Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
و (سكارى) وب"سكارى"، نحو كسالى وعجالى. وعن الأعمش: "سُكرى"، و"بسكرى"، بالضم، وهو غريب.
والمعنى: وتراهم سكارى على التشبيه، وما هم بسكارى على التحقيق ولكن ما رهقهم من خوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم وطير تمييزهم وردّهم في نحو حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه. وقيل وتراهم سكارى من الخوف، وما هم بسكارى من الشراب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وما هم بسكرى" بغير ألفٍ فيهما على وزن فعلى، والباقون بالألف على فُعالى. قال ابنُ جني رحمه الله تعالى: وأما "سُكارى" بضم السِّين، فظاهره أن يكون اسماً مفرداً غير مُكسر، كجُمادي وسُماني وسُلامَى. ويجوزُ أن يكون مكسراً مما جاء على فُعال، كالظُّؤارِ والعُراقِ والرُّخال والثُّناءِ والتُّؤام، إلا أنه أنثَ كما أنثَ فعالٌ في نحو: حجارة وعيارة. وأما "سكْرى" كصرعى وجرحى؛ لأن السُّكْرَ علةٌ لحقت عقولهم، كما أن الصرعَ والجُرْحَ علةٌ لحقت أجسامهم. وفعلى في التكسير ما يختص به المبتلون. وقال ابن جني: روينا عن أبي زُرعة أنه قرأها بضم السين الكافُ ساكنةٌ، وهو اسمٌ مفردٌ على فُعلى، كالحُبلى والبُشرى، وبهذا أفتاني أبوعليٍّ وقد سألت عن هذا.
قوله: (وما هُم بسُكارى من الشرابِ)، بعد قوله: "وما هم بسُكارى على التحقيق"
стр. 5392
فإن قلت: لم قيل أوّلا: "ترون"، ثم قيل: (وترى)، على الإفراد؟ قلت: لأنّ الرؤية أوّلا علقت بالزلزلة فجعل الناس جميعا رائين لها، وهي معلقة أخيرا بكون الناس على حال السكر، فلا بد أن يجعل كل واحد منهم رائيا لسائرهم.
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ) [الحج: ٣ - ٤].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مؤذنٌ أن قوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) بيانٌ لإرادة معنى السُّكْرِ من قوله تعالى: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى) فإنه إما أن يُراد منه التشبيهُ، كما نقولُ: وترى الناس كالسُّكارى شُبهوا بسُكارى بسبب ما غشيهم من الخوف فبقُوا مسلوبي العقول كالسَّكران، أو أن يُراد الاستعارةُ، كأنه قيل: ترى الناس خائفين، فوضع موضعه سُكارى؛ ولهذا بينه بقوله: "منَ الخَوْف"، وصرح "وما هم بسكارى من الشراب".
الانتصاف: ومن علامات المجاز: صحةُ سلبِه، كما إذا قلت للبليد: حمار! يصحُّ نفيُه، وكذا هاهُنا، نفي السُّكَر الحقيقي بقوله: (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) مؤكداً بالباء؛ لأن هذا السُّكر أمرٌ لم يُعهد مثله؛ ولكن الاستدراك بقوله: (وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) تعليلٌ لإثبات السكر المجازي لما نفى عنهم السكر.
قوله: (لأن الرؤية عُلقت أولاً بالزلزلة)، تلخيص الجواب: أن المرئي على الأول: حالةُ الزلزلة، والجمعُ كلهمُ يشاهدونها. وفي الثاني: المرئي: حالةُ تحيُّرِ الناس، فكل واحدٍ لا يشاهد حالة نفسه، بل يشاهد سائر الناس دون نفسه، ولهذا أتى بلفظ السائر؛ لأنه من السؤر، وهو البقية، أو يكون عاماً قصداً إلى تفظيع حال الناس، وأن تلك بلغت من الظهور حتى يمتنع خفاؤها البتة، فلا يختصُّ برؤية راءٍ دون راءِ. قال صاحبُ "الفرائد": يمكنُ أن يكون (َتَرَى) خطاباً للنبي صلى الله عليه سلم، أو يمكنُ أن يُراد بها المخاطبُ، وإنما المرادُ من الأول التهديدُ بالوقوع، ومن الثاني التعجبُ من حالهم.
стр. 5393
قيل: نزلت في النضر بن الحرث، وكان جدلا يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، والله غير قادر على إحياء من بلى وصار ترابا. وهي عامة في كل من تعاطى الجدال فيما يجوز على الله وما لا يجوز من الصفات والأفعال، ولا يرجع إلى علم ولا يعضّ فيه بضرس قاطع، وليس فيه اتباع للبرهان ولا نزول على النصفة، فهو يخبط خبط عشواء، غير فارق بين الحق والباطل (وَيَتَّبِعُ) في ذلك خطوات كُلَّ شَيْطانٍ عات، علم من حاله وظهر وتبين أنه من جعله وليا له لم تثمر له ولايته إلا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا يعضُّ فيه بضرسٍ قاطع)، النهاية: وفي الحديث: "ولا يعضُّ في العلم بضرسٍ قاطع"، أي: لم يُتقنه، ولم يُحكِم الأمورَ، وفي الحديث أيضاً: "كان ما نشاءُ من ضرسٍ قاطع"، أي: ماضٍ في الأمور نافذِ العزيمة، يقال: فلانٌ ضرسٌ من الأضراس، أي: داهيةٌ.
قوله: (يخبطُ خبط عشواءَ)، النهاية: أي: يخبطُ في الظلام، وهو الذي يمشي في الليل بلا مصباح فيتحير ويضل، وربما تردى في بئرٍ، أو سقط على سبُع، وهو كقولهم: يخبطُ في عمياء: إذا ركب أمراً لجهالةٍ.
قوله: (عُلِمَ من حالِه وظهر وتبينَ)، إلى آخرِه، تفسيرٌ لقوله: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) فالضميرُ في (عَلَيْهِ): للشيطان، وكذا المنصوب في (تَوَلاَّهُ)، والمرفوعُ لمن، وإنما قال: "عُلمِ من حاله وظهر وتبين" لما أن قوله: (كُتِبَ عَلَيْهِ) وصفٌ آخر لشيطانٍ وتمثيلٌ، كأنه قيل: وجب على الشيطان ولزم عليه إضلالُ من يتولاه، ألا ترى كيف يجتهد في ذلك ويبذل وسعه فيه، ولا يترك من الحيل والنصب شيئاً إلا يفعله؟ وهذا بينٌ ظاهرٌ جليّ،
стр. 5394
الإضلال عن طريق الجنة والهداية إلى النار. وما أرى رؤساء أهل الأهواء والبدع والحشوية المتلقبين بالإمامة في دين الله إلا داخلين تحت كل هذا دخولا أوليا، بل هم أشدّ الشياطين إضلالا وأقطعهم لطريق الحق، حيث دوّنوا الضلال تدوينا ولقنوه أشياعهم تلقينا، وكأنهم ساطوه بلحومهم ودمائهم، وإياهم عنى من قال:
يا ربّ مقفوّ الخطا بين قومه … طريق نجاة عندهم مستو نهج
ولو قرءوا في الّلوح ما خطّ فيه من … بيان اعوجاج في طريقته عجّوا
اللهم ثبتنا على المعتقد الصحيح الذي رضيته لملائكتك في سمواتك، وأنبيائك في أرضك، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. والكتبة عليه مثل، أى: كأنما كتب إضلال من يتولاه عليه ورقم به لظهور ذلك في حاله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإليه الإشارةُ بقوله: "والكتبةُ عليه مثلٌ، أي: كأنما كُتب إضلالُ من يتولاه عليه، ورُقِمَ به لظهور ذلك في حالهِ".
قوله: (ساطوُهُ بلحومهم)، الجوهري: السوطُ: خلطُ الشيء بعضه ببعض.
النهاية: ومنه حديث عليٍّ مع فاطمة ﵄: "مَسُوطٌ لحمُها بدمي، ولحمي بدمها"، أي: ممزوجٌ مخلوط.
قوله: (ويا رُبَّ مقفوٍّ الخُطا) البيت، مقفوٌّ: من قفوتُ الرجل: إذا تبعته. النهج الطريقُ الواضح. عجوا: صاحوا، نحاهُ، بالحاءِ المهملة، عن الصغاني: أي: قصد. يقولُ. رُبَّ رجُلٍ مفيدٍ في قومه، متبوعٍ في حزبه، عندهم أنه على صراطٍ مستقيم، ولو قرؤوا ما في اللوح المحفوظ من ضلالته وغوايته ضجُّوا متضرعين إلى الله تعالى من أن يكونوا مثله.
стр. 5395
وقرئ: (أنه، فأنه) بالفتح والكسر، فمن فتح فلأن الأول فاعل (كتب)، والثاني عطف عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((أنَّهُ … فأنَّهُ)، بالفتح والكسر)، بالفتح: سبعةٌ، بالكسر: شاذ.
قوله: (فمن فتح فلأن الأول فاعلُ (كُتِبَ)، والثاني: عطف عليه)، قلتُ: هذا موضعٌ صعبٌ من حيث الإعراب، وقد اختلفت آراءُ الأدباء فيه، فالواجب أن نبسُط الكلامَ فيه فضلَ بسط، قال الزجاجُ: (أنَّهُ) في موضع رفع، و (فأَنَّهُ) عطفٌ عليه وموضعُها رفعٌ أيضاً، والفاءُ: الأجودُ فيها أن تكون في معنى الجزاء، وجائزٌ كسرُ "إنّ" مع الفاء، ويكونُ جزاءً لا غيرُ. والتأويلُ: كُتِبَ عليه- أي: على الشيطان- إضلالُ متوليه وهدايته إلى عذاب السعير. وحقيقةُ "أنّ" الثانية أنها مكررةٌ على جهة التأكيد؛ لأن المعنى: كُتِبَ عليه أنهُ من تولاهُ أضلَّه.
وقال أبو عليٍّ رحمه الله تعالى في "الإغفال": إعرابُ هذه الآية مُشكل، وأنا أشرحُه وأبينُ السهو فيه: قوله: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ)، (أنَّهُ): في موضع رفع، وهي ما توصلُ بالجمل، و (مَن) هاهُنا إما أن تكون شرطيةً أو موصولةً، فإن جعلتها شرطيةً فالفاء للجزاء، وإن جعلتها موصولةً فالفاء هي الداخلةُ في خبر المبتدأ المتضمن للشرط، فعلى التقديرين لا تكونُ عاطفةً، ثم "أنه" في قوله: (فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ) ليس بكلام تام؛ لأنك تقولُ: أنك منطلق، بفتح "أنّ"، فلا يكونُ ما بعده جملةً، فينبغي أن يقدر: فشأنه أنه يضله أو أمره، فثبت أن قول أبي إسحاق الزجاج رحمه الله تعالى: (فأنَّهُ) عطفٌ على (أنَّهُ) خطأٌ.
وقلتُ: والذي ذهب إليه المصنفُ رحمةُ الله تعالى عليه في العطف فنٌّ غريب؛ لأنه
стр. 5396
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جعله معطوفاً على (أنَّهُ) مع ما في حيزها، وما يتصلُ بها على تقدير حذفِ الجزاء. المعنى: كُتِبَ على الشيطان أنهُ من تولاه يُهلكه، فإنه يُضله عن طريق الجنة وثوابها، ويهديه إلى طريق السعير وعذابها، فالفاء مثلها في قوله: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤] والكلامُ متضمنٌ لأمورٍ مترتبةٍ بعضها على بعض، وهذا أقضى لحق البلاغة مما ذهب إليه أبو علي، وأشرحُ.
ويدلُّ على هذا التقدير قوله في تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ) [التوبة: ٦٣]، قال: ويجوزُ أن يكون (فَأَنَّ لَهُ) معطوفاً يهلك؟ فإن له نار جهنم، فاندفع بهذا قول صاحب "التقريب": وفي عطف (فَأَنَّهُ) على (أَنَّهُ) قبل تمام صلته، وعلى الثاني: تخللُ العطف بين أجزاء الشرطية والعطف قبل التمام. والأولى أن يُقدر بعد الفاء، وهي الجزائيةُ، مبتدأُ أو خبر، أي: فالأمرُ أنه، أو: فحقٌّ أنه، على أنه وافق المصنف في قوله: (أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدْ اللَّهَ) الآية [التوبة: ٦٣]، وقال: جواب الشرط محذوفٌ، وهو: يهلك، و (فَأَنَّ لَهُ): عطفٌ على (أنَّهُ)، أي: ألم يعلموا هذا، فهذا فلا يُلتفتُ إلى مخالفته هاهنا، وأما قوله: يلزمُ تخللُ العطف بين أجزاء الشرطية فهو واردٌ على تقدير الزجاج إذا جعل (فَأَنَّه) مكرراً، وهو أيضاً ضعيفٌ؛ لأنهم عدوا مثل ها التخللِ من المحسنات البديعية. وعن بعض الفضلاء أن الضمير في (َأَنَّهُ) للمُجادل، أي: كُتِبَ على الشيطان أن المجادل من تولاه، (فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ): عطف عليه، فلا يلزم المحذوران اللذان ذكرهما صاحب "التقريب". ويدفعه إرادةُ العموم من الآية وتعسفُ هذا المعنى. ويقالُ أيضاً: دل تقديرُ المصنف رحمةُ الله تعالى عليه كأنما كُتبَ إضلالُ من يتولاهُ على أن ما بعد الفاء إما جواب الشرط، أو خبرٌ للمبتدأ المتضمن معنى الشرط، ويأباه قوله: و"الثاني عطفٌ عليه"، لكن تقدير ذلك تحريرُ المعنى وتلخيصه.
стр. 5397
ومن كسر فعلى حكاية المكتوب كما هو، كأنما كتب عليه هذا الكلام، كما تقول: كتبت: إنّ الله هو الغنى الحميد. أو على تقدير: "قيل". أو على أن " كتب" فيه معنى القول.
(يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) [الحج: ٥].
قرأ الحسن "مِنَ الْبَعْثِ" بالتحريك. ونظيره: الجلب والطرد، في الجلب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو على تقدير "قيلَ")، عطفٌ على قوله: "فعلى حكاية المكتوب"، أي: ومن كر فعلى تقدير: وكُتب عليه قيل: إنه من تولاه، أي: كُتِبَ عليه هذا القولُ، و"قيل" هاهنا كما في قوله: (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ) على تقدير: وأُقسمُ بـ (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ) [الزخرف: ٨٨]، والضميرُ في "قيله" لرسول الله ﷺ ، وإقسامُ الله تعالى بـ (وَقِيلِهِ) رفعٌ منه، وتعظيمٌ لدعائه.
النهاية: وفي الحديث: " نهي عن قيل وقال"، وهو في حكاية أقوال الناس. قال القاضي رحمه الله تعالى: وقُرئ: "إنَّهُ" بالكسر في الموضعين على حكاية المكتوب، أو إضمار القول، أو تضمين الكتب معناه.
قوله: ("من البعث" بالتحريك)، في "المطلع": وهو قياسٌ عند الكوفيين فيما جاء من هذا المثال، وعينُه من حروف الحَلْق، كالشعر والنهر، وعند البصريين ليس بقياس، بل هما لُغتان كالحلبِ والحَلَب، والطردِ والطرَد، فيتوقفُ على السماع.
стр. 5398
والطرد، كأنه قيل: إن ارتبتم في البعث فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم. و"العلقة": قطعة الدم الجامدة. و"المضغة": اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ. و"المخلقة": المسواة الملساء من النقصان والعيب. يقال: خلق السواك والعود، إذا سواه وملسه، من قولهم: "صخرة خلقاء"، وإذا كانت ملساء، كأنّ الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة: منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم، وتمامهم ونقصانهم. وإنما نقلناكم من حال إلى حال ومن خلقة إلى خلقة (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا، ثم من نطفة ثانيا ولا تناسب بين الماء والتراب وقدر على أن يجعل النطفة علقة وبينهما تباين ظاهر، ثم يجعل العلقة مضغة والمضغة عظاما: قدر على إعادة ما أبدأه، بل هذا أدخل في القدرة من تلك، وأهون في القياس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فمُزيلُ ريبكم، أن تنظروا في بدء خلقكم)، يريدُ أن قوله: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) جزاءٌ لقوله: (إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ)، وشرط الجزاء أن يكون مسبباً عن الشرط، فلابد هاهنا من التأويل، فيقالُ: كونُكم في ريبٍ من البعث سببٌ حاملٌ للتنيه على النظر المؤدي إلى مزيل الريب، والإشارة إلى طريق الحق والصواب، وهو: (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) الآية، ولأن الكلام مع المرتابين؛ لأن التعريف في الناس للعهد، والمعهودُ: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ)، وكان من حق الظاهر: إذا كنتم في ريب، ففُرضَ ريبُهم فيه كما تُفرضُ المحالاتُ بعثاً لهم على النظر، وإرشاداً إلى أن المقام ليس موقعاً للريب ومنة له لوضوح دلائله، وسُطوع براهينه، فهو كقوله تعالى: (وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) [البقرة: ٢٣].
قوله: (وأهونُ في القياس)، أي: عند الناس وتقديرهم، وإلا فإن إرادة الله إذا تعلقت بشيء كان كما قال: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]. فالإبداء والإعادةُ سواءٌ.
стр. 5399
وورود الفعل غير معدى إلى المبين: إعلام بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يكتنهه الذكر ولا يحيط به الوصف وقرأ ابن أبى عبلة: "ليبين لكم. ويقرّ"، بالياء. وقرئ: و"نقرّ". و"نخرجكم"، بالنون والنصب. و"يقرّ"، و"يخرجكم"، و"يقرّ"، و"يخرجكم": بالنصب والرفع. وعن يعقوب: "نقرّ"، بالنون وضم القاف، من قرّ الماء إذا صبه، فالقراءة بالرفع إخبار بأنه يقرّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ أن يقرّه من ذلك إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وهو وقت الوضع آخر ستة أشهر، أو تسعة، أو سنتين، أو أربع، أو كما شاء وقدّر.
وما لم يشأ إقراره محته الأرحام أو أسقطته. والقراءة بالنصب: تعليل معطوف على تعليل. ومعناه: خلقناكم مدرجين هذا التدريج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وورودُ الفعل غير مُعدى إلى المُبيَّن)، يعني قوله: (لِنُبَيِّنَ) لم يُذكر له مفعولٌ ليعم التقدير، أو أنه يجري مجرى اللازم.
قوله: ("ونُفِرَّ"، و"نُخرجكم"، بالنون والنصب)، وهي شاذةٌ. وقرأ الجماعةُ: "نُقِرُّ" و (نُخْرِجُكُمْ)، بالنون والرفع.
قوله: (مَجَّتْه الأرحامُ)، أي: إذا كان نُطفةً، (أو أسقطته)، أي: إذا كان مُضغةً أو علقة أو غيرهما.
قوله: (تعليلٌ معطوفٌ على تعليل)، أي: لنبين ولنُقرَّ. قال الزجاجُ: (وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ) لا يجوز فيها إلا الرفع، ولايجوز أن يكون معناه: فعلنا لك لنقر في الأرحام؛ لأن الله تعالى لم يخلق الأنام ليقر في الأرحام، وإنما ليدلهم على رشدهم وصلاحهم. والمصنفُ فراراً من هذا السؤال قال: "حتى يولدوا وينشؤوا ويبلغوا حد التكاليف فأكلفهم"، فعلى هذا (لِتَبْلُغُوا) عطفٌ على (نُخْرِجُكُمْ)، وإنما أتى باللام ليؤذن بأن البلوغ هو المقصود الأولى؛ لأنه أوانُ التكليف. وعلى قراءة الرفع: (لِتَبْلُغُوا): عطفٌ على (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ).
стр. 5400
لغرضين، أحدهما: أن نبين قدرتنا. والثاني: أن نقر في الأرحام من نقرّ، حتى يولدوا وينشؤا ويبلغوا حد التكليف فأكلفهم. ويعضد هذه القراءة قوله (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال المصنفُ: "فإن قلتَ: كيف صح عطفُ (لِتَبْلُغُوا) على (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) ولا طباق؟ قلتُ: بل الطباقُ حاصلٌ؛ لأن قوله: (وَنُقِرُّ) قرينٌ للتعليل، ومقارنته له والتباسهُ به ينزلانه منزلةَ نفسه، فهو راجعٌ من هذه الجهة إلى متانة القراءة بالنصب.
هذا السؤال والجواب في بعض النسخ مثبت في المتن.
قوله: (ويعضد هذه القراءة قوله: (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ))، أي: قراءة النصب، وذلك أن قوله: (لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) يدل على التدرج والبلوغ إلى الغاية، فجيء من قوله: (وَنُقِرُّ)، (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ)، (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) منسوقاً على نسق التدرج، بخلاف القراءة بالرفع، وقلتُ: القراءةُ بالرفع، وهي التي اجتمع عليها الأئمة، أمتن معنى، وأمكن ترصيفاً؛ لأن قوله: (وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ) إلى آخره عطفٌ على (خَلَقْنَاكُمْ)، فاجتمع مع ذكر تلك الأطوار ذكرُ الزمانين: زمان لُبثِ الجنين في رحم الأم! ِ، وزمان المُكثِ في الدنيا من ابتداء الطفولة إلى البلوغ وإلى انتهاء الشيخوخة والرد إلى أرذل العمر، فلا يكون (لِتَبْلُغُوا) عطفاً على (لِنُبَيِّنَ) كما ذكرَ، بل على (نُخْرِجُكُمْ) كما عليه القراءةُ بالنصب، ويكون قوله: (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) واقعاً في البين اعتراضاً؛ لأن الكلام إلى آخر الآية سيق في الرد على مُنكري البعثِ والاحتجاج عليهم، ولبيان إثبات قُدرته الكاملة، وعلمه الشامل، فلا يختص البيانُ ببعضه دون بعض، لكن لما اشتمل تلك الأطوار السابقة على احتقار المنكر من كونه نطفةً وعلقةً ومُضغةً، أبرز (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) تنبيهاً على اختصامه مع احتقاره، كما قال: (أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) [يس: ٧٧]، وقال: (إِنَّا
стр. 5401
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ) [المعارج: ٣٩] أي: من نُطفةِ مهين، ويعضده ما روى الواحديُّ عن صاحب النظم رحمة الله تعالى عليهما: (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) أن البعث حق؛ لأن الآية نزلت دلالةً على البعث.
وقال الإمامُ: لنُبين لكم أن تغيير النطفة إلى العلقة، ثم إلى المُضغة المخلقة غير المخلقة، إنما هو من الفاعل المختار، أو المعنى: إن كنتم في ريب من البعث فإنا نُخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبين لكم ما يزيل عنكم ذلك الريب، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يكون عاجزاً عن الإعادة؟ وقال أيضاً: ثم نخرجكم ثم نسهل في تربيتكم وأغذيتكم أموراً لتبلغوا أشدكم، فنبه بذلك على الأحوال التي بين خروج الطفل من بطن أمه، وبين بلوغ الأشُد، ويكون بين الحالتين وسائط. أراد أن معلل (لِتَبْلُغُوا) محذوف، وهو عطفٌ على (نُخْرِجُكُمْ).
وقلتُ: ويمكنُ أن يُقال: إن التقدير: ثم لتبلغوا أشدكم، فعل ما فعل إرادةً للتخصيص، إيذاناً بأن بلوغ الأشد أفضل الأحوال، والإخراج أبدعُها، والرد إلى أرذل العمر أسوأها، فتغيير العبارة لذلك، ومن ثم نسب الإخراج إلى ذاته الأقدس، وحذف المعلل في الثاني، ولم ينسب الثالث إلى ذاته ، وسلب فيه ما أثبت للإنسان في تلك الحالة من اتصافه بالعلم والقدرة المومى إليه بالأشد، كأنه قيل: ثم نخرجكم من تلك الأطوار الخسيسة طفلاً، أي: إنشاءً بديعاً غريباً، ما قال: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: ١٤]، ثُم لتبلغوا أشدكم دبر ذلك التدبير العجيب، والإنشاء الغريب؛ لأنه أوانُ رسوخ العلم والمعرفة، والتمكن من العمل والطاعة، هو المقصود من الإنشاء بقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦]، ثم يميتكم، أو يردكم إلى أرذل العمر الذي يسلبُ به العلم والقدرة على العمل.
стр. 5402
وحده لأن الغرض الدلالة على الجنس. ويحتمل: نخرج كل واحد منكم طفلا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ونظيرُ هذا تقديراً ومعنى: ما في سورة يوسف، أما تقديراً فقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ) [يوسف: ٢١]، أي: ولنُعلمه من تأويل الأحاديث كان ذلك الإيحاء والتمكين. وأما معنى فقوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً) [يوسف: ٢٢]، فعلى هذا لا يردُ السؤال: كيف صح عطفُ (لِتَبْلُغُوا) على نبين لكم ولا طباق؟ ولم يحتج إلى ذلك الجواب الواهي، على أن عطف (وَنُقِرُّ) بالنصب على (لِنُبَيِّنَ) غيرُ ظاهرٍ كما قال الزجاج.
وقال أبو البقاء: (وَنُقِرُّ) الجمهور: على الضم على الاستئناف؛ إذ ليس المعنى: خلقناكم لنُقر، وقرئ بالنصب على أن يكون معطوفاً في اللفظ، والمعنى مختلفٌ؛ لأن اللام في (لِنُبَيِّنَ) للتعليل، واللامُ المقدرة مع "نُقرّ" للصيرورة.
وقلتُ: ودل العطف بـ"ثُمَّ" على التراخي بحسب الأزمنة، وبحسب المرتبة كنايةٌ. ولما كانت الدلائل الآفاقية مرتبطة بالأنفسية كما قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) [فصلت: ٥٣] ومشتبكة بعضها مع بعض، خصوصاً دلالة إحياء الأرض بعد موتها، وكانت أنموذجاً للبعث والنشر، عطف (وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً) على قوله: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) وإليه أشار بقوله: "هذه دلالة ثانية على البعث". وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) كالفذلكة للدليلين، وهو بمنزلة قوله: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) في تلك الآية، وإليه أشار بقوله: "ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم، وإحياء الأرض حاصلٌ بهذا"، والله يقولُ الحقَّ وهو يهدي السبيل، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
قوله: (وحده)، أي (طِفْلاً)، قال القاضي: (طِفْلاً): حالٌ أجريت على تأويل: كل واحد، أو للدلالة على الجنس، أو لأنه في الأصل مصدرٌ.
стр. 5403
"الأشد": كمال القوة والعقل والتمييز، وهو من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد كالأسدّة والقتود والأباطيل وغير ذلك، وكأنها شدّة في غير شيء واحد، فبنيت لذلك على لفظ الجمع. وقرئ: "ومنكم من يتوفى"، أى يتوفاه الله (أَرْذَلِ الْعُمُرِ) الهرم والخرف، حتى يعود كهيئته الأولى في أوان طفولته: ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم. بين أنه كما قدر على أن يرقيه في درجات الزيادة حتى يبلغه حد التمام، فهو قادر على أن يحطه حتى ينتهى به إلى الحالة السفلى (لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً) أى: ليصير نساء بحيث إذا كسب علما في شيء لم ينشب أن ينساه ويزل عنه علمه حتى يسأل عنه من ساعته، يقول لك: من هذا؟ فتقول: فلان، فما يلبث لحظة إلا سألك عنه. وقرأ أبو عمرو: "العمر"، بسكون الميم. "الهامدة": الميتة اليابسة. وهذه دلالة ثانية على البعث، ولظهورها وكونها مشاهدة معاينة، كررها الله في كتابه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كالأسدة)، وهو جمعُ "سَدّ" بمعنى العيب كالحاجز. الجوهري: والسد بالفتح: واحدُ الأسدة، هي العيوبُ، مثل العمى والصمم والبكم، جُمع على غير قياس، وكان قياسه: سُدوداً. ومنه قولهم: لا تجعلن بجنبك الأسدةَ: أي: لا تُضيقنَّ صدرك، فتسكُتَ عن الجواب كمن به صممٌ وبكمٌ.
قوله: (والقتودُ) جمع قَتَدٍ، وهي على غير قياس، وجمعه لقياسي في القلة: أقتادٌ، ونظيره في الشذوذ: أسودٌ، جمع أسدٍ في الكثرة، وقال صاحب "التقريب": وفيه نظرٌ؛ لأنه جمعٌ على غير قياس. قال الجوهري القتدُ: خشبُ الرحل، وجمعه، أقتادٌ وقتود.
قوله: (لم ينشب)، ويروى: لم يلبث، وهو مثل قولهم: ما لبث أن فعل كذا لقوله تعالى: (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) بهود: ٦٩].
قوله: (وقرأ أبو عمرو: "العُمْرُ"، بسكون الميم)، أي: في الشاذة.
стр. 5404
(اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) تحرّكت بالنبات وانتفخت، وقرئ: "ربأت"، أى ارتفعت. و"البهيج": الحسن السارّ للناظر إليه.
(ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) ٦ - ٧ [
أى: ذلك الذي ذكرنا من خلق بنى آدم وإحياء الأرض، مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحكم واللطائف، حاصل بهذا وهو السبب في حصوله، ولولاه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "ربأت")، قال ابن جني: و"ربأت" بالهمز رُويت عن أبي عمرو بن العلاء، والمشهور: ربت، من: ربا يربو: إذا ذهب في جهاته زائدة، وأما الهمز فمن: ربأتُ القوم: إذا أشرفتَ مكاناً علياً لتحفظهم. وهذا النماء فيه الشخوص والانتصاب لكن إذا وُصف عُلوها دل على أن الزيادة قد شاعت في جميع جهاتها، وهذا مما يُذكر أحدُ أوصاف الشيء فيدل على بقيته.
قوله: (أي: ذلك) إلى قوله: (حاصلٌ بهذا)، "هذا" إشارةٌ إلى قوله تعالى: (بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) الآية، والضميرُ في "وهو أن الله" راجعٌ إلى لفظ "هذا" باعتبار معناه المشار إليه.
قال أبو علي: موضع (ذَلِكَ) رفعٌ على الابتداء، والجارُّ مع المجرور في موضع خبره، ولايجوز غيره. وقلتُ: فيه تلويحٌ من حكاية قوله تعالى: "كنتُ كنزاً مخفياً فخلقتُ الخلقَ لأُعرفَ"، يعني: خلقُ الإنسان من التراب، وتقلبه في الأطوار المختلفة الحالات المتنافية، وإنشاء النبات من الأرض الهامدة، وتصييره كل صنف بهيج رائقٍ مختلفاً ألوانُه،
стр. 5405
لم يتصور كونه، وهو بِأَنَّ (اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) أى الثابت الموجود، وأنه قادر على إحياء الموتى وعلى كل مقدور، وأنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث، فلا بدّ أن يفي بما وعد.
[(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)].
عن ابن عباس أنه أبو جهل بن هشام. وقيل: كرر كما كررت سائر الأقاصيص. وقيل: الأوّل في المقلدين، وهذا في المقلدين. والمراد ب"العلم": العلم الضروري. وب"الهدى": الاستدلال والنظر، لأنه يهدى إلى المعرفة. وبـ"الكتاب المنير":
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنما كان ليُظهر أن الله هو الموجود الحي الأزليُّ الدائم، والحكيم العالم بدقائق الأشياء وعظائمها، وأنه القادرُ على ما يرتابون فيه من البعث، على كل ما يدخل تحت القدرة من الممكنات، وإنما كان ذلك لئلا يُخلف وعده من جزاء المحسن والمسيء لإتيان الساعة، وبعث من في القبور، فسبيل (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ) من قوله: (وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) سبيلُ قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) من قوله تعالى: (وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى)، لكن قدم وأخر لرعاية الفواصل.
قوله: (وقيل: كُرر كما كررت سائر الأقاصيص) عطفٌ على قوله: "عن ابن عباس: أنه أبو جهل"، يعني: أن قوله تعالى: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) إما نازلٌ في أبي جهل كما قال ابن عباس، أو نازلٌ في النضر بن الحارث كما ذكر أن قوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) نازلٌ فيه فكُررت قصته كما كررت أقاصيص سائر المعاندين، أو كرر ليناط به ما لم ينط به أولاً، (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) نازلٌ فيه ليكون ذماً للمقلدين، وثانياً قوله: (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) ليكون ذماً للمقلدين بفتح اللام.
قوله: (والمرادُ بالعلم العلمُ الضروريُّ)، قال الإمام: المعنى أنه يجادل من غير معرفة
стр. 5406
الوحي، أي يجادل بظن وتخمين، لا بأحد هذه الثلاثة. و"ثنى العطف": عبارة عن الكبر والخيلاء، كتصعير الخدّ ولىّ الجيد. وقيل: عن الإعراض عن الذكر. وعن الحسن: "ثانى عطفه"، بفتح العين، أى: مانع تعطفه (لِيُضِلَّ) تعليل للمجادلة. قرئ بضم الياء وفتحها.
فإن قلت:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ضروريةٍ ولا نظريةٍ ولا سمعية، والآية دالة على أن الجدال مع العلم والهدى والكتاب المنير حق حسن.
قوله: (وثنى العطف عبارة عن الكبر)، قال صاحب "المطلع": الثني: الليُّ، والعطفُ: الجانب، وهو ما يعطفه الإنسان ويلويه ويميله عند الإعراض عن الشيء، وهو عبارةُ عن الكبر والخيلاء. قال ابن عباس: متكبراً في نفسه. وقال ابن زيد: معرضاً عما يُدعى إليه كبراً. وهو حالٌ من فاعل يُجادلُ.
قوله: (كتصعير الخد)، الجوهري: الصعرُ: الميلُ في الخدَّ خاصة، وقد صعر خده وصاعر، إذا أماله من الكبر.
الراغب: الصعرُ: ميلٌ في العنق، والتصعير: إمالته عن النظر كبراً، قال تعالى: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) [لقمان: ١٨]، وكل صعبٍ يقالُ له: مصعرٌ، الظليمُ أصعر خلقة.
قوله: (ثاني عطفه، بفتح العين)، أي: مانع تعطفه، فهو أيضاً كنايةُ عن الكبرياء والجبروت؛ لأن ذا الجبروت لا تعطف له ولا رحمة، كأنه قيل: من الناس من يجادل في الله متجبراً في نفسه، ولا يعطفُ على أحد.
قوله: (قرئ بضم الياء فتحها)، "ليضل" بالفتح: ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو، والباقون: بالضم.
стр. 5407
ما كان غرضه من جداله الضلال عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فكيف علل به؟ وما كان أيضا مهتديا حتى إذا جادل خرج بالجدال من الهدى إلى الضلال؟ قلت: لما أدّى جداله إلى الضلال، جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضا له فتركه وأعرض عنه وأقبل على الجدال بالباطل، جعل كالخارج من الهدى إلى الضلال. و"خزيه": ما أصابه يوم بدر من الصغار والقتل، والسبب فيما منى به من خزى الدنيا وعذاب الآخرة: هو ما قدمت يداه، وعدل الله في معاقبته الفجار وإثابته الصالحين.
[(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ* يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ* يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وما كان غرضه في جداله الضلال)، تلخيص السؤال أن قوله: (لِيُضِلَّ) إما أن يتعلق به (يُجَادِلُ) تعليلاً أو (ثَانِيَ عِطْفِهِ)؛ وعلى الأول كيف يستقيم؛ لأن أحداً لا يجادل ليضل؟ وعلى الثاني أنَّى يتسنى؛ لأن الثني للضلال مسبوقُ بوجود الاهتداء؟ وأجاب عن الأول أن اللام مثلها في قوله: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ) [القصص: ٨]، وعن الثاني أنه من قبيل (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: ١٦] في جعلِ التمكن على الهدى كالحصول عليه.
قوله: (معرضاً له)، من "أعرضً" بمعنى: مكن، أي: ممكناً، من العُرض وهو الجانب. والعرضة: المتعرض للأمر، قال:
فلا تجعلوني عرضة للوائم
قوله: (فيما مُني به)، الأساس: مُني بكذا: بُلي به، وهو ممنوٌّ به.
стр. 5408
(عَلى حَرْفٍ) على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه. وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم، لا على سكون وطمأنينة، كالذي يكون على طرف من العسكر، فإن أحسّ بظفر وغنيمه قرّ واطمأن، وإلا فرّ وطار على وجهه.
قالوا: نزلت في أعاريب قدموا المدينة، وكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرا سريا، وولدت امرأته غلاما سويا، وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في دينى هذا إلا خيرا، واطمأن. وإن كان الأمر بخلافه قال: ما أصبت إلا شرا، وانقلب.
وعن أبى سعيد الخدري أن رجلا من اليهود أسلم فأصابته مصائب، فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي ﷺ فقال: أقلنى، فقال «إنّ الإسلام لا يقال» فنزلت.
المصاب بالمحنة بترك التسليم لقضاء الله والخروج إلى ما يسخط الله: جامع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وطار على وجهه)، أي: أسرع مستعلياً على وجهه هائماً لا يدري أين يتوجه، وهو كنايةٌ عن الهزيمة، فإن المنهزم مولي ظهره العدو، ويُقبلُ بوجهه الجهة التي يقصدها، لكن هاهنا عبارةٌ عن القلق والاضطراب لوقوعه مقابلاً لقوله: (اطْمَانَ) فعُدل للمبالغة.
قوله: (قالوا: نزلت في أعاريب)، روى البخاري عن ابن عباس، قال: " (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) كان الرجل يقدم على المدينة، فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال: هذا دينٌ صالح، وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله، قال: هذا دينٌ سوء".
قوله: (ونتجت فرسه)، الجوهري: نُتجت الناقة- على ما لم يسم فاعله- تنتج نتاجاً، وقد نتجها أهلها نتجاً، وأنتجت الفرسُ: إذا حان نتاجها. الأساس: نُتجت الناقة، وهي منتوجةٌ وأنتجت فهي منتجة: إذا وضعت، وقد نتجت: إذا حملت.
قوله: (مهراً سرياً)، أي: خطيراً كريماً.
стр. 5409
على نفسه محنتين، إحداهما: ذهاب ما أصيب به. والثانية: ذهاب ثواب الصابرين، فهو خسران الدارين.
وقرئ: "خاسر الدنيا والآخرة" بالنصب والرفع، فالنصب على الحال، والرفع على الفاعلية. ووضع الظاهر موضع الضمير، وهو وجه حسن. أو على أنه خبر مبتدأ محذوف.
استعير (الضَّلالُ الْبَعِيدُ) من ضلال من أبعد في التيه ضالا، فطالت وبعدت مسافة ضلالته.
فإن قلت: الضرر والنفع منفيان عن الأصنام مثبتان لها في الآيتين، وهذا تناقض. قلت: إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم، وذلك أن الله تعالى سفه الكافر بأنه يعبد جمادا لا يملك ضرا ولا نفعاً، وهو يعتقد فيه بجهله وضلاله أنه يستنفع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "خاسر الدنيا والآخرة")، قال ابن جني: هي قراءة مجاهد وحُميد بن قيس، على معنى: انقلب على وجهه خاسراً؛ لأنه على تقديرالانفصال. وقراءة الجماعة: (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ)، الجملة بدل من قوله: (انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ)، فكأنه قال: إن أصابته فتنةٌ خسر الدنيا والآخرة.
قوله: (ووضع الظاهر موضع الضمير)، لأن في (انقَلَبُ) الضمير المرفوع الراجع إلى "الناس"، فإذا جُعِلَ "خاسر الدنيا" فاعلاً له، وانقلب المستتر بارزاً ظاهراً، فقد آذن بأن من يعبد الله على حرف هو الخاسر الدامر، ففيه تعليلٌ، وإليه الإشارة بقوله: "وهو وجهٌ حسن"، وعلى المشهورة: (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ)، كالتوضيح والبيان للجملة السابقة وتكرير معنى الخسران والتصوير؛ لأن فائدة البدل التفسيرُ والتوكيد، وعلى أن يكون "خاسرُ": خبر مبتدأ محذوف، تكونُ الجملة واردةً على الذم والشتم، وعلى الال تكون مؤكدة، نحو قوله تعالى: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) [التوبة: ٢٥].
стр. 5410
به حين يستشفع به، ثم قال: يوم القيامة يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ، حين يرى استضراره بالأصنام ودخوله النار بعبادتها، ولا يرى أثر الشفاعة التي ادعاها لها (لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يوم القيامة يقولهذا الكافر بدعاءٍ وصُراخ)، يوم القيامة: ظرفٌ ليقول، لا لقال، يريد أن يدعو الثاني بمعنى يقول، وأنشد الزجاج لعنترة قوله:
يدعون عنتر والرماح كأنها … أشطان بئرٍ في لبان الأدهم
أي: يقولون: يا عنترةُ، والشطن: الحبل، والأدهم: فرسه. فقوله تعالى: (لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) مستأنفٌ مرفوعٌ بالابتداء، وخبره: (لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ)، والهاء في (ضَرُّهُ) و (نَفْعِهِ): ضمير الصنم، والجملة مقول (يَدْعُوا)؛ لأنه بمعنى القول. والمعنى: يقول الكافر في القيامة حين لا يرى للشفاعة أثراً للصنم الذي حاله هذا: لبئس الناصر والشفيع هو، ولبئس المعاشر والمخالط. قال السجاوندي: اللام في (لَمَن) للابتداء، و (وَلَبِئْسَ): خبره، واللام فيه: جوابُ قسم محذوف.
وقال أبو البقاء: (يَدْعُوا) بمعنى: يقول، و (مَن): مبتدأ، و (ضَرُّهُ): مبتدأ، و (َأَقْرَبَ): خبره، والجملة صلة (مَن)، وخبرُ (مَن) محذوف تقديره: إلهٌ أو إلهي، وموضعُ الجملة نصبٌ بالقول. و (وَلَبِئْسَ): مستأنفة؛ لأنه لا يصح دخوله في الحكاية؛ لأن الكفار لا يقولون عن أصنامهم: لبس المولى.
وقال صاحب "الكشاف": قال البصريون: الوجه في الآية أن يكون في (يَدْعُوا): ضميرٌ عائدٌ إلى ذلك، أي: ذلك هو الضلالُ البعيدُ يدعوه، والجملةُ في موضع النصب على الحال، أي: ذلك هو الضلالُ البعيدُ مدعواًّ.
стр. 5411
أو كرّر يدعو، كأنه قال: يدعو يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبودا أقرب من نفعه بكونه شفيعا لبئس المولى. وفي حرف عبد الله: "من ضره"، بغير لام. "المولى": الناصر. و"العشير": الصاحب، كقوله (فَبِئْسَ الْقَرِينُ) [الزخرف: ٣٨].
[(إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ* مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ) ١٤ - ١٥]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو كرر يدعو)، قال أبو البقاء: (يَدْعُوا) إذا قُدر مكرراً لا يكون له معمول، لا لفظاً ولاتقديراً.
وقلتُ: فعلى هذا (يَدْعُوا) في الموضعين بمعنى: يعبُد، ولهذا قدر في الجملة الثانية معنى العبودية. وقال: "لمن ضرُّه بكونه معبوداً"، فالجملة الاثنية استئنافٌ على بيان الموجب، فنه تعالى لما قبح فعلهم وشنعَ عليهم عبادتهم لما لا ينفع ولا يضر، اتجه لسائل: لماذا هي النقيصة لهم في معبودهم؟ فقيل: (لَمَنْ ضَرُّهُ) إلى آخره. المعنى: من ضره أقربُ من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير، فكيف بما كله ضر ولايوجد فيه نفعٌ البتة.
قوله: (وفي حرف عبد الله: "من ضره" بغير لام)، وهي مؤذنةٌ بأن اللام في (لمَن): زائدةٌ. قال ابن الحاجب: قيل: إن اللام في (لَمَنْ ضَرُّهُ) زائدةٌ، و"من ضرُّه" في موضع نصب مفعول (يَدْعُوا). وليس بشيء؛ لأن اللام المفتوحة لا تُزاد بين الفعل ومفعوله.
وقال الفراءُ: إن اللام مقدمةٌ عن موضعها، والتقدير: يدعو من لضره أقربُ من نفعه. وليس بجيدٍ أيضاً؛ لأن لام الابتداء لا تتقدمُ عن موضعها، وأيضاً ما في صلة الذي لا يتقدمُ عليها.
стр. 5412
هذا كلام قد دخله اختصار. والمعنى. إن الله ناصر رسوله في الدنيا والاخرة، فمن كان يظنّ من حاسديه وأعاديه أن الله يفعل خلاف ذلك ويطمع فيه، ويغيظه أنه يظفر بمطلوبه، فليستقص وسعه وليستفرغ مجهوده في إزالة ما يغيظه، بأن يفعل ما يفعل من بلغ منه الغيظ كل مبلغ حتى مدّ حبلا إلى سماء بيته فاختنق، فلينظر وليصوّر في نفسه أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يغيظه؟ .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هذا كلامٌ قد دخله اختصارٌ)، يعني: قوله: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) يستدعي كلاماً يذكرُ فيه أن الله تعالى ينصر رسوله في الدنيا والآخرة. ومنكراً ينكره؛ لأن الضمير في (يَنصُرَهُ) يطلب مرجوعاً إليه، و (لَنْ يَنصُرَهُ) يوجب كلاماً أنكر فيه ما يصلح أن يكون هذا رده، كما سبق أنك تقول لصاحبك: لا أقيم غداً، وإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غداً.
وأما بيانُ النظم فإنهُ تعالى لما قسم المعاندين والمخالفين إلى المجادلين ومن لا يثبت على الإسلام، وبالغ في هدم قواعدهم وأساس دينهم، وبين أنهم خسروا الدنيا والآخرة، وأن معبوديهم غير قادرين على دفع خسرانهم ذلك، بل يتضررون بسبب عبادتهم ويعبدون من ضره أقرب من نفعه، ومن يقالُ في حقه: لبئس المولى والعشير، عقبه بذكر أضدادهم ومن أعمالهم علىخلاف أعمالهم، من مولاهم وناصرهم يقالُ في حقه: نعم المولى ونعم النصير، حيث يُدخلهم- لأعمالهم الصالحة- جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، وينصرهم في الدنيا والآخرة، وأبرز ذلك إبرازاً يزيدُ في حرة أضدادهم، فإن الإحسان إلى الأضداد مما يزيدُ في غم الضد، وداخلٌ في جملة التنكيل بهم.
قوله: (ويغيظه أنه يظفرُ بمطلوبه)، والضميرُ في "أنه" لرسول الله ﷺ ، ويروى: "أنه لا يظفر بمطلوبه"، فالضمير حينئذٍ للحاسد.
قوله: (الذي يغيظه)، يريد أن "ما" في (مَا يَغِيظُ): موصولةٌ، وجعلها الزجاج مصدرية، أي: هل يُذهبن كيده غيظه، أي على سبيل الاستهزاء. أي: سمى خنق نفسه
стр. 5413
وسمي الاختناق قطعا لأنّ المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه. ومنه قيل للبهر: القطع «١». وسمى فعله كيدا لأنه وضعه موضع الكيد، حيث لم يقدر على غيره. أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده إنما كاد به نفسه. والمراد: ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كيداً تهكماً به؛ لأن وبال الكيد راجعٌ إليهم.
قوله: (وسُمي الاختناقُ قطعاً)، يعني: كنى عن الاختناق بالقطع، فإنه لازمه، تقول العرب: قُطع فلانٌ: إذا اختنق.
قوله: (قيل للبهر: القطع)، البهرُ بالضم: العلةُ التي تمنعُ التنفس.
قوله: (وسُمي فعلُه كيداً)، وهو قوله تعالى: (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ) الآية.
قوله: (لأنه وضعه موضع الكيد)؛ لأن المراد بالمد والقطع: الكيدُ، فكأنه قيل: من كان يظن من حاسديه أن الله تعالى لا ينصر رسوله في الدنيا والآخرة فليستقص وُسعه في إزالة ما يغيظه، وهو الكيد نفسه ادعاء، فوضع موضع (فَلْيَمْدُدْ) إلى آخره. وعن بعضهم: لم يقدر على غيره، أي: المناسبة بين ما فعل وبين الكيد هي أن الكائد كيده منتهى فعله وقدرته، كما أن هنا كذلك.
قوله: (أو على سبيل الاستهزاء) أي: سمى خنق نفسه كيداً؛ تهكماً به؛ لأن وبال الكيد راجعٌ إليه. قوله: (والمرادُ: ليس في يده إلا ما ليس بمذهبٍ لما يغيظ)، يعني: حاصلُ الوجهين
стр. 5414
وقيل: فليمدد بحبل إلى السماء المظلة. وليصعد عليه فليقطع الوحى أو ينزل عليه. وقيل: كان قوم من المسلمين لشدّة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطئون ما وعد الله رسوله من النصر، وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يثبت أمره. فنزلت.
وقد فسر النصر: بالرزق، وقيل: معناه أن الأرزاق بيد الله لا تنال إلا بمشيئته،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعودُ إلى هذا المعنى، وهو من أسلوب قوله تعالى: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى) [الدخان: ٥٦]، أي: لوقدروا على كيدٍ لكان هذا الفعلُ، وهذا ليس بكيدٍ، فلا يكون كيدٌ قطُّ.
قوله: (وقيل: فليمدد بحبل إلى السماء)، عطفٌ على قوله: "حتى مد حبلاً إلى سماء بيته فاختنق"، فعلى هذا الكلامُ فيه استعارةٌ تمثيلية، والأمرُ للتعجيز، وعلى الأول: كنايةٌ عن شدة الغيظ، والأمر للإهانة. قال محيي السنة: ليس هذا الأمر على سبيل الحتم؛ لأنهُ لا يمكنه القطعُ النظرُ بعد الاختناق والموت، وهو مثل قولك للحاسد: إن لم ترض هذا فاختنق ومُت غيظاً.
قوله: (كان قومٌ من المسلمين)، والمعنى: من استبطأ نص رالله، وطلب الموعود عاجلاً، فليهلك نفسه بالخنق أو خرورٍ من السماء، فإن لذلك وقتاً لا يجوز إيقاعه إلا فيه.
قوله: (وقد فُسرَ النصرُ بالرزق)، فعلى هذا الكلام تام، فلم يدخله الاختصار، وكذا على الوجه الأخير، والضمير في (يَنْصُرُهُ) لكل أحد، وهو راجعٌ إلى "مَنْ"؛ ولهذا قال: "لا بد للعبد من الرضا بقسمته، فمن ظن أن الله غير رازقه فليبلغ غاية الجزع".
روى محيي السنة عن مجاهد: النصرُ: الرزق. وقال أبو عبيدة: تقول العربُ: أرضٌ منصورةٌ، أي: ممطورةٌ، وحينئذٍ تكونُ الآية متصلةً بقوله: " (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى
стр. 5415
ولا بد للعبد من الرضا بقسمته، فمن ظنّ أن الله غير رازقه وليس به صبر واستسلام، فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق، فإن ذلك لا يقلب القسمة ولا يردّه مرزوقا.
[(وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ)].
أي: ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله (آياتٍ بَيِّناتٍ) (وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي) به الذين يعلم أنهم يؤمنون. أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، أنزله كذلك مبينا.
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)].
الفصل مطلق يحتمل الفصل بينهم في الأحوال والأماكن جميعا، فلا يجازيهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حَرْفٍ) فإنها نازلةٌ في أعاريب، وكان أحدهم إذا صح بدنه، ونُتجت فرسه مهراً"، إلى آخره ويكون قوله: (يَدْعُوا) إلى آخر الآيات معترضةً مؤكدةً لمعنى تجهيلهم، وأن الله هوالقابض الباسط وهو الضار النافع وحده.
قوله: (ومثلُ ذلك الإنزال)، يعني: مثل ما تقدم من آيات القرآن المشتملة على البيان التام، أنزلنا القرآن كله، يعني: كل آيات القرآن مبنيات، وقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي) تعليلٌ لكون القرآن بياناً، ومعلله محذوفٌ يدل عليه المذكور، والجملة من التعليل والمعلل معطوفةٌ على ما قبلها علىطريقة: أعجبني زيدٌ وكرمُه. ونظيره قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) [الأنعام: ٥٥]. وأما بيانُ النظم فنه تعالى لما ذكر المجادلين من المخالفين، وأراد أن يعم المخالفين كلهم بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا … ) الآية، أوقع هذه الآية كالتخلص من وصفهم إلى وصفهم.
قوله: (يحتملُ الفصل بينهم في الأحوال والأماكن)، هذا إعمالٌ للفظ الواحد في معنيين متوافقين إعمال القدر المشترك.
стр. 5416
جزاء واحدا بغير تفاوت، ولا يجمعهم في موطن واحد. وقيل: الأديان خمسة: أربعة للشيطان وواحد للرحمن. جعل الصابئون مع النصارى لأنهم نوع منهم. وقيل (يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ) يقضى بينهم، أى بين المؤمنين والكافرين. وأدخلت (إِنَّ) على كل واحد من جزأى الجملة لزيادة التوكيد.
ونحوه قول جرير:
إنّ الخليفة إنّ الله سربله … سربال ملك به ترجى الخواتيم
[(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ)].
سميت مطاوعتها له فيما يحدث فيها من أفعاله ويجريها عليه من تدبيره وتسخيره لها: سجودا له، تشبيها لمطاوعتها بإدخال أفعال المكلف في باب الطاعة والانقياد، وهو السجود الذي كل خضوع دونه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأُدخلت (إنَّ) على كل واحد من جُزأي الجملة)، قال الزجاج: خبرُ "إنّ" الأولى في الآية جملة الكلام مع "إنّ" الثانية. وقد زعم قومٌ أن قولك: "إن زيداً إنه قائمٌ" رديءٌ، وأن هذه الآية إنما صلُحت في "الذي"، ولا فرق بين "الذي" غيره في باب "إنّ"، إن قلت: إن زيداً إنه قائمٌ، كان جيداً، ومثله قول جرير:
إن الخليفة إن الله سربله … سربال مُلكٍ به تُزجى الخواتيم
وليس بين البصريين خلافٌ في أن "إن" تدخلُ على كل ابتداء وخبر، تقول: إن زيداً هو قائمٌ، وإن زيداً أنه قام.
الإزجاء: السوق، والمراد بالخواتيم: المُلك.
قوله: (تشبيهاً لمطاوعتها بإدخال أفعال المكلفِ في باب الطاعة)، هذا بيانٌ لتمهيد
стр. 5417
فإن قلت: فما تصنع بقوله (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) وبما فيه من الاعتراضين:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاستعارة؛ لأنها نوعٌ من المجاز الذي العلاقة فيه التشبيه، يعني: استعار السجود المتعارف وهو وضعُ الجبهة على الأرض خُضعاناً للباري لمطاوعة الأشياء له فيما يحدث فيها من أفعاله لعلاقة الحصول على وفق إرادته، وجريان مشيئةٍ من غير امتناع منها، كقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]، كل نوع من أنواعه المختلفة، سواءٌ كانت حقيقةً أم مجازاً مُراداً منهذا العام دفعةً واحدة.
قوله: (فإن قلت: فما تصنعُ بقوله: (وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ)؟ )، يعني: هذا يرد تأويلك السجود من وجهين:
أحدهما: أن هذا المعنى شامل للجماد والحيوان والمطيع والعاصي، فأي فائدة في ذكر (وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ)؟
وثانيهما: أن إسناد السجود إلى المذكورات يوجبُ أن شيئاً منها لا يخرجُ عن هذا الحكم، ومفهوم قوله تعالى: (وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ) يخرجُ البعض نمه فيلزمُ التناقض.
وأما جوابه: "لا أنظم "كثيراً" من المفردات"، يعني: لا أجعلُ العطف من باب عطفِ المفرد على المفرد، بل أجعله منباب عطف الجملة، وأضمرُ عاملاً آخر، وأفسرُ السجود الأول بالمطاوعة والانقياد، والثاني بالمتعارف، هو الطاعة والعبادةن ليكون من باب عطف الخاص على العام من حيث الفعل والفاعل تشريفاً لعباده الصالحين فليدفع هذا السؤال، لا ان عموم المجاز يقتضي ذلك. فلا يردُ أيضاً ما أوردهُ صاحب "الفرائد"، وقال: إن اللفظ الواحد لا يصلح استعماله على معنيين مختلفين منظورٌ فيه، ولا شك أن قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) [الأحزاب: ٥٦] أن الصلاة مستعملةٌ على معنيين مختلفين في حالة واحدة لما قررنا أن المانع عطفُ (وَكَثِيرٌ) على (مِنَ)، فيجوز أن تُحمل الصلاةُ عليه - صلواتُ الله وسلامه عليه- للاعتناء بشأنه، وإظهار شرفه
стр. 5418
أحدهما: أنّ السجود على المعنى الذي فسرته به، لا يسجده بعض الناس دون بعض. والثاني: أنّ السجود قد أسند على سبيل العموم إلى من في الأرض من الإنس والجن أولا، فإسناده إلى كثير منهم آخرا مناقضة؟ قلت: لا أنظم كثيرا في المفردات المتناسقة الداخلة تحت حكم الفعل، وإنما أرفعه بفعل مضمر يدل عليه قوله (يَسْجُدُ) أى ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة.
ولم أقل: أفسر (يسجد) الذي هو ظاهر بمعنى الطاعة والعبادة في حق هؤلاء، لأنّ اللفظ الواحد لا يصحّ استعماله في حالة واحدة على معنيين مختلفين، أو أرفعه على الابتداء والخبر محذوف وهو "مثاب"، لأنّ خبر مقابله يدل عليه، وهو قوله (حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ) ويجوز أن يجعل (مِنَ النَّاسِ) خبرا له، أى: من الناس الذين هم الناس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ونبوته، أمره صلوات الله وسلامه عليه على عموم المجاز، فتكون مستعملةً على حقيقته مختلفتين في حالة واحدة؛ لأنه لا صارف.
قوله: (ولم أقل: أفسرُ (يَسْجُدُ))، "أفسرُ"، بدلٌ من "أقلْ"، أو عطفُ بيان، أي: لم أرفع "كثير" بالفعل المذكور، ولم أفسرِ الفعل المذكور بمعنى المطاوعة والعبادة معاً.
قوله: (ويجوز أن يُجعل (مِنْ النَّاسِ) خبراً له)، أي: لـ"كثير"، وهو نكرةٌ صرفة. قال صاحب "التقريب": مصححه التنوين نحوُ: "شرٌّ أهر ذا ناب".
وقلت: المعنى: كثيرٌ له فضلٌ واعتدادٌ لا يخفى على كل أحدٍ وهم المؤمنون الكاملون؛ لكونه مقابلاً لقوله: (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ)، ويجوز أن يكون المصحح وقوعه مقابلاً لمن يضاده، فيكون كتعريف غير إذا وقع بين الضدين، أو يكون على منوال قول الشاعر:
стр. 5419
على الحقيقة وهم الصالحون والمتقون. ويجوز أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب، فيعطف كثير على كثير، ثم يخبر عنهم ب (حقّ عليهم العذاب)، كأنه قيل: وكثير وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وقرئ: "حق"، بالضم. وقرئ: "حقا"، أى حقّ عليهم العذاب حقا. ومن أهانه الله - بأن كتب عليه الشقاوة لما سبق في علمه من كفره أو فسقه - فقد بقي مهانا «١»، لن تجد له مكرما. وقرئ: "مكرم"، بفتح الراء بمعنى الإكرام. (إنه يَفْعَلُ ما يَشاءُ) من الإكرام والإهانة، ولا يشاء من ذلك إلا ما يقتضيه عمل العاملين واعتقاد المعتقدين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيومٌ علينا ويومٌ لنا … ويومٌ نساءُ ويومٌ نسرُّ
أي: من الناس الذين هم الناس على الحقيقة، يعني: يحملُ التعريفُ في الناس على الحقيقة والجنس، فإن الجنس إذا أطلق على بعضه اعتبر الكمال فيه؛ ولهذا قال: "وهم الصالحون المتقون".
قوله: (ومن أهانه الله)، والتلاوة (يُهِنْ اللَّهُ) مؤذن بأن إيثار المضارع في الآية للاستمرار لا لمطلق الإخبار.
قوله: (ولا يشاءُ من ذلك إلا ما يقتضيه عملُ العاملين)، يعني: إن كان العاملُ مؤمناً يشاء الثواب، وإن كان بخلافه فالعقاب بناء على أن المشيئة تابعة لأعمال العباد كما هو معتقده، لكن النظم يقتضي خلافه؛ لأن قوله: (وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) تذييلٌ لقوله: (أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ) الآية، يعني: ألا تتعجب من حال المخالفين، فإن الكائنات مطوعةٌ لله خاضعةٌ لجلاله، وكثيرٌ من عباده الصالحين ساجدون له مطيعون أمره منتهون عن نواهيه، وهؤلاء الكفرة الين حق عليهم العذاب كيف خرجا من هذه الكرامة (وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ)؟ وما ذلك إلا أن المشيئة تعلقت بإهانتهم.
стр. 5420
[(هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ* يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ* وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ* كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ)].
الخصم: صفة وصف بها الفوج أو الفريق، فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان مختصمان وقوله (هذانِ) للفظ. و (اخْتَصَمُوا) للمعنى، كقوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا) [محمد: ١٦] ولو قيل: "هؤلاء خصمان". أو "اختصما": جاز. يراد المؤمنون والكافرون. قال ابن عباس:
رجع إلى أهل الأديان الستة (فِي رَبِّهِمْ) أى في دينه وصفاته. وروى أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين: نحن أحق بالله، وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد، وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسدا، فهذه خصومتهم في ربهم (فَالَّذِينَ كَفَرُوا) هو فصل الخصومة المعنىّ بقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) [الحج: ١٧] وفي رواية عن الكسائي: "خصمان"،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الخصم صفةٌ وصف بها الفوج)، الجوهري: الخصم يستوي فيه الجمع والمؤنث؛ لأنه في الأصل مصدرٌ، ومن العرب من يثنيه ويجمعه. وقال المصنف: الخصمُ: الخصماء، يقع على الجمع والواحد، فثناه على تأويل: فريقان خصمان، وقيل: الخصم: اسم جمع كالركب، فثناه على تأويل الفرقتين أو الجماعتين.
قوله: ((فَالَّذِينَ كَفَرُوا)، هو فصل الخصومة المعنيُّ بقله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، هذا الكلام مبنيٌّ على تفسير ابن عباس ﵁: هذان خصمان رجع إلى أهل الأديان الستةن يعني: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)، فعلى هذا، في الكلام تقسيمٌ وجمعٌ وتفريق، فالتقسيمُ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) إلى قوله: (وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)، والجمع: (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ) إلى قوله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)، والتفريق: قوله: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا) إلى قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، ورُوعي فيه معنى قوله
стр. 5421
بالكسر، وقرئ: "قطعت" بالتخفيف، كأنّ الله تعالى يقدّر لهم نيرانا على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة. ويجوز أن تظاهر على كل واحدٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٧]؛ لأنه حين ذكر فريق الكفار وما أسند جزاءهم إلى الله تعالى، وحين ذكر جزاء المؤمنين أتى باسمه الجامع، وصدر الجملة بـ"إنّ"، وفصلها للاستئناف؛ ليكون أدل على التفخيم والتعظيم، وذيل الكلام بقوله: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنْ الْقَوْلِ).
وأما توسيط قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ) الآية، فللتفريع على اختلاف الكفرة، واستبعاده مع وجود هذه الآيات الصارفة، والخطاب بقوله: (أَلَمْ تَرَ) لكل أحدٍ لعظمه، يعني: أن الرب واحد، وكل شيء مطيعٌ له ومنقاد، وليست الخصومة والاختلاف إلا بمحض مشيئة الله وإرادته.
ويؤيدُ ما ذكرنا قول الزجاج: "إن الله يدخل الذين آمنوا: أحد الخصمين"، ومن التقسيم مع الجمع قول حسان:
قومٌ إذا حاربوا ضروا عدوهم … أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
شجيةٌ تلك منهم غير محدثةٍ … أن الخلائق فاعلم شرها البدع
قوله: (ويجوزُ أن تُاهر على كل واحد)، النهاية: وفي الحديث: "أنه ﷺ ظاهر بين درعين يوم أحد"، أي: جمع ولبس إحداهما فوق الأخرى، وكأنه من التظاهر والتعاون والتساعد، ومنه حديث علي: "أنه بارز يوم بدرٍ وظاهر"، أي: نصر وأعان.
стр. 5422
منهم تلك النيران كالثياب المظاهرة على اللابس بعضها فوق بعض. ونحوه (سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ)] إبراهيم: ٥٠ [. (الْحَمِيمُ) الماء الحار. عن ابن عباس رضى الله عنه: لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها (يُصْهَرُ) يذاب. وعن الحسن بتشديد الهاء للمبالغة، أى: إذا صبّ الحميم على رؤوسهم كان تأثيره في الباطن نحو تأثيره في الظاهر، فيذيب أحشاءهم وأمعاءهم كما يذيب جلودهم، وهو أبلغ من قوله (وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ)] محمد: ١٥ [و"المقامع": السياط. في الحديث: «لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها»، وقرأ الأعمش: "ردوا فيها". والإعادة والرد لا يكون إلا بعد الخروج، فالمعنى: كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما أقلوها)، النهاية: وفي حديث العباس: "فحثا في ثوبه، ثم ذهب يُقله، فلم يستطع". يقال: أقل الشيء يُقله، واستقله يستقله: إذا رفعه وحمله. وإنما قال المصنف رحمة الله تعالى عليه: "ما أقلوها"، ولم يقل: ما رفعوها؛ ليؤذن بأنهم استقلوا قواهم لرفعها.
قوله: (أن يخرجوا منها من غم فخرجوا) ولابد من هذا التقدير؛ لأنه تعالى جعل إرادة الخروج سبباً للإعادة، وإنما السبب نفسُ الخروجن وفائدةُ الحذف الإشعارُ بسرعة تعلق الإرادة بالإعادة، وأنه حين تعلقت إرادتهم بالخروج حصل وترتب عليه الإعارة، كأن إرادة الخروج نفس الخروج، فأعيدوا بلا مكث، ومن ثم حسن تأويل الحسن الخروج بكونهم في أعلى النار، والإعادة بالهوي إليها، ومن الأسلوب قوله تعالى: (واللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً) [نوح: ١٧]، قال الزجاج: أراد الله إنباتكم فنبتم نباتاً. قيل: فائدته: التنبيه على سرعة نفاذ قدرة الله تعالى فيم أراد كونه، كأن إنبات الله نفس النبات.
стр. 5423
فيها. ومعنى الخروج: ما يروى عن الحسن أنّ النار تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفا وَقيل لهم (ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) والحريق: الغليظ من النار المنتشر العظيم الإهلاك. [سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٥] (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥))
(يُحَلَّوْنَ) عن ابن عباس: من حليت المرأة فهي حال «٢» (وَلُؤْلُؤاً) بالنصب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال أبو البقاء: و (مِنْ غَمٍّ) بدلٌ بإعادة الخافض بدل الاشتمال، وقيل: الأولى: لابتداء الغاية، الثانية: بمعنى: من اجل. وقيل الغم هنا: تغطية العذاب لهم، والأخذُ بكظمهم؛ لأن ما هم فيه أعظم من الحزن. وقال صاحب "الكشف": (مِنْ غَمٍّ): بدلٌ من (مِنْهَا)، والغم هاهنا: مصدرُ غممتُ الشيء، أي: غطيتُه، أي: كلما أرادوا أن يخرجوا مما يغمهم من العذاب أعيدوا فيها، ويقال لهم: ذوقوا.
قوله: (سبعين خريفاً)، قال التوربشتي: كان العرب يؤرخون أعوامهم بالخريف؛ لأنه كان أوان جُذاذهم وقطافهم وإدراك غلاتهم، وكان الأمر على ذلك حتى أرخ عمر بن الخطاب ﵁ سنة الهجرة.
قوله: ((وَلُؤْلُؤاً) بالنصب): عاصمٌ ونافع، والباقون: بالجر، وأبو بكرٍ يقلبُ الهمزة الثانية واواً، والبواقي شواذ.
стр. 5424
على: "ويؤتون لؤلؤا"، كقوله: "وحورا عينا". و"لؤلوا" بقلب الهمزة الثانية واوا. و"لوليا"، بقلبهما واوين، ثم بقلب الثانية ياء كأدل. و"لول" كأدل فيمن جرّ. و"لولؤ". و"ليليا"، بقلبهما ياءين، عن ابن عباس: وهداهم الله وألهمهم أن يقولوا "الحمد لله الذي صدقنا وعده"، وهداهم إلى طريق الجنة. يقال: فلان يحسن إلى الفقراء وينعش المضطهدين، لا يراد حال ولا استقبال، وإنما يراد استمرار وجود الإحسان منه والنعشة في جميع أزمنته وأوقاته. ومنه قوله تعالى (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أى الصدود منهم مستمرّ دائم (لِلنَّاسِ) أى الذين يقع عليهم اسم الناس من غير فرق بين حاضر وباد وتانئ وطارئ ومكي وآفاقى. وقد استشهد به أصحاب أبى حنيفة قائلين: إنّ المراد بالمسجد الحرام: مكة، على امتناع جواز بيع دور مكة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويُنعشُ المضطهدين)، الجوهري: نعشه الله ينعشه نعشاً: رفعه، وضهدتُّه فهو مضهودٌ ومضطهدٌ، أي: مقهورٌ ومضطر.
قوله: (أي: الصدود منهم مستمر دائم)، وهو من عطف المستقبل على الماضي، يعني: أن صدودهم كان دائماً مستمراً لا مترقباً، وكذلك قول: فلانٌ يحسنُ إلى الفقراء، في مقام المدح؛ لأنك لا تريد به الإخبار بأنه سيفعله في الزمان الآتي، بل تردي أن ذلك دأبه عادته التي نشأ عليها.
قوله: (تانئ وطارئ)، أي: بالهمزة: الجوهري: تنأتُ بالبلد تُنوءاً: إذا قطنته، التانئُ من ذلك، هم تُناءُ البلد. والاسم: التناءةُ. وطرأتُ على القوم أطرأ طروءاً: إذا طلعت عليهم من بلد آخر.
قوله: (وآفاقي)، قال المصنف: المسموعُ منالعرب: أفقي وأفقي، وهو القياس والاستعمال؛ لأنالنسبة إلى الواحد، واستعمال الفقهاء آفاقي، وهو صحيح؛ لأنه أريد به الخارجي، أي: الخارج من المواقيت، فكان بمنزلة النصاري حيث أريدت القبيلة.
قوله: (وقد استشهد به أصحاب أبي حنيفة ﵏ … على امتناع جواز بيع دور مكة)، قال الإمامُ: وفي المسألة قولان:
стр. 5425
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحدهما: أن أرض مكة لا تُملك، وأنها لو مُلكت لم يستو فيه العاكف والباد، فلما استويا عُلم أن سبيله سبيلُ المساجد، فعلى هذا المراد بالمسجد الحرام: الحرمُ كله، كما يدل عليه قوله تعالى: (مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) [الإسراء: ١]، وقوله: (الْعَاكِفُ فِيهِ)؛ لأنه المقيم، وإقامته لا تكون في المسجد بل في المنازل، وهذا قول ابن عباس في بعض الروايات، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، ومذهب أبي حنيفة في إحدى الروايتين، ومذهب هؤلاء ان كراء دور مكة وبيعها حرام.
وثانيهما: أنها تُملك، والمراد بقوله تعالى: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي) الاستواء في العبادة، أي: ليس للمقيم أن يمنع البادي من العبادة فيه وبالعكس. ورُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يا بني عبد مناف، من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صلىية ساعةٍ من ليلٍ او نهار"، هذا قول الحسن ومجاهدٍ والشافعي، ورواية الحسن عن أبي حنيفة.
وقال الزجاج سواءٌ في تفضيله وإقامة المناسك العاكف بالحرم والنازع إليه.
وقال محيي السنة: ومعنى التسوية: هوالتسوية في تعظيم الكعبة، وفي فضل الصلاة في المسجد الحرام والطواف فيه.
وقلتُ - والله أعلم-: والمقامُ لا يقتضي غير ذلك، وبيانه: أنه تعالى لما ذم المشركين، وبين
стр. 5426
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سوء صنيعهم بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أتى بقوله: (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) عاطفاً عليه وهو مضارعٌ، ونوعٌ من أنواع الكفر، فدل الاستقبال على أن الصد عادتهم ودأبهم كما مر آنفاً، ودل عطف النوع على الجنس على تمادي هذا الكفر - وهو الصد- الغاية، حتى خرج من ذلك الجنس على منوال قوله: (ومَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ) [البقرة: ٩٨] ثم عقب بقوله تعالى: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي) عاطفاً على (سَبِيلِ اللَّهِ) على منوال العطف السابق تتميماً ومبالغةً، يعني: ما كفاهم إعراضهم عن العبادة، حتى بلغ أن منعوا الغير عنها، وتمادى ذلك المنعُ إلى أن بلغ على الموضع الذي عظمناه وحرمناه لغير عبادتنا، ولا يختص به أحدٌ دون أحد، سواءٌ في ذلك قُطانه وقُصادُه، ويعضده تذييل الكلام بقوله: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ)؛ لأن الصاد مائلٌ عن الحق، ملحدٌ واضعٌ للشيء في غير موضعه، وإليه الإشارة بقوله: "وكل من ارتكب فيه ذنباً فهو كذلك"، فأين في الكلام مجالُ بيع الدور وتمليكها، اللهم إلا أن يقال: إن دلالة الآية على ذلك بالإدماج وإشارة النص، ومن ثم لما حاور الإمام الشافعي إسحاق عارض دليله بمثله، وهو قوله تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) [الحج: ٤٠] وأتى بحديث عُمر ﵁، سكت إسحاقُ، والمصنفُ أيضاً لم يزد على ذلك، وما اشتغل بالجواب لما عرف المقام.
وأما استدلالهم بقوله تعالى: (مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) [الإسراء: ١] بأن المراد بالمسجد الحرام الحرم فضعيفُ، لما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن مالك بن صعصعة، أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أُسري به قال: "بينما أنا في الحطيم- وربماقال: في الحجر مضطجعاً، ومنهم من قال: بين النائم واليقظان- إذ أتاني
стр. 5427
وإجارتها. وعند الشافعي: لا يمتنع ذلك. وقد حاور إسحاق بن راهويه فاحتجّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آتٍ"، الحديث. وفي حديث آخر، عن البخاري ومسلم والنسائي، عن أنسٍ قال: ليلة أُسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة. الحديث. وقولهم: الإقامة لا تكون إلا خارج المسجد فضعيفٌ أيضاً؛ لأن الظاهر من لفظ العاكف أنه الملازم للمسجد، والمعتكفُ فيه.
قوله: (وقد حاور إسحق بن راهويه)، في "جامع الأصول": هو أبو يعقوب إسحاقُ بن إبراهيم التميميُّ الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، بالراء وفتح الهاء والواو وسكون الياء وكسر الهاء، أحد أركان المسلمين، وعَلَمٌ من أعلام الدين، وممن جمع بين الحديث والفقه، والإتقان الحفظ والورع.
وقال الإمامُ: وقد جرت مناظرةٌ بين الشافعي وإسحاق الحنظلي بمكة، وكان إسحاقُ لا يرخصُ في كراء دور مكة، فاحتج الشافعي ﵁ بقوله تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ) [الحج: ٤٠] فأضيف الديارُ إلى مالكيها، وهو المراد من قول المصنف: "أنسب الديار إلى مالكيها أو غير مالكيها؟ "، وقال الشافعي: قال رسول الله يوم فتح مكة: "من أغلق بابه فهو آمنٌ"، وقال ﷺ : "هل ترك لنا عقيلٌ من ربع"، وقد اشترى عمر ﵁ دار السجن، أترى أنه اشترى من مالكيها أو غير مالكيها؟
стр. 5428
بقوله (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) [الحج: ٤٠]، [الحشر: ٨] وقال أنسب الديار إلى مالكيها، أو غير مالكيها؟ واشترى عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه دار السجن من مالكيه أو غير مالكيه؟ (سَواءً) بالنصب: قراءة حفص. والباقون على الرفع. ووجه النصب أنه ثانى مفعولي (جعلناه)، أى: جعلناه مستويا الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وفي القراءة بالرفع. الجملة مفعول ثان. "الإلحاد": العدول عن القصد، وأصله إلحاد الحافر. وقوله (بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ) حالان مترادفتان. ومفعول (يُرِدْ) متروك ليتناول كل متناول، كأنه قال: ومن يرد فيه مرادا ما عادلا عن القصد ظالما (نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) يعنى أنّ الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهمّ به ويقصده. وقيل: الإلحاد في الحرم منع الناس عن عمارته وعن سعيد بن جبير: الاحتكار. وعن عطاء: قول الرجل في المبايعة «لا والله، وبلى والله» وعن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان، أحدهما: في الحل، والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، فقيل له، فقال، كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: "لا والله، وبلى والله". وقرئ: "يرد"، بفتح الياء من الورود. ومعناه: من أتى فيه بإلحاد ظالما. وعن الحسن: ومن يرد إلحاده بظلم، أراد: إلحادا فيه، فأضافه على الاتساع في الظرف، كـ"مكر الليل". ومعناه: من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال إسحاق: فلما علمتُ أن الحجة قد لزمتني تركتُ قولي.
قوله: (إلحادُ الحافر)، أي: حافرُ القبر. الجوهري: اللحدُ بالتسكين: الشقُّ في جانب القبر.
قوله: (فُسطاطانِ)، الفسطاطُ: السُّرادقُ، وقيل: الفسطاط: ضربٌ من الأبنية.
стр. 5429
يرد أن يلحد فيه ظالما. وخبر "إن" محذوف لدلالة جواب الشرط عليه، تقديره: إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم، وكل من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك. عن ابن مسعود: الهمة في الحرم تكتب ذنبا.
(وَإِذْ بَوَّانا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) ٢٦ [
واذكر حين جعلنا (لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ) مباءة، أى: مرجعا يرجع إليه للعمارة والعبادة. رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء، فأعلم الله إبراهيم مكانه بريح أرسلها يقال لها الخجوج: كنست ما حوله، فبناه على أسه القديم. و"أن" هي المفسرة. فإن قلت: كيف يكون النهى عن الشرك والأمر بتطهير البيت تفسيرا للتبوئة؟ قلت: كانت التبوئة مقصودة من أجل العبادة، فكأنه قيل: تعبدنا إبراهيم قلنا له: (لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) من الأصنام والأوثان «١» والأقذار أن تطرح حوله. وقرئ: "يشرك"، بالياء على الغيبة.
(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَاتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) ٢٧ [
(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ) ناد فيهم. وقرأ ابن محيصن: "وآذن". والنداء بالحج: أن يقول: حجوا، أو عليكم بالحج. وروى أنه صعد أبا قبيس فقال: يا أيها الناس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يقال له: الخجوج)، بفتح الخاء المعجمة، وبالجيمين. الجوهري: ريحٌ خجُوجٌ: تلتوي في هبوبها. الأصمعي: الخجوجُ من الرياح: الشديدة المرة.
قوله: (تعبدنا إبراهيم)، الأساس: تعبدني فلانٌ واعتبدني: صيرني كالعبد له، أي في التكليف بالأمر والنهي.
стр. 5430
حجوا بيت ربكم. وعن الحسن أنه خطاب لرسول الله ﷺ ، أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع «٣» (رِجالًا) مشاة جمع راجل، كقائم وقيام. وقرئ: "رجالا"، بضم الراء مخفف الجيم ومثقله، و"رجالي" كعجالى عن ابن عباس.
(وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ) حال معطوفة على حال، كأنه قال: رجالا وركبانا (يَاتِينَ) صفة ل (كل ضامر)، لأنه في معنى الجمع. وقرئ: "يأتون"، صفة للرجال والركبان. و"العميق": البعيد، وقرأ ابن مسعود: "معيق". يقال: بئر بعيدة العمق والمعق.
[(لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ)].
نكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات. وعن أبى حنيفة ﵀: أنه كان يفاضل بين العبادات قبل أن يحج، فلما حجّ فضل الحج على العبادات كلها، لما شاهد من تلك الخصائص.
وكنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ورُجالى)، وهو جمعُ رجلانَ، كسكران وسُكارى، وهو بمعنى الراجل، قال كُثيرُ عزة:
على إذا لاقيتها في سلامةٍ … زيارة بيت الله رجلان حافيا
قوله: (نكر المنافع)، يعني: دل التنكيرُ فيها على تفخيم المنافع وتكثيرها بحيثُ لا توجد في غيرها. وعن بعض العارفين: هي سُبحاتُ البادية وزلفاتها: الليليةُ والنهارية.
следующие страницы →