Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.
стр. 5356
إلى طلباتهم إلا لمبادرتهم أبواب الخير ومسارعتهم في تحصيلها كما يفعل الراغبون في الأمور الجادون. وقرئ "رَغَباً وَرَهَباً" بالإسكان، وهو كقوله تعالى (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ) [الزمر: ٩].
(خاشِعِينَ) قال الحسن: ذللا لأمر الله. وعن مجاهد: "الخشوع" الخوف الدائم في القلب. وقيل: متواضعين. وسئل الأعمش فقال: أما إنى سألت إبراهيم فقال: ألا تدرى؟ قلت: أفدنى. قال: بينه وبين الله إذا أرخى ستره وأغلق بابه، فلير الله منه خيرا، لعلك ترى أنه أن يأكل جشنا ويلبس خشنا ويطأطئ رأسه.
(وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء: ٩١].
(أَحْصَنَتْ فَرْجَها) إحصانا كليا من الحلال والحرام جميعا كما قالت: (وَلَمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فلير الله منه خيراً)، أي: يكونُ على حالةٍ يرى الله منه بها خيراً، على نحو: لا أرينك هاهنا.
قوله: (لعلك ترى)، أي: لعلك تظن أن الخشوع أكل الخشن ولبس المسوح وتطاطُؤ الرأس عند الملأ من الناس، لا، بل الخشوع بأن يُعامل مع الله في الخلوة بالإخلاص.
قوله: (جشباً)، بالجيم والباء الموحدة. الجهري: طعامٌ جشبٌ ومجشوبٌ، أي: غليظٌ خشن، ويقال: هو الذي لا أُدم معهُ.
قوله: ((أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا))، أي: اذكُر التي أحصنت فرجها إحصاناً كُلياً من الحلال والحرام جميعاً، هذه المبالغة يعطيها معنى عطف هذا المذكور على ما قبله من أسماء الأنبياء ﵈، ثم التعبير عن اسمها بهذه الصفة المختصة بها على الكناية.
قال صاحب "المفتاح": إذا اتفق في صفة من الصفات اختصاص بموصوفٍ معينٍ
стр. 5357
يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) [مريم: ٢٠]. فإن قلت: نفخ الروح في الجسد عبارة عن إحيائه. قال الله تعالى (فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) [الحجر: ٢٩] أى: أحييته. وإذا ثبت ذلك كان قوله (فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا) ظاهر الإشكال، لأنه يدل على إحياء مريم. قلت: معناه نفخنا الروح في عيسى فيها، أى: أحييناه في جوفها. ونحو ذلك أن يقول الزمار: نفخت في بيت فلان، أى: نفخت في المزمار في بيته. ويجوز أن يراد: وفعلنا النفخ في مريم من جهة روحنا وهو جبريل ﵇، لأنه نفخ في جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها.
فإن قلت: هلا قيل آيتين كما قال (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ) [الإسراء: ١٢]؟ قلت: لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة، وهي ولادتها إياه من غير فحل.
(إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: ٩٢].
الأمّة: الملة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لعارضٍ فيذكُرُها متوصلاً بها إلى ذلك الموصوف، مثل أن تقول: جاء المضيافُ، وتريد زيداً لعارض اختصاص للمضايف بزيد. ثم في الإتيان بالموصولة مع الصلة الدلالة على مزيد تقرير الإحصان، على نحو قوله: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ) [يوسف: ٢٣]، والإيذانُ بأنها إنما انتظمت في سلك الأنبياء بسبب هذه الخصلة.
قوله: (من جهة رُوحنا، وهو جبريل)، فـ"مِنْ" على هذا: ابتدائية، والإسنادُ مجازيٌّ نحو: بنى الأمير المدينة، والنفخ حقيقةٌ، وعلى أن يُراد بنفخ الروح الإحياء: بيانية، أي: نفخت به ما يحيا به من الروح. وإليه الإشارة: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) [ص: ٧٢]، أي: أحييته، والأسلوب تمثيل، نحو قوله تعالى: (كُنْ فَيَكُونُ) [البقرة: ١١٧].
قوله: (الأمةُ: الملة)، قال صاحب "المُطلِع": الأمةُ: أصلُها القومُ يجتمعون على دينٍ
стр. 5358
(وهذِهِ) إشارة إلى ملة الإسلام، أى: إن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنها، يشار إليها ملة واحدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واحد، ثم اتُّسِعَ فيها حتى قيل للدين: أمةٌ، واشتقاقها من أم: قصد، وهي الملةُ المقصودة، قال تعالى: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) [الزخرف: ٢٣] أي: دينٍ وملة.
قوله: (و (هذه) إشارة إلى ملة الإسلام)، أي: المشارُ إليه ما في الذهنِ كما مضى في قوله تعالى: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) [الكهف: ٧٨]، ولما كان معنى الإشارة هاهنا لأجل أكمل التمييز والتعيين، والمشارُ إليه غير محسوس ومعرفٌ تعريف إضافةٍ للاختصاص، قال: "التي يجبُ أن تكونوا عليها"، أي: هذه الملةُ متعينةٌ لكم، فلا مجال للانحراف عنها.
قوله: (يُشارُ إليها ملةً واحدة)، إشارةٌ إلى أن قوله: (أُمَّةً وَاحِدَةً): حالٌ، والعاملُ: اسمُ الإشارة، نحو قوله تعالى: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً) [هود: ٧٢]، وفيه إيماءٌ إلى أن عامل الحال غير عاملٍ فيها. قال المالكيُّ في "شرح التسهيل": والأكثرُ أن يكون العامل في الحال هو العامل في صاحبها؛ لأنها وإياهُ كالصفةِ والموصوفِ ولكنهما كالمميز والمميز عنهُ، وكالخبر والمخبر عنه، ومعلومٌ أن ما يعمل في المميز والمميز قد يكون واحداً وقد يكون غير واحد، وكذا ما يعملُ في الخبر والمُخبر عنه، فكذا الحالُ وصاحبها، ومثالُ اتحاد العامل في الأبواب الثلاثة: طاب زيدٌ نفساً، وإن زيداً قائمٌ، وجاء زيدٌ راكباً، ومثالُ عدم الاتحاد في الثلاثة: لي عشرون درهما، وزيدٌ منطلقٌ، على مذهب سيبويه، (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)، فـ (أُمَّةً): حالٌ، والعامل فيها: اسم الإشارة، و (أُمَّتُكُمْ): صاحب الحال، والعامل فيها: (َإِنَّ).
وقال ابن جني في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ) [الفتح: ٢٩]: نصب أشداء على الحال، أي: هم معه على هذه الحالة، فتجعلُه حالاً من الضمير في "معه"، ولو جعلته حالاً من (وَالَّذِينَ) كان العامل في الحال غير العامل في صاحبها، كان ذلك جائزاً كقوله تعالى: (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً) [البقرة: ٩١]، وقوله: "يُشار إليها" في الكتاب: حالٌ من الضمير المجرور في "عنها"، وكذا "ملة واحدةً: حالٌ من الضمير المجرور في "يُشارُ إليها".
стр. 5359
غير مختلفة (وَأَنَا) إلهكم إله واحد (فَاعْبُدُونِ) ونصب الحسن "أمّتكم" على البدل من (هذه)، ورفع "أمّة" خبرا. وعنه رفعهما جميعا خبرين (لهذه). أو نوى للثاني مبتدأ، والخطاب للناس كافة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (غير مختلفة)، يريد: قوله: (وَاحِدَةً): صفةٌ مؤكدةٌ لمعنى الوحدة في "ملةً" فيوافقه قوله: (أَنَا رَبُّكُمْ)، ولهذا فسره بقوله: "وأنا إلهكم إله واحد"؛ لأن التركيب مثلُ قولك: أنا أخوك، لمن يعرفُ أخاً له ويعرفُك، لكن لا يعرفُ أنك أخوه.
قوله: (وأنا إلهكم إلهٌ واحد)، تفسيرٌ لقوله: (أَنَا رَبُّكُمْ)، وتخصيصه بالتوحيد لاقتضاء المقام، وعطفه على قوله: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) والفاء في (فَاعْبُدُونِ) لترتب الحكم على الوصف. وأما قضيةُ ترتيب النظم فإن هذه السورة كما مر نازلةٌ في بيان النبوة وما يتعلقُ بها، والمخاطبون: المعاندون من أمة محمدٍ صلوات وسلامه عليه، ولما فرغ من بيان النبوة، وتكريره تقريراً، ومن ذكر الأنبياء مسلياً، عاد إلى خطابهم بقوله: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي هذه الملة التي كررتها عليكم ملةٌ واحدةٌ أختارها لكم فتمسكوا بها وبعبادة الله تعالى والقول بالتوحيد، وهي التي أدعوكم إليها، لتعضوا عليها بالنواجذ؛ لأن سائر الكتب نازلةٌ في شأنها، والأنبياء كلهم مبعوثون للدعوة إليها، ومتفقةٌ عليها، ثم لما عُلم إصرارهم وعنادهم قيل: (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ)، المعنى: الملةُ واحدة، والربُّ واحد، والأنبياءُ متفقون عليها، وهؤلاء البُعداءُ جعلوا أمر الدين الواحد فيما بينهم قطعاً كما تتوزعُ الجماعةُ الشيء الواحد.
قوله: (ونصب الحسنُ "أمتكم")، قال ابن جني: ورويت عن أبي عمرو: "أمتكم أمةٌ واحدةٌ" بالرفع، فتكونُ "أمةٌ واحدةٌ" بدلاً من (أُمَّتُكُمْ)، كقولك: زيدٌ أخوك رجلٌ صالحٌ، ولو قرئ أمتكم بالنصب بدلاً وتوضيحاً لـ (هذه)، ورُفع (أُمَّةً وَاحِدَةً) لأنه خبرُ (إنَّ) كان وجهاً جميلاً حسناً.
стр. 5360
(وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ) [الأنبياء: ٩٣].
والأصل: وتقطعتم، إلا أن الكلام حرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كأنه ينعى عليهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح عندهم فعلهم، ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله. والمعنى: جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا، كما يتوزع الجماعة الشيء ويتقسمونه، فيطير لهذا نصيب ولذاك نصيب، تمثيلا لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتى. ثم توعدهم بأنّ هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، فهو محاسبهم ومجازيهم.
(فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ) [الأنبياء: ٩٤].
"الكفران": مثل في حرمان الثواب، كما أن الشكر مثل في إعطائه إذا قيل لله:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمعنى: جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً)، ضمن "تقطع" معنى "جعل". وقال أبو البقاء: (أَمْرِهِمْ) أي: في أمرهم، أي: تفرقوا. وقيل: عدى تقطعوا بنفسه؛ لأنه بمعنى قطعوا، أي: فرقوا.
قوله: (فيطير لهذا نصيبٌ)، يقالُ: طار له سهمٌ، أي: أسرع وخف، وأصله من التطير بالسانح والبارح للحظ والنصيب والخيبة والحرمان.
قوله: (تمثيلاً لاختلافهم)، مفعولٌ له لقوله: "ينعي عليهم".
قوله: (الكفران)، مثلٌ في حرمان الثواب، يدلٌّ عليه قوله تعالى: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) [آل عمران: ١١٥]، أي: لن تُحرموا ثوابه ولن تُمنعوه. وإنما قال: هو مثلٌ؛ لأن حقيقة الشُكرِ الثناءُ على المحسن بما أولاكَهُ من المعروف، وهذا في حق الله تعالى محالٌ،
стр. 5361
شكور. وقد نفى نفي الجنس ليكون أبلغ من أن يقول: فلا نكفر سعيه (وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ) أى نحن كاتبو ذلك السعى ومثبتوه في صحيفة عمله، وما نحن مثبتوه فهو غير ضائع ومثاب عليه صاحبه.
(وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَاجُوجُ وَمَاجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) [الأنبياء: ٩٥ - ٩٦].
استعير الحرام للممتنع وجوده. ومنه قوله (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فشبه معاملته مع من أطاعه، وعمل صالحاً لوجهه، بثناء من قد أحسن إليه غيره وأولاهُ من معروفه، ثم استعمل لجانب المشبه ما كان مستعملاً في المشبه به من لفظ الشكور، وفي عكسه الكفران. "النهاية": وفي أسماء الله تعالى الشكور، وهو الذي يزكو عنده القليلُ من أعمال العباد، فيُضاعفُ لهم الجزاء، وهو من أبنية المبالغة.
قوله: (فهو غير ضائع)، إشارةٌ إلى ملزوم قوله: (وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ)؛ لأنه كنايةٌ عنه.
قوله: (استعير الحرامُ للممتنع وجوده)، أنشد صاحبُ "المطلع" للخنساء:
وإن حراماً لا أرى الدهر باكياً … على شجوه إلا بكيت على عمرو
وإنما جعله استعارةً لأن الحرام اسمٌ لما امتنع تناوله قطعاً بسبب شرعي، فما حكم الله بامتناعه يكونُ كالشيء المحرم على الناس، ومنه الحديث: "حرمتُ الظُّلمَ على نفسي"، أي: تقدستُ عنهُ وتعاليت.
стр. 5362
الْكافِرِينَ) [الأعراف: ٥٠] أى منعهما منهم، وأبى أن يكونا لهم. وقرئ: "وحرم"، "وحرم" بالفتح والكسر. "وحرّم" "وحرّم".
ومعنى (أَهْلَكْناها) عزمنا على إهلاكها. أو قدرنا إهلاكها. ومعنى "الرجوع": الرجوع من الكفر إلى الإسلام والإنابة. ومجاز الآية: أن قوما عزم الله على إهلاكهم غير متصوّر أن يرجعوا وينيبوا، إلى أن تقوم القيامة فحينئذ يرجعون ويقولون: (يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ)] الأنبياء: ٩٧ [يعنى: أنهم مطبوع على قلوبهم فلا يزالون على كفرهم ويموتون عليه حتى يروا العذاب.
وقرئ: "إنهم"، بالكسر. وحق هذا أن يتمّ الكلام قبله، فلا بدّ من تقدير محذوف، كأنه قيل: وحرام على قرية أهلكناها ذاك. وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعى المشكور غير المكفور، ثم علل فقيل: إنهم لا يرجعون عن الكفر،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "وحَرْم"، و"حِرْم" بالفتح والكسر)، أبو بكر وحمزةُ والكسائي: بالكسر وإسكان الراء، والباقون: بفتحهما وألف بعد الراء.
الجوهري: الحرامُ ضد الحلال، وكذلك الحرمُ بالكسر، قال الكسائي: ومعناهُ الواجبُ. وقال ابن جني: قرأ ابن عباس: "حرم" بفتح الحاء وسكون الراء والتنوين، وهو مخففٌ من "حَرِم" على لُغةِ بني تميم كبطرٍ من: بطرٍ، وفخذٍ من: فخذ. وقرأ ابن عباس أيضاً: "حرُم" بضم الراء.
قوله: (ومجاز الآية)، أي: الذي ينبني جوازُ الآية وطريقتها وسياقها عليه وبيانُ تقرير الاستعارة واستعمالُ الحرام في الممتنع وجوده، وذلك أن ما عزم الله تعالى عليه غير متصور أن يكون خلافه، فيمتنعُ وجودُ إنابةِ هؤلاء؛ لأن الله تعالى عزم على إهلاكهم، فلا يرجعون ولا يُنيبون.
стр. 5363
فكيف لا يمتنع ذلك. والقراءة بالفتح يصح حملها على هذا؟ أى: لأنهم لا يرجعون ولا صلة على الوجه الأوّل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فكيف لا يمتنع ذلك؟ )، أي: فكيف يحصلُ منهمُ العملُ الصالحُ والسعيُ المشكور؟ لأن الإنكار إذا دخل على المنفي أفاد الثبوت.
قوله: (ولا صلة على الوجه الأول)، على أن يكون (أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) مُبتدأ، والخبر: "حرامٌ"، لا أن يكون تعليلاً، ولهذا قدر في الأول "لا" زائدةً وقال: "إن قوماً عزم اللهُ على إهلاكهم غير متصورٍ أن يرجعوا"، وجعل في التعليل غير زائدة، وقال: "ثم عُلل، فقيل: لأنهم لايرجعون". قال ابن الحاجب في "الأمالي": إذا جُعلت (أَنَّهُمْ) مبتدأ، و"حرامٌ": خبرٌ مقدم، وجب تقديمه لما تقرر في النحو من أن الخبر عن "أن" لابد أن يكون مقدماً، فعلى هذا لو جُعلت "لا" نافية يفسدُ المعنى، إذ يصيرُ التقديرُ: انتفاءُ رجوعهم ممتنعٌ، فيؤدي إلى معنى الإثبات، إذ نفيُ النفي إثباتٌ قطعاً. وإن جُعلت "لا" زائدةً استقام، وإذا جُعلت (أَنَّهُمْ) تعليلاً، لا تكونُ زائدةً، و"حرامٌ": خبرُ مبتدأِ مقدَّر وهو ذاك، يعني ما تقدم من العمل الصالح المدلول عليه بقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ)، ويكون (أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) تعليلاً لقوله: وذاك حرامٌ، كأنه قيل: لم كان ممتنعاً؟ فقيل: لأنهم لا يرجعون، وقد يُضعفُ هذا الوجهُ بأنه معلومٌ امتناعُ العمل على الهالك، فهو إخبارُ بما قد تحقق وعُلم. ويُجاب عنه بأن المراد امتناعُ دخولهم الجنة؛ وكنى عنه بامتناع العمل الصالح، وهو السببُ، فترك ذكر المسبب وذكر السبب، فأنه قيل: يمتنعُ دخولهم الجنة؛ لامتناع عملهم.
وقال القاضي: معنى (أَهْلَكْنَاهَا): حكمنا بإهلاكها.
وقلتُ: الذي يقتضيه النظمُ أن يكون قوله تعالى: (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ) مجملاً كما قال: "ثم توعدهم بأن هذه الفرق المختلفة إليه يرجعون فهو محاسبهم ومجازيهم"، وقوله:
стр. 5364
فإن قلت: بم تعلقت (حَتَّى) واقعة غاية له، وأية الثلاث هي؟ قلت: هي متعلقة ب"حرام"، وهي غاية له لأنّ امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم القيامة، وهي (حَتَّى) التي يحكى بعدها الكلام، والكلام المحكىّ: الجملة من الشرط والجزاء، أعنى: «إذا» وما في حيزها.
حذف المضاف إلى (يَاجُوجُ وَمَاجُوجُ) وهو سدّهما، كما حذف المضاف إلى "القرية" وهو أهلها.
وقيل: (فتحت) كما قيل (أَهْلَكْناها) وقرئ: "آجوج". وهما قبيلتان من جنس الإنس، يقال: الناس عشرة أجزاء، تسعة منها يأجوج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ) الآية تفصيلاً له، على أن يُقدر ما يُقابله لمن يُضادهم في العمل فحذف وأقيم مقامه: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) على أن المعنى: وحرامٌ على قريةٍ أهلكناها العملُ الصالحُ والسعيُ المشكورُ غير المكفور؛ لأنهم لا يرجعون عن الكفر، كما قال نعياً على أولئك الذين تقطعوا أمر دينهم، وتسجيلاً على تصميمهم وعدم ارعوائهم.
قوله: (واقعةً غايةً له)، "واقعةً": حالٌ، والضميرُ في "لهُ" يرجعُ إلى "ما" التي في قوله: "بِمَ".
قوله: (وأية الثلاث هي؟ )، المعنى أن "حتى" ثلاثةُ أقسام: حرفُ جر، وحرفُ عطف، وحرفٌ يبتدأ بما بعدها، فهذه من أية هذه الأقسام؟
قوله: (وقيل: (فُتِحَتْ)، كما قيل: ((أَهْلَكْنَاهَا))، أي: أُنثَ باعتبار المذكور، أي: القرية.
قوله: (هما قبيلتان من جنس الإنس)، روى محيي السنة عن الضحاك: هم جيلٌ من الترك. وقال أهل التاريخ: أولادُ نوح ﵇ ثلاثةٌ: سامٌ، وحامٌ، ويافث. سامٌ
стр. 5365
ومأجوج (وَهُمْ) راجع إلى الناس المسوقين إلى المحشر وقيل: هم يأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السدّ. "الحدب": النشز «١» من الأرض. وقرأ ابن عباس رضى الله عنه: "من كل جدث"، وهو القبر، الثاء: حجازية، والفاء: تميمية. وقرئ (يَنْسِلُونَ) بضم السين. و"نسل" و"عسل": أسرع.
(وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ) [الأنبياء: ٩٧].
و(إِذا) هي "إذا" المفاجأة، وهي تقع في المجازاة سادّة مسدّ الفاء، كقوله تعالى (إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ)] الروم: ٣٦ [فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبو العرب والعجم والروم، وحامٌ أبو الحبشة والزنج والنوبة، ويافثُ أبو التُّركِ والخزر والصقالبة ويأجوج ومأجوج. ورُوي عن حذيفة مرفوعاً: أن يأجوج أمة، ومأجوج أمة.
قوله: (وقرأ ابن عباس: "من كل جدث")، قال ابن جني: قالوا: أجدثت له جدثاً، ولم يقولوا: أجدفتُ. فهذا يُريك أن الفاء في "جدف" بدلٌ من الثاء في "جدث"، ألا ترى الثاء أذهب في التصرف من الفاء؟ ويجوز أن يكونا أصليين، إلا أن أحدهما أوسعُ تصرفاً من صاحبه كما قالوا: وكدتُ عهده وأكدته، إلا أن الواو أوسعُ تصرفاً، وعليه قالوا: مودة قديمة وكيدة. ولم يقولوا: أكيدةٌ، فهو مذهبٌ مقتاسٌ في أمثاله.
قوله: (فإذا جاءت الفاءُ معها تعاونتا)، قال صاحب "الفرائد": إذا المفاجأة بدلٌ من الفاء في الجواب، فكان هذا جمعاً بين البدل والمُبدل منهُ، ويمكن أن يكون جواب (إِذَا فُتِحَتْ): (يَا وَيْلَنَا)، أي: قالوا: يا ويلنا، وقيل: محذوف، أي: ندموا وعلموا فإذا
стр. 5366
بالشرط فيتأكد. ولو قيل: إذا هي شاخصة. أو فهي شاخصة، كان سديدا.
(هِيَ) ضمير مبهم توضحه "الأبصار" وتفسره، كما فسر (الذين ظلموا) و (أسروا) (يا وَيْلَنا) متعلق بمحذوف تقديره: يقولون يا ويلنا. و"يقولون": في موضع الحال من (الذين كفروا).
(إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ) [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبصارهم شاخصةٌ. وأما على الوجه الأول فالتقدير: إذا فُتحدت يأجوج ومأجوجُ وكان كيت وكيت، ففاجؤوا وقت شخوص أبصارهم قالوا: يا ويلنا. وقال الزجاج: الجوابُ عند البصريين قوله: (يَا وَيْلَنَا) والقول محذوفٌ. وعند بعضهم: (وَاقْتَرِبْ)، والواو مُطرحٌ، وهو لا يجوزُ عند البصريين.
قوله: (هي: ضميرٌ مبهمٌ يوضحه: "الأبصار")، يعني: ضميرُ "هي" عند بعضهم، أي: صورته صورة ضمير، لا أنه الضمير المصطلحُ عليه" لأن الضمير المصطلح عليه معرفة، ولابد له من شيء قبله يعود إليه ولا شيء هنا، فيكونُ على وزان قوله: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأنبياء: ٣]، قال القاضي: يجوزُ أن يكون الضمير للقصة. وقال أبو البقاء: (فإذا) هي: "إذا" للمفاجأة، وهي مكان، والعاملُ فيها: (شَاخِصَةٌ)، وهي ضمير القصة، و (أَبْصَارُ الَّذِينَ): مبتدأ و (شَاخِصَةٌ): خبره.
стр. 5367
ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يحتمل الأصنام وإبليس وأعوانه، لأنهم بطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم في حكم عبدتهم. ويصدّقه ما روى: أنّ رسول الله ﷺ دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحرث فكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليهم (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) … الآية، فأقبل عبد الله بن الزبعرى فرآهم يتهامسون، فقال: فيم خوضكم؟ فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول الله ﷺ ، فقال عبد الله: أما والله لو وجدته لخصمته، فدعوه. فقال ابن الزبعرى: أأنت قلت ذلك؟ قال: نعم. قال: قد خصمتك ورب الكعبة. أليس اليهود عبدوا عزيرا، والنصارى عبدوا المسيح، وبنو مليح عبدوا الملائكة؟
فقال ﷺ : "بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك". فأنزل الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ)] الأنبياء: ١٠١ [ … الآية يعنى عزيرا والمسيح والملائكة ﵈.
فإن قلت: لم قرنوا بآلهتهم؟ قلت: لأنهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غمّ وحسرة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما تعبدون من دون الله: يحتمل الأصنام)، قال في "البقرة": "ما: عامٌّ في كل شيء، فإذا عُلم فُرِّق بـ (ما) و (مَنْ) ". وقد عُلم هنا بقرينة الخطاب في قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ) وفيما سبق (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)، والالتفات في قوله: (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ) أن المخاطبين: المشركون، فإن "ما" محمولةٌ على الأصنام، ومن ثم قدر محيي السنة: إنكم أيها المشركون وما تعبدون من دون الله، يعني الأصنام، حصبُ جهنم. وقال محيي السنة: وزعم جماعةٌ أن المراد من الآية الأًنام، لقوله: (وَمَا تَعْبُدُونَ)، ولو أريد الملائكة والناس لقيل: ومن تعبدون. وهو ضعيفٌ؛ لأن ما: عامةٌ.
стр. 5368
حيث أصابهم ما أصابهم بسببهم. والنظر إلى وجه العدوّ باب من العذاب، ولأنهم قدّروا، أنهم يستشفعون بهم في الآخرة ويستنفعون بشفاعتهم، فإذا صادفوا الأمر على عكس ما قدروا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم.
فإن قلت: إذا عنيت ب"ما تعبدون" الأصنام، فما معنى (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ)؟ قلت: إذا كانوا هم وأصنامهم في قرن واحد، جاز أن يقال: "لهم زفير"، وإن لم يكن الزافرين إلا هم دون الأصنام للتغليب ولعدم الإلباس.
و"الحصب": المحصوب به، أى: يحصب بهم في النار. والحصب: الرمي. وقرئ بسكون الصاد، وصفا بالمصدر. وقرئ "حطب"، و"حضب"، بالضاد متحركاً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (للتغليب)، قال صاحب "الفرائد": لا تغليب هاهنا، والمرادُ من ضمير (وَهُمْ): المخاطبون في قوله: (إِنَّكُمْ)، فالالتفاتُ من الخطاب إلى الغيبة، وقلتُ: لما حكم على جميعهم وأنهم مع أصنامهم حصبُ جهنم، ثم حقق ذلك بأن هذا وعدٌ لابد منه بقوله: (أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) وعطف عليه قوله: (وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ) توكيداً لشمول الأشخاص والأزمان على سبيل الالتفات، ثم أوقع بني المعطوف والمعطوف عليه قوله تعالى: (لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا) اعتراضاً وتجهيلاً للكفرة، واحتجاجاً عليهم، عقبه ببيان أحوال كلهم في جهنم بقوله: (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ)، وكان مقتضى السياق الشركة أيضاً، لكن امتنع وصفها بالزفير، فوجب المصير إلى التأويل بالتغليب، ويجوز وصفها به ما وصف جهنم بالتغيظ والزفير على الحقيقة.
قوله: (و"الحصبُ": المحصوبُ به)، والمحصوب: النارُ، والمحصوب به: الحطبُ، كما أن المرمي: الهدفُ، والمرميَّ به: السهمُ.
قوله: (وقرئ بسكون الصاد)، قال ابن جني: وهي قراءة ابن السميفع. وقرأ ابن عباس: "حضبُ" بالضاد مفتوحةً، وبسكونها: كثيرُ عزة، وبالطاء: عليُّ بن أبي طالب وعائشةُ وابن الزبير ﵃. والحصبُ بالضاد والصاد: الحطبُ، وفيه ثلاث لغات. حطبٌ، وحضبٌ، وحصبٌ، إنما يقال: حصبٌ إذا ألقي في التنور والموقد، فأما ما لم يُستعمل
стр. 5369
وساكنا. وعن ابن مسعود: يجعلون في توابيت من نار فلا يسمعون. ويجوز أن يصمهم الله كما يعميهم.
(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) [الأنبياء: ١٠١].
(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٣].
(الْحُسْنى) الخصلة المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن: إمّا السعادة، وإما البشرى بالثواب وإما التوفيق للطاعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فلا يقال: حصبٌ. قال أحمد بن يحيى: أصل الحصب: الرميُ، حطباً كان أو غيره، فهذا يؤكد ما ذكرناه، فأما الحضبُ ساكناً بالضاد المعجمة وغير المعجمة فالطرحُ، فهو هنا على إيقاع المصدر موقع اسم المفعول.
قوله: (إما السعادةُ، وإما البشرى بالثواب، وإما التوفيق للطاعة)، أما السعادةُ فما روينا عن الترمذي، عن رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحدٍ أو من نفس منفوسة، إلا قد كُتبت شقيةً أو سعيدة"، الحديث.
وعن البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، عن رسول الله ﷺ : "إن خلقَ أحدكم يُجمعُ في بطن أمه" إلى قوله: "يُكتبُ رزقه وأجلُه وعملُه وشقيٌّ أو سعيد، ثم يُنفخُ في الروح" الحديث.
وأما البشرى فلقوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى) [يونس: ٢٦]، وقوله تعالى: (تَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ).
стр. 5370
يُروى أنّ عليا ﵁ قرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم، وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف، ثم أقيمت الصلاة فقام يجرّ رداءه وهو يقول (لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها) و"الحسيس": الصوت يحس، و"الشهوة": طلب النفس اللذة. وقرئ "لا يَحْزُنُهُمُ" من أحزن. و (الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) قيل: النفخة الأخيرة، لقوله تعالى (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ)] النمل: ٨٧ [وعن الحسن: الانصراف إلى النار. وعن الضحاك: حين يطبق على النار. وقيل: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح، أي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما التوفيق فلقوله صلواتُ الله عليه: "وأما من كان من أهل السعادة فسيصيرُ لعمل السعادة"، الحديث، أخرجه البخاري ومسلمٌ عن علي ﵁.
قوله: (يُروى أن علياً ﵁، يشيرُ إلى معنى ما روينا عن سعيد بن زيدٍ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ، وإني لغنيٌّ أن أقول عليه ما لم يقل، فيسألني عنه غداً إذا لقيته: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، عليٌّ في الجنة، والزبيرُ في الجنة، وسعد بن مالكٍ في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة"، وسكت عن العاشر، فقالوا: ومن العاشرُ؟ قال: "سعيد بن زيد"، يعني نفسه. أخرجه أبو داود والترمذي أيضاً عن عبد الرحمن بن عوف مثله.
قوله: (يُذبحُ الموتُ على صورة كبش أملح)، الحديثُ من رواية البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي سعيدٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُؤتي بالموتِ كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرفون وينظرون، فيقولون: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموتُ": إلى قوله: "فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة، خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار، خلودٌ فلا موت"، الحديث.
стр. 5371
تستقبلهم (الْمَلائِكَةُ) مهنئين على أبواب الجنة. ويقولون: هذا وقت ثوابكم الذي وعدكم ربكم قد حلّ.
(يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَانا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ) [الأنبياء: ١٠٤].
العامل في (يَوْمَ نَطْوِي) (لا يحزنهم). أو (الفزع). أو (تتلقاهم). وقرئ: "تطوى السماء"، على البناء للمفعول "السِّجِلِّ" بوزن العتلّ و"السجل" بلفظ الدلو. وروى فيه الكسر: وهو الصحيفة، أى: كما يطوى الطومار للكتابة، أى: ليكتب فيه، أو: لما يكتب فيه، لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء، ثم يوقع على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النهاية: الأملحُ: الذي بياضه أكثر من سواده، وقيل: هو النقي البياض.
قوله: (أو (الْفَزَعُ))، أي: العامل في (يَوْمَ نَطْوِي) الفزعُ: فإن قيل: الفزعُ الأكبرُ مصدرٌ موصوف، وهو لا يعمل؟ وأجيب: أنه اتسع في الظرف ما لم يُتسع في غيره.
قوله: ("السُّجُلّ"، بوزن العُتُلِّ)، قال ابن جني: بضم السين والجيم مشددة، قراءة أبي زُرعة، وقرأ الحسنُ: بكسر السين وسُكون الجيم، واختاره أبو عمرو، وقرأ أبوالسمال بفتح السين وسكون الجيم وتخفيف اللام. قال ابن جني: السجلُّ: الكتابُ، وهو كتابُ العهدة ونحوها. وقال قومٌ: هو فارسيٌّ معرب، وأنكر أصحابنا كلهم ذلك. وقيل: هو ملكٌ، وقيل: هو كاتبٌ للنبي ﷺ ، وذلك مدفوعٌ؛ لأن كُتابه معروفون، وما وُقِفَ على مثلِ هذا الاسم في ذكر أسامي الصحابة. ويُشبهُ عند من قال بهذين القولين أن السجل فاعلٌ في المعنى، وغنما هو مفعولٌ، وهو كطي الكتاب للكتابة، أي: كطي الكتاب لأن يُكتب فيه.
قوله: (أو لما يُكتبُ فيه)، قيل: اللام: متعلقٌ بالطي، إلا أنه إذا كان السجلُّ فاعلاً كانت
стр. 5372
المكتوب، ومن جمع فمعناه: للمكتوبات، أى: لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة.
وقيل (السِّجِلِّ) ملك يطوى كتب بنى آدم إذا رفعت إليه. وقيل: كاتب كان لرسول الله ﷺ . والكتاب - على هذا - اسم الصحيفة المكتوب فيها.
(أَوَّلَ خَلْقٍ) مفعول "نعيد" الذي يفسره (نُعِيدُهُ) والكاف مكفوفة ب"ما". والمعنى: نعيد أوّل الخلق كما بدأناه، تشبيها للإعادة بالإبداء في تناول القدرة لهما على السواء.
فإن قلت: وما أوّل الخلق حتى يعيده كما بدأه؟ قلت: أوّله إيجاده عن العدم، فكما أوجده أولا عن عدم، يعيده ثانيا عن عدم. فإن قلت: ما بال (خَلْقٍ) منكرا؟ قلت: هو كقولك: " هو أوّل رجل جاءني"، تريد أوّل الرجال، ولكنك وحدته ونكرته
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للاختصاص، وإذا كان مفعولاً كان بمعنى لأجل. وقال أبو البقاء: اللامُ زائدةٌ، كقولك: لا أبا لك. وقيل: هي بمعنى على، وقيل: تتعلقُ بطي. مضى كلامه. فقوله: ليكتب فيه على أن المصدر بمعناه، أو لما يُكتبُ فيه، على أن المصدر بمعنى المفعول.
قوله: (كقول: هو أول رجلٍ جاءني)، يريدُ: أولُ الرجال. اعلم أن (أَوَّلَ) إذا كان مفعولاً به لـ "نُعيدُ" المفسر كما ذكر، فالظاهرُ أن يُضافَ إلى الجمع؛ لا الخلق على هذا التأويل عامٌّ في السماء وغيرها، فإذا نُكر أريد به تفصيلُ الجنس واحداً واحداً، و (كَمَا) على هذا: منصوبٌ على المصدر بـ "نُعيدُ المقدر، ومفعول (بَدَانَا): ضميرُ "أول الخلق"، وإليه الإشارة بقوله: "نعيدُ أول الخلقِ كما بدأناهُ"، ولا كذلك إذا جُعلَ (أَوَّلَ) ظرفاً أو حالاً؛ لأن مفعولَ (بَدَانَا) على هذا: ضميرٌ يرجع إلى "ما" في (كَمَا)، وهي موصولةٌ، وأريدُ به السماء، فيختص الإبداء والإعادة به؛ ولهذا قال: "أول ما خلق"، فلا يحتاج إذن إلى التعميم.
وقال ابن الحاجب: (كَمَا بَدَانَا) يجوزُ أن يكون في موضع نصبٍ على المصدر بـ (نُعِيدُهُ)، كأن الأصل: نُعيدُ أول خلقٍ إعادةً مثل ما بدأناه، وتكونُ "ما": مصدرية،
стр. 5373
إرادة تفصيلهم رجلا رجلا، فكذلك معنى (أَوَّلَ خَلْقٍ): أوّل الخلق، بمعنى: أوّل الخلائق، لأن الخلق مصدر لا يجمع. ووجه آخر، وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره (نُعِيدُهُ) و"ما" موصولة، أى: نعيد مثل الذي بدأناه نعيده. و"أول خلق": ظرف ل"بدأناه"، أى: أوّل ما خلق، أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ، الثابت في المعنى.
(وَعْداً) مصدر مؤكد، لأنّ قوله (نُعِيدُهُ) عدة للإعادة (إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ) أى قادرين على أن نفعل ذلك.
(وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) [الأنبياء: ١٠٥].
عن الشعبي رحمة الله عليه: زبور داود ﵇، و (الذكر): التوراة. وقيل اسم لجنس ما أنزل على الأنبياء من الكتب. و (الذكر): أم الكتاب، يعني اللوح،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأن تكون في موضع الحال، كأنه قال: نُعيدُه أول خلقٍ مماثلاً للذي بدأناه، وصح الحالُ؛ لأنه من الضمير في (نُعِيدُهُ)، يعني: "نُعيدُ" المفسر الساقط من اللفظ، الثابت في المعنى.
قوله: (زبور داود)، خبرُ مبتدأ محذوف، أي: الزبورُ المذكور في الآية: زبورُ داود ﵇.
قوله: (وقيل: اسمٌ لجنس ما أُنزل)، كقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ) [الشعراء: ١٩٦]. نقل محيي السنة عن سعيد بن جبير ومجاهد: أن الزبور: جميع الكتب المنزلة، والذكرُ: أمُّ الكتاب، أي: بعد ما كُتب ذكره في اللوح المحفوظ، ويؤيدها ما رويناه في "صحيح البخاري" عن عمران بن حصين في حديث وفد اليمن: جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك
стр. 5374
أي: يرثها المؤمنون بعد إجلاء الكفار، كقوله تعالى (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا)] الأعراف: ١٣٧ [، (قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)] الأعراف: ١٢٨ [وعن ابن عباس رضى الله عنه: هي أرض الجنة. وقيل: الأرض المقدّسة، ترثها أمّة محمد ﷺ .
(إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ) [الأنبياء: ١٠٦].
الإشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة. و"البلاغ":
الكفاية وما تبلغ به البغية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن أول هذا الأمر: ما كان؟ قال ﷺ : "كان الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق الله تعالى السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء".
قوله: (أي: يرثها المؤمنون بعد إجلاء الكُفار)، روينا عن مسلم وأبي داود والترمذي، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله زوى لي الأرض فأريتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغُ ملكها ما زُوي لي منها"، ورواه الإمام أحمد بن حنبل عن شداد بن أوس. قال الإمام: دليلُ هذا القول قوله تعالى: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ) [النور: ٥٥].
قوله: (وعن ابن عباس: هي أرضُ الجنة)، وقال الإمام: يؤيده قوله تعالى: (وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ) [الزمر: ٧٤]، ولأنها الأرضُ التي يختص بها الصالحون لأنها لهم خُلقت، وغيرهم إذا حصلوا فيها فعل ىوجه التبع، ولأنها ذُكرت عقيب ذكرِ الإعادة فلا تكونُ غير الجنة.
стр. 5375
(وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء: ١٠٧].
أرسل ﷺ (رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه. ومن خالف ولم يتبع. فإنما أتى من عند نفسه حيث ضيع نصيبه منها. ومثاله: أن يفجر الله عينا غديقة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومن خالف ولم يتبع)، جوابُ سؤال، أي: كيف قال: (رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) "والعالمين" - كما تقرر- عامٌّ في جميع المخلوقات، ونرى كثيراً ممن خالفه محرومين من تلك الرحمة؟ فقال: ومن خالف ولم يتبع فإنما أُتي من عند نفسه؟
قوله: (ومثالهُ: أن يُفجر الله تعالى عيناً غديقةً)، وقلتُ: ومثاله في مذهبنا: ما رويناه عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ : "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيثٍ أصاب أرضاً، فكانت منها طائفةٌ طيبةٌ قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعُشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفةً منها أخرى إنما هي قيعانٌ لا تمسكُ ماءً ولا تنبتُ كلأ، فذلك مثلُ من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثلُ من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به". أخرجه البخاري ومسلم.
"الأجادبُ" بالجيم والدال المهملة: قال الخطابي: هي الأرضُ التي تُمسكُ الماء فلا يسرعُ فيه النضوب. روى الشيخ الإمام محيي الدين النواوي في "شرح صحيح مسلم"، عن بعضهم: إنما هي أخاذاتٌ، بالخاء والذال المعجمتين، جمعُ إخاذة، وهي الغديرُ. شبه العلم والهدى بسبب الرحمة المهداة صلاوتُ الله وسلامه عليه بالغيث، كما شبه الغيث بالرحمة في قوله: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) [الأعراف: ٥٧]،
стр. 5376
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكما أن الغيث يحيي البلد الميت بأصناف العشب والكلأ وغيره، كذلك الهدى والعلمُ يحييان القلب الميت، وإنما أوثر الغيث على سائر أسماء المطر ليؤذن بشدة اضطرار الخلقِ إليه حينئذٍ، قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ) [الشورى: ٢٨]، وفي حديث الاستسقاء: "اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً"، أخرجه أبو داود.
وقال التوربشتيُّ: وقد كان الناس قبل المبعثِ وهم على فترة من الرسل قد امتحنوا بموت القلب، ونُضوبِ العلم، حتى أصابهم الله تعالى برحمةٍ من عنده، فأفاض عليهم سجال الوحي السماوي، فأشبهت حالهم حال من توالت عليهم السنون، وأخلفتهم المخايل حتى تداركهم الله بلطفه وأرخت عليهم السماء عزاليها، ثم كان حظُّ كل فريق من تلك الرحمة على ما ذكره من الأمثلة والنظائر.
وقلتُ: وقد يتوهم أن الشطر الأول من التمثيل مشتملٌ على تمثيلين مستقلين وليس بذلك، ولكنه تمثيلٌ واحدٌ مركبٌ من أمرين: وذلك أن "أصاب طائفة منها" عطفٌ على "أصاب أرضاً"، ثم قُسمت الأرضُ الأولى بحرف التعقيب في قوله: "فكانت"، وعُطفَ كان على كانت قسمين، فيلزم اشتمال الأرض الأولى على الطائفة الطيبة وعلى الأجادب، ولأن أصل التمثيل مُركبٌ من أمرين، من الهدى والعلم لتغايرهما في الاعتبار، كما ورد: "من ازداد علماً ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بُعدا"، ويعضده مراعاةُ معنى التقابل بين القرينتين من إثبات إنبات الكلأ وإمساك الماء في أحداهما، ونفيهما في الأخرى على سبيلا لحصر، ثم تعقبهما بالفذلكة المقررة للتفصيل المذكور المنصوص فيها المثلان المشيران إلى
стр. 5377
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأرضين لرفع ما عسى أن يتوهم متوهمٌ أزيد منهما، وذلك قوله: "فذلك مثلُ من فقه في دين الله تعالى" إلى آخره.
وكذا يؤيده ما ذكره شارحُ "الصحيح"، وهو: أما قوله: "ورعوا" فهو بالراء من الرعي، هكذا هو في جميع نسخ "مسلم"، ووقع في "البخاري": "وزرعوا"، وكلاهما صحيحٌ. انتهى كلامه؛ لأنه -على الأول- في الكلام لفٌّ ونشر، فإن "رعوا" مناسبٌ لقوله: "أنبتت الكلأ والعشب الكثير"، وقوله: "فشربوا وسقوا"، مناسبٌ لقوله: "أجادب" فيكونُ الضميرُ في نفع الله تعالى بها لقوله أرضاً، ومعنى قوله: "كلاهما صحيحٌ": أن "زرعوا" متعلقٌ بالأول لا بالأجادب، فإنها لا تكفي الشرب والسقي فضلاً عن الزرع، فعلى هذا قد ذُكر في الحديث الطرفان: العالي في الاهتداء، والغالي في الضلال، فعبر عمن قبل هدى الله والعلم بقوله: "من فقه في دين الله"، إلى آخره، وكنى عمن قبل هدى الله والعلم بقوله: "من فقه في دين الله" إلى آخره، وكنى عمن أبى قبولهما بقوله: "لم يرفع بذلك رأساً"، وبقوله: (لم يقبل هدى الله)، وترك الوسط، وهما قسمان، أحدهما: العامل الذي انتفع بالعلم في نفسه فحسبُ، والثاني: الذي لم ينتفع هو بنفسه ولكن نفع الغير.
ثم تأمل أيها الناظر في الفاءات الست تعجب من حسن مواقعها، فالأولى: تفصيلية، قسمت إحدى الأرضين قسمين، والثانية: سببية؛ لأن القبول سببُ النتيجة، والثالثة: جمعت القسمين في معنى النفع، والرابعة: أتبعت كل واحدٍ منهما بما يناسبه، والخامسة: عكس الأولى حيث عقبت التفصيل بالإجمال؛ لأنها ردت الأقسام الثلاثة إلى التمثيلين. والسادسة: سببيةٌ، أي: فعلم الحق ولم، آذنت بأن الفقيه هو الوارث يجب عليه تكميل الناقصين بعد كماله، ما قال تعالى: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ) [التوبة: ١٢٢]، وفي الحديث إشعارٌ بأن الاستعدادات ليست مكتسبةً، لا كما عليه ظاهرُ كلام المصنف، بل هي مواهبُ ربانية، يختص بها من يشاء، وكمالها أن يفيض الله عليها من المشكاة
стр. 5378
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النبوية، فإذا وُجد من يشتغلُ بغير الكتاب والسنة وما والاهما عُلم أن الله تعالى لم يُرد به خيراً فلا يعبأ باستعداده الظاهر، وأن الفقيه هو الذي علم وعمل ثم علم، وفاقد أحدهما فاقد هذا الاسم، وأن العالم العامل ينبغي أن يفيد الناس بعمله كما يفيدهم بعلمه. ولو أفاد بالعمل فحسبُ لم يحظ منه بطائل، كأرض معشبة لا ماء فيها، فلا يمرؤ مرعاها، ولو اقتصر على القول لأشبه السقي مجرداً عن الرعي، فيشبه الآخذ بالمستسقي، ولو منعهما معاً كان كأرض ذات ماءٍ وكلأٍ وعُشب، وحماها بعضُ الظلمة عن مستحقيها. قال:
ومن منح الجهال علماً أضاعه … ومن منع المستوجبين فقد ظلم
وفي اختصاص الإخاذات: إيماءٌ إلى أن القلب الخالي من الكتاب والسنة كالمصنع الفارغ من الماء، وأن آخذ الحديث ينبغي أن يكون واعياً كالإخاذ، حافظاً للألفاظ الجامعة بين التعريفات المغيرة، ليتمكن من الاستنباطات المتنوعة؛ إذ لو انخرم حرفٌ أو انحرفت كلمةٌ لفاتت الفوائدُ المتكاثرة.
وعن مسروقٍ قال: صحبتُ أصحاب رسول الله ﷺ فوجدتهم كإخاذاتٍ؛ لأن قلوبهم كانت واعيةً فصارت أوعيةً للعلوم بما رزقوا من صفاء الفهوم. وأن يكون واقياً لها من الشوائب النفسانية متفادياً من الأعراض الدنيوية كالمصنع الذي يقي الماء عن الكدورات: الداخلة والخارجة، ولهذه الأسرار الغامضة ورد فيهم عن رسول الله ﷺ : "فقيهٌ واحدٌ أشدُّ على الشيطان من ألف عابد"، أخرجه الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس ﵄.
стр. 5379
فيسقي ناس زروعهم ومواشيهم بمائها فيفلحوا، ويبقى ناس مفرطون عن السقي فيضيعوا، فالعين المفجرة في نفسها، نعمة من الله ورحمة للفريقين، ولكن الكسلان محنة على نفسه، حيث حرمها ما ينفعها. وقيل: كونه رحمة للفجار، من حيث أنّ عقوبتهم أخرت بسببه وأمنوا به عذاب الاستئصال.
(قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [الأنبياء: ١٠٨].
إنما لقصر الحكم على شيء،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروى الدارمي، عن عمران، عن الحسن: "إنما الفقيهُ: الزاهد في الدنيا الراغبُ في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداومُ على عبادة ربه".
هذه خاتمةٌ شريفة، حيثُ ختمت سورةُ الأنبياء ﵈ بختام خاتمهم صلوات الله عليه وعليهم أجمعين. والحمد لله رب العالمين. ونحن نختمُ أيضاً بما رُوي عن أبي صالح قال: كان النبي ﷺ يُنادي: "يا أيها الناس، إنما أنا رحمةٌ مهداة". أخرجه الدارمي هكذا مرسلاً، ورُوي موصولاً بذكر أبي هريرة ﵁، وقيل في معناه قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).
قوله: (عيناً غديقةً)، الجوهري: غدقت العينُ، بالكسر، أي: غزرت، والغدقُ بالفتح: الماء الكثير، وإنما قال: "محنةً" ليطابق قوله تعالى: (رَحْمَةً).
قوله: ((إنما) لقصر الحكم على شيء)، مثالُه: إنما زيدٌ قائمٌ، وهو فرعٌ لقولك: ما زيدٌ إلا قائمٌ، وهو من تخصيص الموصوف بالصفة، أي: ليس له صفةٌ سوى القيام.
стр. 5380
أو لقصر الشيء على حكم، كقولك: إنما زيد قائم، وإنما يقوم زيد. وقد اجتمع المثالان في هذه الآية، لأن (إِنَّما يُوحى إِلَيَّ) مع فاعله، بمنزلة: إنما يقوم زيد. و (أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) بمنزلة: إنما زيد قائم. وفائدة اجتماعهما: الدلالة على أن الوحى إلى رسول الله ﷺ مقصور على استئثار الله بالوحدانية: وفي قوله (فَهَلْ أَنْتُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو لقصر الشيء على حُكم)، مثاله: إنما يقوم زيدٌ، وهو فرعُ قولك: ما يقوم إلا زيدٌ، وهو من تخصيص الصفة بالموصوف، أي: صفةُ القيام لا تتعدى عن زيد.
قوله: (وفائدةُ اجتماعهما [الدلالة على] أن الوحي على رسول الله ﷺ مقصورٌ على استئثار الله بالوحدانية)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظرٌ؛ لأداء الحصر إلى مُشكل، وهو أنه لا يُوحي إليه إلا الوحدانية دون غيرها من التكاليف؛ ولأنه لم يذكر الحصر إلا في إنما المكسورة، ولعل المراد أن المقصود الأعظم من الوحي هو الوحدانية، وإنما ألحق بها المفتوحة، إما لأنها بمعنى المكسورة؛ لأن ٠ يُوحَى) بمعنى القول، أو لاطراد دليل حصر المكسورة على ما قيل فيها أيضاً.
وقلتُ: أما مزيدُ تقرير الجواب فهو أن الكلام الذي يفيد الحصر لا يؤتى لإفادة العموم غالباً، بل قد يؤتى لرد المنكر فيما وقع النزاع فيه. وهنا الكلام السابق في الرد على المشركين كما قال تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)، وكذا اللاحق: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ)، على أن سائر التكاليف متفرعٌ على أصل التوحيد، مقررٌ له، لقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ) [البينة: ٥]، ألا ترى كيف ذم في قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) [المسد: ١] شانئ سيد الموحدين وشتم من يشيكُ الشوكة في طريقه؟ ولهذا عقب بهذه السورة سورة التوحيد، والسورتان على وزان (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) [الكوثر: ١] (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر) [الكوثر: ٣]، وقوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر: ٢] تعليلٌ لهما، وأمرٌ بالقيام بشكرهما، قُدم قبل تمام الكلام لشدة الاهتمام.
стр. 5381
مُسْلِمُونَ) أن الوحي الوارد على هذا السنن موجب أن تخلصوا التوحيد لله، وأن تخلعوا الأنداد. وفيه أن صفة الوحدانية يصح أن يكون طريقها السمع. ويجوز أن يكون المعنى: أن الذي يوحى إلى، فتكون «ما» موصولة.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) [الأنبياء: ١٠٩ - ١١١].
"آذن": منقول من "أذن" إذا علم، ولكنه كثر استعماله في الجري مجرى الإنذار. ومنه قوله تعالى (فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)] البقرة: ٢٧٩ [، وقول ابن حلزة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن الوحي الوارد على هذا السنن يوجب أن يخلصوا التوحيد لله تعالى)، وذلك أن قوله تعالى: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ونحوه إنما يُذكر إذا تقدم أمرٌ أو شأنٌ قُرنَ معه ما يوجبُ الائتمار به أو الترغيب فيه، فيؤتى به للتحريض عليه، والتنبيه على إزاحة الموانع والصوارف عنه، وهاهنا لما بولغ في أمر التوحيد بالحصرين عقبه به إيجاباً للامتثال بإخلاص التوحيد، وإن شئت فانظر إلى قول المصنف في تفسير قوله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) إلى قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ) [المائدة: ٩١] ليتحقق لك ما أردنا إيراده هاهنا.
قوله: (وفيه أن صفة الوحدانية يصح أن يكون طريقها السمع)، يريد أن قوله تعالى: (إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) مع كونه مسبوقاً لإثبات إخلاص التوحيد قد أدمج فيه هذا المعنى. قال الإمام: العلمُ بصحة النبوة لا يتوقف على العلم بكون الإله واحداً، فلا جرم أمكن إثبات الوحدانية بالدلائل السمعية.
стр. 5382
آذنتنا ببينها أسماء
والمعنى: أنى بعد توليكم وإعراضكم عن قبول ما عرض عليكم من وجوب توحيد الله وتنزيهه عن الأنداد والشركاء، كرجل بينه وبين أعدائه هدنة فأحس منهم بغدرة، فنبذ اليهم العهد، وشهر النبذ وأشاعه وآذنهم جميعا بذلك (عَلى سَواءٍ) أى مستوين في الإعلام به، لم يطوه عن أحد منهم وكاشف كلهم، وقشر العصا عن لحائها. وما تُوعَدُونَ من غلبة المسلمين عليكم كائن لا محالة، ولا بد من أن يلحقكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (آذنتنا ببينها أسماء)، تمامه:
رُبَّ ثاوٍ يُملُّ منه الثواءُ
الإيذانُ: الإعلامُ، والثويُّ: الإقامةُ. يقولُ: أعلمتنا بمفارقتها إيانا أسماءُ، ورُبَّ مُقيم يُملُّ إقامته، ولم تكن أسماءُ منهم.
قوله: (كرجل بينه وبين أعدائه)، بيانٌ لتقرير المشبه به، وطريقُ مجاز (آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ) في الكلام، وأنه استعارةُ تبعيةٌ واقعةٌ على التمثيل.
قوله: (هدنة)، الجوهري: هادنه، أي: صالحه، والاسم منها: الهدنةُ.
قوله: ((عَلَى سَوَاءٍ)) أي: مستوين، يعني أنه: حالٌ، قال أبو البقاء هو حالٌ من الفاعل والمفعول، أي: مستوين في العلم بما أعلمتكم به.
قوله: (وقشر العصا عن لحائها)، قال الميداني: قشرتُ له العصا، يُضربُ في خلوص الوُد: أظهرتُ له ما كان في نفسي، ويقال: أقشر له العصا، أي: كاشفه وأظهر له العداوة.
قوله: (وما توعدونه من غلبة المسلمين عليكم كائنٌ لا محالة)، قال صاحب "الفرائد":
стр. 5383
بذلك الذلة والصغار، وإن كنت لا أدرى متى يكون ذلك لأن الله لم يعلمني علمه ولم يطلعني عليه، والله عالم لا يخفى عليه ما تجاهرون به من كلام الطعانين في الإسلام، و (ما تَكْتُمُونَ) في صدوركم من الإحن والأحقاد للمسلمين، وهو يجازيكم عليه. وما أدرى لعلّ تأخير هذا الموعد امتحان لكم لينظر كيف تعملون. أو تمتيع لكم (إِلى حِينٍ) ليكون ذلك حجة عليكم، وليقع الموعد في وقت هو فيه حكمة.
(قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) [الأنبياء: ١١٢].
قرئ "قل" و (قالَ)، على حكاية قول رسول الله ﷺ . و (رَبِّ احْكُمْ) على الاكتفاء بالكسرة. و"رب احكم"، على الضم. و"ربى أحكم"، على أفعل التفضيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يمكنُ أن يُقال: ما توعدون يشملُ غلبةَ المسلمين وعذاب الآخرة، فيكونُ المرادُ ما يعمهما؛ إذ لا امتناعَ في إرادته، وقلتُ: يأباهُ قوله تعالى: (فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ)؛ لأنه بمعنى قشر العصا عن لحائها.
قوله: (علمه)، نصبٌ على المصدر، وأصله: لم يعلمنيهُ علماً، ثم قُدم المصدرُ وأضيف، على نحو: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ) [محمد: ٤].
قوله: (من الإحن)، الجوهري: يقالُ: في صدره عليَّ إحنة: أي: حقدٌ، والجمعُ: إحن.
قوله: (قرئ: "قُلْ" و (قَالَ))، قال حفصٌ: (قَالَ) بالألف، والباقون: بغير ألف.
قوله: (و"رَبُّ احكُمْ" على الضم)، قال ابن جني: قرأ أبو جعفر: بضم الباء، والألفُ ساقطةٌ، على أنه نداءُ مفردٍ، وهذا ضعيفٌ، أعني حذف حرف النداء مع الاسم الذي يجوز أن يكون وصفاً لأي. ألا تراك لا تقولُ: رجلُ أقبِلْ؛ لأنه يمكنك إن تجعل الرجُلَ وصفاً لأي، فتقولُ: يا أيها الرجلُ، ولهذا ضَعُفَ عندنا قولُ من قال في قوله تعالى: (هَؤُلاءِ بَنَاتِي)
стр. 5384
و"ربي أحكم": من الإحكام، أمر باستعجال العذاب لقومه فعذبوا ببدر. ومعنى (بِالْحَقِّ) لا تحابهم وشدد عليهم كما هو حقهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[الحجر: ٧١] أنه أراد: يا هؤلاء، حذف حرف النداء من حيثُ إن هؤلاء من أسماء الإشارة، وهو جائزٌ أن يكون وصفاً لـ"أي"، نحو قوله:
ألا يا أيُّهذا المنزلُ الدارسُ
"وربُّ" يجوزُ أن يكون وصفاً لـ"أي"، فتقولُ: يا أيها الربُّ، وأما ما جاء في الأمثال نحو: أصبح ليلُ، وأطرق كرا فإن الأمثال تجري في محمل الضرورة لها مجرى المنظوم.
ورُوي أن هذه القراءة مبنيةٌ على جواز: يا غلامُ في: يا غلامي، وهي لغةٌ حكاها سيبويه، كما قرأ ابن أبي عبلة: يا قوم إنكم ظلمتم. ولو لم يُقدر "رب" مضافاً لزم حذفُ حرفالنداء عما يقع صفة لأي، وهو غير جائز.
قوله: " (ومعنى (بالْحَقُّ): لا تحابهم وشدد عليهم)، قال القاضي: اقض بيننا وبين أهل مكة بالعدل المُقتضي استعجال العذاب والتشديد عليهم. قال محيي السنة: كأنه استعجل العذاب لقومه فعُذبوا يوم بدر، نظيره قوله تعالى: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا) [الأعراف: ٨٩].
стр. 5385
كما قال «اشدد وطأتك على مضر» قرئ (تَصِفُونَ) بالتاء والياء. كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون أن تكون لهم الشوكة والغلبة، فكذب الله ظنونهم وخيب آمالهم، ونصر رسول الله ﷺ والمؤمنين، وخذلهم.
عن رسول الله ﵌ «من قرأ (اقترب للناس حسابهم) حاسبه الله حسابا يسيرا، وصافحه وسلم عليه كل نبىّ ذكر اسمه في القرآن».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (اشدد وطأتك على مُضر). النهاية: معناهُ: خُذهم أخذاً شديداً. والوطءُ في الأصل: الدوسُ بالقدم، فسُمي به الغزو والقتل؛ لأن من يطأ على الشيء برجله فقد استقصى في هلاكه وأهانه.
تمت السورة، والله أعلم
стр. 5386
سورة الحج
مكية، غيرست آيات،
وهي: (هذان خصمان) … إلى قوله … إلى (صراط الحميد) وهي ثمان وسبعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) [الحج: ١].
الزلزلة: شدّة التحريك والإزعاج، وأن يضاعف زليل الأشياء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الحج
مكيةٌ، غير ست آيات
وهي (هَذَانِ خَصْمَانِ) إلى قوله: (إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ)
وهي ثمانٍ وسبعون آيةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (وأن يضاعف زليلُ الأشياء)، يقالُ: صَلَّ: إذا تحركَ مرةً، وصلصلَ: إذا تكررت.
стр. 5387
عن مقارّها ومراكزها ولا تخلو "السَّاعَةِ" من أن تكون على تقدير الفاعلة لها، كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي، فتكون الزلزلة مصدرا مضافا إلى فاعله. أو على تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به، كقوله تعالى (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ)] سبأ: ٣٣ [وهي الزلزلة المذكورة في قوله (إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها)] الزلزلة: ١ [واختلف في وقتها، فعن الحسن أنها تكون يوم القيامة وعن علقمة والشعبي: عند طلوع الشمس من مغربها.
أمر بنى آدم بالتقوى، ثم علل وجوبها عليهم بذكر الساعة ووصفها بأهول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عن مقارِّها)، متعلقٌ بـ"زليل"، والزليلُ: مصدرٌ كالصَّرير.
قوله: (فعن الحسن: أنها تكونُ يوم القيامة)، ويعضده ما روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "يقولُ الله يوم القيامة: يا آدمُ، فيقول: لبيك وسعديك، فيُنادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذُريتك بعثاً إلى النار؟ فقال: يا رب، وما بعثُ النار؟ قال: من كل ألفٍ تسع مئة وتسعةً وتسعين، فحينئذٍ تضعُ الحاملُ حملها، ويشيبُ الوليدُ، وترى الناس سُكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد".
فإن قلت: كيف يستقيم على هذا قوله: (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا)؟ قلتُ، والعلمُ عند الله: لعل ذلك تمثيلٌ لبيان شدة الأمر وتفاقمه، كما قال: (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ). نحو قوله: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) [القلم: ٤٢]، أو أن يكون ذلك عند النفخة الثانية، فإنهم يقومون على ما صُعقوا في النفخة الأولى لقوله تعالى: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) [الزمر: ٦٣]، وينطبقُ على هذا قوله ﷺ : "يشيبُ الوليدُ" مع قوله تعالى: (يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً) [المزمل: ١٧]، أي: الوليدُ والولدانُ الذين ماتوا على هذه الحالة، وعلى هذا لا يخالف قول علقمة والشعبي: عند طلوع الشمس من مغربها، مخالفةً ظاهرة.
стр. 5388
صفة، لينظروا إلى تلك الصفة ببصائرهم ويتصوّروها بعقولهم، حتى يبقوا على أنفسهم ويرحموها من شدائد ذلك اليوم، بامتثال ما أمرهم به ربهم من التردي بلباس التقوى، الذي لا يؤمنهم من تلك الأفزاع إلا أن يتردوا به. وروى أنّ هاتين الآيتين نزلتا ليلا في غزوة بنى المصطلق، فقرأهما رسول الله ﷺ فلم ير أكثر باكيا من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب، ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدرا، وكانوا من بين حزين وباك ومفكر.
(يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج: ٢].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يُبقوا على أنفسهم)، أي: يحفظونها. النهاية: يقالُ: أبقيتُ عليه إبقاءً: إذا رحمته وأشفقت عليه، والاسمُ: البُقيا.
قوله: (في غزوة بني المصطلق)، وهُم قومٌ من خُزاعة. قال الإمامُ محمد بن إسماعيل البخاري: هي غزوةُ المُريسيع. وقال ابن إسحاق: وذلك في سنةِ ستٍّ. روى البخاريُّ ومسلمٌ وأبو داود عن عبد الله بن عون: أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامُهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية.
стр. 5389
(يَوْمَ تَرَوْنَها) منصوب ب (تذهل). والضمير للزلزلة. وقرئ: "تذهل كل مرضعة"، على البناء للمفعول: و"تذهل كل مرضعة" أى: تذهلها الزلزلة. والذهول: الذهاب عن الأمر مع دهشة.
فإن قلت: لم قيل (مُرْضِعَةٍ) دون مرضع؟ قلت: المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبى. والمرضع: التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به فقيل: (مرضعة)، ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة.
(عَمَّا أَرْضَعَتْ) عن إرضاعها، أو عن الذي أرضعته وهو الطفل وعن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (المرضعةُ: التي هي في حال الإرضاع)، قال الزجاج: و (مُرْضِعَةٍ) جارٍ على المفعل، أي: أرضعتْ، ويقالُ: امرأةٌ مرضعٌ، أي: ذاتُ رضاع أرضعت ولدها أو أرضعت غيره. الانتصاف: والرفقُ أن النسب لا يلاحظُ فيه حدوثُ الصفة المشتق منها، بل مقتضاها أنها موصوفٌ بها، وفي غير النسب يلاحظ حدوث الفعل، وخروج الصفة عليه.
فإذا قلت: مررتُ بامرأةٍ حاملة، يكون معناه: مررت بها في حال كونها حاملةً، وإذا قلت: حامل، بغير تاءٍ، كان معناه: مررتُ بامرأة من شأنها أن تحمل، لا يلزم أن تكون في وقت مرورك بها حاملةً.
قوله: (أو عن الذي أرضعته)، فعبر عن العقلاء بما إرادةً للوصفية، أي: عن مولودها وقُرة عينها، وفلذة كبدها، ونحوها تصويراً لشدة الأمر.
стр. 5390
لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.
قرئ "وَتَرَى" بالضم من أريتك قائما. أو رؤيتك قائما». و"النَّاسَ" منصوب ومرفوع، والنصب ظاهر. ومن رفع جعل "الناس" اسم "ترى"، وأنثه على تأويل الجماعة.
وقرئ: "سكرى". و"بسكرى"، وهو نظير: جوعى وعطشى، في جوعان وعطشان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لغيرِ فطام) و (لغير تمام)، يجوزُ أن يكون اللامُ للتعليل، أي: لايكونُ الذهولُ لأجلِ الفطام، والرضعُ لأجل التمام، بل لأمر غيرهما، وهو ما يلحقها من الدهشة والحيرة، وما يصيبها من تفاقم الأمر، وأن يكون للوقت، نحوُ قولك: جئتُك لثلاثٍ خلونَ من الشهر.
قوله: (قرئ: "وُترى"، بالضم، من: أُريتُك قائماً)، النهاية: رُئي: فعلُ ما لم يُسم فاعله، من "رأيتُ" بمعنى: ظننتُ. انقضى كلامُه، إن كان تُرى مِن: أريتُك قائماً، فمعناهُ: تظنُّ أنت الناس سُكارى، أقيم الضميرُ مقام الفاعل، ونصبُ (النَّاسَ) و (سُكَارَى) على أنهما مفعولان؛ لأن أُريت مُتعدٍّ إلى ثلاثةٍ، وإن كان من: رأيتُك قائماً، فالمعنى: تظنُّ الناس سُكارى، أقيم "الناسُ" مقام الفاعل، ونُصبَ (سُكَارَى) على المفعولية؛ لأن "رأيتُ" متعدٍّ إلى اثنين. وفي نُسخة البخاريين: "رُؤيتُكَ"، وهو مشكلٌ، فإنا ما وجدنا رأيتُ متعدياً إلى ثلاثة.
وقوله: (أو: رُيتُكَ قائماً) مشكلٌ، ولعل المراد من: أريتُكَ قائماً، رأيتُكَ قائماً. أو نقولُ: منصوب، ومرفوعٌ على الثاني، مع أن المرفوع الذي قررهُ في الأول أيضاً جائزٌ. وقوله: "اسمُ (تُرى) "، لعله ذكره كذلك ذهاباً إلى أن "ترى" من دواخل المبتدأ والخبر، قالُه الفاضِلُ نورُ الدين الحكيمُ.
قوله: (وقرئ: "سكْرى"، و"بسكْرَى")، وفي "التيسير": قرأ حمزةُ والكسائي: "سَكْرى"،
стр. 5391
و (سكارى) وب"سكارى"، نحو كسالى وعجالى. وعن الأعمش: "سُكرى"، و"بسكرى"، بالضم، وهو غريب.
والمعنى: وتراهم سكارى على التشبيه، وما هم بسكارى على التحقيق ولكن ما رهقهم من خوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم وطير تمييزهم وردّهم في نحو حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه. وقيل وتراهم سكارى من الخوف، وما هم بسكارى من الشراب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وما هم بسكرى" بغير ألفٍ فيهما على وزن فعلى، والباقون بالألف على فُعالى. قال ابنُ جني رحمه الله تعالى: وأما "سُكارى" بضم السِّين، فظاهره أن يكون اسماً مفرداً غير مُكسر، كجُمادي وسُماني وسُلامَى. ويجوزُ أن يكون مكسراً مما جاء على فُعال، كالظُّؤارِ والعُراقِ والرُّخال والثُّناءِ والتُّؤام، إلا أنه أنثَ كما أنثَ فعالٌ في نحو: حجارة وعيارة. وأما "سكْرى" كصرعى وجرحى؛ لأن السُّكْرَ علةٌ لحقت عقولهم، كما أن الصرعَ والجُرْحَ علةٌ لحقت أجسامهم. وفعلى في التكسير ما يختص به المبتلون. وقال ابن جني: روينا عن أبي زُرعة أنه قرأها بضم السين الكافُ ساكنةٌ، وهو اسمٌ مفردٌ على فُعلى، كالحُبلى والبُشرى، وبهذا أفتاني أبوعليٍّ وقد سألت عن هذا.
قوله: (وما هُم بسُكارى من الشرابِ)، بعد قوله: "وما هم بسُكارى على التحقيق"
стр. 5392
فإن قلت: لم قيل أوّلا: "ترون"، ثم قيل: (وترى)، على الإفراد؟ قلت: لأنّ الرؤية أوّلا علقت بالزلزلة فجعل الناس جميعا رائين لها، وهي معلقة أخيرا بكون الناس على حال السكر، فلا بد أن يجعل كل واحد منهم رائيا لسائرهم.
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ) [الحج: ٣ - ٤].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مؤذنٌ أن قوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) بيانٌ لإرادة معنى السُّكْرِ من قوله تعالى: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى) فإنه إما أن يُراد منه التشبيهُ، كما نقولُ: وترى الناس كالسُّكارى شُبهوا بسُكارى بسبب ما غشيهم من الخوف فبقُوا مسلوبي العقول كالسَّكران، أو أن يُراد الاستعارةُ، كأنه قيل: ترى الناس خائفين، فوضع موضعه سُكارى؛ ولهذا بينه بقوله: "منَ الخَوْف"، وصرح "وما هم بسكارى من الشراب".
الانتصاف: ومن علامات المجاز: صحةُ سلبِه، كما إذا قلت للبليد: حمار! يصحُّ نفيُه، وكذا هاهُنا، نفي السُّكَر الحقيقي بقوله: (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) مؤكداً بالباء؛ لأن هذا السُّكر أمرٌ لم يُعهد مثله؛ ولكن الاستدراك بقوله: (وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) تعليلٌ لإثبات السكر المجازي لما نفى عنهم السكر.
قوله: (لأن الرؤية عُلقت أولاً بالزلزلة)، تلخيص الجواب: أن المرئي على الأول: حالةُ الزلزلة، والجمعُ كلهمُ يشاهدونها. وفي الثاني: المرئي: حالةُ تحيُّرِ الناس، فكل واحدٍ لا يشاهد حالة نفسه، بل يشاهد سائر الناس دون نفسه، ولهذا أتى بلفظ السائر؛ لأنه من السؤر، وهو البقية، أو يكون عاماً قصداً إلى تفظيع حال الناس، وأن تلك بلغت من الظهور حتى يمتنع خفاؤها البتة، فلا يختصُّ برؤية راءٍ دون راءِ. قال صاحبُ "الفرائد": يمكنُ أن يكون (َتَرَى) خطاباً للنبي صلى الله عليه سلم، أو يمكنُ أن يُراد بها المخاطبُ، وإنما المرادُ من الأول التهديدُ بالوقوع، ومن الثاني التعجبُ من حالهم.
стр. 5393
قيل: نزلت في النضر بن الحرث، وكان جدلا يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، والله غير قادر على إحياء من بلى وصار ترابا. وهي عامة في كل من تعاطى الجدال فيما يجوز على الله وما لا يجوز من الصفات والأفعال، ولا يرجع إلى علم ولا يعضّ فيه بضرس قاطع، وليس فيه اتباع للبرهان ولا نزول على النصفة، فهو يخبط خبط عشواء، غير فارق بين الحق والباطل (وَيَتَّبِعُ) في ذلك خطوات كُلَّ شَيْطانٍ عات، علم من حاله وظهر وتبين أنه من جعله وليا له لم تثمر له ولايته إلا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا يعضُّ فيه بضرسٍ قاطع)، النهاية: وفي الحديث: "ولا يعضُّ في العلم بضرسٍ قاطع"، أي: لم يُتقنه، ولم يُحكِم الأمورَ، وفي الحديث أيضاً: "كان ما نشاءُ من ضرسٍ قاطع"، أي: ماضٍ في الأمور نافذِ العزيمة، يقال: فلانٌ ضرسٌ من الأضراس، أي: داهيةٌ.
قوله: (يخبطُ خبط عشواءَ)، النهاية: أي: يخبطُ في الظلام، وهو الذي يمشي في الليل بلا مصباح فيتحير ويضل، وربما تردى في بئرٍ، أو سقط على سبُع، وهو كقولهم: يخبطُ في عمياء: إذا ركب أمراً لجهالةٍ.
قوله: (عُلِمَ من حالِه وظهر وتبينَ)، إلى آخرِه، تفسيرٌ لقوله: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) فالضميرُ في (عَلَيْهِ): للشيطان، وكذا المنصوب في (تَوَلاَّهُ)، والمرفوعُ لمن، وإنما قال: "عُلمِ من حاله وظهر وتبين" لما أن قوله: (كُتِبَ عَلَيْهِ) وصفٌ آخر لشيطانٍ وتمثيلٌ، كأنه قيل: وجب على الشيطان ولزم عليه إضلالُ من يتولاه، ألا ترى كيف يجتهد في ذلك ويبذل وسعه فيه، ولا يترك من الحيل والنصب شيئاً إلا يفعله؟ وهذا بينٌ ظاهرٌ جليّ،
стр. 5394
الإضلال عن طريق الجنة والهداية إلى النار. وما أرى رؤساء أهل الأهواء والبدع والحشوية المتلقبين بالإمامة في دين الله إلا داخلين تحت كل هذا دخولا أوليا، بل هم أشدّ الشياطين إضلالا وأقطعهم لطريق الحق، حيث دوّنوا الضلال تدوينا ولقنوه أشياعهم تلقينا، وكأنهم ساطوه بلحومهم ودمائهم، وإياهم عنى من قال:
يا ربّ مقفوّ الخطا بين قومه … طريق نجاة عندهم مستو نهج
ولو قرءوا في الّلوح ما خطّ فيه من … بيان اعوجاج في طريقته عجّوا
اللهم ثبتنا على المعتقد الصحيح الذي رضيته لملائكتك في سمواتك، وأنبيائك في أرضك، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. والكتبة عليه مثل، أى: كأنما كتب إضلال من يتولاه عليه ورقم به لظهور ذلك في حاله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإليه الإشارةُ بقوله: "والكتبةُ عليه مثلٌ، أي: كأنما كُتب إضلالُ من يتولاه عليه، ورُقِمَ به لظهور ذلك في حالهِ".
قوله: (ساطوُهُ بلحومهم)، الجوهري: السوطُ: خلطُ الشيء بعضه ببعض.
النهاية: ومنه حديث عليٍّ مع فاطمة ﵄: "مَسُوطٌ لحمُها بدمي، ولحمي بدمها"، أي: ممزوجٌ مخلوط.
قوله: (ويا رُبَّ مقفوٍّ الخُطا) البيت، مقفوٌّ: من قفوتُ الرجل: إذا تبعته. النهج الطريقُ الواضح. عجوا: صاحوا، نحاهُ، بالحاءِ المهملة، عن الصغاني: أي: قصد. يقولُ. رُبَّ رجُلٍ مفيدٍ في قومه، متبوعٍ في حزبه، عندهم أنه على صراطٍ مستقيم، ولو قرؤوا ما في اللوح المحفوظ من ضلالته وغوايته ضجُّوا متضرعين إلى الله تعالى من أن يكونوا مثله.
стр. 5395
وقرئ: (أنه، فأنه) بالفتح والكسر، فمن فتح فلأن الأول فاعل (كتب)، والثاني عطف عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((أنَّهُ … فأنَّهُ)، بالفتح والكسر)، بالفتح: سبعةٌ، بالكسر: شاذ.
قوله: (فمن فتح فلأن الأول فاعلُ (كُتِبَ)، والثاني: عطف عليه)، قلتُ: هذا موضعٌ صعبٌ من حيث الإعراب، وقد اختلفت آراءُ الأدباء فيه، فالواجب أن نبسُط الكلامَ فيه فضلَ بسط، قال الزجاجُ: (أنَّهُ) في موضع رفع، و (فأَنَّهُ) عطفٌ عليه وموضعُها رفعٌ أيضاً، والفاءُ: الأجودُ فيها أن تكون في معنى الجزاء، وجائزٌ كسرُ "إنّ" مع الفاء، ويكونُ جزاءً لا غيرُ. والتأويلُ: كُتِبَ عليه- أي: على الشيطان- إضلالُ متوليه وهدايته إلى عذاب السعير. وحقيقةُ "أنّ" الثانية أنها مكررةٌ على جهة التأكيد؛ لأن المعنى: كُتِبَ عليه أنهُ من تولاهُ أضلَّه.
وقال أبو عليٍّ رحمه الله تعالى في "الإغفال": إعرابُ هذه الآية مُشكل، وأنا أشرحُه وأبينُ السهو فيه: قوله: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ)، (أنَّهُ): في موضع رفع، وهي ما توصلُ بالجمل، و (مَن) هاهُنا إما أن تكون شرطيةً أو موصولةً، فإن جعلتها شرطيةً فالفاء للجزاء، وإن جعلتها موصولةً فالفاء هي الداخلةُ في خبر المبتدأ المتضمن للشرط، فعلى التقديرين لا تكونُ عاطفةً، ثم "أنه" في قوله: (فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) ليس بكلام تام؛ لأنك تقولُ: أنك منطلق، بفتح "أنّ"، فلا يكونُ ما بعده جملةً، فينبغي أن يقدر: فشأنه أنه يضله أو أمره، فثبت أن قول أبي إسحاق الزجاج رحمه الله تعالى: (فأنَّهُ) عطفٌ على (أنَّهُ) خطأٌ.
وقلتُ: والذي ذهب إليه المصنفُ رحمةُ الله تعالى عليه في العطف فنٌّ غريب؛ لأنه
следующие страницы →