← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

على أختي؟ قال: نعم وإن كانت في حجرك تمونها، وتلا هذه الآية. وعنه: ثلاث آياتٍ جحدهن الناس: الإذن كله، وقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فقال ناس: أعظمكم بيتاً، وقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨]. وعن ابن مسعود: عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم. وعن الشعبي: ليست منسوخةً، فقيل له: إن الناس لا يعملون بها، فقال: الله المستعان. وعن سعيد بن جبير: يقولون: هي منسوخة، ولا والله ما هي منسوخة، ولكن الناس تهاونوا بها. فإن قلت: ما السن التي يحكم فيها بالبلوغ؟ قلت: قال ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أعظمكم بيتاً)، النهاية: بيت الرجل: داره وقصره وشرفه، قال العباس رضي الله تعالى عنه يمدح النبي ﷺ : حتى احتوى بيتك المهيمن من … خندق علياء تحتها النطق أراد شرفه في أعلى خندق بيتاً، والمهيمن: الشاهد، أي: الشاهد بفضلك، والنطق: جمع نطاق، وهي أعراضٌ من جبالٍ بعضها فوق بعض، أي: نواح وأوساطٌ منها، شبهت بالنطق التي يشد بها أوساط الناس ضربه مثلاً في ارتفاعه وتوسطه في عشيرته وجعلهم تحته بمنزلة أوساط الجبال، يقول: حتى احتوى شرفك الشاهد على فضلك أعلى مكانٍ من نسب خندق. قوله: (الله المستعان)، وهي كنايةٌ عن عجزه عن إقامة المعروف والنهي عن المنكر، لتغير الزمان وفساد الإخوان.

стр. 5742

أبو حنيفة: ثماني عشرة سنةً في الغلام، وسبع عشرة في الجارية، وعامة العلماء على خمس عشرة فيهما. وعن علي ﵁: أنه كان يعتبر القامة، ويقدره بخمسة أشبار، وبه أخذ الفرزدق في قوله: ما زال مذ عقدت يداه إزاره … وسما فأدرك خمسة الأشبار واعتبر غيره الإنبات. وعن عثمان ﵁: أنه سئل عن غلام، فقال: هل اخضر إزاره؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما زال مذ عقدت يداه)، البيت، يرثي الفرزدق يزيد بن المهلب. وسما: أي: علا وبلغ. الرفعة. وأدرك أي: لحق، ويحتمل أن يراد بخمسة الأشبار: ارتفاع قامته، وأن يراد بها القبر. قال: عجباً لأربع أذرع في خمسةٍ … في جوفه جبلٌ أشم كبير يقول: لم يزل مذ عقد إزاره، أي: بلغ سن التمييز، ولبس السراويل إلى أن ارتفع، وبلغ مبلغ الرجال، أو إلى أن مات ودفن في خمسة أشبارٍ من الأرض، كان أميراً، والاستشهاد على المعنى الأول، وبعده: يدني خوافق من خوافق تلتقي … في ظل معتبط الغبار مثار الخوافق: الرايات، وإنما يريد به: كان يقود الجيوش إلى الجيوش ويحضر الحروب، ومعتبط الغبار: يريد مكاناً لما يقاتل فيه قبله، ولم ينزله غبارٌ حتى أثاره. قوله: (هل اخضر إزاره؟ )، أي: نبت شعر عانته؟ أسند الاخضرار إلى الإزار على المجاز، لأنه مما اشتمل عليه الإزار.

стр. 5743

[﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٦٠]. القاعد: التي قعدت عن الحيض والولد، لكبرها. ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾: لا يطمعن فيه. والمراد بالثياب: الثياب الظاهرة، كالملحفة والجلباب: الذي فوق الخمار، ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾: غير مظهرات زينةً، يريد: الزينة الخفية التي أرادها في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، أو: غير قاصداتٍ بالوضع ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (القاعد: التي قعدت عن الحيض)، الأساس: قعد عن الأمر: تركه، وقعد له: اهتم به، ونخلةٌ قاعدة: لم تحمل. قال ابن السكيت رحمه الله تعالى: لم تدخلها الهاء لاختصاصها بالمرأة، فإذا أردت القعود بمعنى الجلوس قلت: قاعدةٌ، وقيل: القاعد: على طريق النسبة، كالحائض والطامث، وجمعت على فواعل، لأن التاء مقدرةٌ فيها، لأن الصفة إذا كانت مدكرةً لا تجمع على فواعل، والفوارس: شاذ. قوله: (والجلباب: الذي فوق الخمار)، النهاية: الجلباب: الإزار والرداء، وقيل: الملحفة، وقيل: هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها، وجمعه جلابيب. قوله: (يريد: الزينة الخفية التي أرادها في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، قلت: فعلى هذا التعريف متعين ليشير به إلى ما عهد، لكن هذا مطلقٌ وذاك مقيد، فيحمل المطلق على المقيد إذا كان عن سببٍ واحدٍ ليصح ما قال. ومعنى ﴿مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾: قاصداتٌ بالوضع التبرج، على تضمين التبرج معنى القصد بوساطة الباء، فحينئذٍ يكون معناه: غير قاصداتٍ بالوضع إظهار ما يجب إخفاؤه من الزينة فيتفق المعنيان. الانتصاف: لم يذكر الزمخشري أن هذا التركيب من أي بابٍ هو؟ وعندي أنه من باب: على لا حبٍ لا يهتدى بمناره

стр. 5744

التبرج، ولكن التخفف إذا احتجن إليه. والاستعفاف من الوضع خيرٌ لهن. لما ذكر الجائز عقبه بالمستحب، بعثاً منه على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها، كقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. فإن قلت: ما حقيقة التبرج؟ قلت: تكلف إظهار إخفاؤه، من قولهم: سفينة بارج: لا غطاء عليها. والبرج: سعة العين، يرى بياضها محيطاً بسوادها كله لا يغيب منه شيء، إلا أنه اختص بأن تتكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها. وبدا وبرز بمعنى: ظهر، من أخوات: تبرج وتبلج، كذلك. [﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَاكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَاكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٦١]. كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهن وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب المطعمين والمطعمين ريبةٌ في ذلك، وخافوا أن يلحقهم فيه حرج، وكرهوا أن يكون أكلاً بغير حقٍّ، لقوله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: لا منار فيه فيهتدى به. كذا هاهنا لا زينة لهن فيتبرجن بها، وإذا كان استعفاف هؤلاء خيراً لهن فما ظنك بذوات الزينة؟ وأبلغ من ذلك جعله عدم وضع الثياب من القواعد من الاستعفاف، إيذاناً بأن وضع الثياب لا مدخل له في العفة، هذا في القواعد، فكيف بالكواعب؟ وقلت: وهذا معنى حسنٌ دقيق.

стр. 5745

تعالى: ﴿وَلَا تأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، فقيل لهم: ليس على الضعفاء ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ - يعني: عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين- حرجٌ في ذلك. وعن عكرمة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة، فكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا. وقيل: كان هؤلاء يتوقون مجالسة الناس ومؤاكلتهم، لما عسى يؤدي إلى الكراهة من قبلهم، ولأن الأعمى ربما سبقت يده إلى ما سبقت عين أكيله وهو لا يشعر، والأعرج يتفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحةٍ تؤذي أو جرح يبض أو أنفٍ يذن، ونحو ذلك. وقيل: كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم، ويدفعون إليهم المفاتيح، ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم، وكانوا يتحرجون. حكي عن الحارث بن عمرو: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يعني: عليكم وعلى من في مثل حالكم)، يريد أن أنفسكم في الآية عبارةٌ عن أمثال الرجل في عقله القرابة، كما قال: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] في الوجه. روى محيي السنة عن مجاهدٍ: وكان أهل الزمانة يدخلون على الرجل لطلب الطعام، فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيوت من سماه الله تعالى في هذه الآية، وكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك الطعام، ويقولون: ذهب بنا إلى بيت غيره؟ فأنزل الله هذه الآية. قوله: (قزازة)، الجوهري: التقزر: التنطس والتباعد من الدنس. وقد تقزز من أكل الضب وغيره، وهو رجل قز بالضم، والفتح والكسر لغات. قوله: (أو جرحٍ يبض، أو أنفٍ يذن)، الجوهري: بض الماء يبض: إذا سال قليلاً قليلاً. الذنين: مخاطٌ يسيل من الأنف، والذنان بالضم: مثله.

стр. 5746

أنه خرج غازياً وخلف مالك بن زيدٍ في بيته وماله، فلما رجع رآه مجهوداً، فقال: ما أصابك؟ قال: لم يكن عندي شيء، لم يحل أن آكل من مالك، فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرجٌ فيما تحرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت. وهذا كلامٌ صحيح، وكذلك إذا فسر بأن هؤلاء ليس عليهم حرجٌ في القعود عن الغزو، ولا عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة، لالتقاء الطائفتين في أن كل واحدةٍ منهما منفيٌ عنها الحرج. ومثال هذا: أن يستفتيك مسافرٌ عن الإفطار في رمضان، وحاجٌ مفردٌ عن تقديم الحلق على النحر، فقلت: ليس على المسافر حرجٌ أن يفطر، ولا عليك يا حاج، أن تقدم على النحر. فإن قلت: هلا ذكر الأولاد! قلت: دخل ذكرهم تحت قوله: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾، لأن ولد الرجل بعضه، وحكمه حكم نفسه. وفي الحديث: "إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه". ومعنى ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾: من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم، ولأن الولد أقرب ممن عدد من القرابات، فإذا كان سبب الرخصة هو القرابة: كان الذي هو أقرب منهم أولى. فإن قلت: ما معنى ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا كلامٌ صحيح، وكذلك إذا فسر بأن هؤلاء ليس عليهم حرجٌ في القعود عن الغزو)، أي: يصح العطف لاشتراكهما في نفي الحرج. وذلك أن من شرط العطف أن يشتركا في اتحاد تصور من تصوراتهما، يعني: في عطف قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَاكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ على ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ بعدُ، لكون رفع الحرج عن الأعمى سببه غير السبب الذي يأكل من تلك البيوت، لكن إذا نظر إلى أن الجملتين يجمعهما معنى نفي الحرج يصح العطف، روى محيي السنة عن الحسن أنه قال: نزلت رخصةً لهؤلاء في التخلف عن الجهاد. وقال: تم الكلام عند قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾، وقوله: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ كلامٌ منقطعٌ عما قبله.

стр. 5747

قلت: أموال الرجل إذا كان له عليها قيمُ ووكيل يحفظها: له أن يأكل من ثمر بستانه ويشرب من لبن ماشيته. وملك المفاتح: كونها في يده وحفظه. وقيل: بيوت المماليك، لأن مال العبد لمولاه. وقرئ: (مفتاحه). فإن قلت: فما معنى ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾؟ قلت: معناه: أو بيوت أصدقائكم. والصديق يكون واحداً وجمعاً، وكذلك الخليط والقطين والعدو، يحكى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أموال الرجل إذا كان له عليها قيم)، أي: "ما" عبارةٌ عن الأموال، وما وكلتم بحفظه فهو عطفٌ على "بيوت"، و"من": لابتداء الغاية، والمعنى: ليس عليكم جناحٌ أن يبتدئ أكلكم من شيءٍ تقومون بحفظه من بستانٍ أو ما أشبه، فيباح أكل ثمرة البستان ولبن الماشية. وملك المفتاح كنايةٌ عن كون الشيء تحت يدي الشخص وتصرفه على الوجه الآتي، وهو قوله: "وقيل: بيوت المماليك"، ﴿مَا مَلَكْتُمْ﴾: عطفٌ على المضاف إليه، و"ما" استعملت في العقلاء على إرادة الوصفية، وهي الملكة والمملوكية. قوله: (وقرئ: "مفتاحه")، قال ابن جني: وهي قراءة قتادة، وهو جنسٌ وإن كان مضافاً، وقد جاء قولهم: قد منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت مصر إردبها. قوله: (والصديق يكون واحداً وجمعاً)، أي: المراد بـ ﴿صَدِيقِكُمْ﴾ هنا الجمع، الانتصاف: قال الزمخشري في سر إفراده في ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]: أفرده دون الشافعين تنبيهاً على قلة الأصدقاء، فإن الإنسان قد يحتمي له ويشفع من لا يعرفه، ويجوز أن يراد الإفراد، ويكون ذلك سره. والصديق هو: الذي يوافقك في سره وعلنه. الجوهري: الصداقة: الخلة، والمصادقة: المخالة. رجلٌ صديق. والقطين: الخدم، وقطين الدار: حسن السكن، وقيل: القطين: جمعٌ، مثل غازٍ وغزي، وعازبٍ وعزيب. قال زهير:

стр. 5748

عن الحسن: أنه دخل داره وإذا حلقةٌ من أصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سروراً، وضحك، وقال: هكذا وجدناهم، هكذا وجدناهم. يريد كبراء الصحابة ومن لقيهم من البدريين. وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائبٌ فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء، فإذا حضر مولاها فأخبرته أعتقها سروراً بذلك. وعن جعفر بن محمد: من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الأنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة بمنزلة النفس والأب والأخ والابن. وعن ابن عباس: الصديق أكبر من الوالدين، إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات، فقالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم … قطيناً لهم حتى إذا أنبت البقل قوله: (فتهللت أسارير وجهه)، الجوهري: السرر: جمع أسرار الكف والجبهة، وهي خطوطها، وجمع الجمع أسارير. قوله: (وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه)، وروى حجة الإسلام في "الأحياء": جاء فتحٌ الموصلي إلى منزل أخٍ له، وكان غائباً، فأمر أهله فأخرجت صندوقه ففتحه، وأخرج حاجته، فأخبرت الجارية مولاها فقال: إن صدقت فأنت حرةٌ لوجه الله تعالى، سروراً بما فعل. قوله: (وطرح الحشمة)، أبو زيد: حشمت الرجل وأحشمته بمعنى، وهو أن يجلس إليك فتؤذيه وتغضبه. ابن الأعرابي: حشمته: أخجلته، والاسم الحشمة، وهو الاستحياء، والغضب أيضاً.

стр. 5749

وقالوا: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك، قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما سمج الاستئذان وثقل، كمن قدم إليه طعامٌ فاستأذن صاحبه في الأكل منه. ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ أي: مجتمعين أو متفرقين. نزلت في بني ليث بن عمرٍو من كنانة، كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده، فربما قد منتظراً نهاره إلى الليل، فإن لم يجد من يؤاكله أكل ضرورةً. وقيل: في قومٍ من الأنصار: إذا نزل بهم ضيفٌ لا يأكلون إلا مع ضيفهم. وقيل: تحرجوا عن الاجتماع على الطعام، لاختلاف الناس في الأكل وزيادة بعضهم على بعض. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ من هذه البيوت لتأكلوا فبدئوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابةً ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: ثابتةً بأمره، مشروعةً من لدنه. أو: لأن التسليم والتحية طلب سلامةٍ وحياةٍ للمسلم عليه والمحيي من عند الله، ووصفها بالبركة والطيب، لأنها دعوة مؤمنٍ لمؤمن يرجى بها من الله زيادة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أكل ضرورةً)، تمسكاً بما روي: "شر الناس من أكل وحده، وضرب عبده، ومنع رفده". والوعيد إنما يتوجه لمن باشر الخصال الثلاث دون الإفراد بالأكل، كقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] الآية. وعن بعضهم: في الآية دليلٌ على جواز المناهدة وهي المعاطاة والمناهضة، وهو أن يشتري أحدهم لحماً والآخر خبزاً. وإليه الإشارة بقوله: "وقالوا إذا دل ظاهر الحال على رضي المالك". قوله: (أو: لأن التسليم والتحية طلب سلامة)، فعلى هذا ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ متعلقٌ بقوله: ﴿تَحِيَّةً﴾ صلةٌ لها، ومن ثم قال: "والمحيا من عند الله". وقال القاضي: فإنها طلبٌ للحياة، وهي من عنده. وعلى الأول كان ظرفاً مستقراً صفةً لتحية، ولهذا قال: "مشروعةً من لدنه".

стр. 5750

الخير وطيب الرزق. وعن أنس قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين- وروي: تسع سنين- فما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا قال لي لشيءٍ كسرته: لم كسرته؟ وكنت واقفاً على رأسه أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال: "ألا أعلمك ثلاث خصالٍ تنتفع بها؟ " قلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله. قال: "متى لقيت من أمتي أحداً فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين". وقالوا: إن لم يكن في البيت أحدٌ فليقل: السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله. وعن ابن عباس: إذا دخلت المسجد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وانتصب ﴿تَحِيَّةً﴾ بـ "سلموا"، لأنها في معنى تسليماً، كقولك: قعدت جلوساً. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عن أنسٍ قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين)، روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، عن أنسٍ قال: خدمت النبي عشر سنين، والله ما قال لي: أفٍّ قط، ولا قال لشيءٍ: لم فعلت كذا، وهلا فعلت كذا؟ وفي رواية لمسلم: خدمت تسع سنين فما أعلمه قال لي قط: لم فعلت كذا وكذا، ولا عاب علي شيئاً قط. قوله: (صلاة الأبرار الأوابين)، روينا عن مسلم، عن زيد بن أرقم أن رسول الله ﷺ خرج على أهل قباء وهم يصلون، فقال: "صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال". النهاية: الأوابين: جمع أواب، وهو الكثير الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة، وقيل: هو المطيع. ,قيل: المسبح، يريد صلاة الضحى عند ارتفاع النهار وشدة الحر. قال القاضي: كرر الله قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ﴾ ثلاثاً لمزيد التأكيد، وتفخيم الأحكام المختتمة به، وفصل الأوليين بما هو المقتضى لذلك، وهذا بما هو المقصود منه، فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: الحق والخير في الأمور.

стр. 5751

[﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَاذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَاذَنُوكَ لِبَعْضِ شَانِهِمْ فَاذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٦٢]. أراد أن يريهم عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله بغير إذنه إذا كانوا معه على أمرٍ جامع، فجعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله، وجعلهما كالتشبيب له والبساط لذكره، وذلك مع تصدير الجملة بـ ﴿إِنَّمَا﴾، وإيقاع "المؤمنين" مبتدأً مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين، ثم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كالتشبيب له)، النهاية: في حديث أم معبدٍ: فلما سمع حسان شعر الهاتف شب يجاوبه أي: ابتدأ في جوابه، من تشبيب الكتب، وهو الابتداء بها، والأخذ فيها، وليس من التشبيب في الشعر وهو ترقيقه بذكر النساء، يريد أن قوله: ﴿آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ تمهيدٌ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ على طريقة: أعجبني زيدٌ وكرمه، وأصله: إنما المؤمنون الذين إذا كانوا معه، فجعله تمهيداً لهذا المعنى تفخيماً له، وتعظيماً لمجلس رسول الله ﷺ ، وأنه من باب الإيمان بالله ورسوله. قوله: (وإيقاع "المؤمنين" مبتدأ)، يعني: عرف المبتدأ تعريف جنس، وأوقع الخبر معرفاً موصولاً مشتملاً على صلةٍ فيها ذكر الإيمانين على منوال: أنا أبو النجم وشعري شعري فالمعنى: المؤمنون هم الذين اتصفوا بما يستحقون أن يسموا مؤمنين حقاً، ولما كان ذكر الإيمان بالله ورسوله توطئةً لذكر ما بعده، رجع المعنى إلى: إنما المؤمنون: الكاملون الذين استحقوا أن يسموا مؤمنين هم: الذين إذا كانوا معه في أمرٍ جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ..

стр. 5752

عقبه بما يزيده توكيداً وتشديداً، حيث أعاده على أسلوبٍ آخر، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وضمنه شيئاً آخر، وهو: أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين، وعرض بحال المنافقين وتسللهم لواذاً. ومعنى قوله: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَاذِنُوهُ﴾: لم يذهبوا حتى يستأذنوه ويأذن لهم، ألا تراه كيف علق الأمر بعد وجود استئذانهم بمشيئته وإذنه لمن استصوب أن يأذن له؟ والأمر الجامع: الذي يجمع له الناس، فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز، وذلك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عقبه بما يزيده توكيداً [وتشديداً]، حيث أعادته على أسلوبٍ آخر)، يعني: لما أراد أن يكرر هذا المعنى توكيداً وتقريراً، أعاد المعنى وقلبه، فجعل معنى ما تضمن به المسند مسنداً إليه، وما تضمن به المسند إليه مسنداً، حيث قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. فأفاد الأول حصر المؤمنين في المستأذنين، والثاني عكسه، تعريضاً بحال المنافقين، وتسللهم لواذاً، كما قال: "وما اكتفى بذلك، بل أوقع أولئك خبراً، وعقبه ذكر الإيمانين، ليؤذن بأن أولئك محقوقون بأن يسموا مؤمنين لما اكتسبوا من صفة الاستئذان، واجتنبوا من التسلل الذي هو من صفة المنافقين، وإليه الإشارة بقوله: "جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين". قوله: (ألا تراه كيف علق الأمر بعد وجود استئذانهم؟ )، يعني: لابد من قيد: "ويأذن لهم"، لأن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَاذَنُوكَ﴾ مترتبٌ عليه بالفاء، ومعلقٌ به إذنه. قوله: (فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز)، وهو يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون إسناداً مجازياً، لأن صاحب الأمر يجمع الناس لأمره وشأنه، فوصف بصفة من هو بسببه، وثانيهما: أن يكون استعارةً مكنية، حيث شبه بإنسانٍ خطيرٍ يجمع الناس لشأنه، نحوه قيل في قوله: ﴿وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ﴾. الراغب: الجمع: ضم الشيء بتقريب بعضه من بعض، يقال: جمعته فاجتمع، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ أي: على أمرٍ له خطرٌ اجتمع لأجله الناس، فكأن

стр. 5753

نحو مقاتلة عدو، أو تشاورٍ في خطب مهم، أو تضام لإرهاب مخالف، أو تماسح في حلف، وغير ذلك. أو الأمر الذي يعم بضرره أو بنفعه. وقرئ: (أمرٍ جميع). وفي قوله: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ أنه خطبٌ جليل لابد لرسول الله ﷺ فيه من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأمر نفسه جمعهم، ويقال للمجموع: جمعٌ وجميعٌ وجماعةٌ، والجماع يقال في أقوام متفاوتة، وأجمعت كذا أكثر ما يقال فيما يكون جميعاً يتوصل إليه بالفكرة، نحو: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، وجميعٌ، وأجمع وأجمعون يستعمل لتأكيد الاجتماع على الأمر، وأما أجمعون فوصف به المعرفة، ولا يجوز نصبه على الحال، نحو قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]، ﴿وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣]، وأما جميع فقد ينصب على الحال نحو قوله: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، ومسجد الجامع، أي: الأمر الجامع أو الوقت الجامع، واستجمع الفرس جرياً، وضربه بجمع كفه: إذا جمع أصابعه وضربه. قوله: (أو تماسح في حلف)، التماسح: إما باليد كالمبايعة، أو بما يؤكد به الحلف، كما روى صاحب "النهاية" أن بني عبد منافٍ أخرجت جفنةً مملوءةً طيباً فوضعتها لأحلافهم، وهم أسدٌ وزهرة وتيمٌ، في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيدهم فيها، وتعاقدوا. هذا هو المراد من كلام المصنف. قوله: (أو الأمر الذي يعم بضرره أو بنفعه)، عطفٌ على "الأمر الجامع: الذي يجمع له الناس"، وعلى هذا الناس يجتمعون له من غير تطلب، نحو الأعياد والجمعة، أو نحو نزول نازلةٍ وحادثة، ولهذا قال في الوجه الأول: "يجمع له الناس". قوله: (وقرئ: "أمرٍ جميع")، المطلع: جميعٌ: بمعنى جامع، أو مجموعٌ له. قوله: (وفي قوله: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾، يعني: في تخصيص هذا اللفظ

стр. 5754

ذوي رأي وقوة، يظاهرونه عليه ويعاونونه ويستضيء بآرائهم ومعارفهم وتجاربهم في كفايته، فمارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلبه، ويشعث عليه رأيه، فمن ثم غلظ عليهم وضيق عليهم الأمر في الاستئذان، مع العذر المبسوط ومساس الحاجة إليه، واعتراض ما يهمهم ويعنيهم، وذلك قوله: ﴿لِبَعْضِ شَانِهِمْ﴾. وذكر الاستغفار للمستأذنين: دليلٌ على أن الأحسن الأفضل أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه. وقيل: نزلت في حفر الخندق، وكان قومٌ يتسللون بغير إذن. وقالوا: كذلك ينبغي أن يكون الناس مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم: يظاهرونهم ولا يخذلونهم في نازلةٍ من النوازل ولا يتفرقون عنهم. والأمر في الإذن مفوض إلى الإمام: إن شاء أذن وإن شاء لم يأذن، على حسب ما اقتضاه رأيه. [﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٦٣]. إذا احتاج رسول الله ﷺ إلى اجتماعكم عند لأمرٍ فدعاكم فلا تفرقوا عنه إلا بإذنه، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضاً، ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي. أو: لا تجعلوا تسميته ونداءه بينكم كما يسمى بعضكم بعضاً، ويناديه باسمه الذي سماه به أبواه، ولا تقولوا: يا محمد، ولكن: يا نبي الله، ويا رسول الله، مع التوقير والتعظيم والصوت المخفوض والتواضع. ويحتمل: لا تجعلوا دعاء الرسول ربه مثل ما يدعو صغيركم كبيركم، وفقيركم غنيكم، يسأله حاجةً فربما أجابه وربما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مدمج معنى خطر الأمر وصعوبته، لأن اجتماع أمثالهم لا يكون في أمرٍ هين، وفي تعقيب ذلك بالاستغفار تتميمٌ لمعنى الكراهة منه صلوات الله عليه في إذنه في قوله: ﴿فَاذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ لما عسى أن يأذن وهو غير مسامح فيه، وإليه الإشارة بقوله: "إن الأحسن الأفضل أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب".

стр. 5755

رده، فإن دعوات رسول الله ﷺ مسموعةٌ مستجابة. ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾: ينسلون قليلاً قليلاً. ونظير تسلل: تدرج، وتدخل. واللواذ: الملاوذة، وهو أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا. يعني: ينسلون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة واستتار بعضهم ببعض. و ﴿لِوَاذًا﴾ حال، أي: ملاوذين. وقيل: كان بعضهم يلوذ بالرجل إذا استأذن فيأذن له، فينطلق الذي لم يؤذن له معه. وقرئ: (لواذًا) بالفتح. يقال: خالفه إلى الأمر، إذا ذهب إليه دونه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾: [ينسلون] قليلاً قليلاً)، الراغب: سل الشيء من الشيء: نزعه، كسل السيف من الغمد، وسل الشيء من البيت على سبيل السرقة، وسل الولد من الأب، ومنه قيل للولد: سليلٌ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، أي: من الصفو الذي يسل من الأرض، قيل: السلالة: كنايةٌ عن النطفة تصور دونه صفو ما يحصل منه، والسل: مرضٌ ينزع به اللحم والقوة، وقد أسله الله. قوله: (واللواذ: الملاوذة)، وأنشد صاحب "المطلع" قول الطرماح: تلاوذ من حر كأن أواره … يذيب دماغ الضب، فهو خدوع أوار الشمس والنار: حرها. خدع الضب في جحره: دخل. قال الفراء: لواذاً: مصدر لاوذ، ولو كان مصدراً للذت لكان لياذاً، كما تقول: قمت إليك قياماً وقاومتك قواماً. الراغب: ﴿لِوَاذًا﴾ من قولهم لاوذ يلاوذ: إذا استتر به، أي: يستترون فيلتجؤون بغيرهم، واللوذ: ما يطيف بالجبل.

стр. 5756

وخالفه عن الأمر، إذا صد عنه دونه. ومعنى ﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾: الذين يصدون عن أمره دون المؤمنين، وهم المنافقون، فحذف المفعول، لأن الغرض ذكر المخالف والمخالف عنه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (خالفه إلى الأمر)، قال: خالفته إلى الماء: إذا وردته وصدر عنه، وخالفته عن الماء: إذا صدرت عنه وورد هو. قوله: (فحذف المفعول، لأن الغرض ذكر المخالف والمخالف عنه)، يعني: ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ متضمنٌ معنى يصدون، ولذلك عدي بعن وصد متعد يستدعي مفعولاً به، وهو ما قدره "دون المؤمنين" وترك ذكره، لأن الغرض تقبيح أمر المخالف، وتعظيم أمر المخالف عنه، فذكر الأهم، وترك ما لا اهتمام به، فدون بمعنى: قدام، كقول الأعشى: تريك القذى من دونه وهي دونه والأمر واردٌ على عموم المجاز، ولذلك قال: "عن طاعته ودينه"، قال القاضي: يخالفون أمره بترك مقتضاه، ويدينون سمتاً خلاف سمته، واستدل به على أن الأمر للوجوب، فإنه يدل على أن ترك مقتضى الأمر مقتضٍ لأحد العذابين. وقال ابن الحاجب: عدى ﴿يُخَالِفُونَ﴾ بـ "عن" لما في المخالفة من معنى التباعد والحيد، كأنه قال: الذي يحيدون عن أمره بالمخالفة، وهو أبلغ من إذا قيل: يخالفون أمره، وقد استدل به على أن الأمر يقتضي الوجوب، لما تضمنته الآية من الوعيد على المخالفة، فإن قلت: الآية متضمنةٌ للأمر بالحذر لمن يخالف، وحذر المخالف العذاب لا يفيده بعد المخالفة لحصول السبب المقتضي له، وقبلها لا يحذر عذاباً؟ قلت: المعنى:

стр. 5757

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فليحذر الذين وقعت منهم المخالفة ذلك، فيستدركوا ما فعلوه بالتوبة، والرجوع إلى الله تعالى فيكون ذلك سبباً لدفع العذاب عنهم. تم كلامه. وقال محيي السنة في "المعالم": ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، قيل: معناه: يعرضون عن أمره، وينصرفون عنه بغير إذنه. وقلت: هذا هو التفسير الذي عليه التعويل، ويساعد عليه النظم والتأويل، لأن الأمر حينئذ بمعنى الشأن، واحد الأمور، وبيانه: أن ما قبله حديثٌ في الأمر الجامع، وهو الأمر الذي يجمع له الناس، ومدح من لزم مجلس رسول الله ﷺ ولم يذهب عنه، وذم من فارقه بغير الإذن، والاستغفار في حق من فارق بالإذن، لأن قوله تعالى: ﴿فَاذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ يؤذن أن القوم ثلاث فرق: المأذون في الذهاب بعد الاستئذان، والمتخلف عنه، ثم المتخلف إما أن يدوم في مجلسه ولم يذهب، وهم السابقون الكاملون، أو يتسلل لواذاً، وهم المنافقون، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ مترتبٌ على القسم الثالث على سبيل الوعيد، والفعل المضارع يفيد معنى الدأب والعادة، وقد أقيم المظهر موضع المضمر من غير لفظه السابق علةً لاستحقاقهم فتنة الدارين. وروى الإمام عن الأخفش، أن "عن": صلةٌ، وقال غيره: معناه: يعرضون عن أمره ويميلون عن سنته، فدخلت "عن" لتضمين المخالفة معنى الإعراض، كذا في "الوسيط" و"المطلع". وأما استدلال الأصوليين بهذه الآية على وجوب الأمر فهو إ نما يصح ويتم إذا جعل قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ تذييلاً للآيتين جميعاً، ويراد بالأمر ما يشمل

стр. 5758

الضمير في ﴿أَمْرِهِ﴾ لله سبحانه، أو للرسول ﷺ ، والمعنى: عن طاعته ودينه. ﴿فِتْنَةٌ﴾: محنةٌ في الدنيا، ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. وعن ابن عباس: ﴿فِتْنَةٌ﴾: قتل. وعن عطاء: زلازل وأهوال. وعن جعفر بن محمد: يسلط عليهم سلطانٌ جائر. [﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٦٤]. أدخل ﴿قَدْ﴾، ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين والنفاق، ومرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد، وذلك أن "قد" إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى "ربما"، فوافقت "ربما" في خروجها إلى معنى التكثير في نحو قوله: فإن تمس مهجور الفناء فربما … أقام به بعد الوفود وفود ونحوه قول زهير: أخي ثقةٍ لا تهلك الخمر ماله … ولكنه قد يهلك المال نائله والمعنى: أن جميع ما في السماوات والأرض مختصةٌ به خلقاً وملكاً وعلماً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأمرين معاً: الشأن، والطلب، كما آذن به كلام المصنف وأشرنا إليه. أما معنى الشأن فقد أومأ الله إليه بقوله: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾، وأما معنى الطلب فقد أشير إليه بقوله: ﴿فَاذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾. قوله: (فإن تمس مهجور الفناء)، البيت، الوفود: طلاب الحاجات. يقول: إن مت وصرت مهجور الساحة، فربما ازدحمت الوفود فيما مضى من حياتك على بابك.

стр. 5759

فكيف تخفى عليه أحوال المنافقين، وإن كانوا يجتهدون في سترها عن العيون وإخفائها؟ وسينبئهم يوم القيامة بما أبطنوا من سوء أعمالهم، وسيجازيهم حق جزائهم. والخطاب والغيبة في قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يجوز أن يكونا جميعاً للمنافقين على طريق الالتفات. ويجوز أن يكون ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ عاماً، ﴿يُرْجَعُونَ﴾ للمنافقين. والله أعلم. عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسناتٍ بعدد كل مؤمنٍ ومؤمنةٍ فيما مضى وفيما بقي". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فكيف تخفى [عليه] أحوال المنافقين، وإن كانوا يجتهدون في سترها عن العيون وإخفائها؟ )، هذا معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ لأنه قال فيه: "وهم المنافقون"، وهذا أيضاً يقوي بيان النظم السابق. قوله: (ويجوز أن يكون ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ عاماً)، أي: في المنافقين والمؤمنين، أما في المؤمنين وأحوالهم فمن قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية، وأما في المنافقين وخبثهم فمن قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، فيكون تسليةً ووعداً بالنسبة إلى المؤمنين، وتهديداً بالنسبة إلى المنافقين، وتخويفاً في الدنيا، ووعيداً في العقبى خاصاً في حق المنافقين، لأن قوله: ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ يأبى أن ينزل على المؤمنين، ولذلك غير التغليب في الخطاب بأنتم إلى الغيبة في ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾. تمت السورة والله الموفق للصواب * * *

стр. 5760

سورة الفرقان مكية، سبعون وسبع آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ١ - ٢]. البركة: كثرة الخير وزيادته. ومنها: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وفيه معنيان: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الفرقان مكيةٌ، وهي سبعون وسبع آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (البركة: كثرة الخير وزيادته)، الجوهري: البركة: النماء والزيادة، وتبارك الله، أي: بارك، مثل قاتل، وتقاتل، إلا أن "فاعل" يتعدى، و"تفاعل" لا يتعدى. الراغب: أصل البركة: صدر البعير، وبرك البعير: ألقى بركة، واعتبر منه معنى اللزوم، وبراكاء الحرب وبروكاؤهما: للمكان الذي يلزمه الأبطال، وابتركت الدابة: وقفت وقوفاً كالبروك، وسمي محبس الماء بركةً. والبركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، سمي بذلك

стр. 5761

تزايد خيره، وتكاثر. أو: تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله. والفرقان: مصدر فرق بين الشيئين، إذا فصل بينهما وسمي به القرآن، لفصله بين الحق والباطل. أو لأنه لم ينزل جملةً واحدة، ولكن مفروقاً، مفصولاً بين بعضه وبعضٍ في الإنزال. ألا ترى إلى قومه: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]؟ وقد جاء الفرق بمعناه، قال: ومشركيٍّ كافرٍ بالفرق ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة، والمبارك: ما فيه ذلك الخير، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: ٥٠] تنبيهاً على ما يفيض منه في الخيرات الإلهية. ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس، وعلى وجهٍ لا يحصى ولا ينحصر، قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسةٍ: هو مبارك، وفيه بركة. ولنسبة هذه الصفة إلى جنابة الأقداس، وهل كانت من الصفات الإضافية والذاتية، قال: "تزايد خيره وتكاثر، أو: تزايد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته وأفعاله". وعلى المعنى الأول يقال: تبارك الذي نزل هذا القرآن الكريم. الفرقان: الفارق بين الحلال والحرام، الذي عمت منافعه، وعمت عوائده، ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠] وعلى الثاني يقال: تعاظم في ذاته، وتبارك في صفاته الذي نزل هذا القرآن العظيم الفرقان بين الحق والباطل، الذي بذت فصاحته نطق كل ناطق، وشقت بلاغته غبار كل سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]. وقال القاضي: البركة تتضمن معنى الزيادة، وترتيبه على إنزال القرآن لما فيه من كثرة الخير، أو لدلالته على تعاليه. قوله: (ومشركي كافرٍ بالفرق)، الفرق بضم الفاء: بمعنى الفرقان، كالخُسْرِ بمعنى

стр. 5762

وعن ابن الزبير: (على عباده)، وهم: رسول الله ﷺ وأمته، كما قال: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠]، ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]. والضمير في ﴿لِيَكُونَ﴾ لـ ﴿عَبْدِهِ﴾ أو لـ ﴿الْفُرْقَانَ﴾. وتعضد رجوعه إلى "الفرقان" قراءة ابن الزبير. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾: للجن والإنس ﴿نَذِيرًا﴾: منذراً، أي: مخوفاً. أو: إنذاراً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الخسران، والياء في "مشركي": للنسبة، زيدت للمبالغة، كأحمري في أحمر، وقال: في ياء النسب زيادة قوةٍ في الفعل، كالخصوصية في الخصوص. قوله: (وعن ابن الزبير: على عباده)، قال ابن جني: وجهه أن الإنزال وإن كان على رسول الله ﷺ ، ولكن لما كان موصلاً له إلى العباد ومخاطباً به لهم، صار كأنه منزلٌ عليهم، ولذلك كثر فيه خطاب العباد بالأمر والنهي لهم، والترغيب والترهيب المصروف إليهم. قوله: (وتعضد رجوعه إلى "الفرقان" قراءة ابن الزبير)، يعني: "نزل الفرقان على عباده"، لأن الضمير المفرد لا يصح عوده إلى الجمع، ولابد له من الرجوع إليه، فتعين أن يكون فرقاناً، ويعضد رجوعه إلى العبد قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ [يس: ٥ - ٦]. وقلت: وفي اختصاص النذير دون البشير سلوك طريق براعة الاستهلال، والإيذان بأن هذه السورة مشتملةٌ على ذكر المعاندين المتخذين لله ولداً وشريكاً، الطاعنين في كتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا المعنى يؤيد تأويل ﴿تَبَارَكَ﴾ بقوله: "تزايد عن كل شيءٍ وتعالى عنه"- لإفادته صفة الجلال والهيبة- وإيذانه بتعاليه عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ولذلك جعل قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ توطئة وتمهيداً لقوله: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ وأردفه بقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لما مر مراراً أن كونه بديع السموات والأرض، ومفطرهما، ومالكهما، منافٍ لاتخاذ الولد والشريك، قال الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ الآية [الأنعام ١٠١].

стр. 5763

كالنكير بمعنى الإنكار، ومنه قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٦]. ﴿الَّذِي لَهُ﴾ رفعٌ على الإبدال من ﴿الَّذِي نَزَّلَ﴾، أو رفع على المدح، أو نصبٌ عليه. فإن قلت: كيف جاز الفصل بين البدل والمبدل منه؟ قلت: ما فصل بينهما بشيء، لأن المبدل منه صلته ﴿نَزَّلَ﴾، و ﴿لِيَكُونَ﴾ تعليلٌ له، فكأن المبدل منه لم يتم إلا به. فإن قلت: في الخلق معنى التقدير، فما معنى قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾؟ كأنه: وقدر كل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿الَّذِي لَهُ﴾ رفعٌ على الإبدال من ﴿الَّذِي نَزَّلَ﴾)، وهذا أوجه من أن يكون نصباً أو رفعاً على المدح، لأن من حق صلة الموصول أن تكون معلومةً عند المخاطب، وكونه تعالى نزل الفرقان على عبده للإنذار لم يكن معلوماً عند المعاندين، فأبدل بقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بياناً وتفسيراً، وليس كذلك المدح. وقال القاضي: الجملة وإن لم تكن معلومةً، لكنها- لقوة دليلها- أجريت مجرى المعلوم وجعلت صلةً. قوله: (في الخلق معنى التقدير)، الراغب: الخلق أصله: التقدير المستقيم، ويستعمل في: إبداع الشيء من غير أصلٍ واحتذاء، قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١٠١]، ويستعمل في: إيجاد الشيء من الشيء، نحو: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٩]، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤]، وليس الخلق الذي هو الإبداع إلا لله تعالى، ولهذا قال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، وأما الذي يكون بالاستحالة فقد جعله الله لغيره في بعض الأحوال، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، وأما قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فيوهم أنه يصح أنه يوصف غيره بالخلق، ومعناه: أحسن المقدرين. الأساس: خلق الخراز الأديم، والخياط الثوب: قدره قبل القطع، وقدر الشيء بالشيء: قاسه وجعله على مقداره. ومن المجاز: خلق الله الخلق: أوجده على تقديرٍ أوجبته الحكمة.

стр. 5764

شيء فقدره! قلت: المعنى: أنه أحدث كل شيء إحداثاً مراعًى فيه التقدير والتسوية، فقدره وهيأه لما يصلح له، مثاله: أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر المسوى الذي تراه، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا، وكذلك كل حيوانٍ وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدابير، فقدره لأمر ما ومصلحةٍ لما قدر له غير متجافٍ عنه. أو: سمي إحداث الله خلقاً، لأنه لا يحدث شيئاً لحكمته إلا على وجه التقدير من غير تفاوت، فإذا قيل: خلق الله كذا، فهو بمنزلة قولك: أحدث وأوجد من غير نظرٍ إلى وجه الاشتقاق، فكأنه قيل: وأوجد كل شيء فقدره في إيجاد لم يوجده متفاوتاً. وقيل: فجعل له غايةً ومنتهًى. ومعناه: فقدره للبقاء إلى أمدٍ معلوم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والجواب الأول مبنيٌ على أن الخلق على الحقيقة، فالواجب أن يفسر قوله: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ بما يخالفه، وهو: ما قاله وهيأه لما يصلح له، وهو قول الزجاج: خلق الله الحيوان وقدر له ما يصلحه ويقيمه. والثاني مفرعٌ على المجاز، وذلك أن إحداث الله تعالى الشيء لما لم يكن إلا على وجه التقدير، لأنه حكيمٌ، سمي مطلق إحداثه بالخلق لما فيه معنى التقدير. والفرق بين الوجهين: أن التقدير والتسوية على الأول مقصودٌ بذكر الخلق، وعلى الثاني غير مقصود، لكن لازمٌ له، ولذلك قال أولاً: مراعًى فيه التقدير، فالفاء على الأول: للتعقيب مع الترتيب، وعلى الثاني: للتعقيب مطلقاً، نحو قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، فإن الفاء: للتعقيب. المعنى: فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم من قبل أن الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم، ويجوز أن يكون القتل تمام توبتهم فيكون المعنى: فتوبوا فأتبعوا التوبة القتل تتمةً لتوبتكم.

стр. 5765

[﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ ٣]. الخلق بمعنى الافتعال، كما في قوله: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، والمعنى: أنهم آثروا على عبادة الله سبحانه عبادة آلهة لا عجز أبين من عجزهم، لا يقدرون على شيءٍ من أفعال الله ولا من أفعال العباد، حيث لا يفتعلون، لأن عبدتهم يصنعونهم بالنحت والتصوير، ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ﴾ أي: لا يستطيعون لأنفسهم دفع ضررٍ عنها أو جلب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، قال فيه: "واختلاقهم الإفك: تسميتهم الأوثان آلهةً وشركاء لله ، أو سمى الأصنام: إفكاً، وعملهم لها، ونحتهم: خلقاً للإفك"، يعني: مقام إنكار اتخاذ الأنداد من دون الله يقتضي تحقير شأن الأصنام، وهذا المعنى أدخل من الظاهر فيما قصد منه كما قصده الخليل ﵇ في الآية المستشهد بها، ولما فسرت القرينة الثانية بذلك فسرت الأولى بما يشاكلها، وفيه إثبات الخالقية للعبد، وكذا في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾، ولو أجراهما على الظاهر كان أبعد من التعسف، واتفقت القرائن إلى آخر الآية في النفي عنها ما هو ثابتٌ للمعبود بالحق لأن المعبود ينبغي أن يكون خالقاً ومدبراً ومثيباً ومعاقباً، ويدل على أن النفع والضر ليس إلا إلى الله قوله تعالى ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، ولا يقتضي هذا المقام من المبالغة ما يقتضيه ذلك، وإن شئت فجرب التأكيدات فيه من: "إنما" و"إن" والتكرير وغيرها، فهذا مقام الشكاية، وذلك مقام التوبيخ والتقريع.

стр. 5766

نفع إليها وهم يستطيعون، وإذا عجزوا عن الافتعال ودفع الضرر وجلب النفع التي يقدر عليها العباد كانوا عن الموت والحياة والنشور التي لا يقدر عليها إلا الله أعجز. [﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ ٤]. ﴿قَوْمٌ آَخَرُونَ﴾ قيل: هم اليهود. وقيل: عداسٌ مولى حويطب بن عبد العزى، ويسارٌ مولى العلاء بن الحضرمي، وأبو فكيهة الرومي. قال ذلك النضرب بن الحارث بن عبد الدار. "جاء" و"أتى" يستعملان في معنى فعل، فيعديان تعديته، وقد يكون على معنى: وردوا ظلماً، كما تقول: جئت المكان. ويجوز أن يحذف الجار ويوصل الفعل. وظلمهم: أن جعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي كلاماً عربياً بفصاحته جميع فصحاء العرب. والزور: أن بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه. [﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: ما سطره المتقدمون من نحو أحاديث رستم وأسفندياذ، جمع: إسطارٍ أو أسطورة، كأحدوثة، ﴿اكْتَتَبَهَا﴾: كتبها لنفسه وأخذها، كما تقول: استكب الماء واصطبه: إذا سكبه وصبه لنفسه وأخذه. وقرئ: (اكتتبها) على البناء للمفعول، والمعنى: اكتتبها كاتبٌ له، لأنه كان أميًا لا يكتب بيده، وذلك من تمام إعجازه، ثم حذفت اللام، فأفضى الفعل إلى الضمير، فصار اكتتبها إياه كاتبٌ، كقوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقد يكون على معنى: وردوا)، أي: استعمل "جاء" بمعنى "ورد" قليلاً، ومنه: جئت المكان، أي: وردته. واختير ذلك لبلاغته ووجازته، إذ لو قيل: فقد ظلموا في ذلك وقالا قولاً زوراً، لأطال وفاتت الاستعارة، وقوله: "ويجوز أن يحذف الجار"، مشعرٌ بأن الوجه الأول مبنيٌ على التضمين، والثاني على المجاز.

стр. 5767

ثم بني الفعل للضمير الذي هو "إياه"، فانقلب مرفوعاً مستتراً بعد أن كان بارزاً منصوباً، وبقي ضمير الأساطير على حاله، فصار (اكتتبها) كما ترى. فإن قلت: كيف قيل: ﴿اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ وإنما يقال: أمليت عليه فهو يكتتبها؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أراد اكتتابها، أو طلبه فهي تملى عليه. أو كتبت له وهو أميٌ فهي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ثم بني الفعل للضمير الذي هو "إياه"، فانقلب مرفوعاً مستتراً)، قال صاحب "الفرائد": لقائلٍ أن يقول: إن كان قوله: "له" مفعولاً بحرف، وجب أن لا يجوز بناء الفعل له مع المفعول به المتعدى إليه بغير حرف، وإن كان مفعولاً له، وهو الوجه، لأن المعنى اكتتبها كاتبٌ له، أي: لأجله، وجب أن لا يبني له. أما الأول فلأنه قال في "المفصل": "للمفعول به المتعدى إليه بغير حرفٍ من الفضل على سائر ما لا يبنى له"، إلى آخر الفصل. وأما الثاني فلأنه قال فيه: "المفاعيل سواءٌ في صحة البناء له إلا المفعول الثاني من باب "علمت"، والثالث من باب "أعلمت"، والمفعول معه والمفعول له". وقلت: يمكن أن يقال: إنه مفعولٌ بحرف، ولما حذف الجار أوصل الفعل، وأقيم مقام الفاعل على القلب للمبالغة، ونحوه سبق في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ [النور: ٣٦] في إقامة ﴿لَهُ﴾ مقام الفاعل. قال ابن جني: "اكتتبها": قراءة طلحة بن مصرف، وإنما هو: استكتبها، وهو على القلب، أي: استكتب له، ومثله قراءة من قرأ ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦] أي: قدرت لهم، والقلب بابٌ وشواهد كثيرةٌ. وأما قراءة العامة ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ فمعناه: استكتبها، ولا يكون معناه: كتبها بيده، لأنه ﷺ كان أمياً لا يكتب، وليس ممتنعاً أن يكون ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ بمعنى: كتبها، لأنه على رأيه وأمره، كقولنا: ضرب الأمير اللص.

стр. 5768

تملى عليه، أي: تلقى عليه من كتابه يتحفظها، لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب. وعن الحسن: أنه قول الله سبحانه يكذبهم. وإنما يستقيم أن لو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعن الحسن أنه قول اله)، أي: ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ قول الله يكذبهم في نسبتهم الاكتتاب إلى رسول الله ﷺ بإملاء أهل الكتاب، لا قول المشركين، وأورد المصنف: "وإنما يستقيم ذلك أن لو فتحت الهمزة" في ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ لكنها مكسورةٌ دالةٌ على أنها همزة "افتعل" ولو كانت الاستفهام لكانت مفتوحةً، وهمزة الاستفهام إنما تحذف إذا دل عليها الدليل، نحو قوله: بسبع رمين الجمر أم بثمان ووجه تصحيح قول الحسن أن تجعل الآية على أسلوب قول جرير: أفرح أن أرزأ الكرام لأنه إخبارٌ في معنى التوبيخ والتقرير، ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٣]، قال المصنف: إنه على الإخبار، أي: فعلتم هذا الفعل الشنيع، توبيخاً لهم وتقريعاً. وقرئ "ءآمنتم"، بحرف الاستفهام، ومعناه الإنكار والاستبعاد. أما إفادة الخبر معنى التوبيخ والتقريع، فلأن الأصل في الإخبار الساذج خلو ذهن المخاطب عن فائدة الخبر، وإذا ألقي إليه الجملة وهو عالمٌ بفائدتها تولد بحسب قرائن الأحوال ما ناسب المقام، فالله ما حكى كلامهم لإعلام المخاطبين فائدته، بل للتوبيخ والتقريع، فإنهم لما قالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال الله تعالى حاكياً معنى

стр. 5769

فتحت الهمزة للاستفهام الذي في معنى الإنكار. ووجهه أن يكون نحو قوله: أفرح أن أرزأ الكرام وحق الحسن أن يقف على ﴿الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: دائماً، أو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كلامهم على سبيل المبالغة توبيخاً وتقريعاً: نعم صدقتم، هو أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه دائماً، كلما إذا سمعت بمن وقع فيك. أنا ذلك الفاعل الصانع، ولست تريد إعلامه بذلك، بل نقلت كلامه للتقريع والتوبيخ. أما قول جريرٍ: أفرح أن أرزأ الكرام وأن … أورث ذوداً شصائصاً نبلا فلفظه إخبارٌ، ومعناه الإنكار، لانطوائه تحت حكم قول من قال له: أتفرح بموت أخيك وبوراثة إبله؟ والذي لأجله طرح همزة الإنكار إرادة أن يصور قبح ما رزئ به، فكأنه قال: نعم مثلي يفرح برزيئة الكرام، وبأن يستبدل منهم ذوداً يقل طائله. وهو من التسليم الذي تحته كل الإنكار. الشصوص: الناقة القليلة اللبن. والنبل: الصغار، والنبل الكبار، وهو من الأضداد. ويقال: النبل: جمع نبيل، ككريم وكرم. والنبلة: العطية، وبعضهم ينشد بالضم على هذا المعنى. والذوذ من الإبل: ما بين الثلاث إلى العشر، وهي مؤنثةٌ لا واحد لها من لفظها. قوله: (وحق الحسن أن يقف على ﴿الْأَوَّلِينَ﴾، لاختلاف القائلين، أو لأن لتقدير الاستفهام فيه مجالاً، كقوله تعالى: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]، و ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقال صاحب "الكواشي": على المشهور لا وقف، لأن ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ حالٌ، أي: أساطير مكتتبةً.

стр. 5770

في الخفية قبل أن ينتشر الناس، وحين يأوون إلى مساكنهم. [﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٦]. أي: يعلم كل سر خفي في السماوات والأرض، ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد لرسوله ﷺ ، وبراءته مما تبهتونه به، وهو يجازيكم ويجازيه على ما علم منكم وعلم منه. فإن قلت: كيف طابق قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ هذا المعنى؟ قلت: لما كان ما تقدمه في معنى الوعيد عقبه بما يدل على القدرة عليه، لأنه لا يوصف بالمغفرة والرحمة إلا القادر على العقوبة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بما يدل على القدرة عليه، لأنه لا يوصف بالمغفرة والرحمة إلا القادرة على العقوبة)، يعني: لا يقال: رحم فلانٌ، أو غفر فلانٌ، إلا لمن له القدرة على العقوبة والانتقام، لا للعاجز الضعيف، وأ نشد لابن هانئ: فعفوت عني عفو مقتدرٍ … حلت له نقمٌ فألغاها فدل قوله: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ على القدرة التامة الكاملة بالكناية، وأنت تعلم أن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة ولا تستدعيها أيضاً. وهاهنا قامت القرينة على إرادة مجرد الاقتدار العظيم. نعم، في إيثارهما تعييرٌ لهم، ونعيٌ على فعلهم، يعني: إنكم فيما أنتم فيه بحيث يتصدى لعذابكم من صفته الغفران والرحمة. قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: ذكر المغفرة والرحمة بعد ذلك المعنى لأجل أن يعرفوا أن هذه الذنوب العظيمة المتجاوزة عن الحد مفقودةٌ إن تابوا، وأن رحمته واصلةٌ إليهم بعدها، وأن لا ييأسوا من رحمته بما فرط منهم مع إصرارهم عليه من المعاداة والمخاصمة الشديدة.

стр. 5771

أو هو تنبيهٌ على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صباً، ولكن صرف ذلك عنهم أنه غفورٌ رحيم يمهل ولا يعاجل. [﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَاكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ٧ - ٨]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو هو تنبيهٌ على أنهم استوجبوا)، هذا الوجه أوفق لتأليف النظم، وذلك أن قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ جوابٌ عن قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾، وقولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ على الأسلوب الحكيم، أي: قل يا محمد: ليس هذا من افترائي ولا هو مملى علي، بل منزلٌ من عند من يعلم السر في السموات والأرض، وما في دخلكم من الدغل والدهاء والمكر، لأنكم تعلمون علمًا يقيناً أن هذا ليس من قبيل الافتراء، ولا هو من الأساطير، لأنه أعجزكم عن آخركم بفصاحته، وأنه تضمن أخباراً عن المغيبات، وأسراراً مكتوبةً لا يعلمها إلا الله ، لكن غرضكم الصد عن سبيل الله، ومجرد العناد، ويؤيد يذلك قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ وإقحامه بين كلامهم، فسبحانه ما أرحمه وما أجله، حيث أمهلكم ولم يعاجلكم بالاستئصال لهذه العظيمة! فإذنه في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ معنى التعجب كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾. وقال القاضي: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، فلذلك لا يعجل في عقوبتكم على ما تقولون مع كمال قدرته عليها، واستحقاقكم أن يصب عليكم صباً. وقلت: انظر أيها المتأمل في هذا الجواب الصادع، والنور الساطع، والنظم الفائق، فسبح الله تعالى عنده.

стр. 5772

وقعت اللام في المصحف مفصولةً عن ﴿هَذَا﴾ خارجةً عن أوضاع الخط العربي، وخط المصحف سنة لا تغير، وفي هذا استهانةٌ وتصغير لشأنه، وتسميته بالرسول سخريةٌ منهم وطنزٌ، كأنهم قالوا: ما لهذا الزاعم أنه رسولٌ! ونحوه قول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، أي: إن صح أنه رسول الله فما بله حاله مثل حالنا ﴿يَاكُلُ الطَّعَامَ﴾ كما نأكل، ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد؟ ! يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش. ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكاً إلى اقتراح أن يكون إنساناً معه ملك، حتى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقعت اللام في المصحف مفصولةً عن ﴿هَذَا﴾ خارجةً عن أوضاع الخط العربي)، قال شارح "الرائية": كتب ﴿مَالِ هَذَا﴾ في موضعين: في الكهف: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ [الكهف: ٤٩]، وفي الفرقان: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾. أما ﴿مَالِ الَّذِينَ﴾ فهون في المعارج لا غير في قوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المعارج: ٣٦]، وكذلك: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء: ٧٨] حرفٌ واحدٌ في النساء، جميع ذلك كتب مفصولاً من اللام، وهي لام الجر تنبيهاً على الأصل، وعلى أنه زائدٌ ليس من الكلمة، وجعل متصلاً بما ومنفصلاً مما دخل عليه، لأن ما قد اتصل بها غيرها. وقال غيره: والأصل في ذلك أن تكتب موصولةً بما بعدها، لأنها لام الإضافة، ولا يظهر معناها إلا بما بعدها، وإنما كتبت في هذه الأحرف مقطوعةً لكثرة استعمال اللام مع "ما" التي للاستفهام، كقولهم: ما له وما لك؟ بمعنى: ما حالك وما شأنك؟ فتوهموا أن اللام من "ما" فوصولها بها، وقطعوها عما بعدها، كما قطعوا الشأن والحال عما بعدها.

стр. 5773

يتساندا في الإنذار والتخويف. ثم نزلوا- أيضاً- فقالوا: وإن لم يكن مرفوداً بملكٍ فليكن مرفوداً بملكٍ فليكن مرفوداً بكنزٍ يلقى إليه من السماء يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش. ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلاً له بستانٌ يأكل منه ويرتزق كما الدهاقين والمياسير. أو: يأكلون هم من ذلك البستان فينتفعون به في دنياهم ومعاشهم. وأراد بالظالمين: إياهم بأعيانهم، وضع الظاهر موضع المضمر، ليسجل عليهم بالظلم فيما قالوا. وقرئ: (فيكون) بالرفع، (أو يكون له جنة) بالياء، و (نأكل)، بالنون. فإن قلت: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مرفوداً)، الجوهري: الرفد: العطاء والصلة، والرفد بالفتح: المصدر، تقول: رفدته أرفده رافداً: أعطيته، وكذلك: إذا أعنته. قوله: (كما الدهاقين)، "ما" هذه كافةُ ومهيئةٌ لدخول الكاف على الجملة، أي: كما الدهاقين كذلك. قوله: (أو: يأكلون عم من ذلك)، عطفٌ على قوله: "يأكل منه"، أي: تكون له جنةٌ ينتفع هو بها بأن يأكل بعض أثمارها، ويبيع بعضها ويرتزق منها، كما تفعل الدهاقين ببساتينهم التي أرزاقهم منحصرةٌ فيها، أو: هم ينتفعون من الجنة بالأكل وبسائر معايشهم. والحاصل أنه استعمل الأكل في المنافع لأنه الغرض الأعظم منها، والوجهان مبنيان على القراءتين بالياء والنون في يأكل. قوله: (وقرئ: "فيكون" بالرفع، "أو يكون له جنةٌ" بالياء)، وهما شاذتان، و"نأكل" بالنون: قراءة حمزة والكسائي، والباقون: بالياء. قال صاحب "الكشف": والقراءة في ﴿أَوْ تَكُونَ﴾ بالتاء الفوقاني، وقرئ بالياء خارج السبعة اعتداداً بالفصل، كما جاء في

стр. 5774

ما وجها الرفع والنصب في (فيكون)؟ قلت: النصب، لأنه جواب ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى "هلا"، وحكمه حكم الاستفهام، والرفع على أنه معطوفٌ على ﴿أُنْزِلَ﴾، ومحله الرفع، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الأنعام والقصص في قراءة الزيات وعلي، فقرآ "من يكون" بالياء، والتحتاني، وغيرهما لم يعتد بالفصل فأنثوا لتأنيث "الجنة"، وكأنهم أرادوا التوفيق والطاعة والمطابقة. قوله: (ومحله الرفع)، أي: محل ﴿أُنْزِلَ﴾، لأنه لو وقع موقعه المضارع لكان مرفوعاً، لأنك إنك تقول ابتداءً: لولا يقول، بالرفع، وقد عطف عليه ﴿يُلْقَى﴾ و ﴿تَكُونُ﴾ والحال أنهما مرفوعان، والعطف يمنع أن يكونا منصوبين، لكونهما في حكم المعطوف عليه، وهو مرفوعٌ لا غير. قال أبو البقاء: ﴿أَوْ يُلْقَى﴾ ﴿أَوْ تَكُونُ﴾: معطوفٌ على ﴿أُنْزِلَ﴾، لأن ﴿أُنْزِلَ﴾ بمعنى: ينزل، أو: ﴿يُلْقَى﴾ بمعنى: ألقي. وقال صاحب "الكشف": ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ كلاهما بالرفع لا غير، داخلٌ في التخصيص وليس بجوابٍ له. وقلت: الوجه في قراءة "فيكون" بالرفع أن يجعل من تتمة ﴿أُنْزِلَ﴾ مرتباً عليه غير مستقل استقلال "ألقي" و"ويكون"، ليكون مطابقاً لقراءة النصب، وعليه المعنى، ألا ترى كيف قدر: "ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكاً إلى اقتراح أن يكون إنساناً معه ملكٌ حتى يتساندا في الإنذار" إلى آخره؟

стр. 5775

ألا تراك تقول: لولا ينزل، بالرفع؟ وقد عطف عليه ﴿يُلْقَى﴾، و ﴿تَكُونُ﴾ مرفوعين، ولا يجوز النصب فيهما، لأنهما في حكم الواقع بعد ﴿لَوْلَا﴾، ولا يكون إلا مرفوعاً. والقائلون: هم كفار قريش: النضر بن الحارث، وعبد الله بن أبي أمية، ونوفل بن خويلد، ومن ضامهم. ﴿مَسْحُورًا﴾: سحر فغلب على عقله. أو: ذا سحر، وهو الرئة، عنوا أنه بشرٌ لا ملك. [﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ٩]. ﴿ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ أي: قالوا فيك تلك الأقوال واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال النادرة، من: نبوةٍ مشتركةٍ بين إنسان وملك، وإلقاء كنزٍ عليك من السماء، وغير ذلك، فبقوا متحيرين ضلالاً، لا يجدون قولاً يستقرون عليه. أو: فضلوا عن الحق فلا يجدون طريقاً إليه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهي الرئة)، الجوهري: الرئة: السحر، مهموزٌ، ويجمع على: رئين، والهاء عوضٌ من الياء، تقول منه: رأيته، أي: أصبت رئته. الأساس: كل ذي سحرٍ يتنفس وهو الرئة. ومن المجاز: سحره، وهو مسحورٌ، وإنما سمي السحر استعارةً، لأنه وقت إدبار الليل وإقبال النهار فهو متنفس. قوله: (أو: فضلوا عن الحق)، عطفٌ على قوله: "فبقوا متحيرين"، وعلى الأول متعلقٌ ﴿ضَلُّوا﴾ غير منوي، و ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ هو نفس الضلال، لأن كل من كان متحيراً لا يثبت على شيء، على الثاني: متعلق ﴿ضَلُّوا﴾ مقدرٌ، وهو: عن الحق، والفاء في الوجه الأول كالفاء في ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] على وجه. ومن ثم لم يأت المصنف في التقدير بالفاء. وفي الثاني: للتثبيت، ولهذا صرح بها.

стр. 5776

[(تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً)]. تكاثر خير (الَّذِي إِنْ شَاءَ) وهب لك في الدنيا (خَيْراً) مما قالوا، وهو أن يعجل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور. وقرئ: (ويجعلُ) بالرفع عطفا على (جَعَلَ)؛ لأن الشرط إذا وقع ماضيا، جاز في جزائه الجزم والرفع، كقوله: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهو أن يعجل لك مثل ما وعدك في الآخرة)، قال السجاوندي: ولو عجل لارتفع الاختيار ولم يتبين فضل من تابع مع الفقر بحسن الاختيار. نزل مع الآية رضوان بمفاتيح الخزائن، فنظر صلوات الله وسلامه عليه إلى جبريل ﵇ كالمسترشد، أي: انظر ماذا يعرض علي، فظن جبريل أنها استشارةٌ، فأومى إلى الأرض، أي: تواضع، فقال ﷺ : "أجوع يومين وأشبع يوماً". وقلت: روينا في "المصابيح": قال رسول الله ﷺ : "عرض علي ربي ليجعل بطحاء مكة ذهباً، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك". أخرجه الترمذي عن أبي أمامة، والله أعلم. قوله: (وقرئ: "ويجعل" بالرفع)، ابن كثيرٍ وابن عامرٍ وأبو بكر، والباقون: بالجزم.

стр. 5777

وإن أتاه خليل يوم مسألة … يقول: لا غائب مالي ولا حرم ويجوز في (ويَجْعَل لَّكَ) إذا أدغمت: أن تكون اللام في تقدير الجزم والرفع جميعا. وقرئ بالنصب، على أنه جواب الشرط بالواو. [(بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً* إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً* لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإن أتاه خليلٌ يوم مسألةٍ)، خليلٌ: مشتقٌ من الخلة، وهي الحاجة والفقر. والحرم: الحرمان. قال أبو عبيدٍ: يقال: مالٌ حرمٌ: إذا كان لا يعطى منه. وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: ارتفاع ﴿يَجْعَل﴾ على أنه جملةٌ معطوفةٌ على الجملة الشرطية، أي: يزيد على ما قالوا. وهذا قول الزجاج، قال: ومن رفع فعلى الاستئناف، والمعنى: سيجعل لك قصوراً، أي: سيعطيك الله أكثر مما قالوا. قوله: (وقرئ بالنصب على أنه جواب الشرط بالواو)، قال ابن جني: قرأ عبيد الله بن موسى وطلحة بن سليمان: "ويجعل لك" بالنصب على أنه جواب الجزاء بالواو، كقولنا: إن تأتني آتك وأحسن إليك، وجازت إجابته بالنصب لما لم يكن واجباً إلا بوقوع الشرط من قبله، وليس قوياً مع ذلك، ألا تراه أنه بمعنى قولك: أفعل كذا إن شاء الله؟ تم كلامه. وقيل: هذا ضعيفٌ عند سيبويه، والذي جوزه شبه الجزاء بأحد الأشياء الستة في أنه معلقٌ بالشرط، وكأنه غير موجبٍ فيكون الشرط من الأشياء الستة التي تجاب بالفاء. وقيل: إنما نصب في جواب الشرط والجزاء لأنهما ليسا بواقعين حال المشارطة، فكانا كالتمني.

стр. 5778

(بَلْ كَذَّبُوا) عطف على ما حكى عنهم، يقول: بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة. ويجوز أن يتصل بما يليه، كأنه قال: بل كذبوا بالساعة، فكيف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾: عطفٌ على ما حكى عنهم)، وهو قوله: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، يدل عليه قوله: ﴿ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ أي: قالوا فيك تلك الأقوال، إلى آخره، يعني: كذبوك، وأنكروا نبوتك فيما قالوا: مال هذا الرسول، وكذا وكذا، بل أتوا بما هو أبلغ من ذلك، وهو تكذيبهم إياي بإنكار مجيء الساعة. روينا عن البخاري، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: "قال اله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك"، إلى قوله: "فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان". وعلى هذا: قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ اعتراضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه، مؤكدٌ لمعنى مضمون الكلام، ومسلاةٌ لقلبه صلوات الله عليه، يعني: لا تحتفل بما قالوه: لأن كل ذلك اقتراحاتٌ وعنادٌ وضلالٌ وحيرة، ألا ترى كيف تمادى تكذيبهم إلى أن كذبوا ما يلزم منه تكذيبي، لأن المقصود من إتيان الآيات النبوة وقد حصل، وأن الله تعالى قادرٌ على أن يعطيك خيراً مما اقترحوه، لكن لا ينفع ذلك فيهم شيئاً، لأنهم معاندون. قوله: (ويجوز أن يتصل بما يليه)، وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ الآية، فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ الآيتين، كالجواب عن قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ إلى آخره، على سبيل التعريض التوبيخي، ويكون قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ إضراباً عن قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، يدل عليه قوله: "فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب". قال الإمام: أجاب الله تعالى عن شبههم بوجوه، أحدها: قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾، وبيانه: أن الذي يميز الرسول عن غيره هو المعجزة، وهذه الأشياء

стр. 5779

يلتفتون إلى هذا الجواب؟ وكيف يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة وهم لا يؤمنون بالآخرة؟ ! السعير: النار الشديدة الاستعار. وعن الحسن: أنه اسم من أسماء جهنم (رَأَتْهُمْ) من قولهم: دورهم تتراءى وتتناظر. ومن قوله ﷺ : ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المذكورة لا يقدح شيءٌ منها في المعجزة، كأنه قيل: انظر كيف اشتغل القوم بضرب هذه الأمثال التي فائدة فيها، لأنهم ضلوا، وأرادوا القدح في نبوتك، فلم يجدوا إلى القدح فيه سبيلاً. وثانيها: قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾، أي: من الذي ذكروه من نعم الدنيا كالكنز والجنة، وفسر الخير بقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾ فنبه بذلك على أنه تعالى قادراً على أن يعطي الرسول ﷺ كل ما ذكروه، لكنه تعالى يعطي عباده بحسب المصالح، أو على وفق المشيئة، ولا اعتراض لأحدٍ عليه. وثالثها: قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ لأنه قيل: ليس ما تعلقوا به شبهةً علمية، بل الذي حملهم على تكذيبك بالساعة، ويحتمل أن يكون المعنى: أنهم يكذبون بالساعة فلا يرجون ثواباً ولا عقاباً ولا يتحملون كلفة النظر والفكر، فلهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل. وأما قولهم المصنف: "وكيف يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة؟ " فمبنى على أن ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ مختصةٌ بالآخرة، وما يكون في الدنيا لا يكون إلا مشابهةً بها حتى يستتب له أن يقول: ﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ إضراباً عن قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، وفيه تعسف القول. قوله: (﴿رَأَتْهُمْ﴾، من قولهم: دورهم تتراءى)، أي: منه في كونه استعمالاً مجازياً مثله،

стр. 5780

"لا تراءى ناراهما"، كأن بعضها يرى بعضها على سبيل المجاز. والمعنى: إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها. وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر. ويجوز أن يراد: إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضبا على الكفار ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأن جهنم لا ترى كما أن النار لا ترى، فهو عبارةُ عن مسافةٍ يتمكن فيها الرائي من النظر إلى المرئي. قوله: (لا تراءى ناراهما)، النهاية: معناه: يجب على المسلم أن يباعد منزله عن منزل المشرك، ولا ينزل بالمنزل الذي إذا أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله، وأصل تراءى: تتراءى، فحذف إحدى التاءين تخفيفاً، والترائي: تفاعلٌ من الرؤية، وإسناده إلى النارين مجازٌ. وقلت: إذا جعل قوله: ﴿رَأَتْهُمْ﴾ مجازاً كان قوله: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ ترشيحاً. قوله: (وشبه ذلك)، أي: صوت غليانها. قوله: (ويجوز أن يراد: إذا رأتهم زبانينها)، فالضمير في ﴿رَأَتْهُمْ﴾ للزبانية، لأن السعير يدل عليها كما أن الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] للميت، لأن الآية لما كانت في الميراث علم أن التارك هو الميت، قال الإمام: هذا قول الجبائي، والرؤية والتغيظ عندنا يجب إجراؤهما على الظاهر، فإنه لا امتناع في أن تكون النار حيةً مغتاظة على الكفار. والمعتزلة لما جعلوا البنية شرطاً في الحياة احتاجوا إلى التأويل. الانتصاف: لا حاجة إلى المجاز، لأن رؤية جهنم جائزةٌ، وقد تظاهرت الظواهر بوقوع هذا الجائز، نحو قوله: ﴿تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾، ومحاجتها مع الجنة، وقولها: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾
следующие страницы →