Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.
стр. 5286
كرّر (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) استفظاعا لشأنهم واستعظاما لكفرهم، أى: وصفتم الله تعالى بأنّ له شريكا، فهاتوا برهانكم على ذلك: إمّا من جهة العقل، وإمّا من جهة الوحى، فإنكم لا تجدون كتابا من كتب الأوّلين إلا وتوحيد الله وتنزيهه عن الأنداد مدعوّ إليه، والإشراك به منهى عنه متوعد عليه.
أى (هَذَا) الوحى الوارد في معنى توحيد الله ونفى الشركاء عنه، كما ورد علىّ فقد ورد على جميع الأنبياء، فهو ذكر: أى عظة للذين معى: يعنى أمّته، وذكر للذين من قبلي: يريد أمم الأنبياء ﵈. وقرئ "ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي" بالتنوين. و"من" مفعول منصوب بالذكر كقوله (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً) [البلد: ١٤ - ١٥] وهو الأصل، والإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول كقوله: (غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) [الروم: ٣].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كرر (أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً)، أي: قال: "أم اتخذوا آلهةً من الأرض هم ينشرون" ثم عاد إلى هذا القول استفظاعاً لشأنهم، يعني: خلقنا السماء والأرض لداعي المعرفة والعبادة، ثم الجزاء، وهم اتخذوا آلهةً ليس من شأنها ذلك، بل اتخذوا من لم يُنزل فيه سلطاناً، فانظروا إلى هذا الأمر الفظيع.
وقلتُ: وليكون وسيلةً إلى الرجوع إلى ما سبق الكلام له، وهو قوله تعالى: (هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي)، ثم قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ) الآية، ثم في مجيء هذا، والإضراب بقوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ) إلى آخر الآية تتميمٌ لذلك الاستفظاع ومبالغةٌ فيه، فقوله: (هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) نفيُ البرهان من جهة الوحي، وقوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ) نفيُ البرهان من جهة العقل، وقوله: (فَهُمْ مُعْرِضُونَ) مسببٌ لفقدان دليل العقل، وإليه الإشارة بقوله: "فمن ثم جاء هذا الإعراضُ".
قوله: (متوعدٌ عليه فيه) الضمير في "فيه" راجعٌ إلى قوله: "كتابا"، وقوله: "مدعو "ومنهيٌّ" و"متوعد"، قد تنازعت في الظرف.
стр. 5287
وقرئ (مَنْ مَعِيَ) و"مَنْ قَبْلِي" على "من" الإضافية في هذه القراءة. وإدخال الجار على «مع» غريب، والعذر فيه أنه اسم هو ظرف، نحو: قبل، وبعد، وعند، ولدن، وما أشبه ذلك، فدخل عليه «من» كما يدخل على أخواته. وقرئ: "ذكر معى وذكر قبلي". كأنه قيل: بل عندهم ما هو أصل الشرّ والفساد كله وهو الجهل وفقد العلم، وعدم التمييز بين الحق والباطل، فمن ثم جاء هذا الإعراض، ومن هناك ورد هذا الإنكار. وقرئ «الحق» بالرفع على توسيط التوكيد بين السبب والمسبب. والمعنى: أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على "مِن" الإضافية)، قال ابن جني: "هذا ذكرٌ من معي وذكرٌ من قبلي" بالتنوين، وكسرُ الميم من "مِن" هي قراءة يحيى بن يعمُرَ وطلحة بن مُصرف. وهذا أحدُ ما يدل على أن "مع" اسمٌ. حكى صاحبُ "الكتاب" وأبو زيدٍ ذلك عنهم، يقولُ: جئتُ من معهم، أي: من عندهم، فكأنه قال: هذا ذكرُ من عندي ومن قبلي، أي: جئتُ أنا به كما جاء به الأنبياء من قبلي.
قوله: (وقرئ: "الحقُّ" بالرفع)، قال ابن جني: هي قراءة الحسن وابن محيصن. قال ابن جني وصاحب "المرشد": يجوز حينئذ الوقفُ على قوله: (لا يَعْلَمُونَ)، ويُبتدأ "الحق" بمعنى: هو الحقن والوقف التام عند قوله: (مُعْرِضُونَ).
وقُلتُ: فعلى هذا (لا يَعْلَمُونَ) مطلقٌ من قبيل: فلانٌ يعطي ويمنع؛ ولذلك عبر عنه بالجهل. وقوله: "وهو الحقُّ" معترضٌ بين السبب والمسبب لتأكيد هذا الحكم، فإذا وقف على (مُعْرِضُونَ) كان الوقفُ تاماً من حيث المعنى؛ لأن السبب والمسبب كالشيء الواحد. وإذا وقف على (لا يَعْلَمُونَ) كان جائزاً من حيث اللفظ، فقول المصنف: "أن إعراضهم بسبب الجهل"، كلامٌ تامٌ، وقوله: "هو الحقُّ" توكيدٌ له، فهو وزان قوله: هذا عبد الله الحق
стр. 5288
إعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا الباطل. ويجوز أن يكون المنصوب أيضا على هذا المعنى، كما تقول: هذا عبد الله الحق لا الباطل.
(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: ٢٥].
(يوحى) و (نُوحِي): مشهورتان. وهذه الآية مقرّرة لما سبقها من آي التوحيد.
(وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩].
نزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة بنات الله. نزه ذاته عن ذلك، ثم أخبر عنهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا الباطلُ، فلا تعلق لقوله: "بسبب الجهل" بقوله: "إعراضهم" ليُجعل الخبر "هوا لحق"، وقول من قال: الحكم بأن إعراضهم بسبب الجهل حقٌّ، يُحملُ على تلخيص المعنى كما مر آنفاً أن قوله: هو الحق معترضٌ لتأكيد الحكم، لا أنه عمد به إلى أن يبين تعلق قوله: "بسبب الجهل" بقوله: "بإعراضهم" كما توهم.
قوله: ("يوحى، و (نُوحِي))، بالنون: حفصٌ وحمزة والكسائي، والباقون: بالياء.
قوله: (وهذه الآية مقررةٌ لما سبقها من آي التوحيد)، وقلت: قد مر مراراً أن السورة نازلةٌ في شأن النبوة وما يتعلق بها، وكلما فرغ من الكلام كرَّ إلى ما سيق له الكلام ليتعلق به نوعٌ آخر، فلما قيل: " (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ) وعلق به منشور التوحيد، وتوقيع (لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا)، جُعل ذريعةً وتخلصاً إلى قوله: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً).
стр. 5289
بأنهم عباد والعبودية تنافى الولادة، إلا أنهم (مُكْرَمُونَ) مقرّبون عندي مفضلون على سائر العباد، لما هم عليه من أحوال وصفات ليست لغيرهم، فذلك هو الذي غرّ منهم من زعم أنهم أولادى، تعاليت عن ذلك علوا كبيرا. وقرئ "مكرّمون". و"لا يَسْبِقُونَهُ" بالضم، من: سابقته فسبقته أسبقه. والمعنى: أنهم يتبعون قوله ولا يقولون شيئا حتى يقوله، فلا يسبق قولهم قوله. والمراد: بقولهم، فأنيب اللام مناب الإضافة، أى لا يتقدّمون قوله بقولهم، كما تقول: "سبقت بفرسي فرسه"، وكما أنّ قولهم تابع لقوله، فعملهم أيضا كذلك مبنى على أمره: لا يعملون عملا ما لم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مَن زعَمَ): مفعولُ "غَرَّ"، و"منهم": بيانُ "مَن"، أو: للتبعيض، وهو مفعولُ "غَرَّ"، و"مَن زعَمَ": بدلٌ منه.
قوله: (مُفضلون على سائر العباد)، قال في "الانتصاف": جعل الزمخشري القرآن تبعاً لرأيه، وليس غرضُنا إلا بيان ذلك خاصة، فإن لفظ (مُكْرَمُونَ) لا يفيدُ إلا إكراماً مطلقاً. أما على كونه مفضلين على سائر العباد، أو على بعضهم فلا.
قوله: (أي: لا يتقدمون قوله بقولهم)، قيل: جعل "تقدم" متعدياً إلى واحدٍ وعداه بالباء إلى اثنين، ولم يوجد ذلك في اللغة، لكن يُجعلُ تركيبه بمنزلة نقله. قلتُ: لعل هذا السائل ما نظر إلى قوله في الحجرات: "قدمَه"، وأقدمه: منقولان بتثقيل الحشو والهمزة، مِن: قدمه: إذا تقدمه في قوله تعالى: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ) [هود: ٩٨]، ونظيرهُ معنى ونقلاً: سلفه وأسلفه … "، وأنشد الجوهريُّ للبيد:
فمضى وقدمها … البيت، أي: تقدمها.
قوله: (كما تقولُ: سبقتُ بفرسي فرسه)، قال القاضي: أصلُه: لا يسبقُ قولهم قوله، فنسب السبق إليه تعالى وإليهم، وجعل القول محله وقرينته تنبيهاً على استهجان السبق، وتعريضاً بالقائلين على الله ما لم يقُلهُ، ونحوه قال المصنفُ في قوله تعالى: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ
стр. 5290
يؤمروا به. وجميع ما يأتون ويذرون مما قدّموا وأخروا بعين الله، وهو مجازيهم عليه، فلإحاطتهم بذلك يضبطون أنفسهم، ويراعون أحوالهم، ويعمرون أوقاتهم. ومن تحفظهم أنهم لا يجسرون أن يشفعوا إلا لمن ارتضاه الله وأهله للشفاعة في ازدياد الثواب والتعظيم، ثم إنهم مع هذا كله من خشية الله (مُشْفِقُونَ) أى متوقعون من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يدي اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [الحجرات: ١]: هو تمثيلٌ، وفيه تصويرُ الهُجنةِ والشناعةِ فيما نهُهوا عنهُ من الإقدام على أمرٍ من الأمور دون الاحتذاء على الكتاب والسُّنة.
قوله: (بعين الله)، أي: بمراقبة الله، وهو حالٌ، وقال في طه: (عَلَى عَيْنِي) [طه: ٣٩] أي: أنا أراقبُك كما يُراقبُ الرجلُ الشيء بعينه: إذا اعتنى به.
قوله: (فلإحاطتهم بذلك)، معناه: بسبب إحاطة الملائكة بأن الله تعالى مراقبٌ لأحوالهم كلها، وأنه يعلمُ ما بين أيديهم وما خلفهم يضبطون جميع أحوالهم، وبعضُ ذلك الضبط أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، فدل هذا الكلام على أن قوله تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ) عطفٌ على محذوفٍ هو مسببٌ عن جملة قوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ)، وأن ذلك المحذوف عامٌّ في جميع ما يجب أن يُراعى ويحفظ من الأحوال، وقوله: (وَلا يَشْفَعُونَ) بعض منها، وإليه الإشارة بقوله "يضبطون أنفسهم، ويراعون أحوالهم ويعمرون أوقاتهم"، فقوله: (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) تتميمٌ في غاية الحُسن لضبط أنفسهم، ورعاية أحوالهم كلها سابقها ولاحقها؛ ولذلك قال: "من أمارةٍ ضعيفةٍ كائنون على حذر"، وعن بعضهم، أي: يقولون: لعلنا نقصرُ في عبادة الله، والمؤمنون متوقعون من أمارة قوية لكثرة ذنوبهم. وفيه أن الصغيرة جائزةٌ للتعذيب.
قوله: (للشفاعة في ازدياد الثواب والتعظيم)، مذهبه.
стр. 5291
أمارة ضعيفة، كائنون على حذر ورقبة لا يأمنون مكر الله. وعن رسول الله ﷺ "أنه رأى جبريل ﵇ ليلة المعراج ساقطا كالحلس من خشية الله"، وبعد أن وصف كرامتهم عليه، وقرب منزلتهم عنده، وأثنى عليهم، وأضاف إليهم تلك الأفعال السنية والأعمال المرضية.
فاجأ بالوعيد الشديد، وأنذر بعذاب جهنم من أشرك منهم إن كان ذلك على سبيل الفرض والتمثيل، مع إحاطة علمه بأنه لا يكون، كما قال (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)] الأنعام: ٨٨ [قصد بذلك تفظيع أمر الشرك وتعظيم شأن التوحيد.
(أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء: ٣٠].
قرئ «ألم تر» بغير واو.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ورقبة). الأساس: رقبهُ وراقبه: حاذره؛ لأن الخائف يرقُبُ العذاب.
قوله: (كالحلس). النهاية: هو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، شُبه به للزومه.
قوله: (فاجأ بالوعيد الشديد)، يعني: أتى بما لم يحتسب، وكان من مقتضى الظاهر بعد إجراء كل الصفات الكاملة على الملائكة المقربين أن يُعقب بالوعد العظيم، وبالثواب والتكريم، لكن جيء بقوله: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ)، أي: من دون الله، وهو وعيدٌ شديد؛ ليؤذن بأن الشرك أمر فظيع، وأنهم مع جلالتهم إن صدر منهم الشركُ، ترتب عليه ذلك العذاب نحو قوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٦٥].
قوله: ("ألم ير" بغير واو)، أي: بعد الهمزة: ابن كثيرٍ، والباقون: بالواو.
стр. 5292
و"رَتْقاً" بفتح التاء، وكلاهما في معنى المفعول، كالخلق والنقض، أى: كانتا مرتوقتين. فإن قلت: "الرتق" صالح أن يقع موقع "مرتوقتين" لأنه مصدر، فما بال الرتق؟ قلت: هو على تقرير موصوف، أى: كانتا شيئا رتقا. ومعنى ذلك: أن السماء كانت لاصقة بالأرض لا فضاء بينهما. أو كانت السماوات متلاصقات، وكذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و"رتقاً" بفتح التاء، وكلاهما في معنى المفعول)، قال ابن جني: قراها الحسنُ وعيسى الثقفيُّ، وقد كثُرَ عنهم مجيءُ المصدر على "فعل" ساكن العين، واسمُ المفعولِ منه على "فعلٍ" مفتوحها، فالرتق بفتح التاء هوالمرتوقُ، كالنقض والطرد بمعنى المنقوض والمطرود.
قوله: ("الرتقُ" صالحٌ أن يقع)، تلخيصه: المصدر يصح أن يُراد به التثنية والجمعُ والواحدُ، فما بالُ: "الترقُ" بفتح التاء؛ فإنه اسم مفعول استعمل بمعنى: مرتقوتين. وأجاب: أن السماوات والأرض يقع عليهما اسمُ الشيء، فكأنه قيل: شيئاً رتقاً.
الراغب: الرتق: الضمُّ والالتحامُ خلقةً كان أو صنعةً، قال تعالى: (كَانَتَا رَتْقاً)، أي: منضمتين، والرتقاءُ من الجارية: المنضمة الشفرتين، وفلانٌ راتقٌ وفاتقٌ في كذا أي: هو عاقدٌ وحال.
قوله: (أن السماء كانت لاصقة) ن روى محيي السنة، عن مجاهد والسدى: كانت السماوات مرتقةً طبقةً واحدة، ففتقها فجعلها سبع سماواتٍ، وكذلك الأرضُ.
وقال عكرمةُ وعطيةُ: كانت السماءُ رتقاً لا تُمطر، والأرض رتقاً لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات. وقال الزجاجُ: ويدل على هذا التفسير قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا
стр. 5293
الأرضون لا فرج بينها ففتقها الله وفرّج بينها. وقيل: ففتقناهما بالمطر والنبات بعد ما كانت مصمتة، وإنما قيل: (كَانتَاَ) دون "كنّ"، لأنّ المراد جماعة السماوات وجماعة الأرض، ونحوه قولهم: "لقاحان سوداوان"، أى: جماعتان، فعل في المضمر نحو ما فعل في المظهر. فإن قلت: متى رأوهما رتقا حتى جاء تقريرهم بذلك؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)، وقال القاضي: فعلى هذا المراد بالسماوات: سماءُ الدنيا، وجمعها باعتبار الآفاق، أو: السماوات بأسرها على أن لها مدخلاً ما في الأمطار.
قوله: (مُصمتةً): الأساس: شيءٌ مصمتٌ: لا جوف له، وقُفلٌ مصمتٌ: قد أُبهم إغلاقه.
قوله: (لقاحان سوداوان)، الجوهري: اللقاح بالكسر: الإبل بأعيانها، الواحدة لقوح، وهي الحلوب، وقولهم: لقاحان سوداوان كما قالوا: قطيعان؛ لأنهم يقولون: لقاحٌ واحدةٌ، كما يقولون: قطيع واحدٌ، وإبلٌ واحد.
قوله: (فُعِلَ في المضمر)، أي: في (كَانَتَا)، حيثُ جعل ضمير "السماوات"، وضمير "الأرض"، كل واحدٍ منهما بمنزلة جماعة، كما في المظهر، "أي": "لقاحان".
قوله: (متى رأوهما رتقاً حتى جاء تقريرهم بذلك)، أي: الهمزة في (أَوَلَمْ يَرَ) للتقرير، وتحريرُ السؤال والجواب ما ذكره الإمام، قال: لقائل أن يقول: إن المراد بالرؤية إما النظر وإما العلمُ، والأولُ مشكل؛ لأن القوم ما رأوهما قطُّ، لقوله تعالى: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [الكهف: ٥١]، والثاني كذلك؛ لأن الجسام قابلةٌ للفتق والرتق في أنفسها، فالحكم عليها بالرتق أولاً، وبالفتق ثانياً، لا سبيل إليه إلا بالسمع، والمناظرةُ مع المنكرين للرسالة؟
والجوابُ: أن المراد من الرؤية: العلمُ، ودفعُ السؤال من وجهين، أحدهما: إنا نثبتُ نبوةَ محمدٍ صلواتُ الله وسلامه عليهن ثم نستدل بقوله، ثم نجعله دليلاً على حصوله.
стр. 5294
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وثانيهما: أن يُحمل الفتقُ والرتقُ على إمكانهما، والعقلُ يدل عليه، لأن الأجسام يصحُّ عليها الاجتماعُ والافتراق، فاختصاصها بالاجتماع دون الافتراق أو بالعكس يستدعي مخصصاً.
ويجوزُ أن يقال: إن أهل الكتاب كانوا عالمين بذلك، وكان بين عبدة الأوثان وبينهم مخالطة، فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الحجة بناء على أنهم يقبلون قولهم.
وقال صاحب "الفرائد": أما الجواب الأول لصاحب "الكشاف" فمنظورٌ فيه؛ لأنهم كُفار، فكيف يكون لهم اعتقادٌ بما في القرآن لكونه في القرآن؟ فإن قيل: لما كان القرآن معجزةً وجب أن يؤمنوا به ثم يروا ذل. قُلنا المراد من هذا إنكارُ إشراكهم، وأنهم لم يستدلوا به على أنه واحدٌ لا شريك له؛ لأنهم مقرون بأن السماوات والأرض وما يتعلق بهما لم يكن إلا مخلوقاً لله تعالى، وأنه لا يمكن مثلُ ذلك مما جعلوه له شركاء. فكيف يستقيمُ أني قال لهم: لِمَ لمْ تعلموا أن النبي ﷺ حقٌّ بما أتى به من الكتاب؛ لتروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما، أي: لتعلموا، لأنكم وجدتموه في الكتاب، ثم تعلموا أنه واحدٌ لا شريك له، ولا يتوقفُ العلم بالتوحيد على العلم بالنبي صلى الله عليه ولم، وكما يدل الرتق يدل الفتق مع أن العلم بالفتق ضروريٌّ، وبالرتق استدلالي.
والاعتراضُ على الثاني أن يقال: كما أنه لابد للتباين من مخصص، لابد للتلاصق من مخصص؛ لأنه يمكن أن يكون متلاصقين، كما يمكن أن يكونا متباينين، ووجوب المخصص باعتبار الجواز، فكان لا الطرفين مفتقراً إلى المخصص فقوله: "فلابد للتباين دون التلاصق من مخصص" مع أنه موهم بتخصيص المخصص بالتباين في جواب السائل: "متى رأوهما رُتِقا؟ " منظورٌ فيه. وقلتُ: إذا حُمل على فتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات، فالمعنى ظاهرٌ. وإذا حُمل أن السماوات كانت طبقةً واحدة ففتقها الله تعالى وجعلها سبعاً، وكذا الأرض،
стр. 5295
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه، فقام مقام المرئىّ المشاهد. والثاني: أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل، فلا بدّ للتباين دون التلاصق من مخصص وهو القديم سبحانه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فالمراد من قوله: (أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا) فليعلموا ذلك، على هذا المعنى حُمل في "التفسير"، وقال في هذا الوجه: (أَفَلا يُؤْمِنُونَ): أفلا يصدقون. تم كلام صاحب "الفرائد".
وقلتُ: ولا ارتياب في بُعد ذلك الاستدلال، فنهم إذا استدلوا بأن القرآن حقٌّ، فأيُّ حاجة إلى العلم بأن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما؛ فإن علم التوحيد والتنزيه فيه أشد سطوعاً من ذلك، فيجوزُ إثبات التوحيد بقول الرسول ﷺ ، لما تقرر في الأصول: أن إثبات للرسالة موقوفٌ على وجود الصانع، لا على وحدته. فنقول: إن هذا الإنكار وقع مع الذين نسبوا الولد إلى الله تعالى، فهم لا ينكرون البتة بأنه خالقُ السماوات والأرض ومبدعهما ومخترعهما، ألا ترى إلى قوله تعالى في البقرة: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [البقرة: ١١٦ - ١١٧]، وفي الأنعام: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ) [الأنعام: ١٠١]؟ فكأنه قيل لهم: كيف تتفوهون بهذه العظيمة، وتغفلون عما أنتم مقرون به وتعتقدونه من أنا أبدعنا هذه الأجرام العظام، واخترعناها ابتداءً، فهلا تتفكرون فتعلمون أن مبدع السماوات والأرض لا يستقيم أن يوصف بالولادة كما سبق في "الأنعام"، فوضع موضع "أبدع السماوات والأرض" قوله تعالى: (أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا) مزيداً للتصور، أنه تعالى يصورُ لهم تلك الحالة التي وقعت الخلقةُ والإبداعُ عليها ليكون أردع وأزجر. وإذا كانوا مقرين بأصل الإبداع فأي بُعدٍ في إثبات العلم بذكر الفتق والرتق الذي هو بيان حالة الإبداع وتفصيلهن بل هو آكد؟ ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا) بعد قوله: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً)، حيث وضع (الَّذِينَ كَفَرُوا) موضع الضمير للإشعار بأن القائلين ستروا الحق، وغطوا على عقولهم بهذا القول الفظيع، والله تعالى أعلم.
стр. 5296
(وَجَعَلْنا) لا يخلو أن يتعدى إلى واحد أو اثنين، فإن تعدّى إلى واحد، فالمعنى: خلقنا من الماء كل حيوان، كقوله (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ)] النور: ٤٥ [، أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه، كقوله تعالى (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ)] الأنبياء: ٣٧ [وإن تعدى إلى اثنين فالمعنى: صيرنا كل شيء حىّ بسبب من الماء لا بدّ له منه. و «من» هذا نحو «من» في قوله ﵇ «ما أنا من دد ولا الدد منى» وقرئ: "حيا"، وهو المفعول الثاني. والظرف لغو.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فالمعنى: خلقنا من الماء)، يعني: إذا جعل (وَجَعَلْنَا) متعدياً إلى مفعولٍ واحد فهو بمعنى: خلقنا، فـ"مِنْ" إما ابتدائيةٌ أو بيانيةٌ، فعلى أن تكون ابتدائيةً: الجار والمجرورُ متصل بالفعل، و (كُلَّ شَيْءٍ): مفعولٌ به، و (حَيٍّ): صفةٌ للشيء، فالمعنى: أنشأنا كل حيوان من الماء، وهو المراد من قوله: "خلقنا من الماء كل حيوان"، فقدم الجار والمجرور على المنصوب، وعلى الثاني: الجار والمجرورُ حالٌ قُدمت على صاحبها؛ لكونها نكرةً، وأنت تعلمُ أن "مِن" البيانية قد تكونُ تجريدية، نحو: رأيتُ منك أسداً، جُردَ من الماء الحي مبالغةً، كأنه هو، وإليه الإشارة بقوله: "أو كأنما خلقناه من الماء لفرطِ احتياجه إليه"، فأخر الظرف، وإذا جُعِلَ متعدياً إلى مفعولين كان المعنى صيرنا، فـ"مِنْ": إما اتصاليةٌ، أو صلةٌ، فعلى الأول المعنى: كل حيٍّ متصلٌ بالماء وملابسٌ له، كقوله تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) [التوبة: ٦٧]، أي: مُشتبكٌ ببعض متصلٌ بالأسباب، وإليه الإشارة بقوله: "بسببٍ من الماء"، أي: مخالطٌ به غير منفك عنه؛ لأن السبب هو: ما تُوصل به إلى المقصود من علم أو آلةٍ أو قدرة، وعلى الثاني الظرف: لغوٌ، فيحتاجُ "جعلنا" إلى مفعولين؛ لأن اللغو: ما يتم الكلام بدونه، وإليه الإشارة بقوله: "حياً"، وهو المفعول الثاني، والظرف لغوٌ.
قوله: (ما أنا من ددٍ، ولا الددُ مني)، النهاية: الددُ: اللهوُ واللعبُ، وهي محذوفةُ اللام، ولا يخلو المحذوفُ من أن يكون ياءً، كقوله: يدٌ في يدي، أو نوناً كقولهم: لدُ في لدن، ومعنى التنكير في الأول: الشياعُ والاستغراق، وأن لا يبقى شيءٌ منه إلا وهو منزهٌ
стр. 5297
(وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ) [الأنبياء: ٣١ - ٣٢].
أى: كراهة (أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) وتضطرب. أو لأن تميد بهم، فحذف «لا» واللام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عنه صلواتُ الله وسلامه عليهن أي: ما أنا في شيءٍ من اللهو واللعب، والتعريفُ في الثاني: للعهد، أي: ولا ذلك النوع مني، وإنما لم يقل: ولا هو مني لأن الصريح آكد وأبلغ. وقيل: اللامُ للجنس. قال: واختار الزمخشري الأول وقال: ليس يحسنُ أن تكون للجنس؛ لأنه يخرجُ الكلام عن التئامه، والكلام جملتان وفي الموضعين المضافُ محذوف، أي: ما أنا من أهل ددٍ، ولا الددُ من أشغالي. قال أبو عليٍّ: قد جاء: "موالي القوم منهم"، و"الأذُنانِ من الرأس" وقال تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) [التوبة: ٦٧]، أي: بعضٌ يُلابس بعضاً ويوالي بعضاً، وليس المعنى على النسل والولادة؛ لأنه قد يكونُ من نسل المنافق مؤمنٌ وبالعكس. وعن بعضهم: أي: ما أنا لعبي ولا الددينوي، كقوله تعالى: (أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الأَرْضِ) أي: آلهةً أرضيةً، أي: جعلنا كل رطبٍ مائياً.
قوله: (أي: كراهة (أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) وتضطرب، أو لأن لا تميد بهم)، الانتصاف: وأولى من هذين الوجهين أن يكون مثل قولك: أعددتُ هذه الخشبة أن يميل الحائط، أي: أعددتها أن أدعم الحائط بها إذا مال، وقدم ذكر الميل عنايةً بأمره، ولأنه السبب في الإدعام، والإدعامُ سببُ إعدادِ الخشبة، فعامل سبب السببِ معاملةَ السبب، فكذا هذا، أي: يُثبتها إذا مادت. المعنى: خلقنا في الأرض رواسي لأن تستقر الأرضُ بها إذا مادت، قال: هذا أقربُ من قول الزمخشري، إذ مكروه الله تعالى محالٌ أن يقع، ولأن المُشاهد خلافُه،
стр. 5298
وإنما جاز حذف «لا» لعدم الالتباس، كما تزاد لذلك في نحو قوله (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهلُ الكِتَابِ)] الحديد: ٢٩ [وهذا مذهب الكوفيين.
الفج: الطريق الواسع. فإن قلت: في الفجاج معنى الوصف، فما لها قدمت على السبل ولم تؤخر كما في قوله تعالى (لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً)] نوح: ٢٠ [؟ قلت: لم تقدّم وهي صفة، ولكن جعلت حالا كقوله:
لعزّة موحشا طلل قديم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فكم من زلزلة أمادت الأرض، وعلى تقديرنا معناه: أن الله تعالى يُثبت الأرض بالجبال إذا مادت، وذلك لا ينافي الميد.
قوله: (الفج: الطريق الواسع)، الراغب: الفج: شقةٌ يكتنفها جبلان، قال تعالى: (مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) [الحج: ٢٧]، وقال: (فِجَاجاً سُبُلاً)، والفجج: تباعد الركبتين، وهو أفج، من الفجج، ومنه: حافرٌ مفججٌ، وجرحٌ فجٌّ: لم ينضج.
قوله: (لعزة موحشاً طللٌ قديمُ)، تمامه:
عفاه كل أسحم مستديم
مذهب الكوفيين والأخفش أن "طللٌ" فاعلٌ "لعزةَ"، والحالُ مقدمٌ على ذي الحال. ومذهب سيبويه أن ذا الحال هو الضمير المستتر في "لعزةَ"، و"طللٌ" مبتدأ، والتقديرُ: طللٌ قديمٌ حصل لعزة موحشاً، فلا تكون مقدمةً على ذي الحال النكرة، والتمثيل إنما يصح على مذهب الكوفيين والأخفش.
стр. 5299
فإن قلت: ما الفرق بينهما من جهة المعنى؟ قلت: أحدهما: الإعلام بأنه جعل فيها طرقا واسعة.
والثاني: بأنه حين خلقها خلقها على تلك الصفة، فهو بيان لما أبهم ثمة، محفوظا حفظه بالإمساك بقدرته من أن يقع على الأرض ويتزلزل، أو بالشهب عن تسمع الشياطين على سكانه من الملائكة.
(عَنْ آياتِها) أى عما وضع الله فيها من الأدلة والعبر بالشمس «٢» والقمر وسائر النيرات، ومسايرها وطلوعها وغروبها، على الحساب القويم والترتيب العجيب، الدال على الحكمة البالغة والقدرة الباهرة، وأىّ جهل أعظم من جهل من أعرض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما الفرقُ بينهما من جهة المعنى؟ )، أي: بين قوله: (سُبُلاً فِجَاجاً) [نوح: ٢٠] وبين قوله: (فِجَاجاً سُبُلاً)، وخلاصةُ الجواب: أن (سُبُلاً فِجَاجاً): دل على أنه تعالى جعل فيها طرقاً واسعة، ولكن لم يعلم كيفية خلقها، أي: أنها خُلقت ابتداءً كذلك أم غُيرت من حالة إلى حالة، فبين بقوله: (فِجَاجاً سُبُلاً) أنها كانت فجاجاً غير نافذةٍ مانعة لقاصديها من السلوك، ثم جعلت نافذةً مسلكةً امتناناً، كقوله تعالى: (أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا)، وهو المراد من قوله: "فهو بيانٌ لما أبهم ثمةَ"، أي: في تلك الآية.
وقال محيي السُّنة: الفج: الطريق الواسع بين جبلين، و (سُبُلاً): تفسيرٌ للفجاج. معناه ما قال صاحب "المطلع": (سُبُلاً): تفسيرٌ للفجاج، وبيانُ أن تلك الفجاج نافذةٌ مسلوكةٌ، فقد يكون الفج غير نافذ. وقال الزجاجُ: كل مخترق بين جبلين فهو فج. فإن قلت: لم قُدم هاهنا، وأخر هناك؟ قلتُ: تلك الآية واردةٌ لبيان الامتنان على سبيل الإجمال، وهذه لبيان الاعتبار، والبعث على إمعان النظر فيه، وذلك يقتضي التفصيل، ومن ثم عقب قوله: (كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا) بهذه، وهذا يُقوي ما ذهبنا إليه في إيثار "الفتقِ" و"الرتْقِ" على "الإبداع" لاقتضاء المقام التفصيل.
стр. 5300
عنها ولم يذهب به وهمه إلى تدبرها، والاعتبار بها، والاستدلال على عظمة شأن من أوجدها عن عدم، ودبرها ونصبها هذه النصبة، وأودعها ما أودعها مما لا يعرف كنهه إلا هو عزت قدرته ولطف علمه.
وقرئ "عن آيتها"، على التوحيد، اكتفاء بالواحدة في الدلالة على الجنس أى: هم متفطنون لما يرد عليهم من السماء من المنافع الدنيوية، كالاستضاءة بقمريها، والاهتداء بكواكبها، وحياة الأرض والحيوان بأمطارها، وهم عن كونها آية بينة على الخالق (مُعْرِضُونَ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هذه النصبة)، "النصبةُ": مصدرٌ بمعنى النوع، كالركبة والجلسة، أي: نوعٌ منه عجيبٌ.
قوله: (وقرئ: "عن آيتها" على التوحيد اكتفاءً بالواحدة في الدلالة على الجنس)، يعني: المرادُ بالآية ما يدل على وجود الصانع القادر العليم الحكيم، وذلك كما يحصلُ من مجموع ما وضع في السماء من الشمس والقمر والنجوم ومسايرها وغير ذلك، قد يحصل من واحدةٍ منها. والمرادُ بالإعراض: إنكارُ كونها دالةً على المطلوب، يعني: أنهم متفطنونَ لتلك التفاصيل، ويدركون أوضاعها وينتفعون منها بالمنافع الدنيوية، لكنهم معطلةٌ ينكرون المنفعة العظمى، وهي دلالتها على وجود مُنشئها، وأنه فاعلٌ مختار، ومعبودٌ مستحقٌّ أن يُعبد، فيدخل فيه المنجمون والطبيعيون والمعاندون، وهؤلاء أسوأ حالاً من الأولين، وأما المعنى بالآيات على قراءة الجمع فهو ما وضع فيها من الدلائل والعبر المتكاثرة. والمرادُ بالإعراض: الذهول، وعدم إجالة الفكر، فهم كالأنعام ساهون غافلون، كقوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) [يوسف: ١٠٥]، أي: لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون، ومن ثم قال: "وأيُّ جهلٍ أعظمُ من جهلِ من لم يذهب وهمه إلى مدبرها والاعتبار بها".
стр. 5301
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [الأنبياء: ٣٣].
(كُلٌّ) التنوين فيه عوض من المضاف إليه، أى: كلهم فِي (فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) والضمير للشمس والقمر، والمراد بهما جنس الطوالع كل يوم وليلة، جعلوها متكاثرة لتكاثر مطالعها وهو السبب في جمعهما بالشموس والأقمار، وإلا فالشمس واحدة والقمر واحد، وإنما جعل الضمير واو العقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة.
فإن قلت: الجملة ما محلها؟ قلت: محلها النصب على الحال من الشمس والقمر. فإن قلت: كيف استبدّ بهما دون الليل والنهار بنصب الحال عنهما؟ قلت: كما تقول:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (جنسُ الطوالع كل يوم)، ["كل يوم"] متعلقٌ بـ"الطوالع".
قوله: (وهو السبب في جمعهما، بالشموس والأقمار)، قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: لما ذكر الشمس والقمر جعل الضمير لكل ما يسبح وهو الكواكب السيارة. وقوله: "وهو السبب في جمعهما" منظورٌ فيه؛ لأن الجمع - باعتبار كل واحد منهما-: اسمُ جنس، وفي صيرورة اسم الجنس جمعاً لا يفتقرُ إلى وجود الجمع، وهذا ظاهرٌ.
قلتُ: في كلامه غموضٌ وإن قال: "هذا ظاهرٌ"، لعل مُراده أن الجمع في الآية ليس كالجمع في المثال؛ لأن الجمع في المثال باعتبار استقلال كل واحدٍ من الشمس والقمر في إرادة الجمعية منه؛ لطلوعه كل يوم وليلةٍ من مشرق، ومنه قوله تعالى: (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) [المعارج: ٤٠]، وهذا لا يقتضي الجمعية في (يُسَبِّحُونَ) باعتبار أن كل واحدٍ من الشمس والقمر اسمُ جنس، ولذلك غير صاحبُ "التقريب" العبارة حيثُ قال: الضمير للشمس والقمر، والمراد جنس الطوالع، أوالكثرةُ باعتبار كثرة مطالعها؛ ولذلك جُمعا بالشموسِ والأقمار. والوجه الأول من باب التغليبن غُلبَ القمرانِ على سائر السيارة لشرفهما، والثاني من أسلوب المثال المذكور في الكتاب، وأما قولُ المصنفِ: "المرادُ بهما جنسُ الطوالع كل يوم وليلة"، فهو أن ذكرهما لإرادة مطالعهما كل يوم وليلة، يدل عليه قوله: جعلوه متكاثرة لتكاثر مطالعها.
стр. 5302
"رأيت زيدا وهندا متبرجة" ونحو ذلك، إذا جئت بصفة يختص بها بعض ما تعلق به العامل. ومنه قوله تعالى في هذه السورة (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً)] الأنبياء: ٧٢ [أو لا محل لها لاستئنافها. فإن قلت: لكل واحد من القمرين فلك على حدة، فكيف قيل: جميعهم يسبحون في فلك؟ قلت: هذا كقولهم «كساهم الأمير حلة وقلدهم سيفا» أى كل واحد منهم، أو كساهم وقلدهم هذين الجنسين، فاكتفى بما يدل على الجنس اختصارا، ولأنّ الغرض الدلالة على الجنس.
(وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: ٣٤ - ٣٥].
كانوا يقدّرون أنه سيموت فيشمتون بموته، فنفى الله تعالى عنه الشماتة بهذا، أي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هذا كقولهم: كساهُم الأمير حُلةً)، قال صاحب "الفرائد": قولنا: كلهم في دار، مثلاً، يحتملُ وجهين: أن يكونوا مجتمعين في دار، وأن يكون كل واحدٍ منهم في دار على حدة، فلابد هاهنا من قرينة، والأول أسبق إلى الفهم، وهو أنه كونه حقيقةً، ولما كان كل واحدٍ منهما في فلك على حدة ظاهراً عُلم أن المراد هو الثاني.
قوله: (أو كساهم وقلدهم)، قال بعضهم: فالمجاز في الأول في "هم" من كساهم، وفي الثاني في "حُلةً"، كأنه أطلق فرداً وأراد به الجنس، وفي الثاني أراد به الجنس كما في قولهم: تمرةٌ خيرٌ من جرادةٍ.
قوله: (كانوا يقدرون أنه سيموتُ فيشتمون بموته)، إشارةٌ إلى الرجوع إلى ما سيق له الكلامُ في السورة من حديث النبوة، ليتخلص به إلى تقرير مشرع آخر، وذلك أنه تعالى لما أفحم القائلين باتخاذ الولد، وبكتهم بالدليل الإلزامي كما مر، ذكر ما يدل على إفحامهم وهو قوله: (أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ)؛ لأن الخصم إذا لم يبق له متشبثٌ في الحجة تمنى هلاك خصمه، قال القاضي: الفاء في (أَفَإِيْنْ مِتَّ) لتعليق الشرط بما قبله، والهمزةُ لإنكاره بعد ما تقرر.
стр. 5303
قضى الله أن لا يخلد في الدنيا بشرا، فلا أنت ولا هم إلا عرضة للموت. فإذا كان الأمر كذلك فإن مت أنت أيبقى هؤلاء؟ وفي معناه قول القائل:
فقل للشّامتين بنا أفيقوا … سيلقى الشّامتون كما لقينا
أى نختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا، وبما يجب فيه الشكر من النعم، وإلينا مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر، وإنما سمى ذلك ابتلاء وهو عالم بما سيكون من أعمال العاملين قبل وجودهم، لأنه في صورة الاختبار. و (فِتْنَةً) مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه.
(وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ) [الأنبياء: ٣٦].
الذكر يكون بخير وبخلافه، فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد، كقولك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلا عرضةٌ للموت)، الجوهري: جعلتُ فلاناً عرضةً لكذا، أي: نصبته له.
قوله: (فقل للشامتين)، قبله:
إذا ما الدهر جر على أناس … كلاكله أناخ بآخرينا
فقُل للشامتين بنا: أفيقوا … سلقى الشامتون كما لقينا
الكلاكلُ: جمعُ كلكلة، وهي الصدرُ، يقول: إذا الدهرُ ألقى على أناس كلاكلُه، أي: عصرهم فأهلكهم، أناخ بعدهم على آخرين فيفنيهم، فقُل للشامتين أن ينتهوا ولايشمتوا فسيلقون من حوادث الزمان أكثر ما لقينا؛ لأن الإناخة أصعبُ من جر الكلاكل.
قوله: (أطلقَ ولم يُقيدْ)، وفيه لطيفةٌ، يعني: أن "الذكْرَ" من الألفاظ المطلقةِ كالمشترك يحتاجُ في تقييده بمتعينٍ إلى قرينة، فإذا حصلت القرينةُ ينبغي أن لا يقيدَ، أي: لا يُذكر معهُ
стр. 5304
للرجل: "سمعت فلانا يذكرك"، فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء، وإن كان عدوّا فذمّ.
ومنه قوله تعالى: (سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ) [الأنبايء: ٦٠] وقوله: (أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ) والمعنى أنهم عاكفون على ذكر آلهتهم بهممهم وما يجب أن لا تذكر به، من كونهم شفعاء وشهداء. ويسوؤهم أن يذكرها ذاكر بخلاف ذلك. وأما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخيرُ أو الشر؛ لكون القرينة تكفي في التقييد. فقولهم: (أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ) متضمنٌ لتحقير شأن الآلهة، فالذكرُ متعينٌ للذم، وقوله: (وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ) إنكارٌ عليهمُ الإعراض عمن هو موصوفٌ بصفة العظمة، وأن جلائل النعم وعظائم الأفضال ليس إلا منه، فالذكرُ لا يكونُ إلا للمدح، وتخصيصُ ذكرِ "الرحمنِ" كالتتميم لقوله: (وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ)؛ لأنه حالٌ مقررةٌ لجهة الإشكال، وإليه الإشارةُ بقوله: "أنهم عاكفون … بهممهم" إلى آخره، إذ المعنى: العجب أنهم بمجامع هممهم يذكرون بالتعظيم ما يجب أن لا يُذكر إلا بالمذمة، الحالُ أنهم معرضون كافرون عن ذكر ما يجب أن يذكر بكل الفضائل، لكونه رماناً له الرحمة الواسعة في الدنيا والآخرة. وفي تكرير "هم" وتقديم الجار والمجرور على عامله: شأنٌ في الإنكار، وتوبيخٌ عظيمٌ يقتضي أكثر مما قال: "لا يُصدقون به أصلاً".
قوله: (ويسوؤهم أن يذكرها ذاكرٌ بخلاف ذلك)، الانتصاف: وإنما لم يقولوا: أهذا الذي يذكرُ آلهتكم بكل سُوء، استفظاعاً منهم أن يحكوا ما قال من رميها بأنها لا تسمعُ ولا تُبصر ولا تنفعُ ولا تضرُّ، حاشوها من نقل ذمه فرموا إليه بالإشارة، كما يتحاشى المؤمنُ من حكاية كلمةِ الكفر فيومئ إليها، فسبحان من أضلهم فتأدبوا مع الأوثان، وأساؤوا الأدب مع الرحمن! وفي قول المصنف: "أن لا يذكر به من كونهم شُفعاء وشُهداء" إيماءٌ إلى هذا المعنى.
الراغبُ: الذكرُ: تارةً يقالُ ويرادُ به هيئةٌ للنفسِ بها يمكنُ للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه
стр. 5305
ذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية، فهم به كافرون لا يصدّقون به أصلا فهم أحق بأن يتخذوا هزؤا منك، فإنك محق وهم مبطلون. وقيل معنى (بِذِكْرِ الرَّحْمنِ) قولهم: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة، وقولهم (وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَامُرُنا)] الفرقان: ٦٠ [وقيل (بِذِكْرِ الرَّحْمنِ) بما أنزل عليك من القرآن. والجملة في موضع الحال، أى: يتخذونك هزؤا، وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية وهي الكفر بالله.
(خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) [الأنبياء: ٣٧ - ٣٨]
كانوا يستعجلون عذاب الله وآياته الملجئة إلى العلم والإقرار (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ) فأراد نهيهم عن الاستعجال وزجرهم، فقدم أو لا ذم الإنسان على إفراط العجلة، وأنه مطبوع عليها، ثم نهاهم وزجرهم، كأنه قال: ليس ببدع منكم أن تستعجلوا فإنكم مجبولون على ذلك وهو طبعكم وسجيتكم. وعن ابن عباس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من المعرفة، وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يُقالُ اعتباراً بإحرازه، والذكرُ اعتباراً باستحضاره، وتارةً يقالُ لحضور الشيء بالقلب والقول، ولذلك قيل: الذكرُ ذكران: ذكرٌ بالقلب، وذكرٌ باللسان، وكل منهما ضربان: ذكرٌ عن نسيانٍ وذكرٌ لا عن نسيان بل عن إدامة الحفظ، وكل قول يقالُ له: ذكرٌ.
قوله: ((بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ): قولهم: ما نعرفُ الرحمن)، يعني: يرادُ بـ"الذكر": الاسمُ، أي: باسم الرحمن، أي: ما نعرفُ من يُسمى به سوى مُسيلمة.
قوله: (فإنكم مجبولون على ذلك، وهو طبعكم وسجيتكم)، قال القاضي: كأنه خُلق منه لفرط استعجاله، وقلة تأنيه، كقولك: زيدٌ من الكرم، جعل ما طُبع عليه منزلة المطبوع عنه مبالغةً في لزومه له. ومن عجلته: مبادرته إلى الكفر، واستعجاله الوعيد.
стр. 5306
رضي الله عنه: أنه أراد بالإنسان آدم ﵇، وأنه حين بلغ الروح صدره ولم يتبالغ فيه أراد أن يقوم. وروى أنه لما دخل الروح في عينه نظر إلى ثمار الجنة، ولما دخل جوفه اشتهى الطعام. وقيل خلقه الله تعالى في آخر النهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس، فأسرع في خلقه قبل مغيبها. وعن ابن عباس رضى الله عنه أنه النضر بن الحارث. والظاهر أن المراد الجنس. وقيل «العجل»: الطين، بلغة حمير. وقال شاعرهم:
والنّخل ينبت بين الماء والعجل
والله أعلم بصحته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولم يتبالغ فيه)، أي: لم يتمكن من البلوغ فيه.
قوله: (والظاهر أن المراد الجنسُ)، يعني به القول الأول، وهو قوله: "فقدم أولاً ذم الإنسان"، يدل عيه قوله: "ليس ببدع منكم أن تستعجلوا، فإنكم مجبولون على ذلك". وقوله: "وعن ابن عباس ﵄ أن النضر" عطفٌ على قوله: "عن ابن عباس أنه أراد بالإنسان آدم ﵇"، على هذين القولين التعريفُ في الإنسان للعهد، وقوله: "قيل: العجلُ: الطين" متفرعٌ على القول بالجنس، فيكونُ القصدُ تحقير شأنه تتميماً لمعنى التهديد في قوله: (سَأُرِيكُمْ آيَاتِي)، أي: لا تستعجلوا أيها المُهانون سأريكم ما تستعجلونه من العذاب، ونظيره في التحقير: (قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) [عبس: ١٧ - ١٩].
قوله: (والنخلُ ينبتُ بين الماء والعجل)، أوله في "المعالم":
والنبعُ في الصخرة الصماء منبته
النبعُ: شجرةٌ يُتخذُ منها القسيُّ.
стр. 5307
فإن قلت: لم نهاهم عن الاستعجال مع قوله (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ) وقوله (وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا)] الإسراء: ١١ [، أليس هذا من تكليف ما لا يطاق؟ قلت: هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها، لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة. وقرئ: خلق الإنسان.
(لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَاتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) [الأنبياء: ٣٩ - ٤٠].
جواب لَوْ محذوف. و (حِينَ) مفعول به ل (يعلم)، أى: لو يعلمون الوقت الذي يستعلمون عنه بقولهم (مَتى هذَا الْوَعْدُ) وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من وراء وقدّام، فلا يقدرون على دفعها ومنعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم: لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من وراء وقُدامُ)، صح بالرفع على معنى الغاية، كـ: بعدُ وقبلُ.
قوله: (لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال)، هذا هو جواب "لو" المقدرُ، والمراد بالكفر: ما في قوله: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، وبالاستهزاء: قوله: (أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ)؛ لأنه بيانٌ لقوله: (إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً) وفي اسم الإشارة معنى التعظيم كما في قوله:
هذا أبو الصقرِ فرداً في محاسنه
ليستقيم الاستهزاءُ، أي: هذا النبيُّ المعظمُ يذكرُ آلهتكم، أي يعبها، قال الواحدي: (إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً) ما يتخذونك إلا هُزواً، نزلت في أبي جهل مر به النبي ﷺ وقال: هذا نبيُّ بني عبد مناف. وبالاستعجال: قوله: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ)، وقد أشار
стр. 5308
هو الذي هوّنه عندهم. ويجوز أن يكون (يَعْلَمُ) متروكا بلا تعدية، بمعنى: لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين. و (حين): منصوب بمضمر، أى حين (لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ) يعلمون أنهم كانوا على الباطل وينتفي عنهم هذا الجهل العظيم، أى: لا يكفونها، بل تفجؤهم فتغلبهم. يقال للمغلوب في المحاجة: "مبهوت". ومنه: (فبهت الذي كفر)] البقرة: ٢٥٨ [، أى: غلب إبراهيم ﵇ الكافر. وقرأ الأعمش: "يأتيهم … فيبهتهم"، على التذكير. والضمير للوعد أو للحين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بهذا إلى وجه توفيق النظم بين الآيات، وذلك أن قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا) في قوله تعالى: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) تكريرٌ لقوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا) في (أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ)، وهو كما سبق، مُظهرٌ وُضع موضع مضمر، المعنيُّ به القائلون: (اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً)، فالمعنى: أنهم إنما استحقوا أن يُسموا كفاراً؛ لأنك لما عددت عليهم تلك الآيات الدالة على القدرة الباهرة، والحكمة البالغة، من الآثار: العلوية والسُّفلية، وأدمغت باطلهم وألقمتهم الحجر، أعرضُوا عنها وتمنوا موتك، واستهزؤوا بك وصغروا شأنك. ولما أنذرتهم بالعذاب، وأوعدتهم بنزول الهوان استعجلوه تكذيباً، وذلك لجهلهم؛ لأنهم لو علموا ذلك الوقت الصعب لما ارتكبوا هذا الصعب، ولما أريد أن ينقل من الكفر والاستهزاء أتى بقوله: (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) تمهيداً؛ ويتخلص منه إليه، وإليه الإشارة بقوله: "فأراد نهيهم عن الاستعجال فقدم أولاً ذم الإنسان … ثم نهاهم وزجرهم",
قوله: (ويجوز أن يكون (يَعْلَمُ) متروكاً): عطفٌ على قوله: " (حِينَ): مفعولٌ به لـ (يَعْلَمُ) "، أي: متروكاً مفعوله: نسياً منسياً، ومن ثم قال: "لو كان معهم علمٌ"، فحينئذ لابد لقوله: (حِينَ) من متعلق، فيقدرُ ما دل عليه (يَعْلَمُ)، والجملة مستأنفةٌ، كأنه لما قيل: لو وُجد منهم علمٌ لما استعجلوا، اتجه لسائل أن يقول: فحين لم يحصل لهم العلمُ الآن فمتى يحصلُ به؟ فقيل: يعلمون حين لا يقدرون أن يدفعوا النار عن أنفسهم.
قوله: (أي: غلب إبراهيمُ الكافر). الراغب: قال الله تعالى: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ)
стр. 5309
فإن قلت: فإلام يرجع الضمير المؤنث في هذه القراءة؟ قلت: إلى النار أو إلى الوعد، لأنه في معنى النار وهي التي وعدوها أو على تأويل العدة أو الموعدة. أو إلى الحين، لأنه في معنى الساعة. أو إلى البغتة. وقيل في القراءة الأولى: الضمير للساعة. وقرأ الأعمش: بغتة، بفتح الغين.
(وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) تذكير بإنظاره إياهم وإمهاله، وتفسيح وقت التذكر عليهم، أى: لا يمهلون بعد طول الإمهال.
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) [الأنبياء: ٤١].
سَلَّى رسول الله ﷺ عن استهزائهم به بأن له في الأنبياء ﵈ أسوة وأن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[البقرة: ٢٥٨] أي: دهش وتحيَّر، وقد بهته. وقال الله تعالى: (هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) [النور: ١٦] أي: كذبٌ يُبهتُ سامعه لفظاعته. ويقال: يا للبهيتة، أي: الكذب. وقال: البغتُ: مفاجأة الشيء من حيث لا يحتسب، يقال: بغتَ كذا فهو باغتٌ، قال الشاعر:
إذا بغتت أشياءُ قد كان مثلها … قديماً فلا تعتدها بغتاتِ
قوله: (تذكيرٌ بإنظاره إياهم)، أي: يُذكرهم الله تعالى أنهم لا ينظرون الآن هناك ليغتنموا هذه الفرصة.
قوله: (سلى رسول الله ﷺ عن استهزائهم به بأن له في الأنبياء ﵈ أسوةً)، إشارة إلى ما عليه أساس هذه السورة الكريمة من الكرِّ إلى ذكر النبوة وما يتصلُ بها بعد الشروع في نمطٍ من الكلام، فأتى هاهنا بقوله: (وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) لينصبَّ الكلامُ معه إلى مشرع ذكر الأنبياء ﵈ مفصلاً إلى آخر السورة تسلياً
стр. 5310
ما يفعلونه به يحيق بهم، كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ﵈ ما فعلوا.
(قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) [الأنبياء: ٤٢]
(مِنَ الرَّحْمنِ) أى من بأسه وعذابه (بَلْ هُمْ) معرضون عن ذكره لا يخطرونه ببالهم، فضلا أن يخافوا بأسه، حتى إذا رزقوا الكلاءة منه عرفوا من الكالئ وصلحوا للسؤال عنه. والمراد أنه أمر رسوله ﵊
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لرسول الله ﷺ .
قوله: (ما فعلوا) فاعل "حاق".
قوله: (والمرادُ أنه أمر رسول الله ﷺ ، اعلم أن في هذه الآيات إضراباتٍ توجبُ أن يُراعى فيها ما يوجبه من التدرج، والمصنفُ نظر- في تقريره - إلى ذلك المعنى.
قوله: "والمرادُ أنه أمر رسول الله ﷺ "، يريد أنه صلوات الله عليه وسلامه أُمر أولاً بقوله: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ الرَّحْمَنِ) أن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ، يعني: أنتم تستعجلون العذاب وتقولون: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) تكذيباً واستهزاءً بالبعث، وذلك وقتٌ صعبٌ شديدٌ تحيطُ بكم النارُ من كل جانب، ومجيء ذلك مفروغٌ عنه، فمن يكلؤكم من بأسه ونقمته إن قدر إنزاله الآن؟ ثم أضربَ عن هذا السؤال بقوله: (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) وترقى فيه أي: دعهمُ الآن عن هذا السؤال؛ لأنهم لا يصلحون له لإعراضهم عن ذكر الله فلا يُجدي فيهم، واتركهم حتى إذا ورطوا في الهلاك عرفوا من الكالئ، فحينئذ سلهم سُؤال تقريع: من يكلؤكم؟ كقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ)، إلى قوله: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ
стр. 5311
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الْحَقِّ) [يونس: ٢٢ - ٢٣]، وهو المراد من قوله: "حتى إذا رُزقوا الكلاءة منه، عرفوا من الكالئ وصلحوا للسؤال".
هذا المعنى يُعطيه هذا الإضرابُ تعريضاً، ثم ترقى إلى ما هو أبلغ منه، وقيل: (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا) أي: دع هذا، وسل: متى يُتصور أنهم لم يكونوا تحت كلائنا وحفظنا، وأن أصنامهم متى كانت تحميهم وتمنعهم من الآفات؟ أفلا يعقلون أن ما ليس بقادرٍ على نصر نفسه ومنعها، كيف يمنعُ غيره وينصره؟ وإليه الإشارة بقوله: "ثم أضرب عن ذلك" أي: ذلك السؤال وهو "من يحرسكم"، ثم قال: (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ) أي: بل ما هم فيه من الحفظ إنما هو من استدراج، فهو إضرابٌ من نفس السؤال، أي: لا تسألهم عن شيء لأنه لا يجديهم، ولا ينفعُ الإنذار فيهم؛ لأنه طال عليهم الأمدُ فقست قلوبهم؛ فإنك قد أبلغت وأديت ما عليك، بقي أن تُعاملهم بالإهلاك على سبيل التدرج بالاستئصال في الدنيا، والنار في العقبى، أغفلوا وعملوا، فلا يرون كيف شرعنا في ذلك، حيث إننا ننقص دار الكفر، ونحذفُ أطرافها بتسليط المسلمين عليها، وإهارهم على أهلها، فينظروا هل يقدرون على دفعه، فهم الغالبون أم المغلوبون؟
فالفاء في (أَفَلا يَرَوْنَ) لعطفِ الجملة على المقدر، وفي (أَفَهُمْ) على المذكور، والهمزة الثانية مكررةٌ مقحمةٌ بين المعطوف والمعطوف عليه، لتأكيد التقرير على سبيل التعكيس، أ]: أفلا ينظرون كيف نغلبهم وننقص من أطراف أرضهم فهم الغالبون أم نحن؟
وإنما خولف في الإضراب الثاني بأن أتى "بأم" المتضمنة للهمزة وبل؛ ليؤذن بالاهتمام، وأن الجملة مستطردةٌ بين الإضرابين بـ"بل".
стр. 5312
بسؤالهم عن الكالئ، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم.
(أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) [الأنبياء: ٤٣].
ثم أضرب عن ذلك بما في «أم» من معنى «بل» وقال (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ) من العذاب تتجاوز منعنا وحفظنا. ثم استأنف فبين أنّ ما ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد، كيف يمنع غيره وينصره؟
(بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ) [الأنبياء: ٤٤].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولما أُريد أن ينتقل من عذاب الاستئصال إلى عذاب النار، وهو قوله: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ) الآية، وسط بينهما ما هو مهم بشأنه من حديث الوحي، وهو قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ) توكيداً ليتخلص منه إليه، وإليه الإشارة بقوله: "ولئن مستهم من هذا الذي يُنذرون به أدنى شيء لأذعنوا"، وفيه أن قوله: (مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ) وُضع موضع المضمر.
والذي يدل على أن قوله: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ) متعلقٌ بأحوال القيامة: إيقاعُ قوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) حالاً من الضمير في (لَيَقُولُنَّ) بتقديرِ: نحنُ نضعُ، خالياً عن الضمير، على منوالِ: جئتُكَ والشمسُ طالعةٌ.
نقلَ بعضُ الشارحين "للكافيةِ" عن المصنفِ أنه قال في حواشي "المفصل": إن مثل قولك: أتيته وزيدٌ قائمٌ، ليست الحالُ هنا بيان هيئة الفاعل ولا المفعول، ولكنها بيانُ لازم الفاعل أو المفعول، وقد استمر في كلام العرب: العبارةُ عن الملزوم باللازم، فاللازمُ هنا: زمانُ الإتيان، فكأنه بيان ذاتهما، على أن من الجائز أن يكون الحالُ هنا لبيان هيئة الفاعل صريحاً؛ لأن الذي أقيم مقام العائد العمومُ في قوله: (فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً)، المعنى: ليقولُنَّ: إن كنا ظالمين، الحالُ أنهم لا يُظلمون شيئاً.
стр. 5313
ثم قال: بل ما هم فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو منا، لا من مانع يمنعهم من إهلاكنا، وما كلأناهم وآباءهم الماضين إلا تمتيعا لهم بالحياة الدنيا وإمهالا، كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم (حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ) الأمد، وامتدت بهم أيام الروح والطمأنينة، فحسبوا أن لا يزالوا على ذلك لا يغلبون ولا ينزع عنهم ثوب أمنهم واستمتاعهم، وذلك طمع فارغ وأمل كاذب.
(أَفَلا يَرَوْنَ) أَنَّا ننقص أرض الكفر ودار الحرب، ونحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها وردّها دار إسلام. فإن قلت: أى فائدة في قوله (نَاتِي الْأَرْضَ)؟ قلت فيه تصوير ما كان الله يجريه على أيدى المسلمين، وأن عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها، ناقصة من أطرافها.
(قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) [الأنبياء: ٤٥ - ٤٦].
قرئ (وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ) "ولا تسمع الصم"، بالتاء والياء، أي: لا تسمع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ونحدقُ أطرافها)، بفتح النون، وفي أكثر النسخ: "نحذفُ" بالفاء.
الجوهري: حدقوا بالرجل وأحدقوا به: أحاطوا. وقال: حذفته بالعصا، أي: رميته بها، وحذفتُ رأسه بالسيف: إذا ضربته وقطعت منه قطعةً.
قوله: (أي فائدةٍ في قوله: (نَاتِي الأَرْضَ)؟ )، يعني: كان ذلك واقعاً فلم جيء بالمضارع؟
قوله: (غالبةً عليها)، وفي نسخةٍ: بالياء. الأساس: تغالى النبتُ: ارتفع.
قوله: (قرئ: (وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ))، ابن عامر: "ولا تُسمعُ" بالتاء الفوقانية مضمومةً وكسر الميم، و"الصُّمَّ": بالنصب، والباقون: بالياء مفتوحةً وفتح الميم، و"الصُمَّ": بالرفع.
стр. 5314
أنت الصم، ولا يسمع رسول الله ﷺ . (ولا يسمع الصم)، من أسمع. فإن قلت: الصم لا يسمعون دعاء المبشر كما لا يسمعون دعاء المنذر، فكيف قيل (إِذا ما يُنْذَرُونَ)؟ قلت: اللام في "الصم" إشارة إلى هؤلاء المنذرين، كائنة للعهد لا للجنس. والأصل: "ولا يسمعون إذا ما ينذرون"، فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامهم وسدّهم أسماعهم إذا أنذروا. أى: هم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة على التصامّ من آيات الإنذار.
(وَلَئِنْ) مَسَّتْهُمْ من هذا الذي ينذرون به أدنى شيء، لأذعنوا وذلوا، وأقروا بأنهم ظلموا أنفسهم حين تصاموا وأعرضوا. وفي المس والنفحة ثلاث مبالغات،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا يسمع رسول الله ﷺ ، فيه التفاتٌ.
قوله: (وفي المس والنفحة ثلاثُ مبالغات): واحدةٌ في المس، وثنتان في النفحة، وزاد صاحب "المفتاح" فيها التحقير بواسطة التنكير، واعترض عليه صاحب "التلخيص" وقال: خلافُ التعظيم، مستفادٌ من بناء المرة ومن نفس الكلمة.
وقلتُ: لا ارتياب في أن اعتبار التنكير غير اعتبار البناء؛ لأنك إذا أدخلتَ على هذا البناء حرف التعريف أفاد المرة دون التحقير؛ ولذا أكد البناء في قوله تعالى: (نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ) بالوحدة لما كان المقصود منه الوحدة لا التحقير، فعُلم أن البناء لا يستلزمُ التحقير بل يحتمله باقتضاء المقام كذلك التنكير، ولما اقتضى المقام المبالغة في التقليل والتحقير كما قال: "ولئن مستهم نفحةٌ من هذا الذي يُنذرون به أدنى شيء لأذعنوا" وجب اعتبارُ ما يؤذن بالتحقير من نفس الكلمة، ومن البناء والتنكير، على أن قول صاحب "الكشاف": "في المس والنفحة ثلاث مبالغات" محتملٌ لأن يكون إحداهن بالتنكير.
стр. 5315
لأنّ النفح في معنى القلة والنزارة. يقال: "نفحته الدابة وهو رمح يسير، ونفحه بعطية: رضخه، ولبناء المرة.
(وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) [الأنبياء: ٤٧].
وصفت الْمَوازِينَ بالقسط وهو العدل، مبالغة، كأنها في أنفسها قسط. أو على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: نفح الريحُ ينفح نفحاً، وله نفحةٌ طيبة، أي: هبوبٌ من الخير، وقد يُستعارُ ذلك للشر، قال تعالى: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ)، ونفحه بالسيف: ضربه، والنفوحُ من النوق: التي يخرج لبنها من غير حلب، وقوسٌ نفوحٌ: بعيدةُ الدفع للسهم.
ونقل في "المطلع" عن المبرد: النفحةُ: الوقعةُ من الشيء التي دون معظمه، يقالُ: نفحهُ بنائلٍ، أي: بشيءٍ يسيرٍ منه، ويقالُ: نفحةٌ بالسيف: للضربة الخفيفة.
الأساس: نفحته الدابةُ: ضربته بحدِّ حافرها.
قوله: (وُصفت الموازينُ بالقسط)، الراغب: القسطُ: هو النصيب بالعدل، كالنصف والنصفة، قال تعالى: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) [الرحمن: ٩]، والقسط-بالفتح- هو أن يأخذ قسط غيره، وذلك جور، والإقساطُ: أن يُعطي قسط غيره، وذلك إنصافٌ؛ ولذلك قيل: قسط الرجل: إذا جار، وأقسط: إذا عدل، قال تعالى: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً) [الجن: ١٥]، وقال: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الجرات: ٩].
стр. 5316
حذف المضاف، أى: ذوات القسط. واللام في (لِيَوْمِ الْقِيامَةِ) مثلها في قولك: "جئته لخمس ليال خلون من الشهر". ومنه بيت النابغة:
ترسّمت آيات لها فعرفتها .. لسنّة أعوام وذا العام سابع
وقيل: لأهل يوم القيامة، أى لأجلهم.
فإن قلت: ما المراد بوضع الموازين؟ قلت: فيه قولان، أحدهما: إرصاد الحساب السوىّ، والجزاء على حسب الأعمال بالعدل والنصفة، من غير أن يظلم عباده مثقال ذرّة، فمثل ذلك بوضع الموازين لتوزن بها الموزونات. والثاني: أنه يضع الموازين الحقيقية ويزن بها الأعمال. عن الحسن: هو ميزان له كفتان ولسان. ويروى: أن داود ﵇ سأل ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشى عليه، ثم أفاق فقال: يا إلهى من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات، فقال: "يا داود، إنى إذا رضيت عن عبدى ملأتها بتمرة".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ترسمت آياتٍ لها)، البيت، ويُروى: توسمتُ. الترسُم: التأمل في رسم الشيء كالتوسم: التطلبُ في وسمه، يقول: درست آثارُ المحبوبة، وتوسمتها فعرفتها بالوسم لشدة تبدلها وتغيرها، بعد سبعة أعوام مضت عليها.
قوله: (وقيل لأهل يوم القيامة)، قال صاحب "الفرائد": والظاهر أن نحو هذا مفعولٌ له، كقولك: جئتك للسمن واللبن، ثم توسع في الاستعمال، وأجرى ما يُغايره في المعنى مجراه للاختصاص المشترك بينهما، والبيت الذي ذكره ليس بنظيرٍ للآية؛ لأنهُ يصلح أن يُقال: لأجل يوم القيامة، ولا يصلح لأجل ستة أعوام.
وقلت: استشهد به لأحد الوجهين، وقال غيره: معنى جئته لخمس ليالٍ، جعلتَ المجيء مختصاً بخلو خمس ليالٍ، كقوله تعالى: (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) [الفجر: ٢٤].
стр. 5317
فإن قلت: كيف توزن الأعمال وإنما هي أعراض؟ قلت: فيه قولان، أحدهما: توزن صحائف الأعمال. والثاني: تجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة. وقرئ "مِثْقالَ حَبَّةٍ" على «كان» التامة، كقوله تعالى (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ)] البقرة: ٢٨٠ [. وقرأ ابن عباس ومجاهد: "أَتَيْنا بِها" وهي مفاعلة من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة، لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء. وقرأ حميد: "أثبنا بها"، من الثواب. وفي حرف أبىّ: "جئنا بها". وأنث ضمير المثقال لإضافته إلى الحبة، كقولهم: "ذهبت بعض أصابعه".
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) [الأنبياء: ٤٨].
أي: آتيناهما (الْفُرْقانَ) وهو التوراة وَأتينا به ضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ والمعنى:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (آتينا بها)، أي: أحضرناها، قال ابن جني: "آتينا بها" بالمد، ينبغي أن يكون "فاعلنا" لا "أفعلنا"؛ لأنه لو كانت "أفعلنا" لما احتيج إلى الباء، ولقيل: آتيناها، كقوله تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً) [الإسراء: ٥٩] ومضارعها: يُؤاتي مؤاتاةً، وأنا مُؤاتٍ وهو مؤاتي.
قوله: (وأتينا به ضياء وذكرا)، أتى بالباء التجريدي، نحو: رأيتُ بك أسداً، ليوقفك أن العطف من باب قولك: مررتُ بالرجل الكريم، والنسمة المباركة، جُرد من الفرقان- وهو التوراة- شيءٌ يُسمى ضياءً وذكراً، وهما نفسُ التوراة ثم عطف عليه، وإليه الإشارةُ بقوله: "أنه في نفسه ضياءٌ وذكرٌ" وسيجيء في أول ص بيانه إن شاء الله. وقال صاحبُ "الكشفِ": أدخل الواو على الضياء وإن كانت صفةً في المعنى دون اللفظ كما يدخل على الصفة التي هي صفة لفظاً، كقوله تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)
стр. 5318
أنه في نفسه ضياء وذكر. أو وآتيناهما بما فيه من الشرائع والمواعظ ضياء وذكرا. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: "الفرقان: الفتح"، كقوله (يَوْمَ الْفُرْقانِ)] الأنفال: ٤١ [وعن الضحاك: فلق البحر. وعن محمد ابن كعب: المخرج من الشبهات. وقرأ ابن عباس: "ضياء"، بغير واو: وهو حال عن الفرقان. و"الذكر": الموعظة، أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ومصالحهم. أو الشرف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[الأحزاب: ١٢]، قال سيبويه: مررتُ بزيدٍ وصاحبك، فإذا قلت: مررتُ بزيدٍ فصاحبك، بالفاء: لم يجز كما جاز بالواو؛ لأن الفاء تقتضي التعقيب، وتأخير الاسم عن المعطوف عليه، بخلاف الواو. وأما قولُ القائل:
يا لهف زيابة للحارث الصا … بح فالغانم فالآيب
فإنما ذُكر بالفاء وجاد؛ لأنه ليس بصفةٍ على ذلك الحد؛ لأن الألف واللام بمعنى الذين أي: فالذي صبح، فالذي غنم فالذي آب. وأبوا لحسن يُجيز المسألة بالفاء كما يجوز بالواو.
قوله: (أو آتيناهما بما فيه من الشرائع والمواعظ)، فعلى هذا لا يُراد بالفرقان التوراةُ، بل ما يفرق بين الحق والباطل.
قوله: (وقرأ ابن عباس ﵄: "ضياءً" بغير واو)، قال ابن جني: هو حالٌ، نحو: دفعتُ إليك زيداً محملاً لك، ومسدداً من أمورك، وأصبحتك القرآن دافعاً عنك ومؤنساً لك. وأما في قراءة الجماعة فهو عطفٌ على (الْفُرْقَانَ) على أنه مفعولٌ به على ذلك.
стр. 5319
(الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء: ٤٩].
محل (الَّذِينَ) جرّ على الوصفية. أو نصب على المدح. أو رفع عليه.
(وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) [الأنبياء: ٥٠].
(وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ) هو القرآن. وبركته: كثرة منافعه، وغزارة خيره.
(وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [الأنبياء: ٥١ - ٥٤].
"الرشد": الاهتداء لوجوه الصلاح. قال الله تعالى (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) [النساء: ٦] وقرئ: "رشده". والرشد والرشد، كالعدم والعدم. ومعنى إضافته إليه: أنه رشد مثله.
وأنه رشد له شأن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومعنى إضافته إليه أنه رشدٌ مثله)، يعني: الإضافة فيه بمعنى اللام والاختصاص، والمعنى: والله لقد آتينا بجلالتنا وعظم شأننا إبراهيم رُشداً يليقُ بمثله وبحال من انتصب للرسالة وخلة الرحمن، ولإرادة هذه الوصفية قال: "رشدٌ مثله" على الكناية، ولو قيل: الرُشد أو ترك الكلام خلواً من القسم وضمير الجماعة، لم يُفخم هذا التفخيم، ثم جاء قوله تعالى: (وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) تذييلاً لهذا المعنى، كما قال: "إنه علم منه أحوالاً بديعة، وأسراراً عجيبة"، إلى قوله: "حتى أهله لمخالته ومخالصته. الراغب: الرشدُ والرشدُ: خلافُ الغي، يستعملُ استعمال الهداية، يقال: رَشَدَ يَرْشَد ورَشِدَ يَرْشَد، قال تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً) [النساء: ٦]، وبين الرُّشدين، أعين الرشد المؤنس من اليتيم، والرشد الذي أوتي إبراهيم، بونٌ بعيد. وقال بعضهم: الرشد بالفتح أخص من الرشد بالضم، فإن الرشيد يقال في الأمور الدنيوية، والرشد لا يقال إلا في الأمور الأخروية، والراشدُ والرشيدُ يقالُ
стр. 5320
(مِنْ قَبْلُ) من قبل موسى وهارون ﵉. ومعنى علمه به: أنه علم منه أحوالا بديعة وأسرارا عجيبة وصفات قد رضيها وأحمدها، حتى أهله لمخالته ومخالصته، وهذا كقولك في خير من الناس: "أنا عالم بفلان". فكلامك هذا من الاحتواء على محاسن الأوصاف بمنزل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيهما، قال تعالى: (أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ) [الحجرات: ٧]، (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) [هود: ٩٧].
قوله: ((من قبلُ) من قبل موسى وهارون)، قال الإمامُ: هذا قولُ ابن عباس وابن عمر. وفي "معالم التنزيل": من قَبْلِ البلوغ حين خرج من السربِ. وقال القاضي: من قبل محمدٍ صلوات الله وسلامه عليه.
قلتُ: والذي يقتضيه النظمُ: الأولُ؛ لما سبق أن السورة أسس مبانيها على ذكر النبوة وما يتصلُ بها من ذكر الوحي، وأن ذكر الأنبياء واردٌ لتسلية الرسول ﷺ ، وكان من حق الظاهر تقدمُ نوحٍ على إبراهيم، وهو على موسى، صلوات الله وسلامه عليهم، لكن المناسبة استدعت تقدم موسى ﵇؛ لأن حاله أشبه بحال النبي ﷺ من حيث إيتاء الكتاب، وكثرةُ الدلائل القاهرة، ومقاساةُ الشدة، وثقلُ أعباء النبوة والدعوة، وكثرةُ التوابع والأمة، وأن حال إبراهيم ﵇ أقربُ إليه من حال نوح ﵇، فقد رُوعي في تأخرهم تلك اللطيفة، وهي أن قيل: من قبلُ، ويؤيدُ هذا التأويل قوله تعالى: (وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ) [الأنبياء: ٧٦]، أي: من قبل المذكورين. وفي "المعالم": من قَبْلِ إبراهيم ولُوطٍ ﵉. والله اعلمُ بأسرارِ كلامه.
стр. 5321
(إِذْ) إما أن يتعلق ب (آتينا)، أو ب (رشده)، أو بمحذوف، أى: اذكر من أوقات رشده هذا الوقت.
قوله (ما هذِهِ التَّماثِيلُ) تجاهل لهم وتغاب، ليحقر آلهتهم ويصغر شأنها، مع علمه بتعظيمهم وإجلالهم لها. لم ينو للعاكفين مفعولا، وأجراه مجرى ما لا يتعدى، كقولك: فاعلون العكوف لها. أو واقفون لها. فإن قلت: هلا قيل: "عليها عاكفون"، كقوله تعالى (يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ) [الأعراف: ١٣٨]؟ قلت: لو قصد التعدية لعدّاه بصلته التي هي «على».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((إذْ) إما أن يتعلق بـ (ءآتينَا)، أو بـ (رُشدَهُ)، أو بمحذوفٍ)، والثالثُ أبلغُ من الأول، ولاستدعاء المقام أوفق، وهو من الثاني لاختصاص الوصف به عند إرشاده الناس وقت هذا القول. قال أبو البقاء: (إذْ) ظرفٌ لـ (عَالَمِينَ)، أو لـ (رُشْدَهُ)، أو لـ (ءآتينا)، ويجوز أن يكون بدلاً من موضع (مِنْ قَبْلُ)، أو أن ينتصب بإضمار: أعني أو اذكُرْ.
قوله: (تجاهلٌ لهم وتغابٍ)، الجوهري: تغابي: تغافل، وأنشدوا:
ليس الغبي بسيد في قومه … لكن سيد قومه المتغابي
قوله: (لو قصد التعدية لعداه بصلته)، يعني: قد ذكرنا أن اسم الفاعل يجري مجرى اللازم، فال يكون اللام صلته، بل جيء بالجار والمجرور بياناً لمن عكف له، كقوله تعالى: (لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) [يوسف: ٤٣] في أحد وجهيه. إنما أورد هذا السؤال والجواب؛ لأنه لما قال: "لم ينو للعاكفين مفعولاً"، وقدر "فاعلون العكوف لها، أو واقفون لها" اتجه لسائل أن
стр. 5322
ما أقبح التقليد والقول المتقبل بغير برهان، وما أعظم كيد الشيطان للمقلدين حين استدرجهم إلى أن قلدوا آباءهم في عبادة التماثيل وعفروا لها جباههم، وهم معتقدون أنهم على شيء، وجادّون في نصرة مذهبهم، ومجادلون لأهل الحق عن باطلهم، وكفى أهل التقليد سبة أنّ عبدة الأصنام منهم.
(أَنْتُمْ) من التأكيد الذي لا يصح الكلام مع الإخلال به، لأنّ العطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع. ونحوه: (اسكن أنت وزوجك الجنة)] البقرة: ٣٥ [، أراد أن المقلدين والمقلدين جميعا، منخرطون في سلك ضلال لا يخفى على من به أدنى مسكة، لاستناد الفريقين إلى غير دليل، بل إلى هوى متبع وشيطان مطاع، لاستبعادهم أن يكون ما هم عليه ضلالا.
(قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ) [الأنبياء: ٥٥].
بقوا متعجبين من تضليله إياهم، وحسبوا أن ما قاله إنما قاله على وجه المزاح والمداعبة، لا على طريق الجدّ، فقالوا له: هذا الذي جئتنا به، أهو جدّ وحق، أم لعب وهزل؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول: لم قيل: لها، وكان الواجب: عليها؟ وأجاب: أن ذلك ليس للتعدية، بل للبيان؛ إذ لو أراد التعدية لعداه بما يختص به من الجار به. والحاصل أن مقام المبالغة اقتضى أن يترك عاكفون على إطلاقه، سواءٌ كان المتعلقُ مفعولاً بواسطةٍ أو بغير واسطة.
الجوهري: عكفه: أي: حبسه ووقفه، يعكفُ عكفاً، ومنه قوله تعالى: (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً) [الفتح: ٢٥]، وعكف على الشيء يعكفُ عكوفاً، أي: أقبلَ عليه مواظباً.
قوله: (ومجادلون لأهل الحق)، ضمن "مُجادلون" معنى الدفع؛ ولذلك عُدِّي بـ"عَنْ".
قوله: (هذا الذي جئتنا به أهو جدٌّ وحقٌّ، أم لعبٌ وهزل؟ )، فإن قلت: ما الفرقُ بينَ هذا القول وبينَ قولِ صاحبِ "المفتاح": أجددتَ تعاطي الحقِّ أم أحوالِ الصبا بعدُ على الاستمرار؟
стр. 5323
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: نظر صاحبُ "المفتاح" إلى ما يلي حرف الاستفهام ومعادلتها، فأوقع السؤال على التجدد والاستمرار، ونظر المصنفُ إلى متعلقهما وهو الحقُّ واللعب، وإلى ظاهر الجواب قال: (بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) فأوقع السؤال على ما يطابقه، أي: ما جئت إلا بالحق الساطع، وهو الذي لا تُنكرونه أنتم ولا آباؤكم الأقدمون. ويمكن أن يُوجه قولُ صاحب "المفتاح" بأن يُقال: ما جددتُ شيئاً بل جئتُ بما استمر عليه آباؤكم الأولون، وأنتُم لا تُنكرونه إذا تركتم العناد.
وقلت: والذي عليه النظمُ المعجز حملُ "أم" في قوله: (أَمْ أَنْتَ مِنْ اللاَّعِبِينَ) على المنقطعة لا المتصلة، كما عليه اهرُ كلام هذين البحرين؛ لأن هذا الاستفهام وقع في مقام المقاولة بين خليل الله ﵇ وبين أعداءِ الله، فإنه ﵇ لما قال لأبيه وقومه: (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) استجهالاً لهم؛ حيث جاء بما الاستفهامية التي تُستعملُ غالباً بما لا معرفة فيه ولا علم، وضم معه لفظة (هذِهِ) التي تدُل على تحقير شأن المشار إليه في مثل هذا المقام، وجعلها تماثيل صور لا يعتد بها من له مسكةٌ، بالغ في إبطال عبادة تلك التماثيل، وكما نسبها إلى الإفراط في الحقارة، نسبهم إلى الإفراط في العُكوف لها حيثُ قال: (أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) بالضمير المرفوع وبناء الخبر عليه المفيد لتقوي الحكم وتخصيص العكوف بالذكر. ولما لم يكن جوابهم إلا أن قالوا: (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) ضللهم وجعلهم منغمسين في الضلال بالجملة القسمية، وقرن آباءهم معهم، وأكد الضمير المرفوع، ووصف الضلال بالمبين، ولما سمعوا منه هذه الغلظة، وشاهدوا هذا الجد، طلبوا منه البرهان، يعني: هب أنا قد قلدنا آباءنا فيما نحن فيه، فهل معك دليلٌ على ما ادعيت أجئتنا بالحق، ثم أضربوا عن ذلك، وجاءوا بأم المتضمنة لمعنى بل الإضرابية والهمزة للتقرير، فأضربوا بـ "بل" عما أثبتوا له، وقرروا بالهمزة خلافه على سبيل التوكيد والبت والقطع، وذلك أنهم قطعوا أنه
стр. 5324
(قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) [الأنبياء: ٥٦].
الضمير في (فَطَرَهُنَّ) للسماوات والأرض. أو للتماثيل، وكونه للتماثيل أدخل في تضليلهم، وأثبت للاحتجاج عليهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لاعبٌ وليس بمحقٍّ البتةَ؛ لأن إدخالهم إياه في زُمرة اللاعبين، أي: أنت غريقٌ في اللعب، داخلٌ في زُمرة الذين قُصارى أمرهم في إثبات الدعاوى اللعبُ واللهوُ على سبيل الكناية الإيمائية، دل على إثبات ذلك بالدليل والبرهان. وهذه الكناية توقفك على أن "أمْ" لا يجوز أن تكون متصلة قطعاً، وكذا "بل" في قوله: (بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ).
وهذا الجواب واردٌ على الأسلوب الحكيم، وكان من الظاهر أن يجيبهم بقوله: بل أنا من المحقين وليستُ من اللاعبين، فجاء بقوله: (بَل رَبُّكُمْ) الآية؛ لينبه به على أن إبطالي لما أنتم عاكفون عليه وتضليلي إياكم مما لاحاجة فيه لوضوحه إلى الدليل، ولكن انظروا إلى هذه العظيمة، وهي أنكم تتركون عبادة خالقكم ومالك أمركم، ورازقكم ومالك العالمين، والذي فطر ما أنتم لها عاكفون، وتشتغلون بعبادتها دون، فأي باطل أظهر من ذلك؟ وأي ضلال أبين من هذا؟ ثم ذيل الجواب بما هو مقابلٌ لقولهم، وهو قوله: (وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ) من حيث الأسلوب، وهي الكناية، ومن حيث التركيب، وهو بناء الخير على الضمير أي: لست من اللاعبين في الدعاوى، بل أنا من القائمين فيها بالبراهين القاطعة، والحجج الساطعة، كالشاهد الذي تُقطعُ به الدعاوى، وبه يتقوى قول المصنف: "كونُ الضمير للتماثيل أدخلُ في تضليلهم، وأثبتُ للاحتجاج عليهم"، قال القاضي: (قَالَ بَل رَبُّكُمْ): إضرابٌ عن كونه لاعباً بإقامة البرهان على ما ادعاه. وقال: معنى (مِنْ الشَّاهِدِينَ): من المحققين له، والمبرهنين عليه، فإن الشاهد من يحقق الشيء.
стр. 5325
وشهادته على ذلك: إدلاؤه بالحجة عليه، وتصحيحه بها كما تصحح الدعوى بالشهادة، كأنه قال: وأنا أبين ذلك وأبرهن عليه كما تبين الدعاوى بالبينات، لأنى لست مثلكم، فأقول ما لا أقدر على إثباته بالحجة. كما لم تقدروا على الاحتجاج لمذهبكم، ولم تزيدوا على أنكم وجدتم عليه آباءكم.
(وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) [الأنبياء: ٥٨].
قرأ معاذ بن جبل: "بالله". وقرئ: "تولوا"، بمعنى تتولوا. ويقويها قوله (فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ)] الصافات: ٩٠ [.
فإن قلت: ما الفرق بين الباء والتاء؟ قلت: إن الباء هي الأصل، والتاء بدل من الواو المبدلة منها، وأن التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (شهادته على ذلك)، أي: شهادةُ إبراهيم على معنى قوله: (بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)، ولما كانت الشهادة على خلاف المتعارف، كقوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) [آل عمران: ١٨] الآية، قال: "شهادته على ذلك، إدلاؤه بالحجة عليه"، أي: توصله بها على ما قال. وفي "المُغرب": أدليتُ الدلو: أرسلتها في البئر، ومنه أدلى بالحجة: أحضرها، وفي التنزيل: (وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) [البقرة: ١٨٨]، أي: لا تلقوا أمرها والحكومة فيها. وفلانٌ يدلي إلى الميت بذكر، أي: يتصل.
قوله: (وأبرهن عليه)، "الأساس": حُكي عن الفراء: أبره فلانٌ: جاء بالبرهان، وبرهن مولد، والبرهان: بيانُ الحجة وإيضاحها، من البرهرهة، وهي البيضاء من الجواري.
قوله: (قرأ معاذُ بن جبل: "بالله")، قال الزجاجُ: ولا يصلح التاء في القسم إلا في "الله"، تقول: وحق الله لأفلعن، ولا يجوزُ: تحق الله، والتاء بدلٌ من الواو، ويجوزُ: تالله لأكيدن، وقراءة العامة: بالتاء الفوقانية.
قوله: (وإن التاء فيها زيادة معنى)، وهو التعجب، وذلك أن المقسم عليه بالتاء يجبُ
следующие страницы →