Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.
стр. 5251
تلك الآية خلاف أسلوب هذه، من قبل أنه قدم هاهنا أنهم أسروا النجوى، فكأنه أراد أن يقول: إن ربى يعلم ما أسروه، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة، وثم قصد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقال: إن أردت به أن التراكيب بأسرها ينبغي أن تكون مفرغةً في قالب المبالغة، فهو غير مسلم، فكم من تركيب في كلام الله المجيد تجده ابتدائياً ليس فيه رائحة المبالغة، وترى تراكيب فيه بلغت في المبالغة الدرجة القُصيا، وإن أردت أن التركيب في استعماله في مقامه ينبغي أن يكون في الدرجة العليا، فهذا لا ننكره؛ لأن مقامات المقاولة ومقتضيات الأحوال تتغيرُ وبحسبها يتغير اللامُ، فمن مقام يقتضي الخلو عن التأكيد، فإثباته خروجٌ عن مقتضى البلاغة، ومن مقام يستدعي توكيداً ما، فلا يؤتي بالآكد؛ لأن البلاغة هي: إصابة المحز، وتطبيق المفضل، ومراعاةُ وجه النظم، ومن ثم لم يقع التحدي بأقل من سورة.
قوله: (من قبل أنه قدم هاهنا أنهم أسروا النجوى) إلى قوله: (فوضع القول موضع ذلك للمبالغة)، قال صاحب "التقريب": فيه نظرٌ؛ لأن تلخيص كلامه يؤول إلى أن اللام في القول للعهد، وقد تقدم هاهنا معهودٌ دون ثم؛ إذ لو أراد الجنس لم يؤثر تقدم شيء عليه، لكنه حينئذٍ يفوت كونه أوكد، إذ القول المعهود والسرُّ واحد.
وقلت: مغزى كلامه: أن اللام إن جعلته للعهد لم يحصل التأكيدُ. قُلنا: نختارُ الأول. فلا نُسلمُ عدم تأثيره؛ لأن المراد من الثاني العامُّ الذي سيق لقصد الخاص، فيدخل فيه الأول دخولاً أولياً؛ ولذلك كان آكد، فعلى هذا مبنى لامه حيثُ قال: "على أن أسلوب تلك الآية خلافُ أسلوب هذه"، يعني: إيرادُ هذا القول الذي هاهنا مسبوقق بإيراد إخفائهم سرهم
стр. 5252
وصف ذاته بأن أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، فهو كقوله: (علام الغيوب) (عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ)] سبأ: ٣ [. وقرئ (قالَ رَبِّي) حكاية لقول رسول الله ﷺ لهم.
(بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَاتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) [الأنبياء: ٥].
أضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام، ثم إلى أنه كلام مفترى من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ونجواهم أقصى الغاية لينبههم به على أن إخفاءهم ذلك لا يجديهم شيئاً؛ لأنه تعالى يعلمُ القول، الذي هو الجنسُ الشائعُ للجهر، والهمس والسر وأخفى منه، فيدخل سرهم في هذا العام بالطريق البرهاني كما سبق غير مرةٍ.
وأما سياقُ قوله (أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ) [الفرقان: ٦] فعلى ابتداء إثبات صفة العلم من كلام سابق؛ لأن المراد من قوله: (يَعْلَمُ السِّرَّ) ما أسروه في قولهم: (إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) [الفرقان: ٤ - ٥]؛ لأنهم أيقنوا أن الأمر على خلافه، ولكن قصدوا بذلك إيقاع الشبه في قلوب الناس؛ ولهذا قال: ومن جملته ما تسرونه من الكيد لرسوله مع علمكم أنما تقولونه باطل. فالمراد من السر ما يتضمنه قولهم: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) فقيل: لا يعلمُ ذلك إلا عالمُ الغيب والشهادة، كقوله: (عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) [المائدة: ١٠٩] (عَالِمَ الْغَيْبِ) [الجن: ٢٦] (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) [سبأ: ٣]، فإذن القصدُ في الثاني إجراءُ الوصف على الله . وفي الأول تقريرُ ما مر من المعنى السابق والمبالغة فيه.
قوله: (وقرئ: (قَالَ رَبِّي)): أبو عمرو، وحفص، والكسائي.
стр. 5253
عنده، ثم إلى أنه قول شاعر، وهكذا الباطل لجلج،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الباطل لجلج) هو من قولهم: الحق أبلج، والباطلُ لجلج. قال الميداني: يعني: أن الحق واضحٌ، يقالُ: صبحٌ أبلج، أي: مشرق، ومنه قوله:
حتى بدت أعناقُ صبح أبلجا
وفي صفة النبي ﷺ : "أبلج الوجه" أي: مشرقه. "والباطلُ لجلج" أي: ملتبسٌ. قال المبردُ: قولٌ لجلج، أي: يترددُ فيه صاحبه ولا يصيب منه مخرجاً.
ومقصودُ المصنف من هذا الاستشهاد: بيانُ أن إضراب الكفرة عن قولهم: هو سحرٌ، إلى أنه تخاليطُ أحلام، إلى آخره، ليس على النسق السوي، بل هو خبط عشواء، وفعل المتحير من غير تمييز بين مضربٍ عنه ومُضربٍ عنه، يدل عليه قوله بعد ذلك: "ويجوز أن يكون تنزيلاً من الله لأقوالهم"، يعني: انه تعالى أتى بأقوالهم، ونزلها على سبيل التدرج والترقي ليؤذن بفاسدها وأفسدها، فظهر من هذا أن الإضراب فيا لوجه الأول واقعٌ في لام الكفرة، وانه تعالى حاك إضرابه الواقع في كلامهم. وفي الثاني الإضراب واقعٌ في كلام الله تعالى، وأنه تعالى حكى كلامهم. وفي الوجه الأول إشكالٌ؛ لأنه لو أريد ذلك لقيل: قالوا بل أضغاث أحلام. ويمن أن يقال: إن (قَالُوا) زيادةُ تأكيدٍ لما يتضمن قوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ) من القول، يؤيده قوله تعالى: (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ)، فإنه يدل على أنه صدر منهم قولٌ سراً لطول الكلام. وسبق مثله في "يونس" عند قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ) إلى قوله: (قُلْ أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ) [يونس: ٥٩] في وجهٍ.
وأما بيانُ الترقي في الوجه الثاني: فأن يقال: إن نسبتهم القرآن إلى السحر فاسدٌ؛ لأن
стр. 5254
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا حقٌ، وذلك باطلٌ، وأنى يُشبه هذا السحر (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ) [الطور: ١٥]؟ ثم إن قولهم: إنه أضغاث أحلام، أي: تخاليطها، أفسد منه؛ لأن تشبهي النظم المعجز الفائق بالسحر أقربُ من ذلك، كقوله: "إن من البيان لسحرا"، لكن أين هذا من التخاليط: إنه (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود: ١] ثم قولهم: إنه كلامٌ مفترى من عنده أبعد من ذلك؛ لأنهم لم يحرروا أنفسهم، ولم يدركوا أن قوى البشرية وإن استفرغت طوقها، لا تطيق على الإتيان بمثله: (فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) [هود: ١٣]؛ ولأن المفترى مبطل، وكلامه باطل، وهذا (لا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: ٤٢].
ثم قولهم: إنه قول شاعر، أبعد وأفسد؛ لأن الشعر: متخيلات ملفقة وتخرصاتٌ مزخرفةٌ تدعو إلى الهوى والشيطان، وهذا يدعو إلى الهدى وطاعة الرحمن: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) [يس: ٦٩ - ٧٠]، وهذا الوجه أدل على التحير من حيث الحقيقة.
الراغب: (بل): للتدارك، وهو ضربان: ضربٌ يناقض ما بعده ما قبله لكن ربما يقصد لتصحيح الحكم الذي بعده، وإبطال ما قبله، قال تعالى: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [المطففين: ١٣ - ١٤]، أي: يس الأمر كما قال، بل جهلٌ، أو يقصد به تصحيح الأول، وإبطال الثاني، كقوله تعالى: (فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ) إلى قوله: (فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) [الفجر: ١٥ - ١٧]، أي: ليس إعطاؤه من الإكرام، ولا منعه من الإهانة، لكن جهلوا وظلموا، حيثُ وضعوا المال في غير موضعه، والضرب الثاني: أن يكون (بل) مبيناً للحكم الأول وزائداً عليه بما بعده، نحو: (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلْ افْتَرَاهُ)، فإنه نبه أنهم يقولون: أضغاثُ أحلام، ويزيدون على ذلك بأن
стр. 5255
والمبطل متحير رجاع غير ثابت على قول واحد.
ويجوز أن يكون تنزيلا من الله تعالى لأقوالهم في درج الفساد: وأن قولهم الثاني أفسد من الأول، والثالث أفسد من الثاني، وكذلك الرابع من الثالث.
صحة التشبيه في قوله (كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) من حيث أنه في معنى: كما أتى الأوّلون بالآيات، لأنّ إرسال الرسل متضمن للإتيان بالآيات ألا ترى أنه لا فرق بين أن تقول: أرسل محمد ﷺ ، وبين قولك: أتى محمد بالمعجزة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الذي أتى به مُفترىً، بل يزيدون ويدعون أنه كذاب؛ فإن الشاعر في القرآن عبارةٌ عن الكاذب بالطبع.
قوله: (لا فرق بين أن تقول: أرسل محمدٌ صلى الله عليه وسلمن وبين قولك: أتى محمدٌ بالمعجزة)، قيل: فيه نظرٌ؛ لأن قوله: أرسل محمدٌ، إثباتٌ للرسالة؛ لأنها ثبتت بإرسال الملك، وقوله: أتى بالمعجزة، إظهارٌ للرسالة، وما تثبت به النبوة غير ما تظهر به الرسالة.
قلتُ: ليس مراده من قوله: "لا فرق … " أن معنى العبارتين سواءٌ، بل مراده أن مؤدى العبارتين سواءٌ، فإن قولك: أُرسل محمدٌ صلواتُ الله عليه معناه: أنه ادعى الرسالة، وأتى بالمعجزة، فثبتت رسالته، وقولك: أتى محمدٌ بالمعجزة، مؤداه: ادعى الرسالة وأتى بالمعجزة، فيكون رسولاً. والأول كنايةٌ، والثاني تصريحٌ، ومؤداهما واحدٌ، ألا ترى إلى تفسيره لقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]؟ قولك: يد فلانٍ مبسوطةٌ، بمعنى أنه جواد، لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلتُ، يعني: كون أحدهما كنايةً، والآخر صريحاً، والكناية أشرح وأبسط.
فإن قلت: ما فائدة العدول؟ قلتُ: لو قيل: كما أتى الأولون لكان من القصد بمعزل؛
стр. 5256
(ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء: ٦].
(أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) فيه أنهم أعتى من الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات وعاهدوا أنهم يؤمنون عندها، فلما جاءتهم نكثوا أو خالفوا، فأهلكهم الله. فلو أعطيناهم ما يقترحون لكانوا أنكث وأنكث.
(وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [الأنبياء: ٧].
أمرهم أن يستعلموا أهل الذكر وهم أهل الكتاب، حتى يعلموهم أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشرا ولم يكونوا ملائكة كما اعتقدوا، وإنما أحالهم على أولئك لأنهم كانوا يشايعون المشركين في معاداة رسول الله ﷺ ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأن قصدهم: فليأتنا بآية مثل ما أتى به المرسلون نحو موسى وعيسى ﵉ من قلبِ العصا ثعباناً، وإحياء الموتى، لا كغيرهما من الأنبياء.
قوله: (فيه أنهم أعتى من الذين اقترحوا على أنبيائهم)، وكان أصلُ الكلام: ما آمنت قبل هؤلاء المشركين أهل قريةٍ أردنا إهلاكها بسبب عنادهم، فهؤلاء أيضاً لا يؤمنون، ثم أدخل همزة الإنكار والاستبعاد؛ لتدل على الإدماج، وأن هؤلاء أعتى من السابقين. فقوله: (مَا آمَنَتْ) متعلقٌ بقوله: (فَلْيَاتِنَا بِآيَةٍ)؛ لأنهم لما طعنوا في القرآن، وأنه معجزةٌ وبالغوا فيه حتى أخذوا من قوله: (أَفَتَاتُونَ السِّحْرَ) إلى أن انتهوا إلى قوله: (فَلْيَاتِنَا بِآيَةٍ) وأرادوا انه ليس من جنس اليد البيضاء، والعصا، وإبراء الأكمه وإحياء الموتى، علم أنهم مُعاندون، فقيل مُسلياً لرسول الله ﷺ في أن الإنذار لا يُجدي فيهم بقوله: (مَا آمَنَتْ) الآية.
قوله: (يشايعون المشركين). الجوهري: شيعةُ الرجل: أتباعه وأنصاره، يقال: شايعه كما يُقال: والاه، والمشايعُ أيضاً: اللاحق.
стр. 5257
قال الله تعالى (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً)] آل عمران: ١٨٦ [فلا يكاذبونهم فيما هم فيه ردء لرسول الله ﷺ .
(وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَاكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ) [الأنبياء: ٨].
(لا يَاكُلُونَ الطَّعامَ) صفة ل (جَسَدَاً)، والمعنى: وما جعلنا الأنبياء ﵈ قبله ذوى جسد غير طاعمين. ووحد الجسد لإرادة الجنس، كأنه قال: ذوى ضرب من الأجساد. وهذا ردّ لقولهم (مالِ هذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعامَ) [الفرقان: ٧].
فإن قلت: نعم قد ردّ إنكارهم أن يكون الرسول بشرا يأكل ويشرب بما ذكرت.فماذا ردّ من قولهم بقوله (وَما كانُوا خالِدِينَ)؟ قلت: يحتمل أن يقولوا إنه بشر مثلنا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً) [آل عمران: ١٨٦]) استشهدبها على اتفاق كلمتهم على أذى رسول الله ﷺ حيث عطف (من الَّذِينَ أَشْرَكُوا) على (مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) ونبه بصلة الموصول على علة الأذى.
قوله: (ردءٌ لرسول الله ﷺ أي: عونٌ له، أي: لا يكاذبُ أهلُ الكتاب المشركين، أي: لا يكذبُ في الذي هم [فيه] عونٌ لرسول الله ﷺ من أن الأنبياء ﵈ لم يكونوا ملائكة، يعني: كانوا متفقين مع رسول الله ﷺ في هذه المسألة، وكيف لا وفي مخالفتها إبطالُ دينهم؟ وقيل [قوله]: "لرسول الله" متعلقٌ بـ"فلا يكاذبونهم"، أي: لأجل الرسول، وفيه نظرٌ؛ لبقاء "ردءٌ" لا متعلق له، وأن المعنى لا يساعد عليه.
قوله: (ذوى ضربٍ من الأجساد)، أي: نوع منها. قال أولاً: لإرادة الجنس، وفسره بالنوع لأن الجسد جنسٌ تحته نوعان من الحيوان والجماد، فالحيوانُ الجنسُ السافل.
قوله: (يحتمل أن يقولوا: إنهُ بشرٌ)، أجاب أن قوله: (وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ) ردٌّ لما لزم من
стр. 5258
يعيش كما نعيش ويموت كما نموت. أو يقولوا: هلا كان ملكا لا يطعم ويخلد: إما معتقدين أن الملائكة لا يموتون. أو مسمين حياتهم المتطاولة وبقاءهم الممتدّ خلودا.
(ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) [الأنبياء: ٩].
(صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ) مثل (واختار موسى قومه) [الأعراف: ١٥٥]. والأصل "في الوعد": و"من قومه". ومنه:
صدقوهم القتال. وصدقنى سنّ بكره
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولهم: إنه بشرٌ مثلنا يعيشُ كما نعيشُ، ويموتُ كما نموتُ، أن النبي يجب أن يكون خالداً كالملك، أو ردٌّ لما صرحوا به من قولهم: هلا كان ملكاً لا يطعم، ويخلد؟
قوله: (صدقني سن بكره)، قال الميداني: البكر: الفتيُّ من الإبل، يقال: صدقته الحديث، وفي الحديث، يُضربُ مثلاً في الصدق. أصله أن رجلاً ساوم رجلاً في بكرٍ، فقال: ما سنه؟ فقال: بازلٌ، ثم نفر البكر فقال صاحبه: هدع هدعْ، وهذه لفظةٌ يسكنُ بها الصغار من الإبل، فلما سمع المشتري هذه الكلمة قال: صدقني سن بكره، ونصب سن على معنى عرفني سنَّ، أو: صدقني خبر سنِّ، ثم حذف، ويُروى بالرفع، فجعل الصدق للسنِّ توسعاً.
الراغب: صدق قد يتعدى إلى مفعولين نحو قوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ) [آل عمران: ١٥٢]، وصدقته؛ نسبته إلى الصدق، وأصدقته: وجدته صادقاً، وقيل: هما واحدٌ، ويقالان فيهما جميعاً، قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) [البقرة: ١٠١]، ويستعمل التصديق في كل ما هو تحقيقٌ. يقال: صدقني فعله وكتابُه، قال الله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) [البقرة: ٨٩]، والصداقة: صدقُ الاعتقاد في المودة، وذلك مختصٌّ بالإنسان، قال تعالى: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١].
стр. 5259
(وَمَنْ نَشاءُ) هم المؤمنون ومن في بقائه مصلحة.
(لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [الأنبياء: ١٠].
(ذِكْرُكُمْ) شرفكم وصيتكم، كما قال (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) [الزخرف: ٤٤] أو موعظتكم. أو فيه مكارم الأخلاق التي كنتم تطلبون بها الثناء أو حسن الذكر، كحسن الجوار، والوفاء بالعهد، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، والسخاء، وما أشبه ذلك.
(وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَانا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَاسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((ذْكُرْكُمْ): شرفكم وصيتكم). الأساس: ذكرته ذكراً وذكرى، (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [الذاريات: ٥٥]، ومن المجاز: له ذكرٌ في الناس، أي: صيتٌ وشرف.
قوله: (أو موعظتكم)، قال الزجاج: فيه تذكرةٌ لكم فيما تلقونه من رحمة أو عذاب كما قال تعالى: (كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) [عبس: ١١].
قوله: (تطلبون بها الثناء الحسن) أي: فيه ما يطلبون به الصيت والشرف، والفرق بين هذا، وبين الوجه الأول هو أن- على الأول - المراد بالكتاب كما هو موجبٌ لصيتكم؛ لأنه منزلٌ بلسانكم ولغتكم، فإذا اشتهر اشتهرتم. وعلى الثاني: إذا عملتم بما فيه حصل لكم مكارمُ الأخلاق فحسن بذلك صيتكم، فذكر "الذكر"، وأراد مكارم الأخلاق الموجبة للثناء الحسن، فيكون من باب إطلاق المسبب وإرادة السبب أو يكون كناية تلويحية، ويعني: فيه ذكر ما تطلبونه من مكارم الأخلاق فتحروا فيه، واجتهدوا على العمل بما فيه. فإذا عملتم به كنتم أصحاب الأخلاق، فحينئذ ينتشر بذلك صيتكم.
стр. 5260
لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ) [الأنبياء: ١١ - ١٥].
(وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ) واردة عن غضب شديد ومنادية على سخط عظيم، لأنّ القصم أفظع الكسر وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء، بخلاف الفصم.
وأراد بالقرية: أهلها، ولذلك وصفها بالظلم. وقال (قَوْماً آخَرِينَ) لأن المعنى: أهلكنا قوما وأنشأنا قوما آخرين. وعن ابن عباس: أنها «حضور» وهي و «سحول» قريتان باليمن، تنسب إليهما الثياب. وفي الحديث «كفن رسول الله ﷺ في ثوبين سحوليين» وروى «حضوريين» بعث الله إليهم نبيا فقتلوه، فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم. وروى: أنهم لما أخذتهم السيوف ونادى مناد من السماء يا لثارات الأنبياء، ندموا واعترفوا بالخطإ، وذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومناديةٌ على سخطٍ عظيم)؛ لأنه استعير ما استعمل في الجسم للمعنى، واختير ما هو الأبلغ فيه؛ ليدل على إبادة بليغة.
قوله: (في ثوبين سحوليين)، عن البخاري ومسلم وغيرهما، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كُفنَ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كُرسُفٍن ليس فيها قميصٌ ولا عمامة. وفي "الجامع": سحولٌ: قريةٌ من اليمن ينسب إليها الثياب. وقيل: السحولية: المقصورة، كأنها نسبت إلى السحول وهو القصارُ؛ لأنه يسحلها أي: يغسلها. ورُوي بضم السين.
قوله: (يا لثارات). الجوهري: "يا لقتلة فلان". النهاية: ومنه: يا ثارات عثمان! أي:
стр. 5261
حين لم ينفعهم الندم. وظاهر الاية على الكثرة. ولعل ابن عباس ذكر «حضور» بأنها إحدى القرى التي أرادها الله بهذه الآية. فلما علموا شدّة عذابنا وبطشتنا علم حسّ ومشاهدة، لم يشكوا فيها، ركضوا من ديارهم. والركض: ضرب الدابة بالرجل. ومنه قوله تعالى (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ) فيجوز أن يركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب. ويجوز أن يشبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين لدوابهم، فقيل لهم. (لا تَرْكُضُوا) والقول محذوف.
فإن قلت: من القائل؟ قلت يحتمل أن يكون بعض الملائكة أو من ثم من المؤمنين أو يجعلوا خلفاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل. أو يقوله رب العزة ويسمعه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يا أهل ثاراته، ويا أيها الطالبون بدمه، فحُذف المضافُ، وأقيم المضافُ إليه مقامه، فيكون قد نادى طالبي الثأر ليعينوه على استيفائه وأخذه، وعلى قول الجوهري: نداءُ القتلة لتعريف الجرم والتقريع وتفظيع الأمر حتى يجتمع لهم عند أخذ الثأر بين القتل وبين تعريف الجرم وقرع أسماعهم به؛ ليصدع به قلوبهم، ويكون أدعى في الإنكاء فيهم، والتشفي منهم.
وإلى تعريف الجرم الإشارة بقوله: "لما نادى منادٍ من السماء ندموا واعترفوا بالخطأ".
قوله: (وظاهر الآية على الكثرة)، يعني: يقتضي قوله تعالى: (وَكَمْ قَصَمْنَا) أن يجري على العموم، وعلى كثير من القرى.
قوله: (ويجوز أن يشبهوا)، فعلى الأول الركضُ مجازٌ في العدو، ومستعملٌ استعمال المرسن في أنف الإنسان، وعلى الثاني حقيقةٌ، وعلى الثالث استعارة.
قوله: (أو يُجعلون خلقاء بأن يقال لهم ذلك)، يعني: أنهم بالغوا في الركض والفرار من العذاب بعد ذلك الإتراف والتنعم بحيثُ من رآهم قال هذا الكلام بلسان الحال.
الراغب: الركضُ: الضربُ بالرجل، فمتى نُسب إلى الراكب فهو إعداءُ مركوبٍ،
стр. 5262
ملائكته لينفعهم في دينهم. أو يلهمهم ذلك فيحدثوا به نفوسهم.
(وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ) من العيش الرأفة والحال الناعمة. والإتراف: إبطار النعمة وهي الترفة (لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) تهكم بهم وتوبيخ، أى: ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسئلون غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة. أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم. وترتبوا في مراتبكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم ومن تملكون أمره وينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقول لكم: بم تأمرون؟ وبماذا ترسمون؟ وكيف نأتى ونذر كعادة المنعمين المخدّمين؟ أو يسألكم الناس في أنديتكم المعاون في نوازل الخطوب، ويستشيرونكم في المهمات والعوارض ويستشفون بتدابيركم، ويستضيئون بآرائكم. أو يسألكم الوافدون عليكم والطماع ويستمطرون سحائب أكفكم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نحو: ركضت الفرس، ومتى نُسب إلى الماشي: فوطء الأرض، نحو قوله تعالى: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ) [ص: ٤٢]، وقال تعالى: (لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ) [الأنبياء: ١٣] فنهوا عن الانهزام. الترفه: التوسعُ في النعمة، يقالُ: أُترفَ فلانٌ فهو مترفٌ، قال تعالى: (وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [المؤمنون: ٣٣].
قوله: (أو يلهمهم ذلك) أي: يُلهم الله تعالى بهذا الكلام نفوس الملائكة، فتحدث الملائكة به فيكون كلاماً نفسياً يخاطبون به الفار الراكضين وليس هناك مخاطبةٌ، وإنما هو شيءٌ يفيد الملائكة في دينهم.
قوله: (ترتبوا في مراتبكم)، أي: تمكنوا فيها، الأساس: رتب فلانٌ رتوبَ الكعب، في المقام الصعب، ورتب في الصلاة: انتصب قائماً.
стр. 5263
ويمترون أخلاف معروفكم وأياديكم: إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلب الثناء، أو كانوا بخلاء فقيل لهم ذلك تهكما إلى تهكم، وتوبيخا إلى توبيخ.
(تِلْكَ) إشارة إلى (يا ويلنا)، لأنها دعوى، كأنه قيل: فما زالت تلك الدعوى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويمترون أخلاف معروكم). الجوهري: مريتُ الناقة مرياً: إذا مسحت ضرعها ليدر، والريح تمري السحاب، تمتريه، أي: تستدره.
الأساس: ومن المجاز: وأخلفت النجومُ والشجر: لم تُمطر ولم تثمر. وناقةٌ مخلفة: ظُنَّ بها حملٌ ثم لم يكن، وهو خالفةُ أهل بيته، أي: فاسدهم وشرهم، ودرت لفلانٍ أخلافُ الدنيا. يمترون: ترشيحٌ لاستعارة أخلاف معروفكم، ويستمطرون: ترشيحٌ لسحائب أكفكم.
اعلم أنه فُسر (لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ) بوجوه، بناء على أنه مطلقٌ يحتملُ أن يقيد بما يقتضيه المقام بحسب الاستعمال، وأن يُترك على إطلاقه.
قال في "الأساس": سألتُ عنه مسألةً، وسألته حاجةً. وأصبتُ منهُ سُؤلي: طلبتي، فعلٌ بمعنى مفعول.
فقدر في الوجه الأول "عن" حيثُ قال "تسألون غداً عما جرى عليكم"، وأطلق في الثاني حين قال: "حتى يسألكم عبيدكم وحشمُكم ومن تملكون أمره"، فهو إما يجري مجرى اللام، أو يُقدر أشياء مما يليقُ بحالهم لا تُحصى. وبنى الثالث والرابع على أنه من قولهم: سألته حاجةً مما يقتضي مفعولين، فهو إما أنهم شجعانٌ يستنجدهم الناس، ويطلبون منهمُ المعونة، وإليه الإشارة بقوله: "يسألكم الناس المعاون"، أو أسخياء يستجدون من نائلهم، ويستمطرون سحائب أكفهم. المعاونُ: جمعُ المعونة.
قوله: (تهكماً إلى تهكُّم)، أي: منضماً إلى مثله. أوله: يقالُ لهم: ارجعوا إلى ما أُترفتُم فيه حين ولات حين مناص. وثانيه: يقالُ لهم: يسألكم الوافدون ويستمطرون سحائب أكفكم، وهم الجامدون البخلاء.
стр. 5264
(دَعْواهُمْ) والدعوى بمعنى الدعوة. قال تعالى (وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) [يونس: ١٠].
فإن قلت: لم سميت دعوى؟ قلت: لأن المولول كأنه يدعو الويل، فيقول تعالى: يا ويل فهذا وقتك. و (تِلْكَ) مرفوع أو منصوب اسما أو خبرا وكذلك دعواهم. "الحصيد": الزرع المحصود، أى: جعلناهم مثل الحصيد، شبههم به في استنصالهم واصطلامهم «٢» كما تقول: جعلناهم رمادا، أى مثل الرماد. والضمير المنصوب هو الذي كان مبتدأ والمنصوبان بعده كانا خبرين له، فلما دخل عليها جعل نصبها جميعا على المفعولية. فإن قلت كيف ينصب «جعل» ثلاثة مفاعيل؟ قلت: حكم الاثنين الآخرين حكم الواحد، لأنّ معنى قولك «جعلته حلوا حامضا» جعلته جامعا للطعمين. وكذلك معنى ذلك: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وَكَذَلِكَ) مرفوعٌ أو منصوبٌ اسماً أو خبراً)، وفيه نظرٌ؛ لأن (تِلْكَ) اسمٌ لفظاً ومعنىً؛ لأن المعنى: لا زالت تلك الدعوى دعواهم، ولأن الاسم المبهم أشدُّ توغلاً في التعريف من المضاف؛ لأنهُ قريبُ من المضمر على أنه مقدم.
قوله: (واصطلامهم) أي: استئصالهم، قاله الجوهري.
قوله: (جامعين لمماثلة الحصيد والخمود) يعني: كما يجتمع الحلو والحامض في معنى واحد، وهو المزُّ، كذا الحصيدُ والخمود؛ لأن النار إذا خمدت فصارت رماداً، كانت كالزرع المحصود المدقوق.
الراغب: قوله: (جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ) [الأنبياء: ١٥] كنايةٌ عن موتهم، من خمدتِ النارُ: إذا طُفئ لهبُها. وعنه استعير: خمدت الحُمي: سكنتْ. فيكونُ "والخمود"
стр. 5265
(وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) [الأنبياء: ١٦ - ١٧].
أى: وما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من أصناف الخلائق مشحونة بضروب البدائع والعجائب، كما تسوّى الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم، للهو واللعب، وإنما سويناها للفوائد الدينية والحكم الربانية، لتكون مطارح افتكار واعتبار واستدلال ونظر لعبادنا، مع ما يتعلق لهم بها من المنافع التي لا تعدّ والمرافق التي لا تحصى. ثم بين أنّ السبب في ترك اتخاذ اللهو واللعب وانتفائه عن أفعالى: هو أن الحكمة صارفة عنه، وإلا فأنا قادر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في المتن عطفاً على الحصيد، لا على المماثلة كما ظنَّ؛ لأن قوله: (حَصِيداً خَامِدِينَ) كلاهما مشبهٌ بهما، والمشبه (هم) في قوله: (جَعَلْنَاهُمْ).
قوله: (ونظر لعبادنا)، قال القاضي: (خَلَقْنَاهُمَا) تسبيباً لما ينتظمُ به أمورُ العباد في المعاش والمعاد، فينبغي أن يتسلقوا إلى تحصيل الكمال، ولا يغتروا بزخارفها، فإنها سريعةُ الزوال.
قوله: (هو أن الحكمة صارفةٌ [عنه] وإلا فأنا قادرٌ)، عن بعضهم: هذا بناء على أن الله تعالى عندهم قادرٌ على السفه والظلم، وإن كان لا يفعله. وعند أهل الحق: أن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على الظلم والسفه، لأن القدرة مصححةٌ للإمكان، والمحالُ لا يدخلُ تحت الإمكان، وقيل: إنه لما قال: (لَوْ أَرَدْنَا) إلى آخره عُلم أن المانع عدمُ الإرادة، فينبغي أن يكون مقدوراً؛ لأنه لا يقال فيما لا يكون مقدوراً: لو أردتُ فعلته، وقيل: هذا منظورٌ فيه؛ لأن تفسير اللهو بالولد أو بالمراة، يأباه؛ لأنه لا يقال: إن اتخاذ الولد أو المرأة لو أراده لفعله؛ لأنه من قبل المستحيل.
وقلتُ: لا يخفى سقوط هذا النظر على من تأمل في كلام الزجاج كما مر، ولا ارتياب بين
стр. 5266
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
علماء الأصول ومعتني علم البيان أن حمل اللفظ على المجاز والعدول عن الحقيقة من غير صارفٍ وداعٍ قوي غير جائز، لا سيما إذا انضم معه قرينة إرادة الحقيقة، هو مقتضى المقام؛ وذلك أن مجيء قوله: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً) عقيب قوله: (وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) من باب وضع المُظهر موضع المضمر من غير لفظه السابق؛ لأن اللهو: ما يُتلهى به ويُلعب، وليس في الكلام السابق رائحةٌ من معنى الولد والمرأة، فلا يُحمل الآتي إلا على ظاهره. وسيجيء الكلام في الولد في مشرع آخر، ولأن قوله تعالى: (إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ) على الشرط، أظهرُ من النفي، والذوقُ له أدعى، ولأن تفسير اللهو بالولد والمرأة يخرجُ الكلام عن سنن النظام.
قال الإمامُ: الغرضُ من سوق هذه الآيات تقريرُ نبوة محمدٍ صلوات الله عليه، والرد على منكريه؛ لأنه تعالى أظهر المعجزة عليه، ولو كان غير صادق كان إظهار المعجزة عليه من باب العبث، وإن كان صادقاً يفسدُ ما ذكروه من المطاعن.
وقلتُ: تحريرُ النظم: أنهذه السورة من مفتتحها واردةٌ في أمر النبوة وما يتصل بها، ومن ثم سميت بسورة الأنبياء، ألا ترى كيف بدأ بقوله: (مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ)، وثنى بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ) ثم ثلث بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ) [الأنبياء: ١٠] فوبخهم وسفههم وسجل بحرمان عقلهم حيث دفعوا ما فيه شرفهم وعزهم، ثم ربع بقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) [الأنبياء: ١٦] ليُنبههم عن رقدةِ الجهالة، وأنهم في ارتكابهم العناد كمن يحاول في إبطال الحكمة في خلق السماء والأرض، وهي العبادةُ والمعرفة، قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦]، وقال: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران: ١٩١]. قال المصنف: "المعنى: ما خلقته خلقاً باطلاً، بل لداعي حكمةٍ عظيمة، وهو أن يجعلها مساكن المكلفين، وأدلةً لهم على معرفتك،
стр. 5267
على اتخاذه إن كنت فاعلا لأنى على كل شيء قدير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ووجوب طاعتك واجتناب معصيتك، ولذلك وصل قوله: (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران: ١٩١] به؛ لأنه جزاءُ من عصى ولم يُطع".
وقال في "النجم" في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) [النجم: ٣١]: "إن الله تعالى إنما خلق العالم، وسوى هذا الملكوت، ليُجازي المحسن من المكلفين والمسيء منهم"، ولا يتم ذلك إلا بإنزال الكتاب، وإرسال الرسول، وإظهار المعجزة على يده، فإذا حصلت هذه المطالب وجبت المتابعة، وإنكارها يؤدي إلى إنكار هذا المطلوب.
ثم علل استحقاق العبادة بقوله: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)، أي: هو خالقهم ومالكهم ورازقهم ومتولي أمورهم، فيجب عليهم أن يخصوه بالعبادة، وإن استكبر هؤلاء وعاندوا فله من لا يستكبر ولا يعاند، فهو مستغنٍ عن هؤلاء كقوله تعالى: (وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) [الأعراف: ٢٠٣]. فلما فرغ من هذا النوع من الكلام رجع إلى توبيخ المعاندين وقال: (أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً) وساق الحديث إلى ما هو سوق الكلام له من قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)، والله أعلم.
قوله: (إن كنتُ فاعلاً)، جعل "إنْ" في قوله: (إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ) شرطيةً، قال الزجاجُ: اللهو في لغة حضرموت: الولدُ. وقيل: اللهوُ: المراةُ، وتأويله في اللغة أن الولد لهوُ الدنيا، أي: فلو أردنا أن نتخذ ولداً إذ اللهو يُلهى به، ومعنى: (لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا) أي: لاصطفيناه مما نخلُقُ، معناه: ما كنا فاعلين؛ وكذلك جاء في التفسير: ويجوزُ أن يكون للشرط، أي: إن كنا ممن يفعلُ ذلك، ولسنا ممن يفعله. والقول الأول قول المفسرين، والثاني قول النحويين. وهم أجمعون يقولون: إن القول هو الأول ويستجيدونه؛ لأن "إنْ" تكونُ
стр. 5268
وقوله (لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا) كقوله (رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا)] القصص: ٥٧ [أى من جهة قدرتنا. وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن. وقيل المرأة.
وقيل (من لدنا)، أى من الملائكة لا من الإنس، ردّا لولادة المسيح وعزير.
(بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) [الأنبياء: ١٨].
(بَلْ) إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب، وتنزيه منه لذاته، كأنه قال: سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في معنى النفي، إلا أن أكثر ما جاءت مع اللام، تقول: إن كنت لصالحاً، أي: ما كنت إلا صالحاً.
وقال ابن الحاجب: هذا مذهب الكوفيين، وأما البصريون فيقولون: إن اللام الفارقة لا تدخل بعد "إن" النافية. فإذا قلت: إن زيداً لقائم فالمفهوم إثبات القيام، وإذا قلت: إنْ زيدٌ قائمٌ فالمفهومُ نفيُ القيام.
وقال صاحبُ "المطلع": فإن قيل على الثاني: ما معنى تكرار كلمة الشرط؟ قُلنا: دخلت على جواز الوصف به، والأولى على جواز الإيجاد، وكلاهما منفيان.
قوله: (سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب)، هذا التنزيه يفيده صيغةُ الكبرياء والتعظيم، وتكريره مراراً ثمانية وإلى التعظيم الإشارةُ بقوله: "كما تُسوي الجبابرةُ سُقوفهم"، كأنه قيل: أيها الناظرُ المنكرُ، ألا ترى إلى هذا السقف المرفوع، وهذا المهاد الموضوع، كيف سويناهما؟ وكيف جعلناهما مطارح الافتكار، ومطامح الاعتبار، ومناطاً لمرافق العباد في المعاش
стр. 5269
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمعاد؛ إذ لا يليقُ بعظمتنا وجلالتنا أن نخلقهما باطلاً؛ فسبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب؛ إذ من شأننا محقُ الباطل ودمغُه، وإليه الإشارة بقوله: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ).
ثُم اعلمْ أن قوله: "أن الحكمةَ صارفةُ عنه، وإلا فانا قادرٌ على اتخاذه" كلامٌ مبنيٌّ على قاعدة مذهبه، وأما تقريره على مذهب أهل السنة والجماعة فهو أن يقال: له أنيخلق ما يشاء، وإن توهمه المعتزلي قبيحاً وحسناً، وأنه فاعلٌ مختارٌ له أن يختار خلق هذا دون ذلك. فقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) إخبارٌ عما وُجِدَ، لا عما وجب، وقوله: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً) إيذانٌ بأن له أن يختار خلق هذا دون ذلك، وقد تقرر في البلاغة أن مفعول الإرادة والمشيئة يجب أن لا يُذكر إلا إذا تعلقت به غرابة. ولا شك أن اتخاذ اللهو بالنسبة إلى الله تعالى غريب، كأنه قيل: إن العظمة والكبرياء اقتضيا التنزيه عن اتخاذ اللهو، كما أنهما استدعيا أن لا يُمنع من ذلك وإن خفي على بعض الخلق؛ لأنه فاعلٌ لما يشاء لا يسأل عما يفعلُ وهم يسألون، لكن من شأنه أن يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وأن يتصف بما فيه التعظيم والكبرياء وإن كان الكل منه، (وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) أي: تنسُبون إيه ما لا يليقُ بجلاله من اتخاذ اللهو واللعب حيثُ تطعنون في رسله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
قوله: (اللهو: الولدُ … ، وقيل: المرأة)، في "المطلع": اللهوُ: طلبُ الترويح عن النفس، ثم المرأة تُسمى لهواً وكذا الولد؛ لأن النفس تستروح بكل واحدٍ منهما، والمعنى: امرأة ذات لهو، أو ولدٌ ذو لهو.
الراغب: اللهوُ: ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه، يقال: لهوت بكذا ولهيتُ عن كذا: اشتغلت عنه بلهو. قال تعالى: (إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) [محمد: ٣٦]، ويعبرُ عن كل ما به استمتاعٌ باللهو، قال تعالى: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً) [الأنبياء: ١٧]، ومن قال: أراد باللهو:
стр. 5270
بل من عادتنا وموجب حكمتنا واستغنائنا عن القبيح أن نغلب اللعب بالجد، وندحض الباطل بالحق. واستعار لذلك القذف والدمغ، تصويرا لإبطاله وإهداره ومحقه فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلا، قذف به على جرم رخو أجوف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المرأة والولد فتخصيصٌ لبعض ما هو من زينة الحياة الدنيا التي جعل لهواً ولعباً.
وقلتُ: ومما يقربُ منه من حيث إرادة التخسيس قوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ) [آل عمران: ١٤] الآية.
قوله: (وموجب حكمتنا واستغنائنا عن القيح)، قال صاحب "الانتصاف": أراد باستغنائه عن القبيح وجوب رعاية المصالح، وفعل ما ينونه حسناً بعقولهم، فلا يستغني الحكيمُ عن خلقِ الحسن، والحكمة تقتضي الاستغناء عن القبيح، ويقولون: ليس في الإمكان ذلك ولو أمكن لفعله؛ إذ لو تركه لكان إما بخلاً أو عجزاً تعالى الله عنهما، والحق أن الله تعالى مستغنٍ عن الأفعال، وله أن يخلق ما يتوهمه القدري حسناً أو قبيحاً، وليس في الوجود إلا الله تعالى وصفاتُه.
قوله: (واستعار لذلك القذف والدمغ)، قال صاحب "المفتاح": أصلُ استعمال القذف والدمغ في الجسام، ثم استعير القذفُ لإيراد الحق على الباطل، والدمغُ لإذهاب الباطل، فالمستعارُ منه حسيٌّ، والمستعارُ له عقليٌّ.
قوله: (فجعله كأنه جرمٌ صلبٌ كالصخرة [مثلاً] قُذف به على جرم رخوٍ أجوف)، يعني: بولغ في طرفي الإفراط والتفريط؛ لأن القذف غنما يستعمل في رمي الحجارة، والدمغ
стр. 5271
فدمغه، ثم قال (وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) به مما لا يجوز عليه وعلى حكمته. وقرئ: "فيدمغه" بالنصب، وهو في ضعف قوله:
سأترك منزلي لبنى تميم … وألحق بالحجاز فاستريحا
وقرئ "فيدمغه".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يكونُ إلا في الدماغ، وهو جسمٌ رخوٌ مجوف، وقيل: إنما اختير الدماغُ دون سائر البدن؛ لأن الدماغَ مجمعُ الحواسِّ، وهو مقتلٌ، يقال: دمغهُ دمغاً، أي: شجهُ حتى بلغت الشجةُ الدماغ.
قوله: ("فيدمغه" بالنصب، وهو ضعيف)، قال النحاة: لا ينتصب بإضمار "أن" بعد الكلام الموجب، لا يقال: يقومُ زيدٌ فيغضب، إلا في الضرورة، كما في قوله:
سأتركُ منزلي لبني تميمٍ … وألحقُ بالحجاز فأستريحا
لأن إضمار "أنْ" إنما يجبُ إذا لم يتسق الكلامُ بإدخال الثاني تحت حُكم الأول فينصب الثاني إظهاراً لإرادة المخالفة. وفي الموجب هما متحدا الحكم، فكأن الشاعر توهم معنى غير الموجب في الأول إما بالتمني أو بالشرط فنصب بعد الفاء. ووجه ضعفه أنه ليس في جواب الستة. والعذر أن فعل المضارع كالتمني والترجي في كونهما مترقبين.
قوله: (وقرئ: "فيدمغه")، أي: بضمتين، في "المطلع": هي كما جاء في الحروف الحلقية من البابين، كطبخ وصبغ.
стр. 5272
(وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
(وَمَنْ عِنْدَهُ) هم الملائكة. والمراد أنهم مكرمون، منزلون - لكرامتهم عليه - منزلة المقرّبين عند الملوك على طريق التمثيل والبيان لشرفهم وفضلهم على جميع خلقه.
فإن قلت: الاستحسار مبالغة في الحسور، فكان الأبلغ في وصفهم أن ينفي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والبيان لشرفهم وفضلهم على جميع خلقه) يعني: اختصاصُ لفظ "عند" مع عطفِ الخاص على العام دليلٌ على ذلك، قال الإمام: إنه تعالى لما حكى كلام الطاعنين في النبوات وأجاب عنها، وبين أن غرضهم من تلك المطاعن التمرد وعدم الانقياد، بيَّنَ في هذه الآية أنه تعالى منزهٌ عن طاعتهم؛ لأنه المالك لجميع المخلوقات؛ ولأن الملائكة مع جلالتهم مطيعون خائفون منه، فالبشر مع نهاية الضعف أولى أن يطيعوه.
وقلتُ: عنى أن الكلام في أقوام مخصوصين معاندين، وهو حق كما سبق، ومجرد لفظ "عند" لا يدل على المطلوب. وقد جاء (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر: ٥٤ - ٥٥]، (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنْ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ) [ص: ٤٧]، وغير ذلك، وغاية معنى الترقي والتدرج في الضعف والقوة الدلالة على أنهم لا يفترون في العبادة، وأن أحداً من البشر لا يدرك شأوهم في هذا المعنى، وهذا مما لا نزاع فيه، وإنما النزاع في أمر آخر.
قوله: (الاستحسارُ مبالغةٌ في الحسور)، وذلك أن السين فيه: طلب الحسور، ولا طلب هنا، فدل على المبالغة، فنفيُ الأبلغ لا يفيد نفي الأدونِ فيفيد إثبات التعب مطلقاً، والحالُ أنهم لا يتعبون رأساً، وأجاب أن في بناء المبالغة الإشعار بأن ما هم فيه من الطاعات في غاية من الثقل والتعب وإن كانوا لا يتعبون، نحوه قوله تعالى: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)
стр. 5273
عنهم أدنى الحسور؟ . قلت في الاستحسار بيان أنّ ما هم فيه يوجب غاية الحسور وأقصاه، وأنهم أحقاء لتلك العبادات الباهظة بأن يستحسروا فيما يفعلون. أى، تسبيحهم متصل دائم في جميع أوقاتهم، لا يتخلله فترة بفراغ أو شغل آخر.
(أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) [الأنبياء: ٢١].
هذه "أم" المنقطعة الكائنة بمعنى "بل" والهمزة، قد آذنت بالإضراب عما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[فصلت: ٤٦] في أحد وجهيه، وهو أن الذنب في العظم بحيثُ من نظر إلى العذاب العظيم علم أن الذنب ما هو؛ لأن عظم العقوبة بحسب عظم الجناية، وفيه أنهم أحقاءُ لتلك العبادات الباهظة لأن اختصاصهم بنعمٍ لم ينعم بها على غيرهم يوجبُ ذلك، وفيه رائحةٌ من الاعتزال.
قوله: (الباهظة) أي: المثقلة، يقال: بهظه الحملُ: أثقله.
قوله: (أي: تسبيحهم متصل دائم)، تفسيرٌ لقوله (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) ويجوز أن يكون ذلك بياناً للجملة الأولى، قال الزجاج: (لا يَفْتُرُونَ): لا يشغلهم عن التسبيح رسالةٌ، ومجرى التسبيح منهم كمجرى النفس منا، لا يشغلنا عن النفس شيءٌ، كذلك تسبيحهم دائم.
قوله: (قد آذنت) أي: دل تضمنُ "أمْ" معنى "بَل" على الإضراب عما سبق، كما أعلم تضمنها معنى الهمزة بالإنكار لما بعدها. وأما الإضراب فهو أن الكلام السابق واردٌ في شان طعنهم في النبوات، وما يتصلُ بها على ما سبق، أي: دع هذا النوع من الكلام، وافتح مشرعاً آخر، وهذا دل على أن الأوجه لتفسير اللهو بالولد لما يتلوه من قوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً).
стр. 5274
قبلها والإنكار لما بعدها، والمنكر: هو اتخاذهم (آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) الموتى، ولعمري أن من أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات.
فإن قلت: كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم؟ وكيف وهم أبعد شيء عن هذه الدعوى وذلك أنهم كانوا - مع إقرارهم لله بأنه خالق السماوات والأرض (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)] لقمان: ٢٥ [وبأنه القادر على المقدورات كلها وعلى النشأة الأولى - منكرين البعث ويقولون: من يحيى العظام وهي رميم، وكان عندهم من قبيل المحال الخارج عن قدرة القادر كثانى القديم، فكيف يدعونه للجماد الذي لا يوصف بالقدرة رأسا؟ قلت: الأمر كما ذكرت، ولكنهم بادّعائهم لها الإلهية، يلزمهم أن يدعوا لها الإنشار، لأنه لا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولكنهم بادعائهم لها الإلهية يلزمهم أن يدعوا لها الإنشار)، قال الإمام: لأنهم لما اشتغلوا بعبادتها، ولابد للعبادة من فائدة، وهي الثواب، فإقدامهم على عبادتها يوجب عليهم الإقرار بكونهم قادرين على الحشر والنشر والثواب والعقاب. وكذلك قال القاضي.
والذي أقولُ - والعلمُ عند الله-: أن سبيل قوله تعالى: (أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ) مع الكلام السابق سبيل قوله تعالى: (هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ) [الروم: ٤٠]؛ ولذلك قُيد بقوله: (مِنْ الأَرْضِ)، وذلك أن معنى قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) كما مر: إنما خلقناهما لنجعلهما مساكن المكلفين وأدلةً لهم على المعرفة ووجوب الطاعة، والاحتراز عن المعصية، ثم بعد ذلك لابد من البعث والحشر (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ) [يونس: ٤]، الآية، يعني: ينبغي أن يكون الإله كما وصفناه، وألا لا يستقيم ولا يصح أن يكون إلهاً، ثم نزل من ذلك، وقال: دع ذلك كله، فالذي اتخذوه إلها هل يصح
стр. 5275
يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور، والإنشار من جملة المقدورات. وفيه باب من التهكم بهم والتوبيخ والتجهيل، وإشعار بأنّ ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده، لأنّ الإلهية لما صحت صحّ معها الاقتدار على الإبداء والإعادة. ونحو قوله (مِنَ الْأَرْضِ) قولك: فلان من مكة أو من المدينة، تريد: مكياً أو مدنىياً. ومعنى نسبتها إلى الأرض: الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد في الأرض: لأنّ الآلهة على ضربين: أرضية وسماوية. ومن ذلك حديث الأمة التي قال لها رسول الله ﷺ : «أين ربك»؟ فأشارت إلى السماء، فقال "إنها مؤمنة" لأنه فهم منها أنّ مرادها نفي الآلهة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن يُطلق عليه ما يتم به أمر الإلهية، وهو إثابة مطيعها وعقاب عاصيها؟ لأن مصحح المعبودية الحشرُ والنشرُ.
يدل على التنزيل قوله تعالى بعد ذلك: (أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) يعني: اترك ذلك، ألهم آلهةُ يقدرون على إثباتها بدليل من السمع والعقل، فـ"هم"- في قوله تعالى: (هُمْ يُنشِرُونَ) -: للدلالة على قوة أمرهم فيما أُسند إليهم، لا على الاختصاص، لما قُلنا: أن لابد للمعبود من الإثابة العقاب. قال محيي السنة: ولا يستحق الإلهية إلا من يقدر على الإحياء والإيجاد من العدم والإماتة، والإنعام بأبلغ وجوه النعم.
قوله: (وفيه بابٌ من التهكم بهم، والتوبيخ والتجهيل)، يعني: أنهم إذا كانوا غير قادرين على أن يحييوا ويُميتوا ويضروا وينفعوا فبأي عقلٍ يجوزُ أن يتخذوا آلهةً؟
قوله: (ومن ذلك حديثُ الأمة)، وهو ما روى معاويةُ بن الحكم، قال: أتيتُ رسول الله ﷺ فقلت: ن جاريةً لي كانت ترعى غنماً لي، فجئتها وقد فُقدت شاةٌ من الغنم، فسألتها عنها فقالت: أكلها الذئبُ، فأسفتُ عليها، وكنتُ من بني آدم فلطمتُ وجهها وعليَّ رقبةٌ، فأعتقها؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "أين الله؟ "، فقالت: في السماء. فقال: "من أنا؟ "، فقالت: أنت رسول الله صلى الله لعيه وسلم، فقال: "أعتقها". هذا لفظُ مالك، وقد أخرجهُ مسلمٌ
стр. 5276
الأرضية التي هي الأصنام، لا إثبات السماء مكانا لله . ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض، لأنها إمّا أن تنحت من بعض الحجارة، أو تعمل من بعض جواهر الأرض.
فإن قلت: لا بدّ من نكتة في قوله (هُمْ)؟ قلت: النكتة فيه إفادة معنى الخصوصية، كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة لا يقدر على الإنشار إلا هم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأبو داود والنسائي من حديث طويل كلهم عن معاوية بن الحكم ﵁، إلا مالكاً، فإنه أخرجه عن هلال بن أسامة.
قوله: (كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة لا يقدر على الإنشار إلا هم)، والنُكتةُ فيه تتميمُ معنى التهكم والمبالغةُ فيه، قال في "الانتصاف": وفيه نظرٌ؛ لأن أداة الحصر مفقودة، وليس من قبيل: صديقي زيدٌ؛ فن المبتدأ في الآية أخص شيء؛ لأنه ضميرٌ. وعندي أن فائدة "هم": الإيذانُ بأنهم لم يتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون، و"هم": استئنافٌ، كأنه قال: أم اتخذوا آلهةً من الأرض مع الله فهم إذن ينشرون، إذ هو لازمُ قولهم، ومما يوضحه دليلُ التمانع الذي اقتبس من نور هذه الآية.
وقلتُ: ليس لصاحب "الانتصاف" أن يشرع معه في البحث عن خواص التراكيب؛ لأنه ليس من رجاله. قال المصنف في "الفرقان": "هذا الفعلُ- أعني (اتَّخَذَ) - يتعدى إلى مفعولٍ واحد كقولك: اتخذ ولياً"، وإلى مفعولين كقولك: اتخذ فُلاناً ولياً"، فهنا إن جُعل متعدياً إلى مفعولين، وأُحلق بباب أفعال القلوب مثلاً، لاستقامة الحمل في الآية، وفي أمثال وفي قوله: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) [النساء: ١٢٥] بأن يقال: (مِنْ الأَرْضِ) صفةٌ لـ (آلِهَةً)، والخبر: (يُنشِرُونَ)، كان (هُمْ) ضمير فصل فيفيد التخصيص، وإن جُعل متعدياً إلى مفعولٍ واحد، وجُعل (مِنْ الأَرْضِ) ثاني مفعوليه، كان (هُمْ يُنشِرُونَ)
стр. 5277
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من قبيل: أنا عرفتُ وهو عرفَ، في إفادة معنى التخصيص، ثم الذي عليه السياق الدلالة على قوة أمرهم فيما أُسند إليهم، لا الاختصاص كما سبق. وليتصل دليلُ التمانع به، أي اتخذوه إلها لا يصح أن يُطلق عليه ما يتم به أمر الإلهية، ويسند إليه ذلك على الحقيقة، ثم قيل: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا)، يعني: لو فُرض ذلك وقُدر كما يُقدرُ المحالاتُ لانقلبت تلك الفائدة- التي ذكرناها في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ)؛ لأن ضمير التثنية عائدٌ ليهما- مفسدةً، وذهب كل غله بما خلق. والفائدة أن جعلها مساكن المكلفين، وأدلةً على المعرفة، وجوب الطاعة، والاحتراز عن المعصية؛ ليجزيهم بالثواب والعقاب، قال الله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ) [الزمر: ٢٩]، وإليه أشار المصنفُ بقوله: "لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين" إلى قوله: "وهذا ظاهرٌ"، ولاحتمال الغير قال: "وأما طريقةُ التمانع فللمتكلمين فيها تجاول"، أي: ليس من اقتضاء المقام.
ثم فرع على بيان التوحيد قوله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) كما فرعَ فيما سبق على النبوة قوله: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا)؛ ولذلك فسره بقوله: "سبحاننا أن نتخذ الله واللعب".
ثم المطلوبُ في التنزيه إما تنزيهُ ذاته عن جميع ما ينسبُ غليه أهلُ الشرك، فهو المراد من قوله: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ) وإما تنزيه ذاته عن جميع ما يتوهمه المتوهمون من نسبة القبائح إليه قياساً على المشاهد، فهو المراد من قوله: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) يدل عليه قوله: "عادةُ الملوك والجبابرة أن لا يسألهم من في مملكتهم"، يعني: لا يجو أن تُسأل الملوك ما يجوز ان يُسأل عنه غيرهم، ويرد عليهم تهيباً وجلالةً. وهذا المعنى مناسبٌ لقول
стр. 5278
وحدهم. وقرأ الحسن "يُنْشِرُونَ" وهما لغتان: أنشر الله الموتى، ونشرها.
(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) [الأنبياء: ٢٢].
وصفت (آلهة) ب (إلا) كما توصف "بغير"، لو قيل "آلهة غير الله". وإن قلت: ما منعك من الرفع على البدل؟ قلت: لأنّ «لو» بمنزلة «إن» في أنّ الكلام معه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصنف في قوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ): "كما تُسوي الجبابرة سقوفهم وفرشهم"، فسبحان الذي دقت حكمته في كلامه، وعظمت جلالته في مُلكه وملكوته.
قوله: (لأن "لو" بمنزلة "إنْ")، رُوي عن المصنف: "لوْ" بمعنى "إن" الشرطية في أن الغرض محضُ الملازمة. وقال ابن الحاجب: "لوْ" بمنزلة "إنْ" في أن الكلام معه موجب؛ لأن النفي المعنوي لا يجري مجرى الني اللفظين ألا ترى أنك تقولُ: أبي القوم إلا زيداً، بالنصب ليس إلا؟ ولو كان النفي المعنوي كاللفظي لجاز: أتى القوم إلا زيدٌ، وكان المختار، وهاهنا أولى؛ إذ النفيُ في "أتى" محققٌ غير مقدر، وفي "لو" مقدرٌ ما بعدها الإثبات.
وقال صاحب "الكشف": ومما يدل على بطلان القول بالبدل هو أن قولك: ما جاءني في القوم إلا زيدٌ، ونحوه، مما يكون ما بعد "إلا" بدلاً مما قبلها عائدٌ إلى الإثبات، فمعنى: ما جاءني القوم إلا زيدٌ: جاءني زيدٌ، فكذلك هاهنا: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) لو كان بدلاً لكان معناه: لو ان فيهما الله لفسدتا، وهذا فاسدٌ، فثبت أن قوله: (إِلاَّ اللَّهُ) بمنزلة الوصف لآلهة.
وقال المالكي في "شرح التسهيل": ولا يجوز أن يُجعل (اللَّهُ) بدلاً؛ لأن من شرط البدل في الاستثناء صحةُ الاستغناء به عن الأول، وذلك ممتنعُ بعد "لو"، كما يمتنعُ بعد
стр. 5279
موجب، والبدل لا يسوّغ إلا في الكلام غير الموجب، كقوله تعالى (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ)] هود: ٨١ [وذلك لأنّ أعم العامّ يصح نفيه ولا يصح إيجابه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"إن"؛ لأنهما حرفا شرط، والكلامُ معهما موجبٌ. ولذلك قال سيبويه: "لو قلت: لو كان معنا إلا زيدٌ لهلكنا، لكنت قد أحلتَ"، أي: أتيت بممنوع، فصح قول سيبويه أن "لو" لم تُفرغ العامل من بعدها لما بعد "إلا" كما فُرغ بعد النفي، وإن كان ما تدل عليه من الامتناع شبيهاً بالنفي، ولو كانت بذلك مستحقةً لتفريغ ما يليها من العوامل لكانت مستحقةً لغير ذلك مما يختص بحروف النفي، كزيادة "مِن" في معمول ما يليها وإعماله في "أحد".
قال السيرافي شارحاً لقول سيبويه: "لكنت قد أحلت"؛ لأنه يصير المعنى: لو كان معنا زيدٌ لهلكنا؛ لأن البدل بعد "إلا" موجبٌ، وكذا: لو كان فيهما الله لفسدتا، وهذا فاسدٌ. وحكى ابن السراج أن أبا العباس المبرد قال: لو كان معنا إلا زيدٌ أجودُ كلامٍ وأحسنهُ، وكلام المبرد في "المقتضب" مثلُ كلام سيبويه، وأن التفريغ والبدل بعد "لو" غيرُ جائز. انتهى كلامه.
قوله: (وذلك لأن أعم العام يصح نفيه، ولا يصح إثباته)، قيل: مراده أن الاستثناء من أعم العام في طرف النفي غير ممتنع، وفي طرف الإثبات ممتنع؛ يجوز أن تقول: ما في الدار أحدٌ إلا زيدٌ، ولا يصحٌُّ: كان في الدار إلا زيداً، أي: في الدار جميعُ الأشياء إلا زيدٌ. وقال أبو البقاء: لا يجوز نصبُ "غير" على الاستثناء لوجهين، أحدهما: أنه فاسدٌ في المعنى، وذلك أنك إذا قلت: لو جاءني القومُ إلا زيداً لقتلتهم، كان معناه: أن القتل امتنع لكون زيدٍ مع
стр. 5280
والمعنى: لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة شتى غير الواحد الذي هو فاطرهما لفسدتا. وفيه دلالة على أمرين، أحدهما: وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحدا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القوم، فلو نصبت في الآية لكان المعنى: أن فساد السماوات والأرض امتنع لوجود الله مع الآلهة، وفي ذلك إثباتُ إلهٍ مع الله تعالى، وإذا رفعت على الوصف لا يلزم مثل ذلك؛ لأن المعنى: لو كان فيهما آلهةٌ غير الله لفسدتا. والوجه الثاني: أن (آلِهَةٌ) هنا نكرةٌ، والجمعُ إذا كان نكرةً لم يستثن منه عند جماعةٍ من المحققين؛ لأنه لا عموم له بحيث يدخلُ فيه المستثنى لولا الاستثناء.
وإلى هذا يشير ابن الحاجب بقوله: لو كان معنى قوله: (إِلاَّ اللَّهُ) معنى الاستثناء، لجاز أن يقول: إلا الله بالنصب، ولا يستقيم المعنى؛ لأن الاستثناء إذا سُكتَ عنه دخل ما بعده فيما قبله؛ ألا ترى أنك لا تقولُ: جاءني رجالٌ إلا زيداً؟ فكذلك لا يستقيم أن تقول: لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لفسدتا.
قوله: (وفيه دلالة على أمرين) إلى آخره وقال صاحب "الفرائد": قوله: "وجوب ألا يكون مدبرهما إلا واحداً"، منظورٌ فيه من وجهين، أحدهما: أن من نفي الجماعة لا يلزم منه نفي الاثنين ولا الواحد، فكيف يلزم من نفي الآلهة وجوب التدبير للواحد؟ والثاني: لا يلزم من هذا التركيب كونه تعالى مدبراً، وإنما يلزم أن يكون منتفياً، كما انتفت الآلهة.
والجواب: أنه لما تقرر أن هذه الآية متصلة بقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) وأن قوله: (أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ) إنكارٌ عليهم، وتسجيلٌ على قلة نظرهم في تلك الدلائل، كان قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) برهاناً على تلك الدعوى، فالرد واردٌ على اتخاذهم الآلهة، فلايعمل بالمفهوم، كما في قوله تعالى: (لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً) [آل عمران: ١٣٠]، ولأنه قد سبق أن المراد بالفساد فسادُ أمر المكلفين وعدم تمكنهم منا لعبادة التي ما خلقت السماوات والأرض إلا لأجلها،
стр. 5281
والثاني: أن لا يكون ذلك الواحد إلا إياه وحده، لقوله (إِلَّا اللَّهُ).
فإن قلت: لم وجب الأمران؟ قلت: لعلمنا أنّ الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف. وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واستشهدنا بقوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ) [الزمر: ٢٩] الآية. ولكونه بُرهاناً على تلك الدعوى، ورداً على المشركين جمع الآلهة ولم يقل: لو كان فيهما إلهٌ، ولزم من إشارة النص على طريقة الإدماج المشار إليه بقوله: "وفيه دلالةٌ على أمرين" التوحيدُ؛ لان هذا الفساد كما يلزمُ من المجموع يلزمُ من الاثنين، ولذلك أورد السؤال: "لِم وجب الأمران وأجاب: "لعلمنا أن الرعية تفسدُ بتدبير الملكين"ن وأما لزوم التدبير من هذا التركيب فمن إيقاع (فِيهِمَا) ظرفاً لـ (آلِهَةً)، على منوال قوله: (هُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ) [الزخرف: ٨٤]، وقوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ) [الأنعام: ٣]، ولأن اسمه الجامع حاملٌ للمعاني الإلهية كما نقل الأزهري عن أبي الهيثم: لا يكونُ إلها حتى يكون معبوداً، وحتى يكون لعباده خالقاً ورازقاً ومدبراً وعليه مقتدراً، فمن لم يكن كذلك فليس بإله.
قوله: (حين قُتِلَ عمرو بن سعيد)، وفي "التاريخ الكامل": هو عمرو بن سعيد بن أبي العاص بن أمية الأشدق. وأما عبد الملك فهو ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص. وكانت أمُّ عمرو أم البنين بنتُ الحكم عمة عبد الملك. وكان سبب قتله على ما رواه أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوريُّ في "الأخبار الطوال"، أن عبد الملك لما ملك خرج عليه عمرو بن سعيد، ثم اصطلحا على أن يكونا مشتركين في المُلك، وأن يكون اسم الخلافة لعبد الملك، وعمروٌ بعده يلي أمر الخلافة، وكتبا بذلك كتاباً وأشهدا أشراف أهل الشام عليه،
стр. 5282
الأشدق: "كان والله أعزّ علىّ من دم ناظري، ولكن لا يجتمع فحلان في شول" وهذا ظاهر.
وأمّا طريقة التمانع فللمتكلمين فيها تجاول وطراد،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكان روحُ بن زنباع من أخص الناس بعبد الملك، فقال له وقد خلا به: يا أمير المؤمنين، هل من رأيك الوفاءُ بعمرو؟ فقال: ويحك يا ابن زنباع! وهل اجتمع فحلان على هجمةٍ قطُّ إلا قتل أحدهما صاحبه؟ فدخل يماً عمرو على عبد الملك وقد استعد للغدر بهن فأُخذ وذُبح ذبحاً، فأحس أصحابه فتنادوا، وكان عبد الملك قد هيأ خمسين صُرةً، فأمر بها فألقيت إليهم مع رأسه، فترك أصحابه الرأس وأخذوا الصرر وتفرقوا. وفي ذلك يقولُ قائلهم:
غدرتم بعمرو آل مروان ضلةً … ومثلكم يبني البيوت على الغدر
وما كان عمرو عاجزاً غير أنه … أتته المنايا بغتةً وهو لا يدري
أن بني مروان إذ يقتلونه … بُغاثٌ من الطير اجتمعن على صقر
الهجمةُ من الإبل: أولها الأربعون إلى ما زادت.
قوله: (الأشدق). الجوهري: الشدقُ: جانبُ الفم، والجمعُ: الأشداقُ. والشدقُ بالتحريك: سعةُ الشدق، يقال: خطيبٌ أشدقُ، بيِّنُ الشدق. والشولُ: النوقُ التي قل لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعةُ أشهرٍ وثمانية، والواحدةُ: شائلةٌ، وهو جمعٌ على غير قياس.
قوله: (وأما طريقة التمانع فللمتكلمين فيها تجادل وطراد)، ويُروى: "تجاولٌ"، من الجولان، وهو أنسبُ لصنعةِ مراعاة النظير بين التمانع والتجاول والطراد. قال الإمام: قال المتكلمون: القول بوجود إلهين يُفضي إلى المحال؛ لأنا لو فرضنا إلهين، ولابد أن يكون كل واحدٍ منهما قادراً على كل المقدورات، فلو فرضنا أن أحدهما أراد تحريك زيد، والآخر تسكينه، فإما أن يقع المرادان وهو محالٌ أو لا يقع مراد ٌواحدٌ منهما وهو محالٌ؛ لأن المانع من وجود مُرادِ كل واحدٍ منهما مرادُ الآخر فلا يمتنعُ مرادُ هذا إلا عند وجود مراد ذلك
стр. 5283
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبالعكس، فلو امتنعا معاً لوُجدا معاً، وذلك محالٌ، أو يقع مرادُ أحدهما دون الآخر، وذلك أيضاً محالٌ؛ لأنه إذا وقع مراد أحدهما دون الآخر، فالذي وقع مراده يكون قادرا، والآخر عاجزاً، والعجز نقصٌ، وهو على الله تعالى مُحال.
فإن قيل: الفسادُ إنما يلزمُ عند اختلافهما في الإرادة، وأنتم لا تدعون وجوب اختلافهما، بل أقصى ما تدعونه أنه ممكن، فكان الفسادُ ممكناً لا واقعاً، فكيف جزم الله تعالى بوقوع الفساد؟
قُلنا: الجواب من وجهين، أحدهما: لعله تعالى أجرى الممكن مُجرى الواقع بناءً على الظاهر، ولعل مراد المصنف من قوله: "وهذا ظاهرٌ" هذا. وثانيهما: أنا لو فرضنا إلهين لكان كل واحدٍ منهما قادرً على جميع المقدورات فيفضي إلى وقوع مقدور عن قادرين مستقلين من وجه واحد، وهو محالٌ؛ لأن إسناد الفعل إلى الفاعل إنما كان لإمكانه، فإذا كان كل واحدٍ منهما مستقلاً بالإيجاد فالفعلُ لكونه مع هذا يكون واجب الوقوع فيستحيلُ استناده إلى هذا، لكونه حاصلاً منهما جميعاً، فيلزم استغناؤه عنهما، احتياجه إليهما معاً. وهذه الحجةُ قائمةٌ في مسألة التوحيد، فثبت أن القول بوجود إلهين يُفضي إلى امتناع وقوع المقدور لواحدٍ منهما، فلا يقع البتة، فيلزمُ وقوعُ الفساد.
وقال صاحبُ "الانتصاف": دليلُ التمانع الذي يقتبس من نور هذه الآية أن يقال: لو فُرضَ وجودُ إلهين فإما أن يتم لكل واحدٍ منهما القدرة على ما يشاء، أو لا يتم لواحدٍ منهما، أو لأحدهما دون الآخر، وأدقُّ الأقسام إبطالا ًأن يكونا قادرين، فاقتصر في الكتاب العزيز عليه.
стр. 5284
ولأنّ هذه الأفعال محتاجة إلى تلك الذات المتميزة بتلك الصفات حتى تثبت وتستقرّ.
(لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) [الأنبياء: ٢٣].
إذا كانت عادة الملوك والجبابرة أن لا يسألهم من في مملكتهم عن أفعالهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: "وأما طريقةُ التمانع فللمتكلمين فيها تجاولٌ وطراد" جُملةٌ مستطردة دخلت بين المعطوف والمعطوف عليه؛ لأن قوله: "ولأن هذه الأفعال" معطوفٌ على قوله: "ولعلمنا أن الرعية"، وملزوزٌ به، وبانضمامه معه يتم الجواب قطعاً، والمراد من قوله: "هذه الأفعال" هو خلق السماوات والأرض وما بينهما وما بين يدينا وبحضرتنا من المصنوعات، يدل عليه قوله - فيما مر في تفسير (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ) الآيات-: "أي: ما سوينا هذا السقف المرفوع، وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من أصناف الخلائق" إلى قوله: "اللهو واللعب"، يعني: أن هذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة محتاجةٌ إلى ذات له الحكمة الفائقة والقدرة الكاملة، والعلمُ النافذ حتى تثبت وتستقر: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) [فاطر: ٤١].
قوله: (بتلك الصفات) متعلقٌ بقوله: "المتميزة"، قيل: فيه إشارة إلى مذهبه، وهو أن ذاته تُساوي سائر الذوات في كونه ذاتاً؛ إذ المعنى بالذات: مايصح أن يُعلم ويُخبر عنه، وهو مشتركٌ، ويخالفه الأحوال الأربعة: الحيةُ، والواجبية، والعالمية، والقادرية، وهذا قول أكثر المعتزلة، وأثبت أبو هاشم حالةً خامسةً، وهي علةٌ للأحوال الأربعة مميزةٌ للذات، وأما أهل السنة والجماعة فيقولون: ذاته المقدس تخالف سائر الذوات في كونه ذاتاً، أي: حقيقة لا تماثل غيرهن ويمنعون أن يقال: معنى الذات: ما يصح أن يُعلم ويُجبر عنه؛ لجواز
стр. 5285
وعما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم، تهيبا وإجلالا، مع جواز الخطإ والزلل وأنواع الفساد عليهم - كان ملك الملوك وربّ الأرباب خالقهم ورازقهم أولى بأن لا يسئل عن أفعاله، مع ما علم واستقرّ في العقول من أن ما يفعله كله مفعول بدواعى الحكمة، ولا يجوز عليه الخطأ ولا فعل القبائح.
(وَهُمْ يُسْئَلُونَ) أى هم مملوكون مستعبدون خطاؤون، فما خلقهم بأن يقال لهم: لم فعلتم؟ في كل شيء فعلوه.
(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ) [الأنبياء: ٢٤].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن يكون هذا المفهوم أمراً عارضاً لما صدق عليه، واشتراكُ العوارض لايستلزمُ اشتراك المروضات وتماثلها، وتحقيق هذه المسألة في الكتب الكلامية.
قوله: (مفعولٌ بدواعي الحكمة). الانتصاف: ما أقبح هذا في حق الله تعالى! فالدواعي والصوارفُ تُستعملُ في أفعال المحدثين. وقوله: "ولا يجوزُ عليه فعلُ القبائح"، لقد نسيت.
وما بالعهد من قدم
حيثُ يجعلُ مع الله شريكاً في خلق الأفعال، وغيرهم أشركوا الملائكة، وهؤلاء أشركوا أنفسهم والجن والحيوانات، نعوذُ بالله تعالى من ذلك.
قوله: (هم مملوكون مُستعبدون خطاؤون) يُشير إلى أن قوله: (وَهُمْ يُسْأَلُونَ) كنايةٌ عن هذا المعنى؛ لأن من يسألُ عنه: لم فعلتَ؟ لم يكن إلا مقهوراً خطاءً، وبضده إذا لم يُسأل عنه ما فعل.
стр. 5286
كرّر (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) استفظاعا لشأنهم واستعظاما لكفرهم، أى: وصفتم الله تعالى بأنّ له شريكا، فهاتوا برهانكم على ذلك: إمّا من جهة العقل، وإمّا من جهة الوحى، فإنكم لا تجدون كتابا من كتب الأوّلين إلا وتوحيد الله وتنزيهه عن الأنداد مدعوّ إليه، والإشراك به منهى عنه متوعد عليه.
أى (هَذَا) الوحى الوارد في معنى توحيد الله ونفى الشركاء عنه، كما ورد علىّ فقد ورد على جميع الأنبياء، فهو ذكر: أى عظة للذين معى: يعنى أمّته، وذكر للذين من قبلي: يريد أمم الأنبياء ﵈. وقرئ "ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي" بالتنوين. و"من" مفعول منصوب بالذكر كقوله (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً) [البلد: ١٤ - ١٥] وهو الأصل، والإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول كقوله: (غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) [الروم: ٣].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كرر (أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً)، أي: قال: "أم اتخذوا آلهةً من الأرض هم ينشرون" ثم عاد إلى هذا القول استفظاعاً لشأنهم، يعني: خلقنا السماء والأرض لداعي المعرفة والعبادة، ثم الجزاء، وهم اتخذوا آلهةً ليس من شأنها ذلك، بل اتخذوا من لم يُنزل فيه سلطاناً، فانظروا إلى هذا الأمر الفظيع.
وقلتُ: وليكون وسيلةً إلى الرجوع إلى ما سبق الكلام له، وهو قوله تعالى: (هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي)، ثم قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ) الآية، ثم في مجيء هذا، والإضراب بقوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ) إلى آخر الآية تتميمٌ لذلك الاستفظاع ومبالغةٌ فيه، فقوله: (هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) نفيُ البرهان من جهة الوحي، وقوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ) نفيُ البرهان من جهة العقل، وقوله: (فَهُمْ مُعْرِضُونَ) مسببٌ لفقدان دليل العقل، وإليه الإشارة بقوله: "فمن ثم جاء هذا الإعراضُ".
قوله: (متوعدٌ عليه فيه) الضمير في "فيه" راجعٌ إلى قوله: "كتابا"، وقوله: "مدعو "ومنهيٌّ" و"متوعد"، قد تنازعت في الظرف.
стр. 5287
وقرئ (مَنْ مَعِيَ) و"مَنْ قَبْلِي" على "من" الإضافية في هذه القراءة. وإدخال الجار على «مع» غريب، والعذر فيه أنه اسم هو ظرف، نحو: قبل، وبعد، وعند، ولدن، وما أشبه ذلك، فدخل عليه «من» كما يدخل على أخواته. وقرئ: "ذكر معى وذكر قبلي". كأنه قيل: بل عندهم ما هو أصل الشرّ والفساد كله وهو الجهل وفقد العلم، وعدم التمييز بين الحق والباطل، فمن ثم جاء هذا الإعراض، ومن هناك ورد هذا الإنكار. وقرئ «الحق» بالرفع على توسيط التوكيد بين السبب والمسبب. والمعنى: أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على "مِن" الإضافية)، قال ابن جني: "هذا ذكرٌ من معي وذكرٌ من قبلي" بالتنوين، وكسرُ الميم من "مِن" هي قراءة يحيى بن يعمُرَ وطلحة بن مُصرف. وهذا أحدُ ما يدل على أن "مع" اسمٌ. حكى صاحبُ "الكتاب" وأبو زيدٍ ذلك عنهم، يقولُ: جئتُ من معهم، أي: من عندهم، فكأنه قال: هذا ذكرُ من عندي ومن قبلي، أي: جئتُ أنا به كما جاء به الأنبياء من قبلي.
قوله: (وقرئ: "الحقُّ" بالرفع)، قال ابن جني: هي قراءة الحسن وابن محيصن. قال ابن جني وصاحب "المرشد": يجوز حينئذ الوقفُ على قوله: (لا يَعْلَمُونَ)، ويُبتدأ "الحق" بمعنى: هو الحقن والوقف التام عند قوله: (مُعْرِضُونَ).
وقُلتُ: فعلى هذا (لا يَعْلَمُونَ) مطلقٌ من قبيل: فلانٌ يعطي ويمنع؛ ولذلك عبر عنه بالجهل. وقوله: "وهو الحقُّ" معترضٌ بين السبب والمسبب لتأكيد هذا الحكم، فإذا وقف على (مُعْرِضُونَ) كان الوقفُ تاماً من حيث المعنى؛ لأن السبب والمسبب كالشيء الواحد. وإذا وقف على (لا يَعْلَمُونَ) كان جائزاً من حيث اللفظ، فقول المصنف: "أن إعراضهم بسبب الجهل"، كلامٌ تامٌ، وقوله: "هو الحقُّ" توكيدٌ له، فهو وزان قوله: هذا عبد الله الحق
стр. 5288
إعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا الباطل. ويجوز أن يكون المنصوب أيضا على هذا المعنى، كما تقول: هذا عبد الله الحق لا الباطل.
(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: ٢٥].
(يوحى) و (نُوحِي): مشهورتان. وهذه الآية مقرّرة لما سبقها من آي التوحيد.
(وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩].
نزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة بنات الله. نزه ذاته عن ذلك، ثم أخبر عنهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا الباطلُ، فلا تعلق لقوله: "بسبب الجهل" بقوله: "إعراضهم" ليُجعل الخبر "هوا لحق"، وقول من قال: الحكم بأن إعراضهم بسبب الجهل حقٌّ، يُحملُ على تلخيص المعنى كما مر آنفاً أن قوله: هو الحق معترضٌ لتأكيد الحكم، لا أنه عمد به إلى أن يبين تعلق قوله: "بسبب الجهل" بقوله: "بإعراضهم" كما توهم.
قوله: ("يوحى، و (نُوحِي))، بالنون: حفصٌ وحمزة والكسائي، والباقون: بالياء.
قوله: (وهذه الآية مقررةٌ لما سبقها من آي التوحيد)، وقلت: قد مر مراراً أن السورة نازلةٌ في شأن النبوة وما يتعلق بها، وكلما فرغ من الكلام كرَّ إلى ما سيق له الكلام ليتعلق به نوعٌ آخر، فلما قيل: " (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ) وعلق به منشور التوحيد، وتوقيع (لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا)، جُعل ذريعةً وتخلصاً إلى قوله: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً).
стр. 5289
بأنهم عباد والعبودية تنافى الولادة، إلا أنهم (مُكْرَمُونَ) مقرّبون عندي مفضلون على سائر العباد، لما هم عليه من أحوال وصفات ليست لغيرهم، فذلك هو الذي غرّ منهم من زعم أنهم أولادى، تعاليت عن ذلك علوا كبيرا. وقرئ "مكرّمون". و"لا يَسْبِقُونَهُ" بالضم، من: سابقته فسبقته أسبقه. والمعنى: أنهم يتبعون قوله ولا يقولون شيئا حتى يقوله، فلا يسبق قولهم قوله. والمراد: بقولهم، فأنيب اللام مناب الإضافة، أى لا يتقدّمون قوله بقولهم، كما تقول: "سبقت بفرسي فرسه"، وكما أنّ قولهم تابع لقوله، فعملهم أيضا كذلك مبنى على أمره: لا يعملون عملا ما لم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مَن زعَمَ): مفعولُ "غَرَّ"، و"منهم": بيانُ "مَن"، أو: للتبعيض، وهو مفعولُ "غَرَّ"، و"مَن زعَمَ": بدلٌ منه.
قوله: (مُفضلون على سائر العباد)، قال في "الانتصاف": جعل الزمخشري القرآن تبعاً لرأيه، وليس غرضُنا إلا بيان ذلك خاصة، فإن لفظ (مُكْرَمُونَ) لا يفيدُ إلا إكراماً مطلقاً. أما على كونه مفضلين على سائر العباد، أو على بعضهم فلا.
قوله: (أي: لا يتقدمون قوله بقولهم)، قيل: جعل "تقدم" متعدياً إلى واحدٍ وعداه بالباء إلى اثنين، ولم يوجد ذلك في اللغة، لكن يُجعلُ تركيبه بمنزلة نقله. قلتُ: لعل هذا السائل ما نظر إلى قوله في الحجرات: "قدمَه"، وأقدمه: منقولان بتثقيل الحشو والهمزة، مِن: قدمه: إذا تقدمه في قوله تعالى: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ) [هود: ٩٨]، ونظيرهُ معنى ونقلاً: سلفه وأسلفه … "، وأنشد الجوهريُّ للبيد:
فمضى وقدمها … البيت، أي: تقدمها.
قوله: (كما تقولُ: سبقتُ بفرسي فرسه)، قال القاضي: أصلُه: لا يسبقُ قولهم قوله، فنسب السبق إليه تعالى وإليهم، وجعل القول محله وقرينته تنبيهاً على استهجان السبق، وتعريضاً بالقائلين على الله ما لم يقُلهُ، ونحوه قال المصنفُ في قوله تعالى: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ
стр. 5290
يؤمروا به. وجميع ما يأتون ويذرون مما قدّموا وأخروا بعين الله، وهو مجازيهم عليه، فلإحاطتهم بذلك يضبطون أنفسهم، ويراعون أحوالهم، ويعمرون أوقاتهم. ومن تحفظهم أنهم لا يجسرون أن يشفعوا إلا لمن ارتضاه الله وأهله للشفاعة في ازدياد الثواب والتعظيم، ثم إنهم مع هذا كله من خشية الله (مُشْفِقُونَ) أى متوقعون من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يدي اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [الحجرات: ١]: هو تمثيلٌ، وفيه تصويرُ الهُجنةِ والشناعةِ فيما نهُهوا عنهُ من الإقدام على أمرٍ من الأمور دون الاحتذاء على الكتاب والسُّنة.
قوله: (بعين الله)، أي: بمراقبة الله، وهو حالٌ، وقال في طه: (عَلَى عَيْنِي) [طه: ٣٩] أي: أنا أراقبُك كما يُراقبُ الرجلُ الشيء بعينه: إذا اعتنى به.
قوله: (فلإحاطتهم بذلك)، معناه: بسبب إحاطة الملائكة بأن الله تعالى مراقبٌ لأحوالهم كلها، وأنه يعلمُ ما بين أيديهم وما خلفهم يضبطون جميع أحوالهم، وبعضُ ذلك الضبط أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، فدل هذا الكلام على أن قوله تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ) عطفٌ على محذوفٍ هو مسببٌ عن جملة قوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ)، وأن ذلك المحذوف عامٌّ في جميع ما يجب أن يُراعى ويحفظ من الأحوال، وقوله: (وَلا يَشْفَعُونَ) بعض منها، وإليه الإشارة بقوله "يضبطون أنفسهم، ويراعون أحوالهم ويعمرون أوقاتهم"، فقوله: (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) تتميمٌ في غاية الحُسن لضبط أنفسهم، ورعاية أحوالهم كلها سابقها ولاحقها؛ ولذلك قال: "من أمارةٍ ضعيفةٍ كائنون على حذر"، وعن بعضهم، أي: يقولون: لعلنا نقصرُ في عبادة الله، والمؤمنون متوقعون من أمارة قوية لكثرة ذنوبهم. وفيه أن الصغيرة جائزةٌ للتعذيب.
قوله: (للشفاعة في ازدياد الثواب والتعظيم)، مذهبه.
следующие страницы →