Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.
стр. 6546
(لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أى: يتوبون عن الكفر، أو لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه، كقوله تعالى: (فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً)] السجدة: ١٢ [وسميت إرادة الرجوع رجوعًا، كما سميت إرادة القيام قياما في قوله تعالى: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ)] المائدة: ٦ [، ويدل عليه قراءة من قرأ: (يرجعون) على البناء للمفعول. فإن قلت: من أين صح تفسير الرجوع بالتوبة؟ و (لعل) من الله إرادة، وإذا أراد الله شيئًا كان ولم يمتنع،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روينا عن مسلمٍ، عن أبيّ بن كعب: عذابُ الأدنى: مَصائبُ الدُّنيا والرُّومُ والبَطشَةُ أو الدُّخانُ.
قوله: (﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: يتوبونَ عَن الكُفر) هذا إذا فُسِّرَ عَذابُ الأدنى بعذابِ الدُّنيا، وقوله: ((أو لعلَّهمُ يريدون الرُّجوعَ)) إذا فُسِّر بعذاب القبرِ.
قوله: (ويدلُّ عليه قراءةُ مَن قرأَ: ((يُرجعُون)))، وذلك أن معنى هذه القراءة، والأولى على إرادة الرُّجوعِ، يَلْتقيان في معنى ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾؛ لأنَّ كلاًّ منهما يستدعي معنى الرُّجوعِ منهم إلى الدُّنيا بخلاف الأوَّل. نعم لو قيل: إنَّ معنى التَّرجِّي في ((لعلَّ)) راجعٌ إلى الكُفَّار لأفاد أيضًا ذلك.
قوله: (مِن أين صَحَّ تفسيرُ الرُّجوع بالتَّوبة) أي: كيف يَستقيمُ أن يفسَّرَ الرُّجوعُ بالتَّوبةِ، ولفظةُ (لعلَّ) من جهة الله محمولةٌ على الإرادةِ، وهذه الآيةُ واردةٌ في قومٍ مخصوصِينَ، وأنَّهم ماتوا على الكُفرِ، فيلزمُ تخلّفُ مرادِ الله تعالى عن إرادته.
وخلاصةُ الجوابِ أنَّ تخلّفَ مرادِ الله تعالى في أفعاله الخاصَّةِ وما يلحقُ بها من القَسْر على أفعال الغير محال، لكن في أفعال العباد إذا ثبت لهم الاختيارُ غيرُ محالٍ؛ لأنه لا يَقْدحُ في قُدرته.
الانتصاف: هذا فصلٌ رديء، وشِركٌ جَليّ لا يخفى، وجرَّه إلى ذلك تحريفُ كلمةِ
стр. 6547
وتوبتهم مما لا يكون، ألا ترى أنها لو كانت مما يكون لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر؟ قلت: إرادة الله تتعلق بأفعاله وأفعال عباده، فإذا أراد شيئًا من أفعاله كان ولم يمتنع، للاقتدار وخلوص الداعي. وأما أفعال عباده: فإما أن يريدها وهم مختارون لها، أو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
((لعلَّ)) إلى الإرادة، والحقُّ أنها لترجِّي المخاطبينَ، وكذا فسَّرها سيبويه.
وقال إمامُ الحرمينِ: ذهبتِ المعتزلةُ ومَنْ تَبِعَهم من أهل الأهواءِ إلى أنَّ الواجباتِ والمندوباتِ من الطّاعات مراداتُ لله تعالى وَقعتْ أو لم تَقعْ.
والمعاصي والفواحشُ والله تعالى كارةٌ لها غيرُ مريدٍ لوُقوعِها.
والمباحاتُ وما لا يدخلُ تحتَ التَّكليفِ من أفعال البهائمِ والمجانينِ تقعُ، وهو لا يريدُها ولا يَكرهُها، وإذا دَلَّلنا على أنَّ الرَّبَّ تعالى خالقٌ لجميعِ الحوادثِ يترتَّبُ عليه أنَّه مريدٌ لما خلقَ، قاصدًا إلى إبداعِ ما اخترعَ.
ثم يقول: قد قضتِ العُقولُ بأنَّ قصور الإرادةَ وعَدَمَ نفوذِ المشيئةِ من أصدقِ الآياتِ على سماتِ النَّقص، والاتِّصافِ بقُصورٍ وعجز، ومن ترشَّحَ لِلملك، ثم لا ينفذ مرادُه في أهل مملكته عُدَّ ضعيف المنّة مِضْياعًا لفرصتِه، وإذا كان ذلك يزري العاجز، فكيف في حقِّ مَلِكِ الملوكِ وربِّ الأرباب؟
فإن قالوا: الربُّ قادرٌ على أنْ يَرُدَّ الخلائق إلى الطّاعة قهرًا، ويُظهر آية تَظلُّ رِقاب الجبابرة لها خاضعة، قلنا: من فاسد أصلكم أنه لا يجوز في حكم الإله إجبار الخلائق على الطاعات، واضطرارهم إلى الخيراتِ ولا يريد منهم المعاصي والكُفرَ، وإنَّما يريد منهم الإيمانَ الاختياريّ فما يُريده لا يَقدرُ عليه وما يقدر عليه لا يُريده.
وقد اجتمع سَلَفُ الأُمَّةِ على كلمةٍ لا يجحدُها أهلُ الإسلام، وهو قولُهم: ((ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يَكُن))، والآياتُ الشاهدةُ لأهل السُّنة لا تُحصى كَثْرة.
стр. 6548
مضطرون إليها بقسره وإلجائه، فإن أرادها وقد قسرهم عليها فحكمها حكم أفعاله، وإن أرادها على أن يختاروها وهو عالم أنهم لا يختارونها؛ لم يقدح ذلك في اقتداره، كما لا يقدح في اقتدارك إرادتك أن يختار عبدك طاعتك وهو لا يختارها، لأنّ اختياره لا يتعلق بقدرتك، وإذا لم يتعلق بقدرتك لم يكن فقده دالًا على عجزك. وروي في نزولها: أنه شجر بين على بن أبى طالب رضى الله عنه والوليد بن عقبة بن أبى معيط يوم بدر كلام، فقال له الوليد: اسكت فإنك صبىّ؛ أنا أشبّ منك شبابًا، وأجلد منك جلدًا، وأذرب منك لسانًا، وأحدّ منك سنانًا، وأشجع منك جنانًا، وأملأ منك حشوًا في الكتيبة. فقال له على رضى الله عنه: اسكت، فإنك فاسق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (شجر بَيْن علي ﵁. النهاية: شَجَرَ الأمرُ يَشْجُر شجُورًا: إذا اخْتلط، وتشاجَروا: إذا تنازَعوا واختَلفوا.
قوله: (وأَذْرَب منك لسانًا)، النهاية: هو من قولهم: ذَرِبَ لِسانُه: إذا كان حادَّ اللِّسانِ لا يُبالي ما قال.
قوله: (وأملأ منك حَشوًا في الكَتيبة)، والحَشْو: ما يُحشى به الشَّيء؛ أي: الشَّيءُ الذي أحشو به الدرع أبلغ في ملئها من حشوك؛ أي: أنا أبْدَنُ منك فيها.
الأساس: وهو من حَشْو بني فلان: قال الرّاعي:
أتتْ دُونَها الأحلافُ مذحج … وأبناءُ كعبٍ حَشْوها وصَمِيمُها
قال صاحب ((الاستيعاب)): الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخو عثمانَ لأُمِّه، أسلَمَ يومَ الفتحِ هو وأخوه خالدُ بن عُقبةَ، وأظنُّه يومئذٍ كان قد ناهَزَ الاحتلام.
وعن سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس قال: نزلت في عليِّ بن أبي طالب ﵁ والوليدِ بن عُقبةَ في قصَّةٍ ذَكَرها ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ﴾.
стр. 6549
فنزلت عامّة للمؤمنين والفاسقين، فتناولتهما وكل من كان في مثل حالهما. وعن الحسن بن على ﵄: أنه قال للوليد: كيف تشتم عليًّا وقد سماه الله مؤمنًا في عشر آيات؟ وسماك فاسقا؟ .
[وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ)] ٢٢ [
(ثم) في قوله: (ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها) للاستبعاد. والمعنى: أنّ الإعراض عن مثل آيات الله في وضوحها وإنارتها وإرشادها إلى سواء السبيل، والفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعد في العقل والعدل، كما تقول لصاحبك: وجدت مثل تلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (فنزلت عامَّةً للمؤمنينَ والفاسقينَ، فتَناوَلَتْهما وكلَّ مَن في مِثلِ حالهِما)، قال صاحب ((الانتصاف)): ذَكَر السَّببَ المحقَّق، والمراد بالفاسِقِ وبالذين فَسَقوا: الكُفّارُ، وأَدْرَجَ فيها المؤمنين تعصُّبًا لمذهبه في وُجوب خُلودِ الفُسّاقِ.
وقال صاحب ((الإنصاف)): ولم يَشْفِ في الجوابِ، فإنَّ الاعتبارَ بعُموم لفظِ الآيةِ لا بخُصوصِ سَبَبِها، والفِسْقُ يُطلق على المؤمن؛ لقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحُجُرات: ١١]، و ((فاسقًا)) نكرةٌ في الشرط فيَعُمّ. والجوابُ الصَّحيحُ تَسليمُ العُمومِ وتَخْصِيصُه بالآياتِ والأخبارِ الدّالةِ على اعتبار الطّاعةِ وحُصولِ الشَّفاعَة.
وقلت: ما أنصَفَ ولا انتصَفَ من صاحب ((الانتصاف)) حيث سَلَّم العُموم، وقال: ﴿فَاسِقًا﴾ نكرةٌ في الشرط فيَعُم. أمَا نَظَر إلى نَظيرتِها: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أو إلى المُجْمَلِ: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا﴾ ليقيد المُطْلَقَ بالكافِرِ؟ وأمَا اعتَبَر الفاصلةَ: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ليَعلَمَ أنَّ المؤمنَ لا يُكذِّبُ بالآخرة؟ وأمَا تأمَّلَ النَّظْم وتعقيبَه بقوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾.
стр. 6550
الفرصة ثم لم تنتهزها؛ استبعادًا لتركه الانتهاز. ومنه (ثم) في بيت الحماسة:
لا يكشف الغمّاء إلا ابن حرّة … يرى غمرات الموت ثمّ يزورها
استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدّتها. فإن قلت: هلا قيل: إنا منه منتقمون؟ قلت: لما جعله أظلم كل ظالٍم، ثم توعد المجرمين عامةً بالانتقام منهم، فقد دلّ على إصابة الأظلم النصيب الأوفر من الانتقام، ولو قاله بالضمير لم يفد هذه الفائدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يَكشِفُ الغَمّاء) البيت، الغَما والغَمُّ والغُمَّة: مرجعها إلى التَّغطية، والمراد هاهنا: شدةُ اقتحام الحربِ؛ أي: لا يَكشِفُ الأمرَ العظيمَ إلاَّ رجلٌ كريم يرى قحم الموت ثم يتوسَّطها، وإنما قال: ابنُ حُرَّة؛ ليُهيِّجَه ويُحرِّضَه على الزَّيادة؛ أي: زيادة غَمَراتِ الموتِ بعدَ رؤيتها مستبعدةً مستنكرةً في العقل والعادةِ، وهو مع ذلك يزورها بعد استيفائه إيّاها، بالغَ في مدحِه بذلك؛ حيث باشَرَ مثل هذا المستبعدِ بشجاعته، وكذا في الآية بالغَ في الذمِّ؛ ولهذا قال: ((أنَّ الإعراض عن مثل آياتِ الله في وُضوحِها وإنارتِها … مستبعدٌ في العقل والعَدْل)).
وإنّما ذَهَب في ((ثم)) إلى المجاز وإن احتَمَل الحقيقة؛ لأنَّ الشاعرَ يمدحُ جَريًا لا يبالي بالموتِ ويقتحمُ الأهوالَ، لا أنه يَرى الغَمراتِ ثم يَمكُث زمانًا طويلاً متفكِّرًا ثم يَزُورها؛ لأنَّه ذَمٌّ له، وكذا ما في الآية؛ الأصلُ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢]، فوَضَع ((ثُمَّ)) موضعَ الفاءِ لبيان عنادِه وتَمرُّدِه.
قوله: (جعلَه أظلمَ كُلِّ ظالم، ثمَّ تَوعَّدَ المُجرِمين عامَّة بالانتقام)، فيه رائحةٌ من الاعتزالِ كما سَبق منه عند قولِه: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ((بسَبب ما عملتُم منَ المعاصي والكبائِر المُوبِقَةِ))، يقال: هلاّ يجعلُه من إقامةِ المُظْهَرِ موضعَ المُضمَرِ؛ ليُؤذِنَ بأنَّ عِلَّةَ الانتقام ارتكابُ هذا المُعرض مثل هذا الجُرْمِ العظيمِ.
стр. 6551
[وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)] ٢٣ - ٢٥ [
(الْكِتابَ) للجنس، والضمير في (لِقائِهِ) له. ومعناه: إنا آتينا موسى عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال محيي السُّنة: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ من المشركين، ولا ارتيابَ أنَّ الكلامَ في ذمِّ المعرضِينَ، وهذا الأسلوبُ أذمُّ لهم من ذلك؛ لأنه يُقرّرُ أن الكافرَ إذا وُصِف بالفِسْقِ والظُّلم والجرمِ حُمِلَ على نهاية كُفره وغايةِ تمرُّدِه؛ لأنَّ هذه الآيةَ كالخاتمةِ لأحوالِ المكذِّبِينَ القائلين: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾.
والتَّخلُّص إلى قصَّة الكَليمِ ﵇ مَسْلاةٌ لقلب الحبيبِ ﷺ يعني: آتيْنا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب، ولقَّيْناه مثل ما لقَّيناك، وكما جعلنا المنزَّل عليه هدّى لقوم صبروا، كذلك نجعل كتابك هدًى ونورًا لمن يصبرُ، وكما جعلنا كتابَه مختلفًا فيه كذلك نجعل كتابك مختلفًا فيه، وكما أهلَكْنا المَعرِضِينَ نُهْلِك هؤلاء ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ﴾ [السجدة: ٢٦] ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٧]، ويؤيِّده قولُ المصنِّفِ: ((والضمير في ﴿لَهُمْ﴾ لأهلِ مكَّةَ)).
قوله: (﴿الْكِتَابَ﴾ للجنس) إنَّما دعاه إلى اعتبار الجنسِ؛ لأنَّ الضَّميرَ في ﴿لِقَائِهِ﴾ راجعٌ إليه، ولا ارتياب أنَّ عَيْنَ ذلك الكتابِ مالقاه، كأنَّه قيل: ولقد آتينا موسى ما يُقال له: الكتاب، فلا تكن في شك من أنك لقيتَ مثله.
قال مكِّيّ: وقيل: الهاءُ تعود على ما لاقى في موسى؛ أي: فلا تكُ في مريةٍ من لقاء ما لاقى موسى من قومه من الأذى والتَّكذيبِ، ويجوز أن تعودَ على الكتاب، أضاف المصدرَ إلى المفعول؛ أي: من لقاء موسى الكتاب، وأضمَر موسى لتقدُّم ذِكْرِه.
стр. 6552
السلام مثل ما آتيناك من الكتاب، ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحى، فلا تك في شك من أنك لقيت مثله ولقيت نظيره، كقوله تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ)] يونس: ٩٤ [ونحو قوله: (مِنْ لِقائِهِ) وقوله: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ)] النمل: ٦ [وقوله: (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً)] الإسراء: ١٣ [. وجعلنا الكتاب المنزل على موسى ﵇ (هُدىً) لقومه (وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ) الناس ويدعونهم إلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه، لصبرهم وإيقانهم بالآيات. وكذلك لنجعلنّ الكتاب المنزل إليك هدًى ونورًا، ولنجعلنّ من أمّتك أثمة يهدون مثل تلك الهداية؛ لما صبروا عليه من نصرة الدين، وثبتوا عليه من اليقين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: على أن تعود الهاءُ إلى ما لاقى، فالفاءُ مثلُها في قول الشاعر:
ليسَ الجَمالُ بِمئزرٍ … فاعلَمْ وإنْ رُدِّيت برْدا
دَخلت على الجملة المعترضة بدلَ الواوِ اهتمامًا بشأنها؛ لأنَّ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾، إلى آخر الآية عطفٌ على قوله: ﴿آتَيْنَا﴾ وجعل كونهم أئمَّةً وهُداةً معللان بالصَّبر والإيقانِ في المعتَرِض فيه، ثم نهاه عن الامتراءِ في لقاء ما لاقوا منَ الأذى والصَّبر اقتداءً بهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
قوله: (فلا تَكُ في شكٍّ من أنك لقيتَ مثلَه) هذا معنى الفاء في ﴿فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ﴾ يعني: معرفتك بأنَّ موسى نبيٌّ مرسلٌ وأُوتَي التَّوراة، ينبغي أن تكون سببًا لإزالة الرَّيب عنك في أن المنزَّلَ عليك قرآنٌ وكتابٌ وإنا اخترناك كما اخترناه، ونبتليكَ بمثل ما ابتليناهُن ولهذا قال كقوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤].
стр. 6553
وقيل: من لقائك موسى ﵇ ليلة الإسراء، أو يوم القيامة. وقيل: من لقاء موسى ﵇ الكتاب؛ أى: من تلقيه له بالرضا والقبول. وقرئ: (لما صبروا) و (لما صبروا)؛ أى: لصبرهم. وعن الحسن رضى الله عنه: صبروا عن الدنيا. وقيل: إنما جعل الله التوراة هدًى لبنى إسرائيل خاصةً، ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل ﵇. (يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ) يقضى، فيميز المحق في دينه من المبطل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: من لقائك موسى ليلةَ الإسراءِ) عطفٌ على قوله: ((﴿الْكِتَابَ﴾ للجنس والضَّميرُ في ﴿لِقَائِهِ﴾ له))، يؤيِّدُه ما روى البخاريُّ ومسلمٌ، عن ابن عبّاس، عن النَّبيِّ ﷺ قال: ((رأيتُ ليلةَ أُسريَ بي مُوسى رَجُلاً آدمَ طُوالاً جَعْدًا، كأنَّه مِن رجال شَنُوءَة)).
قوله: (وقرئ: ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ و ((لِمَا صَبُرُوا)))، حمزةُ والكسائيُّ: بالتَّخفيف، والباقون: بالتشديد.
قال الزَّجَّاجُ: فإذا خُفِّفَ فالمعنى: جَعلناهم أَئمَّةً لِصبرهم، وإذا شُدِّد، فالمعنى: على المُجازاة، كأنه قيل: إنْ صبرتُم جَعلناكم أئمَّة، فلمّا صَبَروا جُعلوا أئمَّة. وقيل: إنَّ كلمةَ الظَّرفِ تُقام مقامَ التَّعليل؛ نحوَ قولك: أكرمتكَ إذا أكرمتَ زيدًا؛ لأنَّ الظَّرف يُقارن المظروفَ، كما أنَّ العِلَّة تَقُارنُ المَعلول.
قوله: (هدًى لبني إسرائيلَ خاصّةً، ولم يَتَعبَّد بما فيها ولدَ إسماعيل)، هذا التَّخصيصُ إنّما يفيدُه لامُ الاختصاص، وإيقاعُ قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ مشبّهًا به كما مَرَّ، وعطف ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ على ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾.
стр. 6554
[أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ)] ٢٦ [
الواو في (أَوَ لَمْ يَهْدِ) للعطف على معطوٍف عليه منوي من جنس المعطوف، والضمير في (لَهُمْ) لأهل مكة. وقرئ بالنون والياء، والفاعل ما دلّ عليه (كَمْ أَهْلَكْنا) لأنّ (كم) لا تقع فاعلة، لا يقال: جاءني كم رجل، تقديره: أو لم يهد لهم كثرة إهلاكنا القرون. أو هذا الكلام كما هو بمضمونه ومعناه، كقولك: تعصم لا إله إلا الله الدماء والأموال. ويجوز أن يكون فيه ضمير (الله) بدلالة القراءة بالنون. و (الْقُرُونِ) عاد وثمود وقوم لوط (يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ) يعنى: أهل مكة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الواوُ في ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ للعطف على معطوفٍ عليه [منويٍّ] من جنس المعطوفِ)، أي: ألم نُنَبِّههُم ولم يَهْدِ لهم كم أهلكنا من قَبلِهم، يعني: قلنا لهم: سيروا في الأرض ثم انظُروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلكم.
قوله: (وقُرئ بالنُّون والياء) الياءُ: مشهورةٌ، والنُّون: شاذَّة.
قال الفَرّاءُ: ﴿كَمْ﴾ في موضع رفع بـ ﴿يَهْدِ﴾، كأنَّكَ قُلتَ: أو لمْ يهدِ لهم القرونُ الهالكةُ فيتَّعظوا.
قال الزَّجاج: عند البصريِّينَ لا يجوز أن يعمل ما قبل ((كم)) في ((كم))، فلا يجوز في قولك: كم رجلٌ جاءني: جاءني كم رجل؛ لأنَّ كم تزال عن الابتداء، و ((كم)) هاهنا في موضع نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ وفاعل يهدي ما دلَّ عليه المعنى فيما سلف، وتكون ((كم)) أيضًا دليلاً على الفاعل في ﴿يَهْدِ﴾، ويدلُّ عليه قراءةُ مَنْ قرأ: ﴿أولم نَهدِ لهم﴾؛ أي: أو لم نبيِّن لهم.
стр. 6555
يمرون في متاجرهم على ديارهم وبلادهم. وقرئ: (يمشون) بالتشديد.
[أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَاكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ)] ٢٧ [
(الْجُرُزِ) الأرض التي جرز نباتها، أى: قطع؛ إمّا لعدم الماء، وإمّا لأنه رعى وأزيل، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ: جرز. ويدل عليه قوله: (فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً) وعن ابن عباس رضى الله عنه: إنها أرض اليمن. وعن مجاهد رضى الله عنه: هي أبين. (بِهِ) بالماء (تَاكُلُ) من الزرع (أَنْعامُهُمْ) من عصفه (وَأَنْفُسُهُمْ) من حبه. وقرئ: (يأكل) بالياء.
(وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ)] ٢٨ - ٣٠ [
الفتح: النصر، أو الفصل بالحكومة، من قوله: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا)] الأعراف: ٨٩ [وكان المسلمون يقولون: إنّ الله سيفتح لنا على المشركين. ويفتح بيننا وبينهم، فإذا سمع المشركون قالوا:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (((يُمَشَّونَ)) بالتشديد) قال ابن جِنّي: هي قراءةُ ابنِ السَّميفع، فهو للكثرة.
قوله: (وعن مجاهد: هي أبين)، النهاية: أبيَنُ: بوزن أحمر: قريةٌ على جانب البحر في ناحيةِ اليمن، وقيل: هو اسمُ مدينة عدَن.
قوله: (﴿بِهِ﴾ بالماء) أي: الضَّمير في ﴿بِهِ﴾ للماء، وفي ﴿مِنْهُ﴾ للزَّرع، و ﴿تَاكَلُ مِنْهُ﴾ صفةُ زرعًا، وفيه معنى الجمع؛ لأنه مشتمل على آكلينَ ومأكولاتٍ مختلفين، ومن ثَمَّ قسَّمه؛ أي: تأكل أنعامُهم من التّبن وأنفسُهم من الحَبِّ.
стр. 6556
(مَتى هذَا الْفَتْحُ) أى: في أىّ وقت يكون (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في أنه كائن. ويَوْمَ الْفَتْحِ يوم القيامة، وهو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم، ويوم نصرهم عليهم. وقيل: هو يوم بدر. وعن مجاهد والحسن رضى الله عنهما: يوم فتح مكة. فإن قلت: قد سألوا عن وقت الفتح، فكيف ينطبق هذا الكلام جوابًا على سؤالهم؟ قلت: كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح، استعجالًا منهم عن وجه التكذيب والاستهزاء، فأجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم في سؤالهم فقيل لهم: لا تستعجلوا به ولا تستهزؤا، فكأنى بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم، وآمنتم فلم ينفعكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾، ﴿مَتَى﴾ في موضع نَصَبٍ على الظَّرف، وهو خبرُ الابتداء، وهو ﴿هَذَا﴾، و ﴿الفَتْحُ﴾ نعتٌ لـ ﴿هَذَا﴾ أو عطفُ بيان. ويجوز أن يكون ﴿مَتَى﴾ في موضع رفع على تقدير حذف مضافٍ مع ﴿هَذَا﴾، وتقديره: متى وقت هذا الفتح؟
قوله: (كان غرضهُم في السُّؤال عن وقتِ الفتح، استعجالاً منهم على وجه التَّكذيب والاستهزاءِ)، يعني: إنما طابَقَ هذا الجوابُ مضمونَ ما أرادوا بسؤالهم في قولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾، وهو القطعُ بأنَّ ذلك كذبٌ ولا ينبغي أن يكونَ، وأنت ممن يجب أن يضحك منه.
وأجاب أن كَينونَته ممّا لا ارتيابَ فيه، وأنَّه لا بدَّ أن يقعَ، لكنِّي أخبرُكم عن أحوالكم فيه كأني أنظر إليكم الآنَ، وأنتم على تلك الحالِ، وهو قريبٌ من الأسلوب الحكيمِ.
قوله: (فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم)، قال المُطرزي: قولهم: كأنِّي بك: كأنِّي أبصرتُك، إلا أنّه تُرك الفعلُ لِدلالة الحالِ وكثرةِ الاستعمال، ومعناه: أعرف ما أشاهد من من حالك اليومَ وكيف يكونُ حالُك غدًا، كأنِّي أنظرُ إليك وأنتَ على تلك الحالِ. ومثلُه: مَن لي بكذا، يعنون من يَكفُل لي به، وله نظائر.
قال المُظهرِي: كأنِّي بك مبصرٌ وعالمٌ بحالك أنّك سَتَهلِك. وهذا اللَّفظُ يُستعمل في كل موضع يُتيقَّن ما يصير إليه حالُ الرَّجل.
стр. 6557
الإيمان، واستنظرتم في إدراك العذاب فلم تنظروا. فإن قلت: فمن فسره بيوم الفتح أو بيوم بدر؛ كيف يستقيم على تفسيره أن لا ينفعهم الإيمان، وقد نفع الطلقاء يوم فتح مكة وناسا يوم بدر؟ قلت: المراد أنّ المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند إدراك الغرق. (وَانْتَظِرْ) النصرة عليهم وهلاكهم (إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ) الغلبة عليكم وهلاككم، كقوله تعالى: (فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ)] التوبة: ٥٢ [، وقرأ ابن السميفع ﵀: (منتظرون)، بفتح الظاء. ومعناه: وانتظر هلاكهم فإنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم، يعنى: أنهم هالكون لا محالة. أو: وانتظر ذلك؛ فإن الملائكة في السماء ينتظرونه.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ: (الم تنزيل)، و (تبارك الذي بيده الملك)، أعطى من الأجر كأنما أحيا ليلة القدر»، وقال: «من قرأ (الم تنزيل) في بيته لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (المراد أنَّ المقتولينَ منهم لا ينفعُهم إيمانُهم في حال القتل)، وقلت: لو حملَه على قوم مخصوصينَ وهمُ الذين استهزؤوا وعاندوا وقالوا: متى هذا الفتحُ؟ إقامةً للمُظهر موضعَ المضمَرِ حتّى يكونَ من بابِ قولِه:
على لاحِبٍ لا يُهتدى بمنارِه
أي: لا يؤمنون حينئذٍ فلا ينفعُهم إيمانُهم لَحَسُنَ.
قوله: (مَنْ قرأَ: ﴿أَلَمْ * تَنزِيلُ﴾) روينا عن أحمدَ والترمذيِّ والدارميِّ عن جابرٍ: أنّ النبيَّ ﷺ كان لا ينام حتى يقرأَ ﴿أَلَمْ * تَنزِيلُ﴾ و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
стр. 6558
سورة الأحزاب
مدنية، وهي ثلاث وسبعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ الله وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ الله كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ الله كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وَكَفى بِالله وَكِيلاً)] ١ - ٣ [
عن زرّ قال: قال لي أبىّ بن كعب رضى الله عنه: كم تعدّون سورة الأحزاب؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الأحزاب
مدنيّةٌ، وهيَ ثلاث وسبعون آيةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قولُه: (عن زِرِّ) في ((جامعِ الأصول)): هو زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ الأسَديُّ الكوفيُّ، جاهِليٌّ إسلامي، من أكابرِ القُرّاءِ والمَشْهورين من أصحاب عبدِ الله بن مسعود، وسمعَ عُمرَ ﵁، وروى عنه خَلْقٌ كثيرٌ من التابعينَ وغيرِهم.
زِرٌّ: بكَسْرِ الزاي وتشديدِ الراء. وحُبَيْشٌ: بضَمِّ الحاءِ المُهْمَلة وفَتْح الباءِ المُوحَّدة وسكونِ الياءِ والشينِ المُعْجَمة. وحديثُه هذا مشهورٌ في ((مسندِ الإمامِ أحمَد بنِ حنبلٍ))
стр. 6559
قلت: ثلاثًا وسبعين آية. قال: فو الذي يحلف به أبىّ بن كعب، إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول. ولقد قرأنا منها آية الرجم: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم). أراد أبىّ ﵁ أنّ ذلك من جملة ما نسخ من القرآن. وأمّا ما يحكى: أن تلك الزيادة كانت في صحيفةٍ في بيت عائشة رضى الله عنها فأكلتها الداجن: فمن تأليفات الملاحدة والروافض. جعل نداءه بالنبىّ والرسول في قوله: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ الله)، (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ)] التحريم: ١ [، (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ)] المائدة: ٦٧ [، وترك نداءه باسمه، كما قال: (يا آدم)] البقرة: ٣٣ [، (يا موسى)] البقرة: ٥٥ [، (يا عيسى)] آل عمران: ٥٥ [، (يا داود)] ص: ٢٦ [، كرامةً له وتشريفًا، وربئًا بمحله، وتنويهًا بفضله. فإن قلت: إن لم يوقع اسمه في النداء فقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع تغييرٍ يسير. وفي ((الموطّأ)): ((الشيخُ والشيخةُ فارجُموهما البَّتة))، وكذا في روايةِ ابنِ ماجه.
قولُه: (الداجن)، النهاية: هي الشاةُ التي يعلِفُها الناسُ في منازلِهم، وقد يقَعُ على غيرِ الشاءِ مِن كلِّ ما يألفُ البيوتَ من الطيورِ وغيرهِ. يقالُ: شاةٌ داجِنٌ، ودجَنَتْ تدجُنُ دُجونًا.
قولُه: (ورَبْئًا بمَحلِّه)، الأساس: إني لأرْبأُ بك عن هذا الأمر: أرفَعُك ولا أرضاهُ لك، ورَباتُ بنَفْسي عن عَملِ كذا. ونوّهْتُ به تَنويهًا: رفَعْتُ ذِكْرَه وأشهَرْتُه، وينصُرُه ما روَيْنا في ((صحيح البخاري)): أنَّ البراءَ حين دعا بقولِه: اللهمَّ إني أسلَمْتُ نَفسي إليك، وفَوَّضْتُ أمري إليك، وألجاتُ ظَهْري إليك آمنتُ بكتابِك الذي أنزَلْتَ، ورَسولِك الذي أرسَلْتَ.
قال رسولُ الله ﷺ : ((لا، ونَبيِّكَ الذي أرسلت)).
النهاية: قيل: إنّ النبيَّ مُشتَقٌ من النَّباوةِ وهو الشيءُ المُرتفِع. ومن المهموزِ شعْرُ عبّاسِ بنِ مِرْداس يمدَحُه:
стр. 6560
أوقعه في الإخبار في قوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله)] الفتح: ٢٩ [، (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ)] آل عمران: ١٤٤ [. قلت: ذاك لتعليم الناس بأنه رسول الله، وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به، فلا تفاوت بين النداء والإخبار، ألا ترى إلى ما لم يقصد به التعليم والتلقين من الأخبار كيف ذكره بنحو ما ذكره في النداء: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ)] التوبة: ١٢٨ [، (وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ)] الفرقان: ٣٠ [، (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يا خاتمَ النَّبئين إنّك مُرْسَلٌ … بالحقِّ كلُّ هُدى السبيلِ هداكا
ومن الأولِ حديثُ البَراء. وإنّما رَدّ عليه ليَخْتلفَ اللفظانِ ويَجْمَعَ له الثناءَيْن من معنى النبوةِ والرسالةِ تعديدًا للنعمةِ في الحالَيْن. وتعظيمًا للمِنَّة على الوجهين.
وعن الراغب: النبوَّةُ: سِفارةٌ بينَ الله وبين ذَوي العُقول مِن عباده لإزاحةِ عِلَلِهم في أمْرِ معادِهم وومعاشِهم، والنبيُّ لكونِه مُنَبّئًا بما تسكُنُ إليه العقولُ الزكية يصحُّ أن يكونَ بمعنى فاعلٍ، لقولِه تعالى ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحِجْر: ٤٩]، وأن يكونَ بمعنى مفعولٍ، لقولِه ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣].
وقلتُ: والذي يقتضيه هذا المقامُ من التنويهِ أنّ قولَه: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ خطابٌ فَظيعٌ هائلٌ خصوصًا مُهِّدَ بقولِه: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ فصَدَّر بما يَنْجَبِرُ به تلك الفظاعة، يعني: يا مَنْ تصدّي لمنصبِ النُبوة، كيفَ يليقُ بكَ طاعةُ أعداءِ الدين؟ ! ومن الأسلوبِ قولُه تعالى ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] ابتدأ بالعَفْوِ ثم إبداءِ الذنب.
стр. 6561
رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)] الأحزاب: ٢١ [، (وَالله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)] التوبة: ٦٢ [، (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)] الأحزاب: ٦ [. (إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)] الأحزاب: ٥٦ [، (وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالنَّبِيِّ)] المائدة: ٨١ [؟ (اتق الله): واظب على ما أنت عليه من التقوى، واثبت عليه، وازدد منه؛ وذلك لأن التقوى باب لا يبلغ آخره. (وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ): لا تساعدهم على شيء، ولا تقبل لهم رأيًا ولا مشورة، وجانبهم، واحترس منهم؛ فإنهم أعداء الله وأعداء المؤمنين، لا يريدون إلا المضارّة والمضادّة. وروى أنّ النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام اليهود: قريظة والنضير وبنى قينقاع، وقد بايعه أناس منهم على النفاق فكان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم، وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه، وكان يسمع منهم؛ فنزلت. وروى: أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبى جهل وأبا الأعور السلمى قدموا عليه في الموادعة التي كانت بينه وبينهم، وقام معهم عبد الله بن أبىّ ومعتب بن قشير والجد بن قيس، فقالوا للرسول الله ﷺ : ارفض ذكر آلهتنا وقل: إنها تشفع وتنفع؛ وندعك وربك، فشق ذلك على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين، وهموا بقتلهم؛ فنزلت. أى: اتق الله في نقض العهد ونبذ الموادعة، ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا إليك. وروى: أنّ أهل مكة دعوا رسول الله ﷺ إلى أن يرجع عن دينه ويعطوه شطر أموالهم، وأن يزوجه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ولا مشورةً)، الجوهري: المَشْوَرةُ: الشُّورى، وكذلك المَشُورة بضَمِّ الشِّين، تقولُ منه: شاوَرْتُه واستَشرْتُه بمعنى.
قولُه: (على النفاق)، حال، أي: والحالُ أنّ قلوبَهم مُنْطويةٌ على النفاق. والفاءُ في ((فكان يُلين)) جواب ((لمّا)).
قولُه: (في المُوادَعة)، الجوهري: المُوادَعة: المُصالَحةُ، والتوادُعُ: التصالح.
стр. 6562
شيبة بن ربيعة بنته، وخوفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع؛ فنزلت. (إِنَّ الله كانَ عَلِيماً) بالصواب من الخطأ، والمصلحة من المفسدة، (حَكِيماً) لا يفعل شيئًا ولا يأمر به إلا بداعي الحكمة. (وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ) في ترك طاعة الكافرين والمنافقين وغير ذلك، إِنَّ الله الذي يوحى إليك خبير (بِما تَعْمَلُونَ) فموح إليك ما يصلح به أعمالكم، فلا حاجة بكم إلى الاستماع من الكفرة. وقرئ: (يعملون) بالياء، أى: بما يعمل المنافقون من كيدهم لكم ومكرهم بكم. (وَتَوَكَّلْ عَلَى الله) وأسند أمرك إليه وكله إلى تدبيره. (وَكِيلًا): حافظًا موكولًا إليه كل أمر.
[(ما جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَالله يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ الله فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ الله غَفُوراً رَحِيماً)] ٤ - ٥ [
(مَا جَعَلَ اللَّهُ): ما جمع الله قلبين في جوف، ولا زوجية وأمومة في امرأة، ولا بنوّة ودعوة في رجل. والمعنى: أن الله سبحانه كما لم ير في حكمته أن يجعل للإنسان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وقرِئ: ((يَعْملونَ)) بالياء)، أبو عَمْرو، والباقونَ بالتاءِ الفَوْقانية.
قولُه: (ودِعْوةً)، النهاية: الدِّعْوَةُ في النَّسَبِ: بالكَسْر، وهو أن ينتسِبَ الإنسانُ إلى غيرِ أبيهِ وعشيرتِه. وكانوا يَفْعلونه فنُهِيَ عنه، وجُعِلَ الولدُ للفراش.
стр. 6563
قلبين؛ لأنه لا يخلو: إما أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب؛ فأحدهما فضلة غير محتاج إليها، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بدأك؛ فذلك يؤدى إلى اتصاف الجملة بكونه مريدًا كارهًا، عالمًا ظانًا، موقنًا شاكًا في حالة واحدة -لم ير أيضًا أن تكون المرأة الواحدة أمّا لرجل زوجًا له؛ لأن الأم مخدومة مخفوض لها جناح الذل، والزوجة مستخدمة متصرف فيها بالاستفراش وغيره كالمملوكة، وهما حالتان متنافيتان؛ وأن يكون الرجل الواحد دعيا لرجل وابنًا له؛ لأنّ النبوّة. أصالة في النسب وعراقة فيه، والدعوة: إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلًا غير أصيل، وهذا مثل ضربه الله في زيد بن حارثة، وهو رجل من كلب سبى صغيرًا، وكانت العرب في جاهليتها يتغاورون ويتسابون، فاشتراه حكيم بن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (في زيدِ بنِ حارثة)، وهو رجلٌ مِن كَلْب، ذَكر ابنُ عبدِ البَرِّ في ((الاستيعاب)): هو زيدُ بنُ حارثةَ بنِ شُراحيل بن كعبِ بن عبدِ العُزّي بن زيدِ بن أسدِ بن عبدِ القيْس بن عابدِ بن النعمانِ بن عَبْدِ بن وُدّ بن امرئِ القيس بن النعمانِ بن عُمَرَ بن عبدٍ بن عوف بن كِنانة بن بكرِ بن عُذْرَةَ بن زيدِ بن اللاتِ بنُ رُفيْدَة بن ثَوْر بن كَلْب بن وَبْرةَ. قد أصابه سَبْيٌ في الجاهليةِ فاشتراهُ حَكيمُ بنُ حِزامٍ لخديجةَ بنتِ خُوَيْلد فوهَبتْهُ للنبيِّ ﷺ ، فتبنّاهُ رسولُ الله ﷺ قبْلَ النبوَّة، وهو ابنُ ثمانِ سنين، ورسولُ الله ﷺ أكبَرُ منه بعَشْر سِنين، وقيل: بعِشرين سنةً. قال عبدُ الله بُن عَمَر: ما كُنّا نَدْعو زيدَ بنَ حارثَة إلا زيْدَ بنَ محمدٍ حتى نزلَتْ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾. عن البُخاريِّ ومسلمٍ وأحمدَ بنِ حَنْبلٍ والتِّرمذيِّ عن ابنِ عُمَر قال: إنّ زيدَ بنَ حارثَة مولى رسولِ الله ﷺ ما كُنّا نَدْعُوه إلا زيْدَ بنَ مُحمَدٍ حتى نزلَ القرآنُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥].
стр. 6564
حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله ﷺ وهبته له، وطلبه أبوه وعمه، فخير، فاختار رسول الله ﷺ فأعتقه، وكانوا يقولون: زيد بن محمد، فأنزل الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وطلبَه أبوهُ وعَمُّه، فخُيِّر، فاختارَ رسولَ الله ﷺ ، وفي ((الاستيعاب)): حَجَّ ناسٌ مِنْ كَلْبٍ فرأَوْا زيدًا فعَرفهم فقال لهم: أبلِغوا أهلي هذه الأبيَات فإنّي أعلَمُ أنّهم قَد جَزِعوا علي فقال:
أحِنُّ إلى قومي وإن كُنتُ نائيا … فإنّي قعيدُ البيتِ عند المَشاعرِ
فكُفّوا منَ الوجْدِ الذي قد شَجاكُم … ولا تُعْمِلوا في الأرضِ نَصَّ الأباعِرِ
فإنّي بحَمْدِ الله في خَيْرِ أُسْرَةٍ … كرام مَعَدٍّ كابرًا بَعْدَ كابر
النصُّ -بالصادِ المُهْمَلة-: السيرُ الشديد. كابرًا بعد كابر؛ أي: كبيرًا عن كبير.
فانطلق الكَلْبيون فأعلَموا أباه، فخرَج حارثةُ وكَعْبٌ ابنا شُراحيل لفدائِه، فقالا للنبيِّ ﷺ : يا ابنَ عبدِ المطلَب، يا ابنَ هاشمٍ، يا ابن سَيِّدِ قَوْمِه، أنتُم أهلُ الحرَمِ وجيرانُه، تَفكُّون العَاني وتُطْعمونَ الأسير، جئْناكَ في ابنِنا عندك فامنُنْ علينا وأحسِن، فقال رسولُ الله ﷺ : ادعُوه، فإنْ اختاركم فهو لكم، وإن اختارَني فوالله ما أنا بالذي اختارُ على مَنِ اختارَني أحدًا، فدَعاه فقال: هل تعرفِ هؤلاء؟ قال: نَعم هذا عَمِّي وهذا أبي، قال: فأنا مَنْ قد علِمْتَ ورأيْتَ صُحْبَتي فاختَرْني أو اختَرْهُما، فقال زيدٌ: ما أنا بالذي أختارُ عليكَ أحدًا، فقالا: ويحكَ يا زيدُ! أتختارُ العُبوديّةَ على الحريَّةِ وعلى أبيكَ وعَمِّك وأهلِ بيتِك؟ قال: نعم، قد رأيتُ مِنْ هذا الرجلِ شيئًا ما أنا بالذي أختارُ عليه أبدًا، فلما رأى رسولُ الله ﷺ [ذلك] أخرجَهُ إلى الحِجْرِ فقال: يا مَنْ حضر، اشهَدوا أنّ زيدًا ابني يَرِثُني وأرِثُه، فلمّا رأى ذلك أبوه وعَمُّه طابَت نفوسُهما فانصرَفا، ودُعيَ زيدَ بنَ محمَّد حتى جاءَ اللهُ بالإسلام، فنزلَتْ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، فدُعِيَ يومئذٍ زيْدَ بن حارثة.
стр. 6565
هذه الآية، وقوله: (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ)] الأحزاب: ٤٠ [. وقيل: كان أبو معمر رجلا من أحفظ العرب وأرواهم، فقيل له: ذو القلبين. وقيل: هو جميل بن أسد الفهري، وكان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فروى أنه انهزم يوم بدر، فمرّ بأبى سفيان وهو معلق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله. فقال له: ما فعل الناس؟ فقال: هم ما بين مقتول وهارب. فقال له: ما بال إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك؟ فقال: ما ظننت إلا أنهما في رجلىّ، فأكذب الله قوله وقولهم، وضربه مثلًا في الظهار والتبني. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: كان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وأرْواهم)، وهو مِنَ الرواية، أي: أكثرُهم رِواية.
قولُه: (فأكذَبَ اللهُ قَوْلَه وقَوْلَهم وضرَبَه مَثَلاً في الظِّهارِ والتبنِّي)، أي: قَوْلَ جميلٍ: إنّ لي قلبَيْن، وقَوْلَ مَنْ وافَقه من العربِ، ويشهَدُ ما رواه مُحيي السنة عن الزُّهْري ومُقاتلٍ: هذا مَثَلٌ ضرَبَه الله للمُظاهِرِ من امرأتِه وللمُتَبنِّي ولَدَ غيرِه يقول: فكما لا يكونُ لرجلٍ قَلْبان، كذلك لا تكونُ امرأةُ المظاهِر أُمَّه، ولا يكونُ أحدٌ ابنَ رجُلَيْن. وإنّما قُلْنا: إنّ المرادَ بقَوْلِهم ما وافَقوه فيه؛ لِما قالَ مُحْيي السنّة: فعَلِموا يومئذٍ أنه لو كان له قلبانِ لما نَسِي نَعْلَه في يده.
وقالَ الزجّاج: رُوِيَ أنّ عبدَ الله بنَ حَنْظَلٍ قال: إنّ لي قلبَيْن، أفْهَمُ بكُلِّ واحدٍ منهما أكثرَ مما يعقِلُ محمد، فأكْذَبَهُ الله تعالى فقال: ﴿اجَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤]، ثم قرنَ بهذا الكلامِ ما يقولُه المُشركون مِمّا لا حقيقةَ له.
وقلتُ: فعلى هذا المذكوراتُ الثلاثُ بجُمْلتِها مَثَلٌ فيما لا حقيقةَ له، ثمَّ ذَيَّلَ الكُلَّ بقوله: ﴿اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾.
وقال صاحبُ ((الانتصاف)): وأسَدُّ ما ذُكِرَ فيه: أنّهم كانوا يَدَّعونَ لابنِ الحَنْظلِ قلبَيْن،
стр. 6566
المنافقون يقولون: لمحمد قلبان، فأكذبهم الله. وقيل: سها في صلاته، فقالت اليهود: له قلبان: قلب مع أصحابه، وقلب معكم. وعن الحسن: نزلت في أن الواحد يقول: نفس تأمرنى ونفس تنهاني. والتنكير في "رجل"، وإدخال "من" الاستغراقية على (قلبين) تأكيدان لما قصد من المعنى، كأنه قال: ما جعل الله لأمة الرجال ولا لواحد منهم قلبين البتة في جوفه. فإن قلت: أى فائدة في ذكر الجوف؟ قلت: الفائدة فيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فنفى الله صحَّة ذَلك، وقَرنَه بأقاويلهِم الباطلةِ وهي جَعْلُهم الأدعياءَ أبناءً، والزوجاتِ أمهات، ففي الأولِ لزِمَ قيامُ أحدِ المعنَييْن بالآخَر كالعِلْمِ والجهْل، والأمنِ والخوْف، وأما الثاني فالزوجةُ في مَقامِ الامتنان، والأمُّ في مَقامِ الإكرام، وأما الثالثُ فإنَّ البُنُّوَّةَ أصالةٌ والدَّعْوةَ عَلامةٌ عارضةَ، فالكلُّ مُتناف.
قال القاضي: ما جَعَلَ قلبَيْنِ في جَوْف؛ لأنّ القلْبَ معدِنُ الروحِ الحَيَوانيِّ المتعلِّقِ بالنَّفَس الإنسانيِّ أوّلاً، ومَنْبعُ القُوى بأسْرِها، وذلك يمْنَعُ التعدُّدَ؛ لأدائِه إلى تناقُضٍ، وهو أن يكونَ كلٌّ منهما أصلاً لكلِّ القُوى، وغَيْرَ أصل.
قولُه: (فقالتِ اليهودُ: له قَلْبان)، رَويْنا عن الإمام أحمَد بنِ حَنْبلٍ والتِّرمذيِّ عن ابنِ عباسٍ: قيلَ له: ما عنى الله تعالى بقولِه ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. قال: قامَ النبيُّ ﷺ يومًا يُصلِّي فخَطرتْ خَطْرةٌ، فقالَ المُنافقونَ الذين يُصلُّونَ معه: ألا ترون أنّ له قلبَيْن: قلبًا معكم وقَلبًا معهم؛ فنزلَتْ.
قولُه: (ما جعلَ اللهُ لأمّةِ الرجالِ ولا لواحدٍ منهم قلبَيْن البتَّة)، لعلّه ذهبَ إلى أنّ الأصلَ: ما جعلَ اللهُ لأحدٍ من الرجالِ قلبَيْن في جَوْفِه فقولُه: لرجلٍ وُضِعَ موضعَ أحدٍ بوَساطةِ التنكير، وقَدَّر لأمةٍ منَ الرجالِ باستعانةِ ((من)) الاستغراقيةِ نَحْوَ قولِه تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢].
стр. 6567
كالفائدة في قوله: (الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)] الحج: ٤٦ [؛ وذلك ما يحصل للسامع من زيادة التصوّر التجلي المدلول عليه؛ لأنه إذا سمع به صور لنفسه جوفًا يشتمل على قلبين، فكان أسرع إلى الإنكار.
قرئ: (اللايئ)، بياء وهمزة مكسورتين، و (اللائي) بياء ساكنة بعد الهمزة. و (تظاهرون) من: ظاهر، و (تظاهرون) من: اظاهر، بمعنى: تظاهر. و (تظهرون)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (قرئَ: ((اللايئ)))، قالون، وقُنبلٌ: ((اللاءِ)) بالهمْز من غير ياء، ووَرْشٌ: بياءٍ مُخْتلَسةٍ خلفًا من الهمزةِ في الحالَيْن، والباقونَ: بالهمزةِ وياءٍ بعْدَها في الحالين قال أبو البقاء: اللاتي: جَمْعُ ((التي))، والأصلُ إثباتُ الياءِ، ويجوزُ حَذْفُها اجتزاءً بالكَسرةِ، ويجوزُ تلْيينُ الهمزةِ وقَلْبُها ياء.
قولُه: (﴿تُظَاهِرُونَ﴾ مِنْ: ظاهَر)، عاصم: ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ بضَمِّ التاءِ وتخفيفِ الظاءِ وألفٍ بعْدَها وكَسْرِ الهاء، وابنُ عامرٍ: بفَتْحِ التاءِ والهاءِ وتشديدِ الظاءِ والهاءِ من غيرِ ألف، أمّا ((يَظَّهَرون)) فالأصلُ: يتظهّرون، فأدغَم التاءَ في الظاءِ، و ((تَظاهرون)) بفتحِ التاءِ والتخفيف، فالأصلُ: تتَظاهرون، فحُذِفَت إحدى التاءَيْن، و ((تَظّاهرون)) بتشديدِ الظاءِ وإدغامِ التَّاءِ الثانيةِ في الظاء كلُّها لغات.
الراغب: الظهْرُ: الجارحة، وقولُه تعالى ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾، الظهر هاهنا تشبيهًا للذُّنوبِ بالحِمْلِ الذي يَنوءُ بحامِله، واستُعيرَ لظاهرِ الأرضِ وقيل: ظَهْرُ الأرضِ وبَطْنُها، ويُعَبَّرُ عن المركوبِ بالظَّهْر، ويُستعارُ لَمنْ يُتَقوّى به، وبَعيرٌ ظَهيرٌ: قَويٌّ بَيِّنُ الظَّهارة، والظِّهْريُّ: ما تجعَلُه بظَهْرِك فتَنْساه، وظهر عليه: غَلَبَه، وظاهَرْتُه: عاونْتُه، وظَهَرَ
стр. 6568
من: أظهر، بمعنى: تظهر، و (تظهرون) من: ظهر، بمعنى: ظاهر، كعقد بمعنى: عاقد. و (تظهرون) من: ظهر، بلفظ: فعل، من الظهور. ومعنى "ظاهر من امرأته": قال لها: أنت علىّ كظهر أمى. ونحوه في العبارة عن اللفظ: لبى المحرم؛ إذا قال لبيك، وأفف الرجل؛ إذا قال: أف، وأخوات لهنّ. فإن قلت: فما وجه تعديته وأخواته بـ"من"؟ قلت: كان الظهار طلاقًا عند أهل الجاهلية، فكانوا يتجنبون المرأة المظاهر منها كما يتجنبون المطلقة، فكان قولهم: تظاهر منها: تباعد منها بجهة الظهار، وتظهر منها: تحرز منها، وظاهر منها: حاذر منها، وظهر منها: وحش منها، وظهر منها: خلص منها. ونظيره: آلى من امرأته، لما ضمن معنى التباعد منها عدّى بـ"من"، وإلا فـ"آلى" في أصله الذي هو بمعنى: حلف وأقسم، ليس هذا بحكمه. فإن قلت: ما معنى قولهم: أنت علىّ كظهر أمى؟ قلت: أرادوا أن يقولوا: أنت علىّ حرام كبطن أمى، فكنوا عن البطن بالظهر؛ لئلا يذكروا البطن الذي ذكره يقارب ذكر الفرج، وإنما جعلوا الكناية عن البطن بالظهر لأنه عمود البطن، ومنه حديث عمر رضى الله عنه: "يجيء به أحدهم على عمود بطنه". أراد: على ظهره. ووجه آخر؛ وهو أن إتيان المرأة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشيءُ أصْلُه: أن يحصُلَ على ظَهْرِ الأرض، وبَطَنَ إذا حصَلَ في بُطْنانِ الأرض فيَخْفى، ثم صارَ مُسْتعملاً لكلِّ بارزٍ للبَصَرِ والبصيرة.
قولُه: (ومنه حديثُ عُمرَ ﵁: ((يجيءُ [به] أحدُهم)))، أي: يجيءُ بالغَلَّة أحدُ التُّجارِ على ظهرِه، وأنتم تَخرجونَ وتتلقَّوْنَهم تَشْرونها منهم أرخَصَ من سِعْرِ البلد. ذكَر في ((المُغْرب)): قال عُمرُ ﵁: ((أيُّما جالبٍ جَلَبَ على عَمودِ بَطْنِه، فإنّه يَبيعُ أنّى شاء ومتى شاء))، يعني الظَّهْرَ؛ لأنّه قِوامُ البطن ومِساكُه. وعن الليث: هو عرق يمتد من الرُّهابةِ إلى السُّرَّةِ. قال أبو عُبَيْد: هذا مَثَلٌ والمرادُ أنه به في تَعبٍ ومَشقّةٍ لا أنه يحمِلُه على
стр. 6569
وظهرها إلى السماء كان محرّمًا عندهم محظورًا، وكان أهل المدينة يقولون: إذا أتيت المرأة ووجهها إلى الأرض جاء الولد أحول، فلقصد المطلق منهم إلى التغليظ في تحريم امرأته عليه، شبهها بالظهر، ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمّه فلم يترك. فإن قلت: الدعىّ: فعيل بمعنى: مفعول، وهو الذي يدعى ولدًا، فما له جمع على افعلاء، وبابه: ما كان منه بمعنى فاعل، كتقى وأتقياء، وشقىّ وأشقياء، ولا يكون ذلك في نحو رمى وسمى؟ قلت: إن شذوذه عن القياس كشذوذ قتلاء وأسراء، والطريق في مثل ذلك التشبيه اللفظي. (ذلِكُمْ) النسب هو (قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ): هذا ابني لا غير من غير أن يواطئه اعتقاد لصحته وكونه حقًا. (والله) لا يقول إلا ما هو حق ظاهره وباطنه، ولا يهدى إلا سبيل الحق. ثم قال ما هو الحق، وهدى إلى ما هو سبيل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الظّهْرِ أو على هذا العِرْق. والرُّهابةُ: عَظْمٌ في الصدرِ مُشْرِفٌ على البطنِ كأنّه لسانُ الكلب.
قولُه: (فلَمْ يَتَّرِكْ)، المُغْرب: في حديثِ عليٍّ ﵁: ((مَنْ أوصى بالثُّلُثِ فما اتَّرك)) وهو مِنْ قَوْلِهم: فَعل فما اتَّركَ، هو افتَعل من التَّرْكِ، غَيْرُ مُعدًّى إلى مفعولٍ، أي: مَنْ اوصى بالثُّلُثِ لم يَتْرُكْ مما أُذِنَ له فيه شيئًا. المَعْنى: فلم يَتْرُكْ شيئًا منَ المُبالغةِ في التحريم إِلا ذكَره، فهو من بابِ التتميم.
قولُه: (الدَّعِيُّ: فَعيلٌ بمَعْنى: مفعول)، قال صاحبُ ((المُطلع)): فإنْ قيلَ: فإذا كان فَعيلاً بمعنى مَفعولٍ، فما له جُمِعَ على أفْعِلاء، وهو جَمْعُ فعيلٍ بمَعناك فاعلٍ، كتَقيٍّ وأتقياءَ وشَقِيٍّ وأشقياء؟ قُلنا: هو شاذُّ عن القياسِ كقُتَلاءَ وأُسَراءَ؛ قَتيلٍ وأسيرٍ، وطريقُه تُشاكِلُهما لفظًا، يعني: شُبِّه فَعيلٌ بمَعْنى مفعول، بفَعيلٍ بمَعْنى فاعلٍ، فجُمِعَ كما جُمِع.
قولُه: (لا يقولُ إلا ما هو حَقٌّ ولا يَهْدي إلاّ سبيلَ الحق)، أمّا دَلالةُ ﴿هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ على الحصرِ فظاهِرٌ؛ لأنّه على مِنوالِ: أنا عَرفْتُ، لكنّ دَلالةَ: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾
стр. 6570
الحق، وهو قوله: (ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ)، وبين أن دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في القسط والعدل. وفي فصل هذه الجمل ووصلها من الحسن والفصاحة ما لا يغبى على عالم بطرق النظم. وقرأ قتادة: (وهو الذي يهدى السبيل). وقيل: كان الرجل في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على الحصرِ فإنَّ عنْدَه مِثْلُ هذا التركيبِ مُفيدٌ للتخصيصِ، كما مَرَّ في قولِه ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٦] وأمثالِه.
قولُه: (وفي فَصْلِ هذه الجُمَلِ ووَصْلِها من الحُسْنِ والفَصاحةِ ما لا يَغْبى على عالمٍ بطريقِ النَّظْم)، يعني: في إخلاءِ العاطفِ وتوسيطهِ بين الجُمَلِ من مُفْتَتحِ السورة إلى هاهنا موضعُ تأمّل. وبيانُه: أنَّ الأوامرَ والنهْيَ في قولِه: ﴿تَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ﴿واتَّبِعْ﴾، ﴿وَتَوَكَّلْ﴾: وارداتٌ على نَسَقٍ عجيبٍ وتَرتيبٍ أنيق؛ فإنّ الاستهلالَ بقولهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ دالٌّ على أنّ الخطابَ مُشتملٌ على التنبيهِ على أمرٍ مَعْنيٍّ بشَأنه لائحٍ فيه معنى التهييجِ والإلهابِ، ومِنْ ثمَّ عَطَفَ عليه: ﴿وَلَا تُطِعِ﴾ كما يُعْطَفُ الخاصُّ على العامِّ، وأرْدَفَ النَهْيَ بالأمرِ على نحوِ قولِك: لا تُطِعْ مَنْ يخذُلُك واتَّبعْ ناصِرَك، ولا يبعُدُ أن يُسَمّى بالطردِ والعكْس. ثُمَّ أمرَ بالتوكُّلِ تشجيعًا على مخالفةِ أعداءِ الدينِ، والتجاءً إلى حَريمِ جلالِ الله ليكفيَه شرورَهم، ثُمَّ عقَّبَ كلاًّ من تلك الأوامرِ على سبيلِ التتميم والتذييلِ بما يُطابقُه، وعَلَّل قولَه: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ تتميمًا للارتداعِ؛ أي: اتّقِ الله فيما تأتي وتَذّرُ في سِرِّك وعلانِيتِك؛ لأنه عليمٌ بالأحوالِ كُلِّها يجبُ أن تحذَرَ مِنْ سَخَطِه، حكيمٌ لا يُحِبُّ متابعةَ حبيبهِ أعداءَه، وعَلّل قوْلَه: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تتميمًا أيضًا؛ أي: اتَّبعِ الحقَّ ولا تَتَّبعْ أهواءهم الباطلة وآراءَهم الزائغةَ؛ لأنّ الله يعلَمُ عَملَكَ وعَمَلَهم فيُكافِئُ كُلاًّ بما يستحِقُّه.
وذَيَّلَ قولَه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ تقريرًا وتوكيدًا على
стр. 6571
الجاهلية إذا أعجبه جلد الرجل وظرفه ضمه إلى نفسه، وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه، وكان ينسب إليه فيقال: فلان ابن فلان. (فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا) لهم آباء تنسبونهم إليهم (فـ) هم (إِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ) وأولياؤكم في الدين، فقولوا: هذا أخى، وهذا مولاي، ويا أخى، ويا مولاي، يريد الأخوّة في الدين والولاية فيه. (ما تَعَمَّدَتْ) في محل الجرّ عطفا على "ما أخطأتم"، ويجوز أن يكون مرتفعًا على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مِنوالِ: فُلانٌ ينطِقُ بالحقِّ والحقُّ أبلَج، مِنْ حَقِّ مَنْ يكون كافيًا لكلِّ الأمورِ، حَسيبًا في جَميع ما يرجِعُ إليه أن تُفَوَّضَ الأمورُ إليه ويُتوكَّلَ عليه، وفَصل قولَه ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ على سبيلِ الاستئنافِ تنبيهًا على بعضٍ منْ أباطيلِهم وتمحُّلاتِهم، وقوْلُه: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ فَذْلَكةٌ لتلكَ الأقوالِ آذنَتْ بأنّها جَديرَةٌ بأن يُحكَمَ عليها بالبُطلان، وحَقيقٌ بأن يُذَمَّ قائلُها فَضْلاً عن أن يُطاع.
ثمَ وصَل ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ على هذه الفَذْلكِة بجامعِ التضادِ على مِنوالِ ما سَبق في المُجْمَلِ في ﴿وَلَا تُطِعِ﴾
﴿وَاتَّبِعْ﴾، وفَصَل قولَه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ وقَوْلَه ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ وهلُمَّ جَرًّا إلى آخرِ السورة تفصيلاً لقَوْلِ الحقِّ والاهتداءِ إلى السبيلِ القويم، ﴿اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، نسألكَ اللهمَّ التوفيقَ للقولِ بالسداد، والهدايةَ لسُبلِ الرشاد.
قولُه: (جَلَدُ الرجلِ وظُرْفُه)، الجَلَدُ والجَلادةُ: الصَّلابةَ، والجَليدُ: ضدُّ البليد، قال أبو بكر الخوارزميّ:
عدوى البليدِ إلى الجليدِ سَريعةٌ … كالجمْرِ يوضَعُ في الرماد فَيخْمَدُ
الظُّرْفُ: الكَياسةُ وحُسْنُ التأنِّي في الأمور.
الأساس: فيه ظُرْفٌ وظَرافةٌ، أي: كَيْسٌ وذكاءٌ، وقد ظَرُفَ فهو ظَريف.
قولُه: (﴿مَّا تَعَمَّدَتْ﴾ في محلِّ عطفًا على ((ما أخطأتُم))) وقيل: هذا ضَعيفٌ؛ لأنّ
стр. 6572
الابتداء، والخبر محذوف تقديره: ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح، والمعنى: لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل ورود النهى، ولكن الإثم فيما تعمدتموه بعد النهى، أو: لا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم: يا بنىّ، على سبيل الخطأ وسبق اللسان، ولكن إذا قلتموه متعمدين. ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ دون العمد على طريق العموم، كقوله ﵊: «ما أخشى عليكم الخطأ ولكن أخشى عليكم العمد»، وقوله ﵊: "وضع عن أمّتى الخطأ والنسيان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المعطوفَ المجرورَ لا يُفصَلُ بينَه وبينَ ما عُطِفَ عليه، واستَدلَّ سيبوَيهِ بقولهم: ((ما مِثْلُ عبدِ الله يقولُ ذاك ولا أخيه)) على أن المُضافَ محذوفٌ، وأقيمَ المُضافَ إليه على إعرابه، إذ لا يجوزُ أن يُعطفَ ((أخيه)) على ((عبدِ الله)) للفصل المذكور. وأُجيبَ بأنْ لا فَصْلَ، لأنّ المعطوفَ الموصولَ مع الصِّلةِ على مِثْلِه وهو ((ما أخطأتُم)).
قولُه: (على طريقِ العموم)، وعلى الأولِ: الخَطأُ والعَمْدُ مختَصّانِ بفِعْلِ التبنِّي، فالجُملةُ عَطْفٌ على ﴿ادْعُوهُمْ﴾ بالتأوُّلِ؛ جمعَ بينَ الأمرِ الذي يَلْزَمُ الجُناحُ في التفريطِ فيه قبْلَ ورودِ النهْيِ، وبين رَفْعِ الجُناحِ فيما وقعَ فيه التفريط، أي: ادعوهُم لآبائِهم هو أقسَطُ لكم ولا تَدْعوهم لأنفُسِكم مُتعِّدين، فتأثَموا. وإليه الإشارةُ بقولِه: ((لا إثْمَ عليكُم فيما فَعلْتُموه من ذلك مخطئين))، وعلى الثاني: الجملةُ مُستطرَدةٌ على طريقٍ كُلّيٍّ ويدخلُ فيه هذا الحكمُ وما يُشاكِلُه.
قولُه: (وَضِعَ عن أمتي الخطأُ)، الحديث رواه ابنُ ماجَه عن ابنِ عباس. ورُوِيَ عن
стр. 6573
وما أكرهوا عليه»، ثم تناول -لعمومه- خطأ التبني وعمده. فإن قلت: فإذا وجد التبني فما حكمه؟ قلت: إذا كان المتبنى مجهول النسب، وأصغر سنا من المتبنى: ثبت نسبه منه، وإن كان عبدا له: عتق مع ثبوت النسب، وإن كان لا يولد مثله لمثله: لم يثبت النسب، ولكنه يعتق عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، وعند صاحبيه: لا يعتق. وأما المعروف النسب: فلا يثبت نسبه بالتبني، وإن كان عبدًا: عتق. (وَكانَ الله غَفُوراً رَحِيماً) لعفوه عن الخطأ وعن العمد إذا تاب العامد.
[(النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ الله مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً)] ٦ [
(النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ) في كل شيء من أمور الدين والدنيا (مِنْ أَنْفُسِهِمْ)؛ ولهدا أطلق ولم يقيد، فيجب عليهم أن يكون أحبّ إليهم من أنفسهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، وحقه آثر لديهم من حقوقها، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، وأن يبذلوها دونه، ويجعلوها فداءه إذا أعضل خطب، ووقاءه إذا لقحت حرب،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبي ذَرٍّ: ((الله تجاوز عن أمتي)).
قولُه: (إذا كانَ المُتنبيّ مَجهولَ النَّسَب)، إلى آخره. قال القاضي: اعلَمْ أنَّ التبَنّيَ لا عِبْرَة به عندنا، وعندَ أبي حنيفةَ: يوجِبُ عِتْقَ مَملوكِه، ويثبتُ النسبُ بمَجْهولِه الذي يمكنُ إلحاقه به.
قولُه: (ووِقاءَه إذا لقِحَتْ)، الوِقاية: ما وقَيْتُ به الشيء. ولقِحَتْ: إذا اشتدّت. قال:
قرِّبا مَرْبِطَ النعامةِ مِنّي … لَقِحَتْ حربُ وائلٍ عن حِيال
стр. 6574
وأن لا يتبعوا ما تدعوهم إليه نفوسهم، ولا ما تصرفهم عنه، ويتبعوا كل ما دعاهم إليه رسول الله ﷺ وصرفهم عنه؛ لأنّ كل ما دعا إليه فهو إرشاد لهم إلى نيل النجاة والظفر بسعادة الدارين، وما صرفهم عنه، فأخذ بحجزهم؛ لئلا يتهافتوا فيما يرمى بهم إلى الشقاوة وعذاب النار. أو: هو أولى بهم، على معنى: أنه أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم، كقوله تعالى: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)] التوبة: ١٢٨ [.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: بعدَ حِيال.
قولُه: (فأخَذَ بحُجَزِهم؛ لئلاّ يتهافَتوا)، وفي بعضِ النُّسَخِ: ((فأخذه)). هذا مُقْتبسٌ من حديثٍ رَواهُ البُخاريُّ ومسلمٌ والتِّرمذيُّ عن أبي هُريرَة: أنه سمِعَ رَسولَ الله ﷺ يقول: ((إنَّما مَثَلي وَمَثلُ الناسِ كمَثَلِ رجلٍ استوقَد نارًا فلما أضاءت ما حوْلَه، جعلَ الفَراشُ وهذه الدوابُّ التي تَقعُ فيها فجعلَ يَنْزِعهُنَّ ويَغْلِبْنَه فَيقْتَحِمْنَ فيها فأنا آخِذٌ بحُجَزِكم عنِ النار فتَغْلبوني، وتتقَحَّمون فيها)).
الاقتحامُ في الشيء: إلقاءُ النّفسِ فيه برَغْبَةٍ وإيثارٍ، والحُجَزُ: جَمْعُ حَجْزَةٍ وهيَ مَعْقِدُ الإزارِ، وحُجْزَةُ السّراويلِ مَعْروفة، وهَتَفَ الشيءُ هُتافًا: تطايرَ لخِفّتِه.
ورُوِيَ: ((ما يحمِلُكم على أن تَتابعوا في الكَذِبِ كما يتتابَعُ الفراشُ في النارِ وأنا آخِذٌ بحُجَزِكم))، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
стр. 6575
وعن النبي ﷺ : «ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرؤا إن شئتم: (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)، فأيما مؤمٍن هلك وترك مالًا فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك دينًا أو ضياعًا فإلىّ». وفي قراءة ابن مسعود: (النبىّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم). وقال مجاهد: كل نبىّ فهو أبو أمّته، ولذلك صار المؤمنون إخوة؛ لأنّ النبي ﷺ أبوهم في الدين. (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) تشبيه لهنّ بالأمهات في بعض الأحكام؛ وهو وجوب تعظيمهنّ واحترامهن، وتحريم نكاحهن، قال الله تعالى: (وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً)] الأحزاب: ٥٣ [وهن فيما وراء ذلك بمنزلة الأجنبيات؛ ولذلك قالت عائشة رضى الله عنها: لسنا أمهات النساء. تعنى أنهنّ إنما كنّ أمّهات الرجال؛ لكونهنّ محرّماٍت عليهم كتحريم أمّهاتهم. والدليل على ذلك: أنّ هذا التحريم لم يتعد إلى بناتهنّ، وكذلك لم يثبت لهنّ سائر أحكام الأمهات. كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ما مِنْ مؤمنٍ إلاّ انا أولى به)، الحديثُ مِن رِوايةِ أحمدَ والبُخاريِّ ومُسلمٍ وابن ماجه والدارميِّ عن أبي هُريرةَ: أنّ رسولَ الله ﷺ قال: ((ما مِنْ مؤمنٍ إِلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، وأيُّما مؤمنٍ تركَ مالاً فليرِثه عصبَتُه مَنْ كان، فإنْ تَرَك دَيْنًا أو ضَياعًا فليأتِني فأنا مولاه)).
ضَياعًا: مَصْدر وصفٍ لمحذوفٍ، أي: عِيالاً ضَياعًا. النهاية: ضاعَ يَضيعُ ضَياعًا، فسَمّى العِيالَ بالمصدر، وإن رُوِيَ بكَسِرِ الضادِ فيكونُ جَمْعَ ضائعٍ، كجائعٍ وجِياع.
قولُه: (وهو أبٌ لهم)، قال الزجاج: لا يجوزُ أن يُقرأَ بها، لأنها ليسَتْ في المُصحفِ المُجمَعِ عليه.
стр. 6576
كما كانت تتألف قلوب قوم بإسهاٍم لهم في الصدقات، ثم نسخ ذلك لما دجا الإسلام وعزّ أهله، وجعل التوارث بحق القرابة. (فِي كِتابِ الله): في اللوح، أو: فيما أوحى الله إلى نبيه وهو هذه الآية، أو في آية المواريث، أو فيما فرض الله، كقوله: (كِتابَ الله عَلَيْكُمْ)] النساء: ٢٤ [. (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ) يجوز أن يكون بيانًا لأولى الأرحام، أى: الأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضًا من الأجانب. ويجوز أن يكون لابتداء الغاية، أى: أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية في الدين، ومن المهاجرين بحق الهجرة. فإن قلت: مم استثنى (أَنْ تَفْعَلُوا)؟ قلت: من أعم العام في معنى النفع والإحسان، كما تقول: القريب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (كما كانت تتألّف)، صفةُ مصدرٍ محذوف أي: يتألفون بالإرث تألفًا كما كانت.
قولُه: (ثم نُسِخَ)، عن بعضِهم أي: نُسِخَ بحديثٍ رواهُ عمرُ ﵁، وقَبلَت الصحابة، لأنَّ الإجماعَ لا يصلُحُ ناسخًا، أو عادَ على موضعِه بالنَّقضِ؛ لأنّ الله تعالى أعزَّ الإسلامَ وأغنى عنهم، وهذا لا يَكونُ مَطابقًا لقولُه: ((نُسِخَ))، والصحيحُ أنه نُسِخَ بقولِه تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾.
قولُه: (دَجا الإسلام)، النهاية: أي شاعَ وكَثُر؛ من: دَجا الليل؛ أي: تَمَّتْ ظُلْمتُه ولَبِسَ كل شيء.
قولُه: (ويجوز أن يكونَ لابتداءِ الغاية)، أي: ((مِنْ)) في ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: إما بيانٌ لـ ((أُولى الأرحام))، وصلَةُ ((أولى)) مَحْذوفة، وإليه الإشارةُ بقولُه: ((إلاّ قُربًا مِن هؤلاءِ أولى من الأجانبِ))، أو لابتداءِ الغاية، أي: يكونُ صِلَة.
قولُه: (من أعمِّ العامِّ في معنى النفع)، أي: أولو الأرحامِ أولى من الأجنبيِّ في كلِّ نَفْعٍ إلا في الوصية هو استثناءٌ مفرَّغٌ في الموجِب، نَحْوَ قولك: قرأتُ إلاّ يومَ كذا، خَصَّ
стр. 6577
أولى من الأجنبي إلا في الوصية، تريد: أنه أحق منه في كل نفٍع من ميراث وهبةٍ وهدية وصدقة وغير ذلك، إلا في الوصية. والمراد بفعل المعروف: التوصية؛ لأنه لا وصية لوارٍث، وعدى تفعلوا بـ"إلى"، لأنه في معنى: تسدوا وتزلوا، والمراد بالأولياء: المؤمنون والمهاجرون للولاية في الدين. (ذلِكَ) إشارة إلى ما ذكر في الآيتين جميعًا. وتفسير الكتاب: ما مر آنفًا، والجملة مستأنفة كالخاتمة لما ذكر من الأحكام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المعروفَ بالوصيّة وجعَلَها من جُملة المُنتفَعِ به، وعنى بقَوْلِه: ﴿كِتَابِ اللَّهِ﴾ اللوحَ أو الموحى، وبـ ﴿أَوْلِيَائِكُم﴾ نفْسَ أُولي الأرحام، وَضْعًا للمُظْهَرِ موضِعَ المُضْمَرِ، ليصحَّ أن يكونَ الاستثناءُ متصلاً، وأما لو أُريدَ بـ ﴿أَوْلِيَائِكُم﴾ المؤمنون والمهاجرونَ، ويكونُ ((المعروفُ)) مُجرًى على عمومهِ، فالظاهرُ أن يكونَ الاستثناءُ منقطعًا.
وعن بعضِهم: وهو استثناءٌ مُنْقَطع، وخبرُه محذوفٌ، ومعناه: لكنّ فعْلَكم إلى أوليائكم معروفًا جائز، ولا يكون على وجه نهاه الله عنه ولا أذن فيه. قال مكي وأبو البقاء: الاستثناء منقطع، والمعنى: أُولوا الأرحامِ أولى من المؤمنينَ والمهاجرين في كتابِ الله، أي: في الميراثِ، لكنْ إذا أردْتُم ابتداءَ المعروفِ إليهم: أي: إلى المؤمنينَ والمُهاجرين. والأول الوَجْه.
قولُه: (وتُزْلوا)، الجوهري: أزلَلْتُ إليه نعمةً: أسدَيْتُها، وأزللْتُ إليه مِنْ حَقِّه شيئًا؛ أي: أعطَيْت.
قولُه: (﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ في الآيَتيْن) أي: في قولِه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ الآية، وقولِه ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
قولُه: (وتَفْسيرُ الكتابِ)، أي: الكتابِ المذكورِ في قولِه: ﴿فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾، وقد مرَّ في قوله تعالى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ في اللوحِ إلى آخره، ثم الجملةُ كالخاتمةِ أي: كالتتميمِ أو التذييلِ لِما سبَق، ومن ثمَّ شرعَ في مَشْرَعٍ آخر وهو قولُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾.
стр. 6578
[(وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٧) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً)] ٧ - ٨ [
(َو) اذكر حين (أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ) جميعا (مِيثاقَهُمْ) بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم (وَمِنْكَ) خصوصا (وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى) وإنما فعلنا ذلك (لِيَسْئَلَ) الله يوم القيامة عند تواقف الأشهاد المؤمنين الذين صدقوا عهدهم ووفوا به، من جملة من أشهدهم على أنفسهم: (ألست بربكم قالوا بلى)] الأعراف: ١٧٢ [(عَنْ صِدْقِهِمْ): عهدهم وشهادتهم، فيشهد لهم الأنبياء بأنهم صدقوا عهدهم وشهادتهم وكانوا مؤمنين. أو: ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم؛ لأن من قال للصادق: صدقت، كان صادقا في قوله. أو: ليسأل الأنبياء ما الذي أجابتهم به أممهم. وتأويل مسألة الرسل: تبكيت الكافرين بهم، كقوله: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ الله)] المائدة: ١١٦ [. فإن قلت: لم قدم رسول الله ﷺ على نوح فمن بعده؟ قلت: هذا العطف لبيان فضيلة الأنبياء الذين هم مشاهيرهم وذراريهم، فلما كان محمد ﷺ أفضل هؤلاء المفضلين؛ قدم عليهم؛ لبيان أنه أفضلهم، ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (على نوحٍ فمَنْ بعده)، الفاءُ مِثْلُها في الحديثِ: ((ثُمَّ الأمثلُ فالأمثَل)).
قولُه: (ودَراريُّهم)، جمع دُرِّيٍّ وهو الكوكبُ الثاقبُ المضيءُ، نُسِبَ إلى الدُّرٍّ؛ جْمع دُرَّةٍ، وقد يُكْسَرُ، كسُخْريِّ وسِخْرِيٍّ، وهذا من بابِ تغييراتِ النسب.
الأساس: ودرأ الكوكبُ: طلعَ كأنه يدْرأُ الظلام.
قولُه: (قُدِّمَ عليهم؛ لبيانِ أنَّه أفضَلُهم، ولولا ذلك لقُدِّمَ مَنْ قَدَّمَه زمانُه)، قال الزجاج:
стр. 6579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جاءَ في التفسيرِ: إني خُلِقْتُ قبْلَ الأنبياءِ وبُعِثْتُ بَعْدَهم، فعلى هذا لا تقديمَ في الكلامِ ولا تأخير، ومَذهَبُ أهلِ اللغة: أنّ الواوَ معناهُ الاجتماع، وليس فيها دليلٌ أنَّ المذكورَ أوّلاً معناه التأخير. وقال صاحبُ ((الانتصاف)): ليسَ التقديمُ في الذِّكْرِ مقتضيًا ذلك؛ ألا ترى إلى قولِ الشاعر:
بهَا ليلُ مِنهم جعفرٌ وابنُ أُمِّه … عليٌّ، ومنهم أحمَدُ المُتخَيِّرُ
خَتَم به تشريفًا، فالسرُّ في تقديمهِ أنه هو المخاطَبُ بهذا، والمُنزَّلُ عليه هذا المَتْلُوُّ، وكان أحقَّ، ثمّ جرى ذكْرُ الأنبياءِ بعْدَه على الترتيب.
وقلتُ: إنّما يٌقالُ مقدَّمٌ ومؤخَّرٌ للمُزالِ لا للقارِّ في مَكانه، ثُمّ لم يكُنِ التقديمُ إلا للاهتمامِ بحَسْبِ اقتضاءِ المقامِ، والواوُ لا مَدْخَلَ له في الاعتبار، فإنَّ الأنبياءَ المذكورينَ بعْدَه ﷺ مُرتَّبون على حَسَبِ تقدُّمِهم في الزمان، وكانَ ينْبغي تأخيرُه لذلك، ولابد لهذهِ المخالفةِ مِنْ فائدةٍ جَليلة، وكَوْنُه مُقدَّمًا بحَسبِ الفَضْل، وأنّه أقدَمُ الأنبياءِ خَلْقًا كما قال الزجاج؛ شَرَفٌ لا مَطْمَحَ وراءه.
روَيْنا عن الترمذيِّ، عن أبي هُريرةَ قال: قالوا: يا رسولَا لله متى وجَبتْ لك النبوة؟ قال: ((وآدَمُ بين الروح والجسد)) زاد رَزين: ((وآدَمُ مُنجَدِلٌ في طينتهِ بين الروح والجسد)).
والمقامُ يقتضي ذلك؛ لأنه جعلَ مُفتتحَ السورةِ وبراعةَ استهلالِها خِطابَه بذكْرِ النبيِّ ﷺ ، وهو أفضَلُ خطابٍ من جانبِ ربِّ العِزّة كما مرَّ، ثمّ معاقِدُ هذه
стр. 6580
فإن قلت: فقد قدم عليه نوح ﵇ في الآية التي هي أخت هذه الآية؛ وهي قوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ)] الشورى: ١٣ [، ثم قدم على غيره! قلت: مورد هذه الآية على طريقة خلاف طريقة تلك؛ وذلك أنّ الله إنما أوردها لوصف دين الإسلام بالأصالة والاستقامة، فكأنه قال: شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، وبعث عليه محمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير. فإن قلت: فماذا أراد بالميثاق الغليظ؟ قلت: أراد به ذلك الميثاق بعينه. معناه: وأخذنا منهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السورةِ واردةٌ على تَنْويهِ فَضْلِه ورَباءِ محَلِّه، وأنه أولى بالمؤنينَ من أنفُسِهم، وأفضَلُ النبيينَ مكانةً، وأسبَقهم منزلةً، وهلمَّ جّراً إلى آخرِ السورة.
وأمّا تأخيرُ ذكْرِه ﷺ في البيتِ الذي أنشَده صاحبُ ((الانتصاف)) فللترقِّي والأخْذِ بالأفضَل فالأفضَل، وشاهِدُه تأخيرُ ذكْرِه ﷺ إذ لو قُدِّم ابتدأ الفضلُ منه، فله الفضْلُ مُتقدِّمًا ومُتأخِّرًا.
قولُه: (أرادَ به ذلك الميثاقَ بعَيْنه)، يريدُ به أنّه أُعيدَ قولُه: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ توكيدًا، ويُعَلَّلُ بقوله ﴿لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ وإليه الإشارةُ بقولِه: ((أكّدَ على الأنبياءِ الدعوةَ إلى دينهِ لأجلِ إثابةِ المؤمنينَ ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، وكان أصلُ الكلام: أعدَّ للمؤمنين الإثابةَ وللكافرين التعذيب، وذِكْرُ الأنبياءِ وأخْذُ الميثاقِ العظيمِ توطئةٌ لذكْرِ إثابةِ المؤمنينَ ليُؤْذِنَ بأنّ الله تعالى سبقَتْ رحمتُه غضَبَه، ولعلّه أخفى فيه: أنّه تعالى لا يريدُ من المكلَّفين إلا الإيمانَ، ولو عُطِفَ على ﴿لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾ من حيثُ المعنى؛ ليرجِعَ المعنى إلى أنّ الله أخذَ من النبيِّين ميثاقَه ليُبلِّغوا رسالاتِ ربِّهم إلى عَبيدهِ، ليَهلِكَ مَنْ هَلك عن بَيِّنة، ويحيا مَنْ حَيَّ عن بَيِّنة، ويسألَ المؤمنينَ عند تواقُفِ الأشهادِ عن صدْقِهم، فيفوزوا بما لا عَيْنٌ رأتْ ولا أذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَر، وليُجْزى الكافرونَ
стр. 6581
بذلك الميثاق ميثاقًا غليظًا. والغلظ: استعارة من وصف الأجرام، والمراد: عظم الميثاق وجلالة شأنه في بابه. وقيل: الميثاق الغليظ: اليمين بالله على الوفاء بما حملوا. فإن قلت: علام عطف قوله: (وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ)؟ قلت: على (أخذنا من النبيين)؛ لأن المعنى: أن الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين (وأعد للكافرين عذابا أليما). أو على ما دل عليه (لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ)، كأنه قال: فأثاب المؤمنين وأعدّ للكافرين.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ الله بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً)] ٩ - ١١ [
(اذْكُرُوا) ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب، وهو يوم الخندق (إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُود) وهم الأحزاب، فأرسل الله عليهم ريح الصبا. قال رسول الله ﷺ : «نصرت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على رؤوسِ الأشهاد، ثمّ المآلُ إلى ما أعدّ الله لهم؛ أي من النَّكالِ والعذابِ الأليم؛ لَكَانَ أَحْسَنَ.
قال صاحبُ ((التقريب)): ﴿أَعَدَّ﴾ عَطْفٌ على ﴿أَخَذْنَا﴾ أو على ما دل عليه ﴿لِيَسْئَلَ﴾، وهو: فأثابَ المُؤمنين وكذا عن القاضي.
قولُه: (وقيل: الميثاقُ الغليظُ: اليمينُ بالله)، يعني: بَعْدَما أخذَ من النبيِّين الميثاقَ بتبليغِ الرسالةِ أكّد باليمينِ بالله على الوفاءِ بما حُمِّلوا، فعلى هذا لا يكونُ تكريرًا.
قولُه: (فأرسلَ الله)، وفي ((مسندِ الإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبل)): عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قال: قُلْنا يوْمَ الخندَق: يا رسولَ الله، هَل مِنْ شيءٍ نَقولُه، فقد بلغَتِ القلوبُ الحناجرَ؟
стр. 6582
بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور". (وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها) وهم الملائكة، وكانوا ألفا، بعث الله عليهم صبًا باردة في ليلةٍ شاتية، فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وما جت الخيل بعضها في بعض، وقذف في قلوبهم الرعب، وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم، فقال طليحة بن خويلد الأسدى: أما محمد فقد بدأكم بالسحر، فالنجاء النجاء! فانهزموا من غير قتال، وحين سمع رسول الله ﷺ بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة، أشار عليه بذلك سلمان الفارسي رضى الله عنه، ثم خرج في ثلاثة آلاٍف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام، واشتدّ الخوف، وظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: ((نعَمْ اللهمَّ استُرْ عوراتِنا وآمِن روعاتِنا)) قال: فضربَ الله وجوهَ أعدائِه بالريح، فهزمَهم الله بالريح.
قولُه: (فأخصَرَتْهُم)، الأساس: يومٌ خَصِرٌ: بارد، وخَصِرَتْ أناملُه من البَرْدِ وأخْصَرَها القَرُّ.
قولُه: (وأكفأتِ القُدورَ)، أي: كَبَّتْها وقَلبَتْها، والفاعلُ: الريح.
قولُه: (فالنجاءَ النجاءَ)، النهاية: أي: انجُوا بأنفُسِكم. وهو مَصْدرٌ بفِعْلٍ مُضْمَر، أي انجوا النجاءَ.
قولُه: (في الآطام)، النهاية: واحدها: أُطُم، وكلُّ بناءٍ مُرْتفعٍ، يعني: أبنيتَها المرتفعَة كالحصون.
قولُه: (ونَجَمَ النفاق)، النهاية: كلُّ ما طلعَ وظَهر فقد نجَم.
стр. 6583
المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر! لا نقدر أن نذهب إلى الغائط! وكانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاٍف من الأحابيش وبنى كنانة وأهل تهامة، وقائدهم أبو سفيان، وخرج غطفان في ألٍف ومن تابعهم من أهل نجد، وقائدهم عيينة بن حصن، وعامر بن الطفيل في هوازن، وضامتهم اليهود من قريظة والنضير، ومضى على الفريقين قريب من شهٍر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة، حتى أنزل الله النصر. (تَعْمَلُونَ) قرئ بالتاء والياء. (مِنْ فَوْقِكُمْ): من أعلى الوادي من قبل المشرق: بنو غطفان، (وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ): من أسفل الوادي من قبل المغرب: قريش، تحزبوا وقالوا: سنكون جملةً واحدة حتى نستأصل محمدا. (زاغَتِ الْأَبْصارُ): مالت عن سننها ومستوى نظرها حيرةً وشخوصًا. وقيل: عدلت عن كل شيٍء فلم تلتفت إلا إلى عدوّها؛ لشدة الروع. الحنجرة: رأس الغلصمة؛ وهي منتهى الحلقوم. والحلقوم: مدخل الطعام والشراب، قالوا: إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع أو الغضب أو الغمّ الشديد ربت، وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، ومن ثمة قيل للجبان: انتفخ سحره. ويجوز أن يكون ذلك مثلًا في اضطراب القلوب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (من الأحابيش)، النهاية: هم أحياءٌ من القارَةِ انضمّوا إلى بني لَيْثٍ في محاربتِهم قُريشًا، والتحبُّشُ: التجمُّع. وقيل: حالفوا قريشًا تحتَ جبلٍ يُسمّى حُبْشِيّاً فسموا بذلك.
قولُه: (﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالياءِ والتاء)، أبو عَمْروٍ: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء.
قولُه: (وشُخوصًا)، المُغْرب: شخَصَ بَصَرُه: امتدّ وارتفَع، ويُعَدّى بالباء، فيقال: شخَصَ ببَصَرِه.
стр. 6584
ووجيبها وإن لم تبلغ الحناجر حقيقةً. (وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا) خطاٌب للذين آمنوا، ومنهم الثبت القلوب والأقدام، والضعاف القلوب؛ الذين هم على حرف، والمنافقون؛ الذين لم يوجد منهم الإيمان إلا بألسنتهم، فظن الأولون بالله أنه يبتليهم ويفتنهم؛ فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وأمّا الآخرون فظنوا بالله ما حكى عنهم. وعن الحسن: ظنوا ظنونًا مختلفة: ظن المنافقون أنّ المسلمين يستأصلون، وظنّ المؤمنون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ووَجيبِها)، النهاية: يقال: وجَبَ القلبُ يجُب وجيبًا: إذا خفَق.
قولُه: (الذين هم على حَرْف)، أي: على وَجْهٍ واحد، وهو أن يعبُدَ اللهَ على السرّاءِ دونَ الضراء. النهاية: أي: جانبٍ وطرف، فالمؤمنون صنفانِ: صنفٌ ثابتون يظنّونَ النُّصْرةَ والظَّفرَ، والآخَرُ آيِسون قانِطون، وهم الذين على حرف.
قولُه: (فظَنَّ الأولون)، أي: الذين آمنوا، وهم فَريقان: الثُّبَّتُ القلوب، خافوا الزّلَل، أي: ذنوبًا اكتَسبوها فمنَعْتُهم التأييدَ وتقويةَ القلوبِ حتى تزلزلوا، كما قالَ في قولهِ تعالى: ﴿نَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥].
والفريقُ الثاني: الضعافُ القلوبِ، فخافوا ضَعْفَ الاحتمالِ؛ أي: احتمالِ الملاقاةِ والمحاربة. ففي كلامِ المصنِّفِ لَفٌّ ونَشْر.
وأمّا الآخرونَ فهم المنافِقون وما حُكِيَ عنهم، هو ما حَملَهم على أن يقول رئيسُهم مُعَتِّبُ بنُ قُشَيْر: كانَ محمّدٌ يَعِدُنا كنوزَ كِسْرى! لا نقدِرُ أن نذهبَ إلى الغائط! على ما مرّ، وما رُوِيَ عن الحَسنِ وجْهٌ آخَرُ في الآية.
ثمَّ المناسِبُ أن يُرادَ بالابتلاءِ على الوجْهِ الأولِ المِحْنةُ والبَلاء، وعلى الثاني الاختبار، كما أُريدَ مِنْ ظَنِّ المنافقينَ: ما حَملَهم على تلكَ الكلمةِ الشنعاءِ على الأول، وعلى الثاني: الاستئصال.
стр. 6585
أنهم يبتلون. وقرئ: (الظنون) بغير ألف في الوصل والوقف، وهو القياس، وبزيادة ألٍف في الوقف زادوها في الفاصلة، كما زادها في القافية من قال:
أقلّى الّلوم عاذل والعتابا
وكذلك: (الرسولا)] الأحزاب: ٦٦ [و (السبيلا)] الأحزاب: ٦٧ [، وقرئ: بزيادتها في الوصل أيضًا؛ إجراًء له مجرى الوقف. قال أبو عبيد: وهنّ كلهنّ في الإمام بألف. وعن أبى عمرو إشمام زاى (وزلزلوا). وقرئ: (زلزالا) بالفتح، والمعنى: أنّ الخوف أزعجهم أشد الإزعاج.
[(وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (قُرِئ: ((الظُّنون)) بغيرِ ألف)، أبو عَمْرو وحَمزةُ: ((الظنون)) و ((الرسول)) و ((السبيل)) بحَذْفِ الألِفِ في الحالين، وحَفْصٌ والكِسائيُّ: بحَذْفِها فيهن في الوصل خاصّة، والباقون: بإثباتِها في الحالين.
قولُه: (أقِلّي اللوم عاذِلَ والعتابا)، تمامُه أنشدَ الزجاج:
وقولي إن أصَبْتُ لقد أصابا
يقول: يا عاذِلَتي أقِلّي ملامَتي وعِتابي وقولي- إنْ فعَلْتُ حَسَنًا وصَوابا-: لقد أصابَ فلانٌ في قولِه وفِعْلِه.
قولُه: (وقُرِئ: ((زَلْزالاً)) بالفتح)، في الشواذِّ. قال الزجّاج: والمصدَرُ من المُضاعَفِ
следующие страницы →