Полный текст (9 345 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.
стр. 6581
بذلك الميثاق ميثاقًا غليظًا. والغلظ: استعارة من وصف الأجرام، والمراد: عظم الميثاق وجلالة شأنه في بابه. وقيل: الميثاق الغليظ: اليمين بالله على الوفاء بما حملوا. فإن قلت: علام عطف قوله: (وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ)؟ قلت: على (أخذنا من النبيين)؛ لأن المعنى: أن الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين (وأعد للكافرين عذابا أليما). أو على ما دل عليه (لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ)، كأنه قال: فأثاب المؤمنين وأعدّ للكافرين.
[(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ الله بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً)] ٩ - ١١ [
(اذْكُرُوا) ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب، وهو يوم الخندق (إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُود) وهم الأحزاب، فأرسل الله عليهم ريح الصبا. قال رسول الله ﷺ : «نصرت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على رؤوسِ الأشهاد، ثمّ المآلُ إلى ما أعدّ الله لهم؛ أي من النَّكالِ والعذابِ الأليم؛ لَكَانَ أَحْسَنَ.
قال صاحبُ ((التقريب)): ﴿أَعَدَّ﴾ عَطْفٌ على ﴿أَخَذْنَا﴾ أو على ما دل عليه ﴿لِيَسْئَلَ﴾، وهو: فأثابَ المُؤمنين وكذا عن القاضي.
قولُه: (وقيل: الميثاقُ الغليظُ: اليمينُ بالله)، يعني: بَعْدَما أخذَ من النبيِّين الميثاقَ بتبليغِ الرسالةِ أكّد باليمينِ بالله على الوفاءِ بما حُمِّلوا، فعلى هذا لا يكونُ تكريرًا.
قولُه: (فأرسلَ الله)، وفي ((مسندِ الإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبل)): عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قال: قُلْنا يوْمَ الخندَق: يا رسولَ الله، هَل مِنْ شيءٍ نَقولُه، فقد بلغَتِ القلوبُ الحناجرَ؟
стр. 6582
بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور". (وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها) وهم الملائكة، وكانوا ألفا، بعث الله عليهم صبًا باردة في ليلةٍ شاتية، فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وما جت الخيل بعضها في بعض، وقذف في قلوبهم الرعب، وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم، فقال طليحة بن خويلد الأسدى: أما محمد فقد بدأكم بالسحر، فالنجاء النجاء! فانهزموا من غير قتال، وحين سمع رسول الله ﷺ بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة، أشار عليه بذلك سلمان الفارسي رضى الله عنه، ثم خرج في ثلاثة آلاٍف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام، واشتدّ الخوف، وظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: ((نعَمْ اللهمَّ استُرْ عوراتِنا وآمِن روعاتِنا)) قال: فضربَ الله وجوهَ أعدائِه بالريح، فهزمَهم الله بالريح.
قولُه: (فأخصَرَتْهُم)، الأساس: يومٌ خَصِرٌ: بارد، وخَصِرَتْ أناملُه من البَرْدِ وأخْصَرَها القَرُّ.
قولُه: (وأكفأتِ القُدورَ)، أي: كَبَّتْها وقَلبَتْها، والفاعلُ: الريح.
قولُه: (فالنجاءَ النجاءَ)، النهاية: أي: انجُوا بأنفُسِكم. وهو مَصْدرٌ بفِعْلٍ مُضْمَر، أي انجوا النجاءَ.
قولُه: (في الآطام)، النهاية: واحدها: أُطُم، وكلُّ بناءٍ مُرْتفعٍ، يعني: أبنيتَها المرتفعَة كالحصون.
قولُه: (ونَجَمَ النفاق)، النهاية: كلُّ ما طلعَ وظَهر فقد نجَم.
стр. 6583
المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر! لا نقدر أن نذهب إلى الغائط! وكانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاٍف من الأحابيش وبنى كنانة وأهل تهامة، وقائدهم أبو سفيان، وخرج غطفان في ألٍف ومن تابعهم من أهل نجد، وقائدهم عيينة بن حصن، وعامر بن الطفيل في هوازن، وضامتهم اليهود من قريظة والنضير، ومضى على الفريقين قريب من شهٍر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة، حتى أنزل الله النصر. (تَعْمَلُونَ) قرئ بالتاء والياء. (مِنْ فَوْقِكُمْ): من أعلى الوادي من قبل المشرق: بنو غطفان، (وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ): من أسفل الوادي من قبل المغرب: قريش، تحزبوا وقالوا: سنكون جملةً واحدة حتى نستأصل محمدا. (زاغَتِ الْأَبْصارُ): مالت عن سننها ومستوى نظرها حيرةً وشخوصًا. وقيل: عدلت عن كل شيٍء فلم تلتفت إلا إلى عدوّها؛ لشدة الروع. الحنجرة: رأس الغلصمة؛ وهي منتهى الحلقوم. والحلقوم: مدخل الطعام والشراب، قالوا: إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع أو الغضب أو الغمّ الشديد ربت، وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، ومن ثمة قيل للجبان: انتفخ سحره. ويجوز أن يكون ذلك مثلًا في اضطراب القلوب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (من الأحابيش)، النهاية: هم أحياءٌ من القارَةِ انضمّوا إلى بني لَيْثٍ في محاربتِهم قُريشًا، والتحبُّشُ: التجمُّع. وقيل: حالفوا قريشًا تحتَ جبلٍ يُسمّى حُبْشِيّاً فسموا بذلك.
قولُه: (﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالياءِ والتاء)، أبو عَمْروٍ: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء.
قولُه: (وشُخوصًا)، المُغْرب: شخَصَ بَصَرُه: امتدّ وارتفَع، ويُعَدّى بالباء، فيقال: شخَصَ ببَصَرِه.
стр. 6584
ووجيبها وإن لم تبلغ الحناجر حقيقةً. (وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا) خطاٌب للذين آمنوا، ومنهم الثبت القلوب والأقدام، والضعاف القلوب؛ الذين هم على حرف، والمنافقون؛ الذين لم يوجد منهم الإيمان إلا بألسنتهم، فظن الأولون بالله أنه يبتليهم ويفتنهم؛ فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وأمّا الآخرون فظنوا بالله ما حكى عنهم. وعن الحسن: ظنوا ظنونًا مختلفة: ظن المنافقون أنّ المسلمين يستأصلون، وظنّ المؤمنون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ووَجيبِها)، النهاية: يقال: وجَبَ القلبُ يجُب وجيبًا: إذا خفَق.
قولُه: (الذين هم على حَرْف)، أي: على وَجْهٍ واحد، وهو أن يعبُدَ اللهَ على السرّاءِ دونَ الضراء. النهاية: أي: جانبٍ وطرف، فالمؤمنون صنفانِ: صنفٌ ثابتون يظنّونَ النُّصْرةَ والظَّفرَ، والآخَرُ آيِسون قانِطون، وهم الذين على حرف.
قولُه: (فظَنَّ الأولون)، أي: الذين آمنوا، وهم فَريقان: الثُّبَّتُ القلوب، خافوا الزّلَل، أي: ذنوبًا اكتَسبوها فمنَعْتُهم التأييدَ وتقويةَ القلوبِ حتى تزلزلوا، كما قالَ في قولهِ تعالى: ﴿نَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥].
والفريقُ الثاني: الضعافُ القلوبِ، فخافوا ضَعْفَ الاحتمالِ؛ أي: احتمالِ الملاقاةِ والمحاربة. ففي كلامِ المصنِّفِ لَفٌّ ونَشْر.
وأمّا الآخرونَ فهم المنافِقون وما حُكِيَ عنهم، هو ما حَملَهم على أن يقول رئيسُهم مُعَتِّبُ بنُ قُشَيْر: كانَ محمّدٌ يَعِدُنا كنوزَ كِسْرى! لا نقدِرُ أن نذهبَ إلى الغائط! على ما مرّ، وما رُوِيَ عن الحَسنِ وجْهٌ آخَرُ في الآية.
ثمَّ المناسِبُ أن يُرادَ بالابتلاءِ على الوجْهِ الأولِ المِحْنةُ والبَلاء، وعلى الثاني الاختبار، كما أُريدَ مِنْ ظَنِّ المنافقينَ: ما حَملَهم على تلكَ الكلمةِ الشنعاءِ على الأول، وعلى الثاني: الاستئصال.
стр. 6585
أنهم يبتلون. وقرئ: (الظنون) بغير ألف في الوصل والوقف، وهو القياس، وبزيادة ألٍف في الوقف زادوها في الفاصلة، كما زادها في القافية من قال:
أقلّى الّلوم عاذل والعتابا
وكذلك: (الرسولا)] الأحزاب: ٦٦ [و (السبيلا)] الأحزاب: ٦٧ [، وقرئ: بزيادتها في الوصل أيضًا؛ إجراًء له مجرى الوقف. قال أبو عبيد: وهنّ كلهنّ في الإمام بألف. وعن أبى عمرو إشمام زاى (وزلزلوا). وقرئ: (زلزالا) بالفتح، والمعنى: أنّ الخوف أزعجهم أشد الإزعاج.
[(وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (قُرِئ: ((الظُّنون)) بغيرِ ألف)، أبو عَمْرو وحَمزةُ: ((الظنون)) و ((الرسول)) و ((السبيل)) بحَذْفِ الألِفِ في الحالين، وحَفْصٌ والكِسائيُّ: بحَذْفِها فيهن في الوصل خاصّة، والباقون: بإثباتِها في الحالين.
قولُه: (أقِلّي اللوم عاذِلَ والعتابا)، تمامُه أنشدَ الزجاج:
وقولي إن أصَبْتُ لقد أصابا
يقول: يا عاذِلَتي أقِلّي ملامَتي وعِتابي وقولي- إنْ فعَلْتُ حَسَنًا وصَوابا-: لقد أصابَ فلانٌ في قولِه وفِعْلِه.
قولُه: (وقُرِئ: ((زَلْزالاً)) بالفتح)، في الشواذِّ. قال الزجّاج: والمصدَرُ من المُضاعَفِ
стр. 6586
بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً)] ١٢ - ١٤ [
(إِلَّا غُرُوراً): قيل: قائله: معتب بن قشير حين رأى الأحزاب قال: يعدنا محمد فتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن يتبرز فرقا! ما هذا إلا وعد غرور! (طائِفَةٌ مِنْهُمْ): هم: أوس بن قيظى ومن وافقه على رأيه. وعن السدى: عبد الله بن أبىّ وأصحابه. ويثرب: اسم المدينة. وقيل: أرض وقعت المدينة في ناحية منها. (لا مُقامَ لَكُمْ) قرئ بضم الميم وفتحها، أى: لا قرار لكم هاهنا، ولا مكان تقيمون فيه أو تقومون،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يَجيءُ على ضربَيْن: على فِعْلال وفَعْلال، نحو: قَلْقَلْتُه قَلْقالاً وقِلْقالا والكَسُرْ أجْودُ، لأنّ غيْرَ المُضاعَفِ من هذا البابِ مكسورٌ، نحو: دَحْرَجْتُه دِحْراجًا.
قولُه: (أن يتبرّز)، النهاية: البَرازُ بالفَتْحِ: اسمٌ للفضاءِ الواسعِ، فكَنَّوْا به عن قَضاءِ الغائطِ كالخلاءِ؛ لأنّهم كانوا يتَبرّزون في الأمكنةِ الخالية.
قولُه: (ويَثْرِبُ: اسمُ المدينة)، النهاية: هي اسمُها قديمةً فغَيَّرها رسولُ الله ﷺ وسَمّاها طَيْبةَ وطابَةَ، كراهةً للتثريبِ، وهو اللومُ والتعبير. وقيل: هو اسمُ أرْضِها، وقيل: سُمِّيَتْ باسمِ رجلٍ من العمالقة.
قولُه: (قُرِئ بضَمِّ الميم وفَتْحِها)، حَفْصٌ: بالضمِّ، والباقونَ: بالفَتْح. قال الزجّاج: فمَنْ ضَمَّ فالمعنى: لا إقامَة لكم، تقول: أقَمْتُ في المصرِ إقامةً ومُقامًا، ومَنْ فَتَح فالمعنى: لا مكانَ لكُم تقومون.
стр. 6587
(فَارْجِعُوا) إلى المدينة؛ أمروهم بالهرب من عسكر رسول الله ﷺ ، وقيل: قالوا لهم: ارجعوا كفارا وأسلموا محمدا، وإلا فليست يثرب لكم بمكاٍن. قرئ: (عورة) بسكون الواو وكسرها، فالعورة: الخلل، والعورة: ذات العورة، يقال: عور المكان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المُغْرب: المَقامُ بالفتح: موضِعُ القيام، ومنه مَقامُ إبراهيم: الحَجَرُ الذي فيه أثرُ قدَمَيْه وموضِعُه أيضًا، وبالضمِّ موضِعُ الإقامة.
الجوهري: المَقامُ والمُقامُ: يكون كلُّ واحدٍ منهما بمعنى الإقامةِ وموضعِ القيام، لأنك إذا جَعْلتَه مِن: قامَ يقومُ، فَمفْتوح، وإن جَعْلتَه من: أقامَ يقيم، فمَضْموم.
فَقْولُ المصنِّف: ((لا قَرارَ لكم ولا مكانَ تُقيمونَ فيه)) فهو بمعنى الفتح، وقوله: ((أو تُقيمونَ)) بمعنى الضم.
قولُه: (بالهَربِ من عسْكرِ رسولِ الله ﷺ ، أي: مُعَسْكرِه، كما سَبَق في قولِه: ((وحينَ سمِعَ رسولُ الله ﷺ بإقبالِهم ضربَ الخندَقَ على المدينة … ، ثمّ خرجَ في ثلاثةِ آلافٍ من المسلمين فضَربَ مُعَسْكَرهُ، والخندقُ بينه وبَيْنَ القوم)). أي: قالَ طائفةٌ من المنافقين: يا أهلَ يَثْرِبَ نُقِلْتُم منَ المدينةِ إلى هذا المُقام الصَّعْبِ فارجعوا إليها.
قولُه: (وأسْلِموا مُحمّداً)، هو مِن قولهم: أسْلَمَه؛ أي: خَذَلَه.
قولُه: (قُرِئ: ﴿عَوْرَةٌ﴾ بسُكون الواو وكَسْرِها)، قال ابن جِنِّي: بكَسْرِ الواو: ابنُ عبّاسٍ وابنُ يَعْمَرَ وأبو رجاءٍ بخلاف، وصحَّةُ الواوِ في هذا شاذَّةٌ من طريقِ الاستعمال، لأنّها مُتحَرِّكةٌ بعد فَتْحَةٍ، والقياسُ قَلْبُها ألِفًا فيُقال: عارَة، كما يقال: كَبْشٌ صافٌ ونَعْجَةٌ صافَةٌ ويومٌ راحٌ، وله نظائِرُ، وكُلُّ ذلك فَعِلٌ، كرجلٍ فَرِقٍ وحَذِرٍ. ومِثْلُ ((عَوِرةٍ)) في
стр. 6588
عورًا: إذا بدا فيه خلل يخاف منه العدو والسارق. ويجوز أن تكون (عَوْرَةٌ) تخفيف عورة؛ اعتذروا أنّ بيوتهم معرّضة للعدو ممكنة للسراق؛ لأنها غير محرزة ولا محصنة، فاستأذنوه ليحصنوها ثم يرجعوا إليه، فأكذبهم الله بأنهم لا يخافون ذلك، وإنما يريدون الفرار. (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ) المدينة. وقيل: بيوتهم، من قولك: دخلت على فلان داره. (مِنْ أَقْطارِها): من جوانبها، يريد: ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة التي يفرون خوفًا منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها، وان ثالت على أهاليهم وأولادهم ناهبين سابين، ثم سئلوا عند ذلك الفزع وتلك الرجفة (الْفِتْنَةَ) أى: الردة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين، (لأتوها): لجاؤها وفعلوها. وقرئ: (لآتوها): لأعطوها، (وَما تَلَبَّثُوا بِها): وما ألبثوا إعطاءها (إِلَّا يَسِيراً)، ريثما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحةِ واوِها قولُهم: رجلٌ عَوِزٌ لَوِزٌ، أي: لا شيءَ له، وكأنَّ عَوِرَة أسهل.
وعن بعضِهم: عَوِرَةٌ خَبرُ ((إنّ)) وهو مَصْدَرٌ في الأصلِ، فِعْلُه: عَوِرَ، وهو بمعنى: ذاتِ عَوِرَة، ويجوز أن يكونَ اسمَ فاعل أصله: عَوَرَةٌ، ثم سُكّن، ويجوزُ أن يكونَ مصدرًا في موضعِ اسمِ الفاعلِ، كَعْدلٍ بمعنى عادِل.
قولُه: (مُعَرَّضةٌ للعدو)، أعرضَ لك الخيرُ، أي: أمكَنك، وأعرَضَ لك الظَّبيُ فارْمِه؛ إذا ولاّكَ عُرْضَه، وعرَضْتُ الشيءَ فأعْرضَ، مثل: كَبْتُه فأكبَّ، وأمكَنْتُه من الشيء ومكَّنْتُه الشيء.
قولُه: (وانثالَتْ على أهاليهِم)، الجوهري: تناثل إليه الناس أي: انصبُّوا.
قولُه: (وقرئَ: ﴿لَأَتَوْهَا﴾)، كلّهم إلاّ نافعًا وابنَ كثيرٍ فإنّهما قرآ: ((لأتَوْها)) بالقَصْرِ.
стр. 6589
يكون السؤال والجواب من غير توقف، أو: وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا يسيرًا، فإن الله يهلكهم. والمعنى: أنهم يتعللون بإعوار بيوتهم، ويتمحلون ليفروا عن نصرة رسول الله ﷺ والمؤمنين، وعن مصافة الأحزاب الذين ملؤوهم هولًا ورعبًا؛ وهؤلاء الأحزاب كما هم لو كبسوا عليهم أرضهم وديارهم وعرض عليهم الكفر وقيل لهم: كونوا على المسلمين؛ تسارعوا إليه وما تعللوا بشيء، وما ذاك إلا لمقتهم الإسلام، وشدة بغضهم لأهله، وحبهم الكفر، وتهالكهم على حزبه.
[(وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا الله مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ الله مَسْؤُلاً (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً)] ١٥ - ١٦ [
عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم. وقيل: هم قوم غابوا عن بدر، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالًا لنقاتلنّ. وعن محمد بن إسحاق: عاهدوا يوم أحد أن لا يفرّوا بعد ما نزل فيهم ما نزل. (مَسْؤُلًا): مطلوبًا مقتضًى حتى يوفى به. (لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ) مما لا بدّ لكم من نزوله بكم من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: ((لو كَبَسوا عليهم)، أي: تغلَّبوا للإغارةِ فُجْأة. الأساس: أي: اقتَحموا عليهم وسَمِعْتُهم يقولون: أدخله بالكبس؛ إذا قَهَرَه وأذلّه.
قولُه: (نزلَ بهم ما نزل)، أي: من الهزيمةِ وقَتْلِ سَبْعين منهم وما حصَلَتْ فيهم من المُثْلَة وشَجَّ رسولِ الله ﷺ وكَسْرِ رَباعِيَتهِ. وذلك مِن مُخالفةِ أمْرِ رسولِ الله ﷺ وتَرْكِهم المركزَ ومَيْلِهم إلى الدنيا وطَلبِ الغنيمة.
قولُه: (مطلوبًا مُقْتضى)، يقال: اقتضى حَقّه، أي: تقاضاه. الأساس: تقاضَيْتُه دَيْني، وبدَيني، واقتضيتُه، واقتضَيْتُ منه حَقِّي: أخذتُه.
стр. 6590
حتف أنف أو قتل، وإن نفعكم الفرار -مثلًا- فمنعتم بالتأخير؛ لم يكن ذلك التمتيع إلا زمانًا قليلًا. وعن بعض المروانية: أنه مرّ بحائط مائل فأسرع، فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب.
[(قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ الله إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ الله وَلِيًّا وَلا نَصِيراً)] ١٧ [
فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة، ولا عصمة إلا من السوء؟ قلت: معناه: أو يصيبكم بسوٍء إن أراد بكم رحمةً، فاختصر الكلام وأجرى مجرى قوله:
متقلّدا سيفا ورمحا
أو حمل الثاني على الأوّل؛ لما في العصمة من معنى المنع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (كيفَ جُعِلَت الرحمةُ قَرينةَ السُّوء)، يعني: أوقَعَ كلمةَ الترديدِ بين السوءِ والرحمةِ، وأدخَلَهُما تحتَ معنى العِصْمة، والعِصْمةُ لا تُناسِبُ الرحمةَ؛ إذْ لا عِصْمةَ إلاّ من السوءِ؛ أي: العذاب. وأجابَ: أنّ تقديرَ الكلام: مَنْ ذا الذي يعصِمُكم منْ عذابِ الله إن أرادَ بكم سوءًا؟ أو: مَنْ ذا الذي يُصيبُكم بسوءٍ إنْ أراد بكُم رَحْمة؟
قولُه: (مُتَقلِّدًا سيفًا ورمحا)، أوّلُه:
يا ليت زوْجَك قد غدا
ويروي: ((في الوغى))؛ أي: حاملا ومُعْتَقِلا.
قولُه: (أو حُمِلَ الثاني على الأولِ لِما في العِصْمةِ مِن معنى المنع)، قال صاحب ((المطلع)): كأنّه قيلَ: مَنْ الذي يمنَعُكم من أحدِهما إن أراده بكم؟ وقلتُ: أو المعنى: مَنْ الذي
стр. 6591
[(قَدْ يَعْلَمُ الله الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَاتُونَ الْبَاسَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ الله أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيراً (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَاتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً)] ١٨ - ٢٠ [
(الْمُعَوِّقِينَ): المثبطين عن رسول الله ﷺ وهم المنافقون؛ كانوا يقولون (لِإِخْوانِهِمْ) من ساكني المدينة من أنصار رسول الله ﷺ : ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحمًا لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، فخلوهم و (هَلُمَّ إِلَيْنا) أى: قربوا أنفسكم إلينا. وهي لغة أهل الحجاز؛ يسؤون فيه بين الواحد والجماعة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعصِمُكم من الله إن أرادَ بكم سُوءًا ومَن الذي يَمنعُ رحْمةَ الله منكم إن أراد بكم رحمة؟
وقرينةُ التعدِّي ما في ﴿يَعْصِمُكُم﴾ من معنى المَنْع.
قولُه: (أكَلَةُ رأس)، أي: قليلون يُشْبِعُهم رأسٌ واحد.
قولُه: (لالتَهمَهُم)، الأساس: التَهمَ الشيءَ: ابتلَعَه، والتَهم الفصيلُ ما في ضَرْعِ أمه: اشتَفْه، بالشينِ المعْجَمة؛ مِن: اشتَفَّ ما في الإناء.
قولُه: (وهي لغة أهل الحجاز؛ يُسَوّون فيه بين الواحد والجماعة)، قال مَكِّي: وغَيْرُ أهلِ الحجازِ يقولون: هلمّوا للجماعة، وهَلُمِّي للمرأة، وأصلُ هَلُمَّ: ها الممْ، ها: للتنبيه، والمُمْ: اقصُدْ وأقْبِل، فكَثُرَ الاستعمالُ فحُذِفَتْ ألِفُ الوصلِ لمّا تَحرَّكَتِ اللامُ لضّمةِ الميمِ عندَ الإدغامِ فصارَ: ها لُمَّ، فحُذِفَتْ ألفُ ((ها)) لسكونِها وسكونِ اللامِ بعْدَها، لأنّ حركَتها عارضةٌ، فاتَّصلَت الهاءُ باللام، وفُتِحَت الميمُ لالتقاءِ السَاكنَيْن، نحو: رَدَّ وصَدَّ.
стр. 6592
وأمّا تميم فيقولون: هلمّ يا رجل، وهلموا يا رجال، وهو صوت سمى به فعل متعدّ، مثل: احضر وقرب، (قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ)] الأنعام: ١٥ [. (إِلَّا قَلِيلًا): إلا إتيانًا قليلًا يخرجون مع المؤمنين يوهمونهم أنهم معهم، ولا نراهم يبارزون ويقاتلون إلا شيئًا قليلًا إذا اضطرّوا إليه، كقوله: (ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا)] الأحزاب: ٢٠ [، (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ) في وقت الحرب أضناء بكم، يترفرفون عليكم كما يفعل الرجل بالذاب عنه المناضل دونه عند الخوف، (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ) في تلك الحالة كما ينظر المغشى عليه من معالجة سكرات الموت؛ حذرًا أو خورًا ولواذًا بك، (فإذا ذهب الخوف) وحيزت الغنائم ووقعت القسمة: نقلوا ذلك الشحّ وتلك الضنة والرفرفة عليكم إلى الخير -وهو المال والغنيمة- ونسوا تلك الحالة الأولى، واجترءوا عليكم، وضربوكم بألسنتهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (يتَرفْرَفون)، الأساس: ومنَ المجازِ: رَفْرفَ على ولدِه: إذا تحنّى عليه، فقولُه: ((يتَرفْرفون)) تفسيرٌ لقوله: ((ضَنّاً بكم))، أي: يوهِمون أنّهم مُشْفِقون عليكم بُخَلاءُ بأنفُسِكم أنْ تقعَ في التهلُكَة.
الجوهري: ضَنَّ بالشيءِ: إذا بَخِلَ به. أي: يتملَّقونَ للمؤمنينَ الذين يذبُّون؛ عنهم؛ ضَمَّنَ ﴿أَشِحَّةً﴾ معنى: رَفْرَفَ عليه، أي: تَملَّق، وعَدِّي تَعْدِيتَه، فالضميرُ في ((عنه)) و ((دونه)) راجعٌ إلى الرجُل أو إلى الموصولِ وهو الألِفُ واللامُ في الذابِّ والمناضلِ، فإذن المعنى إذا أتَوُا البأسَ تملَّقوا وأظهَروا الشفقةَ عليكُم كما يترَفْرفُ الطائرُ ليقَعَ على الشيء، وإذا حصَلوا في الخوفِ نظَروا إليك نَظَرَ المَغْشيِّ عليه من الموت لتذبّوا عنهم، ثُمَّ إذ حصَلَتْ قِسمةُ الغنائم نَقلوا ذلك التملُّقَ إلى القولِ الغليظِ طالبين المَال، ونَسُوْا تلك الحالةَ، وإليه الإشارةُ بقولِه: ((نقلوا ذلك الشُّحَّ)) إلى آخرِه.
قولُه: (وخَوَراً)، أي: رخاوة، الأساس: ومنَ المجازِ: رجلٌ خَوَّارٌ جَبان.
قولُه: (ضربوكم بألسنتهم)، هو بمعنى ﴿سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ﴾. قال الزجاج: معنى ﴿سَلَقُوكُم﴾: خاطَبوكم أشدَّ مخاطبة وأبلغَها في الغنيمةِ، يقال: خطيبٌ مِسلاقٌ وسَلاّقٌ؛ إذا كان بليغًا في خُطْبتِه.
стр. 6593
وقالوا: وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم، وبمكاننا غلبتم عدوّكم، وبنا نصرتم عليه. ونصب (أَشِحَّةً) على الحال، أو على الذمّ. وقرئ: (أشحة) بالرفع، و (صلقوكم) بالصاد. فإن قلت: هل يثبت للمنافق عمل حتى يرد عليه الإحباط؟ قلت: لا، ولكنه تعليم لمن عسى يظن أنّ الإيمان باللسان إيمان وإن لم يوطئه القلب، وأن ما يعمل المنافق من الأعمال يجدى عليه، فبين أنّ إيمانه ليس بإيمان، وأنّ كل عمل يوجد منه باطل. وفيه بعث على إتقان المكلف أساس أمره؛ وهو الإيمان الصحيح،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ونُصِبَ ﴿أَشِحَّةً﴾ على الحال)، قال أبو البقاء: ﴿أَشِحَّةً﴾ الأولى حالٌ من الضميرِ في ﴿وَلَا يَاتُونَ﴾، والثاني من الضميرِ المرفوعِ في ﴿سَلَقُوكُم﴾. وقال مكِّي: الصحيحُ أنَّ ﴿أَشِحَّةً﴾، و ﴿وَلَا يَاتُونَ﴾ حالٌ من الضميرِ في ﴿وَاَلْقَائِلِينَ﴾، وكذلك إنْ جَعَلْتَهما جميعًا حالَيْن من المُضْمَرِ في ﴿وَاَلْقَائِلِينَ﴾ ويجوزُ نَصْبُه على الذمِّ. وقيل: ﴿يَنظُرُونَ﴾ حالٌ من الضميرِ في ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾، و ﴿تَدُورُ﴾ حالٌ من الضميرِ في ((ينظرون كالذي)) أي: دورانًا كدَورانِ عينِ الذي، ويجوزُ أن يكونَ الكافُ حالاً من أعيُنهِم أي مُشْبِهةً عينَ الذي.
قولُه: (و ((صَلَقوكم)) بالصاد، وأنشد صاحبُ ((المطلع)):
فصَلَقْنا في مُرادٍ صَلْقةً … وصُداءٍ ألحَقَتْهُم بالثَّلَل
الثَّلَل: الهلاكُ. والصَّلْقةُ: الصّدْمَة أيضًا والواقعة المنكرة.
قولُه: (وفيه بَعْثٌ على إتقان المكلَّفِ أساسَ أمرِه)، يريدُ أنّ إحباطَ العملِ إنما يُتَصَّوُر
стр. 6594
وتنبيه على أن الأعمال الكثيرة من غير تصحيح المعرفة كالبناء على غير أساس، وأنها مما يذهب عند الله هباًء منثورًا. فإن قلت: ما معنى قوله: (وَكانَ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيراً) وكل شيء عليه يسير؟ قلت: معناه: أن أعمالهم حقيقة بالإحباط، تدعو إليه الدواعي، ولا يصرف عنه صارف. (يَحْسَبُونَ) أنّ الأحزاب لم ينهزموا، وقد انهزموا فانصرفوا عن الخندق إلى المدينة راجعين لما نزل بهم من الخوف الشديد ودخلهم من الجبن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذا وُجِدَ هناك عَملٌ والمنافِقُ لا عَمَلَ له حتى يُحْبَطَ، لكنَّ ورودَ هذا الأسلوبِ على التعريضِ بمَنْ له عَملٌ والحثِّ له على الاحتياطِ والإتقانِ فيه لئلاّ يؤولَ إلى الإحباطِ كقولهِ تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلت: ٦ - ٧]، وليسَ من المشركين مَنْ يُزَكّي، ولكنْ حَثَّ المؤمنينَ على أدائِها لأنّ المنْعَ مِن صفةِ المُشركين فلا يَنْبغي للمؤمنِ أن يتَّصفَ به.
ومسألةُ الإحباطِ سَبَق في أولِ ((البقرة))، قال القاضي: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾: فأظهَر بطلانَها إذ لم تَثْبُتْ لهم أعمالٌ فتَبْطل، أو أبطَل صنيعَهم ونِفاقَهم.
قولُه: (معناهُ: أنَّ أعمالَهم حقيقةٌ بالإحباط تدعو إليه الدواعي)، يريدُ أنّ قولهُ تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ كنايةٌ عن هذا المعنى، كما أنّ الناسَ إذا عَقَدوا هِمَمَهم على حصولِ أمرٍ بَعيدِ المَنالِ واهتَمُّوا به قيل لهم تَسلّيًا: وما ذلك على الله بعزيز. قال القاضي: ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ هيّناً لتعلُّقِ الإرادةِ به وعَدَمِ ما يَمْنَعُه عنه. وقال صاحبُ ((التقريب)): لا يخافُ اعتراضًا عليه.
قولُه: (فانصرَفوا عن الخندقِ إلى المدينة راجعين)، ليس في ((المعالم)) ولا في
стр. 6595
المفرط. (وَإِنْ يَاتِ الْأَحْزابُ) كرّة ثانية -تمنوا لخوفهم مما منوا به هذه الكرّة- أنهم خارجون إلى البدو حاصلون بين الأعراب (يَسْئَلُونَ) كل قادم منهم من جانب المدينة عن أخباركم وعما جرى عليكم، (وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ) ولم يرجعوا إلى المدينة، وكان قتال لم يقاتلوا إلا تعلة رياء وسمعة. وقرئ: (بدّى) على فعّل جمع باد، كغاٍز وغزّى. وفي رواية صاحب "الإقليد": (بديا)، بوزن: عدىّ. و (يساءلون)، أى: يتساءلون. ومعناه: يقول بعضهم لبعض: ماذا سمعت؟ ماذا بلغك؟ أو: يتساءلون الأعراب، كما تقول: رأيت الهلال وتراءيناه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
((الوسيط)) هذا. لعلّ ذلك نشَأَ له من فِعْل الحُسْبانِ؛ إذْ لو لم يَغيبوا عن الخندق لم يَحْسِبوا ذلك، وهو ضعيف.
قولُه: (مِمّا مُنوا)، أي: ابتُلوا، الجوهري: مَنْوتُه ومَنْيتُه؛ إذا ابتلَيْتَه.
قولُه: (ولم يرجِعوا إلى المدينة)، أي: منَ الخندقِ إلى المدينةِ، يدلّ عليه قولُه: ((فانصرَفوا من الخندقِ إلى المدينة)).
قولُه: (تَعِلّة)، الجوهري: عَلَّلَه بالشيءِ، أي: ألهاهُ كما يُعَلَّلُ الصبيُّ بشيءٍ من الطعام يَتجزّأ به عن اللبن. النهاية: ومنه حديثُ أبي حَثْمةَ يصِفُ التَّمْر: ((تَعِلّةُ الصبي)) أي: ما يُعلَّلُ به الصبيُّ ليسكت.
قولُه: (وقُرِئ: ((بُدًّى)))، قال ابن جِنّي: وهيَ قراءةُ ابنِ عَبّاس: ((بُدّى)) شديدة الدالِ مُنَوَّنةٌ، جَمْعُ بادٍ، كغُزّى جَمْعُ غازٍ، على فُعَّلٍ، ولو كان على فَعَّالٍ لكانَ بُدّاءً وغُزّاءً، ككتابٍ وكُتَّابٍ، وضارِبٍ وضُرَّاب.
قولُه: (كما تقولُ: رأيتُ الهلالَ وتَراءَيْناه)، يريدُ أنَّ ((يتساءلون)) بمعنى: يَسْألون، قال: سمِعْتُ العربَ تقولُ: تباصَرْتُه، أي: أبصَرْتُه.
стр. 6596
[(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)] ٢١ [
كان عليكم أن تواسوا رسول الله ﷺ بأنفسكم فتوازروه وتثبتوا معه، كما آساكم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في مرحى الحرب، حتى كسرت رباعيته يوم أحد وشجّ وجهه. فإن قلت: فما حقيقة قوله: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، وقرئ: (أسوة) بالضم؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أنه في نفسه أسوة حسنة، أى: قدوة، وهو الموتسى به، أى: المقتدى به، كما تقول: في البيضة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (فتُؤازِروه)، النهاية: يقال: آزَرَه وأَزَّره: إذا أعانَه وأسْعَده، من الأَزْرِ: القُوَّةِ والشِّدة.
قولُه: (وفي مَرْحى الحرْب)، النهاية: قال سُليمان بن صُرَد: ((أتيتُ عَلِيًّا حين فرغَ مِنْ مَرْحى الحرب)). المرحى: الذي دارَتْ عليهِ رحى الحرب، يقال: رحَيْتُ الحرْبَ ورَحْوُتها إذا أدَرْتَها.
قوله: (وقُرئ: ﴿أُسْوَةٌ﴾ بالضمِّ) عاصمٌ، والباقونَ: بالكَسْر.
المُغْرِب: يُقالُ: آسَيْتُه بما لي؛ أي: جَعلْتُه أُسْوةً أقتدي به ويَقْتدي هُو بي، وواسَيْتُ: لغةٌ ضعيفة، وإليه الإشارةُ بقولِه: ((كانَ عليكمُ أن تُواسوا الله بأنفُسِكم كما آساكُم بنَفْسِه في الصبرِ على الجهاد)).
قولُه: (أنّه في نفسِه أُسْوَةٌ حَسَنة)، أي: أنّه من بابِ التجريدِ، جُرِّدَ مِنْ نَفسِه الزكيةِ ﷺ شَيْءٌ قُدوةً، وهي هو. وأنشد أبو عليّ:
стр. 6597
عشرون منا حديٍد، أى: هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد. والثاني: أن فيه خصلة من حقها أن يؤتسى بها وتتبع؛ وهي المواساة بنفسه. (لِمَنْ كانَ يَرْجُوا الله) بدل من (لكم)، كقوله: (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ)] الأعراف: ٧٥ [، (يرجو الله واليوم الآخر): من قولك: رجوت زيدًا وفضله، أى: فضل زيد، أو: يرجو أيام الله واليوم الآخر خصوصًا. والرجاء بمعنى الأمل أو الخوف، (وَذَكَرَ الله كَثِيراً): وقرن الرجاء بالطاعات الكثيرة والتوفر على الأعمال الصالحة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفاءت بنو مروانَ ظُلْمًا دِماءَنا … وفي الله إن لم يحكموا حكَمٌ عَدْلُ
قال ابنُ جِنّي: وهو تعالى أعرَفُ المعارفِ، وقد سَمّاهُ الشاعرُ حكَمًا عَدْلاً، وأخرجَ اللفظَ مُخْرَجَ التنكيرِ والمآلُ إلى معنى التعريف، ومنه قولك: لئِنْ لقِيتَ رسولَ الله ﷺ لتلقَيَنَّ منه رجلاً مُتناهيًا في الخيرِ ورسولاً جامعًا لسُبُلِ الفَضْلِ، فقد آلَتْ به الحالُ إلى معنى التجريد.
قولُه: (﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو﴾ بدَلٌ من ﴿لَكُمْ﴾) قال أبو البقاء: منعَ منه الأكثرون، لأنّ ضميرَ المُخاطَبِ لا يُبدَلُ منه، فعلى هذا يجوزُ أن يَتَعلَّقَ بـ ﴿حَسَنَةٌ﴾ أو يكونَ نعتًا لها، ولا يَتَعلَّقُ بـ ﴿أُسْوَةٌ﴾، لأنّها قد وُصِفَت. قال صاحب ((التقريب)): ﴿لِّمَن﴾ بدَلٌ مِن ﴿لَكُمْ﴾ بَدَلَ بعضٍ أو اشتمالٍ، إذِ المُظْهَرُ لا يُبدَلُ من المُخاطَبِ بدَلَ الكلّ.
قولُه: (﴿يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ من قولك: رَجوْتُ زيدًا وفَضْلَه)، أي: هو من بابِ: أعجَبني زيدٌ وكَرُمه، على تقديرِ: يرجو اللهَ وثوابَه، فوُضِعَ اليومُ الآخِرُ مَوْضِعَه، لأنّ ثوابَ الله يَقعُ فيه، وهو من إطلاقِ اسمِ المحلِّ على الحالِّ، وعليه قولُه تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٧] أي: في الجنّة. والوجهُ الثاني: من بابِ عَطْفِ العامِّ على الخاصّ. قال صاحب ((الفرائد)): يُمكنُ أن يكونَ التقديرُ: يرجو رحْمةَ الله تعالى أو رِضا الله وثوابَ اليومِ الآخر.
стр. 6598
والمؤتسي برسول الله ﷺ : من كان كذلك.
[(وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاَّ إِيماناً وَتَسْلِيماً)] ٢٢ [
وعدهم الله أن يزلزلوا حتى يستغيثوه، ويستنصروه في قوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ)] البقرة: ٢١٤ [فلما جاء الأحزاب وشخص بهم واضطربوا ورعبوا الرعب الشديد (قالُوا هذا ما وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ)، وأيقنوا بالجنة والنصر. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال النبي ﷺ لأصحابه: "إنّ الأحزاب سائرون إليكم تسعًا أو عشرًا، أى: في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك. وهذا إشارة إلى الخطب أو البلاء. (إِيماناً) بالله وبمواعيده (وَتَسْلِيماً) لقضاياه وأقداره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (والمُؤْتسي)، هو المبتدأُ، والخبرُ ((مَنْ كان كذلك))، والجملةُ معطوفةٌ على جملة: ((قَرَنَ الرجاءَ بالطاعاتِ الكثيرةِ))، المعنى: مَنْ كان مُقْتديًا بسُنَّةِ رسولِ الله ﷺ ومُقْتفيًا آثارَه يَنْبغي أن يخافَ اليومَ ويتوفَّرَ منَ الأعمالِ الصالحة.
قولُه: (وعدَهم اللهُ أن يُزَلْزَلوا حتى يَسْتغيثوه)، تفسيرٌ لقولِه تعالى ﴿لَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢]. قال الزجّاج: الوعْدُ في قولِه: ﴿وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وهو قولُه تعالى ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. ولمّا ابتُلِيَ أصحابُ النبيّ ﷺ وزُلْزِلوا زلزالاً شديدًا علِموا أنّ الجنّة والنصرَ قد وَجبا لهم.
قولُه: (وشُخِصَ بهم)، الأساس: ومِنَ المجازِ: شُخِصَ بفُلانٍ: إذا ورَدَ عليه أمرٌ أقْلَقه.
قولُه: (﴿إيمَانًا﴾ بالله)، مفعولٌ له، أي: قالوا هذا مُشيرينَ إلى الخَطْبِ أو البلاءِ إيمانًا بالله وتسليمًا لقضائِه وَقَدرِه.
стр. 6599
[(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (٢٣) لِيَجْزِيَ الله الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ الله كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٤) وَرَدَّ الله الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى الله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ الله قَوِيًّا عَزِيزاً (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَاسِرُونَ فَرِيقاً (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً)] ٢٣ - ٢٧ [
نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حربًا مع رسول الله ﷺ ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا، وهم: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وحمزة، ومصعب بن عمير، وغيرهم، رضى الله عنهم، (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ) يعنى حمزة ومصعبًا، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) يعنى عثمان وطلحة. وفي الحديث: «من أحب أن ينظر إلى شهيٍد يمشى على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة». فإن قلت: ما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (نَذَر رجالُ من الصحابةِ أنّهم إذا لَقُوا حَربًا مع رسولِ الله ﷺ ثَبَتوا وقاتلوا)، روَيْنا عن البُخاريِّ ومُسلِمٍ والتِّرمذِّي عن أنسٍ: قال عمِّي أنسُ بنُ النَّصْرِ- سُمِّيتُ به، لم يشهَدْ بدرًا مع رسولِ الله ﷺ ، فكَبُرَ عليه- فقال: أوّلُ مشهدٍ شَهِدَه رسولُ الله ﷺ غِبتُ عنه، أما والله لئن أراني الله مشهدًا مع رسولِ ﷺ بعْدُ ليرَيَنَّ اللهُ ما أصنَعُ. قال: فهابَ أن يقولَ غيرَها، فشهِدَ معَ رسولِ الله ﷺ يوْمَ أحُدٍ منَ القابلِ، فاستقبَلَه سعْدُ بن مُعاذ فقال له أَنسٌ: يا أبا عَمْروٍ، أيْنَ؟ ثم قال: واهاَ لريحِ الجنَّة أجِدُها دونَ أحُد، فقاتلَ حتّى قُتِل، فوُجِدَ في جَسَدِه بِضْعٌ وثمانونَ؛ مِنْ ضَربةٍ وطَعْنةٍ ورَمْيةٍ. قالت عَمَّتي الرُّبَيِّعُ بنتُ النَّضْر: فما عرفْتُ أخي إلا ببَنانِه، ونزلَتْ هذه الآيةُ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣].
стр. 6600
قضاء النحب؟ قلت: وقع عبارة عن الموت؛ لأنّ كل حى لا بدّ له من أن يموت، فكأنه نذر لازم في رقبته، فإذا مات فقد قضى نحبه، أى: نذره. وقوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ) يحتمل موته شهيدًا، ويحتمل وفاءه بنذره من الثبات مع رسول الله ﷺ . فإن قلت: فما حقيقة قوله: (صَدَقُوا ما عاهَدُوا الله عَلَيْهِ)؟ قلت: يقال: صدقنى أخوك وكذبني؛ إذا قال لك الصدق والكذب. وأمّا المثل: "صدقنى سنّ بكره" فمعناه: صدقنى في سن بكره، بطرح الحار وإيصال الفعل؛ فلا يخلو (ما عاهَدُوا الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ويحتَمِلُ وفاءَه بنَذْرهِ منَ الثباتِ مع رسول الله ﷺ ، فيه حَزازة، لأنّه لما أجابَ عن معنى قَضاءِ النَّحْبِ بأنّه كِنايةٌ عن الموتِ لم يحسُنْ هذا التقسيم.
الراغب: النَّحْبُ: النَّذْرُ المحكومُ بوجوبه، يُقال: قضى فلانٌ نَحْبَه؛ أي: وَفّى بنَذْرهِ قال تعالى ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، ويُعَبَّرُ به عَمَّنْ مات كقَوْلِهم: قضى أجلَه، واستَوْفى أُكْلَه، وقَضى من الدنيا حاجتَه. والنحيبُ: البكاءُ الذي معه الصوت.
قولُه: ((استَوْفى أُكْلَه)): كنايةٌ عن انقضاءِ الأجلِ، والأُكْلُ: اسمٌ لما يُؤكَلُ، بضَمِّ الكافِ وسُكونِه، ويُعَبَّرُ به عن النصيبِ، يقال: فُلانٌ ذو أُكلٍ من الدنيا.
قولُه: (صَدَقَني سِنَّ بَكْرِه)، قال الميداني: البَكْرُ: الفتيُّ من الإبلِ، يُقال: صدَقْتُه الحديثَ وفي الحديث، يُضْرَبُ مثلاً في الصدق. وأصْلُه: أنّ رجلاً ساومَ رجُلاً في بَكْرٍ فقال: ما سِنُّة؟ فقال صاحبُه: بازِلٌ، ثم نَفَر البَكْرَ له صاحبه: هِدَعْ هِدَعْ، وهذه لفظةٌ تُسَكَّنُ بها الصِّغار من الإبلِ، فقال المُشتري: صَدقني سِنَّ بَكْرِهِ، ونُصِبَ على معنى: عَرَّفَني سِنَّ بكره ويجوزُ أن يُقالَ: صَدَقَني خَبَرَ سِنٍّ، ثم حَذفَ المُضافَ، ويُروي: ((صَدَقني سِنُّ)) بالرفعِ،
стр. 6601
عَلَيْهِ) إما أن يكون بمنزلة السنّ في طرح الجار، وإمّا أن يجعل المعاهد عليه مصدوقًا على المجاز، كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفى بك، وهم وافون به؛ فقد صدقوه، ولو كانوا ناكثين لكذبوه، ولكان مكذوبًا، (وَما بَدَّلُوا) العهد ولا غيروه، لا المستشهد ولا من ينتظر الشهادة، ولقد ثبت طلحة مع رسول الله ﷺ يوم أحٍد حتى أصيبت يده، فقال رسول الله ﷺ : «أوجب طلحة»، وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جَعل الصِّدْقَ للسنِّ توسّعًا، وعليه قولُ المصنِّف: ((أن يُجْعلَ المُعاهَدُ عليه مَصْدوقًا على المجاز)).
قولُه: (أوجَبَ طلحة)، النهاية: في الحديثِ: مَنْ فعلَ كذا وكذا فقَد أوْجَبَ، يُقال: أوجَبَ الرجلُ: إذا الرجلُ: إذا فَعل فِعْلاً أوجَبَ له الجنّةَ أو النار.
قولُه: (وفيه تَعْريضٌ بمَنْ بَدّلوا من أهلِ النفاق)، أيْ: في قولِه تعالى: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، كأنّه قيلَ: من المؤمنينَ رجالٌ صدَقوا ما عاهدوا عليه وما بَدَّلوا تبديلاً ليَجْزِيَهم الله بصِدْقِهم، ومن المنافقينَ رجالٌ كذَبوا ما عاهدوا الله وبَدّلوا تبديلاً ليُعذِّبَهم، فوضَعَ موضِعَ الضميرَيْن المُظْهَرَيْن؛ للإيذانِ بأنّ استحقاقَ كلٍّ بسَببِ عَمَلِه، فاللامُ المُقدَّرُ في ((ليُعَذّبَهم)) مَجازٌ للعاقبة، وهاهُنا طريقٌ أسْهَلُ مأخذًا، وأبْعَدُ من التعسُّفِ، وأقربُ إلى المقصود وهو أن تُعَلَّقَ اللامُ بمعنى قوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾، كأنه قيلَ: إنّما ابتلاهُم اللهُ برؤيةِ ذلك الخَطْبِ المشارِ إليه ((بهذا)) - كما قال: ((﴿هَذَا﴾ إشارةٌ إلى الخَطْبِ أو إلى البلاءِ)) - ليَجْزِيَ الصادقينَ بصِدْقِهم ما لا يدخُلُ تحْتَ الوَصْفِ والعَدِّ، ويُعَذِّبَ المُنافقين، كما سَبق مِثْلُه في قولِه تعالى:
стр. 6602
ومرض القلوب؛ جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم، كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم؛ لأنّ كلا الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب، فكأنهما استويا في طلبهما والسعى لتحصيلهما. ويعذبهم (إِنْ شاءَ) إذا لم يتوبوا (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) إذا تابوا، (وَرَدَّ الله الَّذِينَ كَفَرُوا) الأحزاب (بِغَيْظِهِمْ) مغيظين، كقوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)] المؤمنون: ٢٠ [. (لَمْ يَنالُوا خَيْراً) غير ظافرين، وهما حالان بتداخل أو تعاقب، ويجوز أن تكون الثانية بيانًا للأولى أو استئنافًا، (وَكَفَى الله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ) بالريح والملائكة (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ) ظاهروا الأحزاب من أهل الكتاب، (مِنْ صَياصِيهِمْ): من حصونهم. والصيصية: ما تحصن به، يقال لقرن الثور والظبى: صيصية، ولشوكة الديك؛ وهي مخلبه التي في ساقه؛ لأنه يتحصن بها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٨] قال: ((﴿وَأَعَدَّ﴾ عَطْفٌ على ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾؛ لأنّ المعنى: أنّ اللهَ أكّد على الأنبياءِ الدعوةَ إلى دينهِ لأجلِ إثابةِ المُؤمنين وأعَدَّ للكافرين .... )).
وفي كلامِ أبي البَقاء إشعارٌ بهذا حيث قال: ﴿لِّيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ يجوزُ أن تكونَ لامُ العاقبة، وأن تَتعلَّقَ بـ ﴿صَدَقُوا﴾ أو بـ ﴿زَادَهُمْ﴾ أو بـ ﴿مَا بَدَّلُوا﴾. وعلى الزجَّاج بـ ﴿صَدَقُوا﴾.
قولُه: (بتداخُلٍ أو تعاقُب)، التداخلُ: أن يُعْمِلَ الحالَ الأولى في الثانية ويكونُ الحالانِ لشَيْئين لفظًا، والتعاقُبُ: أن يكونا لشيءٍ واحد.
قولُه: (﴿كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالريحِ والملائكة)، الراغب: الكفايةُ: ما فيه سَدُّ الخَلَّةِ وبلوغُ المرادِ في الأمرِ، والكُفْيةُ من القُوت: ما فيه كِفاية.
стр. 6603
روي أنّ جبريل ﵇ أتى رسول الله ﷺ صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب ورجع المسلمون إلى المدينة ووضعوا سلاحهم على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج، فقال: "ما هذا يا جبريل؟ " فقال: من متابعة قريش. فجعل رسول الله ﷺ يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه، فقال: يا رسول الله، إن الملائكة لم تضع السلاح، إن الله يأمرك بالسير إلى بنى قريظة، وأنا عامد إليهم، فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة، فأذن في الناس: أن "من كان سامعًا مطيعًا فلا يصل العصر إلا في بنى قريظة"، فما صلى كثير من الناس العصر إلا بعد العشاء الآخرة، لقول رسول الله ﷺ ، فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلةً حتى جهدهم الحصار، فقال لهم رسول الله ﷺ : "تنزلون على حكمى؟ " فأبوا، فقال: "على حكم سعد بن معاذ؟ " فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر النبي ﷺ ، وقال: «لقد حكمت بحكم الله من فوق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ورُويَ أنّ جِبريل أتى رسولَ الله ﷺ ، الحديث مِنْ روايةِ البُخاريِّ ومُسلمٍ عن عائشةَ ﵂: فلما رَجَعَ رسولُ الله ﷺ منَ الخندقِ ووضعَ السِّلاحَ واغتَسل، أتاه جبريلُ ﵇ وهو ينفُضُ رأسَه من الغُبار فقال: ((قد وضَعْتَ السلاحَ! والله ما وضَعْتُه، اخرُجْ إليهم)). فقال النبيُّ ﷺ : ((فأين؟ )) فأشارَ إلى بَني قُريظَةَ فأتاهُم رسولُ الله ﷺ فنزلوا على حُكْمه، فَردَّ الحُكْمَ إلى سعدٍ. قال: فإني أحكُمُ فيهم أن تُقْتَلَ المُقاتِلةُ وتُسبي النساءُ والذُّريّةُ وأن يُغْنَم أموالهُم))، وزادَ في رواية: قالَ رسولُ الله ﷺ : ((لقد حَكَمْتَ فيهم بحُكْمِ الله))، وفي رواية: ((بحُكْمِ المَلِك)).
стр. 6604
سبعة أرقعة»، ثم استزلهم، وخندق في سوق المدينة خندقًا، وقدمهم فضرب أعناقهم وهم من ثمان مئة إلى تسع مئة، وقيل: كانوا ست مئة مقاتٍل وسبعمئة أسير. وقرئ: (الرعب) بسكون العين وضمها. و (تأسرون) بضم السين.
وروى: أن النبي ﷺ جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار، فقالت الأنصار في ذلك، فقال: "إنكم في منازلكم"، وقال عمر رضى الله عنه: أما تخمس كما خمست يوم بدر؟ قال: "لا، إنما جعلت هذه لي طعمة دون الناس"، قال: رضينا بما صنع الله ورسوله. (وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها) عن الحسن رضى الله عنه: فارس والروم. وعن قتادة رضى الله عنه: كنا نحدث أنها مكة. وعن مقاتل ﵁: هي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (سَبْعةِ أرْقِعَة)، جاءَ على لفظِ التذكيرِ كأنه ذهبَ إلى السقف.
النهاية: يعني سَبْعَ سماواتٍ، كلُّ سماءٍ يُقال لها: رَقيع، والجَمْعُ أرْقِعَة، ويقال: الرقيعُ: اسمُ سماءِ الدنيا، فأُعْطيَ كلُّ سماءٍ اسْمَها.
قولُه: (خَنْدَقَ)، أي: حَفَرَ.
قولُه: (من ثمانِ مئة إلى تسعِ مئة)، أي: هم كائنونَ من بين ثمان مئةِ رأسٍ إلى منتهى تسع مئةٍ، لا ينقُصون مِن ذلك، ولا يزيدونَ على هذا.
قولُه: (وقُرِئ: ﴿الرُّعْبَ﴾ بسكونِ العَيْنِ وضَمِّها)، بالضمِّ: ابنُ عامرِ والكِسائيُّ، والباقون: بالسكون.
قولُه: (فقالَ الأنصارُ في ذلك)، أي: في شأنِه وأمْرِه.
стр. 6605
خيبر. وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. ومن بدع التفاسير: أنه أراد نساءهم.
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ الله أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً)] ٢٨ - ٢٩ [
أردن شيئًا من الدنيا من ثياب وزيادة نفقة، وتغايرن، فغم ذلك رسول الله ﷺ ، فنزلت، فبدأ بعائشة رضى الله عنها، وكانت أحبهنّ إليه، فخيرها وقرأ عليها القرآن، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤى الفرح في وجه رسول الله ﷺ ، ثم اختارت جميعهنّ اختيارها، فشكر لهنّ الله ذلك؛ فأنزل: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ)] الأحزاب: ٥٢ [.
روى: أنه قال لعائشة: "إنى ذاكر لك أمرًا، ولا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمرى أبويك"، ثم قرأ عليها القرآن، فقالت: أفى هذا أستأمر أبوىّ؟ ! فإنى أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وروى: أنها قالت: لا تخبر أزواجك أنى اخترتك، فقال: "إنما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (فشكَر لهنَّ الله)، أي: حَمِدَ اللهُ على اختيارِهن الرسولَ ﷺ ، ووعَدَ لُهنَّ تَضْعيفَ الأجْرِ والرزقِ الكريم.
قولُه: (رُويَ أنه ﷺ قال لعائشة: ((إنّي ذاكرٌ لك أمرًا)))، الحديث، أخرجَه البُخاريُّ ومسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجه عنها مع تغييرٍ يسيرٍ في اللَّفظ.
قولُه: (ورُوِيَ أنها قالت: لا تُخبر أزواجَك)، هذه الروايةُ في ((مسندِ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبل)) زائدةٌ على الحديثِ الأوّلِ ومُتَّصلةٌ به، قالت: وأسأَلُك أنْ لا تذكُر لامرأةٍ من نسائِك
стр. 6606
بعثني الله مبلغًا ولم يبعثني متعنتًا". فإن قلت: ما حكم التخيير في الطلاق؟ قلت: إذا قال لها: اختاري، فقالت: اخترت نفسي، أو قال: اختاري نفسك، فقالت: اخترت، لا بد من ذكر النفس في قول الخير أو المخيرة؛ وقعت طلقة بائنة عند أبى حنيفة وأصحابه، واعتبروا أن يكون ذلك في المجلس قبل القيام أو الاشتغال بما يدل على الإعراض، واعتبر الشافعي ﵀ اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية، وهو مذهب عمر وابن مسعود. وعن الحسن وقتادة والزهري رضى الله عنهم: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره، وإذا اختارت زوجها؛ لم يقع شيء بإجماع فقهاء الأمصار. وعن عائشة رضى الله عنها: خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه ولم يعده طلاقًا. وروى: أفكان طلاقا؟ وعن علىّ رضى الله عنه: إذا اختارت زوجها: فواحدة رجعية، وإن اختارت نفسها: فواحدة بائنة. وروى عنه أيضًا: أنها إن اختارت زوجها فليس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما اختَرْت، فقال: ((إنّ الله لم يبعَثْني مُعنِّفًا، ولكنْ بعَثَني مُعلِّمًا مُيسِّراً، لا تسألنَّ امرأةٌ عما اختَرْتِ إلا أخبرتُها)).
أوقَعَ ((مُتعنِّتاً)) مقابِلاً لقولِه: ((مُبلِّغاً))، فيجبُ التطابقُ بينهما من جهةِ التضاد. والتعنُّتُ: تَفعُّلٌ من العَنَتِ، أي: الفسادِ والمشقَّة والهلاكِ والإثْمِ والخطأ. والتفعُّلُ والاستفعالُ يَلْتقيانِ في مواضعَ، يُقال: تعجَّلْتُه وتقصَّيْتُه واستقصَيْته، والنبيُّ ما بُعِثَ لطلبِ ذلك وإنَّما بُعِثَ لزَفْعِها وإزالتِها.
المُغِرب: أعْنتَه إعناتًا: أوقَعَه في العَنَتِ فيما شقَّ عليه، ومنه: تَعنَّتَه في السؤالِ إذا سأله على جهةِ التلبيسِ عليه، والتلبيسُ ممّا يُنافي الإبلاغ.
قولُه: (إذا اختارَتْ زوجَها فواحدةٌ رجْعِيةٌ وإن اختارَتْ نَفْسَها فواحدةٌ بائنة)، قال القاضي: تعليقُ التسريحِ بإرادتِهنَّ الدنيا وجَعْلُها قسيمًا لإرادتِهنَّ الرسولَ ﷺ يدلُّ على أن
стр. 6607
بشيء. أصل "تعال": أن يقوله من في المكان المرتفع لمن في المكان المستوطئ، ثم كثر حتى استوت في استعماله الأمكنة. ومعنى "تعالين": أقبلن بإرادتكن واختياركن لأحد أمرين، ولم يرد نهوضهنّ إليه بأنفسهنّ، كما تقول: أقبل يخاصمني، وذهب يكلمني، وقام يهددنى. (أُمَتِّعْكُنَّ): أعطكنّ متعة الطلاق. فإن قلت: المتعة في الطلاق واجبة أم لا؟ قلت: المطلقة التي لم يدخل بها ولم يفرض لها في العقد، متعتها واجبة عند أبى حنيفة وأصحابه، وأما سائر المطلقات فمتعتهن مستحبة. وعن الزهري: متعتان، إحداهما: يقضى بها السلطان: من طلق قبل أن يفرض ويدخل بها. والثانية: حق على المتقين: من طلق بعد ما يفرض ويدخل. وخاصمت امرأة إلى شريح في المتعة، فقال: متعها إن كنت من المتقين، ولم يجبره. وعن سعيد بن جبير: المتعة حق مفروض. وعن الحسن: لكل مطلقة متعة إلا المختلعة والملاعنة. والمتعة: درع وخمار وملحفة على حسب السعة والإقتدار، إلا أن يكون نصف مهرها أقل من ذلك، فيجب لها الأقل منهما. ولا ينقص من خمسة دراهم؛ لأن أقل المهر عشرة دراهم، فلا ينقص من نصفها. فإن قلت: ما وجه قراءة من قرأ: (أمتعكنّ وأسرحكنّ) بالرفع؟ قلت:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المُخَيَّرَة إذا اختارَتِ الزوجَ لم تطلُقْ خِلافًا لزيدٍ والحسنِ ومالكٍ وإحدى الروايتين عن علي ﵁، يؤيِّدُه قولُ عائشةَ ﵂: خَيَّرَنا رسولُ الله ﷺ فاختَرْناه، ولم يَعُدَّه طلاقًا. وتقديمُ التمتيع على التسريحِ المسبَّبِ عنه من الكَرَمِ وحُسْنِ الخلق.
قولُه: (المُطلَّقةُ التي لم يُدْخَلْ بها ولم يُفْرَضْ لها في العَقْدِ مُتْعتُها واجبةٌ عند أبي حنيفة)،
قال القاضي: ليس في الكلام ما يدلُّ عليه.
قولُه: (وعن الزُّهْريِّ مُتْعتان)، هما مبنيتان على ما في ((البقرة)) مِنْ قَوْلِه ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] بعد قوله ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ
стр. 6608
وجهه الاستئناف (سَراحاً جَمِيلًا) من غير ضراٍر طلاقًا بالسنة. (مِنْكُنَّ) للبيان لا للتبعيض.
[(يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَاتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً)] ٣٠ - ٣١ [
الفاحشة: السيئة البليغة في القبح، وهي الكبيرة. والمبينة: الظاهر فحشها، والمراد كل ما اقترفن من الكبائر. وقيل: هي عصيانهن رسول الله ﷺ ونشوزهنّ، وطلبهن منه ما يشق عليه، أو ما يضيق به ذرعه ويغتم لأجله. وقيل: الزنا، والله عاصم رسوله من ذلك، كما مرّ في حديث الإفك، وإنما ضوعف عذابهنّ؛ لأن ما قبح من سائر النساء كان أقبح منهنّ وأقبح؛ لأن زيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل والمرتبة وزيادة النعمة على العاصي من المعصى، وليس لأحٍد من النساء مثل فضل نساء النبي ﷺ ، ولا على أحد منهنّ مثل ما لله عليهن من النعمة، والجزاء يتبع الفعل، وكون الجزاء عقابًا يتبع كون الفعل قبيحًا، فمتى ازداد قبحًا ازداد عقابه شدّة؛ ولذلك كان ذم العقلاء للعاصي العالم أشدّ منه للعاصي الجاهل؛ لأن المعصية من العالم أقبح؛ ولذلك فضل حدّ الأحرار على حد العبيد، حتى إن أبا حنيفة وأصحابه لا يرون الرجم على الكافر. (وَكانَ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيراً) إيذان بأن كونهن نساء النبي ﷺ ليس بمغن عنهن شيئًا، وكيف يغنى عنهن وهو سبب مضاعفة العذاب؟ فكان داعيًا إلى تشديد الأمر عليهنّ غير صارٍف عنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، قال سعيد بن جبير وأبو العالية والزهري: المتعةُ واجبةٌ لكل مُطَلَّقة وفَرَّقَ هاهنا بين الواجبَيْن بأن قال في الأول: ((يقضي به السلطان))، أي: يُجبِرُ عليه، وفي الثاني: ((حَقٌّ على المتَّقين))، وأتْبَع ذلك حُكْمَ شُرَيْحٍ: ((مَتِّعْها))، ولم يُجبره.
стр. 6609
قرئ: (يأت) بالتاء والياء، (مبينة) بفتح الياء وكسرها؛ من بين بمعنى تبين، (يضاعف) و (يضعف) على البناء للمفعول، و (يضاعف)، و (نضعف) بالياء والنون. وقرئ: (تقنت) (وتعمل) بالتاء والياء. و (نؤتها) بالياء والنون. والقنوت: الطاعة، وإنما ضوعف أجرهنّ؛ لطلبهنّ رضا رسول الله ﷺ بحسن الخلق، وطيب المعاشرة، والقناعة، وتوفرهنّ على عبادة الله، والتقوى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وقُرئ: ﴿يَاتِ﴾ بالتاء والياء)، بالياءِ التحتانية: سَبْعة، والتاء: شاذة.
قولُه: (﴿مُّبَيِّنَةٍ﴾، بفتحِ الياءِ)، ابنُ كثيرٍ وأبو بكرٍ، والباقون: بكَسْرِها.
قولُه: (﴿يُضَاعَفْ﴾ و ((يُضَعَّفْ)))، ابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ: بالنون وكسر العين وتشديدها من غير ألف، ((العذابَ)) بالنَّصْب، والباقون: بفَتْحِ العين ورَفْع ((العذاب))، وشَدَّد أبو عَمْروٍ العينَ وحذفَ الألفَ قبلها، وخَفَّفها الباقون وأثبتوا الألف.
قولُه: (وقرئ: ﴿يَقْنُتْ﴾ ﴿وَتَعْمَلْ﴾)، بالياءِ التحتانية: السبعة، وبالتاءِ: شاذّة، ((ويعمل صالحًا يؤتها)) بالياء التحتانية فيهما: حمزة والكسائي، والباقون: بالتاء الفوقانية في الأول، وبالنون في الثاني.
قولُه: (إنّما ضوعف أجرُهُنّ لطلبهنّ)، ولو عَلّل بما علّل به قولَه: ﴿مَن يَاتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ [الأحزاب: ٣٠] من نحوِ قوله: لأنّ زيادةَ قُبْح المعصية مع زيادةِ الفضلِ والمرتبة، بأن يقول: كما أن العذاب لأجلِ زيادةِ الفضل، وزيادة النعمة من كونهنّ نساءَ خير البَرِيّة، كذلك مضاعفة العذاب لأجلِ ذلك؛ كان أحسَن وأشدّ التئامًا مع قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾
стр. 6610
[(يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفا)] ٣٢ [
"أحد" في الأصل بمعنى وحٍد، وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستويًا فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه. ومعنى قوله: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ): لستن كجماعةٍ واحدةٍ من جماعات النساء، أى: إذا تقصيت أمة النساء جماعةً جماعة لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة، ومثله قوله :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (تُقُصِّيَت)، أي: استُقصِيَت وتُتبِّعَتُ، والتقصِّي: الاستقصاءُ وهو بلوغُ الأقصى.
قولُه: (أي: إذا تُقُصِّيَت أمةُ النساء جماعةً جماعةً، لم توجَدْ منهن جماعةٌ واحدةٌ تُساويكنَّ في الفضل)، الانتصاف: أراد المطابقةَ بين المتفاضلَيِن، فإنّ نساءَ النبيِّ جماعة، وقد كان مُستغنيًا بحملِ المعنى على الوحدة ويكون أبلغ، أي: ليست واحدةٌ منكنَّ كأحدٍ، أي: كواحدةٍ من آحادِ النساء. ويلزَمُ على ما قال تفضيلُ الجماعةِ على الجماعة، ولا يلزم ذلك في عكسه فتأمله، وجاء التفصيلُ هاهنا كمجيئه في قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، وكقوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقد مضت فيه نكته، أي: الأصلُ: أفمَنْ لا يخلقُ كمَنْ يخلق، وليس الأنثى كالذكر، وكذا هاهنا: ليسَت إحداكُنَّ نحو أحدٍ من آحادِ النساء.
وقلت: لا شكّ أن اسمَ ((ليسَ)) ضميرُ الجماعةِ، وقد حُمِلَ عليه ﴿كَأَحَدٍ﴾، وبُيِّن بقوله: ﴿مِّنَ النِّسَاءِ﴾، والتعريفُ فيه للجنس، فوجبَ حَملُ الأحدِ في هذا السياقِ على الجماعة، كما في قولِه تعالى: ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] ولو حُملَ أحدٌ على الواحدِ لزمَ التفصيلُ بحسب الوُحْدان، ويرجع ذلك إلى تفضيلهنَّ عليهن على واحدٍ واحدٍ من النساء، ولا ارتيابَ في بُطلانِه. وأمّا تأويلُه بقولِه: ((ليست واحدةٌ منكنّ)) فخلاف
стр. 6611
(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ)] النساء: ١٥٢ [يريد بين جماعةٍ واحدة منهم، تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق المبين. (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ): إن أردتن التقوى، وإن كنتن متقيات. (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ): فلا تجبن بقولكن خاضعًا، أي:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الظاهر، وأمّا قولُه: ((يلزَمُ تفضيلُ الجماعةِ على الجماعة ولا يلزم ذلك في عكسِه)) فجوابه: أنَّ تفضيل كلِّ واحدٍ واحدٍ منهنَّ يعُلَمُ من دليلٍ آخرَ، إما عقليٌّ أو نَصّ، مثل: ((ونساؤه أمهاتكم)) وغيره.
الراغب: أحدٌ تُستعملُ على ضربَيْن: أحدُهما: في النفي فقط، وهو لاستغراق جنسِ الناطقين ويتناول القليل والكثير على طريق الاجتماع والافتراق، نحو: ما في الدار أحد، أي: واحد ولا اثنان فصاعدًا لا مجتمعَيْن ولا مُفترقَيْن، وهذا المعنى لم يصلُح استعمالُه في الإثبات، لأنَّ نفْيَ المُتضادّين يصحُّ ولا يصحُّ إثباتهما، فلو قيل: في الدارِ أحدٌ لكان فيها إثباتٌ واحدٍ منفردٍ مع إثباتِ ما فوق الواحدِ مُجتمعِين ومُتفرِّقين، وذلك ظاهر الإحالة، ولتناولِه ما فوقَ الواحدِ يصحُّ أن يقال: ما من أحد فاضلين كقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧].
وثانيهما: في الإثبات، وهو على ثلاثةِ أوجه: أحدُها: في الواحدِ المضموم إلى العَشرات نحو أحد عشر. وثانيها: أن يُستعملَ مُضافًا أو مُضافًا إليه، كقوله تعالى ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٤١] وقولهم: يوم الأحد، أي الأول. وثالثها: أن يستعمل مطلقًا وصفًا وليس ذلك إلا في وصف الله تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وأصله: وَحَد، لكن وَحَد يُسْتعملُ في غيره. قال النابغة:
كأنَّ رحلي وقد زال النهارُ بِنا … بذي الجليل على مستأنسِ وَحِد
قولُه: (﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ إن أرَدتُنَّ التقوى)، قال صاحب ((الفرائد)): حَمَلَ الاتقاَءَ على
стр. 6612
لينًا خنثًا مثل كلام المربيات والمومسات (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) أى: ريبة وفجور. وقرئ: بالجزم؛ عطفًا على محل فعل النهى، على أنهن نهين عن الخضوع بالقول، ونهى المريض القلب عن الطمع، كأنه قيل: لا تخضعن فلا يطمع. وعن ابن محيصن: أنه قرأ بكسر الميم، وسبيله ضم الياء مع كسرها وإسناد الفعل إلى ضمير القول؛ أى: فيطمع القول المريب. (وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً): بعيدًا من طمع المريب بجد وخشونة من غير تخنث، أو قولًا حسنًا مع كونه خشنًا.
[(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)] ٣٣ [
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إرادتِه بطريق المجاز، ومتى أمكن الحقيقة لم يجز الحمل على المجاز، وقد حمله وذكر معه الحقيقة. وقلت: هاهنا تفصيل، وذلك أنّ المخاطَب إما أن يكونُ متقيًا، فيجري الكلام على الحثِّ، كما حكى الله عن مريم تُخاطبُ ﵉: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]. روى البخاريُّ عن أبي وائل قال: علِمَت مريمُ أن التقيَّ ذو نُهْيَة حين قالت: ﴿إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾. هذا الطريق هو الذي سلكَه المصنِّفُ لاقتضاء المقام إياه تهييجًا وإلهابًا، وقد نبّه عليه بقوله: ((وإن كُنتُنَّ مُتَّقيات)) على ((إن)) الشرطية، أو تخاطبُ من لم يتَّصف بصفة التقوى وأرادَ الاتصافَ بها، فحينئذ لابد من تقدير الإرادة، والأول أوجه؛ لأن المخاطباتِ مُتَّقياتٌ، والشرطُ كالتعليل.
قولُه: (ليّنًا خَنِثًا)، الأساس: خَنِثَ: تكَسّر وتثَنّى. وقد خَنث وتخنّث وخَنّث كلامَه: ليَّنه.
قولُه: (المومسِات)، النهاية: المومسة الفاجرة.
стр. 6613
(وَقَرْنَ) بكسر القاف، من: وقر يقر وقارًا، أو من: قرّ يقرّ، حذفت الأولى من رائى: أقررن، ونقلت كسرتها إلى القاف، كما تقول: ظلن، و (وقرن): بفتحها، وأصله: أقررن، فحذفت الراء وألقيت فتحتها على ما قبلها، كقولك: ظلن. وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب "التبيان" وجهًا آخر، قال: قار يقار: إذا اجتمع، ومنه: القارة؛ لاجتماعها، ألا ترى إلى قول عضل والديش: اجتمعوا فكونوا قارة؟ والْجاهِلِيَّةِ الْأُولى: هي القديمة التي يقال لها: الجاهلية الجهلاء، وهي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم ﵇؛ كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشى وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال. وقيل: ما بين آدم ونوح. وقيل: بين إدريس ونوح. وقيل: زمن داود وسليمان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: ((وقِرْنَ) بكَسْرِ القاف)، قرأ نافع وعاصم: بفَتْح القاف، والباقون: بكَسْرِها.
قال مكّي: مَنْ قرأ بالكسرِ جَعله من الوقارِ والتوقيرِ في البيوت، نَحْو: عِدْنَ وزِنَّ محذوفَ الفاء، وهو الواو. ويجوز أن يكون من القرار فيكون مُضَعَّفًا. أي: قَرَّ في المكان يَقَرُّ. وأصله: اقرُرْنَ، ثم تُبدلُ من الراءِ التي هي عينُ الفعلِ ياء كراهيةَ التضعيف فتَصيرُ الياءُ مكسورة، فتُلقى حركتُها على القافِ، وتُحذَفُ لسكونها وسكونِ الراءِ، ويُستغنى عن ألفِ الوصل لتحرُّكِ القافِ، فتصير ((قَرْن))، وقيل: بَل حُذِفت الراءُ الأولى كراهةَ التضعيف كما قالوا: ظَلْتُ، والأصلُ: ظَلَلْتُ، وأُلقِيَتْ حركتُها على القافِ فحُذِفَت ألِفُ الوصلِ لتحرّك القافِ أيضًا. ومَنْ قرأ بفَتْحِ القافِ وهي لُغةٌ قليلة حَكاها أبو عُبيدةَ عن الكسائي أنه قال: قَررْتُ في المكان أقرُّ، وأنكَرها المازِنيُّ وغيرُه، ثم جرى الاعتلال على الوجهَيْن المذكورين في الكسر.
قولُه: (عَضَلٍ والدَّيْش)، بفتحِ الدالِ وكسْرِها وسكونِ الياء. الجوهري: عضل بن الهون بن خُزَيمةَ أخو الديش وهما القارة، سُمُّوا قارة؛ لاجتماعهم والتفافهم.
قولُه: (الجاهلية الجهلاء)، الجوهري: ((الجهلاءُ)) توكيدٌ للأولِ يُشتَق له من اسمِه ما يؤكَّدُ به، كما يقال: ليلةٌ ليلاء وَيوْمٌ أيْوَمُ.
стр. 6614
والجاهلية الأخرى: ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. ويجوز أن تكون الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام، فكأن المعنى: ولا تحدثن بالتبرج جاهلية في الإسلام تتشبهن بها بأهل جاهلية الكفر، ويعضده ما روى: أنّ رسول الله ﷺ قال لأبى الدرداء رضى الله عنه: «إن فيك جاهلية»، قال جاهلية كفر أم إسلام؟ فقال: «بل جاهلية كفر». أمرهن أمرًا خاصًا بالصلاة والزكاة، ثم جاء به عامًا في جميع الطاعات؛ لأن هاتين الطاعتين البدنية والمالية هما أصل سائر الطاعات، من اعتنى بهما حق اعتنائه جرّتاه إلى ما وراءهما، ثم بين أنه إنما نهاهن، وأمرهن، ووعظهن؛ لئلا يقارف أهل بيت رسول الله ﷺ المآثم، وليتصوّنوا عنها بالتقوى. واستعار للذنوب الرجس،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (ولا تُحْدِثْنَ بالتبرُّج جاهليةً في الإسلام)، قال الزجاج: التبرُّج: إظهارُ ما يُستدعى به شهوة الرجل، والأشبَهُ أن يراد بالجاهلية الأولى مَنْ كان منذ زمنِ عيسى إلى زمن محمد ﷺ ؛ لأنهم هم الجاهلية المعروفون، وكانوا يتخذون البغايا الفواجر، وإنما قيل الأولى، لأن كلّ مُتقدمٍ ومُتقدّمةٍ أوّلُ وأُولى؛ أي: إنَّهم تقدموا أمةَ محمد ﷺ .
قولُه: (إن فيك جاهليةً)، قال أبو ذر: إني كنت سابَبْتُ رجلاً وكانت أُمّه أعجميةً، فَعيَّرتُه بأمِّه، فشكاني إلى رسول الله ﷺ فقال: ((يا أبا ذَرّ إنك امرؤ فيك جاهلية)) قال: ((إنَّهم إخوانكم فضلكم الله عليهم فمن لم يلائمكم فبيعوه ولا تُعذِّبوا خلق الله))، أخرجَه البخاريُّ ومسلم وأبو داود والترمذي.
النهاية: فيك جاهلية؛ أي: الحالةُ التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الدين والمفاخرة بالأنسابِ والتكبُّرِ والتجبُّرِ وغير ذلك.
قولُه: (لئلا يُقارِف)، الأساس: فلان يقترِفُ لعياله؛ يكتسبُ، واقترفَ الإثم، وقارفَ، وهو يقترف بكذا؛ يُتَّهم به، وهو مَقْروفٌ به.
стр. 6615
وللتقوى الطهر؛ لأنّ عرض المقترف للمقبحات يتلوّث بها ويتدنس، كما يتلوث بدنه بالأرجاس، وأما المحسنات. فالعرض معها نقى مصون كالثوب الطاهر. وفي هذه الاستعارة ما ينفر أولى الألباب عما كرهه الله لعباده ونهاهم عنه، ويرغبهم فيما رضيه لهم وأمرهم به. و (أَهْلَ الْبَيْتِ) نصب على النداء، أو على المدح. وفي هذا دليل بين على أنّ نساء النبي ﷺ من أهل بيته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (وفي هذه الاستعارة ما يُنفِّر أولى الألباب عمّا كرهه)، يريد: أن الغَرَضَ من أصل الاستعارة التنفيرُ والترغيب، فإنّ تشبيه الذنب بالرِّجْسِ مما يُتصَوَّرُ في نفسِ ذي اللُّبِّ ما يُوحِشُه ويُنفِّرُ طبعَه كما أن تشبيه التقوى بالطهارة مما يُرغِّبه ويُميلُ طبْعَه إليه. قال ابنُ الرومي في شأن العسل:
تقولُ هذا مُجاجُ النحلِ تمدَحُه … وإن تَعِبْ قُلْتَ ذا قَيءُ الزنابير
قال الزجاج: الرجسُ كلُّ مستنكرٍ ومُسْتَقذرٍ من مأكول أو عمل أو فاحشة.
قولُه: (وفي هذا دليلٌ بَيِّن على أنّ نساءَ النبي ﷺ من أهلِ بيته)، يُعَرِّضُ بالشيعة. قال القاضي: وتخصيصُ الشيعة أهلَ البيتِ بفاطمةَ وعليِّ وابنيهما ﵃؛ لما رُوِيَ أنه ﷺ خرجَ ذات غُدوةٍ وعليه مِرْطٌ مُرَحَّلٌ من شعرٍ أسودَ، فجلسَ فأتت فاطمةُ فأدخلَها فيه، ثم جاء علي فأدخَله فيه، ثم جاء الحسنُ والحسينُ فأدخلهما فيه، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، والاحتجاجُ بذلك على عِصْمتِهم وكونِ إجماعِهم حُجَّةً ضعيفٌ؛ لأن التخصيصَ بهم لا يناسِبُ ما قبل الآية وما بَعدَها، والحديثُ يقتضي أنّهم أهلُ البيت لا أن ليسَ غيرهم. وقال الزجاج: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ هنا يدلُّ على الرجالِ
стр. 6616
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والنساء لقوله: ﴿عَنكُمُ﴾ بالميم، ودليلُ إدخال النساء قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾.
وقلتُ: هذا الحديثُ أخرجَه مسلمٌ عن عائشة مع تغيير يسير، ورَوينا عن أم سلمةَ قالت: إن هذه الآيةَ نزلَتْ في بيتِها ﴿نَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قالت: وأنا جالسةٌ عند البابِ قلت: يا رسولَ الله ألسْتُ من أهلِ البيت؟ فقال: ((إنّك إلى خير، أنت من أزواج رسول الله))، وفي البيتِ رسولُ الله وعليٌّ وفاطمةُ والحسَنُ والحسينُ، فَجلَّلَهم بكساءٍ وقال: ((اللهمَّ هؤلاء أهلُ بَيْتي فأذهِبْ عنهم الرجْسَ وطَهِّرْهم تطهيرًا)) أخرَجه رَزينٌ، وأخرجه الترمذي، ولم يَزِدْ على: ((إنّك إلى خير)).
اعلمْ أنّ قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ كالاستئنافِ على سبيلِ التعليل للآياتِ السابقة من لَدُنْ قولهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، وفيها الحثُّ على مكارمِ الأخلاقِ والردعُ عن رذائِلها، فالواجبُ أن تُعَلَّلَ العِلّةُ بما يدل على التخلية والتحلية. ومن ثَمَّ قال: ((استعار للذنوبِ الرجسَ وللتقوى الطُّهر، لأنّ عِرْضَ المقترفِ للمُقَبّحاتِ يتلوّثُ بها كما يتلوّثُ بدنه بالأرْجاسِ، وأما المُحسَّنات فالعِرْضُ معها نقي كالثوب الطاهر))، شرعَ أولاً في التخييرِ بين الحياتَيْن: الدنيوية والأخروية، وفيه: أنّ راسَ الأرجاسِ محبَّةُ الدنيا، كما أنّ أساسَ الدينِ محبَّة الله ومحبَّة رسوله. وثانيًا في تفصيلِ ما يؤدي إليه المحبتان: المحبةُ الدنيوية تؤدِّي إلى الفاحشة، والأخروية تستدعي القنوت لله والطاعة للرسول. وإنما أخَّر ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ لتكون كالخاتمة التي تشتمل على التخلص إلى نوع آخر من الكلام.
стр. 6617
[(وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ الله وَالْحِكْمَةِ إِنَّ الله كانَ لَطِيفاً خَبِيراً)] ٣٤ [
ثم ذكرهن أنّ بيوتهن مهابط الوحى، وأمرهن أن لا ينسين ما يتلى فيها من الكتاب الجامع بين أمرين: هو آيات بينات يدل على صدق النبوّة؛ لأنه معجزة بنظمه، وهو حكمة وعلوم وشرائع. (إِنَّ الله كانَ لَطِيفاً خَبِيراً) حين علم ما ينفعكم ويصلحكم في دينكم فأنزله عليكم، أو علم من يصلح لنبوّته ومن يصلح لأن يكونوا أهل بيته، أو حيث جعل الكلام الواحد جامعًا بين الغرضين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال القاضي: الخاتمة تذكيرٌ بما أنعَم الله عليهنّ حيثُ جعَلهنَّ أهلَ بيتِ النبوة ومهبطَ الوحي وما شاهَدْنَ من بُرَحائه مما يوجب قوة الإيمان والحرص على الطاعة والإيثار بما كُلِّفْنَ به.
قولُه: (أو حيثُ جَعلَ الكلامَ الواحدَ)، عَطْفٌ على قوله: ((حين علِمَ ما ينفعكم))، فـ ((حين)) كـ ((حيث)) في إفادة التعليل، يعني: أن قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ تعليل لقوله: ﴿ايُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، والمرادُ بالمتلوِّ: القرآن؛ لأنّ المعنى: ما يُتلى من الكتاب الجامع بين أمرين؛ هو آيات بَيِّنات؛ وهو حكمة وعلوم، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣] قال المصنف: ((يعني: الجامعَ بين كونِه كثابًا مُنزّلاً وفرقانًا)) يعني: التوراة، كقولك: رأيت الليثَ والغيثَ، تريدُ: الرجل الجامع بين الجود والكرم.
ثُمَّ التعليلُ: إما راجعٌ إلى نفس المكنيِّ عنه-وهو القرآنُ- من غيرِ اعتبارِ ما كنى به من المعنَيين على نحو قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣]، يعني: السفينة،
стр. 6618
[(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ الله كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ الله لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)] ٣٥ [
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وحققنا القول فيه في ((الأنفال))، ويدل على هذا إفرادُ ضميرِ القرآنِ في قوله: ((لأنه معجزة))، وقوله: ((فأنزَلَه عليكم)) وهو لوجهَيْن: أحدهما: أن يكون المُعلَّلُ القرآن، من حيث كونُه نازلاً لمصالحِ الخلق ومنافعِهم وهو المرادُ من قولهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ حين علم ما ينفعُكم ويُصلحُكم من دينكم فأنزله عليكم.
وثانيهما: أن يكون مُعلَّلاً من حيثُ كونه نازلاً على حضرةِ الرسالة، وبيوتُهنَّ مهابطُه احترامًا لهن، وإليه الإشارة بقوله ((وعَلِمَ منْ يصلحُ لنبوته ومَنْ يصلح لأن يكون أهلَ بيته)).
وإما راجعٌ إليه باعتبار المعنيين، وهو المراد من قولِه: ((أو حيث جَعلَ الكلامَ الواحدَ- أي: القرآنَ- جامعًا بين الغرضَيْن)) أي: بين كونه معجزة وبين كونه مشتملاً على بَيانِ العلمِ والعمل المُعَبَّرِ بهما عن الحكمة، وهذا الوجه أحسَنُ طِباقًا وأجرى على قانونِ البلاغةِ لِما في العلّة والمُعلَّلِ من اللفِّ والنشرِ، فإن قولَه: ﴿لَطِيفًا﴾ نَشْرٌ لقوله: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ المعنيِّ بهما المعجزة، وقولَه: ﴿خَبِيرًا﴾ نشرٌ لقولِه: ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ واللطفُ فيه: أنّ شأنَ الإعجازِ يحتاج إلى لُطفِ إدراكٍ ودقّةِ نَظر كما قال صاحب ((المفتاح)): شأنُ الإعجازِ عَجيبٌ يدرك ولا يُمكنُ وصفه، فناسب صفة اللطف وأن تحقيقَ وضعِ الشرائعِ والأحكامِ يفتقرُ إلى حِكَم بليغة ولا يصل إلى كُنْهِ تلك الحكمة إلا علم العليم الخبير فناسب الخبير الحكمة، نحوه قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] والله أعلم.
стр. 6619
روي: أنّ أزواج النبي ﷺ قلن: يا رسول الله، ذكر الله الرجال في القرآن بخير، أفما فينا خير نذكر به؟ إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة. وقيل: السائلة أم سلمة.
وروى: أنه لما نزل في نساء النبي ﷺ ما نزل، قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء؟ فنزلت. والمسلم: الداخل في السلم بعد الحرب، المنقاد الذي لا يعاند، أو المفوّض أمره إلى الله، المتوكل عليه، من أسلم وجهه إلى الله. والمؤمن: المصدق بالله ورسوله وبما يجب أن يصدق به. والقانت: القائم بالطاعة الدائم عليها. والصادق: الذي يصدق في نيته وقوله وعمله. والصابر: الذي يصبر على الطاعات وعن المعاصي. والخاشع: المتواضع لله بقلبه وجوارحه. وقيل: الذي إذا صلى لم يعرف من عن يمينه وشماله. والمتصدق: الذي يزكى ماله، ولا يخل بالنوافل. وقيل: من تصدّق في أسبوع بدرهم فهو من المتصدّقين، ومن صام البيض من كل شهر فهو من الصائمين. والذاكر الله كثيرًا: من لا يكاد يخلو من ذكر الله بقلبه أو لسانه أو بهما، وقراءة القرآن، والاشتغال بالعلم من الذكر. وقال رسول الله ﷺ : «من استيقظ من نومه وأيقظ امرأته فصليا جميعًا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات»، والمعنى: والحافظاتها والذاكراته، فحذف؛ لأنّ الظاهر يدل عليه. فإن قلت: أى فرق بين العطفين، أعنى عطف الإناث على الذكور، وعطف الزوجين على الزوجين؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (رُوي أنّ أزواج النبي ﷺ ، الحديثُ من روايةِ الترمذي عن أم عُمارَة الأنصارية قالت: أتيتُ رسولَ الله ﷺ فقلتُ: ما أرى كلَّ شيءٍ إلا للرجال، وما أرى النساءُ يذكَرْنَ بشيءٍ، فنزلت الآية.
قولُه: (من اسيقظ من نومه)، الحديثُ رواه أبو داود وابنُ ماجَه عن أبي سعيدٍ وأبي هريرة مع تغيير يسير.
стр. 6620
قلت: العطف الأوّل نحو قوله تعالى: (ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً)] التحريم: ٥ [في أنهما جنسان مختلفان، إذا اشتركا في حكم لم يكن بد من توسيط العاطف بينهما. وأما العطف الثاني فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع، فكان معناه: إنّ الجامعين والجامعات لهذه الطاعات (أَعَدَّ الله لَهُمْ).
(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً)] ٣٦ [
خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة، فأبت وأبى أخوها عبد الله؛ فنزلت، فقال: رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه، وساق عنه إليها مهرها ستين درهمًا وخمارًا وملحفًة ودرعًا وإزارًا وخمسين مدًا من طعام وثلاثين صاعًا من تمر. وقيل: هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط، وهي أوّل من هاجر من النساء، وهبت نفسها للنبي ﷺ فقال: "قد قبلت"، وزوّجها زيدًا، فسخطت، هي وأخوها، وقالا: إنما أردنا رسول الله ﷺ ، فزوّجنا عبده! والمعنى: وما صح لرجل ولا امرأةٍ من المؤمنين (إِذا قَضَى الله وَرَسُولُهُ) أى: رسول الله، أو لأنّ قضاء رسول الله هو قضاء الله (أَمْراً) من الأمور؛ أن يختاروا من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (العطف الأول نحو قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥])، قال صاحب ((التقريب)): عطفُ الإناثِ على الذكور لاختلافهما ذاتًا، وعطفُ الزوجَيْن على الزوجَيْن لاختلافهما صفة. وقلت: لما كان الثاني على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأنهما ليسا جنسين مختلفَين كالأولِ قال بحرفِ الجمع ليؤذنَ بأنه مسلوبُ الدَّلالة على المغايرة. قال في قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]: ((ويجوزُ أن يكون الواو بمعنى: مع))، وقد بُيِّن معناه في مقامه.
قولُه: (أي: رسول الله)، يريدُ: قضى رسول الله صلى الله عليه، على هذا: ذِكْرُ الله تمهيدٌ للذكْرِ رسول الله ﷺ ، نحو أعجبني زيد وكرمُه. وفائدةُ هذه الطريقة قوةُ الاختصاص وأنه
следующие страницы →