Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.
стр. 6476
فلا يظفر بأحٍد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه، ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه. وفي حديث النبي ﷺ : «لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن ولا التجارة فيهنّ ولا أثمانهنّ" وعنه ﷺ : «ما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين: أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت"، وقيل: الغناء منفدة للمال، مسخطة للرب، مفسدة للقلب. فإن قلت: ما معنى إضافة اللهو إلى الحديث؟ قلت: معناها التبيين، وهي الإضافة بمعنى (من)، وأن يضاف الشيء إلى ما هو منه، كقولك: صفة خز وباب ساجٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يَحِلُّ بيعُ المُغنِّيات) الحديث من رواية الإمام أحمد بن حنبل والترمذيّ وابن ماجه، عن رسول الله ﷺ قال: ((لا تَشْتروا القَيْناتِ ولا تَبيعُوهنَّ، ولا خيرَ في تجارتِهنَّ، وثَمنُهنَّ حرامٌ)).
وفي مثل ذلك أُنزلت هذه الآيةُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ جعل الله القَيناتِ نَفْسَ لَهْوِ الحديثِ مبالغةً، كما جَعل النّساءَ في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ نفس الزينة.
قوله: (صُفّة خَزّ) بضم الصاد المهملة.
الأساس: أصْلِحْ صُفَّةَ سَرْجِكَ، وأصفَفتُ السَّرجَ: جعلت له صُفَّةً.
المغرب: صُفَّة السَّرج: ما غُشِّيَ به بين القَرَبوسَيْنِ، وهما مقدَّمُه ومؤخَّرُه.
стр. 6477
والمعنى: من يشتري اللهو من الحديث؛ لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره، فبين بالحديث. والمراد بالحديث: الحديث المنكر، كما جاء في الحديث: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش» ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى (من) التبعيضية، كأنه قيل: ومن الناس من يشترى بعض الحديث الذي هو اللهو منه. وقوله: (يَشْتَرِي) إما من الشراء، على ما روى عن النضر: من شراء كتب الأعاجم، أو من شراء القيان. وإما من قوله: (اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ)] آل عمران: ١٧٧ [أى: استبدلوه منه واختاروه عليه. وعن قتادة: اشتراؤه: استحبابه، يختار حديث الباطل على حديث الحق. وقرئ: (لِيُضِلَّ) بضم الياء وفتحها. و (سَبِيلِ الله) دين الإسلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الإضافة بمعنى ((مِن)) التَّبعيضيةِ) فعلى الأوَّل: يُشبِهُ أن يكونَ من إضافة العامِّ إلى الخاصِّ، كما قال: اللهوُ يكون منَ الحديث وغيرِه. وعلى الثاني: عكسه؛ لأنَّ الحديثَ قد يكون لَهْوًا وغيرَه كما قال: ((بعض الحديثِ الذي هو اللهو منه))، والضميرُ المجرورُ راجعٌ إلى ((الحديث)).
قوله: (قُرئ: ﴿لِيُضِلَّ﴾ بضَمِّ الياءِ وفَتْحِها) ابنُ كثير وأبو عمرو: بالفَتح، والباقون: بالضَّم.
قال الزَّجاجُ: من قرأ بالضَّم فمعناه: لِيُضِلَّ غيرَه، وإذا أَضلَّ غيره فقد ضَلَّ هو أيضًا. ومن قرأ بالفتح فمعناه: لِيَصيرَ أمرُه إلى الضَّلال، فَدلَّ بالرَّديفِ على المَرْدوف.
قال صاحب ((الفرائد)): هذا لا يَخْلو عن نَظَرٍ، فإنَّ الرَّديفَ لا يدلُّ على المَرْدوفِ؛ لأنَّ الضّالَّ لا يلزمُ أن يكون مُضِلاًّ.
قلت: لمّا جعلَه من الكِناية لَزِمَ أن تكونَ الملازَمةُ مساويةً، إمّا أنَّها كذلك حقيقةً أو
стр. 6478
أو القرآن. فإن قلت: القراءة بالضم بينة، لأن النضر كان غرضه باشتراء اللهو: أن يصدّ الناس عن الدخول في الإسلام واستماع القرآن ويضلهم عنه، فما معنى القراءة بالفتح؟ قلت: فيه معنيان، أحدهما: ليثبت على ضلاله الذي كان عليه، ولا يصدف عنه، ويزيد فيه ويمدّه، فإن المخذول كان شديد الشكيمة في عداوة الدين وصدّ الناس عنه. والثاني: أن يوضع (ليضل) موضع (ليضل) من قبل أن من أضل كان ضالًا لا محالة، فدل بالرديف على المردوف. فإن قلت: ما معنى قوله: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) قلت: لما جعله مشتريًا لهو الحديث بالقرآن قال: يشترى بغير علم بالتجارة وبغير بصيرة بها، حيث يستبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق. ونحوه قوله تعالى: (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ)] البقرة: ١٦ [أى: وما كانوا مهتدين للتجارة بصراء بها: وقرئ (وَيَتَّخِذَها) بالنصب والرفع عطفًا على (يشترى). أو (ليضل)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ادعاءً للشُّهرةِ، وكان المَخذُول أي: النَّضْرُ مشهورًا في إضلال الناسِ باشتراء اللهو، فإذا قيل له: ضالٌّ، جاز أن يكون منه الإضلال بقرائن الأحوال.
قوله: (لمّا جعله مشتريًا لهْوَ الحديثِ بالقرآن) إلى آخره. تلخيصُه: أنَّه لما استُعير استبدالُ الضّلالِ بالهدى، والباطلِ بالحقِّ: الشِّراءُ، نُظِر إلى المُستعار له، وجيء بوَصْفٍ ملائمٍ له، فكان تجريدًا للاستعارة كما أنَّ قولَه: ﴿رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] ترشيحٌ لتلك الآيةِ ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] تجريدٌ لها، وقد سَبَق في ((البقرة)) تقريرُه.
قوله: (﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ بالنَّصبِ والرَّفع) بالنَّصب: حفصٌ وحمزةُ والكسائيُّ، والباقون: بالرَّفع.
قال صاحب ((الكشف)): النَّصبُ على العطف على ﴿لِيُضِلَّ﴾، والرَّفعُ على ﴿يَشْتَرِي﴾؛ أي: مَنْ يشتري لَهْوَ الحديثِ ويتَّخذُها هُزُوًا، وما بين ((يشتري)) و ((يتَّخذ)) مِنَ الصِّلة ليس
стр. 6479
والضمير للسبيل؛ لأنها مؤنثة، كقوله تعالى: (وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً)] الأعراف: ٨٦ [. (وَلَّى مُسْتَكْبِراً) زامًا لا يعبأ بها، ولا يرفع بها رأسا: تشبه حاله في ذلك حال من لم يسمعها وهو سامع (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً) أى: ثقلًا ولا وقر فيهما، وقرئ بسكون الذال. فإن قلت: ما محل الجملتين المصدرتين بكأن؟ قلت: الأولى حال من (مستكبرا) والثانية من (لم يسمعها)، ويجوز أن تكونا استئنافين، والأصل في (كأن) المخففة: كأنه، والضمير ضمير الشأن.
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ الله حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)] ٨ - ١١ [
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بأجنبيٍّ، والباقي ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ للحالِ؛ أي: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جاهلا.
قوله: (زامًّا) الجوهري: زمَّ لأنْفِه، أي: تكَبَّر، فهو زَامٌّ.
قوله: (وقُرئ بسكون الذّال) قرأها نافعٌ.
قوله: (والأُولى حالٌ من ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾) أي: من المُسْتَكِنِّ فيه يدلُّ عليه.
قوله: (والثانية مِنْ ﴿لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾) يكون حالانِ مُتَداخلانِ.
قال أبو البقاء: ﴿كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ حالٌ، والعاملُ ﴿وَلَّى﴾ أو ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾، و ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾، ﴿وَقْرًا﴾: إما بدلٌ من الحال الأُولى، أو تَبيينٌ لها، أو حالٌ من فاعل ((يسمع)).
стр. 6480
(وَعْدَ الله حَقًّا) مصدران مؤكدان، الأوّل: مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره؛ لأن قوله: (لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ) في معنى: وعدهم الله جنات النعيم، فأكد معنى الوعد بالوعد. وأما (حَقًّا) فدال على معنى الثبات: أكد به معنى الوعد، ومؤكدهما جميعا قوله: (لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ). (وَهُوَ الْعَزِيزُ) الذي لا يغلبه شيء ولا يعجزه، يقدر على الشيء وضده، فيعطى النعيم من شاء والبؤس من شاء، وهو (الْحَكِيمُ) لا يشاء إلا ما توجبه الحكمة والعدل، (تَرَوْنَها) الضمير فيه للسماوات، وهو استشهاد برؤيتهم لها غير معمودةٍ على قوله: (بِغَيْرِ عَمَدٍ) كما تقول لصاحبك: أنا بلا سيٍف ولا رمٍح تراني. فإن قلت: ما محلها من الإعراب؟ قلت: لا محل لها لأنها مستأنفة. أو هي في محل الحرّ صفة للعمد أى: بغير عمد مرئية، يعنى: أنه عمدها بعمٍد لا ترى، وهي إمساكها بقدرته (هذا) إشارة إلى ما ذكر من مخلوقاته. والخلق بمعنى المخلوق. و (الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) آلهتهم، بكتهم بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلقه الله وأنشأه. (فأرونى) ماذا خلقته آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة، ثم أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالتورّط في ضلال ليس بعده ضلال.
(وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ)] ١٢ [
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على قوله: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾) متعلِّقٌ بقوله: ((استشهاد))، و ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ في التَّنزيل حالٌ من ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، و ﴿تَرَوْنَهَا﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مُبيِّنة؛ لأنَّ السَّماوتِ خُلقت بغير عَمَدٍ.
كأنَّه لمّا قيلَ: خَلَق السَّماواتِ والأرضَ بغير عَمَدٍ، قيل: وما الدَّليلُ عليه؟ فقيل: رؤيةُ النّاس لها غيرَ مَعْمُودةٍ، وكذلك لما قلت: أنا بغير سيفٍ ولا رُمحٍ، فقيل: ما الذي يدلُّ عليه؟
أجبت: لأنَّك تراني بلا سيفٍ ولا رُمحٍ. ويجوز أن يكون من باب نَفْي الشيءِ بنَفْي لازِمِه.
стр. 6481
هو لقمان بن باعورا: ابن أخت أيوب أو ابن خالته. وقيل: كان من أولاد آزر، وعاش ألف سنة، وأدرك داود ﵇ وأخذ منه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود ﵇، فلما بعث قطع الفتوى، فقيل له؟ فقال: ألا أكتفى إذا كفيت؟ وقيل: كان قاضيًا في بنى إسرائيل، وأكثر الأقاويل أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًا، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: لقمان لم يكن نبيًا ولا ملكًا، ولكن كان راعيًا أسود، فرزقه الله العتق، ورضى قوله ووصيته، فقص أمره في القرآن لتمسكوا بوصيته. وقال عكرمة والشعبي: كان نبيًا. وقيل: خير بين النبوّة والحكمة فاختار الحكمة. وعن ابن المسيب: كان أسود من سودان مصر خياطًا، وعن مجاهد: كان عبدًا أسود غليظ الشفتين متشفق القدمين. وقيل: كان نجارًا. وقيل: كان راعيًا وقيل: كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمةً. وعنه أنه قال لرجل ينظر إليه: إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض. وروى أن رجلًا وقف عليه في مجلسه فقال: ألست الذي ترعى معى في مكان كذا؟ قال: بلى. قال: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني. وروى أنه دخل على داود ﵇ وهو يسرد الدرع وقد لين الله له الحديد كالطين، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت. فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: خُيِّر بين النُّبوة والحكمة فاختار الحِكمةَ)، الانتصاف: وفيه بُعْدٌ بيِّنٌ، فإنَّ الحكمةَ قَطْرةٌ من بحر النُّبوةِ، وأعلى درجاتِ الحكمةِ يَنْحَطُّ عن أَدنى مراتبِ النُّبوةِ، وليس من الحِكمة اختيارُ الحكمةِ المجرَّدة على النُّبوة.
قوله: (الصَّمت حُكْمٌ وقليلٌ فاعلُه) قال المَيْدانيُّ: الحُكم: الحِكْمةُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، ومعناه: استعمالُ الصَّمتِ حِكمةٌ، ولكن قَلَّ مَنْ يَستعملُها.
стр. 6482
فقال له داود: بحق ما سميت حكيمًا. وروى أن مولاه أمره بذبح شاةٍ، وبأن يخرج منها أطيب مضغتين، فأخرج اللسان والقلب، ثم أمره بمثل ذلك بعد أيام وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب، فسأله عن ذلك؟ فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا، وأخبث ما فيها إذا خبثا.
وعن سعيد بن المسيب أنه قال لأسود: لا تحزن، فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان: بلال ومهجع مولى عمر، ولقمان.
"أَنِ" هي المفسرة؛ لأنّ إيتاء الحكمة في معنى القول، وقد نبه الله سبحانه على أنّ الحكمة الأصلية والعلم الحقيقي: هو العمل بهما، وعبادة الله، والشكر له،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بحقٍّ ما)، ((ما)) صفةُ ((حقّ))، وهي إبهاميَّةٌ، وهي التي إذا اقتَرنت باسمٍ نَكِرةٍ أَبْهَمَتْهُ إبهامًا وزادتُه شِياعًا وعُمومًا.
قوله: (بلال ومِهْجَع)، الاستيعاب: بلالٌ هو مولى أبي بكر، [كان] لبعض بني جَمُح، مُولَّدًا من مُوَلَّدِيهم، وقيل: من مُولَّدي مكةَ. وقيل: من مولَّدي السَّراة، اسمُ أبيه رَباحٌ وأُمُّه حَمامة.
ومِهْجَع: هو ابن صالح مولى عمر بن الخطاب، وقال ابن إسحاق: هو من اليَمنيِّينَ.
وقال ابن هشام: هو من عَكٍّ، أصابه سِباءٌ، فمَنَّ عليه عمرُ بن الخطاب ﵁.
قوله: (((أنْ)) هي المفسٍّرةُ) في ((المطلع)): عن المُبرِّد ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ تأويلَ الحكمةِ، كقولك: قد قدَّمتُ إليه أنْ ائتِ عَمرًا؛ أي: ائتِ عَمْرًا. المعنى: اشكرِ الله فيما أعطاكَ من الحكمة بالتَّوحيد والعبادةِ له.
قوله: (أنَّ الحكمةَ الأصليَّةَ والعِلْمَ الحقيقيَّ هو العملُ بهما) أي: بالحكمة والعلم،
стр. 6483
حيث فسر إيتاء الحكمة بالبعث على الشكر (غَنِيٌّ) غير محتاٍج إلى الشكر (حَمِيدٌ) حقيق بأن يحمد وإن لم يحمده أحد.
[(وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)] ١٣ [
قيل: كان اسم ابنه (أنعم) وقال الكلبي: (أشكم) وقيل: كان ابنه وامرأته كافرين،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فعَطْفُ العلمِ الحقيقيِّ على الحكمة الأصليَّةِ عطفُ تفسيرٍ، وكذا عطفُ ((وعبادة الله)) على ((العمل بهما))، وكذلك الشُّكر لله على العبادةِ؛ لأنَّ الشُّكرَ: تعظيمُ المُنْعِمِ في القلب، وثناؤه باللِّسان، وتحقيقُ مَراضِيهِ بالجوارح.
النهاية: الحكيم: ذو الحكمة، والحِكمةُ: عبارة عن معرفة أفضلِ الأشياء بأفضلِ العلوم. وقال: الحُكمُ: العلمُ والفقهُ، وهو مصدرُ حَكَم يَحكُم، ومنه الحديث: ((الخِلافَةُ في قُريشٍ، والحُكمُ في الأنصار)) خصَّهم بالحُكم؛ لأنَّ أكثرَ فقهاءِ الصَّحابةِ منهم.
المُغرب: الحِكمةُ: ما يمنعُ من الجَهْل. وقيل: كلُّ كلامٍ وافقَ الحقَّ. وعلى حَسْب ظاهرِ الحكمةِ فمعنى الآيةِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ أي: المعرفةَ بأفضلِ الأشياءِ، فلمّا عَدَل منه إلى العمل والشُّكرِ، عُلم أنَّ الحكيمَ كلَّ الحكيمِ مَنْ عَمِل بمُقتضى الحكمةِ، ولا يَكتفي بالمعرفة فحَسْبُ.
وقال ابن يُونسَ: أمّا الحكمةُ فتُطلق بإزاء مَعْنَييْن: أحدهما: أنّها عبارةٌ عن الإحاطة المجرَّدة بنَظْم الأمور ومعانيها الدَّقيقة والجَليلةِ. والثاني: وُقوع الأفعال متقنةً بحَسْب عِلْم الفاعلِ.
стр. 6484
فما زال بهما حتى أسلما (لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) لأنّ التسوية بين من لا نعمة إلا هي منه، ومن لا نعمة منه البتة -ولا يتصوّر أن تكون منه- ظلم لا يكتنه عظمه.
[(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)] ١٤ - ١٥ [
أى (حَمَلَتْهُ) تهن (وَهْناً عَلى وَهْنٍ) كقولك: رجع عودًا على بدٍء، بمعنى؛ يعود عودًا على بدٍء، وهو في موضع الحال. والمعنى: أنها تضعف ضعفًا فوق ضعف، أى: يتزايد ضعفها ويتضاعف؛ لأنّ الحمل كلما ازداد وعظم، ازدادت ثقلًا وضعفًا. وقرئ: (وهنا على وهن) بالتحريك. عن أبى عمرو. يقال: وهن يوهن، ووهن يهن،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ظلمٌ لا يُكْتَنهُ عِظَمُه) خبرٌ لـ ((أنّ)) وقوله: ((ولا يُتصوَّر أن يكونَ منه)) اعتراضٌ توكيدٌ لقوله: ((لا نعمةَ إلا هي منه)).
قوله: (رجع عَوْدًا على بدء)، وأصله قولهم لمن يستأنف العمل: رجع عَودَه على بَدْئه؛ أي: رجع يَعودُ عودًا على بدئه، ثم حُذف الفعل وجُعل المصدر دليلاً عليه، وأُضيف إلى ضمير ذي الحال. والمثالُ تُرِكَ فيه الضَّمير، والمصدرُ ليس بحالٍ، وإنّما الحالُ مَدْلوله، وهو الفعل.
قال أبو البقاء: المصدر هنا حالٌ، أي: ذاتُ وَهْنٍ، أو مَوْهُونة.
قوله: (((وَهَنًا على وَهَن))؛ بالتَّحريك عن أبي عمرو) أي: في قراءته الشاذة. روى ابن جِنِّي عن أبي عمرو وعيسى الثَّقفيِّ: ((وَهَنًا على وَهَنٍ)) فيهما، والكلام فيه كالكلام في قوله: ﴿يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]، وهو أنهم يحركون الساكن في حروف الحَلْق في مثل هذه المواضع.
стр. 6485
وقرئ: (وفصله)، (أَنِ اشْكُرْ) تفسيٌر لـ (وصينا) (ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أراد بنفي العلم به نفيه، أى: لا تشرك بى ما ليس بشيء، يريد الأصنام، كقوله تعالى: (ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ)] العنكبوت: ٤٢ [. (مَعْرُوفاً) صحابًا، أو مصاحبًا معروفًا حسنًا بخلق جميل وحلم واحتمال وبر وصلة، وما يقتضيه الكرم والمروءة، (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ) يريد: واتبع سبيل المؤمنين في دينك ولا تتبع سبيلهما فيه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفَصْلُه) بسكون الصاد، قال ابن جنِّي: وهي قراءة الحسن وغيره، والفَصْل أعمُّ من الفِصَال، والفِصَالُ هاهنا أوقع؛ لأنه موضع يختص بالرَّضاع، وهو مصدر ((فاصلتُه))، فعبَّر عن هذا المعنى، وإن كان الأصل واحدًا.
قوله: (أراد بنَفْي العمل به نَفْيَه) أو هو من باب نَفْي الشيء بنَفْي لازِمِه، وذلك أنَّ العلمَ تابعٌ للمعلوم، فإذا كان الشيءُ معدومًا لم يتعلَّق به موجودًا.
الانتصاف: هو من باب
على لاحِبٍ لا يُهتدى بمَنارِهِ
أي: لا تشرك بي ما ليس بإلهٍ، فيكون لك به علم، وليس من باب ما ذكره في قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨].
قال ابن الحاجب: لا يستقيم أن يكونَ ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ بدلاً عن ﴿بِي﴾؛ لأنه يقال: أشرك زيدٌ كذا بكذا؛ أي: جعلَه شريكًا له، وهم كانوا يجعلون لله شُركاءَ، وجعلوا لله شركاءَ، فالوجهُ أنه مفعول ﴿تُشْرِكَ﴾، فلو جُعل ﴿تُشْرِكَ﴾ بمعنى: تكْفُر، وجُعلت ((ما)) نكرةً أو بمعنى ((الذي)) بمعنى: كُفْرًا، أو الكفر، ويكون نصبًا؛ لكان وجهًا حسنًا.
стр. 6486
وإن كنت مأمورًا بحسن مصاحبتهما في الدنيا، ثم إلىّ مرجعك ومرجعهما، فأجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما، علم بذلك حكم الدنيا وما يجب على الإنسان في صحبتهما ومعاشرتهما: من مراعاة حق الأبوة وتعظيمه، وما لهما من المواجب التي لا يسوغ الإخلال بها، ثم بين حكمهما وحالهما في الآخرة. وروى: أنها نزلت في سعد بن أبى وقاص وأمّه. وفي القصة: أنها مكثت ثلاثًا لا تطعم ولا تشرب حتى شجروا فاها بعود. وروى أنه قال: لو كانت لها سبعون نفسًا فخرجت، لما ارتددت إلى الكفر. فإن قلت: هذا الكلام كيف وقع في أثناء وصية لقمان؟ قلت: هو كلام اعترض به على سبيل الاستطراد، تأكيدًا لما في وصية لقمان من النهى عن الشرك. فإن قلت: فقوله: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ) كيف اعترض به بين المفسر والمفسر؟ قلت: لما وصى بالوالدين: ذكر ما تكابده الأمّ وتعانيه من المشاق والمتاعب في حمله وفصاله هذه المدّة المتطاولة، إيجابًا للتوصية بالوالدة خصوصًا. وتذكيرًا بحقها العظيم مفردا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص) تقدَّم سببُ نزوله في العنكبوت.
قوله: (حتى شَجَروا فاها)، النهاية: أي: أدخلوا في شَجْرها عُودًا حتى يفتحوه به، والشَّجْر: مَفتحُ الفم، وقيل: هو الذَّقَنُ.
قوله: (لما وصّى بالوالدَينِ ذكر ما تُكابده الأمُّ) يريد أن جملةَ قولِه: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ على سبيل التَّعليل تذكيرًا.
الانتصاف: هذا من قول الفقهاء: تعليلُ الحُكمِ يُفيده تأكيدًا.
قوله: (وتذكيرًا بحقِّها العظيم مفردًا)، قيل: مفردًا يجوز أن يكون حالاً من قوله: ((ما تُكابِدُه)) أي: ذكر ما تُكابِدُه مفردًا، وأن يكون حالاً من ((بحقِّها)) والأصوب أن يكون صفة لـ ((تذكيرًا))؛ أي: إيجابًا خصوصًا وتذكيرًا مفردًا، يعني: إنما أدخل ذكر ما تكابده الأُمُّ
стр. 6487
ومن ثمّ قال رسول الله ﷺ لمن قال له: من أبر؟ «أمّك ثم أمّك ثم أمّك» ثم قال بعد ذلك «ثم أباك». وعن بعض العرب أنه حمل أمه إلى الحج على ظهره وهو يقول في حدائه بنفسه:
أحمل أمّى وهي الحمّاله
ترضعنى الدرّة والعلالة
ولا يجازى والد فعاله
فإن قلت: ما معنى توقيت الفصال بالعامين؟ قلت: المعنى في توقيته بهذه المدة أنها الغاية التي لا تتجاوز، والأمر فيما دون العامين موكول إلى اجتهاد الأم: إن علمت أنه يقوى على الفطام فلها أن تفطمه، ويدل عليه قوله تعالى: (وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) [البقرة: ٢٣٣] وبه استشهد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين المفسِّر والمفسَّر اهتمامًا بشأن التَّوصية في حقها؛ ليكون إيجابًا للتوصية في حقها؛ ليكون إيجابًا للتوصية خصوصًا وتذكيرًا بحقِّها مستقلاًّ.
قوله: (لمن قال له: مَنْ أبرُّ؟ ) روينا عن الترمذيِّ، عن بَهْزِ بن حَكيم، عن أبيه، عن جَدِّه قال: قلتُ يا رسول الله، من أَبَرُّ؟ قال: ((أُمَّك)). قال: قلتُ: ثمَّ مَنْ؟ قال: ((أمَّكَ)) قال: قلت: ثمَّ مَن. قال: أمَّكَ. قال: قلتُ: ثمَّ مَنْ؟ قال: ((ثمَّ أباكَ، ثمَّ الأقربَ فالأقربَ)). ولأبي داودَ قريبٌ منه.
قوله: (تُرضِعُني الدِّرَّة والعُلالة) الدِّرَّةُ: كثرةُ اللَّبنِ وسَيلانُه، والعُلالة: بقيَّة اللَّبن، والحَلْبة بين الحَلْبتينِ، وبقيَّةُ جَرْيِ الفرس.
стр. 6488
الشافعي ﵀ على أن مدة الرضاع سنتان، لا تثبت حرمة الرضاع بعد انقضائهما، وهو مذهب أبى يوسف ومحمد. وأما عند أبى حنيفة ﵀ فمدة الرضاع ثلاثون شهرًا. وعن أبى حنيفة: إن فطمته قبل العامين فاستغنى بالطعام ثم أرضعته، لم يكن رضاعًا. وإن أكل أكلًا ضعيفًا لم يستغن به عن الرضاع ثم أرضعته، فهو رضاع محرم.
[(يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَاتِ بِهَا الله إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ)] ١٦ [
قرئ (مِثْقالَ حَبَّةٍ) بالنصب والرفع، فمن نصب كان الضمير للهنة من الإساءة أو الإحسان، أى: إن كانت مثلًا في الصغر والقماءة كحبة الخردل، فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة، أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلى (يَاتِ بِهَا الله) يوم القيامة فيحاسب بها عاملها (إِنَّ الله لَطِيفٌ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأمّا عند أبي حنيفة فمدَّة الرَّضاع ثلاثون شهرًا) قالوا: إن الآية عنده لبيان الرَّضاع المستحقِّ على الأُم، لا لبيان مدَّة الرَّضاع؛ لأن مدة الرَّضاع عنده ثلاثون شهرًا.
قوله: (الضمير للهنَة)، المُغرب: الهَنُ: كناية عن كلِّ اسم جنس، وللمؤنث هَنَةٌ، ولامُه ذاتُ وجهين، فمن قال: ((واو))، فالجمع هَنَوات، والتصغير هُنَيَّة. ومن قال: ((ها)) قال: هُنَيهةٌ، فقول المصنف: ((من الإساءة أو الإحسان)) إشارة إلى جنسيها.
قوله: (والقَماءة) الجوهري: وقَمُؤ الرَّجل بالضم قَماءً وقَماءة صار قَميئًا، وهو الصغير الذليل.
стр. 6489
يتوصل علمه إلى كل خفى (خَبِيرٌ) عالم بكنهه. وعن قتادة: لطيف باستخراجها، خبير بمستقرّها. ومن قرأ بالرفع: كان ضمير القصة، وإنما أنث المثقال؛ لإضافته إلى الحبة، كما قال:
كما شرقت صدر القناة من الدّم
وروى أنّ ابن لقمان قال له: أرأيت الحبة تكون في مقل البحر أى: في مغاصه يعلمها الله؟ فقال: إنّ الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة؛ لأنّ الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء. وقيل: الصخرة هي التي تحت الأرض، وهي السجين يكتب فيها أعمال الكفار. وقرئ: (فتكن) بكسر الكاف. من وكن الطائر يكن: إذا استقر في وكنته، وهي مقره ليلا.
[(يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)] ١٧ [
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما شَرِقَت صَدرُ القَناةِ مِن الدَّمِ) أوله:
وتَشْرَقُ بالقولِ الذي قد أَذْعْته
قوله: الشَّرَقُ: الشجا والغُصَّة، وقد شَرِق برِيقِه، أي: غَصَّ. أنَّث ((شَرِقَت)) لإضافة ((الصدر)) إلى ((القناة))، وصدر القناة: هو ما فوقَ نصفِه.
قوله: (إنَّ الله يعلمُ أصغرَ الأشياءِ في أخفى الأمكِنةَ). الانتصاف: هذا من باب التَّتميم البديع، تَمّم خفاءَها في نفسها بخَفاءِ مكانِها من الصَّخرة. قالت الخنساء:
وإنَّ صَخرًا لَتاتَمُّ الهُداةُ بِه … كأنَّه علَمٌ في رأسِه نارُ
قوله: (((فتكِنْ)) بكسرِ الكاف)، قال ابن جنِّي: هي قراءة عبد الكريم الجَزَريّ، كأنه منَ
стр. 6490
(وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ) يجوز أن يكون عامًا في كل ما يصيبه من المحن، وأن يكون خاصًا بما يصيبه فيما أمر به من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: من أذى من يبعثهم على الخير وينكر عليهم الشر (إِنَّ ذلِكَ) مما عزمه الله من الأمور، أى: قطعه قطع إيجاب والزام. ومنه الحديث: «لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل» أى لم يقطعه بالنية: ألا ترى إلى قوله ﵇: «لمن لم يبيت الصيام» ومنه: «إنّ الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه»، وقولهم: عزمة من عزمات ربنا. ومنه: عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده: عزمت عليك إلا فعلت كذا، إذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بدّ من فعله ولا مندوحة في تركه. وحقيقته: أنه من تسمية المفعول بالمصدر، وأصله من معزومات الأمور، أى: مقطوعاتها ومفروضاتها. ويجوز أن يكون مصدرًا في معنى الفاعل، أصله: من عازمات الأمور، من قوله تعالى: (فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ)] محمد: ٢١ [كقولك: جد الأمر،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المقلوب؛ لأن الكون الاستقرارُ، وعليه قالوا: قد تكَوَّن في منزله واستقرَّ.
قوله: (وأصلُه من معزوماتِ الأمور، أي: مقطوعاتِها ومفروضاتها)، النهاية: ومنه حديث: ((الزكاةُ عَزْمةٌ من عَزَماتِ الله))؛ أي: حقٌّ من حُقوقِه، وواجبٌ من واجباته.
стр. 6491
وصدق القتال. وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات، وأنها كانت مأمورًا بها في سائر الأمم، وأنّ الصلاة لم تزل عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما سواها، موصى بها في الأديان كلها.
[(وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ الله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)] ١٨ - ١٩ [
"تصاعر" و (تصعر): بالتشديد والتخفيف. يقال: أصعر خدّه، وصعره، وصاعره: كقولك أعلاه وعلاه وعالاه: بمعنى. والصعر والصيد: داء يصيب البعير يلوى منه عنقه. والمعنى: أقبل على الناس بوجهك تواضعًا، ولا تولهم شق وجهك وصفحته، كما يفعل المتكبرون. أراد: (وَلا تَمْشِ) تمرح (مَرَحاً)، أو أوقع المصدر موقع الحال بمعنى مرحا. ويجوز أن يريد: ولا تمش لأجل المرح والأشر، أى لا يكن غرضك في المشي البطالة والأشر كما يمشى كثير من الناس لذلك، لا لكفاية مهم دينى أو دنيوى. ونحوه قوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ)] الأنفال: ٤٧ [. والمختال: مقابل للماشي مرحًا. وكذلك الفخور للمصعر خدّه كبرًا (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) واعدل فيه حتى يكون مشيًا بين مشيين؛ لا تدب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وصَدَقَ القتالُ)، الأساس: رجل صادقُ الحَمْلةِ، وذو مَصدَقٍ في القتال، وصدقوهم القتال.
قوله: (و ﴿تُصَعِّرْ﴾ بالتشديدِ والتخفيف) ابنُ كثيرٍ وعاصمٌ وابنُ عامرٍ: بالتشديدِ من غيرِ ألف، والباقون: بالألف وتخفيف العين.
стр. 6492
دبيب المتماوتين، ولا تثب وثيب الشطار. قال رسول الله ﷺ : «سرعة المشي نذهب بهاء المؤمن»، وأما قول عائشة في عمر رضى الله عنهما «كان إذا مشى أسرع» فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت.
وقرئ: (وأقصد) بقطع الهمزة، أى: سدّد في مشيك من أقصد الرامي إذا سدّد سهمه نحو الرمية، (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) وانقص منه واقصر؛ من قولك: فلان يغض من فلان إذا قصر به ووضع منه، (أَنْكَرَ الْأَصْواتِ): أوحشها، من قولك:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (دبيبَ المُتماوتين)، النهاية: يقال: تَماوتَ الرَّجلُ إذا أظهَر من نفسه التَّخافُتَ والتَّضاعُفَ من العِبادة والزُّهد والصَّوم.
ومنه حديثُ عمرَ ﵁؛ رأى رجُلاً مطأطِئًا رأسه، فقال: ارفع رأسَك، فإن الإسلام ليسَ بمريض. ورأى رجُلاً متماوِتًا فقال: لا تُمِتْ علينا دينَنا أماتَك الله.
قوله: (كان إذا مشى أسرع)، النهاية: أن عائشة ﵂ نظرتْ إلى رجلٍ كادَ يموتُ تَخافُتًا، فقالت: ما لهذا؟ فقيل: إنَّه من القُرّاء، فقالت: كان عُمرُ سيِّدَ القُرّاء، وكان إذا مَشى أسرَعَ، وإذا قال أسمَعَ، وإذا ضَربَ أوجَعَ.
قوله: (إذا قصَّرَ به) أي: نَسَبه إلى التقصير أو القُصور، والباء علم المجاز، لأنَّ المجاز يكون بالزيادة كما يكون بالنقصان، والأصل: قصره، و ((وضع منه))؛ أي: حَطَّ من درجته، والتَّواضُع: التذلُّل، وهو من الوَضْع الذي خلافُ الرفعِ، والأصل وضعه، وحرف الجر علم المجازية كأشاد بذكره وجَذَب بضَبُعِه.
стр. 6493
شيء نكر، إذا أنكرته النفوس واستوحشت منه ونفرت. والحمار مثل في الذم البليغ والشتيمة، وكذلك نهاقه. ومن استفحاشهم لذكره مجردًا وتفاديهم من اسمه: أنهم يكنون عنه ويرغبون عن التصريح به، فيقولون: الطويل الأذنين، كما يكنى عن الأشياء المستقذرة: وقد عدّ في مساوي الآداب: أن يجرى ذكر الحمار في مجلس قوٍم من أولى المروءة. ومن العرب من لا يركب الحمار استنكافًا وإن بلغت منه الرجلة، فتشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير، وتمثيل أصواتهم بالنهاق، تم إخلاء الكلام من لفظ التشبيه، وإخراجه مخرج الاستعارة، وأن جعلوا حميرًا وصوتهم نهاقًا؛ مبالغة شديدة في الذم والتهجين، وإفراط في التثبيط عن رفع الصوت والترغيب عنه، وتنبيه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأساس: وضَع منه: غَضَّ منه ونقَض، يقال: عليك في هذا غَضاضَة؛ أي: نَقصٌ وعَيبٌ، وفُلانٌ غَضِيضٌ: ذليلٌ بَيِّنُ الغَضاضَة.
الراغب: الغَضُّ: النُّقصان من الطَّرْفِ والصوتِ وما في الإناء، يقال: غَضَّ وأغَضَّ.
قال ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] وقال: ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩] وغَضَضْتُ السِّقاءَ: نقصت ممّا فيه. والغَضُّ: الطَّرِيُّ: الذي لم يَطُل مُكْثُه.
وقوله: (وتَفاديهم) الأساس: ومن المجاز تَفادي منه: تَحاماه.
قوله: (وإن بَلغت منه الرُّجْلَة) أي: أعْيَتْهُ. الأساس: فلان راجلٌ بيِّنُ الرُّجلة، وحَملَك الله عن الرُّجْلَة.
قوله: (مبالغةٌ شديدةٌ في الذَّم والتَّهجين) إشارة إلى أنّ قوله: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ تعليلٌ للأمر بغَضِّ الصَّوت على الاستئناف، كأنَّه قيل: لمَ أَغضُّ الصَّوتَ؟ فأجيبَ: لأنَّك إذا رفعتَ صوتكَ كنتَ بمنزلةِ الحمارِ في أخسِّ أحوالِه. ثم ترك المشبَّه وأداة التشبيه ووجهه، وأخرجَ المشبَّه به مخرجَ الاستعارةِ المصرِّحة المركَّبة العقلية أو التمثيلية.
стр. 6494
على أنه من كراهة الله بمكان. فإن قلت: لم وحد صوت الحمير ولم يجمع؟ قلت: ليس المراد أن يذكر صوت كل واحٍد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع، وإنما المراد أن كل جنٍس من الحيوان الناطق له صوت، وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس، فوجب توحيده.
[(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ)] ٢٠ [
(ما فِي السَّماواتِ) الشمس والقمر والنجوم والسحاب وغير ذلك (وَما فِي الْأَرْضِ) البحار والأنهار والمعادن والدواب وما لا يحصى، (وَأَسْبَغَ) قرىّ بالسين والصاد، وهكذا كل سيٍن اجتمع معه الغين والخاء والقاف، تقول في سلخ: صلخ، وفي سقر:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من الحيوان الناطِقِ) أي: ذي الصَّوت، يقال: مالٌ صامِتٌ، ومالٌ ناطِقٌ.
قوله: (صَوْتُ هذا الجنسِ، فوجبَ توحيده) يريد: أن التعريف فيه تعريفُ الماهيَّةِ والحقيقةِ من حيثُ هي هي، وتمييزها من بين سائر الحقائق؛ نحو: الرجلُ خيرٌ من المرأة، فلا معنى للجمع.
قال صاحب ((الفرائد)): فعلى هذا ينبغي أن يقال: ((لصَوْتُ الحمارِ))، ويمكن أن يُجابَ: أن المقصودَ في الجمع التَّتميمُ والمبالغةُ في التَّنفير، فإنَّ الصوتَ إذا تَوافقت عليه الحميرُ كان أنكَرَ.
قوله: (﴿وَأَسْبَغَ﴾، قرئ بالسِّين والصّاد) وبالصَّاد شَاذٌّ.
قال ابنُ جنِّي: هي قراءة يحيي بن عُمارة، وأصلُها السِّين إلا أنها أُبدلت للغَيْنِ صادًا، كما قالوا في سالغ: صالغ، وذلك أن حروفَ الاستعلاءِ تجذبُ السِّيَن عن
стр. 6495
صقر، وفي سالخ: صالخ. وقرئ: (نعمه)، و (نعمةً)، (ونعمته). فإن قلت: ما النعمة؟ قلت: كل نفع قصد به الإحسان، والله تعالى خلق العالم كله نعمةً، لأنه إما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سِفالتِها وحكى يونس عنهم في السّوق: الصوق.
سَلَغتِ البقرةُ والشاة تَسْلغُ سُلُوغًا: إذا أسقطَتِ السِّنَّ التي خَلْفَ السَّديس، يقال: سلغَت وصلَغتْ، ورجل سالغٌ وصالغ.
قوله: (﴿نِعَمَهُ﴾ و ((نِعْمةً)))، نافع وأبو عمرو وحفص: ﴿نِعَمَهُ﴾ على الجمع والتذكير، والباقون: على التوحيد.
قال الزَّجاج: من قرأ ((نعمة)) فعلى معنى: ما أعطاهم من التوحيد، ومن قرأ: ﴿نِعَمَهُ﴾ فعلى: جميع ما أنعَمَ به عليهم. وقيل: التَّوحيد على الجنس؛ كقوله تعالى: ﴿إِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وعليه كلامُ المصنِّف.
قوله: (كل نَفْعٍ قُصِدَ به الإحسانُ) قال الإمام: النِّعمةُ عبارةٌ عن المنفعةِ المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، ومنهم من يقول: المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير. وقالوا: إنما زدنا هذا القيد؛ لأنَّ النِّعمةَ يُستحقُّ بها الشَّكر، وإذا كانت قبيحةً لا
стр. 6496
حيوان، وإما غير حيوان، فما ليس نعمةٌ على الحيوان، والحيوان نعمةٌ من حيث أنّ إيجاده حيًا نعمةٌ عليه؛ لأنه لولا إيجاده حيًا لما صح منه الانتفاع، وكل ما أدى إلى الانتفاع وصححه فهو نعمةٌ. فإن قلت: لم كان خلق العالم مقصودًا به الإحسان؟ قلت: لأنه لا يخلقه إلا لغرض، وإلا كان عبثًا، والعبث لا يجوز عليه، ولا يجوز أن يكون لغرٍض راجع إليه من نفع؛ لأنه غنى غير محتاٍج إلى المنافع، فلم يبق إلا أن يكون لغرٍض يرجع إلى الحيوان؛ وهو نفعه. فإن قلت: فما معنى الظاهرة والباطنة؟ قلت: الظاهرة: كل ما يعلم بالمشاهدة، والباطنة ما لا يعلم إلا بدليل، أو: لا يعلم أصلًا، فكم في بدن الإنسان من نعمةٍ لا يعلمها ولا يهتدى إلى العلم بها، وقد أكثروا في ذلك: فعن مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصرة على الأعداء، والباطنة: الإمداد من الملائكة. وعن الحسن رضى الله عنه: الظاهرة: الإسلام. والباطنة: الستر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يستحقُّ بها الشُّكر. والحقُّ أن هذا القَيْدَ غيرُ معتَبرٍ؛ لأنه يجوز أن يُستحقَّ الشكرُ بالإحسان وإن كان فِعْله محظورًا؛ لأن جهةَ استحقاقِ الشُّكر غيرُ جهةِ استحقاقِ الذَّم والعقابِ، فأيُّ امتناعٍ في اجتماعهما؟
ألا ترى الفاسق يستحقُّ الشُّكرَ لإنعامِه، والذمَّ لمعصيةِ الله تعالى، فلمَ لا يجوز أن يكون الأمرُ هاهنا كذلك؟
أما قولنا: ((المنفعة))، فلأنَّ المضرَّةَ المَحْضَةَ لا تكون نعمةً. وقولنا: ((المفعولة على جهة الإحسانِ))؛ لأنه لو كان نفعًا وقَصَد الفاعل به نَفْع نَفْسِه لا نَفْعَ المفعولِ به، لا يكون نعمةً، وذلك كمن أحسَنَ إلى جاريته ليربحَ عليها.
قوله: (الظاهرة: الإسلامُ، والباطنة: السَّترُ) قال في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]: مَن أنعَمَ الله تعالى عليه بنعمة الإسلام لم تَبْقَ نعمةٌ إلا أصابتْهُ. وفي قوله: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٠]: فيه دليلٌ على أن كَشْف العَوْرةِ من عظائم
стр. 6497
وعن الضحاك: الظاهرة: حسن الصورة، وامتداد القامة، وتسوية الأعضاء. والباطنة:
المعرفة. وقيل: الظاهرة: البصر، والسمع، واللسان، وسائر الجوارح الظاهرة. والباطنة:
القلب، والعقل، والفهم، وما أشبه ذلك. ويروى في دعاء موسى ﵇: "إلهى، دلني على أخفى نعمتك على عبادك؛ فقال: أخفى نعمتي عليهم النفس". ويروى أن أيسر ما يعذب به أهل النار: الأخذ بالأنفاس.
[(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ الله قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَ لَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ)] ٢١ [
معناه أَيتبعونهم وَلَوْ (كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ) أى: في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب.
[(وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى الله عاقِبَةُ الْأُمُورِ)] ٢٢ [
قرأ على بن أبى طالب رضى الله عنه: (ومن يسلم) بالتشديد، يقال: أسلم أمرك وسلم أمرك إلى الله. فإن قلت: ماله عدّى بـ (إلى)، وقد عدّى باللام في قوله: (بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ)] البقرة: ١١٢ [؟ قلت: معناه مع اللام: أنه جعل وجهه، وهو ذاته ونفسه سالمًًًا لله؛ أى: خالصًا له. ومعناه مع (إلى): أنه سلم إليه نفسه كما يسلم المتاع إلى الرجل إذا دفع إليه. والمراد التوكل عليه والتفويض إليه (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى) من باب التمثيل؛ مثلت حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأمورِ، ولم يَزلْ مُستَهجَنًا في الطِّباعِ، مُستَقْبَحًا في العقول، فنعمةُ الإسلامِ نعمةٌ جزيلةٌ، ونعمةُ التَّستُّرِ نعمةٌ جميلةٌ، وتلك مَوفُورة ظاهرةٌ، وهذه مَستورةٌ ساترة.
قوله: (الظاهرة: البصر) البَصَرُ: تحقُّقُ الشيء الباصِرَة، والنَّظر: تقليب الحَدَقةِ نحو المَرئيِّ التماسًا لرؤيته، والأعمى له نَظرٌ وليس له بَصَرٌ.
стр. 6498
شاهق، فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروةٍ من حبٍل متيٍن مأموٍن انقطاعه (وَإِلَى الله عاقِبَةُ الْأُمُورِ) أى: هي صائرة إليه.
[(وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ)] ٢٣ - ٢٤ [
قرئ: "يحزنك" و (يحزنك) من: حزن وأحزن. والذي عليه الاستعمال المستفيض: أحزنه ويحزنه. والمعنى: لا يهمنك كفر من كفر وكيده للإسلام، فإن الله دافع كيده في نحره، ومنتقم منه، ومعاقبه على عمله (إِنَّ الله) يعلم ما في صدور عباده، فيفعل بهم على حسبه. (نُمَتِّعُهُمْ) زمانا (قَلِيلًا) بدنياهم (ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ)؛ شبه إلزامهم التعذيب وإرهاقهم إياه باضطرار المضطرّ إلى الشيء الذي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ: ((يُحْزِنْكَ)) و ﴿يَحْزُنكَ﴾)، الأولى: لنافعٍ، والثانية: لغيره.
قوله: (والذي عليه الاستعمال) أي: يستعملون ((أَحزَنَ)) في الماضي، و ((يَحزُنُ)) في المستقبل.
قوله: (شَبَّه إلزامَهم التَّعذيبَ) وقوله: (الغِلَظُ: مُستعارٌ من الأجرام) يؤذن أن في هذه الفاصلة استعارتينِ تَبَعيَّتينِ:
إحداهما: في قوله: ﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾ فإنّه شبَّه إلزامَهم التعذيبَ باضطرارِ المُضطَرِّ إلى الشيء، فاستُعير له الاضظرار ثم سَرَى منه إلى الفعل.
وثانيتهما: وَصْفُ العذاب بالغَليظ، وهو صفةٌ مشبَّهةٌ تُوصَفُ بها الأجسام. والاستعارةُ الأُولى واقعةٌ على سبيل التَّمثيل، ومن ثَمَّ اعتبر أمورًا متوهَّمة.
стр. 6499
لا يقدر على الانفكاك منه. والغلظ: مستعار من الأجرام الغليظة. والمراد. الشدّة والثقل على المعذب.
[(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الله قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ الله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ)] ٢٥ - ٢٧ [
(قُلِ الْحَمْدُ لِلَّه) إلزام لهم على إقرارهم بأنّ الذي خلق السماوات والأرض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الانتصاف: تفسير هذا الاضطرار هو أنهم لشدَّة ما يُكابدون من النار يطلبون البرد، فيُسَلِّطُ عليهم الزَّمْهَرير، فيكون أشدَّ عليهم من اللهب، فيسألون العَوْدَ إلى اللهب اضطرارًا، فهو اختيار عن اضطرارٍ.
وبأذيالِ هذه البلاغة تعلَّق الكنديُّ في قولِه:
يروْنَ الموتَ قُدّامًا وخلفًا … فيختارون والموتُ اضطرارُ
فيختارون؛ أي: الموت.
قوله: (﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلزامٌ لهم على إقرارِهم) يعني: لما اعترفتم بأنّ خالق السّماوات والأرض هو الله، يَجبُ عليكم أن تعرفوا أنَّ العبادةَ مختصَّةٌ به؛ لأنَّ كلَّ فضيلةٍ ونعمةٍ منه لا من غيره، فلا تشكروا إلاّ إيّاه، فيكون قولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تَتْميمًا للتَّبكيت المستَفادِ من قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وقَوْلُه: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إيغالٌ؛ لأنَّ النُّكتةَ فيه تجهيلُهم؛ وأن جَهْلَهم انتهى إلى أنهم لا يعلمون أنَّ الحمدَ لله إلزامٌ لهم.
وقوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تَهاونٌ بهم، وإبداءٌ أنّه تعالى مُستَغْنٍ عنهم
стр. 6500
هو الله وحده، وأنه يجب أن يكون له الحمد والشكر. وأن لا يعبد معه غيره، ثم قال: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) أنّ ذلك يلزمهم، وإذا نبهوا عليه لم ينتبهوا (إِنَّ الله هُوَ الْغَنِيُّ) عن حمد الحامدين المستحق للحمد، وإن لم يحمدوه.
قرئ: (والبحر) بالنصب عطفًا على اسم (أنّ)، وبالرفع عطفًا على محل (أن) ومعمولها؛ على: ولو ثبت كون الأشجار أقلامًا، وثبت البحر ممدودًا بسبعة أبحٍر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعن حَمْدِهم، ولذلك علله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، وإليه الإشارةُ بقوله: ((وإن لم يَحْمَدُوه)).
قوله: (قرئ: ((والبحرَ)) بالنَّصب)، أبو عمرو، وبالرفع: غيرُه.
قوله: (عطفًا على محلِّ ((أنّ)) ومعمولها؛ على: ولو ثبت كون الأشجار) قال الزَّجاجُ: لأن ((لو)) تطلب الأفعالَ.
وقال ابن جِنِّي: وأما رفعُ ﴿لْبَحْرُ﴾، فإن شئتَ كان معطوفًا على موضع ((أنَّ)) واسمِها، وإن كانت مفتوحةً كما عُطف على موضعها في قوله تعالى: ﴿نَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣].
وقال ابن الحاجب في ((الأمالي)): ((من قرأ ((والبحرَ)) بالنَّصب فمعطوفٌ على اسم ((أنَّ))، و ﴿يَمُدُّهُ﴾ خبرٌ له؛ أي: لو ثبت أنَّ البحرَ ممدودٌ من بَعْدِه بسبعةِ أبحُرٍ، ولا يستقيم على هذا أن يكون ﴿يَمُدُّهُ﴾ حالاً؛ لأنه يؤدِّي إلى تقييد المبتدأ الجامدِ بالحال؛ لأنها بيانٌ لهيئة الفاعل والمفعول، والمبتدأُ ليس كذلك، ويؤدِّي أيضًا إلى أن يبقى المبتدأ لا خَبرَ له. ولا يستقيمُ أن يكونَ ﴿أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] خبرًا له؛ لأنه خبرُ الأوَّل.
стр. 6501
أو على الابتداء والواو للحال، على معنى: ولو أنّ الأشجار أقلاٌم في حال كون البحر ممدودًا، وفي قراءة ابن مسعود: و (بحر يمدّه) على التنكير،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأمّا مَن قرأ بالرَّفع فمعطوفٌ على فاعل ((ثبت)) المُرادُ بعد ((لو))، وهو ((أنَّ)) واسمُها وخبرُها جميعًا، يُقَدَّرُ بالمفرد، فـ ((البحر)) معطوفٌ على ما هو في معنى الكَوْن المقدَّر، فعلى هذا: ﴿يَمُدُّهُ﴾ لا يصحُّ أن يكون خبرًا، فيجب أن يكون حالاً؛ أي: لو ثبت البحر في حال كونِه ممدودًا بسبعة أبحُرٍ. ولا يستقيمُ أن يُقالَ: إن ((البحرَ)) معطوفٌ على موضع ((أن))؛ لأنَّ العطفَ على الموضع في ((أن)) شَرطُه أن تكون مكسورة، ومثلِ: ﴿نَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] لوُقوعه بعدَ قولِه: ﴿وَأَذَانٌ﴾ [التوبة: ٣] بمعنى: وإعلامٌ، وهو مثل: عملتُ أنَّ زيدًا قائمٌ وعمروٌ، وإنَّما لم يعطف على المفتوحة لفظًا ومعنىً؛ لأنَّها واسمَها وخبرَها بتأويل جزءٍ واحدٍ، فلو قدَّرْتَ أنها في حُكمِ العَدَم لأَخلَلتَ بموضوعها بخلاف ((إنَّ)) المكسورةَ؛ لأنها لا تغير المعنى، فجاز تقديرُ عَدَمِها لكونها للتأكيد المَحْضِ، كما جاز تقديرُ عَدَم الباء المؤكِّدة في قوله:
فلسْنا بالجبالِ ولا الحديدا)).
قوله: (أو على الابتداء) عطفٌ على قوله: ((عطفًا على محلِّ ((أن)) ومعمولها))، وإنما قيَّد هذا الوجهَ بقوله: ((والواوُ للحال))؛ لأنّ العطفَ يُوجِبُ المحذورَ الذي أشار إليه ابنُ الحاجبِ.
قوله: (ولو أنَّ الأشجارَ أقلامٌ) على تأويل: لو ثبتَ أنَّ الأشجارَ أقلامٌ؛ ليكون عاملُ الحالِ ((ثَبت)).
стр. 6502
ويجب أن يحمل هذا على الوجه الأوّل. وقرئ: (يمدّه) و (يمدّه) وبالتاء والياء. فإن قلت: كان مقتضى الكلام أن يقال: ولو أنّ الشجر أقلاٌم، والبحر مداد. قلت: أغنى عن ذكر المداد قوله: (يمدّه)، لأنه من قولك: مدّ الدواة وأمدّها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويَجب أن يُحمل هذا على الوجه الأوّل) وهو أن يكونَ ((البحرُ)) مرفوعًا عطفًا على محل ((أن)) ومعمولها، وذلك بأن يكونَ في تقديرِ الفاعلِ للفعلِ المقدَّر؛ أي: لو ثبت بحرٌ ممدود، ويفهم منه عدمُ جوازِ الحال؛ لأن بحرًا نكرة إذن.
ولهذا قال صاحب ((التقريب)): ((بحر)) عطف على موضع ((أن))، لا مبتدأ.
قال ابن جني: قرأ طلحةُ بن مُصَرِّف: ((ويَحْرٌ يَمُدُّه)) رفع ((بحرٌ)) بالابتداء، وخبرُه محذوفٌ؛ أي: هناك بحرٌ يمدُّه من بعدِه سبعةُ أبحُرٍ، فالواوُ واوُ الحالِ لا مَحالةَ، ولا يجوز أن يَعطفَ ((وبحرٌ)) على ((أقلام))؛ لأنّ البحرَ وما فيه ليس من حديثِ الشَّجرِ والأقلام، وإنّما هو من حديث المدَادِ.
وقال أبو البقاءِ: ﴿مِن شَجَرَةٍ﴾ حالٌ من ضميرِ الاستقرارِ ومن ((ما)).
قوله: (وقُرئ: ﴿يَمُدُّهُ﴾ و ((تَمدُّه)) بالياء والتاء) بالياء التَّحتانيّةِ: المشهورةِ، وبالتّاءِ: الشّاذةِ.
وقال ابن جِنّي: وأمّا ((يُمدُّه)) بضمِّ الياءِ فتشبيه بإمدادِ الجيشِ، يقال: مَدَّ النهرُ ومدَّهُ نَهرٌ آخَرُ، وأمَدذتُ الجيشَ بمدَدٍ.
قوله: (أغنى عن ذِكرِ المِداد قولُه: ﴿﴾) يعني: ذَكرَ فيه ما يَدلُّ على المقصود مع ما
стр. 6503
جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوءةً مدادًا، فهي تصب فيه مدادها أبدًا صبًّا لا ينقطع. والمعنى: ولو أنّ أشجار الأرض أقلاٌم، والبحر ممدوٌد بسبعة أبحر، وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله، لما نفدت كلماته ونفدت الأقلام والمداد، كقوله تعالى (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي)] الكهف: ١٠٩ [فإن قلت: زعمت أنّ قوله: (وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ) حال في أحد وجهى الرفع، وليس فيه ضمير راجع إلى ذى الحال. قلت: هو كقوله:
وقد اغتدى والطّير في وكناتها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يزيدُ في المبالغةِ، وهو تصويرُ الإمدادِ المستمرِّ حالاً بعد حالٍ، وتعليقُ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾، وذكر السَّبعة؛ ليكون على وِزانِ قولِه: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] في إفادة الشُّمولِ والإحاطةِ، وإليه الإشارةُ بقوله: ((فهي تَصُبُّ فيه مِدادَها أبدًا صَبًّا لا ينقطعُ)). ولو قيل: ((والبحرُ مِدادًا)) لم يُفِد هذه الفائدةَ.
قوله: (وكُتِبَتْ بتلك الأقلام وبذلك المِدادِ كلماتُ الله) يشير إلى أنَّ في الكلام حذفًا.
قال ابنُ جنّي: في الآية حذفٌ تقديرُه: فكُتبتْ بذلك كلماتُ الله ما نَفِدَتْ، فحُذِفَ لدلالةِ الكلامِ عليه؛ كقولهِ تعالى: ﴿مَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ أي: فحَلَقَ فعَلَيْه فِدية، فاكتفى بالمُسَبِّبِ- وهو الفِدْية- عن السَّببِ وهو الحَلْق.
قوله: (وقد أغتَدي والطَّيرُ في وُكُناتِها) تمامُه:
بمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوابدِ هَيْكَلِ
قولُه: الاغتداءُ: الغُدوُّ. والوُكْنَةُ: موقعة الطَّير. وانجَردَ في سيره؛ أي: مضى، أي: أن المنجردَ لسرعتِه يقيِّدُ الوحشَ لا يدعُه يبْرحُ، والهيكلُ مِن الخيلِ: الفرَسُ الطَّويلُ الضَّخمُ،
стр. 6504
و: جئت والجيش مصطٌف، وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف. ويجوز أن يكون المعنى: وبحرها، والضمير للأرض. فإن قلت: لم قيل: (مِنْ شَجَرَةٍ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبَيتُ النّصارى يُسمَّى هيكلاً، وقيل: بمُنْجَرِدٍ: قصيرِ الشَّعرِ. والمعنى: أغتَدي في السَّحَرِ للصَّيدِ، ـ والحالُ أنَّ الطَّيرَ بَعدُ مستقرةٌ في أوكارِها.
قوله: (جئتُ والجيشُ مصطَفٌّ) أي: جئتُ القومَ والحالُ أنَّ الجيشَ قد اصطَفَّ للقتال.
وفي ((التَّهذيب)): بحقيقةِ أنّه إذا رجَعَ إلى معنى الظَّرفِ يكون متضمِّنًا للضَّمير؛ أي: جئتُ كائنًا في حالِ اصطفافِ الجيش، وتقديرُ الحالِ الأُولى: أَتيتُ بُكْرةً باكرةً، وتقدير الحال الثانية: والجيشُ مصطَفٌّ عندي.
قوله: (مِنَ الأحوالِ التي حُكْمها حُكْمُ الظرّوف) أي: الظروف الملغاة.
قال في ((المُفصَّل)): شَبَّهَ الحالَ بالمفعولِ من حيثُ أنّها مفعولٌ فيها.
قال صاحب ((التخمير)): الحال يُشبِه الظَّرفَ مِنْ حَيْثُ إنَّك إذا قلتَ: ((جاء زيدٌ راكبًا))، فمعناه: جاء زيد حالَ كونِه راكبًا، فقولك: حال كونِه راكبًا ظرفٌ. وقال: عندي أنّه يجوز أنْ يكون الواو في مثل: ((جئتُ والشَّمسُ طالعةٌ)) واوَ الظرفِ؛ لاستقامة: جئتُ وقتَ طلوعِ الشَّمسِ، والظَّرفُ والحالُ مشتبهان جدًّا، ولذلك اشتَبها في قولِك: جاءا معًا وذهبا معًا.
قال عليُّ بن عيسى: نَصْبُ ((معًا)) على الحالِ، كأنه قيل: ذهبا مجتمعَين، ويجوز على الظرف، كأنه قيل: ذَهَبا في وقتِ اجتماعِهما.
قوله: (ويجوز أن يكون المعنى وبحْرُها) أي: بكَوْنِ الراجعِ إلى ذي الحال الألفَ واللامَ اللَّذينِ أُقيما مقامَ الضَّميرِ المضافِ إليه؛ كقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠].
فإن قلتَ: على الأوَّل كانتِ الجملةُ حالاً من المستقرِّ في الظَّرف الراجعِ إلى الموصولِ المعنيِّ به الشَّجرة، والمعنى ظاهر، فما المعنى على هذا التقدير؛ وهو أن يكونَ ذو الحالِ الأرض؟
стр. 6505
على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجٌر؟ قلت: أريد تفصيل الشجر وتقصيها شجرةً شجرةً، حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا قد بريت أقلامًا. فإن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: الحالُ في الحقيقة صفةٌ لصاحبها، فيكون المعنى: لو ثَبَت كونُ الأشجارِ المستقرَّةِ في الأرض التي بَحْرُها كالدَّواة يَمُدُّها أبحرٌ سبعةٌ أقلامًا. وهذا أبلغُ لاحتمالِ التّعريفِ في البحر على الأوَّلِ العهدَ، وهو الحِصَّةُ المعلومةُ عند المخاطَبِ فلا يَعُمّ، وإليه أشار بقوله: ((جَعَلَ البحرَ الأعظمَ بمنزلة الدَّواةِ)) بخلاف الإضافة والنِّسبةِ، فإنّها تَستَغرقُ جميعَ ما يُنسَب إليها، سواءً عَلِمَه المخاطَبُ أم لا. وأيضًا أن يَفرضَ الأبحُرَ الممدودةَ بها خارجةً ممّا هو فيها بخلاف الأوَّلِ.
قوله: (وتَقصِّيها شجرةً شجرةً)، الأساس: واستقصيتُ الأمرَ وتقصَّيتُه: بَلغْتُ أَقصاهُ في البحث عنه.
قوله: (ولا واحدِهِ) يروي بكسر الدّال والإضافة إلى ضمير الجِنْسِ، ويروي بالتاء وضمِّها، والأول أظهر من حيث اللفظ والمعنى. أما الأول: فإن الاستثناءَ مفرَّغٌ، وقوله: ((وقد بُرِيَتْ أقلامًا)) حال، والمذكورُ نكرةٌ لا يَصْلُحُ أنْ يكونَ ذا حال المُقَدَّر؛ لأنَّ التقديرَ حينئذٍ لا يبقى من جنسِ الشَّجرِ أفرادٌ ولا واحدةٌ بخلاف الأَوَّل، فإنَّ التقدير: لا يبقى من جنس الشَّجر البقيّةُ، ولا من واحدِ الجنس. وأمّا الثّاني: فإنّ قولَه: ((ولا واحدةٌ)) جيء به مؤكِّدًا لشمول الماهيَّةِ؛ أي لم تبق مِن هذه الحقيقة بقيَّة، ولا كذلك الأول لأنّ من نَفْيِ الفرد لا يَلزمُ نَفْيُ بقيَّةٍ منه، كلُّ هذه الفوائد إنّما تُستفادُ من جعل اسمِ ((أَنَّ)) موصولاً لا مبهمًا، ثمَّ البيان بالماهيّة وحَمْل أقلامٍ -وهو جَمعٌ- عليه كأنَّ هذا السؤالَ والجوابَ من تَتمَّةِ سؤاله السّابقِ؛ لأنّه سأل عن شيئينِ: عن الشّجرِ أقلَامٌ وعن البحرِ مدادٌ، فأجاب عن الثاني وترك الأَوَّلَ.
стр. 6506
قلت: الكلمات جمع قلة، والموضع موضع التكثير لا التقليل، فهلا قيل: كلم الله؟ قلت: معناه أنّ كلماته لا تفي بكتبتها البحار، فكيف بكلمة؟ وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أنها نزلت جوابًا لليهود لما قالوا: «قد أوتينا التوراة وفيها كل الحكمة»، وقيل: إن المشركين قالوا: إنّ هذا -يعنون الوحي- كلام سينفد، فأعلم الله أن كلامه لا ينفد. وهذه الآية عند بعضهم مدنية، وأنها نزلت بعد الهجرة، وقيل هي مكية، وإنما أمر اليهود وقد قريش أن يقولوا لرسول الله ﷺ : ألست تتلو فيما أنزل عليك: أنا قد أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء. (إِنَّ الله عَزِيزٌ) لا يعجزه شيء (حَكِيمٌ) لا يخرج من علمه وحكمته شيء، ومثله لا تنفد كلماته وحكمه.
[ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِير)] ٢٨ [
(إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ) إلا كخلقها وبعثها؛ أى: سواء في قدرته القليل والكثير، والواحد والجمع، لا يتفاوت، وذلك أنه إنما كانت تفاوت النفس الواحدة والنفوس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إنَّ هذا- يَعنونَ الوحْيَ- كلامٌ سينفَدُ) فسَّر هذا بالوحي دون القرآنِ؛ لأنّ الوحيَ غيرُ نافذٍ والقرآنُ نافذٌ عندَه، ومَنْ قال: المُشارُ إليه القرآنُ؛ أراد أنَّ مدلولَه لا يَنفدُ، وهو الكلام النَّفْسيُّ.
قوله: (ومثلُه لا تَنفَدُ كلماتُه وحِكَمُه)، ((مِثْلُ)) هاهنا كناية؛ نحوُ: مِثْلُك لا يَبخلُ، ليس هذا إثباتَ مِثْلٍ، وإنَّما المرادُ أنت لا تبخل، فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ كالتَّعليلِ لإثبات العِلمِ الواسع، كأنَّه قال: لانفادَ لعلمِه الواسع؛ لأنَّ المعلوماتِ إمّا كثيفةٌ تحتاج في إدراكها إلى علم متينٍ، فهو عزيزٌ لا يُعجِزُه شيءٌ عمّا يُريدُه، وإمّا لطيفةٌ يَفتقِرُ لإدراكِها إلى عِلْم دقيق، فهو حَكيمٌ يُدركُ بدقيق حكمتِه تلك المعانيَ والجواهرَ اللَّطيفةَ، فتكون الفاصلةُ كالتَّتميمِ لِما سَبقَ؛ لأنَّ بعض التعليلِ يُجاء به للمبالغة والتَّأكيدِ، ولذلك قالتِ الفقهاء: تَعليلُ الحَكيمِ يفيده تأكيدًا.
стр. 6507
الكثيرة العدد؛ أن لو شغله شأٌن عن شأٍن وفعٌل عن فعل، وقد تعالى عن ذلك. (إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ) يسمع كل صوٍت ويبصر كل مبصٍر في حالةٍ واحدة، لا يشغله إدراك بعضها عن إدراك بعض، فكذلك الخلق والبعث.
[أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ الله بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ الله هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)] ٢٩ - ٣٠ [
كل واحد من الشمس والقمر يجرى في فلكه، ويقطعه إلى وقٍت معلوم؛ الشمس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فكذلكَ الخَلقُ والبَعث) أي: كما أنَّ المعلوماتِ لا يَشغَلُه إدراكُ بعضِها عن إدراكِ بعضِ، كذلك المخلوقاتُ لا تَتفاوتُ فيما يراد منها مِنَ الإيجادِ والإعدامِ، فلا يَشْغَلُه فِعْلٌ عن فِعْل، فشبَّه المقدوراتِ فيما يراد منها بالمعلوماتِ فيما يُدرَكُ منها.
والظّاهر أنَّ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ تعليلٌ لإثباتِ القُدرةِ الكاملةِ بالعِلْمِ الواسعِ، وأنَّ شيئًا مِنَ المقدوراتِ لا يَشْغَلُه فيما يراد منه عن الآخَرِ؛ لأنّه تعالى عالم بتفاصيلها وجزئيّاتها يَتصرَّفُ فيها كيف شاء، كما يقال: فلان يُجيد تلك الصَّنعَةَ وهو ماهرٌ فيها؛ لأنه عارفٌ بدقائقها ومتمِّماتها. والمقصودُ من إيرادِ الوَصْفَين إثباتُ الحَشْرِ والنَّشْرِ؛ لأنَّهما عُمْدَتان فيه.
ألا ترى كيف عَقَّبَ بقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تقريرًا له؛ فَدَلَّ بالأَوَّلِ على عِظَم قُدْرَتِه، وبالثّاني على شمول عِلمِه. وإليه الإشارةُ بقوله: ((على عِظَمِ قُدرتِه وحكْمتِه)) فإنّه نَشْرٌ لقوله: ((أيضًا باللَّيلِ والنَّهارِ))، وقوله: ((وبإحاطته بجميع أعمال الخَلْقِ))، وذلك أنَّ قولَه: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عَطْفٌ على ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾، فَدَلَّ بالأَوَّلِ على القُدرةِ الكاملة، وبالثَّاني على الحكمةِ البالغة، فقولُه: ((وبإحاطته)) عطفٌ على ((باللَّيلِ والنَّهار))، وقولُه: ((وكلُّ ذلك)) مبتدأٌ، و ((على تقديرٍ وحساب)) خبره، والجملةُ معترِضةٌ.
стр. 6508
إلى آخر السنة، والقمر إلى آخر الشهر. وعن الحسن: الأجل المسمى: يوم القيامة؛ لأنه لا ينقطع جريهما إلا حينئٍذ. دلّ أيضًا بالليل والنهار وتعاقبهما وزيادتهما ونقصانهما وجرى النيرين في فلكيهما -كل ذلك على تقديٍر وحساب- وبإحاطته بجميع أعمال الخلق: على عظم قدرته وحكمته. فإن قلت: يجرى لأجٍل مسمى، ويجرى إلى أجٍل مسمى: أهو من تعاقب الحرفين؟ قلت: كلا، ولا يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع ضيق العطن، ولكن المعنيين -أعنى الانتهاء والاختصاص- كل واحٍد منهما ملائٌم لصحة الغرض؛ لأنّ قولك: يجرى إلى أجل مسمى معناه: يبلغه وينتهي إليه. وقولك: يجرى لأجٍل مسمًّى: تريد يجرى لإدراك أجٍل مسمًّى، تجعل الجري مختصًّا بإدراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أهو مِن تعاقبِ الحَرفَين) يعني: جاء في ((فاطر)): ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [فاطر: ١٣]، و ((إلى)) هاهنا، و ((اللام)) هناك أهما مما يَتعاقبُ كلُّ واحدةٍ منهما مكانَ صاحبَتها مِنْ غيرِ تفرقةٍ؟ أو بينَهما تفاوتٌ؟
وأجاب: أن بينهما بَونًا بعيدًا من حيث الوضع؛ لأنّ أحدَهما للانتهاء والآخَرُ للاختصاص، وكلُّ واحدٍ منهما ملائمٌ لصحَّة الغَرضِ في موضعهِ الخاصّ.
ويمكن ان يقال: إنَّ الغرضَ منهما الغايةُ، وهو حاصلٌ بهما؛ لأنّ الغاياتِ يَجمعُها معنى انتهاءِ الغايةِ والعِلَّة؛ لأنَّ ﴿يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ معناه: يجري إلى ما ينتهي إليه أجلُه، ويبلغ ما ضَربَ له من الحدِّ، و ﴿يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [فاطر: ١٣] معناه: يجري لإدراك أجلٍ معيَّن سُمّي له.
ولذلك فسَّر القاضي ﴿إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ بقوله: إلى منتهى الشَّمسِ إلى آخِرِ السَّنةِ والقمر إلى آخِر الشَّهر. كما فَسَّر المصنِّفُ ﴿لِأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [فاطر: ١٣] بهذا المعنى؛ لأنَّ مآلَ المعنَيَين إلى واحد.
стр. 6509
أجٍل مسمًّى. ألا ترى أن جرى الشمس مختٌّص بآخر السنة، وجرى القمر مختص بآخر الشهر؛ فكلا المعنيين غير ناٍب به موضعه. (لِكَ) الذي وصف -من عجائب قدرته وحكمته التي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون، فكيف بالجماد الذي تدعونه من دون الله- إنما هو بسبب أنه هو (الحق) الثابت إلهيته، وأنّ من دونه باطل الإلهية (وَأَنَّ الله هُوَ الْعَلِيُّ) الشأن (الْكَبِيرُ) السلطان. أو: ذلك الذي أوحى إليك من هذه الآيات بسبب بيان أنّ الله هو الحق، وأنّ إلهًا غيره باطٌل، وأنّ الله هو العلىّ الكبير عن أن يشرك به.
[لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ الله لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) [٣١]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ الذي وصَفَ مِن عجائب قدرتِه وحِكمتِه) إلى قوله: (إنَّما هو بسبب أنَّه الحقُّ) يعني: أتى باسم الإشارة بعد إجراء تلك الصفات على الذات المُتميِّزة؛ ليؤذن بأنَّ تلك الصِّفاتِ إنَّما تَثْبُتُ له لأنَّه هو الإلهُ الثَّابتُ الإلهيّة؛ لِمَا تقرَّر أَنَّ مَنْ كان إلهًا كان قادرًا خالقًا عالمًا معبودًا رازقًا، فهذه الآيةُ كالفَذْلَكَةِ لتلك الآيات من لَدُنْ قوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾، وكُلٌّ مِنْ فواصِلِها نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ مُتضمنةٌ لأسرارٍ لا يعلم كُنهَها إلا اللَّطيفُ الخبيرُ، وكما أنَّ قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ كالمُجْمَلِ لتلك المُفَصَّل؛ كذلك قرينتُها، أي: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ فذلكة تلك الفواصلِ، والله أعلم.
قوله: (فكيف بالجماد الذي يدعونه) الجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بمحذوف، وهو العامل في الاستفهام أيضًا؛ أي: فكيف ظنُّكم بالجماد؟ كقوله تعالى: ﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٧]. وإنما أدخلَ هذا المعنى في مفهوم ذلك الذي هو المبتدأ؛ لاشتمال خبرهِ على قوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾.
стр. 6510
قرئ: "الفلك" بضم اللام، وكل "فعل" يجوز فيه "فعل"، كما يجوز في كل "فعل": "فعل"، على مذهب التعويض. و (بنعمات الله) بسكون العين، وعين "فعلاٍت" يجوز فيها الفتح والكسر والسكون. (بِنِعْمَتِ الله) بإحسانه ورحمته (صَبَّارٍ) على بلائه (شَكُورٍ) لنعمائه، وهما صفتا المؤمن،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ: ((الفُلُكُ)) بضمِّ اللام) قال ابنُ جِنّي: وهي قراءة موسى بن الزُّبير، وحكي عن عيسى بن عُمَر أنه قال: ما سُمِعَ ((فُعلٌ)) بضمِّ الفاء وسكونِ العين إلا وقد سُمِعَ فيه ((فُعُلٌ)) بضَمِّ العين. فقد يكون هذا منه أيضًا.
قوله: (((وبنِعمات الله))) قال ابنُ جِنّي: ((بنِعْمات الله)) ساكنة العين، قَرأَها جماعةٌ؛ منهم الأعرجُ.
وقال الزَّجّاجُ: ويقرأ: ((بنعْمات الله)) بفتح العين وسكونها، وأكثرُ القرَّاءِ: ﴿بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ على الوحدة.
قوله: (﴿صَبَّارٍ﴾ على بلائه)، الرّاغبُ: الصَّبورُ: القادرُ على الصَّبرِ، والصّبّار: [يقال] إذا كان فيه ضَرْبٌ مِنَ التَّكلُّفِ والمجاهدة. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
قوله: (وهما صفتا المؤمن) يريد: ما وَردَ من قولهم: ((إنَّ الإيمانَ نصفان: نصفٌ صبرٌ ونصفٌ شكرٌ))؛ لأنَّ التَّكاليفَ أفعالٌ وتروكٌ، والتُّروكُ: صَبرٌ عن المألوف، والأفعال: شُكرٌ على المعروف.
стр. 6511
فكأنه قال: إنّ في ذلك لآياٍت لكل مؤمن.
[وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ)] ٣٢ [
يرتفع الموج ويتراكب، فيعود مثل الظلل، والظلة: كل ما أظلك من جبٍل أو سحاب أو غيرهما، وقرئ: (كالظلال)، جمع ظلةٍ، كقلة وقلال، (فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) متوسط في الكفر والظلم، خفض من غلوائه، وانزجر بعض الانزجار. أو: مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر، يعنى أنّ ذلك الإخلاص الحادث عند الخوف، لا يبقى لأحٍد قط، والمقتصد قليل نادر. وقيل: مؤمن قد ثبت على ما عاهد عليه الله في البحر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروى الزَّجَّاجُ، عن قتادة: أَحَبُّ العِبادِ إلى الله تعالى مَن إذا أُعطي شَكَر، وإذا ابتُلى صَبرَ.
قوله: (فكأنه قال: إنَّ في ذلك لآياتٍ لكلٍّ مؤمنٍ) فهو من الكنايةِ المطلوبِ بها نفسُ الموصوفِ؛ نحو: الإنسان حيٌّ مستوي القامة، عريضُ الأظفار.
قوله: (مِن غُلَوائه)، الأساس: هو منِّي بغَلْوَةٍ سَهمٍ، وتقول: خَفِّضْ مِنْ غُلَوائك، وفَعل ذلك في غُلَواءِ شَبابِه.
المغرب: يقال: غَلا بسهمه غَلْوًا به غِلاءً: إذا رمى به أبعدَ ما قَدِرَ عليه.
قوله: (وقيل: مؤمنٌ قد ثبتَ على ما عاهدَ عليه الله في البحر): يريد أنَّ قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم﴾ للتَّفصيلِ، فلا بُدَّ من النَّظَرِ إلى قِسْم آخَرَ غيرِ المقتصد، فإذا جعل ذلك ما دَلَّ عليه ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ قيل: فمنهم مقتصدٌ في الكفر ومنهم جاحِد، وإذا نُظَر إلى مُخْلصِين قيل: فمنهم مُقْتصدٌ في الإخلاص ومنهم جاحِد.
فالحاصلُ أنَّ المراد بالمقتصد الكافرُ باعتبارَين: إمّا متوسط في الظلم والكفر أو متوسط
стр. 6512
والختر: أشدّ الغدر. ومنه قولهم: إنك لا تمدّ لنا شبرًا من غدٍر إلا مددنا لك باعًا من ختر، قال:
وإنّك لو رأيت أبا عمير … ملأت يديك من غدر وختر
[يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِالله الْغَرُورُ)] ٣٣ [
(لا يَجْزِي) لا يقضى عنه شيئا، ومنه قيل للمتقاضى: المتجازى، وفي الحديث في جذعة ابن نيار: "تجزى عنك ولا تجزى عن أحد بعدك"، وقرئ: (لا يجزئ)؛ لا يغنى. يقال: أجزأت عنك مجزأ فلان. والمعنى: لا يجزى فيه، فحذف. (الْغَرُورُ) الشيطان. وقيل: الدنيا، وقيل: تمنيكم في المعصية المغفرة. وعن سعيد بن جبير رضى الله عنه: الغرّة بالله: أن يتمادى الرجل في المعصية، ويتمنى على الله المغفرة. وقيل: ذكرك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الإخلاص الذي كان عليه في البحر.
وقيل: المقتصد: المؤمِنُ الثّابتُ على ما عاهد الله عليه في البحر.
قوله: (وإنَّكَ لو رأيتَ أبا عُمَير، مَلأتَ يَدَيْكَ مِنْ غَدْرٍ وَخَتْرِ)، وهو عبارةٌ عن حُصولِه بالغادِرِ المبالِغِ في غَدْرِه، وبمَنْ كلُّه غَدْرٌ؛ كقولك: هذا ما حَصَّلَتْ يَداك. وقيل: من عَدَّ خَصائلَ أحدٍ بأصابعِ يَدَيه، يقبض بكلِّ خصلة أُصبَعةً من أصابعِها، فإذا بلغ العَشْرَ قَبضَ على أصابع يَدَيه أجمعَ. يعني أنه عَدَّ في أبي عُميرٍ عَشْرًا من الأخلاق الذَّميمة، وهو متكلَّف.
قوله: (في جَذَعةِ ابنِ نِيَارٍ) تقدم في ((البقرة)) حديثهُ بتمامِه.
стр. 6513
لحسناتك ونسيانك لسيئاتك غرّة. وقرئ بضم الغين، وهو مصدر غره غرورًا، وجعل الغرور غارّا، كما قيل: جدّ جدّه. أو: أريد زينة الدنيا لأنها غرور. فإن قلت: قوله: (وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً) وارٌد على طريٍق من التوكيد لم يرد عليه ما هو معطوٌف عليه. قلت: الأمر كذلك؛ لأنّ الجملة الاسمية آكد من الفعلية، وقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ بضمِّ الغَيْن) قال ابن جِنِّي: وهي قراءة سماك بن حرب، والغَرورُ: الاغْتِرارُ؛ أي: لا يَغرنَّكم اغتِرارُكم وتَمادي السَّلامةِ بكم.
الراغب: يقال: غَرَرْتُ فلانًا: أصبْتُ غِرَّتَه ونِلْتُ منه ما أريده، فالغِرَّةُ: غفلة في اليَقظة، والغِرارُ: غَفْلةٌ مع غَفوة، وأَصلُ ذلك من الغُرِّ، وهو الأثرُ الظّاهرُ من الشيء، ومنه غُرَّةُ الفَرَسِ، وغَرُّ الثَّوب: أَثَرُ كَسْرهِ، وقيل: اطْوِهِ على غَرِّه، وغَرَّه كذا غُرورًا، كأنَّما طواه على غَرِّه، والغَرورُ: كُلُّ ما يَغُرُّ الإنسانَ مِنْ مالٍ وجاهٍ وشهواتٍ وشيطانٍ، وقد فُسِّرَ بالشَّيطانِ لأنَّه أَخْبثُ الغارِّين.
قوله: (واردٌ على طريقٍ من التَّوكيدِ لم يَرِدْ عليه ما هو معطوفٌ عليه) قال صاحب ((التقريب)): لكون الجملةِ اسميَّةً، ولفظ ﴿هُوَ﴾ و ﴿مَوْلُودٌ﴾ والتصريح بلفظ ﴿شَيْئًا﴾ فيه ولفظ ﴿جَازٍ﴾ مع أن قوله: هو يجزي لا يخرجها عن الاسميَّةِ، وأنَّ العُمومَ في ﴿مَوْلُودٌ﴾ بملاصَقةِ النَّفيِ وفي ﴿وَالِدُ﴾ بسياق النَّفي، وأنَّ الثّاني مسبوق بـ ((ما)) وهو عدمُ إغناءِ الوالدِ عن ولدِه، وأنه كان مكررًا، إذ ربما يفهم العقل من الأول الإقناط، ويقيس عليه
стр. 6514
انضم إلى ذلك قوله: (هُوَ) وقوله: (مَوْلُودٌ)، والسبب في مجيئه على هذا السنن: أنّ الخطاب للمؤمنين وعليتهم؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عكسه بجامع عدم إغناء الغير عن الغير، فيَرِدُ الثَّاني كأنَّه مفهومٌ مرَّتين، وانفرادُ الثّاني بتأكيدٍ أو بالسَّلامةِ عن مخالَفتين للأصلِ أو عن ممتنع؛ لأنَّ لفظَ ﴿شَيْئًا﴾ إن لم يُضْمَرْ في الأَوَّلِ لَزِمَ الأمرُ الأَوَّلُ، وإنْ أُضْمِرَ بقرينةٍ لزم الثَّاني؛ لأنَّ الإضمارَ خِلافُ الأصلِ، وتأخير الدّال عليه أيضًا خلافُ الأصل، وإن أُضْمِرَ بلا قَرينةٍ لَزِمَ الثّالثُ.
وقلت: إذا لم يضمر كان آكد؛ لأنَّه حينئذٍ مِنْ بابِ: فلانٌ يعطي ويَمنعُ؛ أي: لا يَصْدَرُ من الوالد حقيقةُ الإِجزاءِ عن المولودِ، على أنَّ المعنى على الإضمار بقرينةِ الآتي وقوله تعالى: ﴿لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨].
قوله: ((لزم مخالفةُ الأَصْلِ))، فيقال: مخالفةُ الأصلِ وسلوكُ العُدولِ عن مقتضى الظّاهرِ دَابُ المؤخرين من البُلَغاءِ، فإنَّهم إذا ظَفِروا بذلك لم يُعرِّجوا إلى ما سِواهُ، ألا ترى إلى قول عُرْوةَ:
عَجبتُ لهم إذ يَقتلونَ نُفوسَهم … ومقتلُهم عند الوغى كانَ أعذَرا
أي: نفوسهم عند السِّلْم. وقول الآخر:
نحنُ بما عندَنا وأنتَ بما … عندَك راضٍ والرّأيُ مُختلِفُ
وكم ترى لهما نظائر وشواهد في التنزيل.
قوله: (وعِلْيتِهم) الأساس: وهو من عِلْيَةِ النّاسِ، جمعُ عَليّ.
стр. 6515
قبض آباؤهم على الكفر وعلى الدين الجاهلى، فأريد حسم أطماعهم وأطماع الناس فيهم: أن ينفعوا آباءهم في الآخرة، وأن يشفعوا لهم، وأن يغنوا عنهم من الله شيئا؛ فلذلك جيء به على الطريق الآكد. ومعنى التوكيد في لفظ المولود: أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه، لم تقبل شفاعته، فضلًا أن يشفع لمن فوقه من أجداده، لأنّ الولد يقع على الولد وولد الولد؛ بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قُبِضَ آباؤُهم على الكُفرِ … ، فأُريدَ حَسمُ أطماعِهم)، الانتصاف: هذا الجواب يَتوقَّفُ على أنَّ الخطابَ للموجودِين حينئذٍ، والصَّحيحُ أنَّه عامٌّ لهم ولكلِّ مَنْ ينطلقُ عليه اسمُ النّاسِ، والجوابُ الصَّحيحُ: أنَّ الله أوجبَ على الأبناءِ برَّ الآباءِ، وقرنَ النَّهي عن عقوقهما بالشِّركِ، وأوجبَ على الولدِ كفايةَ أبيه، فقَطَعَ هاهنا وَهْمَ الوالدِ عن أنْ ينفعَه وَلدُه في الآخرة كما كان في الدُّنيا، فلما كان جزاءُ الولدِ عن الوالد مظنَّةَ الوقوعِ مطلوبًا في الدنيا كان حَقِيقًا بتأكيد النفي.
وقال الإمام: الابنُ مِنْ شأنِه أن يكون جازيًا عن والدِه لما له عليه من الحقوق، والوالد يجزي لما فيه من الشَّفقةِ، وليس الثَّاني كالأَوًّلِ.
قوله: (لأنَّ الولدَ يقعُ على الولدِ وولدِ الولدِ): قال الإمامُ الرّافعيُّ في ((الشَّرح الكبيرِ)): إذا قال القائل: وقَفتُ هذا على أولادي هل يدخلُ فيه أولادُ الأولادِ؟ فيه وجهان؛ أصحُّهما، لا؛ لأنَّ الولَد يقع حقيقة على ولد الصُّلْب.
ألا ترى إلى أنه لا يَنتظمُ أن يُقال: ليس هذا ولدُه وإنَّما هو وَلَدُ وَلَدِه. والثّاني: نعم؛ لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦].
قال صاحب ((المغرب)): يقال للصغير: مَوْلودٌ، وإن كان الكبيرُ مولودًا أيضًا لقُربِ
следующие страницы →