← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

على طريق التشبيه. وفي لفظ الأحسن: رمز إلى ما يتزين به مقيلهم. من حسن الوجوه، وملاحة الصور، إلى غير ذلك من التحاسين والزين. [(وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً)]. وقرئ: (تَشَقَّقُ) والأصل: تتشقق، فحذف بعضهم التاء، وغيره أدغمها. ولما كان انشقاق السماء بسبب طلوع الغمام منها، جعل الغمام كأنه الذي تشق به السماء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فعلى هذا ليس "أحسن" لأفعل التفضيل. وقال الإمام: إنه تعالى لما بين حال الكفار في الخسار الكلي، والخيبة التامة، شرع في وصف أهل الجنة، وأن مستقرهم خيرٌ من مستقر أهل النار على نحو: العسل أحلى من الخل. هذا أوفق لتأليف النظم، ولقول ابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. قوله: (من التحاسين)، قيل: هو جمع التحسين، وهو مصدرٌ في الأصل ثم أوقع اسماً لما يحسن به من الزخارف، ونظيره التصاريف والتضاعيف لصروف الزمان وإثناء الشيء. قوله: (وقرئ: ﴿تَشَقَّقُ﴾، الكوفيون وأبو عمروٍ: ﴿تَشَقَّقُ﴾ هنا وفي "ق"، بتخفيف الشين، والباقون: بتشديدها. قوله: (جعل الغمام كأنه الذي تشق به السماء)، قال أبو علي: قيل: معناه: تشقق السماء بسبب الغمام، ولما كان طلوعه سبباً لتشققها جعل الغمام كأنه يشقها، أو معناه: تشقق به السماء وعليها غمامٌ، كما يقال: ركب الأمير بسلاحه، وخرج بثيابه، أي: وعليه ثيابه وسلاحه.

стр. 5812

كما تقول: شق السنام بالشفرة وانشق بها. ونظيره قوله: (السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ) [المزمل: ١٨]. فإن قلت: أي فرق بين قولك: انشقت الأرض بالنبات، وانشقت عن النبات؟ قلت: معنى انشقت به: أنّ الله شقها بطلوعه فانشقت به. ومعنى انشقت عنه: أنّ التربة ارتفعت عنه عند طلوعه. والمعنى: أن السماء تنفتح بغمام يخرج منها، وفي الغمام الملائكة ينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد. وروى تنشق سماء سماء، وتنزل الملائكة إلى الأرض. وقيل: هو غمام أبيض رقيق، مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبنى إسرائيل في تيههم. وفي معناه قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ) [البقرة: ٢١٠]. وقرئ: (وننزل الملائكة)، (وننزل)، ونزل الملائكة، ونزلت الملائكة، وأنزل الملائكة، ونزل الملائكة، ونزل الملائكة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وانشق بها)، لكون الشفرة سبباً فيه، وآلةً له. الجوهري: الشفرة بالفتح: السكين العظيم. وشفرة السيف: حده. قوله: (ونظيره قوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾، قال: "الباء في ﴿بِهِ﴾ مثلها في قولك: فطرت العود بالقدوم فانفطر به، يعني: أنها تنفطر بشدة ذلك اليوم، فالضمير يعود إلى اليوم، والمراد وصف اليوم بالشدة. وأن السماء على عظمها وإحكامها تنفطر فيه، فما ظنك بغيرها من الخلائق؟ قوله: (مثل الضبابة)، الضبابة، بفتح الضاد: سحابةٌ تغشى الأرض كالدخان، والجمع: الضباب، قاله الجوهري. قوله: (وقرئ: "وننزل")، ابن كثيرٍ: "وننزل" بنونين الثانية ساكنةٌ، وتخفيف الزاي ورفع اللام، و"الملائكة": بالنصب، والباقون: بنونٍ واحدة وتشديد الزاي وفتح اللام، ورفع "الملائكة". قوله: (ونزل الملائكة)، على حذف النون وضم النون الباقية وتشديد الزاي وكسرها،

стр. 5813

على حذف النون الذي هو فاء الفعل من ننزل: قراءة أهل مكة. [(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً)] الحق: الثابت؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ونصب "الملائكة". قال ابن جني: روي عن ابن كثيرٍ وأهل مكة، أصله، "ننزل"، حذف النون التي هي فاء الفعل لالتقاء النونين استخفافً، وشبهها بما حذف من أحد المثلين الزائدين في نحو: تفكرون، وتطهرون، من: تتفكرون وتتطهرون. وروى عبد الوهاب عن أبي عمرو: "ونزل الملائكة"، بضم النون وكسر الزاي خفيفةً. وهذا غير معروف، لأن "نزل" لا يتعدى إلى مفعول به فبني هنا للملائكة. فإن قلت: قد جاء "فعل" مما لا يتعدى نحو: جن، ولا يقال: جنة الله، بل: أجنه الله؟ قلت: هو شاذٌ، والقياس عليه مردودٌ. فهذه إما أن تكون لغةً طارقةً لم تقع إلينا، وإما أن يكون من حذف المضاف، أي: نزل نزول الملائكة، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، قال العجاج: حتى إذا اصطفوا له حذارا فـ "حذاراً": منصوبٌ مصدراً لا مفعولاً به، يريد: اصطفوا اصطفاف حذار، فإن قلت: فما معنى نزل نزول الملائكة، قلت: إنه على قولك: هذا نزولٌ منزول، وصعودٌ مصعودٌ، وضربٌ مضروب، وقريبٌ منه: وقد قيل قولٌ، وقد خيف منه خوفٌ، فاعرف ذلك فإنه أمثل ما يحتج به لهذه القراءة. وفي "اللوامح": ومعنى "نزل به نزول الملائكة": نزل نازل الملائكة، أي: نازلٌ من الملائكة.

стр. 5814

لأنّ كل ملك يزول يومئذ ويبطل، ولا يبقى إلا ملكه. [(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً* يا وَيْلَتى لَيْتَنِي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن كل ملكٍ يزول يومئذٍ)، هذا التعليل مبنيٌ على تعليق الحكم بالوصف، أي: إنما قلنا: إن الحق بمعنى الثابت، لأنه تعالى وصف الملك به بعد تقييده بيومئذٍ، وأوقع ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ خبراً، فإن قيل: إن الملك الثابت للرحمن يوم القيامة فهم بدليل الخطاب أن ملك الغير زال وبطل يومئذٍ، نحوه: في الغنم السائمة زكاة. قال الزجاج: ﴿الْحَقِّ﴾ صفةٌ لـ ﴿الْمَلِكُ﴾، ومعناه: أن الملك الذي هو الملك حقًا ملك الرحمن يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، لأن الملك الزائل كأنه ليس بملك. عن بعضهم: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: فصلٌ بين الصفة والموصوف، والفصل بينهما بالظرف فصيح، وبين المضاف [والمضاف] إليه يجوز في ضرورة الشعر، كقوله: هما أخوا في الحرب من لا أخا له وقال أبو البقاء: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ معمولُ الملك، أو معمول ما يتعلق به اللام، ولا يعمل فيه الحق، لأنه مصدرٌ متأخرٌ عنه.

стр. 5815

لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً)]. عض اليدين والأنامل، والسقوط في اليد، وأكل البنان، وحرق الأسنان والأرم، وقرعها: كنايات عن الغيظ والحسرة، لأنها من روادفها، فيذكر الرادفة ويدل بها على المردوف، فيرتفع الكلام به في طبقة الفصاحة، ويجد السامع عنده في نفسه من الروعة والاستحسان ما لا يجده عند لفظ المكنى عنه. وقيل: نزلت في عقبة بن أبى معيط بن أمية بن عبد شمس، وكان يكثر مجالسة رسول الله ﷺ . وقيل اتخذ ضيافة فدعا إليها رسول الله ﷺ ، فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين، ففعل وكان أبى بن خلف صديقه فعاتبه وقال: صبأت يا عقبة؟ قال: لا، ولكن آلى أن لا يأكل من طعامي وهو في بيتي، فاستحييت منه فشهدت له والشهادة ليست في نفسي، فقال: وجهى من وجهك حرام إن لقيت محمدا فلم تطأ قفاه وتبزق في وجهه وتلطم عينه، فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك. فقال النبي ﷺ : "لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف"، فقتل يوم بدر: أمر عليا ﵁ بقتله. وقيل: قتله عاصم بن ثابت بن أقلح الأنصاري ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والأرم)، الجوهري: الأرم: الأضراس، كأنه جمع آرمٍ، يقال: فلانٌ يحرق عليك الأرم، إذا تغيظ فحك أضراسه ببعض. قوله: (عاصم بن ثابت بن أقلح)، أقلح: صح بالقاف في "المغرب"، وفي "الاستيعاب": عاصم بن ثابت بن أبي أقلح، أقلح: بالقاف، الذي بأسنانه خضرةٌ أو خفرة، وبه كني جد عاصم.

стр. 5816

وقال: يا محمد، إلى من الصبية قال: "إلى النار". وطعن رسول الله ﷺ أبيا بأحد، فرجع إلى مكة فمات. واللام في (الظَّالِمُ) يجوز أن تكون للعهد، يراد به عقبة خاصة. ويجوز أن تكون للجنس فيتناول عقبة وغيره. تمنى أن لو صحب الرسول وسلك معه طريقا واحدا وهو طريق الحق ولم يتشعب به طرق الضلالة والهوى. أو أراد أنى كنت ضالا لم يكن لي سبيل قط، فليتني حصلت بنفسي في صحبة الرسول سبيلا. وقرئ: يا ويلتى بالياء، وهو الأصل، لأن الرجل ينادى ويلته وهي هلكته، يقول لها: تعالى فهذا أوانك. وإنما قلبت الياء ألفا كما في: صحارى، ومدارى. فلان: كناية عن الأعلام، كما أن الهن كناية عن الأجناس فإن أريد بالظالم عقبة، فالمعنى: ليتني لم أتخذ أبيا خليلا، فكنى عن اسمه. وإن أريد به الجنس، فكل من اتخذ من المضلين خليلا كان لخليله اسم علم لا محالة، فجعله كناية عنه (عَنِ الذِّكْرِ): عن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلى من الصبية؟ )، النهاية. الصبية: جمع صبي، والصبوة القياس، والأول أكثر استعمالاً. قوله: (فاللام في ﴿الظَّالِمُ﴾، الفاء نتيجةٌ، يعني: اللام في ﴿الظَّالِمُ﴾ على أنها نزلت في عقبة بن أبي معيط: للعهد، وعلى أن تكون الآية عامةً تكون للجنس، فعلى هذا دل قوله: "وقيل نزلت في عقبة بن أبي معيطٍ" على قولٍ آخر مقدر. قوله: (أو أراد أني كنت ضالاً)، عطفٌ على جملة قوله: "تمنى أن لو صحب"، وهو تفسيرٌ لقوله: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾، فالتنكير في ﴿سَبِيلًا﴾ إما للإفراد شخصاً، وهو سبيل الحق فيقدر الضلال عاماً ليتناول جميع طرق الضلال، ولهذا قال: طرق الضلالة بعد قوله: "طريقاً واحداً"، وإما للشيوع، فالضلال- على هذا- مطلقٌ أيضاً، وإليه الإشارة بقوله: "لم يكن لي سبيلٌ قطٌ"، وقال: "سبيلاً"، أي: أي سبيلٍ كان. قوله: (ومداري)، الجوهري: المدري: القرن، وربما تصلح بها الماشطة قرون النساء، وهي شيءٌ كالمسلة.

стр. 5817

ذكر الله، أو القرآن، أو موعظة الرسول. ويجوز أن يريد نطقه بشهادة الحق، وعزمه على الإسلام. والشيطان: إشارة إلى خليله، سماه شيطانا لأنه أضله كما يضل الشيطان، ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة. أو أراد إبليس، وأنه هو الذي حمله على مخالة المضل ومخالفة الرسول، ثم خذله. أو أراد الجنس، وكل من تشيطن من الجنّ والإنس. ويحتمل أن يكون وَ (كانَ الشَّيْطانُ) حكاية كلام الظالم، وأن يكون كلام الله. (اتَّخَذْتُ): يقرأ على الإدغام والإظهار، والإدغام أكثر. [(وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً* وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًا مِّنَ المُجْرِمِينَ وكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا ونَصِيرًا)]. (الرَّسُولُ): محمد ﷺ وقومه قريش، حكى الله عنه شكواه قومه إليه. وفي هذه الحكاية تعظيم للشكاية، وتخويف لقومه لأن الأنبياء كانوا إذا التجئوا إليه وشكوا إليه قومهم: حلّ بهم العذاب ولم ينظروا. ثم أقبل عليه مسليا ومواسيا وواعدا النصرة عليهم، فقال: (وَكَذلِكَ) كان كل نبىّ قبلك مبتلى بعداوة قومه، وكفاك بى هاديا إلى طريق قهرهم والانتصار منهم، وناصرا لك عليهم. (مَهْجُورًا): تركوه وصدّوا عنه وعن الإيمان به. وعن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نطقه بشهادة الحق)، أي: نطق عقبة بالشهادتين كما مر. قوله: (أو أراد الجنس)، فعلى هذا الجملة معترضةٌ مذيلةٌ، وعلى التعيين يجوز أن يكون حالاً. قوله: ﴿اتَّخَذْتُ﴾ يقرأ على الإدغام والإظهار)، ابن كثيرٍ وحفصٌ: بالإظهار، والباقون: بالإدغام. قوله: (مواسياً)، الجوهري: أسيته تأسيةً: أي عزيته.

стр. 5818

النبي ﷺ : "من تعلم القرآن وعلمه وعلق مصحفا لم يتعاهده ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة متعلقا به يقول: يا رب العالمين، عبدك هذا اتخذني مهجورا، اقض بيني وبينه". وقيل: هو من هجر، إذا هذى، أي: جعلوه مهجورا فيه، فحذف الجار وهو على وجهين، أحدهما: زعمهم أنه هذيان وباطل وأساطير الأوّلين. والثاني: أنهم كانوا إذا سمعوه هجروا فيه، كقوله تعالى: (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) [فصلت: ٢٦]. ويجوز أن يكون المهجور بمعنى الهجر، كالمجلود والمعقول. والمعنى: اتخذوه هجرا. والعدوّ: يجوز أن يكون واحدا وجمعا. كقوله: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) [الشعراء: ٧٧] وقيل: المعنى: وقال الرسول يوم القيامة. [(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً* وَلا يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً* الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا﴾) أي: بإنشاد الأناشيد وإنشاء الأراجيز، وبالمكاء والتصدية. قوله: (ويجوز أن يكون المهجور بمعنى الهجر)، عطفٌ على قوله: ﴿مَهْجُورًا﴾ تركوه"، كالمجلود بمعنى الجلادة، والمعقول بمعنى العقل، والمعنى: اتخذوه هجراً، أي: نفس الهجر مبالغةً، هذا على قول الكوفيين، لأن صاحب "الكتاب" لم يثبت الوارد على وزن المفعول. الراغب: الهجر والهجران: مفارقة الإنسان غيره إما بالبدن، أو باللسان، أو بالقلب، وقوله تعالى: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ فهذا هجرٌ بالقلب، أو بالقلب واللسان. قوله: (وقيل: المعنى: وقال الرسول يوم القيامة)، عطفٌ على قوله: "حكى الله عنه شكواه قومه إليه".

стр. 5819

(نُزِّلَ) هاهنا بمعنى أنزل لا غير، كخبر بمعنى أخبر، وإلا كان متدافعا. وهذا أيضا من اعتراضاتهم واقتراحاتهم الدالة على شرادهم عن الحق وتجافيهم عن اتباعه. قالوا: هلا أنزل عليه دفعة واحدة في وقت واحد كما أنزلت الكتب الثلاثة، وماله أنزل على التفاريق. والقائلون: قريش. وقيل: اليهود. وهذا فضول من القول ومماراة بما لا طائل تحته، لأنّ أمر الإعجاز والاحتجاج به لا يختلف بنزوله جملة واحدة أو مفرّقا. وقوله: (كَذلِكَ) جواب لهم، أى: كذلك أنزل مفرّقا. والحكمة فيه: أن نقوّى بتفريقه فؤادك حتى تعيه وتحفظه، لأنّ المتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئا بعد شيء، وجزأ عقيب جزء. ولو ألقى عليه جملة واحدة لبعل به وتعيا بحفظه، والرسول ﷺ فارقت حاله حال موسى وداود وعيسى، حيث كان أمياً لا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإلا كان متدافعاً)، أي: مدفوعاً بجملةٍ واحدة، يعني: أنهم اعترضوا أن القرآن لم فرق نزوله، ولم ينزل جملةً واحدةً؟ فلو ذهبت إلى قولك: هلا فرق نزلوه جملةً واحدةً؟ لوقعت في التناقض. عن بعضهم: ﴿نُزِّلَ﴾: على التفريق، بخلاف "أنزل"، وهاهنا بمعنى واحد، كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١]، وهذا من التقاص والتعريض، كما في "عسى" و"كاد" في إثبات "أن" وحذفها. قوله: (فضولٌ من القول)، فضولٌ: جمع فضل، غلب على ما لا خير فيه، يخالف الجمع الواحد في قولهم: له فضلٌ، وفي فضول. قوله: (لبعل به)، بكسر العين. الأساس: بعل بالأمر: إذا عي به. الراغب: قيل لفحل النخل: بعل، تشبيهاً بالبعل من الرجال، واستبعل النخل: عظم وتصور من البعل الذي هو النخل قيامه في مكانه، فقيل: بعل فلانٌ بأمره، إذا أدهش وثبت في مكانه ثبات النخل في مكانه، كقولهم: ما هو إلا شجرٌ، فيمن لا يبرح.

стр. 5820

يقرأ ولا يكتب وهم كانوا قارئين كاتبين، فلم يكن له بدّ من التلقن والتحفظ، فأنزل عليه منجما في عشرين سنة. وقيل: في ثلاث وعشرين. وأيضا: فكان ينزل على حسب الحوادث وجوابات السائلين، ولأنّ بعضه منسوخ وبعضه ناسخ، ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرّقا. فإن قلت: "ذلك" في (كَذَلِكَ) يجب أن يكون إشارة إلى شيء تقدّمه، والذي تقدّم هو إنزاله جملة، فكيف فسرته بكذلك أنزلناه مفرّقا؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في عشرين سنةً، وقيل: في ثلاثٍ وعشرين)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن ابن عباسٍ ﵄: أن النبي ﷺ أقام بمكة خمس عشرة سنةً يسمع الصوت ويرى الضوء ولا يرى شيئاً سبع سنين وثماني سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشراً. وفي رواية: أنزل على النبي ﷺ وهو ابن أربعين سنةً، فمكث ثلاث عشرة سنةً، ثم أمر بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين، ثم توفي صلوات الله عليه وآله وصحبه أجمعين. قوله: (وأيضاً: فكان ينزل)، عطفُ على قوله: "أن يقوي بتفريقه فؤادك"، وهذا الوجه يتضمن فوائد، منها أن الحوادث السانحة تقتضي أحكاماً متجددة موافقةً لها. ومنها: أن أسئلة السائلين تستجد أجوبةً مطابقة لها. ومنها: أن المصالح تختلف بحسب الأزمان والأوقات، فزمان قلة العدد والعدد يستدعي أن يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، وزمان كثرة الشوكة يوجب أن يخاطبوا بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. قوله: (فكيف فسرته بكذلك أنزلناه مفرقاً؟ )، يؤيد به تفسيره قبل هذا وقوله: " ﴿كَذَلِكَ﴾: جوابٌ لهم، أي: كذلك أنزل مفرقاً" يعني: إذا كان هذا جواباً عن قولهم كان المشار إليه المقدم ذكره: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً﴾، فكيف تفسر بقولك: "كذلك أنزل مفرقاً"؟ وتلخيص الجواب: أن مفهوم قوله: هلا أنزل عليه جملةً؟ ذلك، لأنهم إذا طلبوا أن ينزل عليه جملةً فهم منه أنهم أنكروا الحالة الموجودة، وهو النزول مفرقاً. وهذا الجواب من

стр. 5821

قلت: لأنّ قولهم: لولا أنزل عليه جملة: معناه: لم أنزل مفرّقا؟ والدليل على فساد هذا الاعتراض: أنهم عجزوا عن أن يأتوا بنجم واحد من نجومه، وتحدّوا بسورة واحدة من أصغر السور، فأبرزوا صفحة عجزهم وسجلوا به على أنفسهم حين لاذوا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القول بالموجب، أي: نعم، هو كما يقولون أنزل مفرقاً على خلاف ما أنزلت الكتب الثلاثة، أي: التوراة والإنجيل والزبور، والحكمة فيه أن يقوي بتفريقه فؤاد الرسول ﷺ ، حتى يعيه ويحفظه ويبين لأمته ما يسنح له من الحوادث المتجددة، ويجيب أسئلة السائلين، ويظهر ما يقتضيه الوقت من الأحكام، وينسخه بحسب المصالح، وفي الكلام التفاتٌ، والله تعالى أعلم. قوله: (فأبرزوا صفحة عجزهم)، الأساس: نظر إليه بصفح وجهه، أي: بجانبه، وكتب صفحتي الورقة. شبه عجزهم المكنون فيهم بكتابٍ فيه أسرارٌ لا يكشف، تشبيهاً بليغاً، ثم خيل أنه كتابٌ بعينه، فأخذ الوهم في تصويره بصورته، وإثبات ما يلازم الكتاب عند العرض من الصفحة، ثم شبه هذا المتوهم بمثله من المحق، ثم أطلق المحقق وأريد المتوهم، وأضيف إلى المشبه الأول، ليكون قرينةً مانعةً عن إرادة الحقيقة، فهي من الاستعارة المكنية المستلزمة للتخييلية، كأنهم أقروا بالعجز، وكتبوا على أنفسهم كتاباً، وشهروا عن صفحاته بين الناس، فعلى هذا: "وسجلوا على أنفسهم" ترشيحٌ للاستعارة، والدليل على التسجيل بالعجز اختيارهم أمرين دل كل واحدٍ على أن السيل قد بلغ الزبي، أحدهما اختيارهم الحرب على الإتيان بأقصر سورة، كما قال في الخطبة: فما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أن البحر قد زخر فطم على الكواكب. وثانيهما: الطعن بقولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، فهذا دل على أن إفحامهم بلغ غايته، لأن ديدان المحجوج عليه أن يتشبث بما هو عليه، وإليه الإشارة بقوله: "كأنهم قدروا على تفاريقه حتى يقدروا على جملته". قوله: (لاذوا)، الأساس: لاذ به لياذاً، ولاوذته لواذاً، واعتصم بلوذ الجبل بجانبه.

стр. 5822

بالمناصبة وفزعوا إلى المحاربة، ثم قالوا: هلا نزل جملة واحدة! كأنهم قدروا على تفاريقه حتى يقدروا على جملته (وَرَتَّلْناهُ) معطوف على الفعل الذي تعلق به (كَذَلِكَ)، كأنه قال: كذلك فرقناه ورتلناه. ومعنى ترتيله: أن قدره آية بعد آية، ووقفة عقيب وقفة. ويجوز أن يكون المعنى: وأمرنا بترتيل قراءته، وذلك قوله: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) [المزمل: ٤]، أي: اقرأه بترسل وتثبت. ومنه حديث عائشة في صفة قراءته ﷺ : لا كسردكم هذا، لو أراد السامع أن يعدّ حروفه لعدّها. وأصله: الترتيل في الأسنان: وهو تفليجها. يقال: ثغر رتل ومرتل، ويشبه بنور الأقحوان في تفليجه. وقيل: هو أن نزله مع كونه متفرقا على تمكث وتمهل في مدة متباعدة وهي عشرون سنة، ولم يفرقه في مدة متقاربة. (وَلا يَاتُونَكَ) بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة - كأنه مثل في البطلان - إلا أتيناك نحن بالجواب الحق الذي لا محيد عنه وبما هو أحسن معنى ومؤدّى من سؤالهم. ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام، وضع موضع معناه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بالمناصبة)، الأساس: نصبناهم حرباً، وناصبناهم مناصبةً، ونصبت لفلانٍ: عاديته نصباً. قوله: (ومعنى ترتيله: أن قدرة آية بعد آية)، الراغب: الرتل: اتساق الشيء وانتظامه على استقامةٍ، يقال: رجلٌ رتل الأسنان، والترتيل: إرسال الكلمة من الفم بسهولةٍ واستقامة. قال : ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]. قوله: (لا كسردكم)، النهاية: وفي صفة كلام رسول الله ﷺ : لم يكن يسرد الحديث سرداً، أي: يتابعه، ويستعجل فيه. قوله: (ولما كان التفسير هو: التكشيف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه)،

стр. 5823

فقالوا: تفسير هذا الكلام كيت وكيت، كما قيل: معناه كذا وكذا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يعني: قوله: ﴿تَفْسِيرًا﴾ في قوله: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ وضع موضع "معنى ومؤدى"، أي: أحسن معنى ومؤدى من سؤالهم، فهو من وضع السبب موضع المسبب، لأن التكشيف سبب ظهور المعنى وكشفه، ففيه المبالغة مع الإيجاز. قال صاحب "الفرائد": ويمكن أن يقال: وأحسن معنًى في غاية الحسن وكماله، ولا يقدر: من سؤالهم، ومثله قوله: الله أكبر له الكبرياء كلها. قلت: فإذاً يفوت معنى التسلية، لأن المعنى: لأنهم بك ما اقترحوه من قوله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً﴾ فإن تنزيله مفرقاً أحسن مما اقترحوه لفوائد شتى، وعلى هذا جميع ما اقترحوه. وهو المراد من قوله: "أو لا يأتونك بحالٍ وصفةٍ عجيبة، يقولون: هلا كانت هذه صفتك، إلا أعطيناك من الأحوال ما هو أحسن كشفاً من ذلك". قوله: (فقالوا: تفسير هذا الكلام كيت وكيت، كما قيل: معناه كذا وكذا)، قال الحريري في "درة الغواص في أوهام الخواص": يقال: قال فلانٌ: كيت وكيت، فيوهمون فيه، لأن العرب تقول: كان من الأمر كيت وكيت، وقال فلانٌ: ذيت وذيت، فيجعلون "كيت وكيت كنايةً عن المقال، كما أنهم يكنون عن مقدار الشيء وعدته بلفظة: كذا وكذا، فيقولون: قال فلانٌ من الشعر كذا وكذا بيتاً، واشترى الأمير كذا وكذا عبداً، والأصل في هذه اللفظة "ذا" فأدخل عليها كاف التشبيه، إلا أنه قد انخلع من "ذا" معنى الإشارة، ومن الكاف معنى التشبيه، لأنك لست تشير إلى شيء، ولا تشبه شيئاً بشيء، وإنما تكني بها عن عددٍ ما، والكاف لما امتزجت بـ "ذا"، وصارت معه كالجزء الواحد ناسبت لفظتها لفظة "حبذا" التي لا يجوز أن يلحقها علامة التأنيث، فتقول: عنده كذا وكذا جاريةً، وعند الفقهاء أنه إذا قال من له معرفةٌ بكلام العرب: لفلانٍ علي كذا كذا درهماً، لزم له أحد عشر درهماً، لأنه أقل الأعداد المركبة، وإن قال: له علي كذا وكذا درهماً، لزم أحدٌ وعشرون درهماً، لكونه أول الأعداد المعطوفة. وعن بعضهم: يقال: كان من الأمر كيت وكيت.

стр. 5824

أو: لا يأتونك بحال وصفة عجيبة، يقولون: هلا كانت هذه صفتك وحالك، نحو: أن يقرن بك ملك ينذر معك، أو يلقى إليك كنز، أو تكون لك جنة، أو ينزل عليك القرآن جملة، إلا أعطيناك نحن من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا أن تعطاه، وما هو أحسن تكشيفا لما بعثت عليه ودلالة على صحته، يعنى: أن تنزيله مفرقا وتحدّيهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كلما تزل شيء منها: أدخل في الإعجاز وأنور للحجة من أن ينزل كله جملة ويقال لهم: جيئوا بمثل هذا الكتاب في فصاحته مع بعد ما بين طرفيه، كأنه قيل لهم: إن حاملكم على هذه السؤالات أنكم تضللون سبيله وتحتقرون مكانه ومنزلته. ولو نظرتم بعين الإنصاف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بكسر التاء وفتحها، وأصل التاء فيهما هاءٌ، وإنما صارت تاءً في الوصل. وحكى أبو عبيدة: كان من الأمر كيه وكيه بالهاء، ويقال: كيهه، كما يقال: لمه، في الوقف. قوله: (أو لا يأتونك بحالٍ وصفةٍ)، عطفٌ على قوله: "ولا يأتونك بسؤالٍ عجيب". قوله: (كأنه قيل لهم: إن حاملكم على هذه السؤالات)، إشارةٌ إلى أن المراد بقوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ القوم الذين أوردوا هذه الأسئلة على سبيل التعنت في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فوضع المظهر موضع المضمر إشعاراً بتوهينهم، وتحقيراً لشأنهم، قال القاضي: وهو ذمٌ منصوب، أو مرفوعٌ، أو مبتدأٌ خبره ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾، والمفضل عليه هو الرسول ﷺ . قوله: (ولو نظرتم بعين الإنصاف)، أي: هو من باب الكلام المنصف وإرخاء العنان، فصل قوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾ عما قبله استئنافاً، لأنه تعالى لما قال لرسوله صلوات الله عليه مسلياً: ﴿وَلَا يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ حرك منه صلوات الله عليه بأن يسأل: فإذن بماذا أجيبهم وما يكون قولي لهم؟ قيل: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾

стр. 5825

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يعني: مقصودكم عن هذا التعنت تحقير مكاني، وتضليل سبيلي، وما أقول لكم: أنتم كذلك، بل أقول: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ الآية. فانظروا بعين الإنصاف، وتفكروا: من الذي هو أولى بهذا الوصف منا ومنكم، ليعلموا أن مكانكم شرٌ من مكاننا، وسبيلكم أضل من سبيلنا. وعليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] يبعثهم على الفكر في حال أنفسهم وما هم عليه من العنت والفساد، وحال نفسه والمؤمنين وما هم عليه من الإصلاح، ليعلموا أن المؤمنين على هدى، وهم على ضلال. فالمكان على هذا التفسير: المنزلة، و ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾: مبتدأ، و ﴿أُولَئِكَ﴾: خبره، والجملة مستأنفةٌ، و ﴿شَرٌّ﴾ و ﴿أَضَلُّ﴾ محمولان على التفضيل، ولذلك قال: "وفي طريقته: قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] لمجيء متعلق "شر" و ﴿قُلْ﴾ منصوصاً فيه، وأن المثوبة مفسرةٌ، بالعقوبة على زعمهم ودعواهم. وأما معنى الأفضلية فهو كما قال: كان اليهود- لعنوا- يزعمون أن المسلمين ضالون، مستوجبون للعقاب، فقيل لهم: من لعنه الله شرٌ عقوبةً في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم ودعواكم، وإلى هذا المعنى أشار هاهنا بقوله: "إنكم تضللون سبيله وتحتقرون مكانه"، فقوله: "ويجوز أنه يراد بالمكان: الشرف والمنزلة، إلى آخره، ليس بوجهٍ آخر، ولكنه مبنيٌ على قوله: "وتحتقرون مكانه ومنزلته"، يعني: هذا المكان يجوز أن يحمل على الشرف والمنزلة كما سبق، وعلى الدار والسكن أيضاً، والتأويل التأويل. قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: ليس المراد أن مكانهم شرٌ من مكانه، وسبيلهم أضل من سبيله، والمراد أن مكانهم، وهو جهنم، فيه كل الشر، وسبيلهم في الضلالة في غاية الكمال، كأنه قيل: لا مكان شرٌ من مكانهم، وهو جهنم، ولا سبيل أضل من سبيلهم، وهو

стр. 5826

وأنتم من المسحوبين على وجوههم إلى جهنم، لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه وسبيلكم أضل من سبيله. وفي طريقته قوله: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) الآية [المائدة: ٦٠]. ويجوز أن يراد بالمكان: الشرف والمنزلة، وأن يراد الدار والمسكن، كقوله: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) [مريم: ٧٣]. ووصف السبيل بالضلال من المجازى الحكمي. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإشراك بالله، وما هم عليه من الأفعال والأحوال، فعلى هذا التقدير: هم الذين يحشرون على وجوههم، و"هم" يرجع إلى الضمير في ﴿يَاتُونَكَ﴾، ويمكن أن يكون ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾ بدلاً من الضمير في ﴿يَاتُونَكَ﴾، و ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾: كلامٌ مستأنفٌ، والمراد من قوله: ﴿شَرٌّ﴾ و ﴿وَأَضَلُّ﴾ الكمال والكل كما مر، والله الهادي. قلت: هذا التأويل إنما يحسن إذا حمل المكان على الشرف والمنزلة، ويحمل ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾ منصوباً أو مرفوعاً على الذم كما قال القاضي، و ﴿أُولَئِكَ﴾: جملةٌ مستأنفةٌ تسلياً لرسول الله ﷺ . المعنى: ولا يأتونك بحالٍ أو صفةٍ عجيبةٍ يريدون بذلك حط منزلتك عند الناس إلا أعطيناك نحن من الأحوال والرفعة ما هو أحسن تكشيفاً، كقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، فلا تبال بهم ولا بكيدهم، أعني الذين يحشرون على وجوههم منكوبين مخذولين امتهاناً بهم أولئك شرٌ منزلةً، وأضل سبيلاً. قوله: (كقوله تعالى: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾، وجه التشبيه: يجوز أن يكون من حيث الدار والمسكن، وأن يكون من حيث الشرف والمنزلة، والمعنى: إن نظرتم بعين الإنصاف وحالكم أنكم تسحبون على وجوهكم إلى جهنم ذليلين مهانين، وحال المؤمنين بخلاف ذلك، لعلمتم الآن أن مكانكم أبلغ في الشر من مكان المؤمنين، كما تزعمون أن مقامكم خيرٌ من مقامهم ونديكم أحسن من نديهم. قوله: (من المجاز الحكمي)، من المجاز الذي يتعلق بحكم الكلام لا باللفظ"، يعني: أن الحكم معدى من مكانه الأصلي إلى غيره، كما تقول: أنبت الربيع البقل، فإن حكم

стр. 5827

وعن النبي ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أثلاث: ثلث على الدواب وثلث على وجوههم، وثلث على أقدامهم ينسلون نسلا". [(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً* فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأصل: أنبت الله البقل وقت الربيع، فعدي منه وأسند إلى الربيع مبالغةً. كذلك هاهنا، الأصل: أولئك أضل منه في السبيل، فأسند الضلال إلى السبيل مبالغةً، حيث جعل تمييزاً ليؤذن أن سبيلهم ضالٌ لقوة الضلال فيهم، نحو: مكانٌ سائرٌ. قوله: (يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أثلاثٍ)، الحديث، من راوية الترمذي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفاً مشاةً، وصنفاً ركباناً، وصنفاً على وجوههم"، قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادرٌ على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدبٍ وشوك". قال القاضي: صنف المشاة: المؤمنون الذين خلطوا صالح أعمالهم بسيئها، ولعلهم أصحاب اليمين، والركبان هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ويجتنبون عن السيئات، يسرعون إلى ما أعد لهم في الجنان إسراع الركبان، ولعلهم السابقون. وقلت: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾: الكفار والمشركون، ولعلهم أصحاب الشمال، لقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧]. قوله: (ينسلون نسلاً)، الجوهري: نسل في العدو، ينسل، نسلاً ونسلاناً، أي: أسرع

стр. 5828

الوزارة لا تنافي النبوّة، فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضا. والمعنى: فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم، كقوله: (اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ) [الشعراء: ٦٣] أي: فضرب فانفلق. أراد اختصار القصة فذكر حاشيتيها أوّلها وآخرها، لأنهما المقصود من القصة بطولها أعني: إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم. وعن علي ﵁: (ودمَّرتُهم)، وعنه: (فدَمِّراهُم). وقرئ (فدمّرانّهم) على التأكيد بالنون الثقيلة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يؤازر بعضهم بعضاً)، الجوهري: الوزر: الملجأ. وأصل الوزر: الجبل. والوزر: الإثم، والثقل والمكاره، والسلاح. الوزير: المؤازر، كالأكيل والمؤاكل، لأنه يحمل عنه وزره، أي: ثقله. قوله: (وقرئ: "فدمرانهم" على التأكيد بالنون)، قال ابن جني: هي قراءة علي ومسلمة، كأنه أمر موسى وهارون ﵉ أن يدمرانهم، وألحق نون التوكيد ألف التثنية، كما تقول: أضربان زيداً ولا تقتلان جعفراً. وقال صاحب "المطلع": فإن قيل: لم يكونوا كذبوا بالآيات حين أمر بالذهاب إليهم، فكيف وصفوا؟ قلنا: المعنى اذهبا بآياتنا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا المتقدمة مع الرسل الماضية. وقال الإمام: إنه تعالى بعد أن تكلم في التوحيد وإثبات النبوة والجواب عن شبهات المنكرين، شرع في ذكر القصص على السنن المعلوم، فبدأ بقصة موسى ﵇، أي: لست يا محمد بأول من أرسلناه فكذب وآتيناه الآيات فرد، فقد آتينا موسى التوراة وقوينا عضده بأخيه هارون، مع ذلك فقد رد وكد، وكذلك الرسل قاطبة. وقلت: إن الله تعالى لما حكم بقوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ وسلاه بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ جاء بتفصيل ذلك،

стр. 5829

[(وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً)]. كأنهم كذبوا نوحا ومن قبله من الرسل صريحا. أو كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيب للجميع أو لم يروا بعثة الرسل أصلا كالبراهمة (وَجَعَلْناهُمْ)، وجعلنا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وبدأ بقصة موسى وفرعون مجملاً، وثنى بقصة نوح، وثلث بعادٍ، ثم أجمل بقوله: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾. قوله: (أو لم يروا بعثة الرسل أصلًا)، التعريف في قوله: ﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ إما للعهد، والمراد: رسلٌ مخصوصون، فهو المراد من قوله: "كذبوا نوحاً من قبله"، وإما لاستغراق الجنس، فهو المراد من قوله: "تكذيبهم لواحد منهم تكذيبٌ للجمع"، وذلك أن لكل فردٍ من أفراد تلك الحقيقة حكم الجميع، فمن كذب واحداً لزم منع تكذيب الجميع، لأن وجه دلالة المعجز على الصدق مشتركٌ فيهم، وعليه قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وإما للجنس، وهو المراد من قوله: "أو لم يروا بعثة الرسل أصلاً"، أي: كذبوا هذا الجنس المسمى بالرسل، كقولهم: فلانٌ يركب الخيل، وما له إلا فرسٌ واحد. والوجه الثاني والثالث: كنايتان متقابلتان لما يلزم في الثاني من تكذيب نوح تكذيب الرسل قاطبةً، ومن الثالث عكسه، والفرق بين الوجه الثاني والثالث: هو أن التكذيب في الثاني تابعٌ للوصفية حيثما وجدت ترتب عليها التكذيب وفي الثالث تابع للماهية، والله أعلم. قوله: (كالبراهمة)، قيل: هم قومٌ لا يجوزون على الله بعثة الرسل، والبرهمة: إدامة النظر، وسكون الطرف، وبرهم: إذا فتح عينيه وأحد النظر. قال الشهر ستاني صاحب "الملل والنحل": الهند أمةٌ كبيرة، وآراؤهم مختلفةٌ، والبراهمة انتسبوا إلى رجلٍ منهم يقال له برهام، قد مهد لهم نفي النبوات أصلاً، وقرر استحالة ذلك في العقول.

стр. 5830

إغراقهم أو قصتهم (لِلظَّالِمِينَ) إمّا أن يعنى بهم قوم نوح، وأصله: وأعتدنا لهم، إلا أنه قصد تظليمهم فأظهر. وإمّا أن يتناولهم بعمومه. [(وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً)]. عطف عادا على "هُمْ" في (وجَعَلْنَاهُمْ) [الفرقان: ٣٧] أو على الظالمين، لأنّ المعنى: ووعدنا الظالمين. وقرئ: (وثَمُودَا) على تأويله القبيلة، وأما المنصرف فعلى تأويل الحي، أو لأنه اسم الأب الأكبر. قيل في أصحاب الرس: كانوا قوما من عبدة الأصنام أصحاب آبار ومواش، فبعث الله إليهم شعيبا فدعاهم إلى الإسلام. فتمادوا في طغيانهم وفي إيذائه. فبيناهم حول الرس وهو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قصد تظليمهم فأظهر)، أي: وضع الظاهر موضع المضمر تظليماً لهم، من: ظلمه، أي: قال له: إنك ظالمٌ، أو نسبهم إلى الظلم ليؤذن أن تعذيبهم وإغراقهم بسبب تكذيبهم الرسل، وأن لا ظلم أظهر منه، وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ على وضع المضمر موضع المظهر عطفه على ﴿أَغْرَقْنَا﴾ ليجمع لهم نكال الدارين، وعلى العموم من باب التذييل فيدخلوا في العام دخولاً أولياً. قوله: (لأن المعنى: ووعدنا الظالمين)، يعني: قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في معنى الوعيد، أي: ووعدنا الظالمين، ثم عطف عاداً وثمود عطف الخاص على العام مبالغةً، لأنهم رؤوس الظلمة والأوحديون فيه. قوله: (وقرئ: ﴿وَثَمُودَ﴾، حفصٌ وحمزة: بغير تنوين، والباقون: بالتنوين. قوله: (أصحاب أبآر)، الجوهري: البئر: جمعها في القلة: أبؤرٌ وأبارٌ، بهمزةٍ بعد الباء.

стр. 5831

البئر غير المطوية. عن أبي عبيدة- انهارت بهم، فخسف بهم وبديارهم. وقيل: الرس: قرية بفلج اليمامة، قتلوا نبيهم فهلكوا، وهم بقية ثمود قوم صالح. وقيل: هم أصحاب النبي حنظلة بن صفوان، كانوا مبتلين بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطير، سميت لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتح، وهي تنقض على صبيانهم فتختطفهم إن أعوزها الصيد. فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة، ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا: وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرس: هو الأخدود. وقيل الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار. وقيل: كذبوا نبيهم ورسوه في بئر، أى: دسوه فيها (بَيْنَ ذلِكَ) أي: بين ذلك المذكور، وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بـ "ذلك"، ويحسب الحاسب أعدادا متكاثرة ثم يقول: فذلك كيت وكيت على معنى: فذلك المحسوب أو المعدود. (ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ): بينا له ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (البئر غير المطوية)، أي: غير المبنية. الأساس: طوى البناء باللبن، والبئر: بالحجارة، وهي الطوي والأطواء. قوله: (قريةٌ بفلج اليمامة)، النهاية: فلج بفتحتين: قريةٌ عظيمةٌ من ناحية اليمامة، وموضعٌ باليمن من مساكن عاد، وبسكون اللام: وادٍ قريبٌ من البصرة. قوله: (حنطلة بن صفوان)، روى محيي السنة عن سعيد بن جيبر: كان لهم نبيٌ يقال له: حنظلة بن صفوان، فقتلوه فأهلكهم الله. وأما حديث العنقاء فما وجدته إلا في "مجمع الأمثال" للميداني. قوله: (يقال له: فتخ)، قيل: صح بالتاء المثناة من فوق والخاء المعجمة، وبالحاء غير المعجمة: رواية، وبالجيم والياء التحتاني أيضاً، ذكره صاحب "الإيضاح" في "شرح المقامات".

стр. 5832

القصص العجيبة من قصص الأوّلين، ووصفنا لهم ما أجروا إليه من تكذيب الأنبياء وجرى عليهم من عذاب الله وتدميره. والتتبير: التفتيت والتكسير. ومنه: التبر، وهو كسار الذهب والفضة والزجاج. و (كُلًّا) الأوّل منصوب بما دل عليه (ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ)؛ وهو: أنذرنا. أو: حذرنا. والثاني بـ (تَبَّرْنَا)، لأنه فارغ له. [(وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً)]. أراد بالقرية "سدوم" من قرى قوم لوط، وكانت خمسا: أهلك الله تعالى أربعا بأهلها وبقيت واحدة. ومطر السوء: الحجارة، يعني: أن قريشا مرّوا مرارا كثيرة في متاجرهم إلى الشام على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء (أَفَلَمْ يَكُونُوا) في مرار مرورهم ينظرون إلى آثار عذاب الله ونكاله ويذكرون؟ (بَلْ كانُوا) قوما كفرة بالبعث لا يتوقعون (نُشُوراً) وعاقبة، فوضع الرجاء موضع التوقع، لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن، فمن ثم لم ينظروا ولم يذكروا، ومرّوا بها كما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أراد بالقرية: سدوم، من قرى قوم لوطٍ ﵇، وعن بعضهم: سدوم عظامها وعاموراء وأذوما وصبوائيم وصغر، نجت صغر، وهلكت البواقي، وفي حاشيةٍ موثوقٍ بها: سذوم بالذال المعجمة، ذكره الأزهري. والجوهري بالدال غير المعجمة. قوله: (لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن)، يريد أن حقيقة الرجاء انتظار الخير.

стр. 5833

مرّت ركابهم. أو لا يأملون نشورا كما يأمله المؤمنون؛ لطمعهم في الوصول إلى ثواب أعمالهم. أو: لا يخافون، على اللغة التهامية. [(وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً* إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً)]. "إِنْ" الأولى نافية، والثانية: مخففة من الثقيلة. واللام هي الفارقة بينهما. واتخذه هزوا: في معنى استهزأ به، والأصل: اتخذه موضع هزء، أو مهزوءا به (أَهذَا) محكي بعد القول المضمر. وهذا استصغار، و (بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) وإخراجه في معرض ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: الرجاء: ظن حصول ما فيه مسرةٌ. الأساس: أرجو من الله المغفرة، ورجوت في ولدي الرشد، وأتيت فلاناً رجاء أن يحسن إلي، والكافر لا يرجو بل يتوقع، لأن التوقع: الترقب. الأساس: توقعته: ترقبت وقوعه. قوله: (أو: لا يأملون)، فعلى هذا الرجاء على حقيقته. قوله: (أو: لا يخافون)، الأساس: ومن المجاز استعمال الرجاء في معنى الخوف والاكتراث، يقال: لقيت هولاً ما رجيته وما ارتجيته. قوله: (وهذا استصغار)، مبتدأٌ وخبر. قوله: (و ﴿بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾)، في موضع الابتداء على حكاية القرآن، والخبر: "سخريةٌ"، أي: بعثه، وحذف الضمير. ويروى: "بعث الله" على المصدر. قال الإمام: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ تفسيرٌ لقوله: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ فاستحقروه بقوله: ﴿أَهَذَا﴾ واستهزؤوا به بقولهم: ﴿رَسُولًا﴾، وهم منكرون، ذلك جهلٌ عظيم، لأن الاستهزاء والاحتقار إما أن يقع بصورته أو صفته، أما الأول

стр. 5834

التسليم والإقرار، وهم على غاية الجحود والإنكار: سخرية واستهزاء، ولو لم يستهزئوا لقالوا: أهذا الذي زعم أو ادّعى أنه مبعوث من عند الله رسولا؟ وقولهم: (إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا) دليل على فرط مجاهدة رسول الله ﷺ في دعوتهم، وبذله قصارى الوسع والطاقة في استعطافهم، مع عرض الآيات والمعجزات عليهم حتى شارفوا- بزعمهم- أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام، لولا فرط لجاجهم واستمساكهم بعبادة آلهتهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فباطلٌ، لأنه صلوات الله عليه كان أحسن منهم خلقةً على أن لم يكن يدعي ذلك. وأما الثاني فكذلك، لأنه صلوات الله عليه ادعى التميز عنهم بإظهار المعجزة، وأنهم ما قدروا على القدح في حجته، ففي الحقيقة هم الذين استحقوا أن يهزأ بهم، ويحقر شأنهم، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية، وذلك يدل على أنه ليس للمبطل في أكثر الأوقات إلا السفاهة. قوله: (ولو لم يستهزئوا لقالوا: أهذا الذي زعم أنه مبعوثٌ من عند الله رسولاً؟ )، لأن من مقتضى الظاهر أن يترجموا عن معتقدهم بقولهم: أهذا الذي زعم أنه مبعوثٌ من عند الله؟ فلما أتوا بالفعل الماضي وأوقعوا رسولاً حالاً من المفعول، وجعلوا الجملة صلة الموصول، أعلموا بأنه مقررٌ عندهم أنه رسولٌ ثابت الرسالة، فلو لم يحمل على الاستهزاء، لأن القوم كفرةٌ معاندةٌ، لا يكون له معنى. قوله: (ذليلٌ على فرط مجاهدة الرسول ﷺ في دعوتهم)، قال الإمام: وتدل الآية على اعتراف القوم بأنهم ما اعترضوا على الدلائل كلها إلا بمحض الجمود والتقليد، لأن قولهم: ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ إشارةٌ إلى الجمود والإصرار، كدأب الجهال، وإلى أنهم مقهورون تحت حجته صلوات الله عليه، وما كان في أيديهم إلا مجرد الوقاحة. وإلى أنهم سلموا في آخر الأمر قوة الحجة ورزانة العقل، فالقوم لما جمعوا بين الاستهزاء والاستحقار، وبين رزانة العقل وقوة الحجة، دل على أنهم كانوا متحيرين في أمره.

стр. 5835

و "لَوْلا" في مثل هذا الكلام جار من حيث المعنى - لا من حيث الصنعة - مجرى التقييد للحكم المطلق (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) وعيد ودلالة على أنهم لا يفوتونه وإن طالت مدّة الإمهال، ولا بدّ للوعيد أن يلحقهم فلا يغرّنهم التأخير. وقوله: (مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا) كالجواب عن قولهم: (إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا)؛ لأنه نسبة لرسول الله إلى الضلال من حيث لا يضلّ غيره إلا من هو ضال في نفسه. ويروى: أنه من قول أبي جهل لعنه الله. [(أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً)]. من كان في طاعة الهوى في دينه يتبعه في كل ما يأتى ويذر، لا يتبصر دليلا ولا يصغي إلى برهان. فهو عابد هواه وجاعله إلهه، فيقول لرسوله هذا الذي لا يرى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و"لولا" في مثل هذا الكلام جارٍ- من حيث المعنى لا من حيث الصنعة- مجرى التقييد للحكم المطلق)، ويروى: لا من حيث الصنعة، بالنون والعين المهملة، أي: صنعة أهل النحو، يعني: أن صنعة النحو تقتضي أن يأتي بعد كلمات الشرط جملتان: شرطٌ وجزاء، وقد يؤتى في بعض المواضع الذي يراد تقييد الجملة المتقدمة بشرطٍ محذوفٍ جوابه، كقولك: آتيك غداً إن تركني فلانٌ، فقولك: إن تركني: تقييدٌ لا من حيث الصنعة، لأن "إن" ليست بموضوعية للقيد، قال: " ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا﴾ [الممتحنة: ١]، متعلقٌ بـ ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾ يعني: لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي. وقول النحويين في مثله: هو شرطٌ جوابه محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه"، وحكم "لولا" حكم كلمات الشرط في اقتضاء الجملتين، وتقدير الربط بينهما. قوله: (من كان في طاعة الهوى)، "من": شرطيةٌ، أو موصولةٌ، والخبر أو الجزاء قوله: "فهو عابدٌ هواه"، وقوله: "فيقول"، مرتبٌ عليهما، والهمزة فلي ﴿أَرَأَيْتَ﴾ للتقرير والإنكار، يعني: إذا كان الشأن كذلك فيقول الله لرسوله: أرأيت من اتخذ إلهه هواه أنت تتوكل عليه وتحبره على الإسلام؟ وإليه الإشارة بقوله: "هذا الذي لا يرى معبوداً إلا هواه" إلى آخره، ويجوز أن يكون قوله: "فهو عابدٌ هواه" معطوفاً على "يتبعه في كل ما يأتي ويذر"، "فيقول" جزاء الشرط، أي: كونهم على هذه الحالة الشنيعة، سببٌ لأن ينكر الله تعالى على رسوله

стр. 5836

معبودا إلا هواه: كيف تستطيع أن تدعوه إلى الهدى؟ أفتتوكل عليه وتجبره على الإسلام وتقول: لا بدّ أن تسلم شئت أو أبيت، ولا إكراه في الدين؟ وهذا كقوله: (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) [ق: ٤٥]، (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) [الغاشية: ٢٢]. ويروى: أنّ الرجل منهم كان يعبد الحجر، فإذا رأى أحسن منه رمى به وأخذ آخر. ومنهم الحرث بن قيس السهمي. [(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً)]. (أَمْ) هذه منقطعة، معناه: بل أتحسب كأن هذه المذمة أشدّ من التي تقدّمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول، لأنهم لا يلقون إلى استماع الحق أذنا ولا إلى تدبره عقلا، ومشبهين بالأنعام التي هي مثل في الغفلة والضلال، ثم أرجح ضلالة منها. فإن قلت لم أخر هواه والأصل قولك: اتخذ الهوى إلها؟ قلت: ما هو إلا تقديم المفعول الثاني على الأوّل للعناية، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويقول: هذا الذي لا يرى معبوداً إلا هواه. هذا التقدير أوفق لتفسير الآية، لأن قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ واقعٌ جزاءً للشرط، وهو معنى قوله: "فيقول لرسوله هذا الذي" ليؤذن بأن الجزاء لا يستقيم إلا بتقدير الإخبار والقول. وقد أكد الله الإنكار حيث أخرج الشرط والجزاء الإنكار، وأقحم حرف الإنكار بين الشرط والجزاء على ضمير الفاعل المعنوي ليدل على أن الوكيل هو الله تعالى، ليس غيره أحدٌ. قوله: (أفتتوكل عليه؟ )، قيل: هو مطاوع وكله: جعله وكيلاً، يقال: توكل لي على فلانٍ حتى تأخذ حقي منه. قوله: (ما هو إلا تقديم المفعول الثاني على الأول للعناية)، الانتصاف: وفيه نكتة إفادة الحصر، فإن الجملة قبل دخول ﴿أَرَأَيْتَ﴾ و ﴿اتَّخَذَ﴾ مبتدأٌ، وخبر المبتدأ: ﴿إِلَهَهُ﴾،

стр. 5837

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والخبر: ﴿هَوَاهُ﴾. وتقديم الخبر كما علمت يفيد الحصر، فكأنه قال: أرأيت من لم يتخذ معبوده إلا هواه؟ وذلك أبلغ في ذمه وتوبيخه. وقال صاحب "الفرائد": تقديم المفعول الثاني يمكن، حيث يمكن تقديم الخبر على المبتدأ، والمعرفتان إذا وقعتا مبتدأ وخبراً فالمتقدم هو المبتدأ، فقوله: كما تقول: علمت منطلقاً زيداً، ليس بسديد، ويمكن أن يقال: المتقدم هاهنا يشعر بالثبات، بخلاف المتأخر، فتقديم ﴿إِلَهَهُ﴾، على ﴿هَوَاهُ﴾. وقلت: لا يشك في أن مرتبة المبتدأ التقديم، وأن المعرفين أيهما قدم فهو المبتدأ، لكن صاحب المعاني لا يقطع نظره من أصل المعنى، فإذا قيل: زيدٌ الأسد، فالأسد هو المشبه به أصالةً، ومرتبته التأخير عن المشبه بلا نزاع، فإذا جعلته مبتدأ في قولك: الأسد زيدٌ، أزلته عن مقره الأصلي للمبالغة، وما يعني بالمقدم إلا المزال عن مكانه، لا القار فيه، فالمشبه به هاهنا: الإله، والمشبه: الهوى، لأنهم نزلوا أهواءهم في المتابعة منزلة الإله، وإليه الإشارة بقوله: "اتخذ الهوى إلهاً"، فقدم المشبه به الأصلي، وأوقعه مشبهاً، ليؤذن بأن الهوى في باب استحقاق العبادة لها أقوى من الإله تعالى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولمح صاحب "المفتاح" إلى هذا المعنى في كتابه. وإنما قال المؤلف: "ما هو إلا تقديم المفعول" على الحصر، لئلا يتوهم متوهمٌ خلافه، وأما المثال الذي أورده صاحب "الفرائد" فمعنى قوله: اتخذ ابنه غلامه، جعل ابنه كالغلام يخدمه في مهنة أهله، وقوله: اتخذ غلامه، ابنه جعل غلامه ابنه مكرماً مدللاً.

стр. 5838

كما تقول: علمت منطلقا زيدا: لفضل عنايتك بالمنطلق. فإن قلت: ما معنى ذكر الأكثر؟ قلت: كان فيهم من لم يصدّه عن الإسلام إلا داء واحد: وهو حب الرياسة، وكفى به داء عضالا. فإن قلت: كيف جعلوا أضل من الإنعام؟ قلت: لأن الأنعام تنقاد لأربابها التي تعلفها وتتعهدها، وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها، وتهتدى لمراعيها ومشاربها. وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوّهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يتقون العقاب الذي هو أشدّ المضارّ والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهنىّ والعذب الروي. [(أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً)]. (أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ): ألم ننظر إلى صنع ربك وقدرته؟ ومعنى مدّ الظل: أن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والعذب الروي)، أي: المروي: وهو من الإسناد المجازي، لأن الروي في الحقيقة: الريان، وهو الرجل، وهو فعيلٌ بمعنى مفعل، كالحكيم بمعنى المحكم في أحد الأقوال. الأساس: وماءٌ رواءٌ ورويٌ: وللوارد فيه: ريٌ. ورويت على أهلي، ورويت لهم ورويتهم: استقيت لهم، ومن المجاز: سحاب روي: عظيم القطر، وكأس روية. قوله: (ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته؟ )، قال القاضي: أصله: ألم تنظر إلى الظل كيف مده ربك، فغير النظم إشعاراً بأن المعقول لوضوح برهانه، وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة، وأن ذلك فعل الصانع الحكيم، كالمحسوس المشاهد المرئي، أو لم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل، وذلك فيما بين طلوع الفجر، وهو أطيب الأحوال، فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر، وشعاع الشمس يسخن الجو، ويبهر المبصر ولذل وصف به الجنة فقال: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠].

стр. 5839

جعله يمتدّ وينبسط فينتفع به الناس. (وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً) أي: لاصقا بأصل كل مظل من جبل وبناء وشجرة، غير منبسط فلم ينتفع به أحد: سمى انبساط الظل وامتداده تحركا منه وعدم ذلك سكونا. ومعنى كون الشمس دليلا: أنّ الناس يستدلون بالشمس وبأحوالها في مسيرها على أحوال الظل، من كونه ثابتا في مكان وزائلا ومتسعا ومتقلصا، فيبنون حاجتهم إلى الظل واستغناءهم عنه على حسب ذلك. وقبضه إليه: أنه ينسخه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: ولو قيل: ألم تر إلى الظل كيف مده؟ كان الانتقال من الأثر إلى المؤثر، والذي عليه التلاوة عكسه، والمقام يقتضيه، لأن الكلام في تقريع القوم، وتجهيلهم في اتخاذهم الهوى إلهاً مع وضوح هذه الدلائل، ولذلك جعل ما يدل على ذاته مقدماً على أفعاله في سائر آياته ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا﴾. روى السلمي في "الحقائق"، عن بعضهم: مخاطبة العام: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] ومخاطبة الخاص: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾. قوله: (سمى انبساط الظل وامتداده تحركاً منه، وعدم ذلك سكوناً)، يعني: قوبل ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ بقوله: ﴿سَاكِنًا﴾، ومقابل السكون الحركة، فيكون إطلاق مد ظل وبسطه على الحركة من باب تسمية الشيء باسم ملابسه أو سببه. فإن قلت: لم عدل عن "متحركاً" إلى "مد" وهو أظهر من "مد" في تناوله الانبساط والامتداد؟ قلت: ليدمج فيه معنى الانتفاع المقصود بالذات، وهو معرفة أوقات الصلوات، فإن اعتبار الظل فيها بالامتداد دون الانبساط، وتمم معنى الإدماج بقوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: بالتدريج والمهل لمعرفة الساعات والأوقات، وفيه لمحةٌ من معنى قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٨].

стр. 5840

بضح الشمس (يَسِيراً) أي: على مهل. وفي هذا القبض اليسير شيئا بعد شيء من المنافع ما لا يعدّ ولا يحصر، ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعا. فإن قلت: (ثُمَّ) في هذين الموضعين كيف موقعها؟ قلت: موقعها لبيان تفاضل الأمور الثلاثة: كأن الثاني أعظم من الأوّل، والثالث أعظم منهما، تشبيها لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت. ووجه آخر: وهو أنه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بضح الشمس)، النهاية: الضح: ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض، وهو كالقمراء للقمر. قوله: (كأن الثاني أعظم من الأول) لأن في إزالة الظل بالشمس دليلاً على جوده، فلولا الشمس ما عرف الظل، وأما الانتفاع بهما فالانتشار في النهار، والهدوء في الليل، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [الإسراء: ٦٦]، وما يحصل من وجود الليل من الرطوبة التي ينمو بها النامي، وتصبغ الفواكه، ومن وجود النهار الإنضاج، وأكثر الاستمتاع. وكون الثالث، أي: قبض الظل قبضاً يسيراً، أعظم من الثاني، لأن فيه الحصول والإزالة مع التدرج والمهل، فتحصل تلك الفائدة مع معرفة الساعات والأوقات المنوطة عليها أكثر أحكام الشرع، ولأن في التدرج الاستئناس، وفي الفجاءة التوحش. قوله: (تشبيهاً لتباعد ما بينهما)، يعني: "ثم" هاهنا استعارةٌ تبعيةٌ، حيث شبه بعد المرتبة بالبعد الزماني، ثم استعير لجانب المشبه لفظة "ثم"، وليس المعنى أنه تعالى بعد ذلك المد بزمانٍ متراخٍ جعل الشمس عليه دليلاً، فيجب الحمل على المجاز، وكذلك ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾. قوله: (ووجهٌ آخر)، وهذا الوجه مبنيٌ على أن "ثم" مجرى على حقيقتها، وهي التراخي في الزمان، ولا شك أن الظلمة سابقةٌ على النور، قال الله تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]، وقال ﷺ : "إن الله خلق الخلق في ظلمة، وألقى عليهم من نوره"، أخرجه الإمام أحمد بن حنبلٍ في "مسنده" عن عبد الله بن عمروٍ.

стр. 5841

مدّ الظل حين بنى السماء كالقبة المضروبة، ودحا الأرض تحتها فألقت القبة ظلها على الأرض فينانا ما في أديمه جوب لعدم النير، ولو شاء لجعله ساكنا مستقرّا على تلك الحالة، ثم خلق الشمس وجعلها على ذلك الظل، أى: سلطها عليه ونصبها دليلا متبوعا له كما يتبع الدليل في الطريق، فهو يزيد بها وينقص، ويمتدّ ويتقلص، ثم نسخه بها فقبضه قبضا سهلا يسيرا غير عسير. ويحتمل أن يريد: قبضه عند قيام ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيناناً)، الأساس: وغصنٌ فينانٌ: كثير الأفنان، وهو في ظل عيشٍ وفينان شجرة، وعن بعضهم: ظلٌ فينانٌ، أي: ظليلٌ، وصرفه حيث فيعالاً من الفنن، وأصله في الشجر، يقال: شجرةٌ فينانةٌ. وفي "الصحاح": رجلٌ فينان: طويل الشعر وحسنه، وهو فعلان، جعله من الفينة. قيل: وأطبق الإمامان على أنه منصرفٌ، والحسن بن هانئ منعه الصرف في قوله: فينان ما في أديمه جوب وهو وهمٌ منه، كما وهم الطائي في قوله: والنبع عريان ما في عوده ثمر قوله: (ما في أديمه جوبٌ)، هو جمع جوبةٍ. الجوهري: الجوبة: الفرجة في السحاب وفي الجبال. وانجابت السحابة: انكشفت، والجوبة: موضعٌ ينجاب في الحرة، والجمع جوبٌ.

стр. 5842

الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام التي تلقي الظل فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه، كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه، وقوله: (قَبَضْنَاهُ إلَيْنَا): يدل عليه، وكذلك قوله (يَسِيرًا)، كما قال ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ [ق: ٤٤]. [(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً)]. شبه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر. والسبات: الموت. والمسبوت: الميت، لأنه مقطوع الحياة، وهذا كقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) [الأنعام: ٦٠]. فإن قلت: هلا فسرته بالراحة؟ قلت: النشور في مقابلته يأباه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ يدل عليه)، أي: يدل على أن المراد قبض الظل وإعدامه. وصف القبض باليسير، لأن إتيان الساعة وأماراتها عليه يسيرٌ، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]. وفائدة إلينا في ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ وصيغة الجمع: القبض التام كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]. قوله: (هلا فسرته بالراحة؟ )، يعني: السبات لفظٌ مشتركٌ. الجوهري: السبات: النوم، وأصله الراحة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ: ٩]، وقال: المسبوت: الميت، والمغشي عليه، وكذلك العليل إذا كان ملقًى كالنائم. الأساس: جعل الله النوم سباتاً: موتاً، وأصبح فلانٌ مسبوتاً: ميتاً، فلم خصصته بالموت؟ وأجاب: أن النظم والتقابل هو القرينة المخصصة. فإن قلت: ﴿النَّهَارَ نُشُورًا﴾ في مقابل ﴿اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ و ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ لا قرينة لها؟ قلت: تكرير ﴿جَعَلَ﴾ يدل على أن النوم داخلٌ في حكم ﴿جَعَلَ﴾ الأول، وأن النشر في النهار يقابلها لاشتمال النشور على الظهور والبعث. فإن قلت: وقد فسر القاضي بهما حيث قال: جعل النوم سباتاً: راحةً للأبدان، بقطع

стр. 5843

إباء العيوف الورد وهو مرنق. وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمته على خلقه؛ لأنّ الاحتجاب بستر الليل، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المشاغل، وأصل السبت: القطع، أو موتاً، لأنه قطع الحياة ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ ذا نشور، أي: انتشارٍ ينتشر فيه الناس للمعاش، أو بعث من النوم بعث الأموات. والمصنف أباه كل الإباء، وضرب له المثل. قلت: قد تقرر أن السبات لفظةٌ مشتركةٌ وهي مفتقرةٌ إلى قرينةٍ مبينة، والقرينة ﴿نُشُوزًا﴾ لتقابلها، فجعلها حقيقةً شرعيةً أولى من اللغوية التي بمنزلة المجاز على أن المقام لا يساعد اللغوية، لأنه إذا اتفق تفسير الآية مع الآيات السابقة واللاحقة في المعنى وتضمن نكتةً زائدةً، كان أحسن من الاختلاف، والخلو عن تلك اللطيفة، وفي السابقة حديثٌ من معنى الإيجاد والإعدام، حيث فسر القبض بالإعدام، والمد بالإيجاد. واللاحقة فيها ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾، فالآيات مع دلالتها على القدرة الباهرة، ومع إظهار النعمة في الدلالة على الحشر والنشر، وبه رمز المصنف بقوله: "والنوم واليقظة" أي: عبرةٌ فيهما لمن اعتبر. قوله: (إباء العيوف الورد وهو مرنقٌ)، الأساس: وهو يعاف الطعام والشراب، والمياه. [قال: وإني لشراب المياه إذا صفت … وإني إذا كدرتها لعيوف وناقةٌ عيوفٌ: تشم الماء ثم تدعه. وفيه: له رونقٌ، أي: حسنٌ وبهاء، وذهب رونقه. ورنقه: كدره، كأن معناه: ذهب برونقه الذي هو صفاؤه والمعنى: قوله: ﴿نُشُورًا﴾ يمنع تفسير السبات بالنوم الذي هو الراحة، لعدم التقابل، امتناع ناقةٍ تكره الماء الصافي، والحال أنها عرضت على الماء الكدر.

стр. 5844

كم فيه لكثير من الناس من فوائد دينية ودنيوية، والنوم واليقظة وشبههما بالموت والحياة، أي: عبرة فيهما لمن اعتبر. وعن لقمان: أنه قال لابنه: يا بني، كما تنام فتوقظ، كذلك تموت فتنشر. [(وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً)]. قرئ: (الريح)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كم فيه لكثيرٍ من الناس من فوائد)، كم هنا: خبريةٌ، وهي خبر أن، وفي معناه أنشد أبو الطيب: وكم لظلام الليل عندك من يدٍ … تخبر أن المانوية تكذب وقاك ردي الأعداء تسري عليهم … وزارك فيه ذو الدلال المحجب قوله: (والنوم واليقظة)، "النوم": مبتدأٌ، والخبر: "أي: عبرة"، على تأويل: مقولٌ عند ذكرهما، أي عبرةٍ فيهما، "وشبههما بالموت والحياة" جملةٌ معترضةٌ لتأكيد معنى العبرة فيهما. وقيل: هي حالٌ، وليس بشيء، وفي نسخة: "وشبههما" بالرفع: عطفٌ تفسيري. قوله: (قرئ: "الريح")، قرأها ابن كثيرٍ وحده، وقرأ عاصم ﴿بُشْرًا﴾ بالباء مضمومةً وإسكان الشين، وابن عامرٍ: بالنون مضمومةً، وإسكان الشين، وحمزة والكسائي: بالنون مفتوحةً وإسكان الشين، والباقون: بالنون مضمومةً وضم الشين، وابن السميفع:

стр. 5845

و (الرياح نشرا) إحياء. و (نشرا) جمع نشور، وهي المحيية. و (نشرا) تخفيف: نشر، و (بشرا) تخفيف بشر؛ جمع بشور وبشرى. و (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) استعارة مليحة، أي: قدام المطر. (طَهُوراً): بليغا في طهارته. وعن أحمد بن يحيى: هو ما كان طاهرا في نفسه مطهرا لغيره. فإن كان ما قاله شرحا لبلاغته في الطهارة؛ كان سديدا. ويعضده قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) [الأنفال: ١١]، وإلا فليس "فعول" ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "الرياح بشرى"، بالياء مثل: حبلى. قال ابن جني: "بشرى" مصدرٌ وقع موقع الحال، أي: مبشرةً، نحو قولهم: جاء زيدٌ ركضاً، أي: راكضاً، وهلم جراً، أي: جاراً أو منجراً. قوله: ("نشراً"): إحياءً)، على أن "نشراً": حالٌ من ضمير الفاعل، وقوله: "ونشراً": جمع: نشوراً، وهي المحيية" على أنه حالٌ من المفعول. قوله: (استعارةٌ مليحةٌ)، إما ترشيحيةٌ، إذا قرئ: ﴿بُشْرًا﴾ بالباء، شبه المطر بالرحمة، ثم استعير له الرحمة ورشحها بقوله: ﴿بُشْرًا﴾، قال: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ [التوبة: ٢١]، ثم جعلها بين يديه تتميماً لها، لأن البشير يتقدم المبشر به، ويجوز أن تكون تمثيليةً، و ﴿بُشْرًا﴾ من تتمة الاستعارة، وداخلٌ في جملتها، ومن قرأ "نشراً" بالنون كان تجريداً لها، لأن النشر يناسب السحاب. قوله: (وعن أحمد بن يحيي)، وهو أبو العباس ثعلبٌ. قال ابن الأنباري: كان إمام الكوفيين في النحو واللغة في زمانه، وكان ثقةً ديناً مشهوراً بصدق اللهجة والمعرفة بالغريب. وقال المبرد: أعلم الكوفيين ثعلبٌ، فذكر الفراء فقال: لا يعشره. قوله: (فإن كان ما قاله شرحاً لبلاغته في الطهارة، كان سديداً ..... وإلا فليس "فعولٌ"

стр. 5846

من التفعيل في شيء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من التفعيل في شيء)، قال القاضي: "فعولٌ" غلب في معنيين، أحدهما: اسمٌ كالوضوء والوقود: لما يتوضأ ويوقد به. وثانيهما: للمبالغة، كالشكور والغفور. وقد جاء للمفعول كالضبوث، وللمصدر كالقبول، وللاسم كالذنوب. وقال صاحب "المغرب": وما حكي عن ثعلبٍ إن كان زيادة بيانٍ لنهايته في الطهارة، فصواب حسنٌ، وإلا فليس فعولٌ من التفعيل في شيء، وقياس هذا على ما هو مشتق من الأفعال المتعدية، كقطوع ومنوع، غير سديد. ونقل صاحب "المطلع" عن "بسيط" الواحدي، أنه قال: أجاد أبو القاسم الزجاجي في تفسير الطهور، وكشف عن حقيقة المعنى فقال: الطهور: اسمٌ للماء الذي يتطهر به، ولا يجوز إلا أن يكون طاهراً في نفسه، مطهراً لغيره، لأن عدول العرب عن صيغة "فاعل" إلى "فعيل" أو "فعولٍ" لزيادة المعنى، لأن اختلاف الأبنية لاختلاف المعاني، فكما لا يجوز التسوية بين صابرٍ وصبور، وشاكرٍ، كذلك في: طاهرٍ وطهور، والشيء إذا كان طاهراً في نفسه لا يجوز أن يكون من جنسه ما هو أطهر منه حتى تصفه بطهورٍ لزيادة طهارته، ولا كذلك قادرٌ وقدير، وغافرٌ وغفور، لأن هذه نعوتٌ تحتمل الزيادة، والطهارة ليست كذلك، فإذا نقلنا الطاهر إلى طهورٍ لم يكن إلا لزيادة المعنى، وذلك المعنى ليس إلا التطهير. فإن قيل: بناء الطهور من: طهر يطهر طهارةً، وهو لازمٌ، فكيف يجوز تعديته بتطهير غيره؟ قلنا: النظر في هذه اللفظة أدى إلى أن فيه معنى التطهير، لأنه لا يجوز إطلاقه على الماء

стр. 5847

والطهور على وجهين في العربية: صفة، واسم غير صفة، فالصفة قولك: ماء طهور، كقولك: طاهر، والاسم قولك لما يتطهر به: طهور، كالوضوء، والوقود، لما يتوضأ به وتوقد به النار. وقولهم: تطهرت طهورا حسنا، كقولك: وضوءا حسنا، ذكره سيبويه. ومنه قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور" أي: طهارة. فإن قلت: ما الذي يزيل عن الماء اسم الطهور؟ قلت: تيقن مخالطة النجاسة أو غلبتها على الظنّ، تغير أحد أوصافه الثلاثة أو لم يتغير. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الذي ليس بمطهر، لأن العرب لا تسمى الشيء الذي لا يقع به التطهير طهوراً، فمن هذا الوجه يجب أن يعلم، لا من التعدي واللزوم. فإن قيل: هذا يشكل بقوله في صفة شراب أهل الجنة: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، وبقول جريرٍ: عذاب الثنايا ريقهن طهور قلنا: لما وصف الله تعالى الماء في الدنيا بالطهارة، فجعله طهوراً، وهذا غاية ما يوصف به الماء، وصف ذلك الشراب أيضاً بهذا الوصف ليعتقد فيه من الطهارة ما اعتقدناه فيما وصفه من الماء، وإن كان ذلك أرفع وأشرف، وكذلك جريرٌ لما علم أن غاية وصف الماء أن يقال: طهورٌ، شبه الريق بالماء، وأحب أن يزيل عن الريق سمة النجاسة فلم يمكنه أن يصفه إلا بما يوصف به الماء، ألا ترى أنه قال: عذاب الثنايا، فوصفها بالعذوبة، وهي من صفة الماء، فكما أن العذب حقيقةٌ في الماء مجازٌ في غيره، كذلك الطهور حقيقةٌ في الماء مستعارٌ في الريق، وهذا واضحٌ جداً. انتهى كلام الزجاجي. الزجاجي: بالجيم الخفيفة.

стр. 5848

أو استعماله في البدن لأداء عبادة عند أبي حنيفة، وعند مالك بن أنس: ما لم يتغير أحد أوصافه فهو طهور. فإن قلت: فما تقول في قوله ﷺ حين سئل عن بئر بضاعة فقال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو استعماله في البدن)، عطفٌ على "تيقن مخالطة النجاسة"، وفيه إشعارٌ بأن الماء المستعمل مسلوبٌ عنه الطهورية فيبقى طاهراً. قوله: (وعند مالك بن أنس)، قال صاحب "الجامع": هو صاحب المذهب أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر من بني حمير ابن سبأ الأكبر. وأنس بن مالك من الأنصار من بني النجار، صاحب رسول الله ﷺ . قوله: (فما تقول في قوله ﷺ حين سئل عن بئر بضاعة؟ )، يعني: هذا الحديث يقوي مذهب مالكٍ ما لم يتغير أحد أوصافه فهو طهور، ومذهب الشافعي: الماء الكثير كذلك. وخلاصة الجواب: أن ما ذكره أبو حنيفة هو حكم الماء الراكد، وبئر بضاعة ماؤها جارٍ. قلت: أما حديث بئر بضاعة فعن أبي داود والترمذي والنسائي، عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قيل: يا رسول الله، إنه يستقى لك من بئر بضاعة، ويلقى فيه لحوم الكلاب وخرق المحائض وعذر الناس؟ فقال ﷺ : "إن الماء طهورٌ لا ينجسه شيء".

стр. 5849

"الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه؟ قلت: قال الواقدي: كان بئر بضاعة طريقا للماء إلى البساتين. [(لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً)]. وإنما قال: (مَيْتاً)؛ لأنّ "البلدة" في معنى "البلد" في قوله: (فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ) [فاطر: ٩]، وأنه غير جار على الفعل كفعول ومفعال ومفعيل. وقرئ: (نسقيه) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو داود: سئل قيم بئر بضاعة عن عمقها؟ قال: إذا كثر كان إلى العانة، وإذا نقص كان دون العورة، قال أبو داود: قدرت بئر بضاعة، فإذا عرضها ستة أذرع. وقلت: الظاهر من هذه الرواية أنها كانت راكدةً، والله أعلم. قال صاحب "النهاية": هي بئرٌ معروفةٌ بالمدينة، والمحفوظ ضم الباء، وأجاز بعضهم كسرها، وحكى بعضهم بالصاد المهملة، وعن بعضهم: بضاعة: اسم امرأةٍ نسبت إليها البئر. قوله: (لأن " البلدة" في معنى "البلد")، أي: لم يقل: "ميتة"، لأن معنى "البلد" و"البلدة" واحدٌ. الراغب: البلد: المكان المحيط المحدود. وسمي المفازة بلداً لكونها موطناً للوحوش، والمقبرة بلداً لكونها موطناً للأموات. قوله: (وأنه غير جارٍ على الفعل)، أي: "الميت" ليس على وزان الفعل، فيكون ملحقاً بالأسماء، كالذبيحة والنطيحة. قيل: إن نحو "فاعل" جارٍ على "يفعل" من حيث الحركات والسكنات، ونحو "مفعولٍ" جارٍ على "يفعل" لأن أصله "مفعلٌ"، وأما نحو "فعولٍ" و"مفتعالٍ" و"مفعيلٍ" و"فعيلٍ" بمعنى "مفعولٍ" فليس جارياً على الفعل، فيستوي فيه المذكر والمؤنث.

стр. 5850

بالفتح. وسقى، وأسقى: لغتان. وقيل: أسقاه: جعل له سقيا. الأناسي: جمع إنسي، أو إنسان. ونحوه ظرابي في ظربان، على قلب النون ياء، والأصل: أناسين وظرابين. وقرئ بالتخفيف بحذف ياء أفاعيل، كقولك: أناعم، في: أناعيم. فإن قلت: إنزال الماء موصوفا بالطهارة وتعليله بالإحياء والسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة ذلك، كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد عليه الوحش. قلت: لما كان سقى الأناسى من جملة ما أنزل له الماء، وصفه بالطهور إكراما لهم، وتتميما للمنة عليهم، وبيانا أن من حقهم حين أراد الله لهم الطهارة وأرادهم عليها أن يؤثروها في بواطنهم ثم في ظواهرهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ونحوه: ظرابي)، الجوهري: هي دويبةٌ كالهرة منتنة الريح، يقال: ظربى على فعلي هو جمعٌ، مثل: حجلى جمع، حجل، وربما مد وجمع على ظرابي، مثل: حرباء وحرابي، كأنه جمع ظرباء. وقال الزجاج: "أناسي": جمع إنسي، ككرسي وكراسي، أو جمع أناسين، كسراحين وسرحان. قوله: (إنزال الماء موصوفاً بالطهارة)، يعني: لا شك أن في إنزال الماء من السماء لأجل إحياء الأرض، وسقي الأنعام مناسبةً، وأي مناسبةٍ لطهورية الماء في هذا المعنى؟ وأجاب: أن أجل تلك العلل سقي الأناسي، وأنه هو المقصود الأولى، فيجب امتيازه عن سائرها بما يختص بهم، وأشرف الغرض في الإنعام عليهم تعرضهم لما يفوزون به على السعادة العظمى، والحياة الأبدية من العبادة، وهي لا تحل إلا بطهارة الظاهر والباطن، فعلى المكلف أن يتعرف شكر هذه النعمة بقلبه، ويظهر أثره على جوارحه، وإليه الإشارة بقوله: "أن يؤثروها في بواطنهم ثم في ظواهرهم". قوله: (وأرادهم عليها)، الأساس: وأراده على الأمر: حمله عليه.
следующие страницы →