Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.
стр. 6441
الشدّة. واللام في (لِيَكْفُرُوا) مجاز مثلها في (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا)] القصص: ٨ [. (فَتَمَتَّعُوا) نظير (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ)] فصلت: ٤٠ [(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) وبال تمتعكم. وقرأ ابن مسعود: (وليتمتعوا).
[(أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ)] ٣٥ [
السلطان: الحجة، وتكلمه: مجاز، كما تقول: كتابه ناطق بكذا، وهذا مما نطق به القرآن. ومعناه الدلالة والشهادة، كأنه قال: فهو يشهد بشركهم وبصحته. و (ما) في (بِما كانُوا) مصدرية أى: بكونهم بالله يشركون. ويجوز أن تكون موصولةً ويرجع الضمير إليها. ومعناه: فهو يتكلم بالأمر الذي يسببه يشركون، ويحتمل أن يكون المعنى: أم أنزلنا عليهم ذا سلطان، أى: ملكًا معه برهان فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه يشركون.
[(وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ)] ٣٦ [
(وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً) أى: نعمةً من مطٍر أو سعةٍ أو صحةٍ (فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) أى: بلاء من جدب أو ضيق أو مرض، والسبب فيها شؤم معاصيهم، قنطوا من الرحمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فبالصدِّ والإعراضِ عنه جَديرُ
قوله: (اللام في ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ مجاز)؛ لأن المعنى: ثم أذاقهم منه رحمةً ليشكروا ما أَوْلاهم من رحمته ولا يُشرِكوا به شيئًا، فعكسوا وأشركوا ليكفروا. وتحريرُه: أنَّهم ما قَصَدوا في اتِّخاذهم كُفرانَ النِّعمة، بل قَصَدوا بذلك أنْ يكونوا لهم شفعاءَ، فأدَّى ذلك إلى الكُفران، كما في قصّةِ موسى وفرعون.
стр. 6442
[(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)] ٣٧ [
ثم أنكر عليهم بأنهم قد علموا أنه هو الباسط القابض، فما لهم يقنطون من رحمته، وما لهم لا يرجعون إليه تائبين من المعاصي التي عوقبوا بالشدّة من أجلها، حتى يعيد إليهم رحمته.
[(فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)] ٣٨ [
حق ذى القربى: صلة الرحم. وحق المسكين وابن السبيل: نصيبهما من الصدقة المسماة لهما. وقد احتج أبو حنيفة ﵀ بهذه الآية في وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب. وعند الشافعي ﵀: لا نفقة بالقرابة إلا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد احتَجَّ أبو حنيفةَ ﵁ بهذه الآية في وُجوب النَّفقةِ للمَحارم إذا كانوا محتاجينَ) قال القاضي: وهو غير مُشْعِرٍ به ﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: آتِهِما ما وُظِّف لهما منَ الزَّكاة، والخطابُ للنبيِّ ﷺ أو لمَن بُسِطَ له، ولذلك رُتِّبَ على ما قبله بالفاء.
وقال الإمام: لمّا بيَّن الله تعالى أنه يبسطُ [الرزق] ويَقدِر، فلا ينبغي أن يتوقَّفَ الإنسان في الإحسان، فإنَّ اللهَ إذا بَسطَ الرِّزقَ لا ينقصُ بالإنفاق، وإذا قَدَرَ لا يزداد بالإمساك.
وقلت: إنه تعالى لمّا حَكى في جنس الناس أنَّهم إذا أذاقَهم منه رحمةً فرحوا بها بَطِرِينَ أَشِرِينَ، وإنْ تُصبْهم سيِّئةٌ قَنَطُوا من رحمة الله، أَنكَر عليهم ذلك، ونَبَّههُم على أنَّ تلك الإذاقة والإصابة من بَسْط الله الرِّزقَ وقَبْضِه، وقال: فلا يكن منكم بَطَرٌ عند البَسْطِ بل
стр. 6443
على الولد والوالدين: قاس سائر القرابات على ابن العم؛ لأنه لا ولاد بينهم. فإن قلت: كيف تعلق قوله: (فَآتِ ذَا الْقُرْبى) بما قبله حتى جيء بالفاء؟ قلت: لما ذكر أنّ السيئة أصابتهم بما قدّمت أيديهم، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اشكُروا اللهَ، وأنفِقُوا ممّا رَزَقكمُ اللهُ في سبيله ووَجْهِه، في الأقربينَ واليَتامى والمساكين ليزيدَكم من فَضْله، وتفوزوا بالفلاح عاجلاً وآجلاً، فلا يُوجد منكم يأس أيضًا عند القَبْض، بل ارجِعُوا إلى الله مُنيبينَ؛ لأنَّ ذلك من شؤم معاصيكم.
وإليه الإشارةُ بقوله: ((لما ذكر أن السَّيئةَ أصابتْهُم بما قدَّمت أيديهم أتبعَه ذِكْرَ ما يَجبُ أن يُفْعلَ وما يَجِبُ أن يُتركَ))، ولعلَّ وجهَ استدلال أبي حنيفة ﵁ رتَّب الأمرَ بإيتاء ذي القُربى على الوَصْف المناسبِ، وهو إصابةُ السَّيئةِ باجتراحِ المعاصي بعد أن ضَمَّ معَ الإيتاء لفظة: ﴿حَقَّهُ﴾ فيكون للوجوب، وأيضًا علَّل إثبات الفلاح باسم الإشارة إلى ذلك الوَصْفِ، وهو إيتاءُ ذي القُربى.
والشافعيُّ ﵁ رأى عطفَ ﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ على ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ أمارةً لاشتراكهم في وُجوب الزَّكاة دُون النَّفقةِ؛ لأنَّ حُكمَ المعطوفينَ في النَّفقة خارجٌ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ مَنِ استحقَّ الزَّكاة سَقَطت نفقتُه.
قوله: (قاس سائرَ القَرابات على ابنِ العَمَّ)، قال صاحب ((الهداية)): النَّفقةُ لكلِّ ذِي رَحِمٍ محرَّم منه، ويُعلَمُ منه أنَّ مَن كان ذا رَحِمٍ ولم يكن محرَّمًا كأولاد العَمِّ والخال، فلا تَجبُ النفقةُ عليه؛ لأنَّ الصِّلةَ في القَرابةِ واجبةٌ دونَ البعيدةِ.
وأمّا قول المصنف: ((للمَحارم إذا كانوا محتاجين)) فمحمولٌ على المَحارم من النَّسَبِ دونَ الرَّضاعِ والمصاهَرة؛ لأن سياقَ الكلامِ في ذي القربى.
стр. 6444
أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل، وما يجب أن يترك (يُرِيدُونَ وَجْهَ الله) يحتمل أن يراد بوجهه: ذاته أو جهته وجانبه، أى: يقصدون بمعروفهم إياه خالصًا وحقه، كقوله تعالى: (إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى)] الليل: ٢٠ [أو يقصدون جهة التقرّب إلى الله لا جهةً أخرى، والمعنيان متقاربان، ولكن الطريقة مختلفة.
[(وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ الله وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)] ٣٩ [
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أتبعَه ذِكْر ما يَجِبُ أن يُفعل وما يَجبُ أن يُترك) يعني: إذا تَقرَّر أن ما يُصيبهم من مصائبَ دنيويَّةٍ ودِينيَّةٍ بسَببِ معاصِيهم، فعلى كلِّ ذي لُبٍّ أن يعتبرَ العاقبة ويتحرّى إيتاءَ معروفِه في أهله ومُستَحقِّه، ويجتنبَ إيتاءَ ما يَمحَقُه الله في الدُّنيا من الرِّبا والسُّخط على صاحبه في العُقبى منَ الرِّياء، وممّا يدلُّ على أنَّ الآيتينِ متقابلتان تَكريرُ ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ فيهما، وتخصيصُ كلٍّ منَ الآيتينِ باسم الإشارة الدَّالٌ على أنَّ ما قبلَه جديرٌ بما بعدَه لأجل ذِكْرِ مُوجبه.
قوله: (أي: يَقْصدون بمعروفهم إيّاه [خالصًا] وحقَّه) عطفٌ على إياه؛ نحو: أعجَبَني زيدٌ وكَرمُه، وقيل: إنّما جاء بالضَّمير منفصلاً لما أهمَّه تقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول به، فيتعذَّر الاتصالُ. هذا على تقدير أنْ يُرادَ بوجهه ذاتُه، فيُفيدُ الاختصاصَ والإخلاص، وبقوله: ((أو يقصدون جهةَ التقرُّب على أن يُراد بوجهِه جهتُه وجانبُه)) فيه نَشْرٌ لما لفَّ في قولِه: ((يَحتملُ أن يُرادَ بوجهه ذاتُه أو جهتُه))، أو لِمَا في الثاني من معنى الكناية عن الذاتِ؛ لأنه تعالى مقدَّسٌ عنِ الجانبِ؛ كقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَر: ٥٦] ورجع المعنى إلى ذاته معَ مُراعاة العَظَمة، قال: و ((المعنيان متقاربانِ، ولكنَّ الطريقةَ مختلفةٌ)).
стр. 6445
هذه الآية في معنى قوله تعالى: (يَمْحَقُ الله الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ)] البقرة: ٢٧٦ [سواًء بسواء، يريد: وما أعطيتم أكلة الربا (مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي) أموالهم: ليزيد ويزكو في أموالهم، فلا يزكو عند الله، ولا يبارك فيه (وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ) أى: صدقةٍ تبتغون به وجهه خالصًا، لا تطلبون به مكافأةً ولا رياًء وسمعة، (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) ذوو الأضعاف من الحسنات. ونظير المضعف: المقوي والموسر، لذي القوّة واليسار: وقرئ بفتح العين. وقيل نزلت في ثقيف، وكانوا يربون. وقيل: المراد أن يهب الرجل للرجل أو يهدى له، ليعوّضه أكثر مما وهب أو أهدى، فليست تلك الزيادة بحرام، ولكن المعوّض لا يثاب على تلك الزيادة. وقالوا: الربا ربوان: فالحرام: كل قرٍض يؤخذ فيه أكثر منه: أو يجرّ منفعة. والذي ليس بحرام: أن يستدعى بهبته أو بهديته أكثر منها. وفي الحديث: «المستغزر يثاب من هبته» وقرئ: (وما أتيتم من ربا)، بمعنى:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي الحديث: ((المُستَغْزِرُ يُثابُ من هِبَتِه)))، النهاية: عن بعض التابعين: الجانبُ المُستغزِرُ يُثاب من هِبَتِه.
المُستغزِرُ: الذي يطلبُ أكثرَ مما يُعطي، وهي المُغازرَة؛ أي: إذا أهدى لك الغريبُ شيئًا يَطلبُ أكثرَ مِنه فأعطِه في مقابلة هديتِه. وأما قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدَّثر: ٦] فمخصوصٌ.
قوله: (قرئ: ((ما أتيتم من رِبًا))) قرأها ابنُ كثير مقصورًا، وهو يعود في المعنى إلى المشهورة، يقال: أتى معروفًا وأتى قبيحًا إذا فَعلَهما. وقرأ نافع: ((لتُربوا)) بالتاء مضمومة؛
стр. 6446
وما غشيتموه أو رهقتموه من إعطاء ربا. وقرئ: (لتربوا)، أى: لتزيدوا في أموالهم، كقوله تعالى: (وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ) أى يزيدها. وقوله تعالى: (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) التفات حسن، كأنه قال لملائكته وخواص خلقه: فأولئك الذين يريدون وجه الله بصدقاتهم: هم المضعفون. فهو أمدح لهم من أن يقول: فأنتم المضعفون. والمعنى: المضعفون به؛ لأنه لا بد من ضمير يرجع إلى ما، ووجه آخر: وهو أن يكون تقديره: فمؤتوه أولئك هم المضعفون. والحذف لما في الكلام من الدليل عليه، وهذا أسهل مأخذًا، والأوّل أملأ بالفائدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: لتصيروا ذوي زيادةٍ. من قولهم: أقوى الرَّجلُ وأضعَفَ: إذا صار ذا دابَّة قويٍّ وضعيفٍ في ((المطلع)).
قوله: (فهو أمدحُ لهم من أن يقول: فأنتُم المُضْعِفُون)؛ لأنَّه إذا التفت إلى الغير شاكرًا لصنيعهم واستحمادًا منه لهم وترغيبًا له فيما نالوا به هذه المنزلة، كان أبلغَ وأبلَ ممّا لو قال لهم: فأنتم المُضعِفُون. وإليه الإشارةُ بقوله: ((كأنّه قال لملائكتِه وخواصِّ خَلْقِه: فأولئك [الذين] يُريدون وَجْهَ الله)) مباهاةً بهم.
وأيضًا فيه إشعارٌ بأنَّ أولئك محقُّون بأنْ يكونوا مُضعِفيَن لاكتسابهم تلك الفضيلةَ، وليس في ((فأنتم المُضْعِفُون)) من ذلك شيءٌ.
قوله: (فمُؤْتُوه) روي بضمِّ التاء؛ اسمُ فاعِلٍ من الإيتاء، ورويَ بفتحها؛ اسم مفعولٍ.
وفي الحاشية: الصوابُ: ((فمُؤتَوْهُ)) بفتح التّاء، والمراد به: أخْذُ الزَّكاة تفضيلاً لهم على أخذِ الرِّبا.
قوله: (وهذا أسهلُ مأخذًا والأوّل أملأُ بالفائدة)، قال صاحب ((التقريب)): والأوَّلُ أملأُ بالفائدة لدقيقةِ الالتفاتِ، والثاني أسهلُ مأخذًا؛ لأنَّ حَذْفَ المبتدأ أكثرُ في الكلام،
стр. 6447
[(الله الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ)] ٤٠ [
(الله) مبتدأ وخبره (الَّذِي خَلَقَكُمْ) أى: الله هو فاعل هذه الأفعال الخاصة التي لا يقدر على شيٍء منها أحد غيره، ثم قال: (هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ) الذين اتخذتموهم أندادًا له من الأصنام وغيرها (مَنْ يَفْعَلُ) شيئًا قط من تلك الأفعال؛ حتى يصح ما ذهبتم إليه، ثم استبعد حاله من حال شركائهم. ويجوز أن يكون (الَّذِي خَلَقَكُمْ) صفة للمبتدأ، والخبر: (هل من شركائكم) وقوله: (مِنْ ذلِكُمْ) هو الذي ربط الجملة بالمبتدأ؛ لأن معناه: من أفعاله، و (من) الأولى والثانية والثالثة: كل واحدةٍ منهنّ مستقلة بتأكيد، لتعجيز شركائهم، وتجهيل عبدتهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولأنَّ الضَّميرَ في ((به)) راجعٌ إلى ((ما))، فلابُدَّ من تقدير مضافٍ؛ أي: بإيتائه، فيَكثُر الإضمارُ.
وعن بعضِهم: عُرُوُّ الثاني عن دقيقةِ الالتفاتِ لعُمومه.
قوله: (والخبر: ﴿هَلْ مِن شُرَكَائِكُم﴾) أي: الله الموصوفُ بكونِه خالقًا ورازقًا ومحييًا ومميتًا، مَقولٌ في حقّه: ﴿هَلْ مِن شُرَكَائِكُم﴾ مَن هو موصوفٌ بما هو موصوفٌ به.
قوله: (لأن معناه: من أفعاله) أي: المشار إليه بـ ((ذلك)): الخَلْقُ والرِّزقُ والإماتةُ والإحياء، وقد عُلِمَ أنّها من أفعال الله.
قوله: (كلُّ واحدةٍ منهنَّ مستقلةٌ بتأكيد لتَعْجيز شركائهم)، أما أولاً: فإنَّ ((مِن)) لبيان ((مَنْ يفعل))، ومتعلِّقُه محذوفٌ؛ أي: هل جصل واستقرَّ مَنْ يفعلُ كائنًا من شركائكم؟ ! أَنكر أن يكونَ لهم شركاءُ تَفْعَلُ ما يفعل الباري.
وأما ثانيًا: فقيل: ﴿مِن ذَلِكُم﴾ و ((مِن)) للتَّبعيض؛ أي: يفعل بعضَ ما يفعلُه الباري ولو أقلَّ شيءٍ، كلاّ ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
стр. 6448
[(ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)] ٤١ [
(الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) نحو: الجدب، والقحط، وقلة الريع في الزراعات، والريح في التجارات، ووقوع الموتان في الناس والدواب، وكثرة الحرق والغرق، وإخفاق الصيادين والغاصة، ومحق البركات من كل شيء، وقلة المنافع في الجملة، وكثرة المضارّ. وعن ابن عباس: أجدبت الأرض وانقطعت مادّة البحر. وقالوا: إذا انقطع القطر عميت دواب البحر. وعن الحسن أنّ المراد بالبحر: مدن البحر وقراه التي على شاطئه. وعن عكرمة: العرب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما ثالثًا: فهي زائدة لتأكيد النَّفي معنًى، وقيل: ((مِنْ)) الأُولى والثانيةُ للتبعيض.
قوله: (الحَرَق)، المغرب: الحَرَقُ: اسمٌ منَ الإحراقِ، كالشَّفَقِ مِن الإشفاقِ، ومنه: الحَرَقُ والغَرَقُ والشَّرَق.
قوله: (وإخفاق الصَّيادين)، الأساس: أخفَق الصّائد والغازي: لم يَظْفَرْ. قال:
فيُخفقُ مَرَّةً ويصيدُ أخرى … ويَفجعُ ذا الضَّغائن بالأريب
قوله: (والغاصَة) روى صاحب ((المطلع)): عن فُضَيلِ بنِ مرزوقٍ، قلت لعطية: أيُّ فسادٍ في البحر؟ قال: يقال: إذا قَلَّ المطَرُ قَلَّ الغَوْصُ؛ لأنَّ الأصداف تفتح أفواهَها إذا مطرت [السماء]، فما وقع فيها من ماء السَّماء فهو لؤلؤ. وروى محيي السُّنة عن عكرمة نحوه.
стр. 6449
تسمي الأمصار البحار. وقرئ: (في البر والبحور)، (بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) بسبب معاصيهم وذنوبهم، كقوله تعالى: (وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)] الشورى: ٣٠ [. وعن ابن عباس: (ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ) بقتل ابن آدم أخاه. وفي البحر بأن جلندى كان (يأخذ كل سفينة غصبا)، وعن قتادة: كان ذلك قبل البعث، فلما بعث رسول الله ﷺ رجع راجعون عن الضلال والظلم. ويجوز أن يريد ظهور الشر والمعاصي بكسب الناس ذلك. فإن قلت: ما معنى قوله: (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)؟ قلت أمّا على التفسير الأول فظاهر، وهو أنّ الله قد أفسد أسباب دنياهم ومحقها، ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة، لعلهم يرجعون عما هم عليه، وأمّا على الثاني فاللام مجاز، على معنى أنّ ظهور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تسمي الأمصارَ البِحارَ) ومنه حديثُ عبدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ: اصطلح أهلُ هذهِ البُحَيرَةِ أن يُعصِّبوه بالعصابة. البُحيَرة: المدينة.
قوله: (رجع راجعون) أي: رجع قوم راغبون في الإسلام رجوعًا.
قوله: (وأمّا على الثّاني فاللاّمُ مجاز)؛ لأنَّ المراد بالفساد حينئذ ظهورُ الشَّرِّ والمعاصي في الأرض بسبب كَسْبِ النّاس ذلك وقوله: ﴿لِيُذِيقَهُم﴾ عِلَّة لكَسْب الناس المعاصي وليس غرضُهم في كسبها أن يُذيقَهم اللهُ وبالَ ما كَسَبوا، فاللاّمُ حينئذٍ كاللاّم في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].
وأمّا على الأوَّل فهي عِلَّة لظُهور الفَسَادِ، والمراد بالفساد: الجَدبُ والقَحْطُ ومَحْقُ البَركاتِ وأمثالُها، وهي فعلُ اللهِ زجرًا لهم ورَدْعًا من ذلك الكَسْب، وإليه أشار بقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عمّا هم عليه.
قال أبو البقاء: ﴿لِيُذِيقَهُم﴾ متعلِّق بـ ﴿ظَهَرَ﴾ أي: ليصيرَ حالُهم إلى ذلك. وقيل: التقدير: ((عاقَبهم ليُذيقَهُم)).
стр. 6450
الشرور بسببهم مما استوجبوا به أن يذيقهم الله وبال أعمالهم إرادة الرجوع، فكأنهم إنما أفسدوا وتسببوا لفشوّ المعاصي في الأرض لأجل ذلك. وقرئ: (لنذيقهم) بالنون.
[(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ)] ٤٢ [
ثم أكد تسبب المعاصي لغضب الله ونكاله، حيث أمرهم بأن يسيروا في الأرض فينظروا كيف أهلك الله الأمم، وأذاقهم سوء العاقبة لمعاصيهم، ودل بقوله: (كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ) على أنّ الشرك وحده لم يكن سبب تدميرهم، وأنّ ما دونه من المعاصي يكون سببًا لذلك.
[(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ)] ٤٣ [
القيم: البليغ الاستقامة الذي لا يتأتى فيه عوج، (مِنَ الله) إمّا أن يتعلق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (((لنذيقهم)) بالنون) قرأها ابن كثير.
قوله: (ثم أكَّد تَسبُّبَ المعاصي لغَضَبِ الله ونكالِه حيث أمرَهم بأنْ يَسيروا) هذا مبنيٌّ على قوله: ((أنَّ اللهَ تعالى قد أفسَد أسبابَ دُنياهم ومَحقَها؛ ليُذيقَهم وَبَالَ بَعضِ أعمالِهم في الدُّنيا)).
وقال الإمامُ: لمّا بيّن حالَهم بظُهور الفساد في أحوالهم بسبب فساد أقوالهم، بيَّن لهم هلاك أمثالهم وأشكالهم الذين كانت أفعالُهم كأفعالهم، فقال: ﴿قُلْ سِيرُوا﴾. ويجوز أن يكون مبنيًّا على الوجهِ الثاني، واللاّمُ في قول المصنِّف: ((لغضب الله)) تتعلّق بـ ((المعاصي)) على التَّهكُّميَّة؛ أي: أكَّد تسبُّبَ أن يعصوا لأجل غضب الله.
стр. 6451
بـ (يأتي)، فيكون المعنى: من قبل أن يأتى من الله يوم لا يردّه أحد، كقوله تعالى: (فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها)] الأنبياء: ٤٠ [أو بـ (مردّ)، على معنى: لا يردّه هو بعد أن يجيء به، ولا ردّ له من جهته. والمردّ: مصدر بمعنى الردّ، (يَصَّدَّعُونَ) يتصدّعون: أى يتفرّقون، كقوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ)] الروم: ١٤ [.
[(مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ)] ٤٤ - ٤٥ [
(فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) كلمة جامعة لما لا غاية وراءه من المضارّ؛ لأنّ من كان ضاره كفره؛ فقد أحاطت به كلّ مضرّةٍ (فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) أى: يسؤون لأنفسهم ما يسوّيه لنفسه الذي يمهد فراشه ويوطئه، لئلا يصيبه في مضجعه ما ينبيه عليه وينغص
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو بـ ﴿مَرَدَّ﴾ أي يتعلق قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ بـ ﴿مَرَدَّ﴾، و ﴿مِنَ﴾ ابتدائيةٌ؛ ولهذا قال: ((من جهتِه))، والوجهُ الأوّلُ أبلغُ لإطلاق الردِّ وتَفخيمِ اليومِ، وإن إتيانَه من جهة عظيمٍ قادرٍ ذي سلطان قاهرٍ.
قوله: (﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ كلمةٌ جامعةٌ) أي: قليلةُ الألفاظِ عظيمةُ المباني وافرةُ المعاني ونظيرُه ما وَردَ في الحديث يومَ بدرٍ: ((هذا يومٌ له ما بعدَه))، أي: ما يعدهُ من الظفر والنُّصرة؛ إذ هو فتحُ الفتوح، وبه يدخل الناس في دِين الله أفواجًا إلى قيام القيامة. ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨].
قوله: (لئلاّ يُصيبَه في مَضْجَعِه ما يُنيبه عليه) من النُّبُوّ، أي: يجعله نابيًا، يقال: نَبَا على المَضْجَع: إذا لم يستقرَّ عليه، وأنباه عليه غيرُه: وتقول العرب: الصِّدقُ يُنبي عنك لا الوعِيد، أي: يُبعِدُ عنك العدوَّ.
الأساس: نَبَا به منزله وفِراشُه. قال:
فأقم بِدارٍ ما أصبتَ كرامةً … وإذا نَبا بك منزلٌ فتحوَّلِ
стр. 6452
عليه مرقده: من نتوٍء أو قضض أو بعض ما يؤذى الراقد. ويجوز أن يريد: فعلى أنفسهم يشفقون، من قولهم في المشفق: أمّ فرشت فأنامت. وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على أنّ ضرر الكفر لا يعود إلا على الكافر لا يتعدّاه. ومنفعة الإيمان والعمل الصالح ترجع إلى المؤمن لا تتجاوزه. (لِيَجْزِيَ) متعلق بـ (يمهدون) تعليل له.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو قضض)، الأساس: وقعنا في قَضَّةٍ وقَضَض: في حصًى صغارٍ مُكسَّرة، وفي فِراشِه قَضَضٌ، وأقَضَّ عليه المَضْجعُ، أي: تَترَّب وخَشُنَ، وأقضَّ اللهُ عليه يتعدَّى ولا يتعدَّى.
قوله: (أمّ فرشت فأنامت) مَثلٌ يضربُ في بر الرَّجلِ صاحِبه وحُنوِّه عليه. قال قُراد ابن غَوِيّة:
وكنت له عَمًّا لطيفًا ووالدًا … رَؤُوفًا وأمًّا فَرَّشَتْ فأنامت
ورواية الميداني: مهدت فأنامت، فعَلى هذا قولُه: ﴿فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ كنايةٌ إيمائيةٌ عن الشَّفقةِ والمَرْحمةِ، وعلى الأوَّل استعارةٌ تبعيَّةٌ، شبَّه حالة الملكَّف مع عَمَله الصالحِ وما يتحصَّل به من الثَّوابِ ويَتخلَّص منَ العقاب، بحالة مَن يُمهِّدُ فراشَه ليستريحَ عليه، ولا يُصيبه في مَضجَعِه ما يُنغِّص عليه.
قولُه: (﴿لِيَجْزِيَ﴾ متعلِّق بـ ﴿يَمْهَدُونَ﴾ تعليلٌ له) قال القاضي: هو عِلَّة لـ ﴿يَمْهَدُونَ﴾ أو لـ ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾، والاقتصار على جزاء المؤمن للإشعار بأنه المقصودُ بالذات، والاكتفاء على فحوي قولِه: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾، فإنَّ فيه إثباتَ البُغْضِ لهم والمحبَّة للمؤمنينَ ومَنْ فَضْلُه دالٌّ على أنَّ الإثابةَ تَفضُّلٌ مَحْضٌ، وتأويلُه بالعطاء أو الزيادةِ على الثَّواب عُدولٌ عنِ الظاهرِ.
стр. 6453
(مِنْ فَضْلِهِ) مما يتفضل عليهم بعد توفية الواجب من الثواب؛ وهذا يشبه الكناية، لأن الفضل تبع للثواب؛ فلا يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له: أو أراد من عطائه وهو ثوابه؛ لأن الفضول والفواضل هي الأعطية عند العرب. وتكرير. (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: الظاهِرُ أن قولَه تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ -الآيةُ بتمامِها- كالمُوردِ للسّؤال، والخطابُ لكلِّ أحدٍ من المكلَّفين. وقولُه: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ -الآية- واردٌ على الاستئنافِ، مُنْطَوٍ على الجواب، فكأنَّه لمّا قيلَ: أَقيمُوا على الدِّين القيِّم، قَبْلَ مجيءِ يومٍ يتفرَّقون فيه، فقيل: ما للمُقيمين على الدِّين وما على المُنحرفين عنه، وكيف يتفرَّقون؟ فأُجيبَ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ الآية.
وأمّا قولُه: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ -الآية- فينبغي أن يكونَ تعليلاً للكلِّ ليفصل ما ترتَّبَ على ما لهم وعليهم، ولكن يتعلَّقُ بـ ﴿يَمْهَدُونَ﴾ وحدَه لشدَّة العنايةِ بشأن الإيمانِ والعمل الصالحِ وعَدَم العَبْءِ بعمل الكافرِ، ولذلك وُضِع مَوضِعَه ﴿نَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.
قال الإمام: ﴿نَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ وعيد، ولم يُفَصِّله، وهذا الإجمالُ فيه كالتفصيل، فإنَّ عدمَ المحبةِ مِن اللهِ تعالى غايةُ العذابِ.
قوله: (وهذا يشبه الكناية)، يعني: استعمال الفضل هنا من الكناية، وليست بكنايةٍ تامَّةٍ؛ لأنَّه لم يُرِد بِالفَضْل الأجرَ الواجبَ على مَذهبِه، بل الزِّيادةَ ولكن بعد حُصول مَتْبُوعِه، فهو بهذا الاعتبار كناية، ولَعَمْري هذا تَعسُّفٌ، والوجه الثاني أشدُّ تَعسُّفًا منه.
قوله: (لأنَّ الفُضولَ) عن بعضِهم: الفُضول: جَمعُ الفَضْلِ، يُستعملُ في الذَّمّ، والواحد في المَدْح، بخلاف الرِّيح والرِّياح، فإنهما عكس هذا.
стр. 6454
الصالح. وقوله: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ) تقرير بعد تقرير، على الطرد والعكس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على الطَّرد والعَكْس) وهو كلُّ كلامَين يُقَرِّرَ الأوَّلُ بمنطوقِه مفهوم الثّاني وبالعكس. قال ابن هانئ:
فما جازَهُ جودٌ ولا حلَّ دونَه … ولكن يَصيرُ الجودُ حيثُ يصيرُ
قال المالكيُّ في ((المصباح)): متى انتَفى كونُ الجُود يتقدَّم شخصًا ويتأخَّر عنه، فقد ثَبَت كونُه معه وبالعكس.
وأما تنزيلُ الآيةِ عليه على ما قرَّره المصنِّفُ، فإنَّه تعالى قال أولاً: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾، ثم علَّله بقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ﴾، وكان من حقِّ الظاهر: (لِيَجْزِيَهم) فوُضع المُظهَرُ موضِعَ المضمَرِ إشعارًا بالعِلِّيةِ، وأنَّ الإيمانَ والعملَ آذنا بأنَّ الله وليُّ صاحبِهما حيثُ يَجزيه من فَضْله، فيكون مفهومُ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ﴾ الموافقُ أنَّه يُحب المؤمن الصالح، مفهومُه المخالفُ أنَّه لا يحبُّ الكافرَ، فقولُه: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ بمَنطُوقه مقرِّرٌ لمفهوم السّابِق وبالعكس.
وفي بعض الحواشي المغربية: أنَّ كُلَّ مؤمنٍ صالحٍ مفلحٌ عندَه وعَكسُه في ضِمنه، وهو مَن ليس بمؤمنٍ صالحٍ لا يُفلح عندَه، وكذلك قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ طَرْدُه كلُّ كافرٍ غير محبوبٍ عندَه وعكسه في ضِمنه، وهو مَن ليس بكافر محبوبٌ عندَه؛ لأنه مؤمنٌ، والعكس ملزومُ الطَّردِ؛ لأنَّ العكسَ يحتاج إلى الطَّردِ قطعًا، بخلاف الطَّردِ فإنه لا يحتاج للعكس.
قال الإمام: وفي الآية لطيفةٌ، وهي أنَّ الله تعالى عندما أسندَ الكُفر والإيمانَ إلى العبدِ قدَّم الكافرَ، وعندما أسنَدَ الجزاءَ إلى نفسه قدَّم المؤمنَ؛ لأنَّ قولَه: ﴿مَن كَفَرَ﴾ وعيدٌ للمكلَّف ليمتنعَ عمّا يَضرُّه فيُنقذه من الشرِّ. وقولُه: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ تحريضٌ له وتَرغيبٌ في الخير ليُوصِلَه إلى الثَّواب، والإيعادُ مُقدَّم، وأمّا عند الجزاء ابتدأَ بالإحسان إظهارًا للكَرم والرَّحمة.
стр. 6455
[(وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)] ٤٦ [
(الرِّياحَ) هي الجنوب والشمال والصبا، وهي رياح الرحمة، وأما الدبور فريح العذاب. ومنه قوله ﷺ : «اللهمّ اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا» وقد عدد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿الرِّياَحُ﴾ هي الجنوبُ والشَّمالُ والصَّبا) قال المرزوقيُّ في كتاب ((الأزمنة والأمكنة))، روى ابنُ الأعرابيِّ عن الأصمعي وغيره قالوا: الرِّياح أربعة: الجنوبُ والشَّمال والصَّبا والدَّبور. قال ابن الأعرابي: وكلُّ ريحٍ بينْ ريحينِ فهي نَكباءُ، والجمع: نَكْبٌ.
وأما مَهبُّهنَّ فقال ابن الأعرابيِّ: مَهبُّ الجنوب مِن مَطلعِ سُهيلٍ إلى مطلع الثُّريّا، والصَّبا من مطلع الثُّريّا إلى بنات نَعْشٍ، والشَّمال مِن بَنات نَعْشٍ إلى مسقط النَّسْر الطائرِ، والدَّبُور من مَسقط النَّسر الطَّائِر إلى مَطلعِ سُهَيل.
وعن أبي عُبيدَة: الشمال عند العرب للرَّوح، والجنوب للأمطار والأنداء وللشِّقّ والعُمْق، والدّبُور للبَلاء، وأهونُه أن يكون غُبارًا عاصفًا يُقذي العينَ، وهي أقلُّهن هُبوبًا، والصّبا لإلقاح الأشجار.
قوله: (اللَّهم اجعلها رياحًا ولا تَجعلها رِيحًا)، النهاية: العربُ تقول: لا تَلقَحُ السَّحاب إلا من رِياح مختلفة؟ يريد: اجعَلْها لَقاحًا للسَّحاب ولا تَجعلْها عذابًا، ويُحقِّقُ ذلك مجيءُ الجَمعِ في آيات الرَّحمةِ، والواحدِ في قِصصِ العذابِ؛ كـ ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] و ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فُصِّلَت: ١٦].
الراغب: الريحُ معروف، وهي فيما قيل الهواءُ المتحرِّك، وعامَّة المواضعِ التي ذكر [الله تعالى] فيها إرسالَ الريح بلفظ الواحد فعبارةٌ عن العذاب؛ كقوله: ﴿نَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا
стр. 6456
الأغراض في إرسالها، وأنه أرسلها للبشارة بالغيث ولإذاقة الرحمة، وهي نزول المطر وحصول الخصب الذي يتبعه، والروح الذي مع هبوب الريح وزكاء الأرض. قال رسول الله ﷺ : «إذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض». وإزالة العفونة من الهواء، وتذرية الحبوب، وغير ذلك، (وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ) في البحر عند هبوبها. وإنما زاد (بِأَمْرِهِ) لأن الريح قد تهب ولا تكون مؤاتية، فلا بد من إرساء السفن والاحتيال لحبسها، وربما عصفت فأغرقتها، (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) يريد تجارة البحر؛ ولتشكروا نعمة الله فيها. فإن قلت: بم يتعلق (وليذيقكم)؟ قلت: فيه وجهان: أن يكون معطوفًا على (مبشرات) على المعنى، كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم. وأن يتعلق بمحذوف تقديره: وليذيقكم وليكون كذا وكذا أرسلناها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩] وكلُّ موضعٍ ذُكر فيه بلفظ الجمع عبارةٌ عن الرَّحمة؛ كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾.
قوله: (إذا كَثُرت المؤتَفِكاتُ زَكَتِ الأرضُ)، الأساس: أَفِكَه عن رأيه: صَرَفهُ، ورأيتُ أن أفعَلَ كذا فأَفكْتُ عن رأيي، وائتفكت الأرض بأهلها: انقلبت، وإذا كَثُرت المؤتَفِكات زَكَتِ الأرضُ، وهي الرِّياحُ المختلفاتُ المهابِّ.
قوله: (لأنَّ الريحَ قد تهبُّ ولا تكونُ مؤاتيةً)، قال صاحب ((المطلع)): يعني هبوبُها مواتيةً أمرٌ من أمورِه التي لا يقدر عليها غيرُه. وإليه الإشارةُ: بقوله ﴿إِن يَشَا يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى: ٣٣]، ثم قال: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤] أي: بالغَرَق إذا اشتدَّت الرِّيح وقيل: الحاصلُ أنّه قد يُجرى الرِّيح على وَجْهٍ لا تكونُ مواتيةً أي: موافقةً للمُراد، فيحتاج الملاَّحون إلى حَبْس السُّفنِ، ولو كان بطبيعة الرِّيح لما اختَلفت، فعُلم أن ذلك بإرادة الله وأمْرِه.
قوله: (ولِيُذيقكم وليكونَ كذا وكذا أرسلناها) ((كذا وكذا)) كنايتان عن قوله: ﴿وَلِتَجْرِيَ
стр. 6457
[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)] ٤٧ [
اختصر الطريق إلى الغرض بأن أدرج تحت ذكر الانتصار والنصر ذكر الفريقين،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا … وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، والمحذوفُ المقدَّر: ((أرسلناها))، والمحذوفُ المقدَّر: ((أرسلناها))، فيكون عطفَ جملةٍ على جملةٍ.
قال القاضي: ﴿وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ وهي المنافع التابعة لها من الخِصْب والرَّوح، وهو عطفٌ على علَّة محذوفةٍ دلَّ عليها ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾، أو عليها باعتبار المعنى، أو على ﴿يُرْسِلَ﴾ بإضمار فعلٍ معلَّلٍ دل عليه ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾.
قوله: (اختَصَرَ الطريقَ إلى الغَرَض) إلى آخره، لخَّصَه صاحبُ ((المطلع)) وقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ كما أرسلناك إلى هؤلاء ﴿فَجَاءُوهُم﴾ بالدَّلالاتِ الواضحاتِ على صِدْقِ دَعْواهم كما أَتيتَ هؤلاءِ بالمُعجزات الدَّالةِ على صدقكَ ﴿فَانتَقَمْنَا﴾ أي: انتصرنا ﴿مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ وهم المكذِّبون ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اختَصَر الطَّريقَ إلى الغَرَض بأنْ أدرج تحتَ ذِكْر الانتصار والنصر ذِكْرَ الفريقَينِ-أعني المكذِّبين والمصدِّقين- وقد أَخْلى الكلامَ أولاً عن ذكرهما، وفي هذا تبشير للنبيِّ ﷺ والمؤمنينَ بالنَّصرِ في العاقبةِ على المكذبينَ، وأكَّد ذلك بقوله: ﴿حَقًّا﴾ ومعنى حَقًّا أنَّه تعالى أَخْبر به، وإذا أَخبر بشيء حُقَّ ذلك الشَّيءُ ووُجد ما أخبرَ به.
قوله: (بأن أَدرَجَ تحتَ ذكرِ الانتصار)، الأساس: أَدْرجَ الكُتيب في الكتاب: جعلَه في دُرْجِه؛ أي: في طَيِّهِ وثَنِيِّه.
وقلت: هاهنا ثلاثةُ مَقامات: أولها: قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ وليس فيه أنَّ هذا القوم من هم؟ المصدِّقون أم المكذبون؟ وإليه الإشارة بقوله: ((وقد أخلي الكلامُ أولاً عن ذِكرهما)).
стр. 6458
وقد أخلي الكلام أوّلًا عن ذكرهما. وقوله: (وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) تعظيم للمؤمنين، ورفع من شأنهم، وتأهيل لكرامة سنية، وإظهار لفضل سابقة ومزية؛ حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم، مستوجبين عليه أن يظهرهم ويظفرهم، وقد يوقف على (حقًّا)، ومعناه: وكان الانتقام منهم حقًا، ثم يبتدأ: (علَيْنا نَصْرُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وثانيها: قوله: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾، صرَّح فيه ذكر المجرمين، وأَدرج فيه ذِكْر المؤمنين، لأنَّ المُراد: انتقمنا للَّذين آمنوا من الذين أجرموا.
وثالثها: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ صرَّح بذكر المؤمنين، وأدرج ذكر المكذبين؛ لأنَّ المعنى: كان حقًّا علينا نصرُ المؤمنين على الكافرين، وإليه الإشارةُ بقوله: ((أدرجَ تحتَ ذِكْر الانتصارِ والنَّصر ذِكْر الفريقين))، صرَّح في الانتقام بذِكْر المجرمينَ، وفي النَّصر بذِكْر المؤمنين تعظيمًا للمؤمنين وازدراءً بالمكذِّبين، ورَفْعًا لشأن أولئك، وحَطًّا من منزلة هؤلاء، والله أعلم.
قوله: (وقد يُوقَفُ على ﴿حَقًّا﴾، ومعناه: وكان الانتقامُ منهم حقًّا) قال صاحبُ ((الكواشي)): أُوْلِعَ جماعةٌ بالوَقْف على ﴿حَقًّا﴾ وليس بمُختارٍ؛ لأنَّ الوَقْفَ على ﴿حَقًّا﴾ يُوجب الانتقامَ ويُوجبُ نَصْرَ المؤمنين، ولا يَلزم أنه تعالى يَنتقمُ من كلٍّ، بل قد يعفو، وتَرْكُ الوَقْف على ﴿حَقًّا﴾ إنّما يُوجب نَصْرَ المؤمنين، ولا يحتاج إلى تقديرِ محذوفٍ؛ أي: كان الانتقامُ.
ذَكَر هذا المعنى صاحبُ ((المُرشد)) وزاد: أنه تعالى قد يعفو ولا ينتقمُ كما فَعَل بقوم يونسَ مِنْ صَرْف العذابِ، ولا بدَّ أن يَنْصُرَ المؤمنين على كلِّ حالٍ.
وقلت: وفي القول بإيجاب نَصْرِ المؤمنينَ إيجابُ القولِ بالانتقام من الكافرين، وبالعكس كما مَرَّ الكلامُ في الإدراج، والأسلوبُ من باب الطَّردِ والعَكسِ أو التَّذييل.
فإن قلت: لِمَ ذهب إلى الإدراج؟ وهَلاّ جَعل القرينتَينِ مستقلَّتينِ في الدّلالةِ كما قالا.
стр. 6459
الْمُؤْمِنِينَ)، وعن رسول الله ﷺ : «ما من امرئ مسلم يردّ عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يردّ عنه نار جهنم يوم القيامة» ثم تلا قوله تعالى: (كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ).
[(الله الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ)] ٤٨ - ٤٩ [
(فَيَبْسُطُهُ) متصلًا تارةً (وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً) أى: قطعًا تارةً (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) في التارتين جميعًا. والمراد بالسماء: سمت السماء وشقها، كقوله تعالى: (وَفَرْعُها فِي السَّماءِ)] إبراهيم: ٢٤ [، وبإصابة العباد: إصابة بلادهم وأراضيهم (مِنْ قَبْلِهِ) من باب التكرير والتوكيد، كقوله تعالى: (فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها)] الحشر: ١٧ [. ومعنى التوكيد فيه: الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد، فاستحكم بأسهم وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلتُ: لا بُدَّ من القولِ به؛ لأنَّ موقعَ قولِه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ موقعُ التوكيدِ والتَّذييلِ والتعليل من قوله: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾؛ لأنَّ المعنى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فكذَّبوهم واستهزؤوا بهم وقَصَدوا الفَتْكَ بهم، ﴿فَانتَقَمْنَا﴾ منهم ونَصَرْنا المؤمنين، وقد جَرت سُنَّةُ الله بالانتقام والنَّصر.
قوله: (ما من امرئ مسلم) الحديث بتمامه مذكورٌ في ((شرح السُّنة)) عن أبي الدَّرداء.
قوله: (وشِقّها) أي: ناحيتها. الأساس: قعد في شِقٍّ من الدّار؛ أي: ناحيةٍ منها.
قوله: (وتمادي إبلاسُهم)، الأساس: ناقةٌ مِبْلاس: لا تَرْغو من شِدّة الضَّبَعَة، وقد أبلَسَتْ، ومنه أبلَسَ فلانٌ: إذا سَكت من يأس، ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.
стр. 6460
[(فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ الله كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)] ٥٠ [
قرئ: "أثر" و (آثار) على الوحدة والجمع. وقرأ أبو حيوة وغيره: (كيف تحيى)، أى: الرحمة (إِنَّ ذلِكَ) يعنى: إنّ ذلك القادر الذي يحيى الأرض بعد موتها: هو الذي يحيى الناس بعد موتهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ: ((أَثَرِ)) و ﴿آثَارِ﴾ على الوحدة والجمع) على الوحدة: نافعٌ وابن كثيرٍ وأبو عمرٍو وأبو بكرٍ، والباقون: على الجمع.
قوله: (وقرأ أبو حَيوةَ وغيرُه: ((كيف تُحيي))؛ أي: الرحمة) قال ابن جِنِّي: قرأها الجَحْدريُّ وابنُ السَّميفع وأبو حيوة ذهب بالتأنيث إلى لفظ الرَّحمةِ، ولا يقول على هذا: أما ترى إلى غلامِ هندٍ كيف تَضْرِب زيدًا؟ بالتاء. والفَرقُ أنَّ الرحمةَ قد يقوم مقامَها أَثرُها، فإذا ذكَرتَ أثرَها فكأنَّ الغرضَ إنما هو هي، وليس كذلك غلامُ هندٍ.
وقوله: ﴿كَيْفَ يُحْيِي﴾ جملة منصوبةُ المحَلِّ على الحال حملاً على المعنى لا على اللَّفظ، وذلك أن اللّفظ استفهامٌ، والحال ضربٌ من الخبر، والاستفهام والخبر متدافعان.
وتلخيص كونه حالاً قولُك: فانظر إلى أَثرِ رحمةِ الله مُحييةً للأرضِ بعد موتها.
قوله: (الذي يحيي الأرض بعد مَوتها: هو الذي يُحيي الناسَ بعد موتِهم)، ((يحيي)) الأول حكايةُ حالٍ ماضيةٍ بشهادة قولِه: ﴿فَانظُرْ﴾؛ لأنَّ الأمر بالنَّظرِ مسبوقٌ بوجود المنظورِ إليه، وإنّما عَدَل إلى المضارع لإحضارِ تلك الحالةِ العَجيبةِ الشأنِ في مشاهدة السامِع، وهي اخضرارُ الأرضِ بآثار رحمةِ الله بعد جَفافِها نَحْوَ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ
стр. 6461
(وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ) من المقدورات قادر، وهذا من جملة المقدورات بدليل الإنشاء.
[(وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ)] ٥١ - ٥٣ [
(فَرَأَوْهُ) فرأوا أثر رحمة الله؛ لأنّ رحمة الله هي الغيث، وأثرها: النبات. ومن قرأ بالجمع: رجع الضمير إلى معناه؛ لأنّ معنى آثار الرحمة النبات، واسم النبات يقع على القليل والكثير، لأنه مصدر سمى به ما ينبت. (ولئن): هي اللام الموطئة للقسم، دخلت على حرف الشرط، و (لَظَلُّوا) جواب القسم سدّ مسدّ الجوابين، أعنى: جواب القسم وجواب الشرط، ومعناه: ليظلنّ، ذمّهم الله تعالى بأنه إذا حبس عنهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السماء ماء فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]. قال: صُرِفَ من الماضي إلى لفظ المضارع لنُكتةٍ فيه، وهي إفادةُ بقاء أثَرِ المطر زمانًا بعدَ زمانٍ.
وأما ((يُحيي)) الثاني فمضارعٌ، ولمّا كان وَعْدُ الله مقطوعَ الحصولِ جيءَ به في التنزيل اسمًا مع اللام خبرًا لـ (أنَّ) واسمُه اسمُ الإشارةِ، والمشارُ إليه ما يُفهم من الكلام السابق الدالِّ على القُدرة الباهرة، ولذلك قال: ((ذلك القادر))، وذُيِّلَتْ بقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قوله: (﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من المَقدُورات قادرٌ)، الراغب: القديرُ: هو الفاعلُ لِمَا يشاءُ على قَدْر ما تَقتضيه الحكمةُ لا زائدًا ولا ناقصًا، ولهذا لا يصحُّ أن يُوصفَ به إلاّ الله تعالى.
قوله: (ومعناه: ليَظَلُّنَّ)، قال أبو البقاء: ﴿لَّظَلُّوا﴾ بمعنى: لَيَظَلُّنَّ؛ لأنَّه جوابُ الشَّرط، وكذلك ﴿أَرْسَلْنَا﴾ بمعنى: يُرسل.
стр. 6462
القطر قنطوا من رحمته وضربوا أذقانهم على صدورهم مبلسين، فإذا أصابهم برحمته ورزقهم المطر؛ استبشروا وابتهجوا، فإذا أرسل ريحًا فضرب زروعهم بالصفار، ضجوا وكفروا بنعمة الله، فهم في جمع هذه الأحوال على الصفة المذمومة؛ كان عليهم أن يتوكلوا على الله وفضله، فقنطوا، وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها، فلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال صاحب ((الكشف)): الماضي بمعنى المستقبل؛ كقوله تعالى: ﴿لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ﴾، ثم قال: ﴿لَا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨].
وقال مكّي: ﴿لَّظَلُّوا﴾ معناه: لِيَظَلُّوا، فالماضي في موضع المستقبَل، وحَسُن هذا؛ لأنَّ الكلامَ بمعنى المجازاةِ، والمجازاةُ لا تكونُ إلا بمُستقبَل. هذا مذهبُ سيبويه.
قوله: (بالصُّفار) والصُّفار بالضم: صُفْرةٌ تعلو اللَّونَ والبَشَرة، وصاحبه مَصْفورٌ.
الأساس: رجلٌ مَصْفُورٌ وبه صُفار: داءٌ يَصفر منه.
قوله: (فهم في جميع هذه الأحوال) نتيجة قوله: ((ذمَّهم الله)).
وقوله: ((كان عليهم أن يتوكَّلوا)) إلى آخِره، بيانٌ لتعكيس أُمورِهم في جميع ما به ذَمَّهم اللهُ تعالى في الآيات الثلاث:
إحداها: قولُه: ﴿وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾، وهو المراد من قوله: ((إذا حَبسَ عنهمُ القَطْرَ قَنَطُوا من رحمته))، وبيانٌ لتعكيسِهم فيه قوله: ((كان عليهم أن يتوكَّلوا على اللهِ فقَنَطُوا)).
وثانيتها: قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ﴾ الآية، وبه عني بقوله: ((فإذا أصابَهم برحمتِه)) إلى آخِره، وبيانُ التَّعكيسِ فيه قولُه: ((وأن يَشكُروا نِعْمتَه فلم يَزيدوا على الفَرَح)).
وثالثتُها: قولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ الآية، ويُفَسِّره: ((فإذا أرسلنا عليهم ريحًا)) إلى آخِره، وبيانُ التَّعكيس قولُه: ((وأن يَصْبروا على بلائه فكَفَروا)).
стр. 6463
يزيدوا على الفرح والاستبشار، وأن يصبروا على بلائه، فكفروا. والريح التي اصفرّ لها النبات: يجوز أن تكون حرورًا وحرجفًا، فكلتاهما مما يصوح له النبات ويصبح
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قلتَ: مُقتضى الظاهر أن يُوضعَ موضعَ: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ لم يَحمَدُوا؛ لقوله: ((وأن يَشْكُروا نِعمتَه))، ومَوضِعَ ﴿لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ لضَجُّوا وجَزِعُوا؛ لقوله: ((وأن يصبروا على بلائه)).
قلت: إنما عَدَل في الأوَّل ليُؤذِنَ بأنَّ الفرحَ المُفرِطَ بَطَرٌ وأَشَرٌ وليس ذلك من شأن الشّاكر الحامِدِ، بل من دَيْدَنِ الكافر، وأشعَرَ بالثاني أنَّ فقدانَ الصَّبرِ عند نزول البلاء دليلٌ على عدم الرِّضى بالقضاء، وهو إخراجٌ لِرِبْقَةِ العُبوديَّةِ، كما قيل: ((من لم يَصبرْ على بلائي؛ فلْيَتَّخذ ربّاً سِواي)).
فإن قلتَ: قد عُلم من تقديم المصنِّف معنى الإبلاس على الاستبشار أنه راعي معنى لفظ ((قبل)) في الآية الثانية، فما فائدة تأخيرِه في التَّنزيل وتكرير ((قبل))؟
قلت: أخَّرَ الإبلاسَ عن الاستبشار، وأبرزَه في صُورة الشَّرطيَّة إرادةً للمبالغة وتثنيةً للتَّقريع، إذ لو أُريدَ الظاهرُ لقيل: فإذا أصاب به القانطينَ فَعَلوا كذا؛ كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨] ولذلك قَطَع ما هو متَّصلٌ بأصل الكلام من قوله: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾، وعلَّق به نوعًا آخَر من التَّوبيخ إشعارًا بتعديد النِّعَم وتكرير تَلقِّيهم إيّاها بالكفران. ألا ترى كيف عقَّب ذلك بقوله: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الآيةَ.
قوله: (حَرورًا) وهي الرّيحَ الحارَّة، وهي باللّيل كالسَّمُومِ بالنَّهار، والحَرْجَف: الرِّيحُ الباردَةُ.
стр. 6464
هشيمًا. وقال: مصفرّا؛ لأنّ تلك صفرةٌ حادثة. وقيل: فرأوا السحاب مصفرًا، لأنه إذا كان كذلك لم يمطر.
[(الله الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ)] ٥٤ [
قرئ بفتح الضاد وضمها، وهما لغتان. والضم أقوى في القراءة، لما روى ابن عمر رضى الله عنهما: قال: "قرأتها على رسول الله ﷺ من ضعف، فأقرأنى من ضعف". وقوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ) كقوله: (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ)] الأنبياء: ٣٧ [، يعنى: أنّ أساس أمركم وما عليه جبلتكم وبنيتكم الضعف (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً)] النساء: ٢٨ [،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تصَوَّحَ البقل: إذا يبس أعلاه وفيه نُدُوّة، وصَوَّحتْهُ الرِّيحُ أيبسَتْهُ. كلها في ((الصِّحاح)).
قوله: (وقال مصفرّاً) أي: لم يقل: ((أصفر)).
قوله: (قُرِئَ بفَتْح الضادِ وضَمِّها) أبو بكر وحمزةُ: بالفتح، وعن حفصٍ وجهان، والباقون: بضمِّها.
قوله: (لِما روى ابنُ عمرَ) روينا عن الترمذيِّ وأبي داودَ، عن ابنِ عمرَ. قال عطيَّة ابن سعد العوفي: قرأتُ على عبد اللهِ بنِ عمرَ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ﴾ قال: ((من ضُعْفٍ))، قرأتُها على رسول الله ﷺ كما قرأتَها عليَّ، فأخَذَ عليَّ كما أخذتُها عليكَ.
في ((المعالم)): الضمُّ لغةُ قريشٍ، والفتح: لغةُ تميمٍ. قال الزَّجاج: الاختيارُ الضمُّ؛ للرِّواية.
стр. 6465
أي: ابتدأناكم في أوّل الأمر ضعافًا. وذلك حال الطفولة والنشء حتى بلغتم وقت الاحتلام والشبيبة، وتلك حال القوّة إلى الاكتهال وبلوغ الاشدّ، ثم رددتم إلى أصل حالكم وهو الضعف بالشيخوخة والهرم. وقيل: من ضعف من النطف، كقوله تعالى: (مِنْ ماءٍ مَهِينٍ)] السجدة: ٨، المرسلات: ٢٠ [وهذا الترديد في الأحوال المختلفة، والتغيير من هيئةٍ إلى هيئةٍ وصفةٍ إلى صفة: أظهر دليٍل وأعدل شاهٍد على الصانع العليم القادر.
[(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ)] ٥٥ [
(السَّاعَةُ) القيامة، سميت؛ بذلك لأنها تقوم في آخر ساعةٍ من ساعات الدنيا،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: ابتدأناكم في أوَّل الأمر ضعافًا) فـ ﴿مِّن﴾ لابتداء الغاية، نحو قول القائل: فلانٌ ربّي فلانًا من فَقْره وجعله غَنيًّا؛ أي: من حالة فقرِه، فقوله: ﴿مِّن ضَعْفٍ﴾ أي: من حالةٍ كان فيها جَنينًا وطِفلاً مولودًا ورضيعًا.
قوله: (وبلوغ الأَشُدِّ) قيل: هو ما بين ثماني عشرةَ إلى ثلاثين، وهو واحدٌ على بناء الجمع. وقيل: هو جَمعٌ لا نظير له من لفظه. وكان سيبويه يقول: واحِدُه: شِدَّة.
الرّاغب: ويَدلُّ على أنَّ كلَّ واحدٍ من قوله: ﴿ضَعْفٍ﴾ إشارةٌ إلى حالةٍ غيرِ الحالةِ الأُولى؛ ذِكْرُهُ مُنكَّرًا.
قوله: (وقيل: من ضُعْف) من النُّطَف، أي: أنشأكم من ماءٍ ذي ضعْف، وهو قِلَّتُه وحَقارتُه كقوله تعالى: ﴿مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾.
قوله: (﴿السَّاعَةُ﴾: القيامة)، الراغب: السَّاعة جزءٌ من أجزاء الزَّمانِ، ويعبَّر به عن القيامة كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] سُمِّيت بذلك لسرعةِ حسابها،
стр. 6466
أو: لأنها تقع بغتةً وبديهة. كما تقول: في ساعةٍ لمن تستعجله، وجرت علمًا لها كالنجم للثريا، والكوكب للزهرة. وأرادوا: لبثهم في الدنيا، أو في القبور، أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث. وفي الحديث: «ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون» قالوا: لا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أو لِما نَبَّه عليه بقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وقيل: السّاعاتُ التي هي القيامةُ ثلاثة:
السّاعة الكبرى، وهي بَعْثُ النّاس للمُحاسَبة المَشَار إليها بقوله ﷺ : ((إنَّ مِن أشراطِ السّاعة: أن يَتقاربَ الزمانُ، ويَنقُصَ العِلمُ، وتَظهرَ الفِتنُ، ويُلقي الشُّحُّ، ويَكثُرَ الهَرْجُ؛ أي: القَتْلُ)). أخرجه البخاريٌّ ومسلمٌ والتِّرمذيُّ عن عبد الله وأبي موسى.
والسّاعة الوسطى: وهي موتُ أهل القَرْنِ الواحدِ نحوَ ما روى البخاريُّ ومسلمٌ، عن ابن عمرَ قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ ذاتَ ليلةٍ العِشاءَ في آخر حياتِه، فلما سلَّم قال: ((أَرأيتُكم ليلَتكم هذه، فإنَّ على رأس مئة سَنَةٍ لا يَبقى ممَّن هو اليومَ على ظَهر الأرضِ أحد)). وزاد الترمذيُّ وأبو داودَ: وقال ابنُ عمرَ: وإنَّما قال رسولُ الله ﷺ : ((لا يبقى اليومَ ممَّن هو على ظَهْر الأرضِ)) يريد بذلك أن يَنخَرِمَ ذلك القَرْنُ.
والسّاعةُ الصُّغرى، وهي موتُ الإنسانِ، فساعةُ كلِّ إنسانٍ موتُه. وذلك نحو ما روى البخاريُّ ومسلمٌ، عن عائشةَ ﵂ قالت: كان الأعرابُ إذا قَدِموا على رسولِ الله ﷺ سألوه عن السّاعةِ: مَتى السّاعةُ؟ فنَظَر إلى أحدَثِ إنسانٍ منهم، فقال: ((إن يَعِشْ هذا لم يُدركْهُ الهَرَمُ حتى تَقومَ عليكم ساعتُكم)). قال هشامٌ: يعني: موتَهم.
قوله: (وفي الحديث: ((ما بينَ فَناءِ الدُّنيا إلى وَقْت البَعْثِ أربعونَ))) الحديثَ، من رواية
стр. 6467
يعلم أهي أربعون سنةً أم أربعون ألف سنة؟ وذلك وقت يفنون فيه وينقطع عذابهم، وإنما يقدّرون وقت لبثهم بذلك على وجه استقصارهم له. أو ينسون أو يكذبون. أو يخمنون (كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ) أى: مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون عن الصدق والتحقيق في الدنيا، وهكذا كانوا يبنون أمرهم على خلاف الحق. أو مثل ذلك الإفك كانوا يؤفكون في الاغترار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البخاريِّ ومسلمٍ وغيرِهما، عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((ما بَين النَّفخَتَينِ أربعونَ)) قالوا: أربعونَ يومًا؟ قال أبو هريرة: أَبَيتُ. قَالوا: أربعونَ شهرًا؟ قال: أبَيتُ.
قالوا: أربعونَ سَنةً. قال: أبَيتُ. الحديثَ.
قوله: (أو يُخمِّنون)، الأساس: التَّخمينُ: الوَهْم والتَّقديرُ، وخَمَّن كذا، أي: حَزَره، وخَمَّنَه يَخمِنُه خَمْنًا.
الرّاغب: التَّخمين: أن يَتوهَّم في الشيء أمرًا ما لا عَن أمارةٍ.
قوله: (وهكذا كانوا يبنون أمرَهم) عطفٌ تفسيريٌّ على الجملة قبلَه.
الراغب: الإفكُ: كلُّ مصروفٍ عن وَجْهِه الذي يحقُّ أن يكونَ عليه، ومنه قيل للرِّياح العادلةِ عن المَهابِّ: مُؤتفِكَة. قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾ [الحاقة: ٩]. وقوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]؛ أي: يُصرفون عن الحقِّ في الاعتقادِ إلى الباطل، ومن الصِّدقِ في المقال إلى الكَذبِ، ومن الجَميل في الفعل إلى القَبيحِ.
ومنه قولُه: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩]، ورجلٌ مَافوكٌ. مصروفٌ عن الحقِّ إلى الباطلِ.
وقال الواحديُّ: أَفَكَ فلانٌ إفكًا إذا صُرِف عن الصِّدقِ وعن الخيرِ.
стр. 6468
بما تبين لهم الآن أنه ما كان إلا ساعة.
[(وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ الله إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ)] ٥٦ - ٥٧ [
القائلون: هم الملائكة والأنبياء والمؤمنون. (فِي كِتابِ الله) في اللوح. أو في علم الله وقضائه، أو فيما كتبه، أى: أوجبه بحكمته. ردّوا ما قالوه وحلفوا عليه، وأطلعوهم على الحقيقة تم وصلوا ذلك بتقريعهم على إنكار البعث بقولهم: (فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) أنه حق لتفريطكم في طلب الحق واتباعه. فإن قلت: ما هذه الفاء؟ وما حقيقتها؟ قلت: هي التي في قوله:
فقد جئنا خراسانا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الكلبيُّ: كَذَبوا في قولهم: ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ كما كذبوا في الدنيا.
وقال مقاتلٌ: يقول: هكذا كانوا يُكذِّبون بالبعثِ كما كذبوا أنَّهم لم يلْبَثُوا في قُبورهم إلاّ ساعةً، والمعنى: أنَّ اللهَ أرادَ أن يفضَحَهم فحَلَفُوا على شيءٍ يتبيَّنُ لأهلِ الجمعِ من المؤمنين أنّهم كانوا كاذبينَ في ذلك، ويستدلُّون بكذبِهم هناك على كِذبِهم في الدُّنيا، وكان ذلك مِنَ قضاء الله وقَدَرِه. يعني كما صُرفوا عن الصِّدق في حَلِفِهم حين حَلَفوا كاذبين، صُرِفُوا في الدُّنيا عن الإيمان، ثم ذَكَر إنكارَ المؤمنين عليهم كَذِبَهم بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [الروم: ٥٦].
قوله: (بما تَبيَّن) صلةُ ((الاغترار))، و ((ما)) موصوفةٌ أو موصولةٌ، يعني: مثل ذلك الإفكِ مطلقًا كانوا يؤفكُون في اغترارهم بشيءٍ ظَهر لهم الآنَ أنَّه ما كان إلاّ ساعةً، وهو طُولُ مُكْثِهم الذي غرَّهم بأنْ كذَّبوا بالبَعث والجزاء، وهو معنى قول مقاتلٍ: هكذا كانوا يكذِّبون بالبَعث.
قوله: (فقد جِئنا خُراسانا)، تمامُه:
стр. 6469
وحقيقتها: أنها جواب شرط يدل عليه الكلام، كأنه قال: إن صح ما قلتم من أن خراسان أقصى ما يراد بنا فقد جئنا خراسان، وآن لنا أن نخلص، وكذلك إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث، أى: فقد تبين بطلان قولكم. وقرأ الحسن: (يوم البعث)، بالتحريك، (لا يَنْفَعُ) قرئ بالياء والتاء، (يُسْتَعْتَبُونَ) من قولك: استعتبني فلان فأعتبته، أى: استرضانى فأرضيته، وذلك إذا كنت جانيًا عليه. وحقيقة أعتبته: أزلت عتبه. ألا ترى إلى قوله:
غضبت تميم أن تقتّل عامر … يوم النّسار فأعتبوا بالصّيلم
كيف جعلهم غضابا، ثم قال: فأعتبوا، أى: أزيل غضبهم. والغضب في معنى العتب. والمعنى: لا يقال لهم أرضوا ربكم بتوبةٍ وطاعة، ومثله قوله تعالى: (لا يُخْرَجُونَ مِنْها، وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ)] الجاثية: ٣٥ [. فإن قلت: كيف جعلوا غير مستعتبين في بعض الآيات، وغير معتبين في بعضها، وهو قوله: (وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ)] فصلت: ٢٤ [؟ قلت: أما كونهم غير مستعتبين: فهذا معناه. وأما كونهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قالوا: خُراسانُ أقصى ما يُرادُ بنا … ثمَّ القُفُولُ، فقد جِئنا خُراسَانا
قوله: (وقرأ الحسَنُ: ((يوم البَعَثِ))) قال ابن جنِّي: ((البَعَث)) بفتح العين، حرَّك العين لكونهما حرفَ حَلْقٍ.
قوله: (﴿لَّا يَنفَعُ﴾ قرئ بالياء)، عاصمٌ وحمزةُ والكسائيُّ، والباقون: بالتاء الفوقانيّةِ.
قوله: (إذا كنت جانيًا) أي: إذا دُمتَ على جنايتك عليه، فيسترضيك المجني عليه بعَفْوٍ عنه وتَصْرِفُ جنايتَكَ عنه.
стр. 6470
غير معتبين، فمعناه: أنهم غير راضين بما هم فيه، فشبهت حالهم بحال قوم جنى عليهم، فهم عاتبون على الجاني غير راضين عنه، فإن يستعتبوا الله: أى يسألوه إزالة ما هم فيه، فما هم من المجابين إلى إزالته.
[(وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذلِكَ يَطْبَعُ الله عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ)] ٥٨ - ٦٠ [
(وَلَقَدْ) وصفنا لهم كل صفةٍ كأنها مثل في غرابتها، وقصصنا عليهم كل قصةٍ عجيبة الشأن، لصفة المبعوثين يوم القيامة، وقصتهم، وما يقولون وما يقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم ولا يسمع من استعتابهم، ولكنهم لقسوة قلوبهم ومج أسماعهم حديث الآخرة إذا جئتهم بآيةٍ من آيات القرآن، قالوا: جئتنا بزوٍر وباطل، ثم قال: مثل ذلك الطبع يطبع الله على قلوب الجهلة. ومعنى طبع الله: منع الألطاف التي تنشرح لها الصدور حتى تقبل الحق، وإنما يمنعها من علم أنها لا تجدى عليه ولا تغني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فشُبِّهت حالُهم بحال قومٍ)، هذا على معنى كونهم غيرَ مُعتَبين، وعلى معنى كونهم غيرَ مُستَعْتَبِينَ وهو جارٍ على الحقيقة؛ لأنَّهم بحيث لا يقال لهم: أرضُوا ربَّكم بالتَّوبة والطاعة.
قوله: (يَطبعُ اللهُ على قلوب الجَهَلَةِ) يعني: قولُه: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وُضِعَ موضعَ الراجعِ إلى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أو أنَّه عام يَدخلُ أولئك فيه دُخولاً أَوَّليًّا؛ وكلامُه محتَمِلٌ المعنَيينِ.
وقال القاضي: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ لا يطلبون العلمَ، ويُصرُّون على خُرافاتٍ اعتَقَدوها، فإنَّ الجهلَ المركَّب يَمنعُ إدراكَ الحَقِّ، ويُوجب تكذيبَ المُحِقِّ.
وقلت: كأنَّه ذَهب إلى الاحتمال الأوَّل.
стр. 6471
عنه، كما يمنع الواعظ الموعظة من يتبين له أنّ الموعظة تلغو ولا تنجع فيه، فوقع ذلك كنايةً عن قسوة قلوبهم وركوب الصدأ والرين إياها، فكأنه قال: كذلك تقسو وتصدأ قلوب الجهلة، حتى يسموا المحقين مبطلين، وهم أعرق خلق الله في تلك الصفة، (فَاصْبِرْ) على عداوتهم (إِنَّ وَعْدَ الله) بنصرتك وإظهار دينك على الدين كله (حَقٌّ) لا بدّ من إنجازه والوفاء به، ولا يحملنك على الخفة والقلق جزعًا مما يقولون ويفعلون فإنهم قوم شاكون ضالون لا يستبدع منهم ذلك. وقرئ بتخفيف النون. وقرأ ابن أبى إسحاق ويعقوب: (ولا يستحقنك)، أى: لا يفتننك فيملكوك ويكونوا أحق بك من المؤمنين.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الروم كان له من الأجر عشر حسناٍت بعدد كل ملك سبح الله بين السماء والأرض، وأدرك ما ضيع في يومه وليلته».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا يَحملَنَّك على الخِفَّة والقَلَق جَزَعًا)، فاعل ((لا يَحمِلَنَّك)): ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾، على مِنْوال: لا أرَينَّكَ هنا و ((جَزَعًا)) تمييزٌ، والظاهر أنه مفعولٌ له، وإن لم يكن فعلاً لـ ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾؛ لأنه لمّا كان المنهيُّ في الحقيقة رسولَ الله ﷺ جاز ذلك، و ((مما يقولون)) متعلِّق بـ ((جزعًا)). المعنى: لا يَحمِلَنَّك الذين لا يُوقنون على ما يَدخُلُكَ منه خفّة؛ لأن يُجزع من قولهم؛ أي: لا تكُن بحيث يَحمِلُكَ الجَزَعُ على الخِفَّة والعَجَلة، فَتَمْنعَكَ من تبليغ الرِّسالة؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ [الأعراف: ٢]. والله أعلم.
تَمَّتِ السُّورة بحمد الله وعَوْنه، وبالله المُستعان.
стр. 6472
سورة لقمان
مكية، وهي أربع وثلاثون آية، وقيل: ثلاث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)] ١ - ٥ [
(الْكِتابِ الْحَكِيمِ) ذى الحكمة. أو: وصف بصفة الله تعالى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة لقمان
مكية، وهي أربع وثلاثون آية، وقيل: ثلاث وثلاثون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (﴿الْحَكِيمِ﴾ ذي الحكمة) عن بعض المَغاربةِ: وصْفُ الكتابِ الحكيمِ بذي الحكمة مجازٌ أيضًا على طريق التَّضْمينِ؛ لأنَّ الوَصفَ بـ ((ذو)) للتَّمَلُّك، والكتاب لا يملك الحكمةَ بل يَتضمَّنُها، فلأَجْل تَضمُّنِه الحكمةَ وُصِفَ بالحكيم على معنى ذِي الحكمةِ، والظاهرُ أنه منَ الاستعارة المَكْنيَّة كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١].
стр. 6473
على الإسناد المجازي. ويجوز أن يكون الأصل: الحكيم قائله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فبانقلابه مرفوعًا بعد الجر استكن في الصفة المشبهة (هُدىً وَرَحْمَةً) بالنصب على الحال عن الآيات، والعامل فيها: ما في (تلك) من معنى الإشارة. وبالرفع على أنه خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف. (لِلْمُحْسِنِينَ): للذين يعملون الحسنات وهي التي ذكرها: من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة ونظيره قول أوس:
الألمعى الّذى يظن بك الظّ … ـنّ كأن قد رأى وقد سمعا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على الإسناد المجازيِّ) عن بعضهم: أنَّ ((الحكيم)) من صفات الله تعالى لا من صفات الكتاب، فأسَنَد صفةَ الله تعالى إلى الكتاب مجازًا؛ لأنَّ الكتابَ منه بدء وهو بسَبَبه.
قوله: (فحُذِفَ المضافُ) أي: قائلٌ في قائلِه، وأُقيمَ الهاءُ الذي هو المضافُ إليه مقامَ قائل، وبقي الهاء المتصل به مُنفردًا فانقلبت إلى ((هو)) المنفصِل، فصار مرفوعًا؛ لأنه فاعلٌ بعد أن كان مجرورًا؛ لأنه كان مضافًا إليه ثمَّ استَكَنَّ هذا الهاءُ المُنقَلِبُ من الجرٍّ إلى الرَّفع في ﴿الْحَكِيم﴾ الذي هو الصِّفةُ المُشبَّهةُ، كما يَستَكِنُّ في: يضرب.
قوله: (بالنَّصب على الحال عن الآيات، والعاملُ فيها: ما في ﴿تِلْكَ﴾ من معنى الإشارةِ) فقد سَبق في أوَّل ((البقرة)) عند قوله: ﴿هَدًى﴾ [البقرة: ٢] الخلافُ فيه.
وردَّ ابنُ الحاجِبِ قولَ الزَّجَّاجِ وغيرِه. وأما أبو البقاء فذَكَر هاهنا ما ذكره المصنِّف.
قوله: (﴿وَرَحْمَةً﴾ بالنصب، وبالرفع على أنه خبر) حمزةُ: بالرَّفع، والباقون: بالنَّصب.
قوله: (الألمَعيُّ الذي يَظُنُّ بك) البيت، قبلَه:
стр. 6474
حكي عن الأصمعي: أنه سئل عن الألمعى فأنشده ولم يزد. أو: للذين يعملون جميع ما يحسن من الأعمال، ثم خص منهم القائمين بهذه الثلاث لفضل اعتداد بها.
[(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ)] ٦ - ٧ [
اللهو: كل باطل ألهى عن الخير وعما يعنى و (لَهْوَ الْحَدِيثِ) نحو السمر بالأساطير والأحاديث التي لا أصل لها، والتحدث
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنَّ الذي جَمَع السَّماحةَ والنْـ … نَجْدَةِ والبأسَ والتُّقى جَمعَا
النَّجْدة بفتح النُّون: الشَّجاعة والبلوغُ في الأمر بحيث يَعجِزُ منه غيرُه، والبأسُ: الحربُ، و ((الألمعيُّ)) خبرُ ((إنَّ))، وفي النُّسخ المصَّححة: ((الألمعيَّ)) بالنَّصب.
الأساس: رجل أَلْمَعيٌّ ويَلْمَعي: فَرّاسٌ. وعن ابن الأعرابيِّ: الألمعيُّ: الذي إذا لَمَع له أوَّلُ الأمرِ يكتفي بظنِّه دون يَقِينهِ، وهو منَ اللَّمع، وهو الإشارة الخَفيَّة والنَّظر الخَفِيّ.
قوله: (ثم خصَّ منهمُ القائمينَ بهذه الثّلاثِ)، فعلى الأوَّل: ((المُحسنين)) معبِّرٌ عن الذوات، و ﴿الَّذِينَ﴾ وصفٌ مجرورٌ جارٍ عليه على سبيلِ الكشفِ والبيان، وعلى الثاني: ذواتٌ مخصوصةٌ مُيِّزت تمييزَ جبريلَ وميكائيلَ عن ملائكته، يشهد له الضَّميرُ في قوله: ((خصَّ منهم)). ويجوز أن يكون منصوبًا بتقدير: أَعْني، أو: أَذْكُر على الاختصاصِ؛ لأناقةِ المذكوراتِ وفَضْلِ مَنِ اتَّصف بها.
стр. 6475
بالخرافات والمضاحيك وفضول الكلام، وما لا ينبغي من كان وكان، ونحو الغناء وتعلم الموسيقار، وما أشبه ذلك. وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، وكان يتجر إلى فارس، فيشترى كتب الأعاجم فيحدث بها قريشًا ويقول: إن كان محمد يحدثكم بحديث عاٍد وثمود؛ فأنا أحدثكم بأحاديث رستم وبهرام والأكاسرة وملوك الحيرة، فيستمنحون حديثه ويتركون استماع القرآن. وقيل: كان يشتري المغنيات،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بالخرافات)، المغرب: الخرافاتُ: الأحاديثُ المُستَمْلَحةُ، ومنه: الفُكاهةُ من الفاكهة.
قوله: (مِنْ كان وكان) كناية عن الأحاديث التي لا يُعتنى بها من فضول الكلام، كما أنّ ((كَيْتَ وكَيْتَ)) كِنايةٌ عمّا لا يُعتنى بشأنه.
قوله: (الموسيقار)) وفي بعض الحواشي: هو عِلْمُ الألحانِ، روينا عن أحمدَ بنِ حنبلٍ وأبي داود، عن نافعٍ قال: كنتُ مع ابن عمرَ في طريقٍ فسمعَ مِزْمارًا، فوَضَع إصبَعيه في أُذنيهِ، ونَأَى عن الطَّريق إلى الجانب الآخَرِ، ثم قال لي بَعد أنْ بَعُدنا: يا نافعُ، هل تسمعُ شيئًا؟
قلت: لا، فرفعَ أُصبَعيهِ من أُذنيهِ، وقال: كنتُ مع رسول الله ﷺ فسمِعَ صوتَ يَراعٍ، فصنع مثلَ ما صنعتُ. قال نافع: كنتُ إذ ذاك صغيرًا.
النهاية: اليَرَاعُ: قَصَبةٌ كان يُزْمَرُ بِها.
قوله: (فيستمنحون)، أي: يَسْتَحْسِنون من المَنْحِ، وهو العطاء. وفي بعض النسخ: ((يَسْتَمْلِحون)).
стр. 6476
فلا يظفر بأحٍد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه، ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه. وفي حديث النبي ﷺ : «لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن ولا التجارة فيهنّ ولا أثمانهنّ" وعنه ﷺ : «ما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين: أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت"، وقيل: الغناء منفدة للمال، مسخطة للرب، مفسدة للقلب. فإن قلت: ما معنى إضافة اللهو إلى الحديث؟ قلت: معناها التبيين، وهي الإضافة بمعنى (من)، وأن يضاف الشيء إلى ما هو منه، كقولك: صفة خز وباب ساجٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يَحِلُّ بيعُ المُغنِّيات) الحديث من رواية الإمام أحمد بن حنبل والترمذيّ وابن ماجه، عن رسول الله ﷺ قال: ((لا تَشْتروا القَيْناتِ ولا تَبيعُوهنَّ، ولا خيرَ في تجارتِهنَّ، وثَمنُهنَّ حرامٌ)).
وفي مثل ذلك أُنزلت هذه الآيةُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ جعل الله القَيناتِ نَفْسَ لَهْوِ الحديثِ مبالغةً، كما جَعل النّساءَ في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ نفس الزينة.
قوله: (صُفّة خَزّ) بضم الصاد المهملة.
الأساس: أصْلِحْ صُفَّةَ سَرْجِكَ، وأصفَفتُ السَّرجَ: جعلت له صُفَّةً.
المغرب: صُفَّة السَّرج: ما غُشِّيَ به بين القَرَبوسَيْنِ، وهما مقدَّمُه ومؤخَّرُه.
стр. 6477
والمعنى: من يشتري اللهو من الحديث؛ لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره، فبين بالحديث. والمراد بالحديث: الحديث المنكر، كما جاء في الحديث: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش» ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى (من) التبعيضية، كأنه قيل: ومن الناس من يشترى بعض الحديث الذي هو اللهو منه. وقوله: (يَشْتَرِي) إما من الشراء، على ما روى عن النضر: من شراء كتب الأعاجم، أو من شراء القيان. وإما من قوله: (اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ)] آل عمران: ١٧٧ [أى: استبدلوه منه واختاروه عليه. وعن قتادة: اشتراؤه: استحبابه، يختار حديث الباطل على حديث الحق. وقرئ: (لِيُضِلَّ) بضم الياء وفتحها. و (سَبِيلِ الله) دين الإسلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الإضافة بمعنى ((مِن)) التَّبعيضيةِ) فعلى الأوَّل: يُشبِهُ أن يكونَ من إضافة العامِّ إلى الخاصِّ، كما قال: اللهوُ يكون منَ الحديث وغيرِه. وعلى الثاني: عكسه؛ لأنَّ الحديثَ قد يكون لَهْوًا وغيرَه كما قال: ((بعض الحديثِ الذي هو اللهو منه))، والضميرُ المجرورُ راجعٌ إلى ((الحديث)).
قوله: (قُرئ: ﴿لِيُضِلَّ﴾ بضَمِّ الياءِ وفَتْحِها) ابنُ كثير وأبو عمرو: بالفَتح، والباقون: بالضَّم.
قال الزَّجاجُ: من قرأ بالضَّم فمعناه: لِيُضِلَّ غيرَه، وإذا أَضلَّ غيره فقد ضَلَّ هو أيضًا. ومن قرأ بالفتح فمعناه: لِيَصيرَ أمرُه إلى الضَّلال، فَدلَّ بالرَّديفِ على المَرْدوف.
قال صاحب ((الفرائد)): هذا لا يَخْلو عن نَظَرٍ، فإنَّ الرَّديفَ لا يدلُّ على المَرْدوفِ؛ لأنَّ الضّالَّ لا يلزمُ أن يكون مُضِلاًّ.
قلت: لمّا جعلَه من الكِناية لَزِمَ أن تكونَ الملازَمةُ مساويةً، إمّا أنَّها كذلك حقيقةً أو
стр. 6478
أو القرآن. فإن قلت: القراءة بالضم بينة، لأن النضر كان غرضه باشتراء اللهو: أن يصدّ الناس عن الدخول في الإسلام واستماع القرآن ويضلهم عنه، فما معنى القراءة بالفتح؟ قلت: فيه معنيان، أحدهما: ليثبت على ضلاله الذي كان عليه، ولا يصدف عنه، ويزيد فيه ويمدّه، فإن المخذول كان شديد الشكيمة في عداوة الدين وصدّ الناس عنه. والثاني: أن يوضع (ليضل) موضع (ليضل) من قبل أن من أضل كان ضالًا لا محالة، فدل بالرديف على المردوف. فإن قلت: ما معنى قوله: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) قلت: لما جعله مشتريًا لهو الحديث بالقرآن قال: يشترى بغير علم بالتجارة وبغير بصيرة بها، حيث يستبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق. ونحوه قوله تعالى: (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ)] البقرة: ١٦ [أى: وما كانوا مهتدين للتجارة بصراء بها: وقرئ (وَيَتَّخِذَها) بالنصب والرفع عطفًا على (يشترى). أو (ليضل)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ادعاءً للشُّهرةِ، وكان المَخذُول أي: النَّضْرُ مشهورًا في إضلال الناسِ باشتراء اللهو، فإذا قيل له: ضالٌّ، جاز أن يكون منه الإضلال بقرائن الأحوال.
قوله: (لمّا جعله مشتريًا لهْوَ الحديثِ بالقرآن) إلى آخره. تلخيصُه: أنَّه لما استُعير استبدالُ الضّلالِ بالهدى، والباطلِ بالحقِّ: الشِّراءُ، نُظِر إلى المُستعار له، وجيء بوَصْفٍ ملائمٍ له، فكان تجريدًا للاستعارة كما أنَّ قولَه: ﴿رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] ترشيحٌ لتلك الآيةِ ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] تجريدٌ لها، وقد سَبَق في ((البقرة)) تقريرُه.
قوله: (﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ بالنَّصبِ والرَّفع) بالنَّصب: حفصٌ وحمزةُ والكسائيُّ، والباقون: بالرَّفع.
قال صاحب ((الكشف)): النَّصبُ على العطف على ﴿لِيُضِلَّ﴾، والرَّفعُ على ﴿يَشْتَرِي﴾؛ أي: مَنْ يشتري لَهْوَ الحديثِ ويتَّخذُها هُزُوًا، وما بين ((يشتري)) و ((يتَّخذ)) مِنَ الصِّلة ليس
стр. 6479
والضمير للسبيل؛ لأنها مؤنثة، كقوله تعالى: (وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً)] الأعراف: ٨٦ [. (وَلَّى مُسْتَكْبِراً) زامًا لا يعبأ بها، ولا يرفع بها رأسا: تشبه حاله في ذلك حال من لم يسمعها وهو سامع (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً) أى: ثقلًا ولا وقر فيهما، وقرئ بسكون الذال. فإن قلت: ما محل الجملتين المصدرتين بكأن؟ قلت: الأولى حال من (مستكبرا) والثانية من (لم يسمعها)، ويجوز أن تكونا استئنافين، والأصل في (كأن) المخففة: كأنه، والضمير ضمير الشأن.
[(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ الله حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)] ٨ - ١١ [
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بأجنبيٍّ، والباقي ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ للحالِ؛ أي: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جاهلا.
قوله: (زامًّا) الجوهري: زمَّ لأنْفِه، أي: تكَبَّر، فهو زَامٌّ.
قوله: (وقُرئ بسكون الذّال) قرأها نافعٌ.
قوله: (والأُولى حالٌ من ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾) أي: من المُسْتَكِنِّ فيه يدلُّ عليه.
قوله: (والثانية مِنْ ﴿لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾) يكون حالانِ مُتَداخلانِ.
قال أبو البقاء: ﴿كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ حالٌ، والعاملُ ﴿وَلَّى﴾ أو ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾، و ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾، ﴿وَقْرًا﴾: إما بدلٌ من الحال الأُولى، أو تَبيينٌ لها، أو حالٌ من فاعل ((يسمع)).
стр. 6480
(وَعْدَ الله حَقًّا) مصدران مؤكدان، الأوّل: مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره؛ لأن قوله: (لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ) في معنى: وعدهم الله جنات النعيم، فأكد معنى الوعد بالوعد. وأما (حَقًّا) فدال على معنى الثبات: أكد به معنى الوعد، ومؤكدهما جميعا قوله: (لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ). (وَهُوَ الْعَزِيزُ) الذي لا يغلبه شيء ولا يعجزه، يقدر على الشيء وضده، فيعطى النعيم من شاء والبؤس من شاء، وهو (الْحَكِيمُ) لا يشاء إلا ما توجبه الحكمة والعدل، (تَرَوْنَها) الضمير فيه للسماوات، وهو استشهاد برؤيتهم لها غير معمودةٍ على قوله: (بِغَيْرِ عَمَدٍ) كما تقول لصاحبك: أنا بلا سيٍف ولا رمٍح تراني. فإن قلت: ما محلها من الإعراب؟ قلت: لا محل لها لأنها مستأنفة. أو هي في محل الحرّ صفة للعمد أى: بغير عمد مرئية، يعنى: أنه عمدها بعمٍد لا ترى، وهي إمساكها بقدرته (هذا) إشارة إلى ما ذكر من مخلوقاته. والخلق بمعنى المخلوق. و (الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) آلهتهم، بكتهم بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلقه الله وأنشأه. (فأرونى) ماذا خلقته آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة، ثم أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالتورّط في ضلال ليس بعده ضلال.
(وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ)] ١٢ [
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على قوله: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾) متعلِّقٌ بقوله: ((استشهاد))، و ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ في التَّنزيل حالٌ من ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، و ﴿تَرَوْنَهَا﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مُبيِّنة؛ لأنَّ السَّماوتِ خُلقت بغير عَمَدٍ.
كأنَّه لمّا قيلَ: خَلَق السَّماواتِ والأرضَ بغير عَمَدٍ، قيل: وما الدَّليلُ عليه؟ فقيل: رؤيةُ النّاس لها غيرَ مَعْمُودةٍ، وكذلك لما قلت: أنا بغير سيفٍ ولا رُمحٍ، فقيل: ما الذي يدلُّ عليه؟
أجبت: لأنَّك تراني بلا سيفٍ ولا رُمحٍ. ويجوز أن يكون من باب نَفْي الشيءِ بنَفْي لازِمِه.
следующие страницы →