Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
فإن قلت: فما معنى قوله (لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ)؟ قلت الذي قال لهم الضعفاء كان توبيخاً لهم وعتابا على استتباعهم واستغوائهم. وقولهم (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا) من باب التبكيت، لأنهم قد علموا أنهم لا يقدرون على الإغناء عنهم، فأجابوهم معتذرين عما كان منهم إليهم: بأن الله لو هداهم إلى الإيمان لهدوهم ولم يضلوهم، إما موركين الذنب في ضلالهم وإضلالهم على الله، كما حكى الله عنهم وقالوا: (لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا) [الأنعام: ١٤٨]، (لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) [النحل: ٣٥] يقولون ذلك في الآخرة كما كانوا يقولونه في الدنيا. ويدل عليه قوله حكاية عن المنافقين (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ) [المجادلة: ١٨]. وإما أن يكون المعنى: لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان. وقيل: معناه لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم، أى: لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة كما سلكنا بكم طريق الهلكة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على أن لا يكون المبدل مطرحاً، والبدل لما كان كالبيان للمبدل قال: "هو بعض عذاب الله" فيرجع حاصل المعنى إلى قوله: "مغنون عنا بعضَ بعضِ عذاب الله".
قوله: (الذي قال لهم الضعفاء كان توبيخاً لهم)، أي: قولهم: (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً) توبيخ، لأنهم أخبروهم بما لم يخف عليهم، فأفاد الإخبار في ذلك المقام التقريع والتوبيخ، فهو من لازم فائدة الخبر على المجاز.
قوله: (إما موركين الذنب)، الجوهري: "وورك فلان ذنبه على غيره؛ أي: قرفه [به] "، ولفظة "إما" تستدعي قرينتها؛ لأنها تفصيلية، وقرينتها ما يدل عليه قوله: "ويجوز أن يكون المعنى"، فالتقدير: لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم، قالوه إما موركين الذنب، وإما معلقين فقدان هدايتهم على فقدان اللطف.
стр. 4307
(سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا) مستويان علينا الجزع والصبر. والهمزة و"أم" للتسوية. ونحوه: (فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ) [الطور: ١٦]. وروي أنهم يقولون: تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون كذلك ثم يقولون: (سواء علينا).
فإن قلت: كيف اتصل قوله (سواء علينا) بما قبله؟ قلت: اتصاله به من حيث أنّ عتابهم لهم كان جزعا مما هم فيه، فقالوا: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا)، يريدون أنفسهم وإياهم، لاجتماعهم في عقاب الضلالة التي كانوا مجتمعين فيها، يقولون: ما هذا الجزع والتوبيخ، ولا فائدة في الجزع كما لا فائدة في الصبر والأمر من ذلك أطمّ ......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مستويان علينا الجزع والصبر)، الراغب: "الجزع أبلغ من الحزن، فإن الجزع حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده ويقطعه، وأصله: قطع الحبل من نصفه، يقال: جزعته فانجزع، ولتصور الانقطاع قيل: جزع الوادي؛ لمنعطفه، ولانقطاع اللون بتغيره قيل للخرز الملون: جزع".
قوله: (كيف اتصل قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا) بما قبله؟ )، يعني: كان من الظاهر أن يقولوا: سواء عليكم أجزعتم أم صبرتم، لأنه جواب عن قولهم: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ)، وهو إظهار الجزع مما كانوا فيه؟ وأجاب: أنهم إنما شركوا أنفسهم معهم لاجتماعهم في عقاب الضلالة.
وقلت: وفيه أنا كيف نغني عنكم ذلك ونحن معكم فيه سواء، ولو قيل على ما يقتضيه الظاهر لم يفده، وهو من باب الإيجاز.
قوله: (أطم)، النهاية: "طم الشيء: إذا عظم، وطم الماء: إذا كثر، وهو طام، ومنه
стр. 4308
أو: لما قالوا (لو هدانا الله) طريق النجاة لأغنينا عنكم وأنجيناكم، أتبعوه الإقناط من النجاة فقالوا (ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ) أي: منجى ومهرب، جزعنا أم صبرنا.
ويجوز أن يكون من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً، كأنه قيل: قالوا جميعاً (سواء علينا)، كقوله: (ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب) [يوسف: ٥٢]. و"المحيص" يكون مصدراً كالمغيب والمشيب. ومكاناً كالمبيت والمصيف. ويقال: حاص عنه وجاض، بمعنى واحد.
[(وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حديث أبي بكر ﵁: "ما من طامة إلا وفوقها طامة"، أي: ما من عظيم إلا وفوقه ما هو أعظم منه".
قوله: (كقوله: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ))، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ إذ الاحتمالان هناك على البدل، وها هنا على الجمع، إلا أن يريد بالتشبيه أنه من كلام الفريقين مع وروده ظاهراً عقيب قول المستكبرين، كما أن قوله: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) [يوسف: ٥٢] ورد عقيب قول المرأة، مع أنه قيل: إنه من كلام يوسف ﵇.
وقلت: وجه التشبيه هو أن هذا الكلام يحتمل أن يكون مقولاً للمستكبرين وحدهم، وأن يكون مقولاً للضعفاء والمستكبرين جميعاً، كما أن ذلك الكلام يحتمل أن يكون مقولاً
стр. 4309
﴿لما قضي الأمر﴾ لما قطع الأمر وفرغ منه، وهو الحساب، وتصادُر الفريقين ودخول أحدهما الجنة ودخول الآخر النار. وروي: أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيبا في الأشقياء من الجن والإنس فيقول ذلك: ﴿إن الله وعدكم وعد الحق﴾ وهو البعث والجزاء على الأعمال، فوفى لكم بما وعدكم، ﴿ووعدتكم﴾ خلاف ذلك، ﴿فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان﴾ من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي وألجئكم إليها، ﴿إلا أن دعوتكم﴾ إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني، وليس الدعاء من جنس السلطان، ولكنه كقلك: ما تحيتهم إلا الضرب.
﴿فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾ حيث اغتررتم بي وأطعتموني إذ دعوتكم، ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم، وهذا دليل على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلها لنفسه، وليس من الله إلا التمكين، ولا من الشيطان إلا التزيين.
ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم، فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه.
فإن قلت: قول الشيطان باطل لا يصح التعلق به؟ قلت: لو كان هذا القول منه …
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليوسف ﵇، وأن يكون مقولاً لها، وهذا القدر كاف في صحة التشبيه.
قوله: (ما تحيتهم إلا الضرب)، جعل "التحية" نوعين: متعارف؛ وهي ما يقال عند الملتقى، وغير متعارف؛ وهي الضرب على التهكمية والادعاء، فأخرج بالاستثناء أحد النوعين.
قوله: (ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم، فإن الله قضى عليكم الكفر)، وقلت: غاية هذا الاستدلال أن الشيطان أضاف اللوم إلى أنفسهم، ونحن نقول بموجبه، لأن العتاب والعقاب متوجهان إلى المكلف بسبب كسبه ومباشرته، لأنه في الظاهر كالمختار، ولأن قول الشيطان معطوف على قول الضعفاء، وكلتا القضيتين حكاية لقول الفريقين، ومخاصمة جرت بين الحزبين، وهما تفصيلان لما أجمل في قوله: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً)، وذكر في الآية الأولى احتجاج المستكبرين على المستضعفين، وهو قولهم: (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ
стр. 4310
باطلاً لبين الله بطلانه وأظهر إنكاره، على أنه لا طائل له في النطق بالباطل في ذلك المقام: ألا ترى إلى قوله (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) كيف أتى فيه بالحق والصدق، وفي قوله (وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ) وهو مثل قول الله تعالى: (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ) [الحجر: ٤٢]، (ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) لا ينجي بعضنا بعضاً من عذاب الله ولا يغيثه. والإصراخ: الإغاثة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لَهَدَيْنَاكُمْ)، فكما دل قول الشيطان على ظاهر مذهبكم، دل قول المستكبرين على خلافه.
ولعمري إنه تفسير بالرأي، وذلك أنه حين سمع أن قول المستكبرين مخالف لمذهبه قال: "إما موركين الذنب وإما معتذرين بعدم اللطف"، وحين رأي الشيطان يقول بما يوافق مذهبه شنع على أهل السنة.
ثم إني بعد برهة من الزمان وقفت على كلام من جانب صاحب "الانتصاف"، وهو قوله: "حمل كلام الكفار في الأول على الإبطال؛ إذ لا يوافق مذهبه، واستشهد على أن الذنب غير ممتنع بقوله: (فَيَحْلِفُونَ لَهُ)، ولما وافق قول الشيطان معتقده صوبه اتباعاً لهواه، ونحن نعتقد أن الملامة إنما تتوجه على المكلف، وتعالى الله عن توجه تلك إليه، ولله الحجة البالغة، لأن الله تعالى خلق للعبد اختياراً يجده من نفسه في الأفعال الإرادية ضرورة، وبذلك قامت الحجة عليه، وإن سلبنا تأثير قدرة الخلق، لأن الله تعالى قدرته سارية في الفعل، فلا تناقض لأن توجه اللوم إلى المكلفين"، فعلمت توارد الخواطر.
стр. 4311
وقرئ: "بمصرخي" بكسر الياء، وهي ضعيفة، واستشهدوا لها ببيت مجهول:
قَالَ لَهَا هَلْ لَكِ يَا تَافِىِّ … قَالَتْ لَهُ مَا أنْتَ بِالمَرْضِى
وكأنه قدّر ياء الإضافة ساكنة وقبلها ياء ساكنة، فحرّكها بالكسر لما عليه أصل التقاء الساكنين، ولكنه غير صحيح، لأنَّ ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة، حيث قبلها ألف في نحو "عصاي"، فما بالها وقبلها ياء؟
فإن قلت: جرت الياء الأولى مجرى الحرف الصحيح لأجل الإدغام، فكأنها ياء وقعت ساكنة بعد حرف صحيح ساكن، فحرّكت بالكسر على الأصل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قال لها: هل لك يا تا في)، "تا": إشارة إلى المرأة، أي: هل لك رغبة في يا هذه.
نقل الإمام عن الواحدي "أنها قراءة الأعمش ويحيى بن وثاب، قال الفراء: ولعل أنهم توهموا أن الباء في "بمصرخي" خافضة لجملة هذه الكلمة، كما توهموا في قوله: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ) [النساء: ١١٥] بجزم الهاء، وظنوا أن الجزم في الهاء، وليس كذلك، لأن ياء المتكلم والهاء خارجتان من نفس الكلمة".
стр. 4312
قلت: هذا قياس حسن، ولكن الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر تتضاءل إليه القياسات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولكن الاستعمال المستفيض)، أي: فتح الياء، فالياء الأولى: ياء الجمع، والثانية: ضمير المتكلم، وفتحت لئلا تجتمع الكسرتان والياءان.
قال الزجاج: "قرأ حمزة والأعمش: "بمصرخي" بكسر الياء، وهي عند جميع النحويين مرذولة، وأجازها الفراء، لأن أصل التقاء الساكنين الكسر، وأنشد:
قال لها: هل لك يا تا في".
قال الزجاج: "هذا الشعر مما لا يلتفت إليه، وقائله ممن لا يعرف، فلا يحتج به في كتاب الله".
стр. 4313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ونقل أبو علي في "الحجة" عن الفراء: "زعم القاسم بن معن أنه صواب، وكان ثقة بصيراً، وزعم قطرب أنه لغة بني يربوع؛ يزيدون على ياء الإضافة ياء"، وأنشد البيت، ووجهه في القياس: "أن الياء لا تخلو من أن تكون في موضع نصب أو جر، فالياء في النصب والجر كالهاء فيهما، وكالكاف في "أكرمتك"، فكما أن الهاء قد لحقها الزيادة في "هذا لهو"، والكاف في "أعطيتكاه" و"أعطيتكيه"، فيما حكاه سيبويه، وهما أختا الياء، فكذلك ألحقوا الياء [الزيادة من المد، فقالوا: فيي، ثم حذفت الياء] الزائدة، كما حذفت الزيادة من الهاء في قول من قال:
له أرقان
стр. 4314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- والأرقان: لغة في اليرقان-، وزعم أبو الحسن: أنها لغة، وحذفت الزيادة من الكاف في قول من قال: "أعطيتكه" و"أعطيتكه"، وكذلك حذفوا الياء اللاحقة للياء، وأقرت الكسرة التي كانت على الياء المحذوفة، فبقيت الياء على ما كانت عليه من الكسرة، وكما لحقت الكاف والهاء والتاء الزيادة، فكذلك لحق الياء الزيادة بإلحاق الياء، نحو ما أنشد من قول الشاعر:
رميتيه فأصميت … وما أخطأت الرميه
стр. 4315
«ما» في (بِما) مصدرية، و (مِن قَبلُ) متعلقة بـ (أَشْرَكْتُمُونِ)، يعني: كفرت اليوم بإشراككم إياي: من قبل هذا اليوم، أي: في الدنيا، كقوله تعالى (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) [فاطر: ١٤]، ومعنى كفره بإشراكهم إياه: تبرؤه منه واستنكاره له، كقوله تعالى (إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ) [الممتحنة: ٤]، وقيل: (مِنْ قَبْلُ) يتعلق بـ (كفرت)، و"ما" موصولة، أي: كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي أَشركتمونيه وهو الله . تقول: شركت زيداً، فإذا نقلت بالهمزة قلت: أَشركنيه فلان، أي: جعلني له شريكاً.
ونحو «ما» هذه: «ما» في قولهم: سبحان ما سخركنّ لنا.
ومعنى إشراكهم الشيطان بالله: طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان وغيرها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإذا كانت الكسرة في الياء على هذه اللغة، وإن كان غيرها أفشى منها، وعضده القياس كما ذكرنا، لم يجز لقائل أن يقول: إن القراءة بذلك لحن؛ لاستفاضة ذلك في السماع والقياس، وما كان كذلك لا يكون لحناً"، تم كلامه.
قوله: (ونحو "ما" هذه "ما" في قولهم: سبحان ما سخركن لنا)، يريد: أن "ما" على أن تكون موصولة يراد بها الله ، و"ما" لا تستعمل في ذوي العلم إلا باعتبار الوصفية
стр. 4316
وهذا آخر قوله إبليس. وقوله (إِنَّ الظَّالِمِينَ) قول الله ، ويحتمل أن يكون من جملة قول إبليس، وإنما حكى الله عزّ وعلا ما سيقوله في ذلك الوقت، ليكون لطفاً للسامعين في النظر لعاقبتهم والاستعداد لما لا بدّ لهم من الوصول إليه، وأن يتصوّروا في أنفسهم ذلك المقام الذي يقول الشيطان فيه ما يقول، فيخافوا ويعملوا ما يخلصهم منه وينجيهم.
وقرئ: "فلا يلوموني" بالياء؛ على طريقة الالتفات، كقوله تعالى: (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) [يونس: ٢٢].
[(وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ)].
وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: "وأُدخل الذين آمنوا" على فعل المتكلم، بمعنى: وأدخل أنا وهذا دليل على أنه من قول الله، لا من قوله إبليس (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) متعلق بـ"أدخل" أي: أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه وتعظيم شأنه، كقولهم: سبحان ما سخركن لنا، أي: سبحان العظيم الشأن الذي سخر أمثالكن لنا.
قوله: (ويحتمل أن يكون من جملة قول إبليس)، فإذا كان من قول الله تعالى كان استئنافاً فيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أشد عذاب الظالمين، كما قال المصنف في قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ) [يونس: ٤٥]: "فيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أخسرهم".
وإذا كان من قول الشيطان كان نداء منه على الإقناط والإياس.
стр. 4317
فإن قلت: فبم يتعلق في القراءة الأخرى، وقولك: وأدخلهم أنا بإذن ربهم، كلام غير ملتئم؟ قلت: الوجه في هذه القراءة أن يتعلق قوله: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) بما بعده، أي: (تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ) بإذن ربهم، يعني: أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فبم يتعلق في القراءة الأخرى)، أي: قراءة المتكلم؛ لأنه غير ملتئم ظاهراً، قال ابن جني: "قوله: "وأدخل الذين آمنوا" على فعل المتكلم؛ قطع للكلام واستئناف، فقال الله تعالى: "وأدخل الذين آمنوا"، أي: أنا أدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار بإذن ربهم، أي: بإذني، إلا أنه أعاد ذكر "الرب" ليضيفه إليهم، فتقوى الملابسة باللفظ، فيكون أحنى عليهم وأذهب في الإكرام والتقريب منه، ومثله قوله تعالى: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه: ٥٠]، وقال: (إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ) [الأعراف: ٩٦]، هذا كله تقرب منه وانتساب".
وقال في "الانتصاف": "لم لا يجعله الزمخشري من الالتفات، لأنه انتقل من التكلم إلى الغيبة، كقوله تعالى: (طه* مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) [طه: ١ - ٢]، ثم قال: (تَنزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ) [طه: ٤]؟ ".
قال صاحب "الانتصاف": "لأن ظاهر "أدخل" أنه لم يكن بواسطة، بل من الله مباشرة، وظاهر الإذن يشعر بإضافة الدخول إلى الواسطة، وبينهما تنافر، والأحسن أن يتعلق بـ (خَالِدِينَ)، لأن الخلود غير الدخول، فلا تنافر".
وقلت: القول ما قاله ابن جني، لأنه من باب التجريد، يعني: أنا أدخل بتيسير
стр. 4318
[(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ* تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)].
قرئ: "أَلَمْ تَرَ" ساكنة الراء، كما قرئ: "من يتق"، وفيه ضعف.
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) اعتمد مثلاً ووضعه، و (كَلِمَةً طَيِّبَةً) نصب بمضمر، أي: جعل كلمة طيبة (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) وهو
تفسيرٌ لقوله (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) كقولك: شرّف الأمير زيداً؛ كساه حُلة، وحمله على فرس. ويجوز أن ينتصب (مَثَلًا) و (كَلِمَةً) بـ (ضرب)، أي: ضرب كلمة طيبةً مثلاً، بمعنى: جعلها مثلاً ثم قال: (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) على أنها خبر مبتدأ محذوف، بمعنى هي كشجرة طيبة (أَصْلُها ثابِتٌ) يعني في الأرض ضارب بعروقه فيها (وَفَرْعُها) وأعلاها ورأسها (فِي السَّماءِ) ويجوز أن يريد: وفروعها، على الاكتفاء بلفظ الجنس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من رحمهم ولطف بهم وأكرمهم بأن هداهم إلى الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ) [فصلت: ١٩] على قراءة النون، وقال صلوات الله عليه: (أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) ثم قال: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ) [الأعراف: ١٥٨].
قوله: (اعتمد مثلاً)، أي: جعله ما يعتمد عليه، الجوهري: "العمدة: ما يعتمد عليه، واعتمدت على الشيء: اتكأت علي".
قوله: (ويجوز أن يريد: وفروعها)، عطف على " (وَفَرْعُهَا) "، والفرع: إما أن يحمل
стр. 4319
وقرأ أنس بن مالك: "كشجرة طيبة ثابت أصلها".
فإن قلت: أي: فرق بين القراءتين؟ قلت: قراءة الجماعة أقوى معنى، لأنّ في قراءة أنس أجريت الصفة على الشجرة، وإذا قلت: مررت برجل أبوه قائم، فهو أقوى معنى من قولك: مررت برجل قائم أبوه، لأنّ المخبر عنه إنما هو الأب لا رجل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على أعلى الشجرة أو على أغصانها؛ بأن يكتفى باسم الجنس عن الجمع.
الجوهري: "فرع كل شيء: أعلاه، وتفرعت أغصان الشجرة: كبرت".
قوله: (قراءة الجماعة أقوى معنى)، قال ابن جني: "لأنك إذا قلت: "ثابت أصلها" فقد أجريت الصفة على "شجرة"، وليس الثبات لها، إنما هو للأصل، ولعمري إن الصفة إذا كانت في المعنى لما هو من سبب الموصوف جرت عليه، وإذا كانت له كانت أخص لفظاً به، وإذا كانت الثبات في الحقيقة إنما هو للأصل، فالمعتمد بالثبات هو الأصل، فالأحسن تقديم الأصل عناية به، ومن ثم قالوا: "زيداً ضربته"، فقدموا المفعول، لأن الغرض ها هنا ليس ذكر الفاعل، وإنما هو ذكر المفعول، فقدم عناية بذكره، ثم لم يقنع بذلك حتى أزالوه عن لفظ الفضلة، وجعلوه رب الجملة لفظاً، فرفعوه بالابتداء، وصار قوله: "ضربته" ذيلاً له وفضلة ملتحقة به، فكذلك قولك: "مررت برجل أبوه قائم" أقوى معنى من قولك: "قائم أبوه"؛ لأن المخبر عنه بالقيام إنما هو "الأب" لا "رجل".
ومن هنا ذهب أبو الحسن في نحو قولنا: "قام زيد" إلى أن "قام" في موضع رفع، لأنه وقع موقع الاسم، لأن تقدير المحدث عنه أسبق رتبة من الحديث.
إلا أن لقراءة أنس وجهاً حسناً، وهو أن قوله: "ثابت أصلها" صفة لـ "شجرة"، وأصل الصفة أن تكون اسماً مفرداً، لأن الجملة إذا وقعت صفة حكم على موضعها بإعراب المفرد، فإذا قال: "ثابت أصلها" فقد جرت الصفة على أصلها، وإذا قال: (أَصْلُهَا ثَابِتٌ)
стр. 4320
والكلمة الطيبة: كلمة التوحيد. وقيل: كل كلمةٍ حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة. وعن ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله.
وأما الشجرة فكل شجرة مثمرة طيبة الثمار، كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمّان وغير ذلك. وعن ابن عمر: أنّ رسول الله ﷺ قال ذات يوم: «إن الله ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي؟ » فوقع الناس في شجر البوادي، وكنت صبياً، فوقع في قلبي أنها النخلة، فهبت رسول الله ﷺ أن أقولها وأنا أصغر القوم. وروي: فمنعني مكان عمرو استحييت، فقال لي عمر: يا بنيّ لو كنت قلتها لكانت أحبّ إلىّ من حمر النعم، ثم قال رسول الله ﷺ «ألا إنها النخلة» وعن ابن عباس ﵄: شجرة في الجنة.
وقوله (فِي السَّماءِ) معناه: في جهة العلوّ والصعود، ولم يرد المظلة، كقولك في الجبل: طويل في السماء تريد ارتفاعه وشموخه (تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ) تعطي ثمرها كل وقت وقته الله لإثمارها (بِإِذْنِ رَبِّها) بتيسير خالقها وتكوينه (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) لأن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فقد وضعت موضع المفرد، فالموضع إذن له لا لها، فقوله: "ثابت أصلها" لا يبلغ صورة الجملة، لأن "ثابتاً" جار في اللفظ على ما قبله، وإنما فيه أنه وضع "أصلها" موضع الضمير الخاص لتضمنه إياه، وليس كذلك (أَصْلُهَا ثَابِتٌ)، لأنه جملة قطعاً.
قوله: (وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم) الحديث، وفي أكثر النسخ: "عن ابن عباس"، والرواية الصحيحة عن البخاري ومسلم والترمذي والدارمي عن ابن عمر قال: "كنا عند رسول الله ﷺ ، فقال: أخبروني بشجرة شبه- أو كالرجل- المسلم
стр. 4321
[(وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ)].
(كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ) كمثل شجرة خبيثة، أي: صفتها كصفتها. وقرئ: ومثل كلمة بالنصب، عطفاً على كلمة (طيبة). والكلمة الخبيثة: كلمة الشرك. وقيل: كل كلمة قبيحة.
وأمّا الشجرة الخبيثة: فكل شجرةٍ لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والكشوث ونحو ذلك. وقوله (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ): في مقابلة قوله (أَصْلُها ثابِتٌ) [إبراهيم: ٢٤]، ومعنى (اجْتُثَّتْ): استؤصلت، وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها (ما لَها مِنْ قَرارٍ) أي: استقرار. يقال: قرّ الشيء قراراً، كقولك: ثبت ثباتاً، شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة، فهو داحض غير ثابت،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يتحات ورقها، ولا ولا ولا، تؤتي أكلها كل حين؟ قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أني أتكلم، فلما لم يقولوا شيئاً قال رسول الله ﷺ : هي النخلة، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخل. فقال: ما منعك أن تتكلم؟ فقلت: ما رأيتكم تكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئاً. فقال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا".
قوله: (والكشوث)، بالثاء المثلثة، الجوهري: "الكشوث: نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض".
قوله: (وحقيقة الاجتثاث: أخذ الجثة كلها)، الراغب: "جثة الشيء: شخصه الناتئ، والجث: ما ارتفع من الأرض، كالأكمه والجثيثة سميت [به] لما بانت جثته بعد طحنه".
стр. 4322
والذي لا يبقى إما يضمحل عن قريب لبطلانه، من قولهم: الباطل لجلج. وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء: ما تقول في "كلمة خبيثة"؟ فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً، ولا في السماء مصعداً، إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة.
[(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ)].
(بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) الذي ثبت بالحجة والبرهان في قلب صاحبه وتمكن فيه، فاعتقده واطمأنت إليه نفسه. وتثبيتهم به في الدنيا: أنهم إذا فتنوا في دينهم لم يزلوا، كما ثبت الذين فتنهم أصحاب الأخدود، والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وكما ثبت جرجيس وشمسون وغيرهما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الباطل لجلج)، الجوهري: "اللجلجة والتلجلج: التردد في الكلام، ويقال: الحق أبلج والباطل لجلج؛ أي: يتردد من غير أن ينفذ"، واستشهد به لأن ما يتردد في نفسه ولا ينفذ في شيء لا يكون ثابتاً.
قوله: (إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها القيامة)، يعني: الكلمة الخبيثة، وهو مقتبس من قوله تعالى: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً) [الإسراء: ١٣]، قال: "المعنى: أن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل، لا يفك عنه".
قوله: (كما ثبت جرجيس)، وجدت في كتاب "المبتدأ" المنسوب إلى أبي عبد الله محمد بن عبد الله الكسائي أنه قال: إن جرجيس كان من الحواريين أصحاب عيسى ﵇، وعلمه الله الاسم الذي يحيا به الموتى، وكان بأرض الموصل جبار يعبد الصنم، فدعاه جرجيس
стр. 4323
وتثبيتهم في الآخرة: أنهم إذا سئلوا عند تواقف الأشهاد عن معتقدهم ودينهم، لم يتلعثموا ولم يبهتوا، ولم تحيرهم أهوال الحشر. وقيل معناه الثبات عند سؤال القبر. وعن البراء ابن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر قبض روح المؤمن فقال: «ثم تعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره ويقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى عبادة الله، ونهاه عن عبادة الصنم، فأمر به، فشد يديه ورجليه، ودعا بأمشاط من الحديد، فسرح بها صدره وبدنه، ثم صب عليه ماء الملح، فصبره الله عليه، ثم دعا بمسامير من حديد، فسمر عينيه وأذنيه، فصبره الله عليه، ثم دعا بحوض من نحاس، فأوقد عليه حتى ابيض، ثم ألقي عليه وأطبق رأسه، فجعله الله له برداً وسلاماً، وزاده حسناً وجمالاً، ثم قطع إرباً إرباً، فأحياه الله، ودعاهم إلى الله وإحياء الموتى، فلم يؤمن الملك، فأمر الله أن يغير بهم، وقلب بالمدينة عاليها وسافلها.
قوله: (لم يتلعثموا)، الجوهري: "تلعثم الرجل في الأمر: إذا تمكث فيه وتأنى".
قوله: (وعن البراء بن عازب)، تمام الحديث على ما رواه أبو داود عن البراء: "وأن الكافر- فذكر موته- فتعاد روحه إلى جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، ويقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه! لا أدري، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن قد كذب، فأفرشوه من النار"، الحديث.
ونظم الآيات إنما ينطبق على الحديث لو أريد بـ (الْظَّالِمِينَ): الكفار، لأن قوله:
стр. 4324
فينادي منادٍ من السماء أن صدق عبدي فذلك قوله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت).
(وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) الذين لم يتمسكوا بحجة في دينهم، وإنما اقتصروا على تقليد كبارهم وشيوخهم، كما قلد المشركون آباءهم فقالوا (إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا) [الزخرف: ٢٢ - ٢٣]، وإضلالهم في الدنيا: أنهم لا يثبتون في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أوّل شيء، وهم في الآخرة أضل وأزل (وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ) أي: ما توجبه الحكمة، لأن مشيئة الله تابعة للحكمة، من تثبيت المؤمنين وتأييدهم، وعصمتهم عند ثباتهم وعزمهم، ومن إضلال الظالمين وخذلانهم، والتخلية بينهم وبين شأنهم عند زللهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) واقع في مقابلة (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا)؛ إذ القول الثابت هو الكلمة الطيبة، وهي كلمة التوحيد، كأن المعنى: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت المؤيد بالعمل، كما قال: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: ١٠]، ويزل الله أقدام المشركين بكلمتهم الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، وهي الإشراك بالله.
قوله: (لأن مشيئة الله تابعة للحكمة)، مذهبه.
стр. 4325
[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ* وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ)].
(بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ) أي: شكر نعمة الله (كُفْراً) لأن شكرها الذي وجب عليهم؛ وضعوا مكانه كفراً، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلاً، ونحوه (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: ٨٢] أي: شكر رزقكم حيث وضعتم التكذيب موضعه. ووجه آخر: وهو أنهم بدلوا نفس النعمة كفراً على أنهم لما كفروها سلبوها فبقوا مسلوبي النعمة موصوفين بالكفر، حاصلاً لهم الكفر بدل النعمة. وهم أهل مكة: أسكنهم الله حرمه، وجعلهم قوّام بيته، وأكرمهم بمحمد ﷺ ، فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم. أو أصابهم الله بالنعمة في الرخاء والسعة لإيلافهم الرحلتين، فكفروا نعمته، فضربهم بالقحط سبع سنين،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أنهم بدلوا نفس النعمة كفراً)، فعلى الأول: التبديل: التغيير في الوصف، وإليه الإشارة بقوله: "فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر"، لأنهم إذا بدلوا شكر النعمة بكفرانها فقد غيروا صفة النعمة، وعلى الثاني: التغيير في الذات، كما قال: "بدلوا نفس النعمة كفراً". فعلى الأول: النعمة باقية، لكنها موصوفة بالكفران، وعلى الثاني: النعمة زائلة مبدلة بالكفران، فهم إذن كفرة فقراء.
قال في قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ) [إبراهيم: ٤٨]: "التبديل: التغيير، وقد يكون في الذات، كقولك: بدلت الدراهم دنانير، وفي الأوصاف: كقولك: بدلت الحلقة خاتماً؛ إذا أذبتها وسويتها خاتماً".
قوله: (أو أصابهم)، عطف على "أسكنهم الله حرمه"، فيه لف ونشر، والأول مبني على أن التبديل التغيير في شكر النعمة بالكفران، والثاني على أن التبديل التغيير في النعمة
стр. 4326
فحصل لهم الكفر بدل النعمة، كذلك حين أسروا وقتلوا يوم بدر وقد ذهبت عنهم النعمة وبقي الكفر طوقاً في أعناقهم. وعن عمر رضى الله عنه: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر. وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين. وقيل: هم متنصرة العرب: جبلة بن الأيهم وأصحابه.
(وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ) ممن تابعهم على الكفر (دارَ الْبَوارِ) دار الهلاك.
وعطف (جَهَنَّمَ) على (دار البوار) عطف بيان.
قرئ: (لِيُضِلُّوا) بفتح الياء وضمها.
فإن قلت: الضلال والإضلال لم يكن غرضهم في اتخاذ الأنداد، فما معنى اللام؟ قلت: لما كان الضلال والإضلال نتيجة اتخاذ الأنداد، كما كان الإكرام في قولك: جئتك لتكرمني، نتيجة المجيء، دخلته اللام وإن لم يكن غرضا، على طريق التشبيه والتقريب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالكفر، وكذلك حين أسروا وقتلوا.
قوله: ((دَارَ الْبَوَارِ) دار الهلاك)، الراغب: "البوار: فرط الكساد، ولما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد- كما قيل: كسد حتى فسد- عبر بـ "البوار" عن الهلاك، يقال: بار يبور بواراً وبوراً، قال تعالى: (تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) [فاطر: ٢٩]، وقال: (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) ".
قوله: (قرئ: (لِيُضِلُّوا))، ابن كثير وأبو عمرو: بفتح الياء التحتانية، والباقون: بضمها.
قوله: (وإن لم يكن غرضاً على طريق التشبيه)، أي: الاستعارة، نحو قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً) [القصص: ٨].
стр. 4327
(تَمَتَّعُوا) إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر، وأنهم لا يعرفون غيره ولا يريدونه، مأمورون به، قد أمرهم آمر مطاعٌ لا يسعهم أن يخالفوه ولا يملكون لأنفسهم أمراً دونه، وهو أمر الشهوة. والمعنى: إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة (فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ). ويجوز أن يراد الخذلان والتخلية، ونحوه: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ) [الزمر: ٨].
[(قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ)].
المقول محذوف، لأن جواب قُلْ يدل عليه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يراد الخذلان)، عطف على قوله: "قد أمرهم آمر مطاع، وهو آمر الشهوة"، فعلى هذا: الآمر الله على الخذلان، فقوله: "لانغماسهم في التمتع" علة الأمر على الوجهين.
قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: هذا أمر تهديد، فهو كقول الطبيب بعدما أمر المريض بالاحتماء مرات، ولم يقبل منه: كل ما تريد، فإن مصيرك إلى الموت، والمراد التهديد ليرتدع ويقبل ما يقول، وهو المراد من قول المصنف: "إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر".
وقال القاضي: "وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدد به، وأن الأمرين كائنان لا محالة، ولذلك علله بقوله: (فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ)، وأن المخاطب لانهماكه فيه كالمأمور فيه".
قوله: (المقول محذوف، لأن جواب (قُل) يدل عليه)، قال ابن الحاجب: " (يُقِيمُوا):
стр. 4328
وتقديره: (قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا): أقيموا الصلاة وأنفقوا (يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جواب (قُل)، أي: قل لعبادي يقيموا، وحذف ما هو المقول استغناء بتفسير الجواب، أي: قل لهم ما يقتضي الإقامة. وما اعترض عليه من أن الإقامة ليست بلازمة للقول ليس بشيء، فإن الجواب لا يقتضي الملازمة العقلية، وإنما يقتضي الغلبة، وذلك حاصل، فإن أمر الشارع للمؤمنين بإقامة الصلاة يقتضي إقامة الصلاة منه غالباً".
وقال أبو البقاء ﵀: "قال الأخفش: (يُقِيمُوا) جواب (قُل)، وفي الكلام حذف، أي: "قل لهم: "أقيموا الصلاة" يقيموا"، أي: إن تقل لهم: "أقيموا" يقيموا. ورد بأن قول الرسول ﷺ لهم لا يوجب أن يقيموا، وهذا باطل، لأنه لم يرد بـ "العباد": الكفار، بل المؤمنين، وإذا قال لهم الرسول ﷺ : "أقيموا الصلاة" أقاموها، ويدل على ذلك قوله تعالى: (قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا).
وروي عن المبرد: أن التقدير: "قل لهم: "أقيموا" يقيموا"، فـ "يقيموا" المصرح جواب "أقيموا" المحذوف- وكذا حكي عن أبي علي: أنه جواب "أقيموا"-، وهو فاسد لوجهين:
أحدهما: أن جواب الشرط ينبغي أن يخالف الشرط، إما في الفعل أو في الفاعل أو فيهما، وأما نحو: "قم تقم" فخطأ، والتقدير: إن يقيموا يقيموا.
وثانيهما: أن الأمر للمواجهة، و"يقيموا" على لفظ الغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحداً، لأنه لا يجوز أن يقال للمخاطبين: "يقيموا" بالياء". وكذا رد ابن الحاجب.
стр. 4329
وجوزوا أن يكون: (يقيموا) (وينفقوا)، بمعنى: ليقيموا ولينفقوا، ويكون هذا هو المقول، قالوا: وإنما جاز حذف اللام، لأنّ الأمر الذي هو (قُلْ) عوض منه، ولو قيل: "يقيموا الصلاة وينفقوا" ابتداء بحذف اللام، لم يجز.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وجوزوا أن يكون (يُقيِمُوا) (وَيُنفِقُوا) بمعنى: ليقيموا ولينفقوا)، قال الزجاج: "وجائز أن يجزم باللام المحذوفة، لأن الأمر دل على الغائب، تقول: قل لزيد: ليضرب عمراً، وإن شئت قلت: قل لزيد: يضرب عمراً، ولا يجوز: يضرب زيد عمراً، لأن لام الغائب ليس لها عوض إذا حذفتها"، وذكر أبو البقاء نحوه.
وقال صاحب "الإنصاف": وفائدة التزام اللام في الغائب: التنبيه بها على أن الصيغة أمر، فلما علم الأمر لمخاطب افتقر ما سواه إلى اللام من غائب ومتكلم وغير الفاعل في مثل: ليقم زيد لأقم أنا، ليضرب عمرو، فتقدير "قل" يغني عنها، لأن ذلك يرشد إلى أن المأمور مبلغ غير مخاطب، فقام مقام اللام. هذا أجود الأوجه في إعراب الآية واختيار الزجاج، والزمخشري تبرأ من عهدته ترجيحاً للأول.
وقلت: نبه على بيان تبرئة صاحب "المفتاح" حيث قال: "إضمار الجازم نظير إضمار الجار"، يعني: أنه شاذ، نحو قول رؤبة: خير، لمن قال له: كيف أصبحت؟ ثم قال: "فانظر! "، أي: انظر إلى شذوذه، ولا تحمل الآية عليه، بل على أن الجواب على تقدير "قل لعبادي: "أقيموا الصلاة وأنفقوا" فإنك إن قلت لهم: أقيموا وأنفقوا؛ يقيموا وينفقوا".
стр. 4330
فإن قلت: علام انتصب (سِرًّا وَعَلانِيَةً)؟ قلت: على الحال، أي: ذوي سرّ وعلانية، بمعنى: مسرين ومعلنين. أو على الظرف؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: يمكن أن يقال: إنه ليس نظير ذلك، لأن حذفاً فيه جائز، ألا ترى إلى حذف اللام عن الحاضر. وقال المصنف في قراءة من قرأ: (فَبِذَلِكَ فلتَفرَحُوا) - بالتاء: "هو الأصل والقياس"، وقد ذكرت عن ابن جني هناك: أن أصل الأمر أن يكون بحرف الأمر، وهو اللام، لكن لما كثر أمر الحاضر حذفوه تخفيفاً، ودل حاضر الحال على أن المأمور هو الحاضر المخاطب، فحذفوا حرف المضارعة، فلما حذفوا حرف المضارعة بقي ما بعده في أكثر الأمر ساكناً، فاحتيج إلى همزة ليقع الابتداء بها، فقيل: اذهب، ويدلك على تمكن أمر الحاضر أنك لا تأمر الغائب بنحو: "صه" و"مه" و"إيه" و"دونك" و"حيهل". تم كلامه.
وإذا جاز أن تحذف اللام في الحاضر لكثرة الاستعمال جاز أن تحذف في الغائب لدلالة قرائن الأحوال، فصح قول الزجاج: "جاز أن يقال: قل لزيد: يضرب عمراً، ولا يجوز: يضرب زيد عمراً، لأن لام الغائب ليس لها عوض إذا حذفتها"، وإليه أشار المصنف بقوله: "لأن لام الأمر الذي هو "قُل" عوض منه".
ومثله في النيابة عن الجار الإضافة، قال الدار الحديثي: إن المضاف في "غلام زيد" عمل الجر لنيابته عن حرف الجر لفظاً لأنه في موضعه، كذلك ها هنا.
стр. 4331
أي: وقتي سر وعلانية، أو على المصدر، أي: إنفاق سرٍّ وإنفاق علانية، المعنى: إخفاء المتطوع به من الصدقات والإعلان بالواجب.
والخلال: المخالة. فإن قلت: كيف طابق الأمر بالإنفاق وصف اليوم بأنه (لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ)؟ قلت: من قِبَلِ أنّ الناس يخرجون أَموالهم في عقود المعاوضات، فيعطون بدلاً ليأخذوا مثله، وفي المكارمات ومهاداة الأصدقاء ليستجروا بهداياهم أَمثالها أو خيراً منها. وأمّا الإنفاق لوجه الله خالصا كقوله تعالى: (وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى* إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى) [الليل: ٢٠]- فلا يفعله إلا المؤمنون الخلص، فبعثوا عليه ليأخذوا بدله في يوم لا بيع فيه ولا خلال، أي: لا انتفاع فيه بمبايعة ولا بمخالة، ولا بما ينفقون به أَموالهم من المعاوضات والمكارمات، وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله. وقرئ: (لا بيع فيه ولا خلال) بالرفع.
[(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كيف طابق الأمر بالإنفاق وصف اليوم بأنه (لا بيعَ فيه ولا خِلالَ))، يعني: أي فائدة في تقييد الإنفاق بقوله: (مِن قَبْلِ أَن يَاتِيَ يَوْمٌ)؟
وأجاب: أن وجوه الإنفاق وأغراضها متعددة، مثل: أخذ البدل، وحسن الأحدوثة، واستجرار المثل في العاجل، والثواب في الآجل، فقيد بهذا الأخير ليختص به.
وتلخيصه: أن الخطاب ليس عاماً، بل هو مع قوم مخصوصين، ووصف اليوم بذلك لمزيد البعث على الإنفاق، فإنهم لما جزموا وأيقنوا مجيئه، وعلموا أنه يوم لا ينفع فيه عمل، اغتنموا الفرصة في الإنفاق لوجه الله.
قوله: (وقرئ: (لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ) بالرفع)، كلهم إلا ابن كثير وأبا عمرو.
стр. 4332
الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ* وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ* اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ* وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ* وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)].
(اللَّهُ) مبتدأ، و (الَّذِي خَلَقَ) خبره، و (مِنَ الثَّمَراتِ) بيان للرزق، أي: أخرج به رزقاً هو ثمرات. ويجوز أن يكون (مِنَ الثَّمَراتِ) مفعول "أخرج"، ورِزْقاً حالاً من المفعول، أَو نصباً على المصدر من "أخرج"، لأنه في معنى "رزق" (بِأَمْرِهِ) بقوله كن.
(دائِبَيْنِ) يدأبان في سيرهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات، وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) يتعاقبان خلفة لمعاشكم وسباتكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((مِنَ الْثَّمَرَاتِ) مفعول "أخرج")، فـ "من" على هذا تبعيض، أي: أخرج بعض الثمرات.
قوله: (يدأبان في سيرهما)، الجوهري: "دأب فلان في عمله؛ أي: جد وتعب"، وهو معنى التسخير.
قوله: (درئهما)، الأساس: "درأ الكوكب: طلع، كأنه يدرأ الظلام، أي: يدفعه".
قوله: (خلفة لمعاشكم)، يقال: هن يمشين خلفة؛ أي: تذهب هذه وتجيء هذه، ويقال أيضاً: القوم خلفة؛ أي: مختلفون، حكاه أبو زيد، والخلفة أيضاً: اختلاف الليل والنهار، يريد: أن معنى تسخير الليل والنهار لبني آدم: بيانه وتفسيره ما في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً) [الفرقان: ٦٢]، فبين التسخير
стр. 4333
(وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ) "من" للتبعيض، أي: آتاكم بعض جميع ما سألتموه، نظراً في مصالحكم. وقرئ من كلّ" بالتنوين، و (ما سألتموه) نفى ومحله النصب على الحال أي: آتاكم من جميع ذلك غير سائليه، ويجوز أن تكون ما موصولة، على: وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ولم تصلح أَحوالكم ومعايشكم إلا به، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه بأن جعلهما خلفة يتعاقبان؛ يجيء هذا ويذهب ذاك، وبين فيه حكمة التسخير من وجهين:
أحدهما: إرادة التذكر، وهو أن يتفكر المكلف في هذه القدرة العظيمة، فيعرف كمال مسخرهما.
وثانيهما: إرادة الشكر، وهو أن يعرف بذلك نعمة السكون بالليل وابتغاء الفضل بالنهار، ويشكر موليهما.
الراغب: "التسخير: سياقة الشيء إلى الغرض المختص به قهراً، فالمسخر هو المقيض للفعل، والسخري: هو الذي يقهر أن يتسخر لنا، وسخرت منه: إذا سخرته للهزء منه، قال تعالى: (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ) [هود: ٣٨]، وقوله تعالى: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً) [المؤمنون: ١١٠] قد حمل على التسخير وعلى السخرية".
قوله: (وقرئ: "من كل" بالتنوين"، قال ابن جني: "وهي قراءة ابن عباس والحسن وغيرهما، تقديره: وآتاكم ما سألتموه من كل شيء سألتموه أن يؤتيكم".
قوله: (وآتاكم من كل ذلك)، "ذلك" إشارة إلى ما سبق من الآيات، فإنهم وإن لم يعطوها عن سؤالهم، ولكن لما يستغنوا في معايشهم وأحوالهم عنها، فكأنهم سألوها بلسان
стр. 4334
(لا تُحْصُوها) لا تحصروها ولا تطيقوا عدها وبلوغ آخرها، هذا إذا أَرادوا أَن يعدوها على الإجمال، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حالهم، وهو من باب التمثيل، وسبيل هذا السؤال سبيل الجواب في قوله: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف: ١٧٢].
شبه حالة الإنسان في كونه غير قائم بنفسه مفتقراً إلى من يقوم به، وما تقام به نفسه، وتكمل به حياته، ويتصل به إلى غايته، وهو أن يقال في حقه: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء: ٧٠] بحالة الطفل أو الفرخ الذي يحتاج إلى قيم يتعيش به حياته، ويقيم به أوده، إذ لولاه لسقط متنه، ويبقى مهملاً معطلاً، وإليه ينظر قوله تعالى حكاية عن الكليم ﵇: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه: ٥٠]، أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ويرتفقون به، ثم عرفهم كيف يرتفقون بما أعطاهم، وكيف يتوصلون إليه، والله أعلم.
قوله: ((لَا تُحْصُوهَا) لا تحصروها ولا تطيقوا عدها)، قال في "الأساس": "هذا أمر لا أحصيه؛ أي: لا أطيقه ولا أضبطه"، وقال القاضي: "يعني: لا تطيقوا عد أنواعها، فضلاً عن أفرادها، فإنها غير متناهية، وفيه دليل على أن المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة".
الراغب: "الإحصاء: التحصيل بالعدد، يقال: أحصيت كذا؛ من لفظ الحصا، واستعمال ذلك فيه من حيث إنهم كانوا يعتمدونه بالعد كاعتمادنا فيه على الأصابع".
стр. 4335
وأمّا التفصيل فلا يقدر عليه ولا يعلمه إلا الله (لَظَلُومٌ) يظلم النعمة بإغفال شكرها (كَفَّارٌ) شديد الكفران لها. وقيل ظلوم في الشدّة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع. و"الإنسان" للجنس، فيتناول الإخبار بالظلم والكفران من يوجدان منه.
[(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ* رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأما التفصيل فلا يقدر)، "أما" يقتضي التكرير، فالتقدير: أما الإجمال فإنكم إن أردتم أن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، وأما التفصيل فلا كلام في أنه ليس إليكم، فلا يحتاج إلى البيان، لأنه لا يقدر عليه ولا يعلمه إلا الله تعالى.
قوله: (فيتناول الإخبار)، الفاء جزائية، أي: التعريف في "الإنسان" للجنس الذي هو العهد الذهني، وهو ما يعرفه كل أحد أن الإنسان ما هو، فلما أتى بقوله: (لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) تناولهما، فصار المطلق مقيداً، كما أن التعريف في "اللئيم" في قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
للجنس، فيتناول من تعرض لسب الشاعر.
ولو حمل التعريف على الاستغراق فيختص بمن عصمه الله تعالى منهما، لكان أولى، كقوله تعالى: (إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا) [العصر: ٢ - ٣]، وقوله تعالى: (إِنَّ
стр. 4336
(هَذَا الْبَلَدَ) يعني: البلد الحرام، زاده الله أَمناً، وكفاه كل باغٍ وظالم، أَجاب فيه دعوة خليله إبراهيم ﵇ (آمِناً): ذا أمن.
فإن قلت: أي: فرق بين قوله (اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً) [البقرة: ١٢٦] وبين قوله: (اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً)؟ قلت: قد سأل في الأوّل: أَن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وفي الثاني: أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف، فاجعله آمناً.
(وَاجْنُبْنِي): وقرئ: "وأجنبني"، وفيه ثلاث لغات: جنبه الشر، وجنبه، وأجنبه، فأهل الحجاز يقولون: جنبني شره بالتشديد-، وأهل نجد جنبني وأجنبنى، والمعنى: ثبتنا وأدمنا على اجتناب عبادتها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً* إِلاَّ الْمُصَلِّينَ) [المعارج: ١٩ - ٢٢] إلى آخره.
قوله: (قد سأل في الأول: أن يجعله من جملة البلاد) إلى آخره، وهو أحد معاني "جعل"، وهو تصيير شيء شيئاً، فعلى الأول: تقدير الآية: اجعل هذا البلد بلداً ذا أمن، أو آمناً من فيه، كقولك: نهاره صائم، فـ (آَمِناً) صفة (بَلَداً). وعلى الثاني: هذا البلد ذا أمن، فـ (آَمِناً) مفعول ثان، و"البلد" وصف للمفعول الأول، فلابد من تقدير الخوف ليصح تصييره ذا أمن. فعلى الأول: كأنه ليس بلداً في ذلك الوقت، فسأل أن يجعله بلداً آمناً، وعلى الثاني: السؤال لحصول الأمن بعد وجدانه.
قال صاحب "التقريب": "وحيث قال: (بَلَداً آَمِناً) سأل جعله بلداً موصوفاً، وحيث قال: (هَذَا الْبَلَدَ آَمِناً) سأل صفة أمنه.
стр. 4337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الراغب في "غرة التنزيل": "فيه وجهان: أحدهما: أن الدعوة الأولى وقعت، ولم يكن المكان [قد جعل بلداً، فكأنه قال: رب اجعل هذا الوادي بلداً آمناً، والدعوة الثانية وقعت، وقد جعل الوادي بلداً]، فكأنه قال: اجعل هذا الوادي بلداً آمناً، لقوله: (إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ)، ووجه الكلام فيه تنكير (بَلَداً) الذي هو مفعول ثان، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل الوادي بلداً، فكأنه قال: اجعل هذا المكان- الذي صيرته كما أردت، ومصرته كما سألت- ذا أمن، فـ (الْبَلَدَ) على هذا عطف بيان عند سيبويه، وصفة عند المبرد، و (آَمِناً) مفعول ثان.
وثانيهما: أن تكون الدعوتان واقعتين بعدما صار المكان بلداً، والمطلوب الأمن، كما تقول: اجعل ولدك هذا ولداً أديباً، فلا تأمره بأن يجعله ولداً، لأن ذلك ليس إليه، وإنما تأمره بتأديبه، أي: اجعله على هذه الصفة، وتقول: كن رجلاً سخياً، ولا تأمره بأن يكون رجلاً، بل تأمره بما يجعله سخياً، فذكر الموصوف وأتبعه الصفة، وهو كما تقول: كان اليوم يوماً حاراً، فتجعل "يوماً" خبر "كان"، و"حاراً" صفة له، ولم تقصد أن تخبر عن اليوم
стр. 4338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بأنه كان يوماً، لأنه غير مفيد، وإنما القصد أن تخبر عن حر اليوم، فكأن الأصل: كان اليوم حاراً، وأعدت "يوم" لتجمع بين الصفة والموصوف، فكأنك قلت: كان هذا اليوم من الأيام الحارة، فكذلك قوله: (اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً) يجوز أن يراد: واجعل هذا البلد آمناً، فتدعو له بالأمن من بعد ما قد صار بلداً، ويكون مثل قوله: (اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً)، وتكون الدعوة واحدة، قد أخبر الله عنها في الموضعين.
فأما قول من يقول: إنه جعل الأول نكرة، فلما أعاد ذكرها أعاد بلفظ المعرفة فليس بشيء".
وأما بيان النظم: فإنه تعالى لما عجب رسوله ﷺ من حال قريش بقوله: (أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً) يعني: ألم تتعجب من حال قوم أنعم الله عليهم بأنواع النعم الجسيمة؛ حيث أسكنهم حرمه، وجعلهم قوم نبيه، ليكونوا في كنف هذا البلد الذي جعله الله حرماً آمناً، ويتخطف الناس من حولهم، وأكرمهم ببعثة أفضل الرسل؛ ليشكروا الله ويوحدوه، فعكسوا وجعلوا ما هو وسيلة إلى الأمن من سخط الله سبباً للحلول في دار البوار، وما هو ذريعة إلى الهداية والتوحيد سبيلاً إلى اتخاذ الأنداد وإضلال الخلق!
ثم أمر رسوله [ ﷺ ] بأن يعرض عنهم ويكافحهم بكلمة المتاركة والمودعة إقناطاً وإياساً، وهي (قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ)، ويقبل إلى المخلصين من عباده، ويحرضهم على شكر تلك النعم التي لم يقوموا بشكرها بما هو أساس الحسنات، وأما العبادات- من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في حالتي السر والعلانية- إلى قيام القيامة إلى يوم لا بيع فيه ولا خلال.
стр. 4339
(وَبَنِيَّ) أراد: بنيه من صلبه. وسئل ابن عيينة: كيف عبدت العرب الأصنام؟ فقال: ما عبد أحد من ولد إسماعيل صنما، واحتج بقوله (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ) إنما كانت أنصاب حجارة لكل قوم، قالوا: البيت حجر، ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم بعد ذلك يعد عليهم من النعم التي لا تحصى كثرة؛ منها خلق هذه السماء التي كالمظلة على هذا القرار الذي هو مستقرهم ومكان عبادتهم، ثم ما سواه من شبه النكاح بينهما بإنزال الماء وإخراج ما هو كالنتيجة من الثمرات رزقاً لهم؛ ليكون ذلك معتبراً إلى النظر الموصل إلى التوحيد، ونعمة يقابلونها بالعبادة، وحتى لا تجعلوا لله أنداداً، مثل أولئك الأنعام الذين لم يلتفتوا إلى هذه الآيات البينات، ولهذا قال: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).
ونظيره قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) إلى قوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: ٢١ - ٢٢].
عقبه ليذكر بما يناسبه من قصة الخليل ﵇، ودعائه في حق هذا البيت المكرم والحرم المعظم، واعتنائه بشأن إقامة الصلاة فيه، وتوحيد الله، ومجانبة عبادة الأصنام، فمن قام بواجب ذلك من عبادة الملك العلام، والمجانبة عن عبادة الأصنام، صحح النسبة بينه وبين أبيه، وأمن في الدنيا والآخرة من سخط الله وحلول نكاله، ومن عكس استؤصل في الدنيا بالدمار، وفي العقبى أحل نفسه وقومه دار البوار، جهنم يصلونها فبئس القرار.
والذي يؤيد أن قصة الخليل استطراد: العود إلى تهديد الكفرة بقوله: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ).
قوله: (إنما كانت أنصاب)، أي: ما عبد أحد من ولد إسماعيل صنماً، وإنما التي تولعوا بها كانت أنصاب حجارة.
стр. 4340
فحيثما نصبنا حجراً فهو بمنزلة البيت، فكانوا يدورون بذلك الحجر ويسمونه: الدوار، فاستحب أن يقال: طاف بالبيت، ولا يقال: دار بالبيت.
(إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ) فأعوذ بك أن تعصمني وبنيّ من ذلك، وإنما جعلن مضلات، لأنّ الناس ضلوا بسببهنّ، فكأنهنّ أضللنهم، كما تقول: فتنتهم الدنيا وغرّتهم، أي: افتتنوا بها واغتروا بسببها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويسمونه الدوار)، في حاشية "الصحاح": "قال ابن الأنباري: دوار: بد كانوا في الجاهلية يدورون حوله أسابيع، يتشبهون بأهل مكة"، وأنشد في "المغرب" لامرئ القيس:
فعن لنا سرب كأن نعاجه … عذارى دوار في ملاء مذيل
السرب: الجماعة من الظباء والبقر، والنعاج: جمع نعجة، وهي الأنثى من بقر الوحش، والعذارى: جمع عذراء، والدوار: صنم كانت تنصبه العرب وتدور حوله. الجوهري: "الملاءة- بالضم والمد-: الريطة، والجمع: ملاء"، والمذيل: الطويل الذيل، وإنما ذكر حملاً على اللفظ.
قوله: (فاستحب أن يقال: طاف)، أي: "دار" بمعنى: طاف، ومنع أن يقال: "دار"، واستحب أن يقال: "طاف"؛ لئلا يتأسى بألفاظ المشركين.
стр. 4341
(فَمَنْ تَبِعَنِي) على ملتي وكان حنيفاً مسلماً مثلي (فَإِنَّهُ مِنِّي) أي: هو بعضي لفرط اختصاصه بي وملابسته لي، وكذلك قوله: «من غشنا فليس منا» أي: ليس بعض المؤمنين، على أنّ الغش ليس من أفعالهم وأوصافهم، (وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تغفر له ما سلف منه من عصياني إذا بدا له فيه واستحدث الطاعة لي. وقيل: معناه (ومن عصاني) فيما دون الشرك.
[(رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لعلهم يَشْكُرُونَ)].
(مِنْ ذُرِّيَّتِي) بعض أولادي، وهم إسماعيل ومن ولد منه (بِوادٍ) هو وادي ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((فَإِنَّهُ مِنِّي) أي: هو بعضي)، لا يريد أن "من" في قوله: (مِنِّي) تبعيضية، وإن صرح بلفظ البعض، بل هي اتصالية، كقوله تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)، ولهذا قال: "لفرط اختصاصه بي وملابسته لي".
قوله: ((وَمَنْ عَصَانِي) فيما دون الشرك)، يدل على أنه حمل "العصيان" في الوجه الأول على الشرك، لأنه مقابل لقوله: (فَمَنْ تَبِعَنِي) على ملتي، وكان حنيفاً مسلماً"، أي: موحداً، والكلام مبني على التخييل والتورية، كما سبق في قوله تعالى: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) [التوبة: ٨٠].
قال القاضي: " (فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: تقدر أن تغفر له وترحمه ابتداء أو بعد التوفيق للتوبة، وفيه دليل على أن كل ذنب فلله أن يغفره حتى الشرك، إلا أن الوعيد فرق بينه وبين غيره".
стр. 4342
مكة (غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) لا يكون فيه شيءٌ من زرعٍ قط، كقوله: (قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) [الزمر: ٢٨] بمعنى: لا يوجد فيه اعوجاج، ما فيه إلا الاستقامة لا غير. وقيل للبيت: المحرم، لأنّ الله حرم التعرض له والتهاون به، وجعل ما حوله حرما لمكانه، أو لأنه لم يزل ممنعاً عزيزاً يهابه كل جبار، كالشئ المحرم الذي حقه أن يجتنب، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكه، أو لأنه حرّم على الطوفان أي: منع منه، كما سمي "عتيقاً" لأنه أعتق منه فلم يستول عليه (لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) اللام متعلقة بـ (أسكنت)، أي: ما أسكنتهم هذا الوادي الخلاء البلقع من كل مرتفق ومرتزق، إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم، ويعمروه بذكرك وعبادتك،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يكون فيه شيء من زرع قط)، هذه المبالغة يفيدها معنى الكناية، لأن نفي ذي الزرع يستلزم كون الوادي غير صالح، لأنه نكرة في سياق النفي.
قوله: (انتهاكه)، الجوهري: "انتهاك الحرمة: تناولها بما لا يحل".
قوله: (ما أسكنتهم … إلا ليقيموا الصلاة) إلى آخره، هذا الحصر وتلك الفوائد إنما يفيدها تكرير ذكر (رَبَّنَا)، لأنه للاهتمام بشأن المدعو المطلوب، وجعل (لِيُقِيمُوا) علة للإسكان بواد موصوف بهذين الوصفين؛ كونه غير ذي زرع، وكونه عند بيتك المحرم، يعني: لا يختار أحد مثل هذا الموضع إلا للانقطاع للعبادة والتبتل إلى الله، والتبرك به لشرفه، وخص الصلاة لأنها عمود الدين.
قوله: (البلقع)، الجوهري: "البلقع والبلقعة: الأرض القفر التي لا شيء بها".
قوله: (مرتفق ومرتزق)، الأساس: "ارتفقت به: انتفعت به، تقول: بكرمك أثق، وعلى
стр. 4343
وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك، متبركين بالبقعة التي شرفتها على البقاع، مستسعدين بجوارك الكريم، متقربين إليك بالعكوف عند بيتك، والطواف به، والركوع والسجود حوله، مستنزلين الرحمة التي آثرت بها سكان حرمك.
(أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ) أفئدة من أفئدة الناس، ومن للتبعيض، ويدل عليه ما روي عن مجاهد: لو قال أَفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم، وقيل: لو لم يقل: (مِنْ) لازدحموا عليه حتى الروم والترك والهند. ويجوز أن يكون (مِنْ) للابتداء، كقولك: القلب منى سقيم، تريد قلبي، فكأنه قيل: أفئدة ناس، وإنما نكرت المضاف إليه في هذا التمثيل لتنكير (أفئدة)، لأنها في الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سؤددك أرتفق، ومنه قوله تعالى: (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) [الكهف: ٣١]، ويقال: ما فيها مرفق من مرافق الدار؛ نحو المتوضأ والمطبخ".
قوله: (القلب مني سقيم)، والظاهر أنه مثل قوله تعالى: (وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) [مريم: ٤]، لكنه جعله ابتدائية لتفخيم الأمر، كأنه قيل: نشأ سقم هذا العضو الذي يصلح بصلاحه البدن، ويفسد بفساده مني ومن جهتي، فعلى هذا: التعريف في (النَّاسَ) للجنس، والمراد قوم مخصوصون، أي: نشأ جعل الأفئدة مائلة إلى جهة الكاملين من الناس.
قوله: (وإنما نكرت المضاف إليه في هذا التمثيل)، أي: في "الكشاف" في قوله: "فكأنه قيل: أفئدة ناس"، وفي الآية معرفة؛ ليتناول بعض الأفئدة، قال صاحب "الفرائد": لا يحتاج
стр. 4344
وقرئ: "آفدةً"، بوزن عاقدة. وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون من القلب كقولك: آدر، في أدؤر. والثاني: أن يكون اسم فاعلة من أفدت الرحلة إذا عجلت، أي: جماعة أو جماعات يرتحلون إليهم ويعجلون نحوهم.
وقرئ: "أفدةً"، وفيه وجهان: أن تطرح الهمزة للتخفيف، وإن كان الوجه أن تخفف بإخراجها بين بين. وأن يكون من أفد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى جعل المعرفة نكرة لجواز أن يقال: المضاف مقدر، أي: بعض أفئدة من الناس، أو يقال: "الناس" للجنس، كقوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) [آل عمران: ١٧٣].
وقلت: هذا هو الذي أراده المصنف، فإنه أشار به إلى أن التعريف في (الْنَّاسِ) بمنزلة النكرة، كقولك: ادخل السوق في بلد كذا، أي: سوقاً من الأسواق. وأما الوجه الأول فساقط يظهر بالتأمل.
قوله: (بوزن عافدة)، وفي "الأساس": "اعتفد الرجل: إذا أغلق الباب ليموت جوعاً ولا يسأل، ولقي رجل جارية تبكي، فقال: مالك؟ قالت: نريد أن نعتفد. وأنشد ابن الأعرابي:
وقائلة ذا زمان اعتفاد"
قوله: (من: أفدت الرحلة؛ إذا عجلت)، الجوهري: "أفد الرجل- بالكسر- يأفد إفداً؛ أي: عجل، فهو أفد؛ على "فعل"، أي: مستعجل، وأفد الترحل: إذا دنا وأزف".
قوله: (أن تخفف بإخراجها بينَ بين)، قيل: فيه نظر؛ لأن الهمزة المتحركة الساكن ما قبلها إنما يكون تخفيفها بالحذف، كما في "مسألة" و"الخبء"، ولا يمكن فيها بينَ بينَ؛ المشهور ولا غيره، لأن بينَ بين: إما ساكن أو قريب من الساكن؛ على اختلاف المذهبين، فلو جعلت هذه الهمزة بين بينَ لزم التقاء الساكنين، أو ما هو في حكمه.
стр. 4345
(تَهْوِي إِلَيْهِمْ) تسرع إليهم وتطير نحوهم شوقا ونزاعا من قوله:
يَهْوِي مَخَارِمَهَا هُوِىَّ الأَجْدَلِ
وقرئ: "تهوى إليهم" على البناء للمفعول، من: هوى إليه، وأهواه غيره. و"تهوى إليهم"؛ من هوي يهوى؛ إذا أحب، ضمن معنى تنزع فعدّى تعديته. (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ) مع سكناهم وادياً ما فيه شيء منها، بأن تجلب إليهم من البلاد (لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يهوي مخارمها هوي الأجدل)، أوله:
وإذا رميت به الفجاج رأيته
قال المرزوقي: "الفج: الطريق الواسع في قُبُل جبل، والجمع: الفجاج، والمخارم: جمع المخرم، وهو منقطع أنف الجبل، والخرم: أنف الجبل، والأجدل: من جدل الخلق، والهوي- بضم الهاء-: هو القصد إلى الأعلى. يقول: إذا وجهت هذا الجلد في طرق الجبال رأيته يقصد أعاليها قصد الصقر".
قوله: ("تهوى إليهم" … من هوي [يهوى]؛ إذا أحب)، قال ابن جني: "قرأها علي ﵁، هو من: هويت الشيء؛ إذا أحببته، لا تقول: هويت إلى فلان، ولكن: هويت فلاناً، لكن لاحظ معنى: تميل إليهم، وهذا باب من العربية ذو عوز".
следующие страницы →