Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.
стр. 5706
عطش يوم القيامة، فيحسبه ماءً، فيأتيه فلا يجد ما رجاه، ويجد زبانية الله عنده يأخذونه فيعتلونه إلى جهنهم فيسقونه الحميم والغساق، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣]، و ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. وقيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، قد كان تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية، ثم كفر في الإسلام.
[﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ٤٠]
اللجي: العميق الكثير الماء، منسوبٌ إلى اللج، وهو معظم ماء البحر. وفي ﴿أَخْرَجَ﴾ ضمير الواقع فيه. ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ مبالغةٌ في: لم يرها، أي: لم يقرب أن يراها فضلاً عن أن يراها. ومثله قول ذي الرمة:
إذا غير النأي المحبين لم يكد … رسيس الهوى من حب مية يبرح
أي: لم يقرب من البراح، فما باله يبرح! شبه أعمالهم أولاً في فوات نفعها وحضور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤]، قال: هي الأرض البيضاء المستوية، سيمت بذلك لأن السراب يجري فيها، من قولهم: عينٌ ساهرةٌ: جارية الماء، وفي ضدها: نائمة.
قوله: (فيعتلونه)، الأساس: عتله: إذا أخذ بتلبيبه فجره إلى حبس أو نحوه ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧].
قوله: (وهم الذين قال الله فيهم)، يعني: من لا يعتقد الإيمان ولا يتبع الحق، ويعمل الأعمال الصالحة، وفسرت الآية في موضعها بأن قيل: عملت ونصبت في أعمالٍ لا يجدي عليها في الآخرة.
قوله: (إذا غير النأي المحبين) البيت، الرسيس: الشيء الثابت الذي لزم من بقية
стр. 5707
ضررها بسرابٍ لم يجده من خدعه من بعيدٍ شيئاً، ولم يكفه خيبةً وكمداً أن لم يجده شيئاً كغيره من السراب، حتى وجد عنده الزبانية تعتله إلى النار، ولا تقتل ظمأه بالماء. وشبهها ثانياً في ظلمتها وسوادها، لكونها باطلةً، وفي خلوها عن نور الحق بظلماتٍ متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب، ثم قال: ومن لم يوله نور توفيقه وعصمته ولطفه، فهو في ظلمة الباطل لا نور له.
وهذا الكلام مجراه مجرى الكنايات، لأن الألطاف إنما تردف الإيمان والعمل، أو كونهما مترقبين، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوًى أو سقمٍ في البدن. يبرح: أي: يزول، يقال: برح برحاً: إذا زال من موضعه، ومنه: لا أبرح كذا أي: لا أزال.
قوله: (ومن لم يوله- أي: لم يعطه- نور توفيقه وعصمته ولطفه فهو في ظلمة الباطل)، يريد: أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، ظاهره: أن من لم يخلق الله تعالى فيه الإيمان والعمل الصالح ليس له إيمانٌ ولا عملٌ، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، لأنه تذييلٌ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ إلى آخره. ولما لم يوافق مذهبه، عدل من التصريح إلى التلويح وقال: "ومن لم يوله نور توفيقه" فيكون المضاف إليه محذوفاً والجملة كما هي مع الحذف كنايةً عن عدم إيمانهم وعملهم الصالح، لأن الإلطاف لازم الإيمان، والعمل الصالح.
قوله: (أو كونهما مترقبين)، نصب عطفٍ على "الإيمان والعمل"، أي: الإلطاف إما أن يكون لازماً للإيمان والعمل الصالح أو لازماً لترقب حصولهما. وقال صاحب "التقريب": التقدير: ومن لم يوله نور توفيقه وعصمته فما له من نور: لا نور لطف التوفيق الذي يسبق الإيمان والعمل الصالح المترقبين، ولا نور العصمة الذي يردف ويلحق الإيمان والعمل الحاصلين. وقلت قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٥] استشهادٌ لقوله: "إن الألطاف إنما تردف الإيمان والعمل"، لأن الهداية هي الدلالة، ولذلك فسره في موضعه بقوله: "لنزيدنهم هدايةً إلى سبيل الخير وتوفيقه، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا
стр. 5708
وقوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]؟ وقرئ: (سحاب ظلماتٍ) على الإضافة. و (سحابٌ ظلماتٍ)، برفع "سحابٌ)، برفع "سحابٌ" وتنوينه وجر "ظلماتٍ" بدلاً من "ظلماتٍ" الأولى.
[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ٤١ - ٤٢].
﴿صَافَّاتٍ﴾: يصففن أجنحتهن في الهواء. والضمير في ﴿صَافَّاتٍ﴾ لـ ﴿كُلٌّ﴾ أو لله، وكذلك في ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ والصلاة: الدعاء. ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها.
[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٠] "، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] دلٌ على أن إضلال الله تعالى مسبوقٌ بظلمهم. وقال في تفسيره: إن مشيئة الله تعالى تابعةٌ لحكمته، من إضلال الظالمين وخلانهم، والتخلية بينهم وبين شأنهم عند زللهم، وكل ذلك تكلفاتٌ وتعسفاتٌ عن الطريق السوي.
قوله: (والضمير في ﴿عَلِمَ﴾ لـ ﴿كُلٌّ﴾ أو لله تعالى، وكذلك في ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، قال صاحب "التقريب": إذا عاد ضمير ﴿عَلِمَ﴾ إلى الله تعالى فليعد الأخيران إلى "كلٌّ"، لئلا يخلو المبتدأ عن عائدٍ إليه، إلا أن يقدر منه. وقلت: الضمير إذا كان لـ ﴿كُلٌّ﴾، كان قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ تكميلاً لإرداف العظمة الكاملة والقدرة التامة صفة العلم الشاملة، وإذا كان لله تعالى كان تذييلاً لقوله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، ثم الآية بجملتها مع ما يتلوها من الآيات المشتملة على دلائل الآفاق والأنفس مستطردةٌ لذكر التسبيح في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾، ثم قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ جيء به تكريراً وترجيعاً لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ الآية، ليتخلص منه إلى نوع آخر من قبائح رأس النفاق وذويه.
стр. 5709
وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ٤٣ - ٤٤].
﴿يُزْجِي﴾: يسوق. ومنه: البضاعة المزجاة: التي يزجيها كل أحدٍ لا يرضاها. والسحاب يكون واحداً، كالعماء، وجمعاً كالرباب.
ومعنى تأليف الواحد: أنه يكون قزعاً فيضم بعضه إلى بعض. وجاز بينه وهو واحدٌ، لأن المعنى: بين أجزائه، كما قيل في قوله:
..... بين الدخول فحومل
والركام: المتراكم بعضه فوق بعض.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والسحاب يكون واحداً كالعماء)، قال أبو زيد: هو شبه الدخان يركب رؤوس الجبال. والرباب: السحاب الأبيض، الواحد: ربابة. القزع: قطعٌ من السحاب رقيقة، الواحد: قزعة. الراغب: أصل السحب: الجر، كسحب الذيل، ومنه السحاب إما لجر الريح له، أو لانجراره في مره. والسحاب: الغيم فيه ماءٌ، أو لم يكن، ولهذا يقال: سحابٌ جهام. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، وقد يذكر السحاب، ويراد بها الظل والظلمة على طريق التشبيه: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [الآية: ٤٠]. يقال: سحابٌ مركوم، أي: متراكم، والركام: ما يلقى بعضه على بعض، والركان يوصف به الرمل والجيش، ومرتكم الطريق: جادته التي فيها ركمةٌ، أي: أثرٌ متراكم.
قوله: (كما قيل في قوله: بين الدخول فحومل)، أوله:
قفا نبك من ذكري حبيبٍ ومنزل … بسقط اللوى بين الدخول فحومل
стр. 5710
والودق: المطر. ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾: من فتوقه ومخارجه، جمع خلل، كجبالٍ في جبل. وقرئ: (من خلله)، ﴿وَيُنَزِّلُ﴾ بالتشديد، و (يكاد سنا) على الإدغام، و (برقه) جمع برقة، وهي المقدار من البرق، كالغرمة واللقمة، و (برقه) بضمتين للإتباع، كما قيل في جمع فعلة، فعلات، كظلمات، (وسناء برقة) على المد المقصور، بمعنى الضوء،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال ابن الأنباري: الدخول، وحومل، والمقراة: منازل كلاب. اعلم أن الفاء في "فحومل" هي المانعة من دخول "بين" على "حومل". قال الأصمعي: لا يقال: رأيتك بين زيدٍ فعمرو، بالفاء وقال الفراء: معناه: بين أهل الدخول، فأهل حومل.
وذهب المصنف إلى أن كلاً من الدخول وحومل مكانٌ ذو قطع متجاورات، فالبين داخلٌ على كل واحدٍ منهما على التأويل، أي: بين أماكن الدخول فأماكن الحومل. وقال الزجاج: جاز: ما زلت أدور بين الكوفة، ولم يجز أدور بين زيدٍ حتى تقول: وعمرو، لأن الكوفة اسمٌ يتضمن أمكنةً كثيرة، فكأنك قلت: ما زلت أدور بين طرق الكوفة.
قوله: (والودق: المطر)، الراغب: الودق: قيل: ما يكون خلال المطر كأنه غبار. وقد يعبر به عن المطر كما في قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، ويقال لما يبدو في الهواء عند شدة الحر: وديقة.
قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ﴾ بالتشديد)، قرأ كلهم إلا ابن كثيرٍ وأبا عمروٍ: "يكاد سنا"، على الإدغام: السوسي عن أبي عمرو.
قوله: (و"سناء برقه")، قال ابن جني: هي قراءة طلحة بن مصرف. السناء ممدوداً: الشرف، يقال: رجلٌ ظاهر النبل والسناء، والسنا مقصوراً: الضوء، وعليه قراءة الكافة.
стр. 5711
والممدود بمعنى العلو والارتفاع، من قولك: سني، للمرتفع، و (يذهب بالأبصار) على زيادة الباء، كقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥]، عن أبي جعفر المدني. وهذا من تعديد الدلائل على ربوبيته وظهور أمره، حيث ذكر تسبيح من في السماوات والأرض وكل ما يطير بين السماء والأرض، ودعاءهم له، وابتهالهم إليه، وأنه سخر السحاب التسخير الذي وصفه وما يحدث فيه من أفعاله حتى ينزل المطر منه، وأنه يقسم رحمته بين خلقه ويقبضها ويبسطها على ما تقتضيه حكمته، ويريهم البرق في السحاب الذي يكاد يخطف أبصارهم، ليعتبروا ويحذروا، ويعاقب بين الليل والنهار، ويخالف بينهما بالطول والقصر، وما هذه إلا براهين في غاية الوضوح على وجوده وثباته، ودلائل مناديةٌ على صفاته، لمن نظر وفكر وتبصر وتدبر. فإن قلت: متى رأى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويجوز أن يكون الممدود للمبالغة في قوة ضوئه وصفائه، كقولك: هذا ضوءٌ كريم، أي: هو في غاية قوته وإنارته، فلو كان إنساناً لكان كريماً شريفاً.
قوله: (على زيادة الباء)، قال الزجاج: لم يقرأ بها غير أبي جعفرٍ المدني، ووجهها في العربية ضعيفٌ، لأن العرب تقول: ذهبت به وأذهبته. والمصنف ذهب إلى أنها للتأكيد، وقد نقلنا في سورة المؤمنين عن الحريري جواز الجمع بين حرفي التعدية، وعليه قراءة من قرأ: "تنبت بالدهن"، بضم التاء.
قوله: (وهذا من تعديد الدلائل على ربوبيته)، هذا إشارةٌ إلى المذكور من ابتداء قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾، وتلك الدلائل تسبيح من في السموات وتسبيح الطير، ودعاؤهم، وتسخير السحاب، وقسمة رحمته بين خلقه يصيب به من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، وإراءته وسناه بحيث يخطف أبصارهم، وتقليبه الليل والنهار بالطول والقصر.
قوله: (وما هذه إلا براهين في غاية الوضوح على وجوده [وثباته]، ودلائل مناديةٌ على صفاته)، يعني: وجود هذه الأشياء يدل على وجود مبدعها وخالقها، لأن الممكن لابد له
стр. 5712
رسول الله ﷺ تسبيح من في السماوات ودعاءهم، وتسبيح الطير ودعاءه، وتنزيل المطر من جبال بردٍ في السماء، حتى قيل له: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؟ قلت: علمه من جهة إخبار الله إياه بذلك على طريق الوحي. فإن قلت: ما الفرق بين ﴿مَنْ﴾ الأولى والثانية والثالثة في قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾، ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾، ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾؟ قلت: الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والثالثة للبيان. أو الأوليان للابتداء، والآخرة للتبعيض. ومعناه: أنه ينزل البرد من السماء من جبالٍ فيها، وعلى الأول مفعول ﴿وَيُنَزِّلُ﴾ ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾. فإن قلت: ما معنى ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾؟ قلت: فيه معنيان، أحدهما: أن يخلق الله في السماء جبال بردٍ كما خلق في الأرض جبال حجر. والثاني: أن يريد الكثرة بذكر الجبال، كما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من موجدٍ يوجده، وكونها واقعةً على صفاتٍ عجيبةٍ غريبة تدل على علم منشئها، وحكمة مفطرها، ولذلك قال: "لمن نظر وفكر وتبصر" على النشر.
قوله: (علمه من جهة إخبار الله تعالى … على طريق الوحي)، قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: علمه بالمكاشفة، وبنور زائد على نور العقل، أو بإرادة الله تعالى إياه كما أرى إبراهيم ﵇ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥].
قوله: (والثالثة للبيان)، قال القاضي: ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾: بيانٌ للجبال، والمفعول محذوفٌ، أي: ينزل مبتدئاً من السماء من جبالٍ فيها من برد.
قوله: (أن يريد الكثرة بذكر الجبال)، قال القاضي: أي: من قطعٍ عظام تشبه الجبال في عظمها، وقيل: المراد بالسماء المظلة، وفيها جبالٌ من بردٍ كما في الأرض جبالٌ من حجر، وليس في العقل قاطعٌ يمنعه.
стр. 5713
يقال: فلانٌ يملك جبالاً من ذهب.
[﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤٥]
وقرئ: (خلق كل دابة). ولما كان اسم الدابة موقعاً على المميز وغير المميز، غلب المميز فأعطي ما وراءه حكمه، كأن الدواب كلهم مميزون، فمن ثم قيل: ﴿فَمِنْهُمْ﴾، وقيل: ﴿مَنْ يَمْشِي﴾ في الماشي على بطنٍ والماشي على أربع قوائم. فإن قلت: لم نكر الماء في قوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾؟ قلت: لأن المعنى: أنه خلق كل دابة من نوعٍ من الماء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فمن ثم قيل)، تفريع لما بعده على ما قبله، يعني: ضمن قوله: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ معنى التغليب، ولذلك أتى بضمير العقلاء وضم معه من المختص بالمميزين، ولولا إرادة التغليب لم يستقم قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي﴾ إلى آخره.
وتلخيصه أن الأول مجملٌ في إرادة التغليب، فبين بالثاني المراد منه، كما أن قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ قرينةٌ دالةٌ على إرادة التغليب في ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ [الحجر: ٣٠]، ولو حمل على باب قوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩]، وجمعه بالواو والنون لجاز، لأن الكلام لما كان مسوقاً لإظهار قدرة الله وكمال حكمته، وأن هذه الأشياء دلائل دالةٌ مرشدةٌ على ذلك، أجري عليها ما كان مجري على العقلاء، ومن ثم قدم الماشي على البطن على الماشي على القدمين وعلى الأربع، لأن الأول أدل على القدرة، والثاني من الثالث.
قوله: (لأن المعنى أنه خلق كل دائبةٍ من نوع من الماء)، تلخيص الجواب: أن التنكير إما للإفراد نوعاً، فإنه تعالى خلق كل نوع من أنواع الدواب من ماءٍ مختص بذلك النوع، فخلق نوع الإنسان من ماءٍ مختص به، وخلق الفرس من ماءٍ مختص به، وعلى هذا، وإما للإفراد شخصاً، فإنه تعالى خلق كل دابةٍ من ماءٍ مخصوصٍ بها وهو النطفة، ثم اختلفت هذه
стр. 5714
مختص بتلك الدابة، أو: خلقها من ماءٍ مخصوص، وهو النطفة، ثم خالف بين المخلوقات من النطفة، فمنها هوام، ومنها بهائم، ومنها ناس، ونحوه قوله تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤]. فإن قلت: فما باله معرفاً في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]؟ قلت: قصد ثم معنى آخر، وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقةٌ من هذا الجنس الذي هو جنس الماء، وذلك أنه هو الأصل وإن تخللت بينه وبينها وسائط، قالوا: خلق الملائكة من ريحٍ خلقها من الماء، والجن من نارٍ خلقها منه، وآدم من ترابٍ خلقه منه. فإن قلت: لما جاءت الأجناس الثلاثة على هذا الترتيب؟ قلت: قدم ما هو أعرف في القدرة، وهو الماشي بغير آلة مشيٍ من أرجلٍ أو قوائم، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربع. فإن قلت: لم سمي الزحف على البطن مشياً؟ قلت: على سبيل الاستعارة، كما قالوا في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النطفة بحسب اختلاف الدواب. وقال القاضي: هذا على تنزيل الغالب منزلة الكل، إذ من الحيوانات ما يتولد لا من نطفة.
قوله: (قصد ثمة معنًى آخر)، يعني: قصد هاهنا إلى معنى الإفراد شخصاً أو نوعاً كما سبق، فنكر الماء وقصد ثمة إلى معنى الجنس وأن حقيقة الماء مبدأ كل شيءٍ حي فعرفه، وأشار إلى صاحب "المفتاح" حيث قال: أي: وجعلنا مبدأ كل شيءٍ حي هذا الجنس الذي هو جنس الماء.
وقال صاحب "الانتصاف": وتحرير الفرق أن الأولى: بين أن القدرة خلقت من واحدٍ أشياء مختلفةً، والثانية: القصد فيها خلق الأشياء المتفقة من جنس الماء المختلف، فالأولى: إخراج مختلفٍ من متفق، والثانية: إخراج متفقٍ من مختلف.
قوله: (على سبيل الاستعارة)، أي: استعير للزحف على البطن المشي، جعله المصنف
стр. 5715
الأمر المستمر: قد مشى هذا الأمر، ويقال: فلانٌ لا يتمشى له أمر. ونحوه استعارة الشفة مكان الجحفلة، والمشفر مكان الشفة، ونحو ذلك، أو على طريق المشاكلة لذكر الزاحف مع الماشين.
[﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤٦ - ٤٧]
﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ إشارة إلى القائلين: آمنا وأطعنا. أو إلى الفريق المتولي منهم، فمعناه على الأول: إعلامٌ من الله بأن جميعهم منتفٍ عنهم الإيمان، لا الفريق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من قبيل الاستعارة، حيث قال: "كما قالوا في الأمر المستمر، قد مشى هذا الأمر"، لكن قوله: "استعارة الشفة مكان الجحفلة"، ينبئ أنه ليس من قبيل الاستعارة، لأنه عند صاحب "المفتاح" مجازٌ مرسلٌ خالٍ عن الفائدة. قال: كما استعمل المرسن في أنف إنسان، وأنه موضوعٌ لمعنى الأنف مع قيد أن يكون مرسوناً، وإنما كان خالياً عن الفائدة، لأن المرسن والأنف كالمترادفين. والحق أن ما في الآية من المجاز المرسل لا الاستعارة.
قوله: (الجحفلة)، الجوهري: للحافر كالشفة للإنسان.
قوله: (فمعناه على الأول: إعلام)، إذا قدر ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةً إلى القائلين ﴿آَمَنَّا﴾ يكون ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي في الرتبة، إيذاناً بارتفاع درجة كفر الفريق المتولي منهم، وانحطاط درجة أولئك، وعلى أن يكون إشارةً إلى الفريق المتولي منهم يكون ﴿ثُمَّ﴾ للاستبعاد، ويؤيده قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: كيف يدخولن في زمرة المؤمنين الذين يقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يعرضون، ويتجاوزون عن الفريق المؤمنين، ويرغبون عن تلك المقالة؟ وهذا بعيدٌ عن العاقل المميز.
يؤيد هذا التأويل سؤال الإمام: فإن قيل: كيف حكي عن كلهم أنهم يقولون: آمنا، ثم حكي عن فريقٍ منهم التولي، وكيف يصح أن يقول في جميعهم: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾؟
стр. 5716
المتولي وحده. وعلى الثاني: إعلامٌ بأن الفريق المتولي لم يكن ما سبق لهم من الإيمان إيماناً، إنما كان ادعاءً باللسان من غير مواطأة القلب، لأنه لو كان صادراً عن صحة معتقدٍ وطمأنينة نفس: لم يتعقبه التولي والإعراض. والتعريف في قوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ دلالةٌ على أنهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرفت، وهم الثابتون المستقيمون على الإيمان، الموصوفون في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥].
[﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ٤٨ - ٤٩].
معنى ﴿إلى الله ورسوله﴾: إلى رسول الله، كقولك: أعجبني زيدٌ وكرمه، تريد: كرم زيد. ومنه قوله:
غلسته قبل القطا وفرطه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجوابه المشار إليه بقوله: "أولئك الذين تولوا"، لا الجملة الأولى، ولو رجع إلى الأولى، ولو رجع إلى الأولى يصح أيضاً.
وأما معنى تكرير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ فإنه من باب الترجيع والشروع في مشرعٍ آخر من ذكر المنافقين وأحوالهم.
قوله: (معنى ﴿إلى الله ورسوله﴾: إلى رسول الله)، أي: ذكر "الله" هنا تمهيدٌ لذكر رسول الله ﷺ ، وإشعارٌ بإظهار مكانته ﷺ ، يؤيده إفراد الضمير في قوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ وقوله: ﴿يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾.
قوله: (غلسته قبل القطا وفرطه)، أوله في "المطلع":
ومنهلٍ من الفلا في أوسطه
стр. 5717
أراد: قبل فرط القطا. روي: أنها نزلت في بشرٍ المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما في أرض، فجعل اليهودي يجره إلى رسول الله، والمنافق يجره إلى كعب بن الأشرف، ويقول: إن محمداً يحيف علينا.
وروي: أن المغيرة بن وائلٍ كان بينه وبين علي بن أبي طالب ﵁ خصومةٌ في ماءٍ وأرض، فقال المغيرة: أما محمدٌ فلست آتيه ولا أحاكم إليه، فإنه يبغضني وأن أخاف أن يحيف علي. ﴿إِلَيْهِ﴾: صلة ﴿يَاتُوا﴾، لأن "أتى" و"جاء" جاءا معديين بـ "إلى"، أو يتصل بـ ﴿مُذْعِنِينَ﴾، لأن في معنى: مسرعين في الطاعة، وهذا أحسن لتقدم صلته ودلالته على الاختصاص.
والمعنى: أنهم لمعرفتهم أنه ليس معك إلا الحق المر والعدل البحت، يزورون عن المحاكمة إليك إذا ركبهم الحق، لئلا تنتزعه من أحداقهم بقضائك عليهم لخصومهم، وإن ثبت لهم حقٌ على خصمٍ أسرعوا إليك ولم يرضوا إلا بحكومتك، لتأخذهم لهم ما ذاب لهم في ذمة الخصم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الغلس: ظلمة الليل، والتغليس: السير بغلس، والفرط: جمع الفارط كالركع والراكع وهو السابق إلى الماء قبل الواردة ليهيئ لهم الدلاء.
قوله: (الحق المر)، أي: الحكم الذي يلحقهم بسماعه مرارةٌ في أفواههم، وهو كنايةٌ عن الكراهة. النهاية: قال شريحٌ لجماعةٍ أرادوا أن يحلفوا على شيء "لتركبن منه مرارة الذقن" أي: ما يمر في أفواهكم وألسنتكم التي بين أذقانكم.
قوله: (البحت)، أي: الخالص، "يزورون" أي: يعدلون عنه ويميلون.
قوله: (وإن ثبت لهم حقٌ على خصم أسرعوا إليك ولم يرضوا إلا بحكومتك)، دل على الحصر تقديم صلة ﴿مُذْعِنِينَ﴾ عليه.
قوله: (ما ذاب لهم)، أي: ما وجب. الأساس: ومن المجاز: ذاب لي عليه حقٌ: ثبت
стр. 5718
[﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ﴾ ٥٠].
ثم قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب منافقين، أو مرتابين في أمر نبوته، أو خائفين الحيف في قضائه. ثم أبطل خوفهم حيفه بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ﴾ أي: لا يخافون أن يحيف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ووجب، ويقال لمن أنضج حاجة إنسانٍ وأتمها: أذاب حاجته. ومن قول المنصور لابن عمران: بلغني أنك لبخيلٌ، فقال: ما أجمد في حقٌ، ولا أذوب في باطل.
قوله: (ثم أبطل خوفهم حيفه)، يريد أنه تعالى أراد أن يبين أن صدودهم عن رسول الله ﷺ إذا كان الحق عليهم كان باطلاً فجاء بالتقسيم، أي: لا يخلو أن نشأ ذلك الصدود عن نفاقهم وكفرهم، فإنهم لا يصدقونه في شيء، أو عن عدم ثباتهم في الإيمان ورسوخهم فيه فيرتابون فيه وفي أحكامه، أو عرفوا أنه يحكم بالحق وهم يريدون الباطل، فجيء بقوله تعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ﴾ إضراباً عما أثبته "بل" في ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ﴾.
قال القاضي: بل إضرابٌ عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم الأول. ووجه التقسيم: أن امتناعهم إما أن يكون لخلل فيهم، أو في الحاكم، والثاني إما أن يكون محققاً عندهم أو متوقعاً، وكلاهما باطلان، أما الأول فظاهرٌ، وأما الثاني فلأن منصب نبوته، وفرط أمانته يمنعه، فتعين الأول، وظلمهم يعم خلل عقيدتهم، وميل نفوسهم إلى الحيف. وفسر القاضي قوله: ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ بقوله: بأن رأوا منك تهمةً، فزال يقينهم بك. وهذا معنى قوله: "أو مرتابين في أمر نبوته".
стр. 5719
عليهم، لمعرفتهم بحاله، وإنما هو ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم ويتم لهم جحوده، وذلك شيءٌ لا يستطيعونه في مجلس رسول الله ﷺ ، فمن ثم يأبون المحاكمة إليه.
[﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٥١].
وعن الحسن: (قول المؤمنين) بالرفع، والنصب أقوى، لأن أولى الاسمين بكونه اسماً لـ "كان" أو غلهما في التعريف، و ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ أو غل، لأنه لا سبيل عليه للتنكير، بخلاف (قول المؤمنين)، وكان هذا من قبيل "كان" في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: ١٦].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: الحق أن "بل" إضرابٌ عن نفس التقسيم، يعني: دع التقسيم، فإنهم هم الكاملون في الظلم الجامعون لتلك الأوصاف على الكمال، فلذلك صدوا عن حكومتك، يدل عليه إتيان اسم الإشارة، والخطاب، وتعريف الخبر بلام الجنس، وتوسيط ضمير الفصل، والله تعالى أعلم.
قوله: (والنصب أقوى)، قال ابن جني: والرفع قراءة علي ﵁ والحسن، والنصب قراءة الجماعة. وهو أقوى، لأن من شرط اسم كان أن يكون أعرف من خبرها، وقوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا﴾ أعرف من: ﴿قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، لأن "أن" وصلتها تشبه المضمر من حيث إنه لا يجوز وصفها، كما لا يجوز وصف المضمر، والمضمر أعرف، ومثله: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [الأعراف: ٨٢]. وقال صاحب "المطلع": أن يقولوا أوغل، لأنه لا سبيل عليه للتنكير، بخلاف قول المؤمنين، لأنه يحتمل أن يختزل عنه الإضافة فبقي منكراً.
قوله: (وكان هذا من قبيل "كان") أي: لفظة "كان" هنا من قبيل "كان" في قوله:
стр. 5720
وقرئ: (ليحكم) على البناء للمفعول. فإن قلت: إلام أسند (يحكم) ولابد له من فاعل؟ قلت: هو مسندٌ إلى مصدره، لأن معناه: ليفعل الحكم بينهم، ومثله: جمع بينهما، وألف بينهما. ومثله ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فيمن قرأ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ منصوباً، أي: وقع التقطع بينكم. وهذه القراءة مجاوبةٌ لقوله: ﴿دُعُوُا﴾.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، أي: بمعنى: ما يصح وما ينبغي وما يستقيم، قال صاحب "المطلع": إنما صح واستقام أن يقول المؤمنون: سمعنا وأطعنا، ولهذا قال الفراء في معناه: إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا: سمعنا وأطعنا. والتحقيق في هذا التركيب ما ذكره صاحب "الانتصاف". قال: فائدة دخول "كان" المبالغة في نفي الفعل الداخل هو عليه بتعديد جهة نفيه عموماً باعتبار الكون وخصوصاً باعتبار خصوصية الفعل بعد ما كان، فهو نفيٌ مرتين.
وقال القاضي: من عادته تعالى إتباع ذكر المبطل ذكر المحق، والفصل لنفي ما أثبت فيهم عن غيرهم والتنبيه على ما ينبغي يبعد إنكاره لما لا ينبغي.
قوله: (وهذه القراءة مجاوبةٌ لقوله: ﴿دُعُوُا﴾، يعني: أن المدعو إليه في الآية: الله تعالى ورسوله صلوات الله عليه، و ﴿لِيَحْكُمَ﴾ على القراءة المشهورة: مسندٌ إلى ضمير الرسول ﷺ وحده، فاحتيج- للتجاوب بين الكلامين- إلى أن يقال: إن ذكر الله تمهيدٌ، كقولك: أعجبني زيدٌ وكرمه.
وأما إذا قرئ: "ليحكم"، مجهولاً، وأسند إلى المصدر، يعم الحاكم فيقع التجاوب بينهما ولم يفتقر إلى ذلك التأويل.
стр. 5721
[﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٥٢].
قرئ: (ويتقه) بكسر القاف والهاء مع الوصل وبغير وصل، وبسكون الهاء، وبسكون القاف وكسر القاف وكسر الهاء. شبه تقه بكتف فخفف، كقوله:
قالت سليمي: اشتر لنا سويقا
ولقد جمع الله سبحانه في هذه الآية أسباب الفوز.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ: "ويتقه" بكسر القاف والهاء مع الوصل)، قرأها نافعٌ وابن كثيرٍ وابن ذكوان والكسائي وخلفٌ، وبغير وصل: قالون عن نافعٍ وعن هشامٍ رواية، وبسكون الهاء: أبو عمرو وأبو بكرٍ وخلادٌ، وسكون القاف وكسر الهاء: حفص. قال صاحب "المطلع": قراءة العامة: "ويتقهي" بياءٍ ملفوظةٍ بعد الهاء، وهو الأصل فيما إذا تحرك الحرف قبل الهاء كما في يؤده ويؤته. وروي عن نافع بكسر الهاء ولا يبلغ بها الياء، لأن حركة ما قبل الهاء ليست تلزم، ألا ترى أنه اختير حذف الياء في ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ في الرفع مثل عليه؟ وقرأ أبو عمرو: "ويتقه" ساكنة الهاء، وذلك أن ما يلحق هذه الهاء من الواو ومن الياء زائدٌ، فرد إلى الأصل وحذف الزيادة. وقرأ حفصٌ ساكنة القاف مكسورة الهاء. قال ابن الأنباري: وهو على لغة من يقول: لم أر زيداً، ولم أشتر طعاماً ولم يتق زيداً، يسقطون الياء منه للجزم، ثم يسكنون ما قبلها، قال:
ومن يتق فإن الله معه … ورزق الله مؤتابٌ وغاد
قوله: (قالت سليمى: اشتر لنا سويقا)، تمامه:
وهات خبز البر أو دقيقا
شبه المنفصل بالمتصل فصار نزل فلذا خفف.
قوله: (ولقد جمع الله في هذه الآية أسباب الفوز)، يعني: الفاء في ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ
стр. 5722
وعن ابن عباس ﵁ في تفسيرها: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ في فرائضه ﴿وَرَسُولَهُ﴾ في سننه ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ على ما مضى من ذنوبه ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما يستقبل. وعن بعض الملوك: أنه سأل عن آيةٍ كافية، فتليت له هذه الآية.
[﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٥٣].
جهد يمينه: مستعارٌ من جهد نفسه: إذا بلغ أقصى وسعها، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ غاية شدتها ووكادتها.
وعن ابن عباسٍ ﵁: من قال: بالله، فقد جهد يمينه. وأصل: "أقسم جهد اليمين": أقسم يجهد اليمين جهداً، فحذف الفعل وقدم المصدر فوضع موضعه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الْفَائِزُونَ﴾ جزائيةٌ، مؤنةٌ بأن ما بعدها مسببةٌ عما قبلها، مما تضمنه الشرط من طاعة الله وطاعة رسوله، والخشية والتقوى، هي جامعةٌ لعموم أحوال المكلف، فإن الواجب عليه في الآن هو فيه طاعة الله وطاعة رسوله، وخشية الله على ما مضي، إن فرط منه تقصيرٌ فيتداركه، وتقوى الله فيما يستقبل من ترك ما يجب عليه أن يذره، والإتيان بما يجب عليه إتيانه، كما أشار إليه حبر الأمة، فعم الأوقات بأسرها والأفعال بأجمعها، من فعل ما ينبغي، وترك ما لا ينبغي، ولذلك قيل: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، أي الكاملون في الفوز بمباغيهم ومطالبهم. ثم الآية كما هي تذييلٌ لما سبق، وتعريضٌ بالمؤمنين الذين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، وبالمنافقين الذين يقولون: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا، إلى قوله: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى آخر الآيات، بأن الأولين هم الفائزون بمباغيهم، والآخرين هم الدامرون الخاسرون، فالآية من الجوامع.
قوله: (أقسم يجهد اليمين جهداً)، هو كقولك: فلانٌ جهد نفسه، أي: يستفرغ طاقته، وكأن لليمين وسعاً وطاقةً وهو يجهد في استفراغه منها، وإليه الإشارة بقوله: "جهد يمينه" مستعارٌ من جهد نفسه، النهاية: جهد الرجل في الشيء: إذا جد فيه وبالغ، ومنه الجهاد، وهو استفراغ ما في الوسع والطاقة من قولٍ أو فعل. والاجتهاد: بذل الوسع في طلب أمر.
стр. 5723
مضافاً إلى المفعول، كقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] وحكم هذا المنصوب حكم الحال، كأنه قال: جاهدين أيمانهم. و ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ خبر مبتدإٍ محذوف، أو مبتدأٌ محذوف الخبر، أي: أمركم والذي يطلب منكم طاعةٌ معروفةٌ معلومة لا يشك فيها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم، والاجتهاد: أخذ النفس ببذل الطاقة وتحمل المشقة، ويقال: جهدت رأيي وأجهدته: أتعبته بالفكر، والجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو.
وأقسم: أي: حلف، وأصله من القسامة، وهو أيمانٌ تقسم على أولياء المقتول، ثم صار اسماً لكل حلف. وقسيم الوجه، أي: صبيحة، والقسامة: الحسن، وأصله من القسمة، كأنما أوتي كل موضع نصيبه من الحسن ولم يتفاوت، وقيل: إنما قيل: مقسم، لأنه يقسم بحسنه الطرف، ولا يثبت في موضع دون موضع.
قوله: (أي: أمركم والذي يطلب منكم)، إلى آخره، هذه الوجوه يجمعها معنيان بحسب تفسير "المعروفة" وذلك أن المنافقين كانوا يبالغون في الإقسام بأنك إن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا خرجنا، فقيل لهم: طاعةٌ معروفة، أي: معروفةٌ بالفعل لا يشك فيها أنها طاعةٌ معروفةٌ بأنها القول دون الفعل، فإذا فسرت بالفعل احتمل أن يكون خبر مبتدأٍ محذوفٍ كما قال أولاً: أمركم والذي يطلب منكم طاعةٌ معروفةٌ معلومةٌ لا يشك فيها، كطاعة الخلص من المؤمنين، فإنهم إذا استنفروا إلى الجهاد خرجوا من ديارهم وأموالهم من غير ريثٍ ولا إقسام، أو مبتدأٌ خبره محذوف، بأن يقال: طاعةٌ معروفةٌ، أي: بالفعل أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة، فقوله: "بكم" متعلقٌ بالأمثل والأولى على التنازع، وإذا فسرت بالقول وبما عرف منهم ومن أمثالهم أنها طاعةٌ بالقول دون الفعل، كان خبر مبتدأٍ محذوف، فيقال طاعتكم طاعةٌ معروفةٌ بأنها بالقول دون الفعل. واختيار الزجاج الوجه الثاني من التقرير الأول، حيث قال: طاعةٌ معروفةٌ أمثل، أي: أمثل من قسمكم
стр. 5724
ولا يرتاب، كطاعة الخلص من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهره، لا أيمانٌ تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها. أو: طاعتكم طاعةٌ معروفة بأنها بالقول دون الفعل. أو طاعةٌ معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة.
وقرأ اليزيدي: (طاعةً معروفةً) بالنصب على معنى: أطيعوا طاعةً ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ﴾ يعلم ما في ضمائركم ولا يخفى عليه شيءٌ من سرائركم، وإنه فاضحكم لا محالة ومجازيكم على نفاقكم.
[﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ٥٤].
صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات، وهو أبلغ في تبكيتهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بما لا تصدقون فيه، وفي الكلام دليلٌ عليه، لأنه قال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ والله من وراء ما في قلوبهم، فقال: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، وقال: ويجوز: "طاعةً معروفةً" على معنى: أطيعوا طاعةً معروفةً، لأنهم أقسموا إذا أمروا أن يطيعوا، فقيل: أطيعوا طاعةً معروفةً، ولا أعلم أحداً قرأ بها، فإن لم ترو فلا تقرأ.
قوله: (صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب)، قال صاحب "التقريب": عدل عن الغيبة في ﴿أَقْسَمُوا﴾ إلى الخطاب في ﴿تَوَلَّوْا﴾، يريد أن قوله: فإن تولوا ليس من تتمة كلام الرسول ﷺ المأمور به أن يبلغ إليهم من قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، بل هو تعقيبٌ لأمر الله رسوله ومتصلٌ بما قبله. المعنى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم قل كذا وكذا، فإن تولوا أيها المخاطبون فإن عليه ما حمل وعليكم ما حملتم. والظاهر أنه تعالى أمر رسوله ﷺ بأن يقول لهم: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تخاف مضرتهم، فكأن أصل الكلام: قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن تولوا فإنما عليك ما حملت، وعليهم ما حملوا، بمعنى:
стр. 5725
يريد: فإن تتولوا فما ضررتموه، وإنما ضررتم أنفسكم، فإن الرسول ليس عليه إلا ما حمله الله وكلفه من أداء الرسالة، فإذا أدى فقد خرج فقد خرج عن عهدة تكليفه، وأما أنتم فعليكم ما كلفتم من التلقي بالقبول والإذعان، فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وعذابه، وإن أطعتموه فقد أحرزتم نصيبكم من الخروج عن الضلالة إلى الهدى، فالنفع والضرر عائدان إليكم، وما الرسول إلا ناصحٌ وهاد، وما عليه إلا أن يبلغ ما له نفعٌ في قبولكم، ولا عليه ضررٌ في توليكم. والبلاغ: بمعنى التبليغ، كالأداء: بمعنى التأدية. ومعنى ﴿الْمُبِينُ﴾: كونه مقروناً بالآيات والمعجزات.
[﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فما يضرونك شيئاً، وإنما يضرون أنفسهم، على الماضي والغيبة في ﴿تَوَلَّوْا﴾ فصرف الكلام إلى المضارع، والخطاب في تتولوا بحذف إحدى التاءين، بمعنى فما ضررتموه، وإنما ضررتم أنفسكم لتكون المواجهة بالخطاب أبلغ في تبكيتهم، ولما لم يكن هذا التفاتاً محضاً، لأن الالتفات هو: الانتقال من إحدى الصيغ الثلاث إلى الأخرى، بل هو عدولٌ من صيغةٍ إلى صيغة، قال أولاً: "صرف الكلام" وثانياً: "على طريقة الالتفات"، ونحو هذا المعنى مر في البقرة عند قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وفي كلام الواحدي ما يؤيد هذا التقرير، والله تعالى أعلم.
قوله: (من الخروج عن الضلالة): بيانٌ لـ "نصيبكم"، ولولا البيان لكان "نصيبكم" استعارةً على الخروج من الضلالة إلى الهدى، وقوله: "أحرزتم" حينئذٍ كالترشيح لهذا التشبيه، شبه هذا المعنى بالنصب الوافي من أنصباء القداح، وهو المعلى، كأنه قيل: أحرزتم القدح المعلى.
стр. 5726
خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٥٥].
الخطاب لرسول الله ﷺ ولمن معه. و ﴿مِنْكُمْ﴾: للبيان، كالتي في آخر سورة الفتح. وعدهم الله أن ينصر الإسلام على الكفر، ويورثهم الأرض، ويجعلهم فيها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و ﴿مِنْكُمْ﴾: للبيان، كالتي في آخر سورة الفتح)، يعني: في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]. وقلت: الظاهر أن الخطاب عامٌ، و"من" للتبعيض كما مر في قوله تعالى: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧٣] في أحد وجهيه، نص عليه في موضعه، وذلك أن قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ إلى آخر قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وسطٌ بين المعطوف وهو قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ والمعطوف عليه وهو قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ على ما قدره كالاعتراض لما سبق أن أصل الكلام: قل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تخف معرتهم، فينبغي أن يجري الكل على سننٍ واحد، وأن يقال: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن تعرضوا عن طاعتهما فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله تعالى، وإن أطعتموهما تهتدوا. ثم بين ما للمهتدين منهم بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ إلى آخره، أي: أحرزتم نصيبكم في الدنيا والعقبى، أما في الدنيا فإن الله وعد الذين آمنوا منكم، أي: الذين اعتصموا بحبل الله والتزموا صحبة رسول الله ﷺ الاستخلاف في الأرض، وتمكين الدين وإبدال الخوف بالأمن. وأما في العقبى فإن من عمل الصالحات من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول، فإن الله سوف يرحمه رحمةً مطلقةً لا يكتنه كنهها ولا يقادر قدرها، ولهذه الفائدة أخر المعطوف عن المعطوف عليه.
فإن قلت: هل في توسيط ﴿مِنْكُمْ﴾ بين ﴿آَمَنُوا﴾ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هنا، وفي تأخيره عنهما في الفتح من فائدة؟ قلت- والعلم عند الله-: التأخير دل على أن وعد الله تعالى بالمغفرة والأجر العظيم مسببان عن أيمانهم المقارن بالأعمال الصالحات معاً، لأن الاتصاف
стр. 5727
خلفاء، كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشام بعد إهلاك الجبابرة، وأن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالإيمان والعمل الصالح في الظاهر مناسبٌ لأن يكون علةً للمغفرة والأجر العظيم، وتوسيطه دل على أن الإيمان هو الأصل في الاعتبار، وأن الأعمال كالتابعة له، فتأثير العمل الصالح في الاستخلاف دون تأثيره في إثبات المغفرة والأجر العظيم، ونحوه في الاعتبار قوله تعالى: ﴿إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] أخر إسماعيل عن المفعول، ليدل على أن إبراهيم ﵇ كان الأصل في العمل، وإسماعيل ﵇ كالتابع له، ولو قدمه لم يكن كذلك. ومن ثم اختلف العلماء، قال الإمام: جمهور الفقهاء والمتكلمين اتفقوا على أن الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له، واختلفوا في أن الفسق الطارئ هل يبطل الإمامة أولاً؟
قلت: والذي عليه الأحاديث الصحيحة: لا، روينا عن مسلم والترمذي، عن وائل ابن حجرٍ قال: سأل سلمة بن يزيد رسول الله ﷺ قال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم، ويمنعوننا حقناً، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثالثة، فجذبه الأشعث فقال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم".
وعن مسلم والدرامي عن عوف بن مالكٍ ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ألا ومن ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فيكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من الطاعة"، فعلى هذا لا يجوز الطعن في الخلفاء بعد الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم.
قوله: (حين أورثهم مصر)، إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا
стр. 5728
يمكن الدين المرتضى، وهو دين الإسلام، وتمكينه: تثبيته وتوطيده، وأن يؤمن سربهم ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا عليه، وذلك: أن النبي ﷺ وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، ولما هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه، حتى قال رجل: ما يأتي علينا يومٌ نأمن فيه ونضع السلاح؟ ! فقال ﷺ : "لا تغبرون إلا يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليس فيه حديدة"، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب، وافتتحوا بعد بلاد المشرق والمغرب، ومزقوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧] يريد جهات أرض مصر الشرقية والغربية.
قوله: (وتوطيده)، الجوهري: وطدت الشيء أطده وطداً، أي: أثبته وثقلته، والتوطيد مثله.
قوله: (وأن يؤمن سربهم)، النهاية: يقال: فلانٌ آمنٌ في سربه- بالكسر- أي: نفسه. وفلانٌ واسع السرب، أي: رخي البال، وفي الحديث: "من أصبح آمناً في سربه"، ويروى بالفتح، وهو المسلك والطريق.
قوله: (لا تغبرون)، الجوهري: غبر الشيء يغبر، أي: بقي، والغابر: الباقي. والغابر: الماضي، وهو من الأضداد.
قوله: (محتبياً ليس فيه حديدة)، عبارةٌ عن غاية الأمن ورخاء البال. الحبو: هو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب ويجمعها مع ظهره، ويشده عليها، والحديث المشهور عن عدى في هذا المعنى يشهد له قوله: "بعد"، أي بعد فتح جزيرة العرب بلاد المشرق والمغرب.
стр. 5729
ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم، واستولوا على الدنيا، ثم خرج الذين على خلاف سيرتهم فكفروا بتلك الأنعم وفسقوا، وذلك قوله ﷺ : "الخلافة بعدي ثلاثون سنةً، ثم يملك الله من يشاء الله من يشاء فتصير ملكاً، ثم تصير بزيرى: قطع سبيل، وسفك دماء، وأخذ أموالٍ بغير حقها". وقرئ: (: ما استخلف) على البناء للمفعول، ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بالتشديد.
فإن قلت: أين القسم المتلقي باللام والنون في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾؟ قلت: هو محذوف، تقديره: وعدهم الله، وأقسم ليستخلفنهم، أو: نزل وعد الله في تحققه بمنزلة القسم، فتلقي بما يتلقى به القسم، كأنه: أقسم الله ليستخلفنهم. فإن قلت: ما محل ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾؟ قلت: إن جعلته استئنافاً: لم يكن له محل، كأن قائلاً قال: ما لهم يستخلفون ويؤمنون! فقال: يعبدونني. وإن جعلته حالًا عن وعدهم، أي: وعدهم الله ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم: فمحله النصب. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: يريد كفران النعمة، كقوله: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ﴾
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثم تصير بزيزى)، النهاية: وفي حديث أبي عبيدة: أنه "سيكون نبوةٌ ورحمةٌ كذا وكذا، ثم يكون بزيزى وأخذ أموالٍ بغير حق"، والبزيزى بكسر الباء وتشديد الزاي الأولى والقصر: السلب والتغلب، من بزه ثيابه وابتزه: إذا سلبه إياها، و"قطع سبيل" نصبٌ، إما عطف بيانٍ لقوله: "بزيزى" أو بدلٌ منه. ونحوه رواه الإمام أحمد بن حنبل عن سفينة، وليس في روايته "بزيزى".
قوله: (هو محذوفٌ تقديره: وعدهم الله وأقسم ليستخلفنهم)، قال الزجاج: إنما جاءت اللام لأن: وعدته بكذا أو كذا، ووعدته لأكرمنه، بمنزلة: قلت، لأن الوعد لا ينعقد إلا بقول.
стр. 5730
الْفَاسِقُونَ﴾ أي: هم الكاملون في فسقهم، حيث كفروا تلك النعمة العظيمة وجسروا على غمطها. فإن قلت: هل في هذه الآية دليلٌ على أمر الخلفاء الراشدين؟ قلت: أوضح دليل وأبينه، لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم هم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وجسروا على عظمها)، أي: اجترأوا على تحقيرها وازدرائها.
قوله: (لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم هم)، والظاهر أن "هم" الأول فصلٌ، والثاني خبر "إن" فيفيد تخصيص المسند بالمسند إليه، أي: هذه الأوصاف منحصرةٌ فيهم، ومختصةٌ بهم لا تتعدى إلى غيرهم. ولعمري هم الذين اقتبسوا الدين والتقوى والتقوى من مشكاة النبوة، وكل الناس عيالهم فيه، ومنهم انتشر نور الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وهم الذين يستحقون أن يقال فيهم:
هم القوم كل القوم للدين والتقى … وناهيك بالقوم الذين هم هم
أي: هم الأخيار والأشراف كما عرفت. كقول الحريري:
قد باعت الأسباط قبـ … لي يوسفاً وهم هم
وقد يجيء للذم، قال:
رفوني وقالوا يا خويلد لم ترع … فقلت- وأنكرت الوجوه- هم هم
أي: هم الأعداء. رفوني: أي: سكنوني بعدم الخوف.
قال الإمام: وجه الاستدلال أن هذا خطابٌ مع جماعة الحاضرين في حضرة الرسالة صلوات الله على صاحبها بإيصال الخلافة إليهم، وأن يمكن لهم دينهم المرضي، وأن يبدلهم بعد الخوف أمناً، ولا يمكن حمل هذا إلا على هؤلاء الربعة، لأن من ادعى الروافض إمامته ما كانوا متمكنين من إظهار دينهم وما زال الخوف عنهم، بل كانوا أبداً في التقية والخوف،
стр. 5731
[﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٥٦].
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معطوفٌ على ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤]، وليس ببعيدٍ أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصلٌ وإن طال، لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه. وكررت طاعة الرسول، تأكيداً لوجوبها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فوجب حملها على ما ذكرنا، لأنهم كانوا عندنا متمكنين من إظهار دينهم غير خائفين.
وقال: وفيه دليلٌ على صحة النبوة بالإخبار عن الغيب على ما هو به، وخلافة الخلفاء الراشدين، إذ لم يجتمع الموعود والموعود عليه، أي: العمل الصالح لغيرهم بالإجماع.
قوله: (وليس ببعيدٍ أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصلٌ … ، لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه)، أي: الحق المغايرة، لا أن لا يقع بينهما فاصل. وقال صاحب " التقرير": لأن طول الفصل يحقق المغايرة المطلوبة والمعطوف عليه، يريد أن الواجب أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه المغايرة، وعند القرب لا يتحقق ذلك، فإن المجاورة مظنة الاتصال بخلاف المضاف والمضاف إليه، فإن شدة اتصالهما مانعةٌ من دخول فصلٍ بينهما، ولهذا تكلموا في قراءة ابن عامر: ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] بنصب الأولاد وجر الشركاء، على أن للفصل والتأخير فوائد، منها: الإشعار بأن الجملة المتخللة وهو ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ الآية، مما هو يهتم بشأنه، وأنها متصلةٌ بما يتعلق بالمعطوف عليه وهو ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ كما سبق. قال القاضي: ولا يبعد عطف ذلك على ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾، فإن الفاصل وعدٌ على المأمور به.
ومنها: أن في تأخير المعطوف عن قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ إعلاماً بنوع اتصالٍ به، وبيانه ما مر أيضاً، وهو: إن أطعتم وآمنتم فقد أحرزتم نصيبكم في الدنيا والعقبى.
стр. 5732
[﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَاوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ٥٧].
وقرئ: (لا يحسبن) بالياء، وفيه أوجه: أن يكون ﴿مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ هما المفعولان. والمعنى: ولا يحسبن الذين كفروا أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطمعوا هم في مثل ذلك. وهذا معنًى قويٌ جيد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومنها: التوكيد، لأنه لو لم يؤخر لم يحتج إلى إناطة أطيعوا الرسول به، فإنه على منوال قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩].
ومنها: الإيذان بشرف إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ومحلهما عند الله، وأنهما أما العبادات، وبعدهما مرتبةً عن سائر العبادات والطاعات، لأن العطف من باب عطف جبريل على الملائكة، ومن ثم رتب الأول بقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ وعلى الثاني بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
قوله: (وقرئ: "لا يحسبن" بالياء)، ابن عامرٍ وحمزة، والباقون: بالتاء الفوقانية.
قوله: (هما المفعولان)، أحدهما أحداً، معجزين. وثانيهما: الأرض لتقدير الاستقرار، وإنما جاز وصف أحداً بالجمع وإيقاعه موقع المبتدأ، لكونه نكرةً في سياق النفي، كقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] صفةً لأحد، لأنه عامٌ، وعلى الثاني والثالث: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ لغو ﴿مُعْجِزِينَ﴾.
قوله: (وهذا معنى قويٌ جيد)، وفيه التفاتان، لأنه تعالى لما التفت من الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ على ما سبق، عاد إلى الغيبة وإقامة المظهر موضع المضمر، أي: لا يحسبن البعداء من الذين كفروا بنزع طاعة الله ورسوله عن عنقهم أحداً يحميهم في الأرض من الاستئصال حتى
стр. 5733
وأن يكون فيه ضمير الرسول، لتقدم ذكره في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وأن يكون الأصل: لا يحسبنهم الذين كفروا معجزين، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول، وكان الذي سوغ ذلك أن الفاعل والمفعولين لما كانت لشيءٍ واحد، اقتنع بذكر اثنين عن ذكر الثالث، وعطف قوله: ﴿وَمَاوَاهُمُ النَّارُ﴾ على ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾، كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله، ومأواهم النار. والمراد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يطمعوا في مثل ذلك، فإن الله لا يعجزه أحدٌ، فيقهرهم في الدنيا بالاستئصال، ويخزيهم في الآخرة بعذاب النار. وينصر هذا التأويل قوله: "والمراد بهم المقسمون جهد أيمانهم"، وأما أن الوجه الأول أحسن من الثاني، وهم أن يكون فاعل "يحسبن" رسول الله ﷺ ، لتقدم ذكره في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، فلأنه على هذا لا يحسن ذلك الحسن، إذا قيل: التفاتٌ من خطابهم بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بمعنى: أن أولئك البعداء إنما يمتنعون عن الطاعة لما حسبوا أن لهم ناصراً ينصرهم ويمنعهم من عذابنا حين لم يطيعونا، وأما كونه أقوى منه، فإن نفي الحسبان وإثبات العجز لهم على سبيل الكناية، كما قال: "لا يحسبن الذين كفروا أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطمعوا في مثل ذلك" أقوى من نفي الحسبان عن رسول الله ﷺ وإثبات العجز لهم تصريحاً.
وأما كونه أحسن من الثالث، فلأن نفي الحسبان وإثبات العجز لهم تصريحاً أحط من إثبات العجز لهم كنايةً. وأما كونه أقوى منه، فلأنه لا يحتاج حينئذٍ إلى حذف أحد المفعولين من باب حسبت، وإلى العذر بجوازه كما قال، لأنه ضعيف.
قوله: (وأن يكون الأصل: لا يحسبنهم الذين كفروا)، قال الزجاج: المعنى: لا يحسبن الذين كفروا إياهم معجزين، كما تقول: زيدٌ حسبته قائماً، تريد: حسب زيدٌ نفسه قائماً، وهذا في باب ظننت تطرح فيه النفس، يقال: ظننتني أفعل، ولا يقال: ظننت نفسي أفعل، ولا يجوز ضربتني، ليستغنى عنها بضربت بنفسي.
قوله: (وعطف قوله: ﴿وَمَاوَاهُمُ النَّارُ﴾ على ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، والظاهر
стр. 5734
بهم: المقسمون جهد أيمانهم.
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَاذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٥٨].
أمر بأن يستأذن العبيد. وقيل: العبيد والإماء والأطفال الذين لم يحتلموا من الأحرار ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ في اليوم والليلة: قبل صلاة الفجر، لأنه وقت قيامٍ من المضاجع وطرح ما ينام فيه من الثياب ولبس ثياب اليقظة، وبالظهيرة، لأنها وقت وضع الثياب للقائلة، وبعد صلاة العشاء، لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاق بثياب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يصح عطف الإخباري على الإنشائي، ولهذا أوله وقال: "كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله ومأواهم النار"، وقال صاحب النظم: الثاني معطوفٌ على مضمر، أي لا يحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض بل مقدورٌ عليهم ومحاسبون ومأواهم النار، هذا يقرب إلى ما قدرناه فيه فيقهرهم في الدنيا بالاستئصال، ويخزيهم في الآخرة بعذاب النار.
قوله: (أمر بأن يستأذن العبيد)، قال القاضي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَاذِنْكُمُ﴾ رجوعٌ إلى تتمة الأحكام السالفة بعد الفراغ من الإلهيات الدالة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام، وغيرها، والوعد عليها، والوعيد عن الإعراض عنها، والمراد به خطاب الرجال والنساء، غلب فيه الرجال، وليس في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ ما ينافي قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧] فينسخه، لأنه في الصبيان والمماليك، وذلك في الأحرار البالغين.
стр. 5735
النوم. وسمى كل واحدة من هذه الأحوال عورةً، لأن الناس يختل تسترهم وتحفظهم فيها.
والعورة: الخلل. ومنها: أعور الفارس، وأعور المكان، والأعور: المختل العين. ثم عذرهم في ترك الاستئذان وراء هذه المرات، وبين وجه العذر في قوله: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: أن بكم وبهم حاجةً إلى المخالطة والمداخلة: يطوفون عليكم للخدمة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأعور الفارس)، وهو إذا بدا فيه موضع خلل الضرب قال:
له الشدة الأولى إذا القرن أعورا
الراغب: العورة: سوءة الإنسان، وذلك كنايةٌ، وأصله من العار، لما يلحق في ظهوره من العار، أي: المذمة، ولذلك سمي النساء عورةً، ومن ذلك: العوراء: للكلمة القبيحة، وعورت عينه عوراً، وعارت عينه عورًا وعورتها، وعنه استعير: عورت البئر، وقيل للغراب: أعور لحدة نظره وذلك لعكس المعنى، لذلك قال الشاعر:
وصحاح العيون يدعون عورا
والعور والعورة: شقٌ في الشيء، كالثوب والبيت ونحوه، قال تعالى: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ [الأحزاب: ١٣] أي: متخرقةٍ ممكنة لمن أرادها، ومنه يقال: فلانٌ يحفظ عورته، أي: خلله، وقوله تعالى: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ أي: نصف النهار، وآخر النهار، وبعد العشاء الآخرة. وقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ أي: لم يبلغوا الحلم والمعاورة.
قوله: (وبين وجه العذر في قوله: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾، قال القاضي: أي: هم طوافون، وهو استئنافٌ لبيان العذر المرخص في ترك الاستئذان وهو المخالطة وكثرة المداخلة، وفيه
стр. 5736
وتطوفون عليهم للاستخدام، فلو جزم الأمر بالاستئذان في كل وقت، لأدى إلى الحرج. وروي: أن مدلج بن عمروٍ- وكان غلاماً أنصارياً- أرسله رسول الله ﷺ وقت الظهر إلى عمر ﵁ ليدعوه، فدخل عليه وهو نائم، وقد انكشف عنه ثوبه، فقال عمر: لوددت أن الله نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن، ثم انطلق معه إلى النبي ﷺ ، فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية.
وهي إحدى الآيات المنزلة بسبب عمر. وقيل: نزلت في أسماء بنت أبي مرشد،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دليلٌ على تعليل الأحكام.
قوله: (نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا)، قيل: "لا" مزيدةٌ لتأكيد النهي، كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] حملهم على ذلك أن عدم الدخول لا يجوز أن يكون منهياً، والمنهي الدخول، ومن ثم طرحها صاحب "المطلع" وقال: أن يدخلوا علينا.
قلت: الوجه أن يقدر مضافاً ويكون مفعولاً له لقوله: "نهى آباءنا"، أي: لوددت أن الله نهى هؤلاء عما هم عليه من الفعل القبيح إرادة أن لا يدخلوا علينا إلا بالإذن، ويجوز أن يكون مفعولاً له لقوله: لوددت، على تقدير اللام، يعني: لوددت أن ينهى لئلا يدخلوا علينا إلا بإذن، وحذف اللام مع "أن" جائز، وإن لم يكن فعلًا لفاعل الفعل المعلل، بخلافه في غيرها.
قوله: (نزلت في أسماء بنت [أبي] مرثد)، بالثاء المثلثة، ويروى: "أبي مرشد" بالشين المعجمة، وفي "الاستيعاب" بالشين المعجمة.
стр. 5737
قالت: إنا لندخل على الرجل والمرأة ولعلهما يكونان في لحافٍ واحد. وقيل: دخل عليها غلامٌ لها كبير في وقتٍ كرهت دخوله، فأتت رسول الله ﷺ ، فقال: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حالٍ نكرها. وعن أبي عمرٍو: (الحلم) بالسكون. وقرئ: "ثلاث عوراتٍ) بالنصب بدلاً عن ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾، أي: أوقات ثلاث عورات. وعن الأعمش: (عورات) على لغة هذيل.
فإن قلت: ما محل ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾؟ قلت: إذا رفعت ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ كان ذلك في محل الرفع على الوصف. المعنى: هن ثلاث عورات مخصوصةٌ بالاستئذان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "ثلاث عورات" بالنصب)، حمزة والكسائي وأبو بكر، والباقون: بالرفع.
قوله: (أي: أوقات ثلاث عورات)، روى صاحب "المطلع"، عن صاحب النظم: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ بمعنى: ثلاثة أوقات، لأنها لو كانت على ظاهرها لوجب أن يكون الأمر واقعاً على ثلاث دفعات، فإذا جاوزها ارتفع الأمر، فيجوز الدخول بعدها، ويدل على أن المراد الأوقات قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ فإنها مفسرةٌ لقوله: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾.
قوله: (وعن الأعمش: "عورات"، على لغة هذيل)، قالوا: إن كل "فعلةٍ" إذا كانت ساكنة الحشو صحيحةً تحرك في الجمع عينها إذا كانت اسماً، وإن كانت صفةً فتسكن، وإن كان عينها معتلًا فتسكن أيضاً، اسماً كان أو صفةً، إلا على مذهب هذيل، فإنهم يحركونها.
وقال الزجاج: والإسكان أكثر، لثقل الحركة على الواو، يقال: طلحةٌ وطلحات، وجمرةٌ وجمرات، ويجوز في لوزة: لوزاتٌ، والأجود بالسكون.
стр. 5738
وإذا نصبت لم يكن له محل، وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإذا نصبت- أي: "ثلاث عوراتٍ"- لم يكن له محل)، فإن قلت: ما هذا الاختصاص؟ لم لا يجوز أن يكون محل ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ نصباً على أن يكون وصفاً لـ "ثلاث عوراتٍ"، وهو بدلٌ من ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ وأن يكون جملةً مؤكدةً إذا قدر: هن ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾، على الابتداء والخبر؟ قلت: لهذا السؤال تصدى صاحب "التقريب" للتقرير بأن قال: إن حكم رفع الحرج وراءها مقصودٌ في نفسه، فإذا وصف به "ثلاث عوراتٍ" نصباً، وهو بدلٌ من ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ كان التقدير: ليستأذنكم في ثلاث عوراتٍ مخصوصةٍ بالاستئذان، ويدفعه وجوهٌ مستفادةٌ من علم المعاني، أحدها: اشتراط تقدم علم السامع بالوصف، وهو منتف، إذ لم يعلمه إلا من هذا. وثانيها: جعل الحكم المقصود وصفاً للظرف، فيصير غير مقصود. وثالثها: أن الأمر بالاستئذان في المرات الثلاث حاصلٌ وصفت بأن لا حرج وراءها أو لم توصف، فيضع الوصف. وأما إذا وصف المرفوع به فيزول الروافع، لأنه ابتداء تعليم، أي: هن ثلاث عوراتٍ مخصوصةٍ بالاستئذان، وصفةٌ للخبر لا للظرف، ولم يتقيد أمر الاستئذان به، فليتأمل فإنه دقيقٌ جليل. تم كلامه.
وقلت: الذي عندي- والله أعلم-: أن ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ إذا قرئ مرفوعاً كان خبر مبتدأٍ محذوفٍ، والجملة مقررةٌ لمعنى ما سبق فيصح جعل قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ صفةً، لأن الجملة كما هي برمتها كلامٌ مقررٌ لمعنى ما سبق على طريقة الطرد والعكس لدلالة الكلام الأول على الأمر بالاستئذان في الأوقات المخصوصة بالمنطوق، ودلالة هذا الكلام عليه بالمفهوم، لأن رفع الجناح في غير هذه الأوقات يؤذن بثبوت الجناح في تلك الأوقات، وإليه الإشارة بقوله: "هن ثلاث عوراتٍ مخصوصةٍ بالاستئذان"، وإذا جعل "ثلاث عوراتٍ" وحده بدلاً من قوله: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ ظرفاً مثله مبيناً لما قصد فيه من المعنى، وهو إظهار كمال الكراهة في الدخول بغير الاستئذان، لأن لفظ ﴿عَوْرَاتٍ﴾ أدل في الكراهة من السابق، نحوه قال الشاعر:
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا … وإلا فكن في السر والجهل مسلما
стр. 5739
خاصةً. فإن قلت: بم ارتفع ﴿بَعْضُكُمْ﴾؟ قلت: بالابتداء، وخبره ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾، على معنى: طائفٌ على بعض، وحذف، لأن ﴿طَوَّافُونَ﴾ يدل عليه. ويجوز أن يرتفع بـ "يطوف" مضمراً لتلك الدلالة.
[﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُوا كَمَا اسْتَاذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٥٦].
﴿الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ أي: من الأحرار دون المماليك. ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: يريد:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجاء قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ مقرراً لذلك بالمفهوم صح واستقام وحصل أيضاً الطرد والعكس، وإليه أشار بقوله: "وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان"، وأما إذا وصف المبدل بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ ولا ارتياب أن الصفة المخصصة مبينةٌ للمراد من الموصوف، فيكون المقصود من إجراء الكلام رفع الحرج من الدخول في غير الأوقات المذكورة، لا الأمر بالاستئذان في الأوقات المخصوصة، لأن البدل هو المقصود بالذكر، وكان خلفاً من القول، لأن المقصود الأولى: الاستئذان في الأوقات المخصوصة، ورفع الحرج في غير الأوقات تابعٌ له، لقول عمر ﵁: لوددت أن الله نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن، ثم انطلق معه إلى النبي ﷺ وقد أنزلت عليه هذه الآيات، فظهر من هذا أن تأسيس صاحب "التقريب" كلامه على قوله: "أن حكم رفع الحرج مقصودٌ في نفسه" ضعيفٌ، وبناءه عليه الوجوه واهٍ. والله أعلم.
قوله: (﴿الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ أي: من الأحرار دون المماليك)، يريد ﴿مِنْكُمُ﴾ للبيان، فإن الأطفال يشمل الأحرار والمماليك فبين بقوله: ﴿مِنْكُمُ﴾ ليختص بالأحرار، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لِيَسْتَاذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ ويحتمل أن تكون اتصاليةً، قال القاضي: واستدل به من أوجب الاستئذان للعبد البالغ على سيدته، وجوابه: أن المراد بهم: المعهودون الذين جعلوا قسيماً للمماليك فلا يندرجون فيهم.
стр. 5740
الذين بلغوا الحلم من قبلهم، وهم الرجال، أو الذين ذكروا من قبلهم في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُوا﴾ الآية [النور: ٢٧]، والمعنى: أن الأطفال مأذونٌ لهم في الدخول بغير إذنٍ إلا في العورات الثلاث، فإذا اعتاد الأطفال ذلك، ثم خرجوا من حد الطفولة بأن يحتملوا أو يبلغوا السن التي يحكم فيها عليهم بالبلوغ، وجب أن يفطموا عن تلك العادة ويحملوا على أن يستأذنوا في جميع الأوقات كما الرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن. وهذا مما الناس منه في غفلة، وهو عندهم كالشريعة المنسوخة. وعن ابن عباس: آيةٌ لا يؤمن بها أكثر الناس: آية الإذن، وإني لأمر جارتي أن تستأذن علي. وسأل عطاء: أأستأذن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ذكروا من قبلهم)، يعني: لابد للظرف الذي وقع صلةً للذين من متعلق، فإذا جعلت القرينة قوله: وإذا بلغ الأطفال، فالمعنى: الذين بلغوا الحلم من قبلهم، وإذا جعلت سياق الآيات فالمعنى: الذين ذكروا من قبلهم، أي: في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا .... ﴾ [النور: ٥٨].
قوله: (أن يفطموا)، الأساس: ومن المجاز: فطمته عن عادة السوء، ولأفطمنك عما أنت عليه. وفي الحديث" "الإمارة حلوة الرضاع مرة الفطام".
قوله: (وإني لآمر جارتي)، أي: زوجتي. الجوهري: امرأة الرجل: جارته، قال الأعشى:
أجارتنا بيني فإنك طالقه
وتمامه:
فإن أمور الناس غادٍ وطارقه
стр. 5741
على أختي؟ قال: نعم وإن كانت في حجرك تمونها، وتلا هذه الآية. وعنه: ثلاث آياتٍ جحدهن الناس: الإذن كله، وقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فقال ناس: أعظمكم بيتاً، وقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨]. وعن ابن مسعود: عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم.
وعن الشعبي: ليست منسوخةً، فقيل له: إن الناس لا يعملون بها، فقال: الله المستعان. وعن سعيد بن جبير: يقولون: هي منسوخة، ولا والله ما هي منسوخة، ولكن الناس تهاونوا بها. فإن قلت: ما السن التي يحكم فيها بالبلوغ؟ قلت: قال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أعظمكم بيتاً)، النهاية: بيت الرجل: داره وقصره وشرفه، قال العباس رضي الله تعالى عنه يمدح النبي ﷺ :
حتى احتوى بيتك المهيمن من … خندق علياء تحتها النطق
أراد شرفه في أعلى خندق بيتاً، والمهيمن: الشاهد، أي: الشاهد بفضلك، والنطق: جمع نطاق، وهي أعراضٌ من جبالٍ بعضها فوق بعض، أي: نواح وأوساطٌ منها، شبهت بالنطق التي يشد بها أوساط الناس ضربه مثلاً في ارتفاعه وتوسطه في عشيرته وجعلهم تحته بمنزلة أوساط الجبال، يقول: حتى احتوى شرفك الشاهد على فضلك أعلى مكانٍ من نسب خندق.
قوله: (الله المستعان)، وهي كنايةٌ عن عجزه عن إقامة المعروف والنهي عن المنكر، لتغير الزمان وفساد الإخوان.
стр. 5742
أبو حنيفة: ثماني عشرة سنةً في الغلام، وسبع عشرة في الجارية، وعامة العلماء على خمس عشرة فيهما. وعن علي ﵁: أنه كان يعتبر القامة، ويقدره بخمسة أشبار، وبه أخذ الفرزدق في قوله:
ما زال مذ عقدت يداه إزاره … وسما فأدرك خمسة الأشبار
واعتبر غيره الإنبات.
وعن عثمان ﵁: أنه سئل عن غلام، فقال: هل اخضر إزاره؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما زال مذ عقدت يداه)، البيت، يرثي الفرزدق يزيد بن المهلب. وسما: أي: علا وبلغ. الرفعة.
وأدرك أي: لحق، ويحتمل أن يراد بخمسة الأشبار: ارتفاع قامته، وأن يراد بها القبر.
قال:
عجباً لأربع أذرع في خمسةٍ … في جوفه جبلٌ أشم كبير
يقول: لم يزل مذ عقد إزاره، أي: بلغ سن التمييز، ولبس السراويل إلى أن ارتفع، وبلغ مبلغ الرجال، أو إلى أن مات ودفن في خمسة أشبارٍ من الأرض، كان أميراً، والاستشهاد على المعنى الأول، وبعده:
يدني خوافق من خوافق تلتقي … في ظل معتبط الغبار مثار
الخوافق: الرايات، وإنما يريد به: كان يقود الجيوش إلى الجيوش ويحضر الحروب، ومعتبط الغبار: يريد مكاناً لما يقاتل فيه قبله، ولم ينزله غبارٌ حتى أثاره.
قوله: (هل اخضر إزاره؟ )، أي: نبت شعر عانته؟ أسند الاخضرار إلى الإزار على المجاز، لأنه مما اشتمل عليه الإزار.
стр. 5743
[﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٦٠].
القاعد: التي قعدت عن الحيض والولد، لكبرها. ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾: لا يطمعن فيه. والمراد بالثياب: الثياب الظاهرة، كالملحفة والجلباب: الذي فوق الخمار، ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾: غير مظهرات زينةً، يريد: الزينة الخفية التي أرادها في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، أو: غير قاصداتٍ بالوضع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (القاعد: التي قعدت عن الحيض)، الأساس: قعد عن الأمر: تركه، وقعد له: اهتم به، ونخلةٌ قاعدة: لم تحمل. قال ابن السكيت رحمه الله تعالى: لم تدخلها الهاء لاختصاصها بالمرأة، فإذا أردت القعود بمعنى الجلوس قلت: قاعدةٌ، وقيل: القاعد: على طريق النسبة، كالحائض والطامث، وجمعت على فواعل، لأن التاء مقدرةٌ فيها، لأن الصفة إذا كانت مدكرةً لا تجمع على فواعل، والفوارس: شاذ.
قوله: (والجلباب: الذي فوق الخمار)، النهاية: الجلباب: الإزار والرداء، وقيل: الملحفة، وقيل: هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها، وجمعه جلابيب.
قوله: (يريد: الزينة الخفية التي أرادها في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، قلت: فعلى هذا التعريف متعين ليشير به إلى ما عهد، لكن هذا مطلقٌ وذاك مقيد، فيحمل المطلق على المقيد إذا كان عن سببٍ واحدٍ ليصح ما قال.
ومعنى ﴿مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾: قاصداتٌ بالوضع التبرج، على تضمين التبرج معنى القصد بوساطة الباء، فحينئذٍ يكون معناه: غير قاصداتٍ بالوضع إظهار ما يجب إخفاؤه من الزينة فيتفق المعنيان.
الانتصاف: لم يذكر الزمخشري أن هذا التركيب من أي بابٍ هو؟ وعندي أنه من باب:
على لا حبٍ لا يهتدى بمناره
стр. 5744
التبرج، ولكن التخفف إذا احتجن إليه. والاستعفاف من الوضع خيرٌ لهن. لما ذكر الجائز عقبه بالمستحب، بعثاً منه على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها، كقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. فإن قلت: ما حقيقة التبرج؟ قلت: تكلف إظهار إخفاؤه، من قولهم: سفينة بارج: لا غطاء عليها. والبرج: سعة العين، يرى بياضها محيطاً بسوادها كله لا يغيب منه شيء، إلا أنه اختص بأن تتكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها. وبدا وبرز بمعنى: ظهر، من أخوات: تبرج وتبلج، كذلك.
[﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَاكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَاكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٦١].
كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهن وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب المطعمين والمطعمين ريبةٌ في ذلك، وخافوا أن يلحقهم فيه حرج، وكرهوا أن يكون أكلاً بغير حقٍّ، لقوله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: لا منار فيه فيهتدى به. كذا هاهنا لا زينة لهن فيتبرجن بها، وإذا كان استعفاف هؤلاء خيراً لهن فما ظنك بذوات الزينة؟ وأبلغ من ذلك جعله عدم وضع الثياب من القواعد من الاستعفاف، إيذاناً بأن وضع الثياب لا مدخل له في العفة، هذا في القواعد، فكيف بالكواعب؟ وقلت: وهذا معنى حسنٌ دقيق.
стр. 5745
تعالى: ﴿وَلَا تأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، فقيل لهم: ليس على الضعفاء ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ - يعني: عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين- حرجٌ في ذلك.
وعن عكرمة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة، فكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا. وقيل: كان هؤلاء يتوقون مجالسة الناس ومؤاكلتهم، لما عسى يؤدي إلى الكراهة من قبلهم، ولأن الأعمى ربما سبقت يده إلى ما سبقت عين أكيله وهو لا يشعر، والأعرج يتفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحةٍ تؤذي أو جرح يبض أو أنفٍ يذن، ونحو ذلك. وقيل: كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم، ويدفعون إليهم المفاتيح، ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم، وكانوا يتحرجون. حكي عن الحارث بن عمرو:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يعني: عليكم وعلى من في مثل حالكم)، يريد أن أنفسكم في الآية عبارةٌ عن أمثال الرجل في عقله القرابة، كما قال: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] في الوجه.
روى محيي السنة عن مجاهدٍ: وكان أهل الزمانة يدخلون على الرجل لطلب الطعام، فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيوت من سماه الله تعالى في هذه الآية، وكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك الطعام، ويقولون: ذهب بنا إلى بيت غيره؟ فأنزل الله هذه الآية.
قوله: (قزازة)، الجوهري: التقزر: التنطس والتباعد من الدنس. وقد تقزز من أكل الضب وغيره، وهو رجل قز بالضم، والفتح والكسر لغات.
قوله: (أو جرحٍ يبض، أو أنفٍ يذن)، الجوهري: بض الماء يبض: إذا سال قليلاً قليلاً. الذنين: مخاطٌ يسيل من الأنف، والذنان بالضم: مثله.
следующие страницы →