، (إَنكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيد) [هود: ٨٧] وقد يوجد كثيراً في كلام العجم، والمعنى: إنك لتقول قول المجانين حين تدعى أنّ الله نزل عليك الذكر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال: فالوجه عندي هو أن (وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ): حال (لقرية) لكونها في حُكم الموصوفة، أي: قرية من القرى، لا وصف، وحمله على الوصف سهوٌ لا خطأ، ولا عيب في السهو. وقد أطال المالكي في "شرح التسهيل" في الرد قياساً ونقلاً، وجعل مصحح وقوع النكرة ذا الحال كونها منفية، وقال: والمنفي صالح لأن يُجعل صاحب حالٍ بما هو صالح لان يُجعل مبتدأ، ومن أمثلة أبي علي في "التذكرة": ما مررت بأحد إلا قائماً إلا أخاك، فجعل الحال من أحد، لاعتماده على النفي. وسنذكر الجواب إن شاء الله في سورة "الكهف". قوله: (وأنت الأمة أولاً) يعني: في قوله: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ) ثم ذكرها آخراً، أي: في قوله: (وَمَا يَسْتَأخِرُونَ).

стр. 4380

[(لَوْ ما تَأتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)]. «لو» ركبت مع «لا» و «ما» لمعنيين: معنى امتناع الشيء لوجود غيره، ومعنى التحضيض، وأما «هل» فلم تركب إلا مع «لا» وحدها للتحضيض: قال ابن مقبل: لَوْ مَا الْحَيَاءُ وَلَوْ مَا الدّينُ عِبْتُكُمَا … بِبَعْضِ مَا فِيكُمَا إذْ عِبْتُمَا عَوَرِى والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك ويعضدونك على إنذارك، كقوله تعالى (لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً) [الفرقان: ٧]، أو: هلا تأتينا بالملائكة للعقاب على تكذيبنا لك إن كنت صادقا كما كانت تأتي الأمم المكذبة برسلها؟ . [(ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (٨)]. قرئ: (تنزل) بمعنى تتنزل وتنزل على البناء للمفعول من نزل، و: (ننزل الملائكة): بالنون ونصب الملائكة (إِلَّا بِالْحَقِّ): إلا تنزلا ملتبساً بالحكمة والمصلحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عياناً تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي ﷺ ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لمعنيين) أي: على سبيل البدل، إما الامتناع أو التحضيض، فإن قوله: "لولا عليٌّ لهلك عمر" ليس فيه سوى الامتناع، كما أن قوله: (لَوْ مَا تَاتِينَا)، ليس فيه سوى التحضيض. قوله: (لو ما الحياء) البيت، عوري أي: خللي ونقصي، ويروي: عودي أي: أصلي، والبيت يستشهد به لـ "لوما" التي لامتناع الشيء لوجود غيره. قوله: (قرئ: "تنزل") كلهم إلا عاصماً وحمزة والكسائي، و"تنزل": أبو بكر، و"تنزل": حفص وحمزة والكسائي.
следующие страницы →