← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

فأنى يكون استثناء من استثناء. وقرئ (لَمُنَجُّوهُمْ) بالتخفيف والتثقيل. فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله (قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ) والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟ قلت: لتضمن فعل التقدير معنى العلم، ولذلك فسر العلماء تقدير الله أعمال العباد بالعلم. فإن قلت: فلم أسند الملائكة فعل التقدير- وهو لله وحده- إلى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كقولك: له عندي عشرة إلا أربعة إلا درهماً، فإن الدرهم مستثنى من الأربعة، فهو مضاف إلى العشرة، فكأنك قلت: أحد عشر إلا أربعة، أو: عشرة إلا ثلاثة. قوله: (وقرئ (لَمُنَجُّوهُمْ) بالتخفيف والتثقيل)، بالتخفيف: حمزة والكسائي وأبو بكر. قوله: (ولذلك فسر العلماء تقدير الله أعمال العباد بالعلم) أي: المعتزلة يقولون: إن معنى قوله: إن الله قدر على العباد: عَلِمَ، بدليل قوله في تفسير قوله تعالى: (حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [الزمر: ٧١]: ثبت عليهم قول الله الذي كتبه في اللوح المحفوظ، وتلك كناية معلوم، لا كناية مقدر ومراد، تعالى الله عن ذلك. والأصل: (قَدَّرْنَاهَا مِنْ الْغَابِرِينَ) فعلقه عن العمل باللام، ثُم جاء بـ (إنَّ). قال القاضي: ويجوز أن يكون (قَدَّرْنَا) مُجرى مَجرى قُلنا؛ لأن التقدير بمعنى القضاء قولٌ، وأصله جعلُ الشيء على مقدار غيره. وقال صاحب "الانتصاف": هذا من دفائن الزمخشري في الاعتزال في جحد القضاء والقدر، إذا المعتزلة يمنعون تعلق القدرة بالمعاصي، فالتقدير عندهم: هو العلمُ، لا الإرادة، ثم استدل على أن التقدير بمعنى العلم، بتعليق فعله. وفي كلامه شاهد على رده؛ لأن التضمين من شأنه أن يُبقي المعنى الأصلي مضافاً إليه المعنى الطارئ، فيفيدهما جميعاً.

стр. 4412

أنفسهم، ولم يقولوا: قدّر الله؟ قلت: لما لهم من القرب والاختصاص بالله الذي ليس لأحد غيرهم، كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا وأمرنا بكذا، والمدبر والآمر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فالتقدير: كما أفاد العلم الطارئ أفاد الإرادة أيضاً، على أن من الناس من جعل قوله تعالى: (قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنْ الْغَابِرِينَ) من كلامه تعالى غير محكي عن الملائكة، وهو الظاهر؛ لأن القائل بالأول يحتاج إلى التأويل، كما قال الزمخشري: "إنه من باب قول خواص الملك"، لأنا إذا جعلنا (قَدَّرْنَا) بمعنى علمنا أنها من الغابرين فلا غرو في علم الملائكة ذلك بإخبار الله إياهم به، إنما يحتاج إلى التأويل من جعل قدرنا بمعنى قضينا، وجعله من قول الملائكة. الإنصاف: القول بأن التضمين يقتضي إرادة الفعلين: المضمن والمضمن فيه معاً مردود، فإنه يجوز أن يؤتى فيه بما يقتضيه أحدهما دون الآخر، فكأنه معمول أحدهما خاصة، ألا ترى إلى قوله: قد قتل الله زياداً عني ضمن "قتله" معنى: صرفه، وأتى بـ "عني" التي هي معمول "صرفه"، لا معمول "قتله". وقلت: هذا خطأ؛ لأن التقدير: قد صرف الله زياداً عني قتلاً، أو "قتل" مستعار للصرف على سبيل التبعية، والقرينة الجار. الراغب: الغابر: الماكث بعد مُضي ما معه، قال تعالى: (إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ)، يعني: قد طال أعمارهم. وقيل: فيمن بقي ولم يسر مع لوط. وقيل فيمن بقي في العذاب، ومنه الغبرة: البقية من اللبن في الضرع.

стр. 4413

هو الملك لا هم، وإنما يظهرون بذلك اختصاصهم وأنهم لا يتميزون عنه. وقرئ: (قدرنا)، بالتخفيف. [(فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ * فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ * وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ)]. (مُنْكَرُونَ) أي: تنكركم نفسي وتنفر منكم، فأخاف أن تطرقوني بشرّ، بدليل قوله: (بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ) أي: ما جئناك بما تنكرنا لأجله، بل جئناك بما فيه فرحك وسرورك وتشفيك من عدوّك، وهو العذاب الذي كنت تتوعدهم بنزوله، فيمترون فيه ويكذبونك، (بِالْحَقِّ): باليقين من عذابهم، (وَإِنَّا لَصادِقُونَ) في الإخبار بنزوله بهم. وقرئ: فأسر، بقطع الهمزة ووصلها، من أسرى وسرى. وروى صاحب الإقليد: فسر، من السير والقطع في آخر الليل. قال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بدليل قوله: (بَلْ جِئْنَاكَ) يريد أن قوله: (إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) كناية عن أنكم قوم يخاف منكم الشر؛ لأن قوله: (َلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ) كناية عن الفرح والتشفي، لأنه أضرب به عن الخوف، وذلك أن من ينكر شيئاً ينفر منه، وإنما ينفر منه إذا توهم شراً مخوفاً، وكذا قوله: (بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ): كناية عن العذاب؛ لأنهم كانوا يشكون نزوله، ونزوله عليهم سبب لتشفي لوط عن غيظه؛ لأنه كان يكابد منهم المشاق، كأنه قال: إنكم قوم يخاف منكم الشر، فقالوا مجاوبين: بل نحن ممن يُرجى منا الخير والفرح. قوله: (صاحب "الإقليد") هو تفسير لأبي الفتح الهمداني- بإسكان الميم-، منسوب إلى قبيلة من اليمن.

стр. 4414

افْتَحِي الْبَابَ وَانْظُرِي في النُّجُومِ … كَمْ عَلَيْنَا مِن قِطعِ لَيْلٍ بَهِيمِ وقيل: هو بعد ما يمضى شيء صالح من الليل. فإن قلت: ما معنى أمره باتباع أدبارهم ونهيهم عن الالتفات؟ قلت قد بعث الله الهلاك على قومه، ونجاه وأهله إجابة لدعوته عليهم، وخرج مهاجراً فلم يكن له بدّ من الاجتهاد في شكر الله وإدامة ذكره وتفريغ باله لذلك، فأمر بأن يقدّمهم لئلا يشتغل بمن خلفه قلبه، وليكون مطلعاً عليهم وعلى أحوالهم، فلا تفرط منهم التفاتة احتشاماً منه ولا غيرها من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (افتحي الباب) البيت، كأنه طال عليه الليل، يُخاطب ضجيعته بذلك، أو كان يحب طول الليل للوصال. قوله: (شيء صالح من الليل) أي: قطعة طويلة منه، العرب تقول: مضى من عمري شيء، أي: مدة طويلة. قوله: (ما معنى أمره باتباع أدبارهم ونهيهم عن الالتفات؟ ) يعني: كان يكفي في الهجرة أن يُقال: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) فما معنى التتميم بهذين القيدين؟ وخلاصة الجواب: أن تلك النجاة كانت نعمة من الله مطلوبة تستحق الإقامة بمواجب الشكر لها، وذلك الشكر لا يتم إلا بفراغ من البال من كل وجه فأمر باتباع أدبارهم لئلا يشتغل عن إدامة الشكل بسبب تعلق قلبه بمن خلفه، ونُهوا عن الالتفات، لئلا ترق قلوبهم إذا نظروا إلى ما ينزلُ على قومهم، فيشتغل قلبه عن إدامة الشُّكر. الانتصاف: اشتملت الآية مع وجازتها على آداب المسافرين في دين ودُنيا من أمير ومأمور، وتابع ومتبوع.

стр. 4415

الهفوات في تلك الحال المهولة المحذورة، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، وليكون مسيره مسير الهارب الذي يقدّم سربه ويفوت به، ونهوا عن الالتفات لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا لهم، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ويطيبوها عن مساكنهم، ويمضوا قدماً غير ملتفتين إلى ما وراءهم كالذي يتحسر على مفارقة وطنه فلا يزال يلوى إليه أخادعه، كما قال: تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَىّ حَتّي وَجَدتُنِي … وَجِعْتُ مِنَ الإِصْغَاءِ لِيتاً وَأَخْدَعَا أو جعل النهى عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني والتوقف؛ لأنّ من يلتفت لا بدّ له في ذلك من أدنى وقفة (حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) قيل: هو مصر، وعدّى (وَامْضُوا) إلى (حَيْثُ) تعديته إلى الظرف المبهم، لأن (حَيْثُ) مبهم في الأمكنة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يقدم سربه)، النهاية: السربُ- بالكسر- والسربة: القطيع من الظباء والقطا والخيل ونحوها، ومن النساء على التشبيه بالظباء. قوله: (ويفوتُ به) فاتني بكذا: سبقني به، وذهب به عني. في "الأساس"، والضمير في "به" راجع إلى "السرب", قوله: (ويمضوا قُدماً) بضمتين، يقال: ومضى قُدماً: لم ينثن، ولم يُعرج. قوله: (تلفت نحو الحي) البيت، قال المرزوقي: يقول: أخذت مسيري لما أبصرت حال نفسي، وتأثير الصبابة فيها، ملتفتاً إلى ما خلفته من الحي، حتى وجدتُني وجع الليت، أي صفحة العنق، والأخدع، وهو عرق فيها، لطول إصغائي ودوام التفاتي كل ذلك تحسراً في أثر الفائت من أحبابي وديارهم، وتذكراً لطيب أوقاتي معهم فيها. قوله: (وُعدي (وَامْضُوا) إلى (حَيْثُ) تعديته إلى الظرف المبهم) يعني: (حَيْثُ)

стр. 4416

وكذلك الضمير في (تُؤْمَرُونَ). وعدى (وقَضَيْنا) بإلى؛ لأنه ضمن معنى: أوحينا، كأنه قيل: وأوحينا إليه مقضياً مبتوتاً. وفسر (ذلِكَ الْأَمْرَ) بقوله: (أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ)، وفي إبهامه وتفسيره تفخيم للأمر وتعظيم له. وقرأ الأعمش: إن، بالكسر على الاستئناف، كأن قائلا قال: أخبرنا عن ذلك الأمر، فقال: إنّ دابر هؤلاء. وفي قراءة ابن مسعود: (وقلنا إنّ دابر هؤلاء). ودابرهم: آخرهم، يعنى: يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد. [(وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ * قالُوا أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ * قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)]. (وجاء أَهْلُ الْمَدِينَة): ِ أهل سدوم التي ضرب بقاضيها المثل في الجو، مستبشرين بالملائكة (فَلا تَفْضَحُونِ) بفضيحة ضيفي، لأنّ من أساء إلى ضيفه أو جاره فقد أساء إليه، كما أن من أُكرم من يتصل به فقد أُكرم (وَلاتُخْزُونِ): ولا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على تقدير النصب على الظرف لا يحتاج إلى (في)؛ لأنه مبهم، والظرف المبهم منصوب، والمؤقت حكمه حكم ما ليس بظرف، فيحتاج إلى (في)، وكذلك الضمير في (تُؤْمَرُونَ) مبهم، نُظر إلى تقديره، وهو راجع إلى حيث، ولو كان مؤقتاً لقيل: تؤمرون فيه. قوله: (يعني يستأصلون عن آخرهم)، الراغب: قطع دابرة الإنسان: إفناء نوعه. قال تعالى: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأنعام: ٤٥]. قوله: (أهل سدوم) في "تهذيب" الأزهري سذُوم بالذال المعجمة، وفي "الصحاح": بفتح السين والدال غير معجمة: قرية قوم لوط ﵇.

стр. 4417

تذلونِ بإذلال ضيفي، من الخزي وهو الهوان. أو: ولا تشوّروا بي، من الخزاية؛ وهي الحياء. (عَنِ الْعالَمِينَ): عن أن تجير منهم أحداً، أو تدفع عنهم، أو تمنع بيننا وبينهم، فإنهم كانوا يتعرّضون لكل أحد، وكان يقوم ﷺ بالنهى عن المنكر، والحجر بينهم وبين المتعرّض له، فأوعدوه وقالوا: (لئن لم تنته يا لوط لتكوننّ من المخرجين). وقيل: عن ضيافة الناس وإنزالهم، وكانوا نهوه أن يضيف أحداً قط (هؤُلاءِ بَناتِي): إشارة إلى النساء؛ لأنّ كل أمّة أولاد نبيها رجالهم بنوه ونساؤهم بناته، فكأنه قال لهم: هؤلاء بناتي فانكحوهنّ، وخلوا بنىّ فلا تتعرضوا لهم إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ شك في قبولهم لقوله، كأنه قال: إن فعلتم ما أقول لكم وما أظنكم تفعلون. وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فيما أحل الله دون ما حرّم (لَعَمْرُكَ) على إرادة القول، أى قالت الملائكة للوط ﵇: لعمرك (إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ) أى غوايتهم التي أذهبت عقولهم وتمييزهم بين الخطإ الذي هم عليه وبين الصواب الذي تشير به عليهم، من ترك البنين إلى البنات (يَعْمَهُونَ): يتحيرون، فكيف يقبلون قولك ويصغون إلى نصيحتك. وقيل: الخطاب لرسول الله ﷺ ، وأنه أقسم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو ولا تُشوروا بي)، الجوهري: شورت الرجل فتشور، أي: خجلته فتخجل. قوله: (وبين المتعرض له) الضمير في "له" عائد إلى اللام، لأنها موصولة. قوله: (إن كنتم تريدون قضاء الشهوة) عن المصنف: الأوجه أن يكون ذلك بناء على طريقتهم وحالهم في ركوب ما لا يحل لهم، كأنه قيل: إن كنتم ولابد راكبين ما لا يحل لكم، فعليكم بمحال المباشرة التي قد تعارفها الناس دون المنكر الذي لم تُسبقوا إليه. قوله: (وقيل: الخطاب لرسول الله ﷺ ، قال صاحب "الفرائد": لما أمكن الحمل على ما هو المفهوم من ظاهر الكلام وجب الحمل عليه، إذ التقدير بغير ضرورة لا يجوز، وإلا لم يبق للنقل اعتبارٌ أصلاً؛ لأنه ما من نقل إلا وأمكن التقدير فيه، فوجب الحمل على أنه تعالى أقسم بحياته ﷺ .

стр. 4418

بحياته، وما أقسم بحياة أحد قط؛ كرامة له. والعمر والعمر واحد، إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح؛ لإيثار الأخف فيه؛ وذلك لأن الحلف كثير الدور على ألسنتهم؛ ولذلك حذفوا الخبر، وتقديره: لعمرك مما أقسم به، كما حذفوا الفعل في قولك: بالله. وقرئ: في (سكرهم) و (في سكراتهم). (الصَّيْحَة): ُ صيحة جبريل ﵇، (مُشْرِقِينَ) داخلين في الشروق؛ وهو بزوع الشمس. (منْ سِجِّيلٍ): قيل: من طين، عليه كتاب من السجل، ودليله قوله تعالى: (حِجارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ) [الذاريات: ٣٣ - ٣٤]، أي: معلمة بكتاب. (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) للمتفرّسين المتأملين. وحقيقة المتوسمين النظار المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء. يقال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: أراد أن قوله تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) إذا كان خطاباً للوط يجب أن يُقدر: قالت الملائكة: لعمرك. وإذا كان خطاباً لرسولنا ﷺ لا يجب، ويكون جُملة معترضة للنعي عليهم، وتماديهم في ارتكاب تلك الفاحشة؛ لأن في عرض نبي الله لوط أفلاذ كبده على القوم، دليلاً على بلوغ الغاية في الأمر، وأنه بلغ السيل الزُّبى، وجاوز الحزامُ الطبيين، كأنه قيل: يا محمد، بحياتك أقسم، إنهم لفي سكرتهم يعمهون، مستمرون، فاستحضر تلك الحالة في مشاهدتك، وتعجب لها، يدلك عليه صيغة المضارع. وقال محي السنة: لعمرك يا محمد وحياتك، عن ابن عباس أنه قال: ما خلق الله نفساً أكرم عليه من محمد صلوات الله عليه، وما أقسم بحياة احدٍ إلا حياته، وكذا عن الإمام. قوله: (المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء) كأنه حد المتفرسين، وهو

стр. 4419

توسمت في فلان كذا، أى عرفت وسمه فيه. والضمير في (عالِيَها سافِلَها) لقرى قوم لوط. (وَإِنَّها): وإنّ هذه القرى، يعنى آثارها (لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ): ثابت يسلكه الناس لم يندرس بعد، وهم يبصرون تلك الآثار، وهو تنبيه لقريش، كقوله: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ) [الصافات: ١٣٧]. [(وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ)]. (أَصْحابُ الْأَيْكَة): ِ قوم شعيب. (وَإِنَّهُما): يعنى قرى قوم لوط والأيكة. وقيل: الضمير للأيكة ومدين، لأنّ شعيباً كان مبعوثاً إليهما، فلما ذكر الأيكة دل بذكرها على مدين؛ فجاء بضميرهما، (لَبِإِمامٍ مُبِينٍ): لبطريق واضح، والإمام اسم لما يؤتم به، فسمى به الطريق ومطمر البناء واللوح الذي يكتب فيه؛ لأنها مما يؤتم به. [(وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ * وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ)]. (أَصْحابُ الْحِجْرِ): ثمود، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قول مجاهد، قال السجاوندي: المتوسم: الذي يعلمُ باطن الشيء بسمة ظاهره، وروى الترمذي، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: "اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله"، ثم قرأ: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ). قوله: (ومطمر البناء)، الجوهري: المطمر: الزيج الذي يكون مع البنائين.

стр. 4420

والحجر: واديهم، وهو بين المدينة والشام، (الْمُرْسَلِينَ): يعنى بتكذيبهم صالحاً؛ لأنّ من كذب واحداً منهم فكأنهما كذبهم جميعاً، أو: أراد صالحاً ومن معه من المؤمنين، كما قيل: الخبيبون؛ في ابن الزبير وأصحابه. وعن جابر: مررنا مع النبي ﷺ على الحجر، فقال لنا "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والحجر واديهم)، الراغب: سُمي ما أحيط به الحجارة حجراً، وبه سُمي حجرُ الكعبة وديار ثمود. قوله: (لأن من كذب واحداً منهم فكأنما كذبهم جميعاً)، يعني: التعريف في (الْمُرْسَلِينَ) للاستغراق، فهو هنا كناية؛ لأن الرسول: من أتى بكتاب بعد إظهار المعجزة، فكل من لم يصدق هذا المعنى ورده فقد أعم التكذيب والرد. قوله: (الخبيبون في ابن الزبير)، قال ابن عبد البر: كنيته أبو بكر، وله كنية أخرى: أبو خبيب. الجوهري: الخبخبة: رخاوة الشيء واضطرابه، وخبيب: اسم رجل، وهو: خبيب بن عبد الله بن الزبير، وكان عبد الله يكنى بأبي خبيب، والخبيبان: عبد الله بن الزبير وابنه، وقيل: هو وأخوه مصعب، فمن روى: "الخبيبون"، على الجمع، يريد ثلاثتهم، قال ابن السكيت: يريد: أبا خُبيب ومن كان على رأيه. قوله: (وعن جابر) الحديث، رويناه عن البخاري ومسلم عن ابن عمر، مع تغيير يسير.

стр. 4421

حذرا أن يصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء"، ثم زجر النبي ﷺ راحلته فأسرع حتى خلفها. (آمِنِينَ) لوثاقة البيوت واستحكامها من أن تتهدم ويتداعى بنيانها، ومن نقب اللصوص ومن الأعداء وحوادث الدهر. أو آمنين من عذاب الله يحسبون أنّ الجبال تحميهم منه. (ما كانُوا يَكْسِبُونَ) من بناء البيوت الوثيقة والأموال والعدد. [(وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)]. (إلَّا بِالْحَقِّ): إلا خلقاً ملتبساً بالحق والحكمة، لا باطلا وعبثاً. أو: بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء على الأعمال، (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَة): ٌ وإنّ الله ينتقم لك فيها من أعدائك، ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم، فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا لذلك، (فَاصْفَحِ): فأعرض عنهم واحتمل ما تلقى منهم إعراضاً جميلا بحلم وإغضاء. وقيل: هو منسوخ بآية السيف. ويجوز أن يراد به المخالقة فلا يكون منسوخاً. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فإنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا لذلك)، أي: للانتقام من الأعداء، وإعطاء الجزاء للأولياء، بيانُ الحصر هو: أن الله قال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ) والحق: هو العدل والإنصاف، وهما إنما يستتبان بوجود جزاء المحسن والمسيء، وإن الدنيا ليست بدار جزاء، بل هي دار الابتلاء والتكليف، فلابد من يوم الدين ليصل إلى كل ذي حق حقه، كقوله تعالى: (إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ) [يونس: ٤]، ومثل هذه الآية قوله تعالى: (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) [الأحقاف: ١ - ٣].

стр. 4422

[(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ)]. (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ) الذي خلقك وخلقهم، وهو (الْعَلِيمُ) بحالك وحالهم، فلا يخفى عليه ما يجرى بينكم، وهو يحكم بينكم. أو إن ربك هو الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، وقد علم أن الصفح اليوم أصلح. إلى أن يكون السيف أصلح. وفي مصحف أبىّ وعثمان: إن ربك هو الخالق وهو يصلح للقليل والكثير، والخلاق للكثير لا غير، كقولك: قطع الثياب، وقطع الثوب والثياب. [(وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو إن ربك هو الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم): عطف على قوله: " (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ) الذي خلقك وخلقهم"، والوجهان مبنيان على تفسر (فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) لأنه كالتعليل له، فالوجه الأول مبني على أن الآية من باب المخالفة، وهي غير منسوخة. والثاني: على أنه من باب المداراة والاصطبار، هذا هو الظاهر؛ لأنه تعالى لما أتم الاقتصاص تسلية لرسول الله ﷺ ، وإرشاداً له إلى الاكتساء بلباس الصبر اقتفاء بهم، أتى بخاتمة جامعة للتسلي، وهي الانتقام في العاقبة من أعدائه، وإيصال الجزاء إليه لحسناته، وللأمر بالمداراة والصبر على المكابرة، وجعلها تخلصاً إلى مشرع آخر، وهو قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي) الآيات، وفيه حديث الإعراض عن زهرة الحياة الدنيا، وهو من أعظم أنواع الصبر. قوله: (كقولك: قطع الثياب)، قيل: فيه نظر؛ لأن باب التفعيل لا يختص بهذا، وشاهده الصيغة الموضوعة، كالنساج والقطاع، لأجل الحرف، وجوابه: أنه قد علم أن باب التفعيل إذا كان مما نُقل من أصل إليه أفاد بحسب المقام: إما المبالغة وإما التكثير، كما سبق في قوله تعالى: (لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) [الأنفال: ٥١]، وإذا كان موضوعاً كذلك - نحو: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً) - لم يُفد ذلك، و (الْخَلاَّقُ) من قبيل الأول.

стр. 4423

(سَبْعاً): سبع آيات وهي الفاتحة. أو: سبع سور؛ وهي الطوال، واختلف في السابعة فقيل: الأنفال وبراءة؛ لأنهما في حكم سورة واحدة، ولذلك لم يفصل بينهما بآية التسمية. وقيل: سورة يونس. وقيل: هي آل حم، أو سبع صحائف؛ وهي الأسباع. (والْمَثانِي) من التثنية وهي التكرير؛ لأن الفاتحة مما تكرر قراءتها في الصلاة وغيرها، أو من الثناء؛ لاشتمالها على ما هو ثناء على الله، الواحدة: مثناة أو مثنية؛ صفة للآية. وأمّا السور أو الأسباع؛ فلما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، ولما فيها من الثناء، كأنها تثنى على الله تعالى بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى. و (من) إما للبيان أو للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطوال، وللبيان إدا أردت الأسباع. ويجوز أن يكون كتب الله كلها مثاني؛ لأنها تثني ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: هي آل حم) عطف على قوله: "وهي الطول"، أي: السور المختصة بذكر حم في أوائلها، فإنهن جماعة: سُور اجتمعن اجتماع القرابات، ولأن الآل إنما يُستعمل في قرابات من له شأن ورفعة، كما يقول: آل محمد وآل إبراهيم، وقال تعالى: (مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ). قوله: (مُناة - ورُوي: "مَثناة" عن نسخة المصنف- أو مُثنية)، أي: المثاني واحدها: إما مَثناةٌ؛ موضع الشيء، أو مُثنية؛ اسم فاعل، والتأنيث لكونها صفة آية، فإن الآية إما أن تُتلى مكررة، أو هي مُثنية، كأنها تُثني على الله بصفاته الحسنى، على الإسناد المجازي، أو الاستعارة المكنية. قوله: (وأما السور) عطف من حيث المعنى على قوله: "لأن الفاتحة" مما تُكرر، والتقدير: أما الفاتحة فكذا، "وأما السور" فكذا، كقوله تعالى: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ) [آل عمران: ٧] بعد قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ)، كما سبق في موضعه. قوله: (وللبيان إذا أردت الأسباع) فلا يجوز على هذا البعضية كما جازت في الصورتين،

стр. 4424

عليه، ولما فيها من المواعظ المكررة، ويكون القرآن بعضها. فإن قلت: كيف صح عطف القرآن العظيم على السبع، وهل هو إلا عطف الشيء على نفسه؟ قلت: إذا عنى بالسبع للفاتحة أو الطوال، فما وراءهنّ ينطلق عليه اسم القرآن، لأنه اسم يقع على البعض كما يقع على الكل. ألا ترى إلى قوله (بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) [يوسف: ٣] يعنى سورة يوسف؟ وإذا عنيت الأسباع فالمعنى: ولقد آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم، أي: الجامع لهذين النعتين، وهو الثناء- أو التثنية- والعظم. [(لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ)] أي: لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمنّ له (إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ): أصنافاً من الكفار. فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله؟ قلت: يقول لرسول الله ﷺ : ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأن القرآن في نفسه أسباع، قال الزجاج: دخلت "مِن" للتبعيض، أي: ولقد آتيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يُثنى بها على الله تعالى، وآتيناك القرآن العظيم، ويجوز أن تكون السبع هي المثاني، وأن تكون "مِن" للصفة، كقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ) [الحج: ٣٠] أي: فاجتنبوا الأوثان. قوله: (ولقد آتيناك ما يُقال له: السبع المثاني والقرآن العظيم)، وهو كقوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً) [الأنبياء: ٤٨] أي: كتاباً جامعاً بين هذين الوصفين. قوله: (أصناف من الكفار) تفسير لقوله: (أَزْوَاجاً مِنْهُمْ). الراغب: الزوج يقال لكل من القرينين، من الذكر والأنثى، كالحيوانات المتزاوجة، وفي غيرها كالخف والنعل، ولكل ما يُقرن بآخر مماثلاً له أو مضاداً، قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) [الصافات: ٢٢].

стр. 4425

قد أوتيت النعمة العظمى التي كل نعمة وإن عظمت فهي إليها حقيرة ضئيلة؛ وهي القرآن العظيم؛ فعليك أن تستغني به، ولا تمدّن عينيك إلى متاع الدنيا. ومنه الحديث "ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن"، وحديث أبى بكر "من أوتى القرآن فرأى أن أحداً أوتى من الدنيا أفضل مما أوتى، فقد صغر عظيما وعظم صغيراً". وقيل: وافت من بُصرى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: أقرانهم المقتدين بهم في أفعالهم، قال تعالى: (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ) [الحجر: ٨٨]، أي: أشباهاً وأقراناً. قوله: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن)، قلت: هذا لا يصلح للاستشهاد، لما رويناه عن أبي داود، عن أبي لبابة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، قال: فقلت لابن أبي مُليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع. النهاية: ويشهد له الحديث الآخر: "زينوا القرآن بأصواتكم"، وكل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء. قال في "الانتصاف": حمل كثير من العلماء الحديث على الغناء وقالوا: يُغني يبنى من الغناء الممدود، لا من الغنى المقصور، وإن فعله استغنى خاصة، وقد وجدتُ بناء "تغنى" من الغنى المقصور، ففي الحديث الصحيح: "وأما التي هي له ستر فرجل ربطها تغنياً وتعففاً"، وإنما هو من الغنى المقصور، وهو مصدر "تغنى"، فدل على جواز استعماله في البناءين جميعاً. قال الجوهري: الغناء بالكسر: من السماع، والمقصور: اليسار، أي: استغنى وأغناه الله.

стр. 4426

وأذرعات سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البز والطيب والجوهر وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم الله عز وعلا: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) أي: لا تتمنّ أموالهم ولا تحزن عليهم أنهم لم يؤمنوا فيتقوّى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون، وتواضع لمن معك من فقراء المؤمنين وضعفائهم، وطب نفساً عن إيمان الأغنياء والأقوياء، (وَقُلْ) لهم: (إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) أنذركم ببيان وبرهان أنّ عذاب الله نازل بكم. [(كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ)]. فإن قلت: بم تعلق قوله: (كما أنزلنا)؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بقوله: (ولقد آتيناك) [الحجر: ٨٧]، أي: أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب، وهم المقتسمون (الذين جعلوا القرآن عِضِينَ) حيث قالوا بعنادهم وعدوانهم بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، فاقتسموه إلى حق وباطل، وعضوه. وقيل: كانوا يستهزئون به فيقول بعضهم: سورة البقرة لي، ويقول الآخر: سورة آل عمران لي. ويجوز أن يراد بالقرآن: ما يقرءونه من كتبهم، وقد اقتسموه بتحريفهم، وبأنّ اليهود أقرّت ببعض التوراة وكذبت ببعض، والنصارى أقرت ببعض الإنجيل وكذبت ببعض، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعضوه) بفتح الضاد، أي: جعلوا القرآن أعضاء، أي: أجزاء، قيل: أمر الله أن يكونوا لرسول الله مُعزين فكانوا عليه عزين، وأن يجعلوا القرآن عظات، فجعلوه عضين. قوله: (وقيل: كانوا يستهزئون به) عطف على قوله: "قالوا بعنادهم وعُدوانهم".

стр. 4427

وهذه تسلية لرسول الله ﷺ عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم، وقولهم سحر وشعر وأساطير، بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم. والثاني: أن يتعلق بقوله: (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) [الحجر: ٨٩]، أي: وأنذر قريشاً مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين، يعنى اليهود، وهو ما جرى على قريظة والنضير، جعل المتوقع بمنزلة الواقع، وهو من الإعجاز، لأنه إخبار بما سيكون وقد كان. ويجوز أن يكون (الذين جعلوا القرآن عضين) منصوباً (بالنذير)، أي: أنذر المعضين الذين يجزءون القرآن إلى سحر وشعر وأساطير، مثل ما أنزلنا على المقتسمين؛ وهم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم، فقعدوا في كل مدخل متفرّقين؛ لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله ﷺ ، يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذه تسلية لرسول الله ﷺ ، أجاب عن السؤال بوجهين: أحدهما: أن يتعلق (كَمَا أَنْزَلْنَا) بقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً) والمقتسمون: اليهود والنصارى، وهم غما اقتسموا القرآن أجزاء استهزاء واقتسموا كتبهم تحريفاً فأقروا ببعض، وكذبوا ببعض، ومكان التسلية هذا الثاني، وذلك أن قريشاً لما جزأوا القرآن إلى سحر وشعر وأساطير، قيل له ﷺ : لا تحزن، ولا يكن في صدرك حرجٌ، وللقرآن أسوة بالتوراة والإنجيل، وإليه الإشارة بقوله: "وهذه تسلية" بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم بالقرآن بعنادهم وعداوتهم. قوله: (ويجوز أن يكون (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) منصوباً بـ (النَّذِيرُ) عطفٌ على قوله "وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين" لأنه على ذلك التقدير مجرور: صفة للمقتسمين، وعلى الأول النذير مطلق في المنذر والمنذر به، وعلى هذا المنذر: الذين جعلوا القرآن عضين، والمنذر به (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ) وإليه الإشارة بقوله: "أنذر المعضين" وهو بفتح العين: جمع معض: اسم فاعل من: عضى الشاة؛ إذا جزأها.

стр. 4428

منا فإنه ساحر، ويقول الآخر: كذاب، والآخر: شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات، كالوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب وغيرهم، أو مثل ما أنزلنا على الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحاً ﵇، والاقتسام بمعنى التقاسم. فإن قلت: إذا علقت قوله: (كَما أَنْزَلْنا) بقوله: (وَلَقَدْ آتَيْناكَ)] الحجر: ٨٧ [، فما معنى توسط (لا تَمُدَّنَّ)] الحجر: ٨٨ [إلى آخره، بينهما؟ قلت: لما كان ذلك تسلية لرسول الله ﷺ عن تكذيبهم وعداوتهم، اعترض بما هو مدد لمعنى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على أن يبيتوا صالحاً)، وذلك في قوله تعالى: (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ) [النمل: ٤٩]، والقصة مذكورة في تفسير هذه الآية. قوله: (لما كان ذلك تسلية لرسول الله ﷺ أي: لما كان تشبيه إنزال السبع المثاني بإنزال الكتابين على المقتسمين من اليهود والنصارى على ما سبق تسلية لرسول الله ﷺ ، ولم يكن قوله: (لا تَمُدَّنَّ) الآية تسلية مثلها، فلم يكن اعتراضاً تاماً، قال: "اعترض بما هو مددٌ لمعنى التسلية"؛ لأن الجملة المعترضة مؤكدة لمضمون المعترض فيه، وهذا مؤكد للازمه، وذلك أن التسلية إنما يصار إليها إذا وجد الحزن والكآبة من الشخص مما لا يلائمه، فكما يحصل ذلك من جهة المستهزئين الذين يجعلون القرآن عضين، كذلك يحصل من جهة الالتفات إلى ما مُتع به الكفار من زهرة الحياة الدنيا، وكما يُشغله الأول من أن يُقبل بمجامعه على المؤمنين كذلك الثاني، وإليه أشار بقوله: "ومن الأمر بأن يُقبل بمجامعه على المؤمنين". ويمكن أن يدخُل ذلك في حيز التشبيه، وأن يُقال: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) ونهيناك عن أن تمد عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم، كذلك أنزلنا على أهل الكتاب الكتابين المعظمين، وقلنا لهم: (وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً)، فلا تكن مثلهم حيث أخلدوا إلى الأرض، ومالوا إلى حُطام الدنيا وزخرفها، وحرفوهما فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. وهذا الوجه أحسن؛ لأن التشبيه تمثيلي، وكلما كان أكثر تفصيلاً كان أدخل في الحسن، وعلى هذا لا يكون تسلية، بل يكون من باب الإلهاب والتهييج، كقوله تعالى:

стр. 4429

التسلية. من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم، ومن الأمر بأن يقبل بمجامعه على المؤمنين (عِضِينَ): أجزاء، جمع عضة، وأصلها: عضوة فعلة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء. قال رؤبة: وَلَيْسَ دِينُ اللَّهِ بِالْمَعْضِي وقيل: هي فعلة، من عضهته إذا بهته. وعن عكرمة: العضة السحر، بلغة قريش، يقولون للساحرة عاضهة. ولعن النبي ﷺ العاضهة والمستعضهة، نقصانها على الأوّل واو، وعلى الثاني هاء. [(فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ)]. (لَنَسْئَلَنَّهُمْ) عبارة عن الوعيد. وقيل. يسألهم سؤال تقريع. وعن أبى العالية: يسأل العباد عن خلتين: عما كانوا يعبدون،وماذا أجابوا المرسلين. [(فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) [. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ) [يونس: ٩٤] من المشركين، أو أن يخاطب صلوات الله وسلامه عليه، والمراد أمته، والله أعلم. قوله: ((عِضِينَ): أجزاء) قال الواحدي: (عِضِينَ): جمع عِضة، مثل: عزة وعزين، من عضيتُ الشيء: إذا فرقته، وكل فرقة عضة. قوله: (هي فعلة من عضهته)، قال السجاوندي: أو هو عضهة، كأصل "شفة": شفهة، أي: الكذب أو البهت أو السحر، مشتق من العضاه؛ لأنه يؤذين ويجرح كالشوك، وجمعُ صلامته عوض نقصان الواو والهاء، نحو: عزين وثبين. قوله: (وقيل: يسألهم سؤال تقريع) وعلى الأول، لم يُرد به السؤال، وإنما هو كناية عن مجرد الوعيد، كما تقول لمن تهدده: إنما تُسألُ عما تفعل، أي: نُجازيك به.

стр. 4430

(فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) فاجهر به وأظهره. يقال: صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً، كقولك: صرح بها، من الصديع وهو الفجر، والصدع في الزجاجة: الإبانة. وقيل: (فَاصْدَعْ) فافرق بين الحق والباطل بما تؤمر، والمعنى: بما تؤمر به من الشرائع فحذف الجارّ، كقوله: أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، أى بأمرك مصدر من المبنى للمفعول. [(إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)]. عن عروة بن الزبير في المستهزئين: هم خمسة نفر ذوو أسنان وشرف: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن الطلاطلة. وعن ابن عباس ﵁: ماتوا كلهم قبل بدر. قال جبريل ﵇ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والصدع في الزجاجة)، الراغب: الصدع: الشق في الجسام، كالزجاجة والحديد، يقال: صدعته فانصدع، وصدعته فتصدع، قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) [الروم: ٤٣]، ومنه استعير: صدع الأمر، قال تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ)، وكذا استعير منه: الصداع، وهو شبه الانشقاق في الرأس من الوجع، قال تعالى: (لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ) [الواقعة: ١٩]، ومنه: الصديع؛ للفجر، وصدعت الفلاة: قطعتها، وتصدع القوم: تفرقوا. قوله: (مصدر من المبني للمفعول)، أي: بمأموريتك، ومثله: (لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً) [الحشر: ١٣] أي: مرهوبية. وقوله: (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ) [الروم: ١]، أي: مغلوبيتهم.

стр. 4431

للنبي ﷺ : أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى ساق الوليد فمرّ بنبال فتعلق بثوبه سهم، فلم ينعطف تعظماً لأخذه، فأصاب عرقاً في عقبه فقطعه فمات، وأومأ إلى أحمص العاص بن وائل، فدخلت فيها شوكة، فقال: لدغت لدغت وانتفخت رجله، حتى صارت كالرحى ومات، وأشار إلى عينى الأسود بن المطلب، فعمى وأشار إلى أنف الحارث بن قيس، فامتخط قيحاً فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. [(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ* وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ)]. (بِما يَقُولُونَ) من أقاويل الطاعنين فيك وفي القرآن (فَسَبِّحْ) فافزع فيما نابك إلى الله. والفزع إلى الله: هو الذكر الدائم وكثرة السجود، يكفك ويكشف عنك الغم. ودم على عبادة ربك (حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) أي الموت، أي ما دمت حياً فلا تخل بالعبادة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((فَسبح) فافزع فيما نابك إلى الله)، يريد أن قوله: (فَسُبْحَ) أمر بإزالة ما كان يلحقه من ضيق الصدر، وفي الحقيقة المزيل هو الفزع إلى الله تعالى، فوضع التسبيح موضع اللجأ، واللجأ إلى الخلق بالدخول في كنفه، واللحوق إلى خفارته، وإلى الله بالتضرع إليه بالذكر الدائم والخضوع بين يديه بالسجود المتوالي. قوله: (يكفك ويكشف عنك الغم): جواب الأمر، وهو (فَسُبْحَ). قوله: ((حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) أي: الموت، أي: ما دُمت حياً فلاتُخِل بالعبادة)، قال محيي السنة: هذا معنى قوله: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) [مريم: ٣١]. وقال الإمام: سُمي الموت يقيناً، لأنه أمر متيقن.

стр. 4432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … وقال الراغب: اليقين من صفة العلم، فوق المعرفة والدراية وأخواتها، يقال: علمُ يقين، ولا يقال: معرفة يقين، وهو سكون النفس مع ثبات الحكم، يقال: استيقن وأيقن. أما دلالة النظم عليه، فإن في عطف (وَاعْبُدُ) على (فَسَبِحْ) وترتيبه بالفاء، على قوله: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) بعد الأمر بالإعراض عن المشركين إشعاراً بمُتاركة القوم والإقناط من إيمانهم، أي: بذلت جُهدك واستفرغت ما في وُسعك من الإنذار والتبليغ، فأعرض عنهم، وفوض أمرهم إلى مقتضى قولنا: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) كما قال في حم: (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الزخرف: ٨٩] واشتغل بما هو مختص بك من العبادة حتى تختار جوار الرفيق الأعلى. وأما ما رواه السُّلمي عن الواسطي: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ) لا تُلاحظ غيره في الأوقات (حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) فيتحقق عندك أنك لا تُحس بغير الحق، ولا ترى إلا الحق، ولا يجاذبك إلا الحق، فهو إشارة إلى الإرشاد إلى العروج في درجات العبودية والترقي إلى مقام رفع الحول والقوة إلا بالله كما ورد في الحديث القدسي: "ما يتقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، وإن استعاذني أعذته … " الحديث، أخرجه البخاري عن أبي هريرة.

стр. 4433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … ويمكن أن يُقال: إن قوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ) لما كان حكماً مرتباً على قوله: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) وفيه إرشاد إلى إزالة ذلك الضيق الذي هو نتيجة القلق والاضطراب لأجل النظر إلى الغير في ضيق عالم الشهادة بالأخذ بالتسبيح والعبادة المؤدي إلى حصول ثلج اليقين، وانشراح الصدر بسبب النظر إلى فُسحة عالم الغيب، وأن الكائنات تابعة لمراد الله ومقتضى مشيئته وحكمته، استقام إجراء اليقين على حقيقته، أي: اعبد ربك لكي يتحقق لك ذلك، فيزول عنك ذلك، وإلى هذا المعنى ينظر قوله: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) [البقرة: ٤٥]: انقطاعاً إليه واعتماداً عليه، (حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) بأن الأمر كله إلى الله، وهو متولي إضلال من ضل وهداية من هدى، وعن الواسطي: (حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) أنه لا غله يسوق إليك المكاره ويصرفها عنك إلا الله، ولا إله يسوق إليك المحاب ويصرفها عنك إلا هو. وبهذا انكشف أن عبادة الله هي العمدة العظمى، والمقصد الأقصى، وبها تُنال الدرجات العُليا، ولو أن أحداً استغنى عنها لكان أفضل الخلق أولى وأحرى، وكيف لا وما شرُف بما شرف به في أشرف مقاماته إلا بتشريف: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) [الإسراء: ١]؟

стр. 4434

وعن النبي ﷺ : أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار، والمستهزئين بمحمد ﷺ ». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وروى السُّلمي عن ابن عطاء: لم يرض الله من نبيه ﷺ لمحة عين إلا في عبادته. والله أعلم بأسرار كلامه.

стр. 4435

سورة النحل مكية، غير ثلاث آيات في آخرها وهي مئة وثمان وعشرون آية، وتسمى سورة النعم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ)]. كانوا يستعجلون ما وعدوا به من قيام الساعة أو نزول العذاب بهم يوم بدر، استهزاء وتكذيباً بالوعد، فقيل لهم (أَتى أَمْرُ اللَّهِ) الذي هو بمنزلة الآتي الواقع وإن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة النحل وتسمى سورة النِّعَم مكية، وهي مئة وثمان وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: ((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) أي: هو بمنزلة الآتي الواقع)، الراغب: الإتيان: مجيء بسهولة، ومنه قيل للسيل المار على وجهه: أتى وأتاوىٌّ، وبه شُبه الغريبُ، فقيل: أتاويٌّ، والإتيان: يُقال للمجيء بالذات وبالأمر وبالتدبير، ويقالُ في الخير والشر، وفي الأعيان والأعراض، قال تعالى: (إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ) [الأنعام: ٤٠] أي بالأمر والتدبير، وقال: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) [النحل: ١].

стр. 4436

كان منتظراً لقرب وقوعه (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) روى أنه لما نزلت (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ)] القمر: ١ [قال الكفار فيما بينهم إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت، فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً، فنزلت (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ)] الأنبياء: ١ [فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد، ما نرى شيئاً مما تخوفنا به، فنزلت أَتى (أَمْرُ اللَّهِ) فوثب رسول الله ﷺ ورفع الناس رؤوسهم، فنزلت (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) فاطمأنوا وقرئ: (تستعجلوه)، بالتاء والياء (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) تبرأ عن أن يكون له شريك، وأن تكون آلهتهم له شركاء. أو عن إشراكهم، على أنّ «ما» موصولة أو مصدرية. فإن قلت: كيف اتصل هذا باستعجالهم؟ قلت: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال أيضاً: والعجلة: طلب الشيء وتحريه قبل أوانه، وهي من مقتضى الشهوة، فلذلك صارت مذمومة في عامة التنزيل، حتى قيل: العجلة من الشيطان، وقوله تعالى: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) [طه: ٨٤] فذكر أن عجلته وإن كانت مذمومة فالذي دعا إليها أمرٌ محمود، وهو طلب رضي الله، وقوله تعالى: (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء: ٣٧]، قال بعضهم: من حمأٍ، وليس بشيء، بل ذلك تنبيه على أنه لا يتعرى من ذلك، وأن ذلك إحدى القوى التي رُكبَ عليها، وعلى ذلك قال: (وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) [الإسراء: ١١]، والعُجالة: ما يُعجل أكله، كاللهنة. وهي السُّفلة، وهي ما يتعلل به الإنسان قبل إدراك الطعام. قوله: (قرئ: (تَسْتَعْجِلُوهُ) بالتاء والياء)، بالتاء الفوقانية: هي المشهورة، وبالياء: شاذة. قوله: (عن أن يكون له شريك)، هذا على أن تكون "ما": موصولة، وقوله: "وأن تكون آلهتهم شركاء" عطفٌ على سبيل البيان، وقوله: "أو عن إشراكهم" على أن "ما" مصدرية.

стр. 4437

لأنّ استعجالهم استهزاء وتكذيب وذلك من الشرك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن استعجالهم استهزاء وتكذيب، وذلك من الشرك)، فـ"مِن" إما ابتدائية، فالمعنى: ذلك من أجل الشرك وبسببه، أو تبعيضية، أي: وذلك بعضُ الشرك، والمعنى على الوجهين هو: أن من استهزأ بوعد الله ووعيده، وكذبه فيما أثبت له العجز والقصور والاحتياج إلى الغير، أو أن أحداً يحجزه من إنجاز وعده وإمضاء وعيده، قال الإمام: قال الكفار: هب أنا سلمنا لك ما تقول من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا إلا أنا نعبدُ هذه الأصنام فإنها شفعاؤنا عند الله، فتشفع لنا فنتخلص من العذاب، فأجاب الله تعالى بقوله: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). وكذا لخص القاضي. وقلتُ: ويمكن أن يقال: إن الخطاب في قوله: (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) عام يدل عليه ما رواه لما نزلت (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ) [القمر: ١] إلى قوله: فنزلت (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)، فوثب النبي ﷺ ورفع الناس رؤوسهم وظنوا أنها قد أتت حقيقة، فنزلت (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) فاطمأنوا. ورواه محيي السنة بتمامه، عن ابن عباس، كأنه يل: قرب وأتى أمر الله فلا تستعجلوه؛ لأن ما هو آتٍ، آتٍ، كما يُقال لمن يطلب الإغاثة، وقد قرب حصولها: جاءك الغوث، ثم التفت من الخطاب إلى الغيبة في قوله: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) نعياً على المشركين خاصة إلى غيرهم واستبعاداً لسوء صنيعهم، يعني: ماذا يستعجل منه أولئك البُعداء مع هذه العظيمة التي ارتكبوها، كقوله تعالى: (مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) [يونس: ٥٠]، فما أبعدهم من قوم، وما أجهلهم من جيل في إشراكهم بالله تعالى مع تعاضد الأدلة السمعية والعقلية في قلعه واستعجالهم فيما يُرديهم! . وإلى السمعية الإشارة بقوله: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ) [النحل: ٢] الآية، أي: يُنزل الله تعالى ملائكته المقربين ملتبسين بوحيه وكلامه الذي هو بمنزلة الروح للجسد وبمثابة الحياة

стр. 4438

وقرئ: (يُشْرِكُونَ)، بالتاء والياء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للقلوب الميتة، ويختار لرسالته والإنذار بها الخيرة من عباده، والمصطفين من خلقه ليقيموا بالدعوة إلى التوحيد وبالأمر بالتقوى الذي هو ملاك الدين. وإلى العقلية الإشارة بقوله: (خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ) [النحل: ٣]، و (خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ)، وهما من كلا نوعي الدليل: الآفاقي والأنفسي، وضُم إلى الأول ما ابتدئ به من قوله: (تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) تقديراً، وإلى الثاني قوله: (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) تقريعاً، أي: خصيم لربه مُنكرٌ على خالقه، وصفاً له بالإفراط في الوقاحة والجهل والتمادي في كفران النعمة، ثم شرع في بيان النعم السابغة والآلاء المتتابعة إلى آخر السورة، ولذلك سُميت السورة بسورة النعم، وفي كل ذلك إشارة للمؤمنين إلى ترك الاستعجال والتأني في الأمور والاشتغال بالأهم والأخذ في الاستعداد، وتأهب الزاد ليوم المعاد، بالتزام التوحيد، والذكر الدائم، والاكتساء بلباس التقوى، وتقرير الدلائل للإرشاد، والتذكير بآلاء الله، شاكرين مستعصمين بحبله، مستمسكين بالعروة الوثقى. فإن قلت: ما موضع قوله: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ)؟ قلت: إما حال من واو (يُشْرِكُونَ) مقررة لجهة الإشكال، وإما استئناف لبيان الاستبعاد، وكذا قوله: (خَلَقَ السَّمَوَاتِ). فإن قلت: فلم خولف بين العبارتين مستقبلاً وماضياً مع اتحاد المغزى؟ قلتُ: للإيذان بالاستمرار في الأول إنزالاً غب إنزال وإرسالاً بعد إرسال. والتحقيق في الثاني، والله أعلم. قوله: (وقرئ: (يُشْرِكُونَ)، بالياء والتاء)، حمزة والكسائي: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء، في الموضعين.

стр. 4439

[(يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ) [. (يُنَزِّلُ) قرئ بالتخفيف والتشديد. وقرئ (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ) أي تنزل (بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِه) ِ بما يحيى القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال القاضي: الياء التحتانية على تلوين الخطاب، أو على الخطاب للمؤمنين، أو لهم ولغيرهم. قوله: ((يُنَزِّلُ) قرئ بالتخفيف والتشديد)، بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو. قوله: (بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه)، "مِن": بيان "ما"، تلخيصه: يُنزلُ الملائكة بالوحي، شبه الوحي تارة بالروح لما فيه من حياة الروح الميتة بالجهل، وأخرى بها لما يتزين به الدين كما تتزين الروح بالجسد، ثم أقيم المشبه به مقام المشبه، فصار استعارة تحقيقية مصرحة، والقرينة الصارفة عن رادة الحقيقة: إبدال (أَنْ أَنذِرُوا) من "الروح"، قيل: (مِنْ أَمْرِهِ) مخرجُ الاستعارة إلى التشبيه، كما في قوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ) [البقرة: ١٨٧]. قلتُ: بينهما بونٌ بعيد؛ لأن نفس الفجر عين المشبه الذي شُبه بالخيطين، وليس مطلق الأمر هاهنا مشبهاً بالروح حتى يكون بياناً له؛ لأنه أمر عام بمعنى الشأن والحال، ولهذا يصح أن يُفسر الروح الحيواني به، كقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء: ٨٥] أي: من شأنه، ومما استأثر الله بعلمه، وأن يُفسر الروح المراد منه الوحي به، أي: من شأنه ومما أنزله على أنبيائه. نعم، هو مجاز أيضاً؛ لأن الأمر العام إذا أطلق على فرد من أفراده كان مجازاً، ومن ثم قال المصنف في قوله تعالى: (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِي) [غافر: ١٥]: الروح من أمره الذي هو سبب الحياة من أمره،

стр. 4440

في الجسد، و (أَنْ أَنْذِرُوا) بدل من الروح، أى ينزلهم بأن أنذروا. وتقديره: بأنه أنذروا، أي: بأن الشأن أقول لكم أنذروا. أو تكون «أن» مفسرة، لأنّ تنزيل الملائكة بالوحي فيه معنى القول. ومعنى (أنذروا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا) أعلموا بأنّ الأمر ذلك، من نذرت بكذا إذا علمته. والمعنى: يقول لهم أعلموا الناس قولي (لا إله إلا أنا فَاتَّقُونِ). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يريد الوحي الذي هو أمر بالخير، وبعث إليه، فاستعار له الروح. انتهى كلامه. فيكون البيان والمبين كلاهما مجازين مترادفين، ولما كان البيان والمبين كشيء واحد جمعهما في قوله: (الرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ) الذي هو سبب الحياة، وأيضاً لو كان تشبيهاً لفُهم التشبيه على تقدير الوقف على أمره، والله أعلم. قوله: (بأن الشأن أقول لكم)، عن بعضهم: إنما زاد في التفسير "أقول" لأن الأمر لا يقع خبراً للمبتدأ، وهو الشأن. وقلت: يعني أن ضمير الشأن مبتدأ، و (أُنْذِرُوا): خبره، وهو إنشاء، فلابد من تقدير القول ليصح حملُ الإنشائي على المبتدأ، وأما تقدير "يقول" في الوجه الثاني، أي: يقول لهم الله: أعلموا الناس، فهو معنى (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ)، لأنه حينئذ في تقدير القول، قال القاضي: الآية تدل على أن نزول الوحي بوساطة الملائكة، وأن حاصله التنبيه على التوحيد الذي هو كمال القوة العلمية، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة العملية، وأن النبوة عطائية، والآيات التي بعدها دليل على وحدانيته، من حيث إنها تدل على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة، ولو كان له شريك لقدر على ذلك، فيلزم التمانع. قوله: (أعلموا بأن الأمر ذلك) إنما فسر الإنذار بالإعلام ليستقيم إيقاعه على قوله: (أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا)، كقوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ).

стр. 4441

[(خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) [. ثم دلّ على وحدانيته وأنه لا إله إلا هو بما ذكر، مما لا يقدر عليه غيره من خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان وما يصلحه، وما لا بدّ له منه من خلق البهائم لأكله وركوبه وجرّ أثقاله وسائر حاجاته، وخلق ما لا يعلمون من أصناف خلائقه، ومثله متعال عن أن يشرك به غيره. وقرئ: (يُشْرِكُونَ)، بالتاء والياء (فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) فيه معنيان، أحدهما: فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مكافح للخصوم مبين للحجة، بعد ما كان نطفة من منىّ جماداً لا حس به ولا حركة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من خلق البهائم)، بيان ما يصلحه، و"خلقٌ" فيه مقحمٌ للتأكيد. قوله: (وقرئ: (يُشْرِكُونَ) بالياء التحتاني: حمزة والكسائي. قوله: ((فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ): فيه معنيان)، يعني: في ترتب (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) على كونه نطفة معنيان، أحدهما: الإيذان بانتهاء حالتي حقارته وعظمته، وإفراطه وتفريطه، وثانيهما: الإشعار بتعكيس أمره حيث إنه تعالى نقله من أخس أحواله إلى أشرفها ليشكر فكفر، كقوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: ٨٢] وقلتُ: هذا المعنى مؤكد لما فسرنا به قوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) من قولنا: ما أجهلهم من جيل في إشراكهم بالله تعالى مع تعاضد الأدلة السمعية والعقلية في فعله.

стр. 4442

دلالة على قدرته. والثاني: فإذا هو خصيم لربه، منكر على خالقه، قائل: (مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ)] يس: ٧٨ [، وصفاً للإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل، والتمادي في كفران النعمة. وقيل نزلت في أبىّ بن خلف الجمحي حين جاء بالعظم الرميم إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، أترى الله يحيى هذا بعد ما قد رمّ؟ ! [(وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَاكُلُونَ) [. الْأَنْعامَ: الأزواج الثمانية، وأكثر ما تقع على الإبل، وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر، كقوله (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ)] يس: ٣٩ [ويجوز أن يعطف على (الإنسان)] النحل: ٤ [، أى: خلق الإنسان والأنعام، ثم قال (خَلَقَها لَكُمْ) أى ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان. والدفء: اسم ما يدفأ به، كما أنّ الملء اسم ما يملأ به، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (دلالة على قدرته)، نصبٌ؛ مفعول له لمقدر، أي: ذكر الله تعالى خلق الإنسان من نطفة وجعله خصيماً مبيناً دلالة على قدرته تعالى، وكذا قوله: "وصفاً للإنسان"، والفرق أن القصد الأولى في سوق الآية على الأول بيان قدرة الله الكاملة، وأنه تعالى خلق من الشيء الحقير هذا الخلق الخصيم، كقوله تعالى: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) إلى قوله: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) [المرسلات: ٢٠ - ٢٣]، وعلى الثاني: القصد إلى بيان وقاحة الإنسان وتعديه طوره، كقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) [يس: ٨٧ - ٨٨]، ويؤيد الأول قوله: (خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) وقوله: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ)، والثاني قوله: (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)، وكذا قوله: (تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، والثاني أوفق لتأليف النظم. قوله: (وأكثر ما تقع على الإبل)، "ما": مصدرية: أي: "الأنعامُ" أكثر وقوعها على الإبل. قوله: (ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم)، دل على الحصر لام الاختصاص في (لَّكُمْ)،

стр. 4443

وهو الدفاء من لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر. وقرئ: (دفّ)، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الفاء (وَمَنافِعُ) هي نسلها ودرّها وغير ذلك. فإن قلت: تقديم الظرف في قوله (وَمِنْها تَاكُلُونَ) مؤذن بالاختصاص، وقد يؤكل من غيرها. قلت: الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم. وأما الأكل من غيرها من الدجاج والبط وصيد البر والبحر فكغير المعتدّ به وكالجاري مجرى التفكه. ويحتمل أن طعمتكم منها، لأنكم تحرثون بالبقر فالحبّ والثمار التي تأكلونها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مع فحوى الخطاب، ولذلك قال: "يا جنس الإنسان"، ويُمكن أن لا يُعلق (لَّكُمْ) بـ (خَلَقَهَا)، بل يكون خبر (دِفْءٌ) لتطابق قرينتها، وهي (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)، فيحصل نوع من الاختصاص من تقديم الخبر، وأما تخصيص ذكر جنس الإنسان فلإفادة الالتفات، وهو الانتقال من الغيبة إلى الخطاب، وفائدة المكافحة: تتميم معنى الإنكار على كفران النعمة الذي يعطيه قوله: (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ). قوله: (من صوف أو وبر أو شعر)، أي: من الغنم أو الإبل أو المعز، والدف: آلة الدفء. قوله: (التفكه)، الأساس: ومن المجاز: تفكه بكذا: تلذذ به، وفاكهت القوم مفاكهة: طايبتهم. قوله: (ويحتمل أن طعمتكم منها)، فهو من إطلاق السبب على المسبب، ويجوز أن يُقال: ومنها ينتفعون، فيكون المجاز في "تأكلون"؛ لأن الكلام مع أرباب المواشي، وعلى الأول المجاز في الأنعام من إطلاق مُعظم الشيء على كله، وكل ذلك تعسف؛ لأن التقديم لمراعاة الفواصل، ويكون من عطف الخاص على العام؛ لأن الأكل أصل الانتفاع.

стр. 4444

منها وتكتسبون بإكراء الإبل وتبيعون نتاجها وألبانها وجلودها. [(وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)]. منّ الله بالتجمل بها كما منّ بالانتفاع بها، لأنه من أغراض أصحاب المواشي، بل هو من معاظمها، لأنّ الرعيان إذا روّحوها بالعشي وسرحوها بالغداة - فزينت بإراحتها وتسريحها الأفنية وتجاوب فيها الثغاء والرغاء - أنست أهلها وفرحت أربابها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من الله تعالى بالتجمل بها)، الراغب: الجمال: الحسنُ الكثير، وذلك ضربان، أحدهما: جمال يختص به الإنسان في نفسه أو بدنه أو فعله، والثاني: ما يصل به منه إلى غيره، وعلى هذا الوجه ما روى: "إن الله جميل يحب الجمال"، تنبيهاً أنه منه تفيض الخيرات الكثيرة، فيحب من يختص بذلك، يقال: جاملت فلاناً وأجملت في ذا، والجمل يقال: للبعير إذا بزل، والجاملُ: قطعة من الإبل معها راعيها، وتسمية الجمل بذلك، يجوز أن يكون لما قد أشار إليه بقوله: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ)؛ لأنهم كان يعدون ذلك جمالاً لهم. قوله: (وسرحوها بالغداة)، الراغب: السرح: شجر له ثمرة، الواحدة سرحة، وسرحت الإبل: إذا أرسلت أن ترعاه السرح، ثم جُعل لكل إرسال في الرعي، قال تعالى: (حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)، والسارح: الراعي، والتسريح في الطلاق: مستعار من تسريح الإبل، كالطلاق في كونه مستعاراً من إطلاق الإبل. قوله: (الثغاء والرغاء)، الجوهري: الرغاء: صوت ذوات الخف، وقد رغا البعير يرغو رُغاء: إذا ضج، والثغاء: صوت الشاة والمعز وما شاكلها، وفي قوله: "وتجاوب فيه الثغاء والرغاء" معنى قول أبي العلاء:

стр. 4445

وأجلتهم في عيون الناظرين إليها، وكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس. ونحوه (لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً)، (يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً)] الأعراف: ٢٦ [. فإن قلت: لم قدّمت الإراحة على التسريح؟ قلت: لأنّ الجمال في الإراحة أظهر، إذا أقبلت ملاء البطون حافلة الضروع، ثم أوت إلى الحظائر حاضرة لأهلها. وقرأ عكرمة: (حينا تريحون وحينا تسرحون)، على أن (تُرِيحُونَ) و (تَسْرَحُونَ) وصف للحين. والمعنى: تريحون فيه وتسرحون فيه، كقوله تعالى (يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ)] لقمان: ٢٣ [. [(وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) [. قرئ: (بِشِقِّ الأَنفُسِ)، بكسر الشين وفتحها. وقيل: هما لغتان في معنى المشقة، وبينهما فرق: وهو أن المفتوح مصدر شق الأمر عليه شقا، وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع. وأما الشق فالنصف، كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد. فإن قلت: ما معنى قوله: (لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ)؟ كأنهم كانوا زمانا يتحملون المشاق في بلوغه حتى حملت الإبل أثقالهم. قلت: معناه وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معان من أحبتنا معانُ … يُجيب الصاهلات بها القيان وهو من باب التكميل، ولهذا قال: "وكسبتهم الجاه والحُرمة عند الناس، ومنه قوله: (لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) " جمع بين الانتفاع والزينة، كما جمع بين ستر العورة والزينة قوله تعالى: (يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً) [الأعراف: ٢٦]، لأن الريش: الجمال والزينة. قوله: (ملاء البطون)، الجوهري: والملء بالفتح: مصدر قولك: ملأت الإناء، فهو مملوء، والملء بالكسر: اسم ما يأخذه الإناء إذا امتلأ، يقال: أعطى ملأه وملأيه، وضرعٌ حافل، أي: ممتلئ لبناً.

стр. 4446

في التقدير لو لم تخلق الإبل إلا بجهد أنفسكم، لا أنهم لم يكونوا بالغيه في الحقيقة. فإن قلت: كيف طابق قوله: (لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ) قوله: (وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ)؟ وهلا قيل: لم تكونوا حامليها إليه؟ قلت: طباقه من حيث أن معناه: وتحمل أثقالكم إلى بلد بعيد قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة، فضلا أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم. ويجوز أن يكون المعنى: لم تكونوا بالغيه بها إلا بشق الأنفس. وقيل: (أثقالكم) أجرامكم. وعن عكرمة: البلد مكة (لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) حيث رحمكم بخلق هذه الحوامل وتيسير هذه المصالح. [(وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لم تكونوا بالغيه بها)، أي: بالأثقال، والباء فيه، ظرف لغوٍ للتعدية، وفي بشق الأنفس مستقر، قال أبو البقاء: (بِشِقِّ): في موضع الحال من الضمير المرفوع في (بَالِغِيهِ)، أي: مشقوقاً عليكم، وأما توجيه السؤال: كيف ناسب قوله: (لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ) قوله: (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ)؛ لأن المناسب أن يقال: لم تكونوا حامليه، لأن الحمل شيء، والبلوغ شيء آخر؟ وأجاب: أن المناسبة بحسب المعنى، وهو على وجوه ثلاثة، أحدها: أن تجعل التنكير في (بَلَدٍ) للتفخيم والتكثير، أي: بلدٍ بعيدٍ شاسع، ليناسبه البلوغ، ويلزم منه الحديث في نفي الحمل بالطريق الأولى، كما قال: فضلاً أن تحملوا على ظهوركم. وثانيها: أن يُقدر في (بَالِغِيهِ) ما يعود إلى الأثقال. وثالثها: أن يُحمل الأثقال على الأجرام. قال في "الانتصاف": ويمكن أن يقال: إنه استغنى بذكر البلوغ عن ذكر حملها؛ لأن ذلك معلوم من العادة؛ لأن المسافر لا يستغني عن أثقال يستصحبها، والأول أولى.

стр. 4447

(وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ) عطف على (الأنعام)] النحل: ٥ [، أي: وخلق هؤلاء للركوب والزينة، وقد احتج على حرمة أكل لحومهن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ): عطف على "الأنعام")، الراغب: الخيال أصله الصورة المجردة كالصورة المتصورة في المنام وفي المرآة، وفي القلب بعد غيبوبة المرئي، ثم يستعمل في صورة كل أمر متصور، وفي كل شخص دقيق يجري مجرى الخيال، والتخييل: تصوير خيال الشيء في النفس، والتخيل: تصور ذلك، وخلت: بمعنى ظننت، يقالُ اعتباراً بتصور خيال المظنون، ويقال: خيلت السماء: أبدت خيالاً للمطر، وفلانٌ مخيل بكذا أي: خليق، وحقيقته أنه مظهر خيال ذلك، والخيلاء: التكبر على تخيل فضيلة تراءت للإنسان في نفسه، ومنه الخيل لما قيل: إنه لا يركب أحدٌ فرساً إلا وجد في نفسه نخوة. قوله: (وقد احتج على حرمة أكل لحومهن)، قال الإمام: واحتج القائلون بتحريم لحوم الخيل بهذه الآية، قالوا: منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب، ولو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر، وحيث لم يُذكر علمنا تحريمه، ولأنه تعالى قال في صفة الأنعام: (وَمِنْهَا تَاكُلُونَ)، والتقديم يفيد الحصر، ثم قرن بعده الخيل مع البغال والحمير، وذكر أنها مخلوقة للركوب والزينة، ولأن قوله: (لِتَرْكَبُوهَا) يقتضي أن يكون تمام المقصود من خلق هذه الأشياء هو الركوب والزينة، ولو حل أكلها لم يكن تمام المقصود من خلقها الركوب والزينة. وقال: أجاب الواحدي بجواب حسن، قال: لو دلت الآية على تحريم أكل هذه الحيوانات، لكان هذا التحريم معلوماً في مكة، لأن السورة مكية، ولو كان كذلك، لكان قول عامة المفسرين والمحدثين: إن لحوم الحُمر الأهلية حرمت عام خيبر غير صحيح؛ لأن التحريم لما كان حاصلاً قبل يوم خيبر، لم يبق لتخصيصه بذلك اليوم فائدة.

стр. 4448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. ويعضده ما رُوينا عن الترمذي وأبي داود وابن ماجه، عن المقداد قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا غني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعانُ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتُم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا أكل ذي ناب من السباع"، والحديث صرح أن الحمار ما حُرم بالكتاب، بل بالسنة. وقال محي السنة: واحتج بهذه الآية من حرم لحوم الخيل، وهو قول ابن عباس، وتلا هذه الآية فقال: هذه للركوب، وإليه ذهب الحكم ومالك وأبو حنيفة، وذهب جماعة إلى إباحتها، وهو قول الحسن وشريح وعطاء وسعيد بن جبير، وبه قال الشافعي واحمد وإسحاق، ومن أباحها قال: ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم، بل المراد منه تعريف الله عباده نعمه، وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، واحتجوا بما روى جابر، أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والدارمي وابن ماجه، والتحقيق هذا. وبيانه: أنه لما نهى المشركين عن استعجال نزول العذاب استهزاء بقوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) كأنه ما التفت إلى استهزائهم، وأخرج الكلام على الأسلوب الحكيم، أي: لم تستعجلون بنزول ما يُرديكم ويستأصلكم؟ فهلا تنتفعون بنزول ما يحييكم، وينجيكم منه، وهو هذا القرآن الذي هو بمثابة الروح لحياة القلوب الميتة، وهذا الرسول الكريم، وبالمؤمنين رؤوف رحيم، يدعوكم إلى التوحيد والتقوى، ويبصركم الدلائل الدالة على وحدانيته لئلا تشركوا به شيئاً، وينبهكم على النعم السابغة التي توجب أن تشكروه

стр. 4449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. وتعبدوه من دلائل الآفاق والأنفس وما خلق لكم من الأنعام وغيرها لانتفاعكم بها بالأكل والركوب وجر الأثقال والزينة على ما ألفتم واتخذتم شعاراً لأنفسكم وافتخرتم بها؟ يدل عليه قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ). وأما الجواب عن قولهم: "لو كان أكل لحوم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر"، فقد أشار إليه القاضي بأن قال: لا دليل فيه، إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يُقصد به غالباً أن لا يقصد منه غيره أصلاً، وأما الجواب عن الحصر بتقديم معمول (يَاكُلُونَ)، فهو النظر إلى رعاية الفواصل لا غير، كما سبق هذا، ولو فهم الصحابة رضوان الله عليهم من هذه الآيات غير ما هي عليه من بيان الامتنان، لم يكن فعلهم يوم خيبر رشيداً، على ما روينا في "صحيح البخاري"، عن البراء بن عازب وعبد الله بن أبي أوفى: أنهم كانوا مع النبي ﷺ ، فأصابوا حمراً فطبخوها، فنادى منادي رسول الله ﷺ : أكفئوا القدور. فإن قلت: لم لا يجوز أن يستنبط التحريم على طريقة إشارة النص؟ قلت: إشارة النص من الدلائل الدقيقة اللطفة المستخرجة من الأحكام، والكلام مسوق للامتنان كما سبق. نعم، فيه إشارة إلى جُل الغرض فيها، ومعظم الانتفاع منها ما ذكر من الركوب والزينة، وأما التحريم فلا، ولابد من دليل منفصل للتحريم والتحليل، والدليل من جانبنا، ولولا أن ورود الآية للامتنان بحسب ما ألفوا واعتادوا لم يذكر الزينة أصلاً، وكيف ذلك وقد ورد النهي عنها على ما روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود والنسائي، عن أبي هريرة في حديث طويل: قال رسول الله ﷺ : "الخيل ثلاثة: هي لرجل أجرن ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله"، وساق الحديث إلى قوله: "ورجل ربطها تغنياً وتعففاً ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي لذلك الرجل ستر، ورجل ربطها فخراً ورياء ونواء على أهل الإسلام، فهي على ذلك وزر" الحديث.

стр. 4450

بأن علل خلقها بالركوب والزينة، ولم يذكر الأكل بعد ما ذكره في الأنعام. فإن قلت: لم انتصب (وَزِينَةً)؟ قلت: لأنه مفعول له، وهو معطوف على محل (لتركبوها). فإن قلت: فهلا ورد المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد؟ قلت: لأنّ الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق. وقرئ: (لتركبوها زينة)، بغير واو، أي: وخلقها زينة لتركبوها. أو تجعل (زينة) حالا منها، أي: وخلقها لتركبوها وهي زينة وجمال (وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ) يجوز أن يريد به: ما يخلق فينا ولنا مما لا نعلم كنهه وتفاصيله ويمنّ علينا بذكره كما منّ بالأشياء المعلومة مع الدلالة على قدرته. ويجوز أن يخبرنا بأن له من الخلائق ما لا علم لنا به، ليزيدنا دلالة على اقتداره ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما ذكره في الأنعام)، أي: في شأن الأنعام، وهو قوله تعالى: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ). قوله: (وأما الزينة ففعل الزائن، وهو الخالق)، يعني: يكفي في شرط حذف اللام أن يكون مصدراً وفعلاً لفاعل الفعل المعلل، وفيه دليل على أن المقارنة ليست بشرط، قال صاحب "التخمير": "المقارنة ليست بشرط، بدليل قوله: (وَزِينَةٌ) فـ"زينة" منصوب بمعنى اللام، ولم تكن موجودة وقت الخلق، فالمعنى: بالمقارنة أن لا يكون متقدماً، ولا بأس بالتأخر، نحو: شربت الدواء إصلاحاً للبدن، والإصلاح متأخر غير واقع عند الشرب". وقال السجاوندي في "شرح المفصل": ولابد من أن يكون المصدر واقعاً بعد الفعل. وقال صاحب "الانتصاف": والجواب القوي أن الركوب هو المقصود الأصلي من هذه الأشياء، والتزيين تابع، فاقترن المقصود باللام الصريحة؛ لأنه أهم الغرضين، وحُذفت من الزينة لأنها تبع، وكذا عن القاضي. قوله: (وخلقها زينة لتركبوها)، أي: خلق بمعنى: جعل، وزينة: ثاني مفعولية.
следующие страницы →