Полный текст (9 345 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.
стр. 5846
من التفعيل في شيء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من التفعيل في شيء)، قال القاضي: "فعولٌ" غلب في معنيين، أحدهما: اسمٌ كالوضوء والوقود: لما يتوضأ ويوقد به. وثانيهما: للمبالغة، كالشكور والغفور. وقد جاء للمفعول كالضبوث، وللمصدر كالقبول، وللاسم كالذنوب.
وقال صاحب "المغرب": وما حكي عن ثعلبٍ إن كان زيادة بيانٍ لنهايته في الطهارة، فصواب حسنٌ، وإلا فليس فعولٌ من التفعيل في شيء، وقياس هذا على ما هو مشتق من الأفعال المتعدية، كقطوع ومنوع، غير سديد. ونقل صاحب "المطلع" عن "بسيط" الواحدي، أنه قال: أجاد أبو القاسم الزجاجي في تفسير الطهور، وكشف عن حقيقة المعنى فقال: الطهور: اسمٌ للماء الذي يتطهر به، ولا يجوز إلا أن يكون طاهراً في نفسه، مطهراً لغيره، لأن عدول العرب عن صيغة "فاعل" إلى "فعيل" أو "فعولٍ" لزيادة المعنى، لأن اختلاف الأبنية لاختلاف المعاني، فكما لا يجوز التسوية بين صابرٍ وصبور، وشاكرٍ، كذلك في: طاهرٍ وطهور، والشيء إذا كان طاهراً في نفسه لا يجوز أن يكون من جنسه ما هو أطهر منه حتى تصفه بطهورٍ لزيادة طهارته، ولا كذلك قادرٌ وقدير، وغافرٌ وغفور، لأن هذه نعوتٌ تحتمل الزيادة، والطهارة ليست كذلك، فإذا نقلنا الطاهر إلى طهورٍ لم يكن إلا لزيادة المعنى، وذلك المعنى ليس إلا التطهير.
فإن قيل: بناء الطهور من: طهر يطهر طهارةً، وهو لازمٌ، فكيف يجوز تعديته بتطهير غيره؟ قلنا: النظر في هذه اللفظة أدى إلى أن فيه معنى التطهير، لأنه لا يجوز إطلاقه على الماء
стр. 5847
والطهور على وجهين في العربية: صفة، واسم غير صفة، فالصفة قولك: ماء طهور، كقولك: طاهر، والاسم قولك لما يتطهر به: طهور، كالوضوء، والوقود، لما يتوضأ به وتوقد به النار. وقولهم: تطهرت طهورا حسنا، كقولك: وضوءا حسنا، ذكره سيبويه. ومنه قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور" أي: طهارة. فإن قلت: ما الذي يزيل عن الماء اسم الطهور؟ قلت: تيقن مخالطة النجاسة أو غلبتها على الظنّ، تغير أحد أوصافه الثلاثة أو لم يتغير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الذي ليس بمطهر، لأن العرب لا تسمى الشيء الذي لا يقع به التطهير طهوراً، فمن هذا الوجه يجب أن يعلم، لا من التعدي واللزوم.
فإن قيل: هذا يشكل بقوله في صفة شراب أهل الجنة: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، وبقول جريرٍ:
عذاب الثنايا ريقهن طهور
قلنا: لما وصف الله تعالى الماء في الدنيا بالطهارة، فجعله طهوراً، وهذا غاية ما يوصف به الماء، وصف ذلك الشراب أيضاً بهذا الوصف ليعتقد فيه من الطهارة ما اعتقدناه فيما وصفه من الماء، وإن كان ذلك أرفع وأشرف، وكذلك جريرٌ لما علم أن غاية وصف الماء أن يقال: طهورٌ، شبه الريق بالماء، وأحب أن يزيل عن الريق سمة النجاسة فلم يمكنه أن يصفه إلا بما يوصف به الماء، ألا ترى أنه قال: عذاب الثنايا، فوصفها بالعذوبة، وهي من صفة الماء، فكما أن العذب حقيقةٌ في الماء مجازٌ في غيره، كذلك الطهور حقيقةٌ في الماء مستعارٌ في الريق، وهذا واضحٌ جداً. انتهى كلام الزجاجي. الزجاجي: بالجيم الخفيفة.
стр. 5848
أو استعماله في البدن لأداء عبادة عند أبي حنيفة، وعند مالك بن أنس: ما لم يتغير أحد أوصافه فهو طهور. فإن قلت: فما تقول في قوله ﷺ حين سئل عن بئر بضاعة فقال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو استعماله في البدن)، عطفٌ على "تيقن مخالطة النجاسة"، وفيه إشعارٌ بأن الماء المستعمل مسلوبٌ عنه الطهورية فيبقى طاهراً.
قوله: (وعند مالك بن أنس)، قال صاحب "الجامع": هو صاحب المذهب أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر من بني حمير ابن سبأ الأكبر. وأنس بن مالك من الأنصار من بني النجار، صاحب رسول الله ﷺ .
قوله: (فما تقول في قوله ﷺ حين سئل عن بئر بضاعة؟ )، يعني: هذا الحديث يقوي مذهب مالكٍ ما لم يتغير أحد أوصافه فهو طهور، ومذهب الشافعي: الماء الكثير كذلك. وخلاصة الجواب: أن ما ذكره أبو حنيفة هو حكم الماء الراكد، وبئر بضاعة ماؤها جارٍ.
قلت: أما حديث بئر بضاعة فعن أبي داود والترمذي والنسائي، عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قيل: يا رسول الله، إنه يستقى لك من بئر بضاعة، ويلقى فيه لحوم الكلاب وخرق المحائض وعذر الناس؟ فقال ﷺ : "إن الماء طهورٌ لا ينجسه شيء".
стр. 5849
"الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه؟ قلت: قال الواقدي: كان بئر بضاعة طريقا للماء إلى البساتين.
[(لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً)].
وإنما قال: (مَيْتاً)؛ لأنّ "البلدة" في معنى "البلد" في قوله: (فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ) [فاطر: ٩]، وأنه غير جار على الفعل كفعول ومفعال ومفعيل. وقرئ: (نسقيه)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال أبو داود: سئل قيم بئر بضاعة عن عمقها؟ قال: إذا كثر كان إلى العانة، وإذا نقص كان دون العورة، قال أبو داود: قدرت بئر بضاعة، فإذا عرضها ستة أذرع.
وقلت: الظاهر من هذه الرواية أنها كانت راكدةً، والله أعلم. قال صاحب "النهاية": هي بئرٌ معروفةٌ بالمدينة، والمحفوظ ضم الباء، وأجاز بعضهم كسرها، وحكى بعضهم بالصاد المهملة، وعن بعضهم: بضاعة: اسم امرأةٍ نسبت إليها البئر.
قوله: (لأن " البلدة" في معنى "البلد")، أي: لم يقل: "ميتة"، لأن معنى "البلد" و"البلدة" واحدٌ.
الراغب: البلد: المكان المحيط المحدود. وسمي المفازة بلداً لكونها موطناً للوحوش، والمقبرة بلداً لكونها موطناً للأموات.
قوله: (وأنه غير جارٍ على الفعل)، أي: "الميت" ليس على وزان الفعل، فيكون ملحقاً بالأسماء، كالذبيحة والنطيحة. قيل: إن نحو "فاعل" جارٍ على "يفعل" من حيث الحركات والسكنات، ونحو "مفعولٍ" جارٍ على "يفعل" لأن أصله "مفعلٌ"، وأما نحو "فعولٍ" و"مفتعالٍ" و"مفعيلٍ" و"فعيلٍ" بمعنى "مفعولٍ" فليس جارياً على الفعل، فيستوي فيه المذكر والمؤنث.
стр. 5850
بالفتح. وسقى، وأسقى: لغتان. وقيل: أسقاه: جعل له سقيا. الأناسي: جمع إنسي، أو إنسان. ونحوه ظرابي في ظربان، على قلب النون ياء، والأصل: أناسين وظرابين. وقرئ بالتخفيف بحذف ياء أفاعيل، كقولك: أناعم، في: أناعيم. فإن قلت: إنزال الماء موصوفا بالطهارة وتعليله بالإحياء والسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة ذلك، كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد عليه الوحش. قلت: لما كان سقى الأناسى من جملة ما أنزل له الماء، وصفه بالطهور إكراما لهم، وتتميما للمنة عليهم، وبيانا أن من حقهم حين أراد الله لهم الطهارة وأرادهم عليها أن يؤثروها في بواطنهم ثم في ظواهرهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ونحوه: ظرابي)، الجوهري: هي دويبةٌ كالهرة منتنة الريح، يقال: ظربى على فعلي هو جمعٌ، مثل: حجلى جمع، حجل، وربما مد وجمع على ظرابي، مثل: حرباء وحرابي، كأنه جمع ظرباء.
وقال الزجاج: "أناسي": جمع إنسي، ككرسي وكراسي، أو جمع أناسين، كسراحين وسرحان.
قوله: (إنزال الماء موصوفاً بالطهارة)، يعني: لا شك أن في إنزال الماء من السماء لأجل إحياء الأرض، وسقي الأنعام مناسبةً، وأي مناسبةٍ لطهورية الماء في هذا المعنى؟ وأجاب: أن أجل تلك العلل سقي الأناسي، وأنه هو المقصود الأولى، فيجب امتيازه عن سائرها بما يختص بهم، وأشرف الغرض في الإنعام عليهم تعرضهم لما يفوزون به على السعادة العظمى، والحياة الأبدية من العبادة، وهي لا تحل إلا بطهارة الظاهر والباطن، فعلى المكلف أن يتعرف شكر هذه النعمة بقلبه، ويظهر أثره على جوارحه، وإليه الإشارة بقوله: "أن يؤثروها في بواطنهم ثم في ظواهرهم".
قوله: (وأرادهم عليها)، الأساس: وأراده على الأمر: حمله عليه.
стр. 5851
وأن يربؤوا بأنفسهم عن مخالطة القاذورات كلها كما ربأ بهم ربهم. فإن قلت: لم خص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان الشارب؟ قلت: لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، ولأنها قنية الأناسي، وعامة منافعهم متعلقة بها، فكان الإنعام عليهم بسقى أنعامهم كالإنعام بسقيهم. فإن قلت: فما معنى تنكير الأنعام والأناسي ووصفها بالكثرة؟ قلت: معنى ذلك أن عليه الناس وجلهم منيخون بالقرب من الأودية والأنهار ومنابع الماء، ففيهم غنية عن سقي السماء، وأعقابهم - وهم كثير منهم - لا يعيشهم إلا ما ينزل الله من رحمته وسقيا سمائه، وكذلك قوله: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً) يريد بعض بلاد هؤلاء المبتعدين عن مظان الماء. فإن قلت: لم قدم إحياء الأرض وسقى الأنعام على سقى الأناسي؟ قلت: لأنّ حياة الأناسىّ بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم وتعيشهم على سقيهم، ولأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا أرضهم ومواشيهم، لم يعدموا سقياهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأن يربؤوا بأنفسهم)، الجوهري: المربأة: المرقبة، وقولهم: إني لأربأ بك عن هذا الأمر، أي: أرفعك عنه.
قوله: (أن علية الناس)، الأساس: العلية: جمع علي، أي: شريفٌ رفيعٌ، مثل: صبيٍّ وصبيةٍ، وفي استعمالهم: علية الناس: أكثرهم، يقولون: علية متاعك رديٌ وفي قول المصنف: "علية الناس وجلهم" ثم في "وأعقابهم، وهم كثيرٌ منهم": لطيفةٌ، وأن المراد من ﴿وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا﴾: كثيراً في أنفسهم، وإن كانوا بقايا أكثر الناس.
قوله: (ولأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا أرضهم)، جوابٌ آخر، والجواب الأول مبنيٌ على تقدم الأسباب على المسببات، والثاني على تقديم ما يشتد فيه الاحتياج إلى الماء ويكثر به الانتفاع، فإن انتفاع الإنسان بحياة الأرض أكثر، واهتمامه بسقياها أشد من سقيا الأنعام، ثم اهتمامه بسقيا الأنعام أقدم من سقيا نفسه، لأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا أرضهم.
стр. 5852
[(وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً)].
يريد: ولقد صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي أنزلت على الرسل، وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر؛ ليفكروا ويعتبروا، ويعرفوا حق النعمة فيه ويشكروا، (فَأَبى) أكثرهم إلا كفران النعمة وجحودها وقلة الاكتراث لها. وقيل: صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة، وعلى الصفات المتفاوتة من: وابل وطل، وجود ورذاذ، وديمة ورهام فأبوا إلا الكفور وأن يقولوا: مطرنا بنوء كذا، ولا يذكروا صنع الله ورحمته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومواشيهم لم يعدموا سقياهم. وهذا الجواب أحسن، ولمعنى الإيغال والتتميم أجمع، إذ ليس اهتمام من يقرب الأودية والأنهار ومنابع الماء، كاهتمام من هو بعيدٌ منها، فعلى هذا المراد بالأناسي: أصاب البوادي والمتبعدون من مظان الماء
قال صاحب " الفرائد": على هذا لم يلزم أن يكون المراد من الطهور المطر، لأن إحياء الأرض وسقي الأنعام، لا يقتضيان كون الماء مطهراً.
قلت: قد مر أن دلالة الطهور على تلك اللطيفة بحسب الرمز والتلويح، على أن سلوك طريق الإدماج، وإشارة النص دأب البلغاء، وطريقة الفقهاء.
قوله: (وقلة الاكتراث)، الأساس: كرثه الأمر: أي: حركه، وأراك لا تكترث لذلك، ولا تعبأ به.
قوله: (من وابلٍ، وطل)، الوابل: المطر الشديد، والطل: أضعف المطر، والجود: المطر البالغ، والرذاذ: المطر الضعيف، والرهمة: المطر الضعيف الدائم، والديمة: المطر الذي يدوم أياماً ثلاثةً أو أكثر.
قوله: (مطرنا بنوء كذا)، الأنواء ثمان وعشرون منزلةً من منازل القمر، كل منزلةٍ نوءٌ.
قوله: "مطرنا بنوء كذا"، أي: في وقت سقوط هذه المنزلة، وقد مضى شرحها، وسيجيء في سورة يس مستقصًى.
стр. 5853
وعن ابن عباس: ما من عام أقل مطرا من عام، ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما شاء، وتلا هذه الآية. وروي أن الملائكة يعرفون عدد المطر ومقداره في كل عام، لأنه لا يختلف ولكن تختلف فيه البلاد. وينتزع من هاهنا جواب في تنكير البلدة والأنعام والأناسي، كأنه قال: لنحيي به بعض البلاد الميتة، ونسقيه بعض الأنعام والأناسي، وذلك البعض كثير. فإن قلت: هل يكفر من ينسب الأمطار إلى الأنواء؟ قلت: إن كان لا يراها إلا من الأنواء ويجحد أن تكون هي والأنواء من خلق الله: فهو كافر، وإن كان يرى أن الله خالقها وقد نصب الأنواء دلائل وأمارات عليها: لم يكفر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعن ابن عباسٍ: ما من عام أقل مطراً)، إلى قوله: "وتلا هذه الآية" دلالة الآية عليه أن معنى التصريف: التحويل الكثير، يعني: صرفنا ما قسمنا من المطر بينهم في البلدان المختلفة بحسب اختلاف احتياجهم، أو لمجرد المشيئة.
قوله: (وينتزع من هاهنا)، أي: من هذا التأويل جوابٌ عن السؤال الماضي، أي: قوله: "فما معنى تنكير الأنعام والأناسي"؟ وذلك أن إنزال المطر إذا كان بقدر احتياج الناس إليه واستغنائهم عنه، فلابد من التصريف، فإن من أناخ بقرب الأودية والأنهار ومنابع الماء لم يبلغ احتياجه إلى سقي الماء احتياج من هو بعيدٌ من ذلك.
وأما بيان النظم فإنه تعالى لما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ وعلله بحياة البلدة الميتة، وسقي بعض الأنعام وبعض الأناسي، عرف أن ذلك كان بقدر الاحتياج ولابد من قادرٍ مختارٍ بجزئيات أحوال المخلوقين، حتى يحول إلى كل من ذلك ما يحتاج إليه، فقيل: ولقد صرفنا، وجيء بالجملة القسمية، لإبطال زعم من يزعم أن ذلك بسبب الأنواء.
قوله: (وقد نصب الأنواء دلائل وأماراتٍ عليها: لم يكفر)، النهاية: وإنما غلظ النبي ﷺ في أمر الأنواء، لأن العرب كانت تنسب المطر إليها، فأما من جعل المطر من فعل الله تعالى،
стр. 5854
[(وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً* فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً)].
يقول لرسوله ﷺ : (وَلَوْ شِئْنا) لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى. و (لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ) نبيا ينذرها. وإنما قصرنا الأمر عليك وعظمناك به، وأجللناك، وفضلناك على سائر الرسل، فقابل ذلك بالتشدد والتصبر فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ فيما يريدونك عليه، وإنما أراد بهذا تهييجه وتهييج المؤمنين وتحريكهم. والضمير للقرآن أو لترك الطاعة الذي يدل عليه: (فَلا تُطِعِ)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأراد بقوله: "مطرنا بنوء كذا" أي: في وقت كذا، وهو هذا النوء الفلاني، فإن ذلك جائزٌ، أي: أن الله تعالى قد أجرى العادة أن يأتي بالمطر في هذه الأوقات.
وأحسن منهما قول الإمام: "من جعل الأفلاك والكواكب مستقلةً باقتضاء هذه الأشياء فلا شك في كفره، وأما من قال: إنه تعالى جبلها على خواص وصفاتٍ تقتضي هذه الحوادث فلعل لا يبلغ خطأه إلى حد الكفر".
قوله: (أو لترك الطاعة)، يعني: أن الضمير المجرور في ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ للقرآن، والمعنى ما سبق، وإنا أخر "ولا تطع" عن معنى قوله: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ وفي التنزيل مقدم، لأن قوله: ﴿فَلَا تُطِعِ﴾ مرتبٌ بالفاء على ما سبق، ولما لم يصح أن يكون مرتباً عليه ظاهراً انتزع من مفهوم السابق واللاحق، وهو: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ ﴿وَجَاهِدْهُمْ﴾ معنيين، وجعلهما مرتبين وعطف "ولا تطع" بالواو عليهما، أو لترك الطاعة الدال عليه "ولا تطع"، يعني: أنهم يجدون ويجتهدون في أن تميل إليهم وتتبع أهواءهم الباطلة لتوهين أمرك فلا تتبع أهواءهم، وجاهدهم بترك طاعتهم جهاداً كبيراً.
وفي قوله: "ولا تطع الكافرين فيما يريدونك عليه" إشارةٌ إلى أن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ متصلٌ بقوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾، لأنه إنكارٌ على حرصه على إسلامهم وتهالكه فيه، حيث كان يبذل فيه
стр. 5855
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وسعه ومجهوده، وبلغ ذلك إلى أن خوطب بقوله: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]، وبقوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، ولذلك قال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ أي: أتحسب أنك إن أطعتهم فيما يريدونك عليه يسمعون قولك، أو يعقلون الآيات، ويشكرون نعم الله عليهم، فإنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً. ألا ترى كيف غفلوا عن أظهر الأشياء دلالةً وهو مد الظل وقبضه، وغمطوا النعم كفراناً، وهو جعل الليل لباساً لهم، والنهار نشوراً، وإرسال الرياح وإنزال الماء لإحياء أراضيهم واستقاء مواشيهم، وإذا كان كذلك كيف تطيعهم فيما يريدونك، كأنك لم تستقل بأعباء النذارة، ولو شئنا لخففنا عنك وإنما قصرنا الأمر عليك تفضيلاً لك على سائر الرسل، فقابل ذلك بالصبر والجهاد الكبير، ولا تطعهم فيما يريدونك عليه، وجاهدهم بالقرآن جهاداً كبيراً.
ولابد من هذا التأويل، لا ما قيل: إنها تدل على التأديب وعلى أنه قادرٌ على أن يبعث في كل قريةٍ مثل محمدٍ صلوات الله عليه، لأن الفاء للسببية، والأمر بالجهاد المؤكد بقوله: ﴿جِهَادًا﴾، ووصفه بالكبير بعد النهي عن طاعة الكفرة موجبٌ لذلك، فإن عظم السبب يدل على عظم المسبب وعكسه، وإليه ينظر قوله صلوات الله عليه: "أعطيت خمساً لم يطعن أحدٌ قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصةً، وبعثت إلى كل أحمر وأسود". الحديث، أخرجه البخاري ومسلمٌ عن جابر.
ويعضده ما ذكرنا أن قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ واردٌ على نهج براعة الاستهلال، وهو مشتملٌ على هذا المعنى: فإن إنزال القرآن وتخصيصه بما يدل على كونه فارقاً بين الحق والباطل، وكون منزله معظماً في ذاته مباركاً في صفاته موجبٌ لأن لا يختص إنذار رسوله بقوم دون قوم، بل يكون للعالمين من الثقلين نذيراً، فإذن المعنى الذي سيقت هذه السورة الكريمة له: الحديث في الرسول وإنذاره، وبقية المعاني دائرةٌ عليه، ومن ثم ذكر إلى ذكر الآيات الدالة على الوحدانية من دلائل الآفاق
стр. 5856
والمراد: أن الكفار يجدون ويجتهدون في توهين أمرك، فقابلهم من جدك واجتهادك وعضك على نواجذك بما تغلبهم به وتعلوهم، وجعله جهادا كبيرا لما يحتمل فيه من المشاق العظام. ويجوز أن يرجع الضمير في (بِهِ) إلى ما دل عليه: (وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً) من كونه نذير كافة القرى؛ لأنه لو بعث في كل قرية نذيرا لو جبت على كل نذير مجاهدة قريته، فاجتمعت على رسول الله ﷺ تلك المجاهدات كلها، فكبر جهاده من أجل ذلك وعظم، فقال له: (وَجاهِدْهُمْ) بسبب كونك نذير كافة القرى (جِهاداً كَبِيراً): جامعا لكل مجاهدة.
[(وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً)].
سمى الماءين الكثيرين الواسعين: بحرين. والفرات: البليغ العذوبة حتى يضرب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والأنفس قائلاً: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾، ثم أعاد قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وههنا نكتةٌ شريفة، وهي أنه تعالى لما خص ذكر النذير في الفاتحة أمسك عن ذكر المؤمنين، وحين قرنه بالبشير في هذه الآية أتى بذكر الفريقين، أعني: ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾، لتكون الخاتمة مشتملةً على ذكر الأولياء فلا تخلو السورة من ذكرهم، والله أعلم.
قوله: (وعضك على نواجذك)، الأساس: ومن المجاز: عض على ناجذه: إذا بلغ أشده واستحكم، وعض في العلم وغيره بناجذه: إذا أتقنه. وعن بعضهم: عض ناجذه على كذا: جد فيه مستنفداً وسعه. النواجذ: أضراس الحلم، لأنه ينبت بعد البلوغ.
قوله: (فقال له: ﴿وَجَاهِدْهُمْ﴾ بسبب كونك نذير كافة القرى)، فيه دلالةٌ على عظم منزلته، وجلالة قدره، قال:
فإن الهموم بقدر الهمم
قوله: (والفرات: البليغ العذوبة)، سمي بالفرات، لأنه يفرت العطش، أي: يكسر
стр. 5857
إلى الحلاوة. والأجاج: نقيضه، ومرجهما: خلاهما متجاورين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
به على القلب، كما سمي نفاخاً لأنه ينفخ العطش، والأجاج: كأنه من أجيج النار، وهو اضطرابه، أي: مقولاً فيهما عذبٌ فراتٌ، وهذا ملحٌ أجاجٌ، وفي هذه الآية حذفٌ كما ذكرنا آنفاً في قول أبي الدرداء: وجدت الناس أخبر تقله، أي: مقولٌ فيهم هذا القول.
قوله: (ومرجهما: خلاهما متجاورين)، قال الزجاج: يقال: مرجت الدابة وأمرجتها: إذا خليتها ترعى، والمرج من هذا سمي، ويقال: مرجت عهودهم وأماناتهم: إذا اختلطت وفسدت.
وقال ابن عباس: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾، أي: أرسلهما في مجاريهما كما ترسل الخيل في المرج، وفي معناه: قول البحتري يصف بركة.
تنصب فيها وفود الماء معجلةً … كالخيل خارجةً من حبل مجريها
الراغب: أصل المرج: الخلط، والمرج: الاختلاط، يقال: مرج أمرهم، أي: اختلط، ومرج الخاتم في أصبعي فهو مارجٌ، وأمرٌ مريجٌ، أي: مختلطٌ، قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩]، من قولهم: مرج. ويقال للأرض التي كثر فيها النبات وتمرج فيها الدواب: مرجٌ، وقوله: ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] أي: لهيبٍ مختلط، وأمرجت الدابة في المرعى: أرسلتها فيه.
стр. 5858
متلاصقين، وهو بقدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج. وهذا من عظيم اقتداره. وفي كلام بعضهم: وبحران: أحدهما مع الآخر ممروج، وماء العذب منهما بالأجاج ممزوج. (بَرْزَخاً) حائلا من قدرته، كقوله عز وعلا: (بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها) [الرعد: ٢]، يريد بغير عمد مرئية، وهو قدرته. وقرئ: (مَلِحٌ) على فعل. وقيل: كأنه حذف من مالح تخفيفا، كما قال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "ملحٌ"، قال ابن جني: وهي قراءة طلحة بن مصرف، وأنكره أبو حاتم. ويجوز أن يراد به: مالح، فحذف الألف تخفيفاً كما ذكرنا قبل من قوله:
أصبح قلبي صردا
لا يشتهي أن يردا
إلا عراداً عردا
وصلياناً بردا
وعنكثاً ملتبدا
يريد: عارداً بارداً.
وقد أجاز ابن الأعرابي: "مالح"، وأنشدوا:
بصريةٌ تزوجت بصريا … يطعمها المالح والطريا
وفي ما قرئ على أحمد بن يحيي، فاعترف بصحته: سمكٌ مالح وماءٌ مالح، وإنما يقال: مملوحٌ ومليح، هذا أفصح، والأول يقال.
"صرداً"، صرد الرجل- بالكسر- يصرد صرداً ومصراداً: يجد البرد سريعاً. والعراد:
стр. 5859
وصليانا بردا
يريد: باردا: فإن قلت: (وَحِجْراً مَحْجُوراً) ما معناه؟ قلت: هي الكلمة التي يقولها المتعوذ، وقد فسرناها، وهي هاهنا واقعة على سبيل المجاز، كأن كل واحد من البحرين يتعوّذ من صاحبه ويقول له: حجرا محجورا، كما قال: (لا يَبْغِيانِ) [الرحمن: ٢٠] أي: لا يبغي أحدهما على صاحبه بالممازجة، فانتفاء البغي ثمة كالتعوذ هاهنا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نبتٌ. والصليان: بقلةٌ، وهي فعليان، الواحدة صليانةٌ. والعنكث أيضاً: نبتٌ. والتبدت الشجرة: كثر أوراقها.
وقال الشارخ: زعمت الأعراب في ضرب أمثالها على لسان البهائم. أن الضفدع كان ذا ذنب، وأن الضب سلب ذنبه، وذلك أنهما خاطرا في الظمأ أيهما أصبر، وكان الضب ممسوح الذنب، فخرجا في الكلأ فصبر الضب يوماً، فناداه الضفدع: يا ضب ورداً ورداً، فقال الضب: أصبح قلبي صرداً، إلى أخره، فناداه في اليوم الثاني فأجابه كما أجابه في اليوم الأول، فلما كان الثالث ناداه فلم يجبه، وبادر الضفدع إلى الماء، فتبعه الضب وأخذ ذنبه.
قوله: (وقد فسرناها)، أي: قلنا في أول السورة، إن معناه سؤال الرجل من الله تعالى أن يمنع منه ما يخاف منه فيتعوذ منه قائلاً: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾، كقول السامري: ﴿لَا مِسَاسَ﴾ [طه: ٩٧]، ومعلومٌ أن هذا الجعل يعني قوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ لا يكون حقيقةً، فقوله: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا﴾ كقوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ٢٠]، كما أن ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ هناك بمعنى: لا يبغي أحدهما على صاحبه مجازاً، لأن إثبات البغي ونفيه لا يتصور إلا فيما يصح وصفه بالبغي، كذلك قول: حجراً محجوراً، لا يكون إلا فيما يصح منه القول.
стр. 5860
جُعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه، فهو يتعوّذ منه. وهي من أحسن الاستعارات وأشهدها على البلاغة.
[(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً)].
أراد: فقسم البشر قسمين ذوي نسب، أي: ذكورا ينسب إليهم، فيقال: فلان بن فلان، وفلانة بنت فلان، وذوات صهر: أى إناثا يصاهر بهنّ، ونحوه قوله تعالى: (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) [القيامة: ٣٩]. (وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً) حيث خلق من النطفة الواحدة بشرا نوعين: ذكرا وأنثى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (جعل كل واحدٍ)، شروعٌ في بيان المجاز، ولما كان هذا المجاز استعارةً، والاستعارة مسبوقة بالتشبيه، قال: "في صورة الباغي"، شبه البحرين بطائفتين متقابلتين تريد كل واحدةٍ منهما بغي صاحبتها ومضادتها، ثم إنهما امتنعا من ذلك لمانع قوي ودافع مجبر، فكما يقال ثمة لامتناع الاختلاط: إنهما لا يبغيان، كذلك قيل هاهنا: لا يبغيان، فهو استعارةٌ مصرحةٌ تمثيلية، ثم بولغ فيها هاهنا، حيث جعل هذا المعنى المستعار كالملفوظ والمقول، كما قال: "كأن كل واحدٍ من البحرين يعوذ من صاحبه"، فانقلبت المصرحة مكنيةً. ولا ارتياب أن الاستعارة كلما كانت أبعد من التشبيه وأوغل في التخيل، كانت أحسن، والمكنية ابعد من المصرحة، فكما أن التشبيه مقدمةٌ للمصرحة، كذلك المصرحة مقدمةٌ للمكنية، فإنك تقول أولاً: المنية سبعٌ، ثم تدخل المشبه في جنس المشبه به في المصرحة، وإذا أردت المبالغة جعلت المشبه عين المشبه به في التخييل، ثم يتخيل له لازمه قائلاً: أنياب المنية نشبت بفلان، كذلك هاهنا، جعل كل واحدٍ من البحرين بعد تشبيههما بطائفتين متقابلتين وإدخال المشبه في جنس المشبه به إدخالاً بليغاً في صورة الباغي على صاحبه، فهو يتعوذ منه، ولهذا قال: "وهي من أحسن الاستعارات".
قوله: (خلق من النطفة الواحدة بشراً نوعين)، "نوعين" بدلٌ من "بشراً"، لأنه جنسٌ،
стр. 5861
[(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً)].
الظهير والمظاهر، كالعوين والمعاون. وفعيل بمعنى مفاعل غير عزيز. والمعنى: أنّ الكافر يظاهر الشيطان على ربه بالعداوة والشرك. روي: أنها نزلت في أبي جهل. ويجوز أن يريد بالظهير: الجماعة، كقوله: (وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) [التحريم: ٤]، كما جاء: الصديق والخليط. ويريد بالكافر: الجنس، وأنّ بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله. وقيل: معناه: وكان الذي يفعل هذا الفعل - وهو عبادة ما لا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولذلك أفرد الضمير في "جعله". قال القاضي: ﴿بَشَرًا﴾: ذا أعضاءٍ مختلفة، وطباع متباينة، وجعله قسمين متقابلين.
وقلت: الماء في قوله: ﴿خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ مطلقٌ دل على شائع في جنس الماء، فتقييده بقوله: ﴿بَشَرًا﴾ دل على أن المراد منه النطفة الواحدة، ثم تقسيمه بقوله: ﴿نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ دل على نوعين: ذكرٍ وأنثى، وإنما عدل عن الذكر والأنثى، ليؤذن بالانشعاب نصاً فالنطفة الواحدة نطفة آدم ﵇، فإذن الآية على وزان قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]
قوله: (ويجوز أن يريد بالظهير: الجماعة)، قال في سورة يوسف: "يجوز أن يقال: هم نجيٌّ، كما قيل: هم صديقٌ، لأنه بزنة المصادر"، ومنه قولهم، وجيفٌ ووجيب.
قوله: (وقيل: معناه: وكان الذي يفعل هذا الفعل)، عطفٌ على قوله: "إن الكافر يظاهر الشيطان"، والجملة على التقديرين تذييلٌ لما يتضمن الكلام السابق من المعنى، فعلى الأول: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إخبارٌ عن استعظام ما ارتكبوه من عبادة غير الله، ثم أكد ذلك بأن عادة الكافر أن يظاهر الشيطان، وعلى الثاني، الكلام نعى عليهم سواء أفعالهم، وأنهم
стр. 5862
ينفع ولا يضر - على ربه هينا مهينا، من قولهم: ظهرت به، إذا خلفته خلف ظهرك لا تلتفت إليه، وهذا نحو قوله: (أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) [آل عمران: ٧٧].
[(وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً* قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً)].
مثال (إِلَّا مَنْ شاءَ)، - والمراد: إلا فعل من شاء- واستثنائه عن الأجر: قول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ممن لا يلتفت إليهم، وإلى صنيعهم، لأنهم يعبدون من دون الله ما لا ينفع ولا يضر، وفيه شائبةٌ من معنى الإنكار، ثم أكد ذلك بأن الكافر على ربه "هيناً مهيناً".
قوله: (وهذا نحو قوله: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ إلى قوله: (﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، يعني: نحو في إرادة المجاز عن عدم الالتفات دون الكناية. وهو على مذهبه، لأن نفي الرؤية عمن يجوز عليه الرؤية كنايةٌ عن عدم المبالاة عمن لا يجوز عليه مجاز. كذلك قوله: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ إذا كان من قولهم: ظهرت به، إذا خلفته ظهرك هنا: مجازٌ عن عدم الالتفات لا كنايةٌ كما مر.
قوله: (- والمراد: إلا فعل من شاء- واستثنائه من الأجر)، "استثنائه": مجرورٌ، عطفٌ تفسيريٌ على قوله: "إلا من شاء" والاستثناء من باب قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]. قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: التقدير: إلا مال من شاء أن يتخذ: لأن الأجر هنا: المال، والمعنى: ما أسألكم على تبليغ الوحي مالاً، إلا مال من يتخذ بإنفاقه إلى ربه سبيلاً، أي: يتقرب إليه، ويطلب الدرجة عنده، وذلك المال المسؤول له، لا لي.
وقلت: هذا المعنى لا يستقيم في قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، فوجب حمله على ذلك المعنى، وما ذكره أشار إليه المصنف بقوله: "وقيل: المراد التقرب بالصدقة".
стр. 5863
ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال: ما أطلب منك ثوابا على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه. فليس حفظك المال لنفسك من جنس الثواب، ولكن صوّره هو بصورة الثواب وسماه باسمه، فأفاد فائدتين، إحداهما: قلع شبهة الطمع في الثواب من أصله، كأنه يقول لك: إن كان حفظك لمالك ثوابا فإني أطلب الثواب. والثانية: إظهار الشفقة البالغة وأنك إن حفظت مالك: اعتدّ بحفظك ثوابا ورضى به كما يرضى المثاب بالثواب. ولعمري إنّ رسول الله ﷺ كان مع المبعوث إليهم بهذا الصدد وفوقه. ومعنى اتخاذهم إلى الله سبيلا: تقربهم إليه وطلبهم عنده الزلفى بالإيمان والطاعة. وقيل: المراد التقرّب بالصدقة والنفقة في سبيل الله.
[(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً)].
أمره بأن يثق به ويسند أمره إليه في استكفاء شرورهم، مع التمسك بقاعدة التوكل وأساس الالتجاء؛ وهو طاعته وعبادته وتنزيهه وتحميده، وعرّفه أن الحي الذي لا يموت، حقيق بأن يتوكل عليه وحده ولا يتكل على غيره من الأحياء الذين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (اعتد بحفظك ثواباً)، من الاعتداد، وظن "اعتد" مخففاً، قيل: هو من العتيد: الحاضر المهيأ، وقد عتده تعتيداً وأعتده إعتاداً، وفاعل "اعتد" ضمير المال، أي: إن حفظت مالك هي لك بسبب حفظك ثواباً، ومنفعته يوماً احتاج إليه، ويروى: "اعتد" و"رضي" معروفاً. والضمير للقائل المشفق.
قوله: (وعرفه أن الحي الذي لا يموت حقيقٌ بأن يتوكل عليه وحده)، لأن أصل الكلام: توكل علي، ثم: توكل على الله، فخص الحي الذي لا يموت بالذكر، ليكون تعريضاً بأن غيره لا يصح أن يتوكل عليه، أما الأصنام فإنها أمواتٌ لا يكفى أمر من يتوكل عليها.
стр. 5864
يموتون. وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق. ثم أراه أن ليس إليه من أمر عباده شيء، آمنوا أم كفروا، وأنه خبير بأحوالهم كاف في جزاء أعمالهم.
[(الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً)].
(فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ): يعني: في مدة مقدارها هذه المدّة، لأنه لم يكن حينئذ نهار ولا ليل. وقيل: ستة أيام من أيام الآخرة، وكل يوم ألف سنة. والظاهر أنها من أيام الدنيا. وعن مجاهد: أوّلها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة. ووجهه أن يسمى الله تعالى لملائكته
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما الأحياء الذين يموتون، فإنهم إذا ماتوا ضاع المتوكل، ولهذا قال: "لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق"، أو نقول: إن التركيب من باب ترتيب الحكم على الوصف المناسب، وهو أن المتوكل إذا علم أن المتوكل عليه دائمٌ باقٍ يعتمد عليه بشرا شره، ولا يتوزع خاطره إلى الغير بخلافه إذا لم يكن كذلك، فإذاً لا يصح التوكل إلا على الحي الذي لا يموت، وهو الله تعالى، فصح الحصر.
قوله: (ثم أره أن ليس إليه من أمر عباده شيءٌ)، يعني أمر رسوله ﷺ أولاً أن يفوض أموره إلى الحي الذي لا يموت، ويستكفي به من شرور الأعداء، ثم أعلمه ثانياً بأنه كافٍ في دفع أعدائه يكافيهم فيما يحاولونه من العداوة، يعني: أن الله تعالى كافي أمورك، وأمور أعدائك.
قوله: (ووجهه)، أي: وجه قول مجاهد، وذلك أن الأيام عبارةٌ عن حركات الشمس في السموات، وقبل السموات لا أيام، فلا يسمى بالأحد ولا بالجمعة، لكن الله تعالى قدر المدة قبل السموات، ثم خلق السموات والشمس وأدارها عليها، ورتب أمر العالم على ما هو عليه في مقدار مدةٍ هي مدة ستة أيام من أيام الدنيا، وسمى لملائكته الحاضرين تلك الأيام المقدرة بالأحد والاثنين والجمعة.
стр. 5865
تلك الأيام المقدرة بهذه الأسماء، فلما خلق الشمس وأدارها وترتب أمر العالم على ما هو عليه، جرت التسمية على هذه الأيام. وأما الداعي إلى هذا العدد - أعني الستة دون سائر الأعداد - فلا نشك أنه داعى حكمة، لعلمنا أنه لا يقدّر تقديرا إلا بداعي حكمة، وإن كنا لا نطلع عليه ولا نهتدي إلى معرفته.
ومن ذلك تقدير الملائكة الذين هم أصحاب النار تسعة عشر، وحملة العرش ثمانية، والشهور اثني عشر، والسماوات سبعا والأرض كذلك، والصلوات خمسا، وأعداد النصب والحدود والكفارات،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وحملة العرش ثمانية)، وعن بعضهم: حملة العرش أربعةٌ. وروي أنه صلوات الله عليه وسلامه لما سمع بيت أمية بن أبي الصلت يصف العرش:
رجلٌ وثورٌ عند رجل يمينه … والنسر أخرى ثم ليثٌ مرصد
قال: "صدق". هم اليوم أربعةٌ، ويضم إليهم أربعةٌ أخرى يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] يسترزق كلٌ لما يشبهه، والله أعلم بحقيقته. والذي ورد في المعتمد عن الترمذي وأبي داود وابن ماجه، عن العباس، عن رسول الله ﷺ في حديث طويل: "أن حملة العرش ثمانية أو عالٍ". وأشار إليه المصنف في سورة الحاقة.
قوله: (وأعداد النصب)، وهو جمع نصاب، أي: القدر الذي تجب فيه الزكاة.
стр. 5866
وغير ذلك. والإقرار بدواعي الحكمة في جميع أفعاله، وبأن ما قدّره حق وصواب هو الإيمان.
وقد نص عليه في قوله: (وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا) [المدثر: ٣١]، ثم قال: (وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) [المدثر: ٣١]، وهو الجواب أيضا في أن لم يخلقها في لحظة، وهو قادر على ذلك. وعن سعيد بن جبير: إنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة، تعليما لخلقه الرفق والتثبت. وقيل: اجتمع خلقها يوم الجمعة فجعله الله عيدا للمسلمين. (الَّذِي خَلَقَ) مبتدأ. و (الرَّحْمنُ) خبره؛ أو صفة لـ (الْحَىِّ) [الفرقان: ٥٨]، و (الرَّحْمنُ): خبر مبتدإ محذوف. أو بدل عن المستتر في (اسْتَوَى). وقرئ: (الرحمنِ) بالجرّ صفة لـ (الْحَىِّ). وقرئ (فَسْئَلْ)، والباء في (بِهِ) صلة "سَلْ"، كقوله تعالى: (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ) [المعارج: ١] كما تكون "عن" صلته في نحو قوله: (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر: ٨]. (فَسْئَلَ بِهِ)؛ كقولك: اهتمّ به، واعتنى به، واشتغل به. وسأل عنه كقولك: بحث عنه، وفتش عنه، ونقر عنه. أو صلة (خَبِيرًا)، وتجعل (خَبِيرًا) مفعول "سَلْ"،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (اجتمع خلقها يوم الجمعة)، أي: تكامل خلقها. الأساس: رجلٌ مجتمعٌ: استوت لحيته وبلغت غاية شبابه.
قوله: (وقرئ: ﴿فَاسْأَلْ﴾، كلهم إلا ابن كثيرٍ والكسائي.
قوله: (كما تكون "عن" صلته)، قيل: الكاف في محل النصب على مصدر ما دل عليه قوله: "والباء في ﴿بِهِ﴾ صلة (سل) "، كأنه قيل: يجوز كون الباء صلة "سل" جوازاً مثل جواز كون "عن" صلته، و"ما" في "كما تكون" مصدريةٌ، والكاف بمعنى مثل، والمضاف محذوف، وإنما لم يقدر كوناً مثل كون "عن" صلته، لأن كان الناقصة لا تنصب المصدر.
стр. 5867
تريد: فسل عنه رجلا عارفا يخبرك برحمته. أو فسل رجلا خبيرا به وبرحمته. أو: فسل بسؤاله خبيرا، كقولك: رأيت به أسدا، أي برؤيته. والمعنى: إن سألته وجدته خبيرا. أو تجعله حالا عن الهاء، تريد: فسل عنه عالما بكل شيء. وقيل: الرحمن اسم من أسماء الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو: فسل بسؤاله خبيراً)، عطفٌ على قوله: "فسل عنه"، وفي الكلام لفٌ ونشرٌ من غير ترتيب: فالمثالان الأولان نشرٌ لقوله: "أو صلة ﴿خَبِيرًا﴾ "، وبقية الأمثلة نشرٌ لقوله: "صلة (سل) "، ولا يستقيم على هذا أن يتعلق بـ ﴿خَبِيرًا﴾، لأنه على منوال رأيت به أسداً، وهو من باب التجريد، إذ التقدير: فسل بسؤال الله خبيراً، وهو الخبير نفسه .
قال السجاوندي: "فسل به خبيراً" نحو قولك في الشجاع إذا لقيته: لقيت به ليثاً هضوماً، وفي الجواد: إذا سألته: سألت به الغيث، فلا حاجة إلى تقدير بسؤالك إياه لفظاً وإن فهم ذلك معنى، ولا إلى جعل الباء قائماً مقام "عن" وإن ورد في قول الشاعر:
فإن تسألوني بالنساء فإنني … خبيرٌ بأدواء النساء طبيب
أي: عن النساء، وعلى تقدير "عن" يجوز أن يراد بالخبير: ابن سلام، أي: عارفاً بصفته يخبرك عن جلالة قدره.
قوله: (وقيل: الرحمن: اسمٌ من أسماء الله تعالى)، عطفٌ على قوله: فسل بسؤاله"، لأنه مثله في تعلق الجار بالفعل، و ﴿خَبِيرًا﴾: مفعول "سل"، وخبيراً على الوجهين الأولين: يجوز أن يراد به كل من هو متصفٌ بصفة الخبرة، لما قال تارةً: رجلاً عارفاً، وأخرى: رجلاً عارفاً، وأخرى: رجلاً خبيراً، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للرحمن على تقدير مضاف، وعلى الثالث والرابع:
стр. 5868
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الضمير لله تعالى، والخبير هو الله تعالى، وعلى الوجه الأخير المراد بالخبير: عبد الله بن سلام، والضمير راجعٌ إلى لفظ ﴿الرَّحْمَنُ﴾، والوجه أن يحمل قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ على معنى التجريد، وأن يكون الضمير لله، ليكون كالتتميم لمعنى العلم الذي يعطيه قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾، كما أن قوله: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ تتميمٌ لمعنى قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾.
بيان الأول ما روى الإمام عن الكلبي: أنه قال: فسل الخبير بذلك، يعني: بما ذكر من خلق السموات والأرض والاستواء فلا يعلمها إلا الله.
وقال محيي السنة: أيها الإنسان، لا ترجع في طلب العلم بهذا إلى غيري.
وبيان الثاني هو: أن قوله: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ وعيدٌ لأعدائه، ووعدٌ بانتصاره منهم، فيكون مؤكداً للأمر بالتوكل، ونحو قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قولهم: "على الخبير سقطت"، في توكيد أمرٍ يخبر به، وتصديق المخبر.
روى الميداني: أن المثل لمالك بن جبيرٍ العامري، وتمثل به الفرزدق للحسين ﵁ حين أقبل يريد العراق فلقيه وهو يريد الحجاز، فقال له الحسين: ما وراءك؟ قال: "على الخبير سقطت"، قلوب الناس معك، وسيوفيهم مع بني أمية، والأمر ينزل من السماء، فقال الحسين: صدقتني.
المعنى: توكل على الحي الذي لا يموت في جميع أمورك لاسيما في أذى قومك، وما نالك من تكذيبهم وعنادهم، فإن الله تعالى خبيرٌ بأحوالهم، كافٍ في جزاء أعمالهم، وتوكل على المدبر الذي خلق السموات والأرض، ثم استوى على العرش، وهو الرحمن الذي منه
стр. 5869
مذكور في الكتب المتقدمة، ولم يكونوا يعرفونه، فقيل: فسل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب، حتى تعرف من ينكره. ومن ثم كانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة، يعنون مسيلمة. وكان يقال له: رحمن اليمامة.
[(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَامُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً)].
(وَمَا الرَّحْمنُ) يجوز أن يكون سؤالا عن المسمى به؛ لأنهم ما كانوا يعرفونه بهذا الاسم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلائل النعم، وبيده أزمة أمورك، وملكوت كل شيء، فاعلم ذلك علماً يقيناً ونصًا من الله لا ريب فيه، فإن من حرم ذلك إذا قيل له: اخضع للرحمن وتوكل عليه، قال: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَامُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ هذا التفسير مبنيٌ على قول المصنف: "الذي خلق صفةٌ للحي، والرحمن: خبر مبتدأٍ محذوف".
قال الإمام: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ متصلٌ بقوله: ﴿الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ لأنه تعالى لما كان خالق السموات والأرض وما بينهما كان قادراً على جميع وجوه المنافع ودفع سائر المضار، وأن النعم كلها من جهته، فحينئذٍ لا يجوز التوكل إلا عليه.
قوله: "اسمٌ من أسماء الله تعالى"، قال الزجاج: اسم "الرحمن" مذكورٌ في كتب الأولين ولم يكونوا يعرفون أنه من أسمائه تعالى، ومعناه: ذو الرحمة التي لا غاية بعدها في الرحمة، لأن فعلان بناء المبالغة، تقول: رجلٌ ريان وعطشان، إذا كان في النهاية من الري، وكذلك فرحان وجذلان. وقال ثعلبٌ: إنه عبرانيٌ، وهو في الأصل "رخمن"، بالخاء المعجمة، إذ لو كان عربياً لما أنكرت العرب وقد أنكروه، ويدل عليه قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾، ولأنه لو كان مشتقًا من الرحمة لما حسن تقديمه على الرحيم، لأنه أشد مبالغةً منه حينئذٍ.
стр. 5870
والسؤال عن المجهول بـ "ما". ويجوز أن يكون سؤالا عن معناه، لأنه لم يكن مستعملا في كلامهم كما استعمل الرحيم والرحوم والراحم. أو لأنهم أنكروا إطلاقه على الله تعالى. (لِما تَامُرُنا) أي: للذي تأمرناه، بمعنى: تأمرنا سجوده: على قوله:
أمرتك الخير
أو: لأمرك لنا. وقرئ بالياء، كأن بعضهم قال لبعض: أنسجد لما يأمرنا محمد ﷺ . أو يأمرنا المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو. وفي (وَزَادَهُمْ) ضمير (اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ)؛ لأنه هو المقول.
[(تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً)].
البروج: منازل الكواكب السبعة السيارة: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والسؤال عن المجهول بـ "ما")، كما تقول لشبح رفع لك عن بعيدٍ لا تشعر به: ما هو؟ فإذا شعرت أنه إنسانٌ، قلت: من هو؟
قوله: ) ﴿لِمَا تَامُرُنَا﴾، أي: للذي تأمرنا)، قال أبو البقاء: "ما" موصولةٌ، أو نكرةٌ موصوفةٌ، أي: لما تأمرنا بالسجود له، ثم بسجوده ثم تأمرنا، هذا قول أبي الحسن، وعلى قول سيبويه حذفت ذلك كله من غير تدريج.
قوله: (وقرئ بالياء)، المعالم: حمزة والكسائي: بالياء، والآخرون: بالتاء الفوقانية.
قوله: (لأنه هو المقول) معلله مقدر، يعني: وضع ﴿اسْجُدُوا﴾ موضع قول: ﴿اسْجُدُوا﴾، وجاز، لأنه هو المقول، وضعاً للمقول موضع القول، فالمعلل قولنا: جاز.
стр. 5871
وسميت بالبروج التي هي القصور العالية، لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها. واشتقاق البرج من التبرج، لظهوره. والسراج: الشمس كقوله تعالى: (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً) [نوح: ١٦]. وقرئ: (سُرُجًا)؛ وهي: الشمس والكواكب الكبار معها. وقرأ الحسن والأعمش: (وقُمْرا منيرا)؛ وهي جمع ليلة قمراء، كأنه: وذا قمر منيرا؛ لأنّ الليالي تكون قمرا بالقمر، فأضافه إليها. ونظيره - في بقاء حكم المضاف بعد سقوطه وقيام المضاف إليه مقامه - قول حسان:
بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل
يريد: ماء بردي، ولا يبعد أن يكون القمر بمعنى القمر، كالرشد والرشد، والعرب والعرب.
[(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "سرجاً")، بضمتين: حمزة والكسائي، والباقون: بكسر السين وفتح الراء وألفٍ بعدها.
قوله: (وذا قمرٍ)، وهو عبارةٌ عن القمر، لأن القمر صاحب الليالي اللاتي يكن قمراء بالقمر، فيرجع حاصل هذه القراءة إلى المشهورة.
قوله: (بردى يصفق بالرحيق السلسل)، أوله لحسان:
يسقون من ورد البريص عليهم
يريد: ماء بردى، وهو نهر دمشق. ومن ثم ذكر "يصفق بالرحيق"، مضى شرحه في أول البقرة.
стр. 5872
الخلفة من خلف، كالركبة من ركب: وهي الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كلّ واحد منهما الآخر. والمعنى: جعلهما ذوي خلفة، أي: ذوي عقبة، أي: يعقب هذا ذاك وذاك هذا. ويقال: الليل والنهار يختلفان، كما يقال: يعتقبان. ومنه قوله: (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) [البقرة: ١٦٤]، ويقال: بفلان خلفة واختلاف، إذا اختلف كثيرا إلى متبرّزه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهي الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحدٍ منهما الآخر)، يريد أن ﴿خِلْفَةً﴾ مفردٌ لفظاً، ومتعددٌ معنى. قال أبو البقاء: ﴿خِلْفَةً﴾: مفعول ثانٍ أو حالٌ، وأفرد لأن المعنى: يخلف أحدهما الآخر، فلا يتحقق هذا إلا منهما.
قوله: (ذوي عقبةٍ)، روي بضم العين وكسرها. العقبة بالضم: النوبة. تقول: تمت عقبتك، ويقال: ما يفعل ذلك إلا عقبة القمر، إذا كان يفعله في كل شهرٍ مرة.
قوله: (يعقب هذا ذاك، وذاك هذا)، قال الزجاج: هذا قول أهل اللغة، وأنشدوا لزهير:
بها العين والآرام يمشين خلفةً … وأطلاؤها ينهض من كل مجثم
وجاء في التفسير أيضاً: ﴿خِلْفَةً﴾: مختلفان، قال الله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
وروي محيي السنة، عن مجاهد: يعني: جعل كل واحدٍ منهما مخالفاً لصاحبه، فجعل هذا أبيض وهذا أسود.
وقلت: وفي كلام الزجاج إشعارٌ بأن قول مجاهدٍ على خلاف اللغة، ولهذا اعتذر له المصنف بقوله: "ويقال: الليل والنهار يختلفان، كما يقال: يعتقبان"، إلى آخره.
стр. 5873
وقرئ: (يَذَّكَّرَ)، و (يَذْكُر)، وعن أبي بن كعب: (يَتَذكَّر). والمعنى لينظر في اختلافهما الناظر، فيعلم أن لا بد لانتقالهما من حال إلى حال، وتغيرهما من ناقل ومغير. ويستدل بذلك على عظم قدرته، ويشكر الشاكر على النعمة فيهما من السكون بالليل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: ﴿يَذَّكَّرَ﴾ و"يذكر")، حمزة: "أن يذكر" بإسكان الذال وضم الكاف مخففاً، والباقون: بفتحهما مشددين.
قوله: (ويشكر الشاكر على النعمة فيهما)، عطفٌ على قوله: "لينظر في اختلافهما الناظر"، وفيه إشارةٌ إلى أن قوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ وقوله: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ نشرٌ لمعنى اللف في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾، فإن مجرد الانتقال والتغيير يدل على ناقل ومغيرٍ عظيم القدرة، وكون ذلك الانتقال مؤدياً إلى النفع العظيم يدل على منعم واسع النعمة، وهما يوجبان المعرفة والعبادة، و"أو" في قوله: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾: للتخيير والإباحة، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] على ما مر، أو للجمع، كما في قوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦]، ومن ثم أتى المصنف بالواو في الموضعين، أي: في لينظر، ويشكر، وفي "وقتين للمتذكرين والشاكرين".
ثم قوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ تعريضٌ بأن الذين قالوا: وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا؟ أبوا التفكر في آيات الله جحوداً وعناداً، وامتنعوا عن الشكر لآلائه عتواً واستكباراً، وتصريحٌ بأن الذين توسموا بعباد الرحمن على خلاف ذلك، ولذلك قال: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ ليقابل قولهم: ﴿أَنَسْجُدُ﴾ وقوله: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾. وقال الإمام: إنه تعالى لما حكى عن الكفار مزيد النفرة ذكر بعده ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعبادة، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ يعني: أن الذين قالوا: وما الرحمن؟ ما تفكروا في هذه القدرة، وما شكروا هذه النعمة.
стр. 5874
والتصرف بالنهار، كما قال عز وعلا: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) [القصص: ٧٣]؛ أو ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين، من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الآخر. وعن الحسن ﵀: من فاته عمله من التذكر والشكر بالنهار كان له في الليل مستعتب. ومن فاته بالليل: كان له في النهار مستعتب.
[(وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو ليكونا وقتين)، عطفٌ من حيث المعنى على جملة قوله: "لينظروا في اختلافهما".
قوله: (من فاته في أحدهما ورده … قام به في الآخر)، روينا عن الشيخين وغيرهما، عن أنس: "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ".
قوله: (كان له في الليل مستعتبٌ)، الجوهري: عتب عليه، أي: وجد عليه، قال الخليل: الإعتاب: مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة، وقيل: الإعتاب: إزالة العتب، وهمزته للسلب، والإعتاب بمعنى الرضا، والاستعتاب: طلب الإعتاب.
النهاية: استعتب: طلب أن يرضى عنه، كما تقول: استرضيت، ومنه الحديث: "لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسناً فلعله يزداد، وإما مسيئاً فلعله يستغيث" أي: يرجع عن الإساءة، ويطلب الرضا، ومنه الحديث: "ولا بعد الموت من مستعتب"، أي: ليس بعده استرضاءٌ.
стр. 5875
(وَعِبادُ الرَّحْمنِ) مبتدأ خبره في آخر السورة، كأنه قيل: (وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ) هذه صفاتهم (أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ) [الفرقان: ٧٥]. ويجوز أن يكون خبره (الَّذِينَ يَمْشُونَ). وأضافهم إلى الرحمن تخصيصا وتفضيلا. وقرئ: (وَعِبادُ الرَّحْمنِ). وقرئ: "يُمشَّونَ". (هَوْناً) حال، أو صفة للمشي، بمعنى: هينين. أو: مشيا هينا، إلا أنّ في وضع المصدر موضع الصفة مبالغة. والهون: الرفق واللين. ومنه الحديث: "أحبب حبيبك هونا مّا"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأضافهم إلى الرحمن تخصيصاً)، فيكون تعريضاً بالذين قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَامُرُنَا﴾، فعلى هذا المختار أن يكون "عباد الرحمن": مبتدأ، و ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ وما عطف عليه: خبراً ليقابل الاستكبار، والامتناع عن السجود.
قوله: (وقرئ: "وعباد الرحمن")، العباد: من العبادة، وهو أن يفعل ما يرضاه الرب، والعباد: من العبودة، وهو أن يرضى ما يفعله الرب.
قوله: (إلا أن في وضع المصدر موضع الصفة مبالغةً)، فيه إيماءٌ إلى أن جعله حالاً أوقع من جعله وصفاً، لأن المبالغة على الحال راجعٌ إلى ذواتهم، وفي الوصف إلى حالهم، لأن الأصل في الحال أن يقال: يمشون على الأرض هينين، فوضع موضع هوناً.
قوله: (ومنه الحديث: "أحبب حبيبك هوناً ما")، تمامه: "عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما"، أي: لا تفرط في حبه
стр. 5876
وقوله: "المؤمنون هينون لينون"، والمثل: "إذا عزّ أخوك فهن"، ومعناه: إذا عاسر فياسر. والمعنى: أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع، لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشرا وبطرا، ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق، ولقوله: (وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ) [الفرقان: ٢٠].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبغضه، وارفق في كل ذلك. مذكورٌ في "أخبار الشهاب"، والشيخ أبو الفضائل الصغاني جعله من الموضوعات في "كشف الحجاب"، وفي "الدر الملتقط".
قوله: (المؤمنون هينون لينون)، روى الإمام أحمد بن حنبلٍ في "مسنده"، عن ابن مسعود: حرم على النار كل هينٍ لين، سهلٍ قريبٍ من الناس.
قوله: (إذا عز أخوك فهن)، قال الميداني: قال أبو عبيد: معناه: مياسرتك صديقك ليست بضيم ركبك منه فيدخلك الحمية به، إنما هو حسن خلقٍ وتفضل، فإذا عاسرك فياسره. قال المفضل: المثل لهذيل بن هبيرة الثعلبي، وكان أغار عل بني ضبة، فغنم فأقبل بالغنائم فقال له أصحابه: اقسمها بيننا، فقال: إني أخاف أن تشاغلتم بالاقتسام أن يدرككم الطلب، فأبوا، فقال: إذا عز أخوك فهن.
قوله: (ولقوله: ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾، يعني: لأجل ما وصف الله تعالى العباد بقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، ووصف الرسل بقوله: بقوله: ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ كره بعض العلماء الركوب في الأسواق، أوقع المعلل بين العلتين.
стр. 5877
(سَلَاماً): تسلما منكم لا نجاهلكم، ومتاركة لا خير بيننا ولا شر، أي: نتسلم منكم تسلما، فأقيم السلام مقام التسلم. وقيل: قالوا سدادا من القول يسلمون فيه من الإيذاء والإثم. والمراد بالجهل: السفه وقلة الأدب وسوء الرعة، من قوله:
ألا لا يجهلن أحد علينا … فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وعن أبي العالية: نسختها آية القتال. ولا حاجة إلى ذلك؛ لأنّ الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة، وأسلم للعرض والورع.
[(وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً)].
البيتوتة: خلاف الظلول، وهو أن يدركك الليل، نمت أو لم تنم، وقالوا: من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تسلماً منكم لا نجاهلكم)، روى صاحب "المطلع" عن الزجاج وأبي علي: نتسلم منكم تسلماً، أي: لا نجاهلكم ولا نلتبس بشيءٍ من أمركم، وهو الجهل. وقلت: هو معنى قوله: "ومتاركةً لا خير بيننا ولا شر".
قوله: (سداداً من القول)، وهو قول مقاتل بن حيان، أي: قالوا قولاً يسلمون فيه من الإثم. قالوا: هذا ليس بسديد، لأن المراد: أنهم يقولون هذه اللفظة لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]. قال الحريري في "درة الغواص": السداد، بالفتح: القصد في الدين والسبيل، والسداد بالكثير: البلغة، وكل ما سددت به شيئاً.
قوله: (وسوء الرعة)، الجوهري: قد ورع يرع بالكسر فيهما ورعاً ورعةً. يقال: فلانٌ سيئ الرعة، أي: قليل الورع.
стр. 5878
قرأ شيئا من القرآن في صلاته وإن قلّ فقد بات ساجدا وقائما. وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء. والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو بأكثره. يقال: فلان يظل صائما ويبيت قائما.
[(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً* إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً)].
(غَراماً): هلاكا وخسرانا ملحا لازما. قال:
ويوم النّسار ويوم الجفا … ر كانا عذابا وكانا غراما
وقال:
إن يعاقب يكن غراما وإن يعـ … ـط جزيلا فإنّه لا يبالي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿غَرَامًا﴾ هلاكاً وخسراناً ملحاً)، الراغب: الغرم: ما ينوب الإنسان في ما له من ضررٍ بغير جنايةٍ منه. يقال: غرم كذا غرماً ومغرماً، وأغرم فلانٌ غرامةً، والغريم يقال لمن له الدين ولمن عليه الدين. والغرام: ما ينوب الإنسان من شدةٍ ومصيبة. وقال ابن الأعرابي: الغرام: الشر الدائم، والعذاب.
قوله: (يوم النسار ويوم الجفار)، الجوهري: النسار، بكسر النون: ماءٌ لبني عامر، ويوم نسارٍ لبني أسدٍ وذبيان على بني جشم بن معاوية. وقال: الجفار أيضاً: ماءٌ لبني تميم بنجد، ومنه: يوم الجفار، وأنشد البيت.
قوله: (إن يعاقب) البيت، لا يبالي: أي: لا يكترث بقولٍ إن يعاقب الأعداء يكن غراماً، وإن يعط الأولياء فإنه لا يبالي بإعطاء الكثير.
стр. 5879
ومنه: الغريم؛ لإلحاحه ولزامه. وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين، ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه، إيذانا بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون إلى الله في صرف العذاب عنهم، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) [المؤمنون: ٦٠]. (سَاءَتْ) في حكم "بِئستْ" وفيها ضمير مبهم يفسره (مُسْتَقَرّا)، والمخصوص بالذم محذوف، معناه: ساءت مستقرّا ومقاما هي. وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم "إنّ" وجعلها خبرا لها. ويجوز أن يكون (سَاءَتْ) بمعنى: أحزنت. وفيها ضمير اسم "إنّ". و (مُسْتَقَرًّا) حال أو تمييز، والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين ومترادفين، وأن يكونا من كلام الله وحكاية لقولهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ساءت مستقراً ومقاماً هي)، قال صاحب "المطلع": فإن قيل: كيف ذكر المفسر والمفسر مؤنث؟ قلت: لما أنث المفسر بمعنى الدار والمنزلة، وجب تأويل المفسر به، كأنه قيل: ساءت الدار أو المنزلة داراً أو منزلةً، وإنما وجب تأنيثه نظراً إلى المخصوص بالذم كما نظر ذو الرمة في الزورق إلى تأويل السفينة، حيث كان المخصوص بالمدح مؤنثاً في قوله:
أو حرةٌ عيطلٌ ثبجاء مجفرةٌ … دعائم الزور نعمت زروق البلد
الحرة: الناقة الكريمة، والعيطل: الطويلة العنق. الثبج: شديد الثبج، وهو الظهر، وقيل: ما بين الكاهل إلى الظهر، والمجفرة: الشديدة الجفرة وهي الوسط، والزور: أعلى الصدر.
قوله: (وفيها ضمير اسم "إن")، وقال صاحب "المطلع": والتأنيث لاسم "إن"، وهي جهنم، لأنه ضميرها.
قوله: (يصح أن يكونا متداخلين)، أي: يكون قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا﴾ تعليلاً لقوله:
﴿اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ﴾ تعليلاً لقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ
стр. 5880
[(وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً)].
قرئ: (يَقْتُرُوا) بكسر التاء وضمها، و: (يُقتِروا) بتخفيف التاء وتشديدها. والقتر والإقتار والتقتير: التضييق الذي هو نقيض الإسراف. والإسراف: مجاوزة الحدّ في النفقة. ووصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير، وبمثله أمر رسول الله ﷺ : (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ) [الإسراء: ٢٩]. وقيل: الإسراف إنما هو الإنفاق في المعاصي، فأما في القرب فلا إسراف. وسمع رجل رجلا يقول: لا خير في الإسراف. فقال: لا إسراف في الخير. وعن عمر بن عبد العزيز: أنه شكر عبد الملك بن مروان حين زوّجه ابنته وأحسن إليه، فقال: وصلت الرحم وفعلت وصنعت، وجاء بكلام حسن، فقال ابن لعبد الملك: إنما هو كلام أعدّه لهذا المقام، فسكت عبد الملك، فلما كان بعد أيام دخل عليه والابن حاضر، فسأله عن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غَرَامًا﴾، وكونهما مترادفين أن يكونا تعليلين لقوله: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾، قال الإمام: كلاهما يمكن أن يكون ابتداء كلام الله، ويمكن أن يكون حكايةً لقولهم، فقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ إشارةً إلى كونها مضرةً خالصةً عن شوائب النفع.
وقوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ إشارةٌ إلى كونها دائمةً، والفرق بين المستقر والمقام فإن المستقر للعصاة من أهل الإيمان، فإنهم يستقرون فيها ولا يقيمون، والإقامة للكفار.
قوله: (قرئ: ﴿يَقْتُرُوا﴾، بكسر التاء وضمها)، نافعٌ وابن عامر: "ولم يقتروا" بضم الياء وكسر التاء، من الإقتار، وابن كثيرٍ وأبو عمرو: بفتح الياء وكسر التاء، والباقون: بفتح الياء وضم التاء.
стр. 5881
نفقته وأحواله فقال: الحسنة بين السيئتين، فعرف عبد الملك أنه أراد ما في هذه الآية فقال لابنه: يا بنىّ، أهذا أيضا مما أعدّه؟ وقيل: أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة، ولكن كانوا يأكلون ما يسدّ جوعتهم ويعينهم على عبادة ربهم، ويلبسون ما يستر عوراتهم ويكنهم من الحرّ والقرّ. وقال عمر ﵁: كفى سرفا أن لا يشتهي رجل شيئا إلا اشتراه فأكله. والقوام: العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما. ونظير القوام من الاستقامة: السواء من الاستواء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الحسنة بين السيئتين)، أي: الاقتصاد، وهو حسنةٌ بين الإسراف والتقتير، وهما سيئتان، ومن كلام بعضهم:
كلا طرفي [قصد] الأمور ذميم
وخير الأمور أوساطها.
قوله: (وقيل: أولئك أصحاب محمدٍ صلوات اله عليه)، عطفٌ على قوله: "وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير"، وعلى الأول كان عاماً فيهم وفي غيرهم. والمراد بالإنفاق الوسط: السخاوة التي هي بين التبذير والبخل. وعلى الثاني، الوسط: عبارةٌ عن الإنفاق على أنفسهم بما لا يبلغ إلى حد التلذذ والتنعم، بل يكون سد الجوعة، وستر العورة.
قوله: (ونظير القوام من الاستقامة: السواء من الاستواء)، يعني: نظيره في علة التسمية به، لا أنه مشتقٌ منه، لأن الثلاثي لا يشتق من المزيد، أي: إنما قلنا: قواماً للشيء الذي هو عدلٌ بين الشيئين لاستقامة الطرفين، وكذلك السواء من الاستواء.
стр. 5882
وقرئ: (قِواماً) بالكسر، وهو ما يقام به الشيء. يقال: أنت قوامنا، بمعنى ما تقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص، والمنصوبان أعني (بَيْنَ ذلِكَ قَواماً) - جائز أن يكونا خبرين معا، وأن يجعل (بَيْنَ ذَلِكَ) لغوا، و (قَوَاما) مستقرا. وأن يكون الظرف خبرا، و (قَوَامًا) حالا مؤكدة. وأجاز الفراء أن يكون (بَيْنَ ذلِكَ) اسم "كان"، على أنه مبني؛ لإضافته إلى غير متمكن، كقوله:
لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "قواماً"، بالكسر)، قال ابن جني: قرأها حسان بن عبد الرحمن صاحب عائشة ﵂ ويروي عنه قتادة. القوام بالفتح: الاعتدال في الأمر، وبالكسر: ملاك الأمر وعصامه، فلو اقتصر على قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ كان كافياً، فـ ﴿قَوَامًا﴾ تأكيدٌ، وجارٍ مجرى الصفة، أي: توسطاً مقيماً للحال وناظماً، كالصفات المؤكدة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] فالأخرى توكيدٌ.
قوله: (وأن يجعل ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ لغواً، و ﴿قَوَامًا﴾ مستقراً)، قيل: إطلاق المستقر على ﴿قَوَامًا﴾ مع أنه ظرف، لمزاوجة الكلام، وهو كونه مذكوراً مع الظرف، وهو بين ذلك. قال ابن الحاجب: المستقر: ما كان خبراً محتاجاً إليه، وسمي مستقراً، لأنه يتعلق بالاستقرار، فالاستقرار فيه هو مستقرٌ فيه، أي: موضعٌ للتقرير، ثم حذف لفظة "فيه" اختصاراً، واللغو: هو ما لو حذف لكان الكلام مستغنى عنه.
قوله: (لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت)، تمامه:
حمامةٌ في غصونٍ ذات أو قال
стр. 5883
وهو من جهة الإعراب لا بأس به، ولكن المعنى ليس بقوي؛ لأنّ ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة؛ فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منها: ضمير الراحلة. الأوقال: جمع وقل، وهو الحجارة. أي: في غضونٍ نابتةٍ بأرض ذات أو قال، وقيل: الوقل: شجر المقل، يقول: لم يمنع الراحلة الشرب إلا صوت حمامة، أي: إنها حديدة الحس، فيها فزعٌ وذعرٌ لحدة نفسها. والاستشهاد في قوله: "غير أن نطقت"، وهو فاعل "يمنع"، وإنما بني، لإضافته إلى المبنى.
قوله: (فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدةٌ)، وفائدته: بيان اتصاف المخبر عنه بالخبر، فيجب أن يكون وصف الشيء بغيره، ليفيد لا بنفسه لئلا يؤدي إلى أن يقال: وكان القوام قواماً. وأجاب عنه صاحب "المطلع": أن ما بين الإسراف والإقتار لا يلزم أن يكون قواماً، أي: عدلاً، لأنه يجوز أن يكون دون الإسراف بقليل، أو فوق الإقتار بقليل فما بينهما وسطٌ، بسكون السين، يتناول العدل وغيره، فالتقدير: وكان الوسط ن ذلك قواماً. والجواب عنه: أنه يلزم من هذا الحرج المنفي في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فإن في إيقاع قواماً على ما قرره الدلالة على مراعاة حاق الوسط، بمعنى أن قوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ كان يحتمل معنى الوسط بالسكون الذي هو اسمٌ مبهم لداخل الدائرة، فأخبر بقوله: ﴿قَوَامًا﴾ أن المراد منه الوسط بالتحريك، الذي هو اسمٌ لعين ما بين طرفي الشيء كمركز الدائرة، ولا ارتياب أن مراعاة ذلك متعذرٌ ولا يتيسر إلا بالندرة.
وقال صحاب "الفرائد": ما أورده صاحب "الكشاف" على الفراء واردٌ عليه في قوله: "المنصوبان- أعني ﴿بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ - جائزٌ أن يكونا خبرين معاً، ويمكن أن يقال: المراد من القوام: العدل، فصح أن يكون خبراً لـ ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ولا يخلو عن فائدة".
والجواب عنه ما ذكره ابن جني، أن الثاني جارٍ مجرى الصفة المؤكدة، كأنه قيل: كان إنفاقهم وسطاً بسكون السين البتة، لا أن الإنفاق في عين الوسط لا يتجاوزه أصلاً، كما يلزم من الاسم والخبر إذا اتحدا معنى. والجواب عن قوله: المراد من القوام العدل: هو ما أجيب عن صاحب "المطلع".
стр. 5884
[(وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً* يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً* إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)].
(حَرَّمَ اللَّهُ) أي: حرّمها. والمعنى: حرّم قتلها. و (إِلَّا بِالْحَقِّ) متعلق بهذا القتل المحذوف. أو بـ (ولا يَقْتُلُونَ). ونفى هذه المقبحات العظام عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين؛ للتعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم، كأنه قيل: والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه. والقتل بغير حق يدخل فيه الوأد وغيره. وعن ابن مسعود ﵁: قلت: يا رسول الله، أىّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندّا وهو خلقك» قلت: ثم أىّ؟ قال «أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك» قلت: ثم أى؟ قال «أن تزاني حليلة جارك»، فأنزل الله تصديقه. وقرئ: (يلق فيه أثاما). وقرئ: (يلقى) بإثبات الألف، وقد مر مثله. والأثام: جزاء الإثم، بوزن الوبال والنكال ومعناهما، قال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ونفي هذه المقبحات العظام عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين للتعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش)، يعضد ما ذهبنا إليه من أن قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ مقابلٌ للقائلين: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَامُرُنَا﴾، فمدحهم الله بتلك الخلال الحميدة التي تختص بأوليائه ثم نفى عنهم هذه الخصال الرذيلة التي عليها أعداؤه.
قوله: (عن ابن مسعودٍ ﵁، قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ )، الحديث بتمامه، أخرجه البخاري ومسلمٌ وغيرهما.
قوله: (وقرئ: "يلقى"، بإثبات الألف)، قال في "المطلع": جعل أثر الجازم حذف الحركة من المعتل لا حذف الألف كقوله:
стр. 5885
جزى الله ابن عروة حيث أمسى … عقوقا والعقوق له أثام
وقيل هو الإثم. ومعناه: يلق جزاء أثام. وقرأ ابن مسعود: (أيَّامًا)، أي: شدائد. يقال: يوم ذو أيام؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألم يأتيك -والأنباء تنمي- … بما لاقت لبنون بني زياد
"والأنباء تنمي": جملةٌ معترضةٌ، و"بما لاقت": متعلقٌ بـ "يأتيك".
قوله: (جزى الله ابن عروة) البيت، العقوق: العاق، والعقوق، بالضم: مصدرٌ، وهو ترك بر الوالدين وقطعه، وكذا في الرحم، وعقوقاً: نصبٌ على الحال، ومعناه: جزى الله ابن عروة شر جزاءٍ عاقًا والعقوق له جزاءٌ سيئ.
قوله: (وقيل: هو الإثم، ومعناه: يلق جزاء أثام) يريد أن "الأثام" إما أن يراد به جزاء الإثم كالثوب لجزاء الطاعة، وإما أن يراد به مطلق الإثم، فحينئذٍ يحتاج إلى تقدير مضاف، وهو المراد بقوله: "ومعناه: يلق جزاء أثام".
الأساس: كانوا يفزعون من الأنام أشد ما يفزعون من الأثام، وهو وبال الإثم، قال:
لقد فعلت هذي النوى بي فعلة … أصاب النوى قبل الممات أثامها
قوله: (يومٌ ذو أيام)، الأساس: ويومٌ ذو أيام: كأيام. قال النابغة:
следующие страницы →