← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

في التقدير لو لم تخلق الإبل إلا بجهد أنفسكم، لا أنهم لم يكونوا بالغيه في الحقيقة. فإن قلت: كيف طابق قوله: (لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ) قوله: (وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ)؟ وهلا قيل: لم تكونوا حامليها إليه؟ قلت: طباقه من حيث أن معناه: وتحمل أثقالكم إلى بلد بعيد قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة، فضلا أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم. ويجوز أن يكون المعنى: لم تكونوا بالغيه بها إلا بشق الأنفس. وقيل: (أثقالكم) أجرامكم. وعن عكرمة: البلد مكة (لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) حيث رحمكم بخلق هذه الحوامل وتيسير هذه المصالح. [(وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لم تكونوا بالغيه بها)، أي: بالأثقال، والباء فيه، ظرف لغوٍ للتعدية، وفي بشق الأنفس مستقر، قال أبو البقاء: (بِشِقِّ): في موضع الحال من الضمير المرفوع في (بَالِغِيهِ)، أي: مشقوقاً عليكم، وأما توجيه السؤال: كيف ناسب قوله: (لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ) قوله: (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ)؛ لأن المناسب أن يقال: لم تكونوا حامليه، لأن الحمل شيء، والبلوغ شيء آخر؟ وأجاب: أن المناسبة بحسب المعنى، وهو على وجوه ثلاثة، أحدها: أن تجعل التنكير في (بَلَدٍ) للتفخيم والتكثير، أي: بلدٍ بعيدٍ شاسع، ليناسبه البلوغ، ويلزم منه الحديث في نفي الحمل بالطريق الأولى، كما قال: فضلاً أن تحملوا على ظهوركم. وثانيها: أن يُقدر في (بَالِغِيهِ) ما يعود إلى الأثقال. وثالثها: أن يُحمل الأثقال على الأجرام. قال في "الانتصاف": ويمكن أن يقال: إنه استغنى بذكر البلوغ عن ذكر حملها؛ لأن ذلك معلوم من العادة؛ لأن المسافر لا يستغني عن أثقال يستصحبها، والأول أولى.

стр. 4447

(وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ) عطف على (الأنعام)] النحل: ٥ [، أي: وخلق هؤلاء للركوب والزينة، وقد احتج على حرمة أكل لحومهن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ): عطف على "الأنعام")، الراغب: الخيال أصله الصورة المجردة كالصورة المتصورة في المنام وفي المرآة، وفي القلب بعد غيبوبة المرئي، ثم يستعمل في صورة كل أمر متصور، وفي كل شخص دقيق يجري مجرى الخيال، والتخييل: تصوير خيال الشيء في النفس، والتخيل: تصور ذلك، وخلت: بمعنى ظننت، يقالُ اعتباراً بتصور خيال المظنون، ويقال: خيلت السماء: أبدت خيالاً للمطر، وفلانٌ مخيل بكذا أي: خليق، وحقيقته أنه مظهر خيال ذلك، والخيلاء: التكبر على تخيل فضيلة تراءت للإنسان في نفسه، ومنه الخيل لما قيل: إنه لا يركب أحدٌ فرساً إلا وجد في نفسه نخوة. قوله: (وقد احتج على حرمة أكل لحومهن)، قال الإمام: واحتج القائلون بتحريم لحوم الخيل بهذه الآية، قالوا: منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب، ولو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر، وحيث لم يُذكر علمنا تحريمه، ولأنه تعالى قال في صفة الأنعام: (وَمِنْهَا تَاكُلُونَ)، والتقديم يفيد الحصر، ثم قرن بعده الخيل مع البغال والحمير، وذكر أنها مخلوقة للركوب والزينة، ولأن قوله: (لِتَرْكَبُوهَا) يقتضي أن يكون تمام المقصود من خلق هذه الأشياء هو الركوب والزينة، ولو حل أكلها لم يكن تمام المقصود من خلقها الركوب والزينة. وقال: أجاب الواحدي بجواب حسن، قال: لو دلت الآية على تحريم أكل هذه الحيوانات، لكان هذا التحريم معلوماً في مكة، لأن السورة مكية، ولو كان كذلك، لكان قول عامة المفسرين والمحدثين: إن لحوم الحُمر الأهلية حرمت عام خيبر غير صحيح؛ لأن التحريم لما كان حاصلاً قبل يوم خيبر، لم يبق لتخصيصه بذلك اليوم فائدة.

стр. 4448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. ويعضده ما رُوينا عن الترمذي وأبي داود وابن ماجه، عن المقداد قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا غني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعانُ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتُم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا أكل ذي ناب من السباع"، والحديث صرح أن الحمار ما حُرم بالكتاب، بل بالسنة. وقال محي السنة: واحتج بهذه الآية من حرم لحوم الخيل، وهو قول ابن عباس، وتلا هذه الآية فقال: هذه للركوب، وإليه ذهب الحكم ومالك وأبو حنيفة، وذهب جماعة إلى إباحتها، وهو قول الحسن وشريح وعطاء وسعيد بن جبير، وبه قال الشافعي واحمد وإسحاق، ومن أباحها قال: ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم، بل المراد منه تعريف الله عباده نعمه، وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، واحتجوا بما روى جابر، أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والدارمي وابن ماجه، والتحقيق هذا. وبيانه: أنه لما نهى المشركين عن استعجال نزول العذاب استهزاء بقوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) كأنه ما التفت إلى استهزائهم، وأخرج الكلام على الأسلوب الحكيم، أي: لم تستعجلون بنزول ما يُرديكم ويستأصلكم؟ فهلا تنتفعون بنزول ما يحييكم، وينجيكم منه، وهو هذا القرآن الذي هو بمثابة الروح لحياة القلوب الميتة، وهذا الرسول الكريم، وبالمؤمنين رؤوف رحيم، يدعوكم إلى التوحيد والتقوى، ويبصركم الدلائل الدالة على وحدانيته لئلا تشركوا به شيئاً، وينبهكم على النعم السابغة التي توجب أن تشكروه

стр. 4449

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. وتعبدوه من دلائل الآفاق والأنفس وما خلق لكم من الأنعام وغيرها لانتفاعكم بها بالأكل والركوب وجر الأثقال والزينة على ما ألفتم واتخذتم شعاراً لأنفسكم وافتخرتم بها؟ يدل عليه قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ). وأما الجواب عن قولهم: "لو كان أكل لحوم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر"، فقد أشار إليه القاضي بأن قال: لا دليل فيه، إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يُقصد به غالباً أن لا يقصد منه غيره أصلاً، وأما الجواب عن الحصر بتقديم معمول (يَاكُلُونَ)، فهو النظر إلى رعاية الفواصل لا غير، كما سبق هذا، ولو فهم الصحابة رضوان الله عليهم من هذه الآيات غير ما هي عليه من بيان الامتنان، لم يكن فعلهم يوم خيبر رشيداً، على ما روينا في "صحيح البخاري"، عن البراء بن عازب وعبد الله بن أبي أوفى: أنهم كانوا مع النبي ﷺ ، فأصابوا حمراً فطبخوها، فنادى منادي رسول الله ﷺ : أكفئوا القدور. فإن قلت: لم لا يجوز أن يستنبط التحريم على طريقة إشارة النص؟ قلت: إشارة النص من الدلائل الدقيقة اللطفة المستخرجة من الأحكام، والكلام مسوق للامتنان كما سبق. نعم، فيه إشارة إلى جُل الغرض فيها، ومعظم الانتفاع منها ما ذكر من الركوب والزينة، وأما التحريم فلا، ولابد من دليل منفصل للتحريم والتحليل، والدليل من جانبنا، ولولا أن ورود الآية للامتنان بحسب ما ألفوا واعتادوا لم يذكر الزينة أصلاً، وكيف ذلك وقد ورد النهي عنها على ما روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود والنسائي، عن أبي هريرة في حديث طويل: قال رسول الله ﷺ : "الخيل ثلاثة: هي لرجل أجرن ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله"، وساق الحديث إلى قوله: "ورجل ربطها تغنياً وتعففاً ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي لذلك الرجل ستر، ورجل ربطها فخراً ورياء ونواء على أهل الإسلام، فهي على ذلك وزر" الحديث.

стр. 4450

بأن علل خلقها بالركوب والزينة، ولم يذكر الأكل بعد ما ذكره في الأنعام. فإن قلت: لم انتصب (وَزِينَةً)؟ قلت: لأنه مفعول له، وهو معطوف على محل (لتركبوها). فإن قلت: فهلا ورد المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد؟ قلت: لأنّ الركوب فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق. وقرئ: (لتركبوها زينة)، بغير واو، أي: وخلقها زينة لتركبوها. أو تجعل (زينة) حالا منها، أي: وخلقها لتركبوها وهي زينة وجمال (وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ) يجوز أن يريد به: ما يخلق فينا ولنا مما لا نعلم كنهه وتفاصيله ويمنّ علينا بذكره كما منّ بالأشياء المعلومة مع الدلالة على قدرته. ويجوز أن يخبرنا بأن له من الخلائق ما لا علم لنا به، ليزيدنا دلالة على اقتداره ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما ذكره في الأنعام)، أي: في شأن الأنعام، وهو قوله تعالى: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ). قوله: (وأما الزينة ففعل الزائن، وهو الخالق)، يعني: يكفي في شرط حذف اللام أن يكون مصدراً وفعلاً لفاعل الفعل المعلل، وفيه دليل على أن المقارنة ليست بشرط، قال صاحب "التخمير": "المقارنة ليست بشرط، بدليل قوله: (وَزِينَةٌ) فـ"زينة" منصوب بمعنى اللام، ولم تكن موجودة وقت الخلق، فالمعنى: بالمقارنة أن لا يكون متقدماً، ولا بأس بالتأخر، نحو: شربت الدواء إصلاحاً للبدن، والإصلاح متأخر غير واقع عند الشرب". وقال السجاوندي في "شرح المفصل": ولابد من أن يكون المصدر واقعاً بعد الفعل. وقال صاحب "الانتصاف": والجواب القوي أن الركوب هو المقصود الأصلي من هذه الأشياء، والتزيين تابع، فاقترن المقصود باللام الصريحة؛ لأنه أهم الغرضين، وحُذفت من الزينة لأنها تبع، وكذا عن القاضي. قوله: (وخلقها زينة لتركبوها)، أي: خلق بمعنى: جعل، وزينة: ثاني مفعولية.

стр. 4451

بالإخبار بذلك، وإن طوى عنا علمه لحكمة له في طيه، وقد حمل على ما خلق في الجنة والنار، مما لم يبلغه وهم أحد، ولا خطر على قلبه. [(وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) [. المراد بالسبيل: الجنس، ولذلك أضاف إليها القصد وقال (وَمِنْها جائِرٌ). والقصد مصدر بمعنى الفاعل وهو القاصد. يقال: سبيل قصد وقاصد، أى: مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه. ومعنى قوله (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) أنّ هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه، كقوله (إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى)] الليل: ١٢ [. فإن قلت: لم غير أسلوب الكلام في قوله (وَمِنْها جائِرٌ)؟ قلت: ليعلم ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز، ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقيل: وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر. وقرأ عبد الله: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولذلك أضاف)، يعني: دلت الإضافة، وقوله: (وَمِنْهَا جَائِرٌ)، على أن المراد بالسبيل الجنس، وهو من إضافة الخاص إلى العام، ونحوه: خاتم الفضة، سحق الثوب، لأن السبيل إما مستقيم وهو المراد من القصد، وإما معوج وهو الجائر. وقال أبو البقاء: وقصد: مصدر بمعنى إقامة السبيل أو تعديل السبيل، وليس مصدر قصدته بمعنى أتيته. قوله: (كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك)، وهو من باب: طريق سائر ونهر جار. قوله: (ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقيل … وعليه جائرها)، قال الإمام: أجاب أصحابنا عنه بأن المراد: على الله- بحسب الفضل والكرم- بيان الدين الحق، والمذهب الصحيح، فأما بيان كيفية الإغواء والإضلال فذاك غير واجب. وقلت: ويجوز أن يكون التقدير: على الله بيان استقامة الطريق بالآيات والبراهين على سبيل التفضل والكرم، وبيان اعوجاج الطريق، فمنها مستقيم كطريق الإسلام ليهتدوا بها،

стр. 4452

(ومنكم جائر)، يعنى: ومنكم جائر جار عن القصد بسوء اختياره، والله بريء منه (وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) قسراً وإلجاء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومنها جائرٌ كطريق سائر الأمم الضالة ليتجنبوا منها، فاختصر على تقدير اللف والنشر التقديري، وإضافة طريق الحق دون الجائر إلى الله تعالى على أسلوب قوله تعالى: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) [الفاتحة: ٧]. وقوله: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [الشعراء: ٨٠] ويعضد ما ذكرنا من أن على الله تمييز الطريقين وبيان السبيلين تفضلاً قول محيي السنة: (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) يعني: بيان طريق الهدى من الضلالة، فالقصد من السبيل: دين الإسلام، والجائر منها: اليهودية والنصرانية وسائر ملل الكفر. قال في "الانتصاف": أين يذهب الزمخشري عن تتمتها: (وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)؟ لو كان بزعم القدرية لقال: فقد هديناكم أجمعين، (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ)، ففسروها بالقسر والإلجاء وحرفوا الكلم عن مواضعه، وأما المخالفة بين الأسلوبين، فلإقامة حجة الله على الخلق، وأنه بين السبيل القاصد والجائر، وهدى قوماً اختاروا الهدى، وأضل قوماً اختاروا الضلال، وقد عُلم أن للفعل اعتبارين، فإضافته على الله تعالى باعتبار خلقه له، وإضافته إلى العبد باعتبار اختياره له. قوله: (جائر جار عن القصد)، الراغب: الجار: من يقرب مسكنه منك، وهو من الأسماء المتضايقة، ولما استعظم حق الجار شرعاً وعقلاً عُبر عن كل من يعظم حقه أو يستعظم حق غيره بالجار. قال تعالى: (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى) [النساء: ٣٦] ويقال: استجرت فلاناً فأجارني، وقال: (وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ) [الأنفال: ٤٨]، وقال: (وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ

стр. 4453

[(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ* يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [. (لَكُمْ) متعلق (بأنزل)، أو ب (شراب)، خبراً له. والشراب ما يشرب (شَجَرٌ) يعنى الشجر الذي ترعاه المواشي. وفي حديث عكرمة: لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت. يعنى الكلأ (تُسِيمُونَ) من سامت الماشية إذا رعت، فهي سائمة، وأسامها صاحبها، وهو من السومة وهي العلامة، لأنها تؤثر بالرعي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عَلَيْهِ [المؤمنون: ٨٨]، وباعتبار القرب، قيل: جار عن الطريق، ثُم جعل ذلك أصلاً في العدول عن كل حق، فبنى منه الجور. قال تعالى: (وَمِنْهَا جَائِرٌ) أي: عادل عن المحجة. قوله: (والشراب: ما يُشرب)، عن بعضهم: الشرب: تناول كل مائع، ماء كان أو غيره، والشريب: المشارب والشراب. قوله: (وفي حديث عكرمة: لا تأكلوا ثمن الشجر)، يعني: الكلأ، "النهاية": وفي الحديث: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ" الكلأ: النبات، والعشب، سواء رطبه ويابسه، ومعناه: أن البئر تكون في البادية ويكون قريباً منه الكلأ، فإذا ورد عليها وارد، فغلب على مائها، ومنع من يأتي بعده من الاستقاء منها، فهو بمنعه الماء، مانع من الكلأ، لأنه متى ورد عليه رجل بإبله فأرعاها ذلك الكلأ، ثم لم يسقها، قتلها العطش، فالذي يمنع ماء البئر يمنع النبات القريب منه، وقال الزجاج: كل ما نبت من الأرض فهو شجر، قال الراجز: نعلفها اللحم إذا عز الشجر … والخيل في إطعامها اللحم ضرر

стр. 4454

علامات في الأرض. وقرئ: (ينبت)، بالياء والنون. فإن قلت: لم قيل (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ)؟ قلت: لأنّ كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة، وإنما أنبت في الأرض بعض من كلها للتذكرة (يَتَفَكَّرُونَ) ينظرون فيستدلون بها عليه وعلى قدرته وحكمته. والآية: الدلالة الواضحة. وعن بعضهم: (ينبت)، بالتشديد. وقرأ أبىّ بن كعب: (ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب)، بالرفع. [(وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [. قرئت كلها بالنصب على: وجعل النجوم مسخرات. أو على أنّ معنى تسخيرها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((يُنْبِتُ): بالياء والنون)، بالنون: أبو بكر. قوله: (لأن كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة)، أي: إنما قيل: (مِنْ كُلِّ) بزيادة "مِنَ" التبعيضية ليدل على أن كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة، وإنما أنبت في الأرض بعض من كلها. قوله: (بعض من كلها: للتذكرة)، أي: إذا رأوا ما في الجنة من الثمرات ذكروا ما في الدنيا ليعلموا التفاوت، كما ذكر في أول البقرة في قوله تعالى: (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً) [البقرة: ٢٥]. قوله: (على: وجعل النجوم مسخرات)، أي: يجعل ناصب النجوم مضمراً وهو جعل، ومسخرات: ثاني مفعوليه، والجملة معطوفة على جملة قوله: (وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ)، ولا يجوز على هذا أن يُعطف على المنصوبات بـ (وَسَخَّرْ)، وهي (اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ)؛ لأن (مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ) حينئذ: حال من المذكورات، وقيل:

стр. 4455

للناس: تصييرها نافعة لهم، حيث يسكنون بالليل، ويبتغون من فضله بالنهار، ويعلمون عدد السنين والحساب بمسير الشمس والقمر، ويهتدون بالنجوم. فكأنه قيل: ونفعكم بها في حال كونها مسخرات لما خلقن له بأمره. ويجوز أن يكون المعنى: أنه سخرها أنواعا من التسخير جمع مسخر، بمعنى تسخير، من قولك: سخره الله مسخراً، كقولك: سرحه مسرحاً، كأنه قيل: وسخرها لكم تسخيرات بأمره. وقرئ بنصب (الليل والنهار) وحدهما، ورفع ما بعدهما على الابتداء والخبر. وقرئ: (والنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ)، بالرفع. وما قبله بالنصب، وقال (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) فجمع الآية. وذكر العقل، لأنّ الآثار العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للفعل، فكان المعنى: سخر هذه الأشياء في حال كونها مسخرات بأمره، فهو خلق. نعم، يجوز أن يُستعار سخر لكم لقوله: نفعكم؛ لأن الغرض من تسخيرها النفع، فكأنه قيل: ونفعكم بها في حال كونها مسخرات لما خلقن له. قوله: (أنه سخرها أنواعاً من التسخير)، أي: جعل "مسخرات": مفعولاً مطلقاً، على تأويل مسخر بمعنى تسخير، ونما جمع لإرادة الأنواع. قوله: (وقرئ: (وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ) بالرفع، وما قبله بالنصب): ابن عامر: "والشمس والقمر والنجوم مسخرات" بالرفع في الأربعة، وحفص: برفع (وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ) فقط، والباقون: بالنصب، وقال القاضي: هذا على الابتداء والخبر، فيكون تعميماً للحكم بعد تخصيصه. قوله: (لأن الآثار العلوية أظهر دلالة)، أي من السفلية، يعني: حين ذكر الآثار

стр. 4456

[(وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) [. (وَما ذَرَأَ لَكُمْ) معطوف على (اللَّيْلَ والنَّهَارَ). يعنى: ما خلق فيها من حيوان وشجر وثمر وغير ذلك مختلف الهيئات والمناظر. [(وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [. (لَحْماً طَرِيًّا) هو السمك، ووصفه بالطراوة، لأنّ الفساد يسرع إليه، فيسارع إلى أكله خيفة للفساد عليه. فإن قلت: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السفلية أفرد الآية، وذكر التفكر، وحين ذكر العلوية جمعها، وذكر العقل، وذلك أن الآثار السفلية مخفية، فتحتاج إلى إمعان النظر، ودقة الفكر، والآثار العلوية تدرك في بدو العقل، وهي مع ذلك متشعبة، وفيها أنواع من الدلالات. قوله: (ووصفه بالطراوة، لأن الفساد يُسرع إليه فيسارع إلى أكله)، الراغب: طرياً: غضاً، من الطراء والطراوة، يقال: طريت كذا فطرى، ومنه: المطراة من الثياب، والإطراء: مدحٌ يجدد ذكره، وطرأ بالهمز: طلع. الانتصاف: وفيه إرشاد لأن يتناول طرياً، فقد قال الأطباء: أكله بعد ذهاب طراوته من أضر ما يكون.

стр. 4457

ما بال الفقهاء قالوا: إذا حلف الرجل لا يأكل لحماً، فأكل سمكاً، لم يخنث. والله تعالى سماه لحماً كما ترى؟ قلت: مبنى الإيمان على العادة، وعادة الناس إذا ذكر اللحم على الإطلاق أن لا يفهم منه السمك، وإذا قال الرجل لغلامه: اشتر بهذه الدراهم لحماً فجاء بالسمك، كان حقيقاً بالإنكار. ومثاله أن الله تعالى سمى الكافر دابة في قوله: (إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا)] الأنفال: ٥٥ [، فلو حلف حالف لا يركب دابة فركب كافراً لم يحنث. (حِلْيَةً) هي اللؤلؤ والمرجان». والمراد بلبسهم: لبس نسائهم، لأنهنّ من جملتهم، ولأنهنّ إنما يتزينّ بها من أجلهم، فكأنها زينتهم ولباسهم. المخر: شق الماء بحيزومها. وعن الفراء: هو صوت جرى الفلك بالرياح. وابتغاء الفضل: التجارة. [(وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ* وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما بال الفقهاء) قيل: "ما" مبتدأ، و"بالُ": خبره، و"قالوا": حال من "الفقهاء"، لأنه في المعنى: فاعل، لأن قولك: ما بالك؟ معناه: ما تصنع؟ نحو: ما شأنك؟ قوله: (ولأنهن إنما يتزين بها من أجلهم، فكأنها زينتهم ولباسهم)، الانتصاف: لله در مالك حيث جعل للزوج الحجر على زوجته فيما له [بالٌ] من مالها، وهو مقدار الثلث، فحقه فيه بالتجمل، وفي هذه الآية جعل حظ المرأة من زينتها للزوج، فجعل لباسها لباسه. قوله: (بحيزومها)، أي: السفينة، والحيزوم: وسط الصدر، وما يُضم عليه الحزام.

стр. 4458

(أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) كراهة أن تميل بكم وتضطرب. والمائد: الذي يدار به إذا ركب البحر. قيل: خلق الله الأرض فجعلت تمور، فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ أَحد على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال، لم تدر الملائكة ممّ خلقت (وَأَنْهاراً) وجعل فيها أنهاراً، لأن (أَلْقى) فيه معنى: جعل. ألا ترى إلى قوله (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً)] النبأ: ٦ - ٧ [؟ . (وَعَلاماتٍ) هي معالم الطرق وكل ما تستدل به السابلة من جبل ومنهل وغير ذلك. والمراد بالنجم: الجنس، كقولك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمائد الذي يُدار به)، أي: الشخص الذي يدور رأسه، "الأساس": والدهر بالإنسان دوار أي يدور بأحواله المختلفة، قال القاضي: إن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كالكرة بسيطة الطبع، وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك، أو أن تتحرك بأدنى سبب، فلما خلق عليها الجبال تفاوتت جوانبها، وتوجهت الجبال بثقلها نحو المركز، فصارت كالأوتاد التي تمنعها من الحركة. قوله: (لأن (أَلْقَى) فيه معنى: جعل)، يعني: لا يقالُ: ألقى فيها أنهاراً، لكن لما تضمن (أَلْقَى) معنى جعل، صح عطف (أَنْهَاراً) على (رَوَاسِيَ)، قلت: ويجوز أن يكون من باب قوله: علفتها تبناً وماءً بارداً أي: وأجرى فيها أنهاراً. قوله: (والمراد بالنجم: الجنس)، الراغب: أصل النجم: الكوكب الطالع، وجمعه نجوم، ونجم: طلع، نجماً ونجوماً، فصار النجم مرة اسماً ومرة مصدراً، ومنه شبه به طلوع النبات، والرأي، فقيل: نجم النبت والقرن، ونجم لي رأي نجماً ونجوماً، ونجم فلان على السلطان: صار عاصياً، ونجمت المال عليه: إذا وزعته، كأنك فرضت أن يدفع عند طلوع كل نجم

стр. 4459

كثر الدرهم في أيدى الناس. وعن السدى: هو الثريا، والفرقدان، وبنات نعش، والجدى. وقرأ الحسن: (وبالنجم)، بضمتين، وبضمة وسكون، وهو جمع نجم، كرهن ورهن، والسكون تخفيف. وقيل حذف الواو من النجوم تخفيفاً. فإن قلت: قوله (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) مخرج عن سنن الخطاب، مقدم فيه (النَّجْمِ)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نصيباً، ثم صار متعارفاً في تقدير دفعه بأي شيء قدرت ذلك. قوله: (هو الثريا والفرقدان وبنات نعش)، الثريا: هي أنجم ستة منتظمة تشبه عنقود الكرم. والفرقدان: نجمان متوقدان من نجوم البنات، والجدي: نجم عند القطب تعرف به القبلة. المغرب: يقال: لكوكب القبلة: جديُ الفرقد، بفتح الجيم وسكون الدال، ومنه قول ابن المبارك في تحري القبلة: أهل الكوفة يجعلون الجدي خلف القفا. والمنجمون يسمونه جُديا، على التصغير، فرقاً بينه وبين البرج. قوله: (وقرأ الحسن)، بضمتين، قال ابن جني: قرأ الحسن: "وبالنُّجُم"، وقرأ يحيى: "وبالنُّجْم" بضم النون وسكون الجيم، النجم: جمع نجم، ومثله مما كسر من "فعل" على "فُعُل": سقف وسُقفٌ، ورهنٌ ورُهُنٌ، وإن شئت [قل: ] أراد النجوم فقصر الكلمة فحذف واوها، ومثله من المقصور من فعول: قول أبي بكر في أسُدٍ: إنه مقصور من أسودٍ، فصار أسُداً ثم أُسكن. قوله: ((وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) مخرج عن سنن الخطاب)، يعني: أن هذا التركيب مشتمل على خواص فن المعنى بالمسند إليه، أحدها: إن الآيات السابقة من لدن فاتحة السورة إلى هاهنا واردة على سنن الخطاب، فما بال هذه أخرجت عن الخطاب إلى الغيبة؟ وثانيها: فيه

стр. 4460

مقحم فيه (هُمْ)، كأنه قيل: وبالنجم خصوصاً هؤلاء خصوصاً يهتدون، فمن المراد ب (هُمْ)؟ قلت: كأنه أراد قريشاً: كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم، وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم، فكان الشكر أوجب عليهم، والاعتبار ألزم لهم، فخصصوا. [(أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)]. فإن قلت: (كَمَنْ لا يَخْلُقُ) أريد به الأصنام، فلم جيء بمن الذي هو لأولى العلم؟ قلت: فيه أوجه، أحدها: أنهم سموها آلهة وعبدوها، فأجروها مجرى أولي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تقديم المجرور، وهو (وَبِالنَّجْمِ) على عامله، وهو (يَهْتَدُونَ)، وثالثها: توكيد التركيب بقوله: (هُمْ)، فدل تلون الخطاب على امتياز هؤلاء عن السابق ذكرهم، ودل تقديم (وَبِالنَّجْمِ) على اختصاص هؤلاء بالاهتداء بالنجم دون غيرها مما يُهتدى به، ودل التوكيد بإقحام (هُمْ) على اختصاصهم بهذه الهداية، دون غيرهم. وأجاب عن تلوين الخطاب بقوله: "كأنه أراد قريشاً"، وعن التوكيد بقوله: "كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم"، وعن التخصيص بقوله: "وكان لهم بذلك علمٌ لم يكن مثله لغيرهم". وقلت: ويمكن أن يُقال: إن قوله: "ألقى في الأرض سُبلاً" عام في أهل القرى والمدن والبوادي (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) إما أن يتعلق بأول الآية أو بقوله: (سُبُلاً)، ويكون (لَعَلَّ) للتحقيق، وأما الاهتداء بالنجم فمختص بمن هو حاذق في سلوك البحر، والمهامه: البيدُ التي لا منار لها ولا سبيل، وتقديم (وَبِالنَّجْمِ) لأن معناه: وبالنجم خصوصاً لا بغيره يهتدون، أو لمراعاة الفواصل، وإقحام (هُمْ) لتقوي الحكم، والعدول إلى الغيبة للالتفات، والإيذان بأن هذا الاهتداء أغربُ من الأول، والمعرضُ عنه أدخلُ في الكفران، والفاء في "فكان الشكر": للسببية، وكذا في قوله: "فخصصوا".

стр. 4461

العلم. ألا ترى إلى قوله على أثره (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ)] النحل: ٢٠ [والثاني: المشاكلة بينه وبين من يخلق. والثالث: أن يكون المعنى أنّ من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولى العلم، فكيف بما لا علم عنده، كقوله (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها) يعنى أنّ الآلهة حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب، لأنّ هؤلاء أَحياء وهم أموات، فكيف تصح لهم العبادة؟ لا أنها لو صحت لهم هذه الأعضاء لصحّ أن يعبدوا فإن قلت: هو إلزام للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيهاً بالله، فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (المشاكلة بينه وبين من يخلق)، يعني: جيء بـ"مَنْ" الذي هو مختص بأولي العلم للجماد الذي هو أصنام؛ لأنها مصحوبة مع ذكر من يخلق، كقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) [الشورى: ٤٠]. قوله: (لا أنها لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يُعبدوا)، يريد أن الآيتين من باب المبالغة والإلزام بالطريق الأولى، لا لتصحيح العبودية للأصنام بحصول ما هو مفقود عنها موجود في الناس. الانتصاف: الزمخشري يجزم على أن العباد يخلقون أفعالهم، فالمراد ظهور التفاوت بينهم وبين من يخلق ومن لا يخلُقُ منهم، كالعاجزين والزمنى، حتى يثبت أن التفاوت بينهم وبين ما لا يخلق، كالأصنام، أولى. قوله: (هو إلزام للين عبدوا الأوثان)، وجهُ السؤال: أن المشركين ما شبهوا الخالق بالأصنام حتى ينكر عليهم بقوله: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ)، وإنما شبهوا الأصنام بالخالق، فكان حق الإلزام أن يُقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ ووجه الجواب: أن وجه التشبيه إذا قوي بين الطرفين، أعني المشبه والمشبه به، يرجع التشبيه إلى التشابه، فيُقال:

стр. 4462

فكان حق الإلزام أن يقال لهم: أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ قلت: حين جعلوا غير الله مثل الله في تسميته باسمه والعبادة له وسوّوا بينه وبينه، فقد جعلوا الله تعالى من جنس المخلوقات وشبيهاً بها، فأنكر عليهم ذلك بقوله: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ). [(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ* وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ)]. لا تُحْصُوها لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم، فضلا أن تطيقوا القيام بحقها من أداء الشكر، أتبع ذلك ما عدّد من نعمه تنبيهاً على أنّ وراءها ما لا ينحصر ولا ينعدّ (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) حيث يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكر النعمة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وجه الخليفة كالقمر، والقمرُ كوجه الخليفة، والمشركون لما تعاملوا مع الأصنام بما ينبغي أن يُعامل به الإله الحق من تسميتها بالآلهة، والتوجه بالعبادة إليها، فلم يبق عندهم فرق بينها وبينه، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً، حصل التشابه، فقيل ما قيل، أو ذهب إلى التعكيس: لأن من حق المشبه أن يكون أحط من المشبه به فيما وقع فيه الشبه، فإذا قُلبَ انعكس مزيداً للتقريع والتجهيل. قوله: (اتبع ذلك)، أي: أتبع قوله: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) ما عدد، أي: جميع ما عدد من أول السورة إلى هاهنا من النعم، فقوله: (ذَلِكَ): مفعول أول، وقوله: "ما عدد": مفعول ثانٍ، يعني: لما عدد النعم المتكاثرة، وأريد استيفاء جميع أقسامها، وأنواعها، وكانت مما لا تنحصر بحسب العباد، ختم بجامع يحتويها كلها تنبيهاً على أن وراء المذكورة مما لا يُعد، كقوله تعالى: (وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ). قوله: ((إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) حيث يتجاوز عن تقصيركم)، إلى آخره، فيه إشارة إلى أن التعليل بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) للتذييل، وفي قوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) إشعارٌ بوجود تقصير في أداء شكر ما أولاهم من النعم، وذلك من مفهوم

стр. 4463

ولا يقطعها عنكم لتفريطكم، ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها (وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ) من أعمالكم، وهو وعيد. [(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ* أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)]. (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ) والآلهة الذين يدعوهم الكفار (مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقرئ بالتاء. وقرئ: يدعون، على البناء للمفعول. نفى عنهم خصائص الإلهية بنفي كونهم خالقين وأحياء لا يموتون وعالمين بوقت البعث، وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون وأنهم أموات وأنهم جاهلون بالغيب. ومعنى (أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ) أنهم لو كانوا آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات، أي غير جائز عليها الموت كالحي الذي لا يموت وأمرهم على العكس من ذلك. والضمير في (يُبْعَثُونَ) للداعين، أي لا يشعرون متى تبعث عبدتهم. وفيه تهكم بالمشركين وأنّ آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم، فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم. وفيه دلالة على أنه لا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا)، يعني: أن أنعام الله لا نهاية لها، فإذاً لا يقدر أحد أن يقوم بحقها، كما هو حقها، وهو يقتضي سلب تلك النعمة، وإنزال النقمة بدلها، (وَاللَّهُ غَفُورٌ) يتجاوز عن التقصير عاجلاً، (رَحِيمٌ) لا يقطع النعمة، لكن لابد أن يُجازيكم آجلاً على أعمالكم، لأنه يعلم (مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ)، وفيه إشعارٌ بأن تكليف ما لا يطاق جائز، لكن غير واقع من الله تعالى تكرماً وتفضلاً. قوله: (ومعنى: (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ) أنهم لو كانوا آلهة)، يعني: كان يكفي أن يُقال: هم أمواتٌ، فقرن بقوله: (غَيْرُ أَحْيَاءٍ) ليكون تعريضاً بالإله الحق في أنه حي لا يموت، فمن كان بعكسه لا يكون إلها. قوله: (وفيه دلالة)، أي: في قوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) إدماج، يعني: أنه لابد من البعث، وأن البعث من لوازم التكليف، يعني: من شأن المعبود أن يُجازي عابده

стр. 4464

بدّ من البعث وأنه من لوازم التكليف. ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى أن الناس يخلقونهم بالنحت والتصوير، وهم لا يقدرون على نحو ذلك، فهم أعجز من عبدتهم أموات جمادات لا حياة فيها، (غير أحياء) يعنى أنَّ من الأموات ما يعقب موته حياة، كالنطف التي ينشئها الله حيوانا، وأجساد الحيوان التي تبعث بعد موتها. وأمّا الحجارة فأموات لا يعقب موتها حياة، وذلك أعرق في موتها (وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) أي وما يعلم هؤلاء الآلهة متى تبعث الأحياء تهكما بحالها، لأنّ شعور الجماد محال، فكيف بشعور ما لا يعلمه حي إلا الحي القيوم سبحانه، ووجه ثالث: وهو أن يراد بالذين يدعون الملائكة، وكان ناس منهم يعبدونهم، وأنهم أموات: أي لا بدّ لهم من الموت، (غير أحياء): غير باقية حياتهم. (وما يشعرون): ولا علم لهم بوقت بعثهم. وقرئ: إيان، بكسر الهمزة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الذي كلفه على عبادته، وهو في الدنيا مفقود كما نشاهد في ظاهر الحال، فلابد من دار الجزاء وبعث الخلق للثواب والعقاب، ثم إذا كان كذلك، لابد للإله من العلم بالكائن الواجب، فنفى عنهم ذلك العلم لتنتفي إلهيتهم، وعليه قوله تعالى: (ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ) [يونس: ٣ - ٤]. قوله: (ووجه آخر، وهو: أن يكون المعنى)، عطف على قوله: "نفي عنهم خصائص الإلهية". قوله: (وأنهم (أَمْوَاتٌ)، أي: لابد لهم من الموت، (غَيْرُ أَحْيَاءٍ): غير باقية حياتهم)، اعلم أن المؤلف حين أثبت الموت للأصنام، وكانت جمادات أول توكيده بقوله تعالى: (غَيْرُ أَحْيَاءٍ) بقوله: "أنه غير جائز عليها الحياة"، تنبيهاً على أنها أقل من الحيوان ودون النامي، لجواز إثبات الحياة لهما حقيقة ومجازاً، وحين أثبته للملائكة وجعله مجازاً باعتبار ما يؤول، أكده بما يناسبه من قوله: "غير باقية حياتهم"، كقوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) [الزمر: ٣٠].

стр. 4465

[(إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ)]. (إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) يعنى أنه قد ثبت بما تقدّم من إبطال أن تكون الإلهية لغيره، وأنها له وحده لا شريك له فيها، فكان من نتيجة ثبات الوحدانية ووضوح دليلها: استمرارهم على شركهم، وأنّ قلوبهم منكرة للوحدانية، وهم مستكبرون عنها وعن الإقرار بها (لا جَرَمَ) حقا (أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ) سرّهم وعلانيتهم فيجازيهم، وهو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يعني أنه قد ثبت بما تقدم)، فاعل "ثبت" ضمير يرجع إلى قوله تعالى: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ): يريد أن قوله: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) فذلكة لما سبق وإعادة للمدعي مجملاً بعد إقامة الحجة عليها مُفصلان المعنى: قد ثبت بالدلائل الدالة على أن الإلهية مختصة بالله تعالى، وأنه واحد متفرد بالألوهية، وهو المعبود الحق، وإذا كان كذلك، فمن حقه أن يختص بالعبادة، وان لا تنكر إلهيته، وهؤلاء عكسوا واستمروا على شركهم وقلوبهم منكرة للوحدانية، فقوله: "أنه قد ثبت بما تقدم" إلى آخر قوله: "وعن الإقرار بها" تفسيرٌ لقوله تعالى: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ)، فالفاء في قوله: "فكان من نتيجة" هي الفاء في قوله: (فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)، ومجاز هذه الفاء، كمجاز اللام في قوله: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً) [القصص: ٨]. قوله: (وهم مستكبرون عنها وعن الإقرار بها)، الراغب: الكبر والتكبر والاستكبار والكبرياء متقارب، فالكبر: الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجابه، وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره، وأعظم التكبرِ التكبرُ على الله بالامتناع من قبول الحق والإذعان له بالعبادة. ويقال: التكبر على وجهين، أحدهما: أن تكون الأفعال الحسنة كثيرة في الحقيقة وزائدة على محاسن غيره، وعلى هذا وصفُ الله بالمتكبر، فهو محمود، يؤيده قوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [الأعراف: ١٤٦]. وثانيهما: أن يكون متكلفاً لذلك متشبعاً، وذلك في وصف عامة الناس، في قوله تعالى: (فَلَبِئْسَ مَثْوَى

стр. 4466

وعيد (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) يجوز أن يريد المستكبرين عن التوحيد يعنى المشركين. ويجوز أن يعمّ كل مستكبر، ويدخل هؤلاء تحت عمومه. [(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الْمُتَكَبِّرِينَ) [النحل: ٢٩]. والاستكبار يقال على وجهين: أحدهما: أن يتحرى الإنسان ويطلب أن يصير كبيراً، وذلك متى كان على ما يجب وفي مكان يجب وفي زمان يجب فمحمود، والثاني: أن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له، وهو مذموم، وعليه قوله تعالى: (أَبَى وَاسْتَكْبَرَ) [البقرة: ٣٤] ن وقال: (الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [الأعراف: ١٤٦]، وقال تعالى: (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ) [يونس: ٧٥]، نبه بقوله: (فَاسْتَكْبَرُوا) على إعجابهم بأنفسهم وتعظمهم عن الإصغاء إليه، ونبه بقوله: (وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) [هود: ١١٦] أن الذي حملهم عليه هو ما قدموا من جُرمهم، وأن ذلك كان دأبهم. والكبرياء: الترفع عن الانقياد، وذلك لا يستحقه غير الله، قال تعالى: (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [الجاثية: ٣٧]. قوله: (ويجوز أن يعم كل مستكبر)، يعني: أن قوله: (الْمُسْتَكْبِرِينَ) إما من وضع المظهر موضع ضمير المشركين، ويُراد بالاستكبار: الاستكبار عن التوحيد فقط، لقرائن المقام، والمراد منه من عرف الحق أياً كان واستكبر، وتعرف النعمة فغمط وكفر، فيكون من المستكبرين مطلقاً، على منوال: فلان يُعطي ويمنع، ويدخل في هذا العام من سيق له الكلام دخولاً أولياً.

стр. 4467

(ماذا) منصوب (بأنزل)، بمعنى: أى شيء (أَنْزَلَ رَبُّكُمْ)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((مَاذَا): منصوب بـ (أَنزَلَ)، بمعنى: أي شيء (أَنزَلَ)؟ )، قال صاحب "الفرائد": الوجه أن يكون مرفوعاً بالابتداء، بدليل قوله: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) بالرفع؛ لأن جواب المرفوع مرفوع، وجواب المنصوب منصوبٌ، ولم يقرأ أحد: "أساطير الأولين" بالنصب. وقال صاحب "التقريب": في كلام المصنف نظر، إذ لا مقتضى للتقدير في أحدهما بما فيه صورة فعل، وهو ما (يَدْعُونَ) وفي الآخر: "بالمنزل". وأيضاً، لم خالف بين لفظي الدعوى والإنزال في التقديرين مع انه حمل الإنزال على السخرية؟ ويُمكن أن يجاب عن الأول بأن الرفع أدل على ثبات الإنزال من النصب؛ لأنه جملة اسمية، فقال فيه: "المُنزل (أَسَاطِيرُ) "، وفي النصب: "ما يدعون أساطير"، أو أن (أَنزَلَ) في النصب باقٍ على فعليته فيقتضي في الجواب فعلاً، ولم يمكن مطابقة الجواب السؤال مطلقاً؛ لأن أساطير مرفوع، فأتى بما فيه صورة فعل على الجملة، وهو "ما يدعون"، "و (أَنزَلَ) في الرفع مقدرٌ بمفرد؛ لأنه خبر، أي: أي شيء المنزل؟ فأتى في الجواب بما يُجانسه، فقال: "المنزلُ: أساطير الأولين". تم كلامه. وقلت: مدار المطابقة بين السؤال والجواب على موافقة السائل المجيب ومخالفته، كما ذكره المصنف بعيد هذا في قوله: (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً)، إنما نصب هذا ورفع الأول للفصل بين جواب المُقر وجواب الجاحد، فالمجيب بقوله: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) هاهنا: المشركون قطعاً، وأما السائل فيحتمل أن يكون أيضاً منهم، كما قال: "وهو كلامُ بعضهم لبعض"، وأن يكون من المسلمين أو الوافدين كما صرح بهما، والمجيب في تلك الآية ليس إلا المسلمون، فلذلك طابقوا في الجواب، فههنا على الأول، وهو أن يكون كلام بعضهم لبعض المطابقة اللازمة، فالوجه الرفع، وأن يجاب بقوله: "المنزلُ: أساطيرُ" فيردُ عليه

стр. 4468

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … السؤال الذي ذكره، وأجاب: أنه من باب السخرية، وعلى الثاني والثالث: الموافقة بين السائل والمجيب مفقودة، فيجب الاختلاف، وهو ما قدره: "ما تدعون نزوله أساطير الأولين"، فلا يردُ عليه السؤال، ولهذا قال القاضي: وإنما سموه منزلاً على التهكم أو على الفرض، أي: على تقدير أنه منزل، فهو أساطير الأولين، لا تحقيق فيه. وتمام التحقيق في المسألة ما ذكره ابن الحاجب، قال: وذكر- أي: الزمخشري- في ماذا صنعت؟ وجهين، وقال: جواب أحدهما بالرفع والآخر بالنصب على ما ذكر، وهذا على سبيل الاختيار، وإلا فالوجهان، ثُم المناسب في النصب أن يُقدر الفعل المذكور فينصب به، وفي الرفع أن يقدر مبتدأ على حسب المعنى، ليطابق الجواب السؤال، وهذا كله إذا كان المجيب موافقاً للسؤال في أحد جزأيه فيحذفه ويستغني بدلالة كلام السائل عليه، مثل قوله: ما كتبت؟ وهو قد كتب، فيقول: مصحفاً أو شبهه، فأما إذا لم يكن موافقاً له في الفعل تعذر تقديره لإخلاله بالمعنى، إذ يُفهم منه الإثبات، وهو غير مريد له، كما إذا قال له، وقد سمع صوتاً نه ضرباً منه، فيقول: من ضرب؟ فيقول له القائل: هو صوت مناد، فالنصب هاهنا لا يستقيم؛ لأنه قاصد نفيه في المعنى مثبت لغيره، فهو يفسد المعنى، ومنه قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)، فلو نصب هاهنا لم يستقم؛ لأنهم ليسوا مقرين بإنزال من الله، متعلق بـ"أساطير الأولين"، بل منكرون الإنزال من الله مطلقاً، وقولهم: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ): في المعنى الإنزال، أي: هذا الذي تقول: إنه إنزال هو أساطير الأولين، فيفسد تقدير الفعل على هذا. وقلت: ولهذا الأمر لما جعله من كلام بعضهم لبعض وطابق الجواب السؤال، قال: هو على السخرية، ويجوز ان يقال: هو من أسلوب القول بالموجب على التهكم، كأنهم لما

стр. 4469

أو مرفوع بالابتداء، بمعنى: أي شيء أنزله ربكم، فإذا نصبت فمعنى (أَساطِيرُ الْأَوَّلِين) ما يدّعون نزوله أساطير الأوّلين، وإذا رفعته فالمعنى: المنزل أساطير الأوّلين، كقوله (ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) [البقرة: ٢١٩] فيمن رفع. فإن قلت: هو كلام متناقض، لأنه لا يكون منزل ربهم وأساطير؟ قلت: هو على السخرية كقوله: إنّ رسولكم وهو كلام بعضهم لبعض، أو قول المسلمين لهم. وقيل: هو قول المقتسمين: الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله ﷺ ، إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله ﷺ ، قالوا أَحاديث الأوّلين وأباطيلهم (لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ) أي قالوا ذلك إضلالا للناس وصدّاً عن رسول الله ﷺ ، فحملوا أوزار ضلالهم (كامِلَةً) وبعض أوزار من ضلّ بضلالهم، وهو وزر الإضلال، لأن المضلّ والضال شريكان: هذا يضله، وهذا يطاوعه على إضلاله، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سألوا: (مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ) أجابوا: المنزل أساطير الأولين، أي: هو منزل، لكن أساطير، كما قال تعالى: (وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) [التوبة: ٦١]. قوله: (لأن المضل والضال شريكان)، تعليل لحمل المضل بعض أوزار الضال، الذي هو سبب فيه، كأن ما يعمله الضال مشترك بينه وبين المضل، وهما متحاملان الوزر، وإليه ينظر قوله تعالى: (وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ) [الأنعام: ١٢٨]، فإن استمتاع الناس بالجن: دلالتهم إياهم على استيفاء اللذات والتمتع بالشهوات، واستمتاع الجن بالإنس: اعترافهم بكونهم رؤساء متبوعين، وإليه أشار بقوله: "هذا يُضله وهذا يطاوعه"، وأما قوله: "وبعض أوزار من ضل بضلالهم" فمبنيٌّ على أن "مِن" في قوله تعالى: (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ): تبعيض، وأن المضل غير حاملٍ كل أوزار الضال، وهذا غير مخالف لما روينا عن مسلم ومالك وأبي داود والترمذي، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "من دعا إلى هدى كان له من الجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك

стр. 4470

فيتحاملان الوزر. ومعنى اللام التعليل من غير أن يكون غرضاً، كقولك: خرجت من البلد مخافة الشر (بِغَيْرِ عِلْمٍ حال) من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من آثامهم شيئاً"؛ لأن المراد ببعض أوزار من ضل: الذي تسبب المضل فيه، وكذلك الآثام في الحديث، وذهب أبو البقاء إلى أن "مِن": زائدة، على مذهب الأخفش. قوله: (خرجت من البلد مخافة الشر)، ويجوز أن يكون اللام للصيرورة، قال القاضي: قالوا ذلك إضلالاً للناس، فحملوا أوزار ضلالهم كاملة، فإن إضلالهم نتيجة رسوخهم في الضلال، فعلى هذا اللام للصيرورة، كقوله: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً) [القصص: ٨]، ويجوز أن يكون لام الأمر الذي هو للغيبة. قوله: (وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه)، أي: إنما نسب التابع إلى الضلال في قوله: (الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ)، وأضيف الأوزار إليهم في قوله: (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ) أي: من أوزار الضالين، والحال أنهم غير عالمين بذلك لتقصيرهم، والواحدي جعل (بِغَيْرِ عِلْمٍ) حالاً من الفاعل، حيث قال: إنهم يفعلون ذلك جهلاً منهم بما كانوا يكسبون، ومثل أوزار من تبعهم، ثم ذم صنيعهم فقال: (أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ). ويمكن أن يُجعل حالاً منهما، كما قال ابن جني في قوله تعالى: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا

стр. 4471

[(قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ* ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ* الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ) عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ* فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)]. القواعد: أساطين البناء التي تعمده. وقيل: الأساس وهذا تمثيل، يعنى: أنهم سوّوا منصوبات ليمكروا بها الله ورسوله، فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تَحْمِلُهُ) [مريم: ٢٧]: (تَحْمِلُهُ): يجوز أن يكون حالاً من كل واحد منهما، ومنهما معاً. وهذا أنسب لاقتضاء المقام، ثم قول الواحدي أنسب منهما؛ لأن التذييل بقوله: (أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) لا يحسن إلا على ذلك التقدير، وكذلك قوله: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) وتعقيبه بقوله: (وَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ)، لأن الكلام وارد في ذم المشركين الذين اقتسموا مداخل مكة يضلون الوافدين والمسلمين، فتجب المبالغة في ذمهم وتجهيلهم. قوله: (منصوبات)، قال المصنف: المنصوبة الحيلة، يقال: سوى فلان منصوبه، وفي الأصل صفة للشبكة أو الحبالة، فجرت مجرى الأسماء كالدابة والعجوز، وفي الكلام حذف، أي: هذا تمثيل حالهم في أنهم سووا منصوبات ليمكروا الله، فجعل الله هلاكهم فيها، كحال قوم بنوا، إلى آخره، وهو استعارة تمثيلية؛ لأن التشبيه إنما وقع في الحال والأمور المنتزعة، وعلى هذا كان من الواجب فيه مراعاة مفردات المعاني من الجانبين، وعلى ما قرره أخل

стр. 4472

كحال قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين «فأتى البنيان من الأساطين بأن ضعضعت، فسقط عليهم السقف وهلكوا. ونحوه: من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا. وقيل: هو نمرود بن كنعان حين بني الصرح ببابل طوله خمسة آلاف ذراع. وقيل فرسخان، فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا. ومعنى إتيان الله: إتيان أمره. (مِنَ الْقَواعِدِ) من جهة القواعد. (مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون. وقرئ: فأتى الله بيتهم. فخرّ عليهم السقف، بضمتين يُخْزِيهِمْ بذلهم بعذاب الخزي (رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) [آل عمران: ١٩٢]، يعني: هذا لهم في الدنيا، ثم العذاب في الآخرة (شُرَكائِيَ) على الإضافة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في المشبه به معنى في المشبه؛ لأن من بنى بُنياناً وعمده بالأساطين، لا يعمد فيه المكر كمن يسوى المنصوبات. نعمن لو قدر بأن يبنى بنياناً ويسوي فيه شبه المنصوبات بلطائف الحيلن ويتخذ مأدبة ليكيد بها عدوه فينقلب عليه من حيث لا يشعرن ويسلم العدو، ونحو بناء نمرود الصرح، كما ذكر، لصح، ولعله قصد ذلك، ولذلك استشهد بها، وفي ذكر لفظة فوق مع الاستغناء عنه ظاهراً؛ لأن خرور السقف لا يكون إلا من فوق، مزيدٌ لتقرير التهويل. قوله: (فأتى البنيان)، أي: خرب، "الأساس": أتى عليهم الدهر: أفناهم. قوله: (بنى الصرح)، الجوهري: الصرحُ: القصر، وكل بناء عال. قوله: ((مِنَ الْقَوَاعِدِ): من جهة القواعد)، يُشير إلى أن (مِنَ): ابتدائية، أي: نشأ تخريب بنيانهم من القواعد مبالغة في الهدم؛ لأن المتعارف في التخريب الأخذ من السقف إلى أن ينتهي إلى القواعد، وكان أمرهم على العكس، وإليه الإشارة بقوله: "بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف"، الجوهري: أي: هدمه حتى الأرض، وضعضعت أركانه: أي: اتضعت. قوله: (هذا لهم في الدنيا، ثم العذاب في الآخرة)، أي: العذاب الكامل، وهو الخزيُ

стр. 4473

إلى نفسه حكاية لإضافتهم، ليوبخهم بها على طريق الاستهزاء بهم (تُشَاقُّونَ فِيهِمْ) تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم ومعناهم. وقرئ: (تشاقون)، بكسر النون، بمعنى: تشاقونني؛ لأنّ مشاقة المؤمنين كأنها مشاقة الله (قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان ويعظونهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والهوان، لدلالة "ثُمَ" على التفاوت بين العذابين، وفيه أيضاً معنى التراخي في الزمان، كما هو موضوع "ثُمَ"، فيجب أن يعتبر فيها معنى الكناية؛ وهو مطلق البعد، لا المجاز، لئلا يجتمع إرادة الحقيقة والمجاز معاً. قوله: (حكاية لإضافتهم)، بالرفع: خبر (شُرَكَائِي) على الحكاية، هو الصحيح، والنسخة الشائعة: بالنصب، والمعنى على الأول: هذا القول حكاية لإضافتهم، يعني كانوا يقولون: هؤلاء شركاء الله، فحكى الله الإضافة على ما كانوا يضيفونه. وعلى الثاني: قال الله تعالى: (شُرَكَائِي) على الإضافة حكاية، فهو إما حال أو مفعول له. قوله: ((تُشَاقُّونَ فِيهِمْ): تعادون)، الراغب: الشقاق: المخالفة، وكونُك في شق غير شق صاحبك، أو من: شق العصا بينك وبينه، قال تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ويقال: المال بينهما شق الشعرة وشق الأبلمة، أي: مقسوم كقسمتهما. قوله: (وقرئ: "تشاقون" بكسر النون)، قرأها نافع، يقولون ذلك، أي: (إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ). قوله: (من أممهم)، "من": ابتدائية، أي: من جهة أممهم، كما في قوله: (مِنَ الْقَوَاعِدِ)،

стр. 4474

فلا يلتفتون إليهم ويتكبرون عليهم ويشاقونهم، يقولون ذلك شماتة بهم وحكى الله ذلك من قولهم ليكون لطفاً لمن سمعه. وقيل: هم الملائكة. قرئ: تتوفاهم، بالتاء والياء. وقرئ: (الذين توفاهم)، بإدغام التاء في التاء (فَأَلْقَوُا السَّلَمَ) فسالموا وأخبتوا، وجاءوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق والكبر، وقالوا: (ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ) وجحدوا ما وجد منهم من الكفر والعدوان، فردّ عليهم أولو العلم (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فهو يجازيكم عليه، وهذا أيضاً من الشماتة وكذلك (فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: قال الأنبياء من جهة أممهم المكذبة: (إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ) شماتة بهم. قوله: (قرئ: (تَتَوَفَّاهُمْ) بالتاء والياء)، قرأ حمزة في الموضعين بالياء التحتاني، والباقون: بالتاء. قوله: (وقرئ: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ) بإدغام التاء في التاء)، قرأها البزي. قوله: (وأخبتوا)، الجوهري: الإخبات: الخشوع، يقال: اخبت لله، أي: تواضع، وأصله: الإلقاء في الأجسام، فاستعمل في إظهارهم الانقياد، إشعاراً بغاية خضوعهم واستكانتهم، وأنها كالشيء الملقي بين يدي الغالب القاهر. قوله: (وهذا أيضاً من الشماتة، وكذلك (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ)، فالشماتة الأولى قولهم: (إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ)، أي الذين يموتون على الشرك، لقوله: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]، فلما ألقوا السلم، أي: ذلوا وخضعوا قائلين: (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ) رد عليهم أولو العلم:

стр. 4475

[(وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ* جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)]. (خَيْراً) أنزل خيراً. فإن قلت: لم نصب هذا ورفع الأول؟ قلت: فصلاً بين جواب المقرّ وجواب الجاحد، يعنى أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفاً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بل كنتم تعملون السوء (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) تحقيقا لذلك الرد وتعليلاً له على وجه استتبع إيجاب العقاب وشماتة الأعداء، وإليه الإشارة بقوله: "فهو يجازيكم عليه"، فلما ألزموهم بذلك عقبوه بقوله: (فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ) تتميماً للشماتة. وقال محي السنة: قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) من قول الملائكة، وقال صاحب "المرشد": إن جعلت (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ) في موضع جر صفة للكافرين، لم يكن الوقف على الكافرين حسناً ولا كافياً، وإن جعلته في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، كان الوقف على الكافرين تاماً، والوقف على (ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ) في هذا الوجه أصلح، وعلى ذلك الوجه صالح ليس بكافٍ ولا حسن. قوله (لم نصب هذا-أي: (خَيْراً) - ورفع الأول؟ )، أي: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) في قوله: (مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ). قوله: (لم يتلعثموا)، أبو زيد: تلعثم الرجل في الأمر: إذا تمكث فيه. قوله: (بينا)، صفة مصدر محذوف، أي: طباقاً بينا.

стр. 4476

مفعولا للإنزال، فقالوا خيراً: أي أنزل خيراً، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير الأوّلين، وليس من الإنزال في شيء. وروى أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي ﷺ ، فإذا جاء الواقد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف وقالوا: إن لم تلقه كان خيراً لك، فيقول: أنا شرّ وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه، فيلقى أصحاب رسول الله ﷺ فيخبرونه بصدقه، وأنه نبيّ مبعوث، فهم الذين قالوا خيراً. وقوله (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) وما بعده بدل من خيراً، حكاية لقوله (الذين اتقوا)، أي: قالوا هذا القول، فقدّم عليه تسميته خيراً ثم حكاه. ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ عدة للقائلين، ويجعل قولهم من جملة إحسانهم ويحمدوا عليه (حَسَنَةٌ) مكافأة في الدنيا بإحسانهم، ولهم في الآخرة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مفعولاً)، حال مترادف، أو مفعول له، أي: نُصب هذا فصلاً بين الجوابين مفعولاً للإنزال. قوله: (بدل من (خَيْراً) حكاية) خبران لقوله: "وقوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) ". قوله: (أي: قالوا هذا القول، فقدم عليه تسميته خيراً ثُم حكاه)، يريد أن جواب المتقين عن قولهم: (مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ) كأن أنزل (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ) إلى آخره، فقدم تعالى عليه (خيراً) وجعله توطئة لقولهم، ثم حكى قولهم: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) إلى آخره. قال القاضي: فعلى هذا قوله: (خَيْراً): مفعول (قَالُوا). قوله: (ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ)، عطف على قوله: "بدل"، فعلى هذا هو من كلام الله تعالى يمدح القائلين ويعدهم على ما أحسنوا فيه من القول، وجاء به عاماً في جميع ما أحسنوا ليدخل هذا القول فيه أيضاً. و (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) مُظهر وُضع موضع المضمر للإشعار بأنهم مستأهلون بأن يحسن إليهم دُنيا وعُقبى.

стр. 4477

ما هو خير منها، كقوله (فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ)] آل عمران: ١٤٨ [(وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ) دار الآخرة، فحذف المخصوص بالمدح لتقدّم ذكره. وجَنَّاتُ عَدْنٍ خبر مبتدإ محذوف. ويجوز أن يكون المخصوص بالمدح طَيِّبِينَ طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي، لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ قيل: إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فقال: السلام عليك يا ولىّ الله، الله يقرأ عليك السلام، وبشره بالجنة. [(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَاتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ* فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)]. (تأتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ) قرئ بالتاء والياء، يعنى: أن تأتيهم لقبض الأرواح. ومْرُ رَبِّكَ لعذاب المستأصل، أو القيامة. ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأنه في مقابلة (ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ)، يعني: يجب تفسير طيبين بطاهرين من ظُلم أنفسهم بالكفر والمعاصي للتقابل، أما الكفر فإن قوله: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ) إما مجرور: صفة للكافرين، أو مرفوع: خبر مبتدأ محذوف، والجملة بيان للكافرين، كما سبق، وأما المعاصي فإن قوله: (ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ) مجاب بقولهم: (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ)، فظهر من هذا أن قوله: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ) عطف على قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ) على التقابل، فينبغي أن يُراعي مضامين القصتين، ولذلك خُتمت الأولى بقوله: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ)، ولما كان ذكر المؤمنين وارداً على سبيل الاستطراد للتقابل، وفرغ منه، عاد إلى نوع آخر من حديث الكفار، أعني قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ) والله أعلم.

стр. 4478

(كذلِكَ) أي: مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب (فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بتدميرهم (لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) لأنهم فعلوا ما استوجبوا به التدمير سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا جزاء سيئات أعمالهم. أو هو كقوله وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) [الشورى: ٤٠]. [(وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)]. هذا من جملة ما عدّد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب)، يعني: المشار إليه بقوله ذلك في (كَذَلِكَ) ما دل عليه الآيات السابقة من الشرك والتكذيب، فعلى هذا لا يحسن ترتب قوله: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) على قوله: (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) حسنه لو كان المشار إليه ما دل عليه قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ)؛ لأنه نوع آخر من قبائحهم كما سبق، وأي: ما لهم استمروا على الكفر والاستهزاء، ولم يُؤمنوا مع هذه البيانات الشافية والدلالات الواضحة هل ينظرون إلا مجيء الآيات الملجئة حين (لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) [الأنعام: ١٥٨]، (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)، فيكون قوله: (وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) معترضاً بين السبب والمسبب. قوله: (أو هو كقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ) [الشورى: ٤٠] يعني: قوله: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) دل على أن ما أصابهم سيئة، وليس بهن فيجب أن يُقدر مضاف أو يُجعل من باب المشاكلة. قوله: (هذا من جملة ما عدد)، يعني قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) معطوف من حيث المعنى على ما سبق من أول السورة من أصناف كفرهم وعنادهم وشركهم بالله،

стр. 4479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … وإنكار وحدانيته بعد قيام الجج وإنكار البعث واستعجاله، وتكذيبهم الرسول وشقاقهم واستكبارهم. أما إنكار البعث واستعجاله ففهم من قوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ). وأما شركُهم: فهو ما يلزم من استعجالهم العذاب على ما سبق. وأما إنكار وحدانيته: فهو ما دل عليه (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ) وأما الحجج السابقة، على هذا الإنكار، فهي من قوله: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ) ومن قوله: (خَلَقَ السَّمَوَاتِ) وخلق الإنسان والأنعام والخيل والبغال، ومن قوله: (أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً)، وقوله: (وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)، و (سَخَّرَ لَكُمْ الْبَحْرَ) [الجاثية: ١٢]، ومن قوله: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ). وأما تكذيبهم الرسول، فمن قوله: (قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ). وأما استكبارهم عن قبول الحق، فمن قوله: (فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)، وفيه إنكارُ البعث. وخلاصته أن هذه السورة من مفتتحها إلى هذا المقام، واردة في بيان تعداد أصناف قبائح المشركين، ما قد تخلل بينها من ذكر أجنبي، فللتأكيد لإلزام الحجة وبيان العناد والإستكبار، وهذا كلام عالٍ وبيان شاف، لكن قوله: "وهذا مذهب المجبرة بعينه" جاء عقيبه خارجاً عن سنن الحق ومحض فيه التعصب، فخرم ذلك النظم السري، وذلك أنه تعالى لما عدد كُفرهم وشركهم وتكذيبهم إلى غير ذلك على ما سبق، أتى بقوله: (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، ولما ذكر ما يدل على إفحامهم، وأن الحجة قد لزمتهم، ولم يبق لهم متشبث إلا التعليل بالمشيئة، وهو قولهم: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ)، كما استقصينا القول فيه في "الأنعام"، أعاد قوله: (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ليريك أن

стр. 4480

من أصناف كفرهم وعنادهم، من شركهم بالله وإنكار وحدانيته بعد قيام الحجج وإنكار البعث واستعجاله، استهزاء منهم به وتكذيبهم الرسول، وشقاقهم، واستكبارهم عن قبول الحق، يعنى: أنهم أشركوا بالله وحرّموا ما أحل الله، من البحيرة والسائبة وغيرهما، ثم نسبوا فعلهم إلى الله وقالوا: لو شاء لم نفعل، وهذا مذهب المجبرة بعينه. (كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي أشركوا وحرموا حلال الله، فلما نبهوا على قبح فعلهم ورّكوه على ربهم (فهَلْ عَلَى الرُّسُلِ) إلا أن يبلغوا الحق، وأن الله لا يشاء الشرك والمعاصي بالبيان والبرهان، ويطلعوا على بطلان الشرك وقبحه وبراءة الله تعالى من أفعال العباد، وأنهم فاعلوها بقصدهم وإرادتهم واختيارهم، والله تعالى باعثهم على جميلها وموفقهم له، وزاجرهم عن قبيحها وموعدهم عليه. [(وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)]. ولقد أمدّ إبطال قدر السوء ومشيئة الشر بأنه ما من أمة إلا وقد بعث فيهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أحوال هؤلاء المشركين وأقوالهم لم تتجاوز عن أفعال الأمم الخالية، ولا عن أقوالهم حذو القُذة بالقذة، ثم بين أن الرسل سلفاً وخلفاً ما قصروا في الإنذار والتبليغ بقوله: (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) ثم عقب المجمل بالتفصيل بقوله: (ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً) تسلية للرسول ﷺ وتحريضاً للقوم على الاعتبار، وأن ينظروا إلى وخامة عاقبة المكذبين وسوء خاتمتهم، وأن لاتذهب نفسه عليهم حسرات، ومن ثم خاطبه صلوات الله عليه بقوله: (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ) فأين يدخل في الكلام حديث إني لا أقدر الشر ولا أشاؤه. قوله: (وركوه)، الجوهري: ورك فلان ذنبه على غيره، أي: قرفه به. قوله: (ولقد أمد إبطال قدر السوء)، يعني: أبطل الله تعالى في قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ

стр. 4481

رسولا يأمرهم بالخير الذي هو الإيمان وعبادة الله، وباجتناب الشر الذي هو طاعة الطاغوت (فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ) أي لطف به لأنه عرفه من أهل اللطف و (مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) أي ثبت عليه الخذلان والترك من اللطف، لأنه عرفه مصمما على الكفر لا يأتي منه خير فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أنى لا أقدّر الشر ولا أشاؤه، حيث أفعل ما أفعل بالأشرار. [(إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ)]. ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله ﷺ على إيمانهم، وعرّفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه (لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) أي لا يلطف بمن يخذل، لأنه عبث، والله تعالى متعال عن العبث، لأنه من قبيل القبائح التي لا تجوز عليه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا) إلى آخره، نسبة أفعال السوء إلى قدر الله تعالى، ثم أمد ذلك الإبطال بقوله: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً). الانتصاف: وجه استدلاله بها أن الله قسم العباد قسمين، والأمر والنهي يرجعان إلى المشيئة، بناء على زعمهم في إنكار كلام النفس، فعنده أن الله شاء أن تعبدوه وشاء أن يجتنبوا الطاغوت، ولم يشأ إشراكهم، ومبنى استدلاله على إنكار كلام النفس، والعجب غفلته عن قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ)، كما قال في الأنعام: (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) [الأنعام: ١٤٩]، وتقدم هناك ما فيه كفاية. قوله: (في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه حيث أفعل ما أفعل بالأشرار)، يريد أن النظر في أحوال الأشرار من الهلاك والدمار، يدل على أني ما قدرت الشر فيهم ولا قضيته عليهم، لأني لو فعلت ذلك، ثم عاقبتهم به، لم أكن عادلاً، لكنهم إنما استحقوا ذلك لأنهم هم الذين فعلوا ما استحقوا به الهلاك، وعُلم من قبل أن ما ذكره خارج عن مقتضى المقام.

стр. 4482

وقرئ: (لا يهدى)، أي: لا تقدر أنت ولا أحد على هدايته وقد خذله الله. وقوله (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) دليل على أنّ المراد بالإضلال: الخذلان الذي هو نقيض ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "لا يُهدى")، على ما لم يُسم فاعله، الكوفيون: (لا يَهْدِي) بفتح الياء وكسر الدال. والباقون بضم الياء وفتح الدال، قال أبو البقاء: في قراءة الضم وجهان، أحدهما: أن (مَنْ يُضِلُ) مبتدأ، و (لا يَهْدِي): خبره. والثاني: أن (لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) بأسره: خبر (إنَّ)، كقولك: إن زيداً لا يُضربُ أبوه يعني: أن التركيب سببين ومعناه: أن زيداً بمكان من الشرف والكرامة بحيث استحق أن يُكرم أبوه ولا يُهان بالضرب، ونظيره في المعنى: خولان فانكح، ثُم ما في التنزيل مع ذلك التقدير واقع جزاء للشرط ولم يكن يصلح جزاء إلا بتأويل الإعلام والإخبار، وقد تقرر أن مثل هذا الأسلوب غنما يردُ للتقريع، أو التنبيه على أمر خطير خفي على السامع، ولا سيما في جعل اسم "عن" الاسم الجامع للأسماء الحسنى، كأنه قيل: (إِنْ تَحْرِصْ) أنت وكل مخلوق على هداية من أراد الله إضلاله، فاعلم وتنبه أنك قد حاولت مزاولة أمر لا يُرام، ومُحالٍ لا يُستطاع، هذا معنى قوله: "لا تقدرُ أنت ولا أحدٌ على هدايته"، ووجدتُ لبعض الفضلاء على الحاشية: هذه كلمة حق، وقد أخرجها الله تعالى من فمه بلا اختيار منه. قوله: ((وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) دليل على أن المراد بالإضلال الخذلان)، كأنه قيل: (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ)، فاعلم أن الله لا يهدي من يخذله، وما له من ناصر ينصره. وقلتُ: ليس تأويل (مَنْ يُضِلُ) بالخذلان أولى من تأويل (مِنْ نَاصِرِينَ) بالهادين، أي: (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ)، فاعلم أن الله لا يهدي من يضله وما له من هاد قط، لا أنت

стр. 4483

النصرة. ويجوز أن يكون (لا يَهْدِي) بمعنى: لا يهتدي. يقال: هداه الله فهدى. وفي قراءة أبىّ: فإنّ الله لا هادى لمن يضل، ولمن أضلّ، وهي معاضدة لمن قرأ (لا يَهْدِي) على البناء للمفعول. وفي قراءة عبد الله: يهدى، بإدغام تاء يهتدى، وهي معاضدة للأولى. وقرئ «يضل» بالفتح. وقرأ النخعي: إن تحرص، بفتح الراء، وهي لغية. [(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ* ِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ)]. (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ) معطوف على (وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا)] النحل: ٣٥ [إيذاناً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولا غيرك، وهذا أولى؛ لأن أول الكلام في الهداية لا في النصرة والخذلان، وأما الختم بعد النصرة فللمبالغة في عدم توخي الهداية والخيبة فيه وعدم الاهتداء. قوله: (ويجوز أن يكون (لا يَهْدِي) بمعنى: لا يهتدي)، الجوهري: هدى واهتدى بمعنى، قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ)، قال الفراء: يريد: "لا يهتدي"، يعني: "لا يهتدي من يُضله". قوله: (هداه الله فهدى)، أي: "هدى" مطاوع "هداه"، كما أن "اهتدى" مطاوعه. قوله: (وهي مُعاضدة لمن قرأ: "لا يُهدى"، أي: لا هادي موجود لمن يُضله، فإذا لم يكن هاديه موجوداً فلا يُهدي أبداً. قوله: (وهي معاضدة للأولى)، أي: قراءة من قرأ: "لا يهدي" بمعنى: لا يهتدي.

стр. 4484

بأنهما كفرتان عظيمتان موصوفتان، حقيقتان بأن تحكيا وتدوّنا: توريك ذنوبهم على مشيئة الله، وإنكارهم البعث مقسمين عليه. وبَلى إثبات لما بعد النفي، أي: (بلى) يبعثهم. ووعد الله: مصدر مؤكد لما دلّ عليه بلى. لأن يبعث موعد من الله، وبين أنّ الوفاء بهذا الموعد حق واجب عليه في الحكمة (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أنهم يبعثون أو أنه وعد واجب على الله، لأنهم يقولون: لا يجب على الله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كفرتان)، الجوهري: الكفر، بالفتح: التغطية، قال ابن السكيت: ومنه سُمي الكافر؛ لأنه يستر نعم الله تعالى عليه، وفي التخصيص فائدة، وهي أن الكفار يحاولون تغطية ما هو في غاية الظهور والجلاء، والأولى أن يعطف الجملة كما هي على جملة الشرط والجزاء، كأنه تعالى يخبر عن مبالغة حرص النبي ﷺ على هدايتهم، وعن تناهي ضلالهم مفوضاً ترتب إحدى الجملتين على الأخرى إلى فهم السامع. قوله: (أو أنه وعد واجب)، أي: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أنه وعد واجب على الله، لأنهم يقولون: "لا يجب على الله شيء، لا ثواب عامل ولا غيره"، وفيه تعريض بأهل السنة، قال صاحب "الفرائد": لا دلالة في الآية على ما قال، لكن المعنى: لا يعلمون كمال قدرته، وبالغ حكمته في بعثه بعد إماتته. وقلت: الذي دل عليه السياق أن معناه: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) ذلك الوعد الحق والقول الصدق لقوله: (وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً) كقوله تعالى: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ) [يونس: ٤]، فالمقدر الوعد الواجب بحسب أنه تعالى لا يخلف الميعاد، لا أن العبد يوجب عليه ذلك بسبب عمله. وأما الجزاء من الثواب والعقاب، فهو تابع للبعث، أو (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أنه تعالى يبعثهم، أي: بمسألة البعث التي مبناها على كونه تعالى عالماً بكل المعلومات، قادراً على كل المقدورات، كالفلاسفة وأضرابهم خذلهم الله.

стр. 4485

شيء، لا ثواب عامل ولا غيره من مواجب الحكمة. (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ) متعلق بما دل عليه «بلى» أى يبعثهم (ليبين) لهم. والضمير لمن يموت، وهو عام للمؤمنين والكافرين، والذي اختلفوا فيه هو الحق (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ) كذبوا في قولهم: (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء)، وفي قولهم: لا يبعث الله من يموت. وقيل: يجوز أن يتعلق بقوله (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا) أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا فيه، وأنهم كانوا على الضلالة قبله، مفترين على الله الكذب. [(إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)]. (قَوْلُنا) مبتدأ، (وأَنْ نَقُولَ) خبره. (كُنْ فَيَكُونُ) من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود، أي: إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له: أحدث، فهو يحدث عقيب ذلك لا يتوقف، وهذا مثل لأنّ مراداً لا يمتنع عليه، وأنّ وجوده عند إرادته تعالى غير متوقف، كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل، ولا قول ثم، والمعنى: أنّ إيجاد كل مقدور على الله تعالى بهذه السهولة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويؤيد أن الكلام في البعث قوله: (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ) أي: في البعث، (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ) أي: في قولهم: (لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ)، وكذا قوله: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)؛ لأن فيه إثبات القدرة الكاملة والإرادة الشاملة، وإليه الإشارة بقوله: "والمعنى: أن إيجاد كل مقدور على الله بهذه السهولة، فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من شق المقدورات؟ ". قوله: (لأن مراداً)، نكرة، واللام متصل بـ "مثل"، أي: أي مراد يكون؟ وقوله: (وأن وجوده عند إرادته غير متوقف)، عطف تفسيري، على أن مراداً لا يمتنع عليه.
следующие страницы →