← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ غني عنكم وعن شكركم، حميد ومستوجب للحمد لكثرة نعمة فإن لم تحمدوه أنتم بحمده غيركم ممن هو خير منكم، كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] فإن المرا بـ ﴿قَوْمًا﴾: الأنبياء والصحابة. وكقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] كأنه قيل: وإن تكفروا فإني غني عنكم وعن شكركم؛ لأن لي عبادًا مكرمين ما أرضى أن ينزل الكفر بساحتهم ويحل قريبًا من دارهم، يشكرون نعمتي ولا يكفرونها، ومع ذلك إن تشكروا وترجعوا عما أنتم فيه أرض الشكر لكم وأدخلكم في زمرة المرتضين من عبادي، فإني غفور شكور. وستقف إن شاء الله في سورة "الشورى" عند قوله تعالى: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ على كلام في تخصيص لفظ عباده بالمصطفين. انظر أيها المتأمل الناقد البصير بين التأويلين، واعجب بحصى عقول أهل السنة والجماعة، واقطع بأنهم هم المحدثون الملهمون، ومن مشكاة النبوة مقتبسون، وعلى آثار السلف الصالح مقتفون، ولأمثالهم هداة، وإلى دين الله دعاة، أيقال: غواة، اللهم غفرًا. وقال صاحب "الانتصاف": إن المصر على قلبه رين، وفي ميزان نظره غين، ولا يخفى أن وجود المشروط قبل الشرط ممتنع عقلًا ونقلًا، فإرادة الله الشكر مقدمة لوجوده منهم، فكيف يسوغ حمل الرضا على الإرادة وقد جعل في الآية شرطًا وجزاء، وجعل وقوع الشكر شرطًا والرضا جزاء؟ فيلزم تقدم الشكر على الإرادة. والزمخشري أحد من يقول: إذا كان الجزاء ماضيًا مخصًا لزمته الفاء، نحو: إن تكرمني فقد أكرمتك قبل، وقد عريت الآية عن الحرف المذكور على أنه لا بد من تأويل يصحح الشرطية، فإذا بطل حمل الرضا على الإرادة، وجب حمله على المجازاة على الشكر بالكرامة، أي: وإن تشكروا يجزكم عليه الجزاء المرضي عنه، والمجازاة مستقبلة بالنسبة إلى الشكر، ومثله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ أي: لا يجازي عليه جزاء الراضي للمرضي عليه، بل جزاء المغضوب عليه.

стр. 7212

هذا من العام الذي أريد به الخاص، وما أراد إلا عبادة الذين عناهم في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥]، يريد: المعصومين، كقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ [الإنسان: ٦]، تعالى الله عما يقول الظالمون. وقرئ: ﴿يَرْضَهُ﴾ بضم الهاء بوصل وبغير وصل، وبسكونها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هذا من العام الذي أريد به الخاص)، الراغب: البعد على ضربين: عبد للإيجاد والتسخير، وذلك يطلق على كل أحد، وإياه عنى بقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]. وعبد على طريق التخصيص، وذلك قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] فعلى هذا يصح إن قال: فلان ليس عبدًا لله، وإنه عبد الهوى وعبد الشهوة، ومنه الحديث: "تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم، وتعس عبد الخميصة". وقال: تخصيص إضافة العبد إلى الله في كثير من المواضع تنبيه على مدحه في كونه مطيعًا له منصرفًا عن أمره، وأنه غير معرج على غيره، ثم أضافه بنون الملوكية مبالغةً في الاختصاص، وكل إضافة إلى الله تعالى بهذا الوجه فللمبالغة. قوله: (وقرئ ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ بضم الهاء بوصل)، قال القاضي: قرأه ابن كثير ونافع في رواية، وأبو عمرو والكسائي بإشباع ضمة الهاء، وعن أبي عمرو ويعقوب إسكانها وهو لغة فيها. وقال الواحدي: منهم من أشبع الهاء حتى ألحق بها واوا؛ لأن ما قبلها متحركة فصار بمنزلة ضربه وله، ومنهم من حرك الهاء ولم يلحق بالواو؛ لأن أصله:

стр. 7213

[﴿وإذَا مَسَّ الإنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ٨] ﴿خَوَّلَهُ﴾: أعطاه. قال أبو النجم: أعطى فلم يبخل ولم يبخل .... كوم الذرى من خول المخول وفي حقيقته وجهان؛ أحدهما: جعله خائل مال، من قولهم: هو خائل مال، وخال ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يرضاه، والألف المحذوفة للجزم ليس يلزم حذفها فكانت كالباقية ومع بقاء الألف لا يجوز إثبات الواو. قوله: (أعطى فلم يبخل)، البيت. قبله في "المطلع": الحمد لله الوهوب المجزل ناقة كوماء: عظيمة السنام. والمخول: هو الله، يقال: خوله الله الشيء، أي: ملكه إياه. وقوله: "ولم يبخل" تأكيد، يقال: أبخلته، إذا وجدته بخيلا، وبخلته، نسبته إلى البخل، و "من خول" أي: من مال، وقيل: ما أعطى الله الإنسان من العبيد والنعم. قوله: (خائل) قال الجوهري: قد خلت المال أخوله، إذا أحسنت القيام عليه. يقال: هو خال مال وخائل وخولي مال، أي: حسن القيام عليه. والتخول: التعهد. وفي الحديث: "كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة". النهاية: قال أبو عمرو: الصواب أنه كان يتخولنا بالحال، أي: يطلب الحال التي ينشطون فيها للموعظة فيعطيهم فيها ولا يكثر عليهم فيملوا. وقال في "الفائق": وروي "يتخونهم"، أي: يتعهدهم. وقيل: يتخولهم، أي: يتأمل حالاتهم التي ينشطون فيها للموعظة.

стр. 7214

مال: إذا كان متعهدًا له حسن القيام به، ومنه ما روي عن رسول الله ﷺ : أنه كان يتخول أصحابه بالموعظة. والثاني: جعله يخول من خال يخول؛ إذا اختال وافتخر، وفي معناه قول العرب: إن الغني طويل الذيل مياس ﴿مَا كَانَ يَدْعُو إلَيْهِ﴾ أي: نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه. وقيل: نسي ربه الذي كان يتضرع إليه ويبتهل إليه، ﴿مَا﴾ بمعنى "من"، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣]. وقرئ: ﴿لِيُضِلَّ﴾ بفتح الياء وضمها، بمعنى: أن نتيجة جعله لله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ روينا عن البخاري ومسلم والترميذي، عن عبد الله "كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا"، في اختلاف، ولم يختلفوا في أنه "يتخولنا"، بالخاء المعجمة. قوله: (مياس)، الجوهري: الميس: التبختر. وقد ماس يميس ميسًا وميسانًا فهو مياس. وتميس مثله. قوله: و ﴿مَا﴾ بمعنى "من" كقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣])، وعن بعضهم: في هذا الوجه تكلف؛ لأنه لا يقال: دعا إليه بمعنى دعاه، كذلك "ما" بمعنى "من" لا حاجة إليه. قلت: لا يقول هذا من ذاق حسن موقع "ما" في موقع "من" لإرادة الوصيفة باقتضاء المقام، ولطف محل تضمين ﴿دَعَا﴾ معنى "تصرع وابتهل"، كأنه نسي الكاشف لضر المضطرين، والسميع لدعاء المضطهدين، والعليم بأحوال الملهوفين، الذي كان يتضرع إليه هذا الفخور المختال، ويبتهل إليه هذا المتكبر المياس، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣] أي: القادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى. قوله: (وقرئ: ﴿لِيُضِلَّ﴾) ابن كثير وأبو عمرو: بفتح الياء، والباقون: بضمها.

стр. 7215

أندادًا ضلاله عن سبيل الله، أو إضلاله. والنتيجة قد تكون غرضًا في الفعل، وقد تكون غير غرض. وقول: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ من باب الخذلان والتخلية، كأنه قيل له: إذ قد أبيت قبول ما أمرت به من الإيمان والطاعة، فمن حقك أن تؤمر به بعد ذلك، وتؤمر بتركه؛ مبالغةً في خذلانه وتخليته وشأنه؛ لأنه لا مبالغة في الخذلان أشد من أن يبعث على عكس ما أمر به، ونظيره في المعنى قوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: ١٩٧]. [﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ٩] قرئ: (أمن هو قانت) بالتخفيف على إدخال همزة الاستفهام على "من"، وبالتشديد على إدخال "أم" عليه. و "من" مبتدأ خبره محذوف، وتقديره: أمن هو قانت كغيره، وإنما حذف؛ لدلالة الكلام عليه؛ وهو جري ذكر الكافر قبله، وقوله بعده: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والنتيجة قد تكون غرضًا في الفعل وقد تكون غير غرض)، أي: اللام في ﴿لِيُضِلَّ﴾ كاللام في قوله ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. قوله: (قرئ: "أمن هو قانت" بالتخفبف)، نافع وحمزة، والباقون: بالتشديد. قوله: (و "من" مبتدأ خبره محذوف، تقديره: أمن هو قانت كغيره)، هذا على التقديرين، أما على التخفيف فيقال: أمن هو قانت كغيره، وعلى التشديد "أم" منقطعة، والتقدير: بل أم من هو قانت كغيره، فعلى التقديرين لا بد من الخبر، وهذا مأخوذ من قول الزجاج: أم من هو قانت كهذا الذي ذكرناه ممن جعل له ندًا. وقيل: أمن هو قانت كغيره، أي: أمن هو مطيع كمن هو عاص.

стр. 7216

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾. وقيل: معناه: أمن هو قانت أفضل أم من هو كافر؟ و: أهذا أفضل أم من هو قانت؟ على الاستفهام المتصل. والقانت: القائم بما يجب عليه من الطاعة، ومنه قوله ﵇: "أفضل الصلاة طول القنوت"؛ وهو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: مراد الزجاج بالعاصي هو الذي ذكره قبل في تقدير المتصلة: من جعل له ندًا، إشارة إلى أن المضرب عنه بـ"بل" الكلام المذكور فيه ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ وهو الآية السابقة، أي: دع ذلك الذم وسلهم: أمن هو مطيع كمن هو عاص؟ وهو من باب إرخاء العنان. قوله: (وقيل: معناه: أمن هو قانت)، هذا على أن تكون الهمزة و "أم" معادلتين، ولا بد من تقدير إحدى المعادلتين، فعلى التخفيف الاستفهام مذكور فيقدر "أم" مذكورة فيقدر. ونظيره، أي: نظير قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ فتقدر الهمزة، وإليه الإشارة بقوله: "أهذا أفضل أم من هو قانت؟ ". هذا مأخوذ من قول أبي علي: ومن قرأ "أمن" فإن الجملة التي عادلتها "أم" قد حذفت، المعنى: الجاحد الكافر بربه خير أمن هو قانت؟ و "من" موصولة، ودل على الجملة المحذوفة المعادلة لـ"أم" ما جاء بعده من قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ لأن التسوية لا تكون إلا بين اثنين، ومثل هذا الحذف قوله تعالى: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] فجمع بين قول أبي علي والزجاج. قوله: (أفضل الصلاة طول القنوت)، الحديث من رواية مسلم عن جابر: "أفضل الصلاة طول القنوت". ومن رواية الترمذي عنه أيضًا: "قيل: يا رسول الله أي الصلاة أفضل؟ فقال: طول القنوت".

стр. 7217

القيام فيها، ومنه: القنوت في الوتر؛ لأنه دعاء المصلي قائمًا. ﴿سَاجِدًا﴾: حال. وقرئ: (ساجد وقائم) على أنه خبر بعد خبر، والواو للجمع بين الصفتين. وقرئ: (ويحذر عذاب الآخرة). وأراد بـ ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾: العاملين من علماء الديانة، كأنه جعل من لا يعمل غير عالم. وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم، ثم لا يقنتون، ويفتنون فيها، ثم يفتنون بالدنيا، فهم عند الله جهلة؛ حيث جعل القانتين هم العلماء، ويجوز أن يرد على سبيل التشبيه، أي: كما لا يستوي العاملون والجاهلون، كذلك لا يستوي القانتون والعاصون. وقيل: نزلت في عمار بن ياسر وأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النهاية: القنوت يرد لمعان متعددة كالطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادة والقيام والسكوت، فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه. قوله: (وأراد بـ ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾: العاملين)، متصل بقوله: "وقيل: معناه أمن هو قانت"، أي: قال القائل: معناه كذا، وأراد بالذين يعلمون العاملين، فيكون ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ وصفًا للمظهر موضع الضمير للإشعار بالعلية، ويفهم منه أن غير العالمين الجاهلون، وإليه أومأ بقوله: "فهم عند الله جهلة"، حيث جعل القانتين هم العلماء، كأنه قيل: أمن هو قانت أفضل أمن هو قانت؟ وهل يستويان، أي: بينهما بون بعيد، فالجملة الثانية بيان للفرق، ولهذا قال: "فيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقتنون"، وأما قوله: "ويجوز أن يرد على سبيل التشبيه" فهو عطف على قوله: "وأراد بالذين يعلمون: العاملين"، أي: دل على المحذوف جري ذكر الكافر قبله وجري قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾: بعده وأراد بالذين يعلمون العالمين؛ لأنه كالتقدير لقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ لأن العالم الحقيقي هو العامل. ويجوز أن يرد على سبيل التشبيه فيكون القانت غيرًا والعالم غيرًا.

стр. 7218

وعن الحسن: أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو، فقال: هذا تمن، وإنما الرجاء قوله، فتلا هذه الآية. وقرئ: (إنما يذكر) بالإدغام. [﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١٠] ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ متعلق بـ ﴿أَحْسَنُوا﴾ لا بـ ﴿حَسَنَةٌ﴾، معناه: الذين أحسنوا في هذه الدنيا فلهم حسنة في الآخرة؛ وهي دخول الجنة، أي: حسنة غير مكتنهة بالوصف. وقد علقه السدي بـ ﴿حَسَنَةٌ﴾، ففسر الحسنة بالصحة والعافية. فإن قلت: إذا علق الظرف بـ ﴿أَحْسَنُوا﴾ فإعرابه ظاهر، فما معنى تعليقه بـ ﴿حَسَنَةٌ﴾، ولا يصح أن يقع صفة لها؛ لتقدمه؟ قلت: هو صفة لها إذا تأخر، فإذا تقدم كان بيانًا لمكانها، فلم يخل التقدم بالتعليق، وإن لم يكن التعلق وصفًا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعن الحسن: أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو، فقال: هذا تمن، وإنما الرجاء هذه الآية)، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ الآية. الانتصاف: كلام الحسن صحيح أراد به الزمخشري باطلًا، فمراد الحسن أن حق المصر أن يغلب خوفه رجاءه، ولم يرد إقناطه من رحمة الله، ويظهر من حال الزمخشري واعتقاده أن هذا العاصي لا يدخل الجنة فلا وجه لرجائه، فأورد قول الحسن رمزًا لهذه العقيدة، فلا ينفع القانت قنوته إذا أودى به قنوطه، يريد: ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. قوله: (فلم يخل التقدم بالتعليق)، يعني: ﴿حَسَنَةٌ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ متعلق بـ ﴿حَسَنَةٌ﴾ ولو كان متأخرًا عنها لكان وصفا، وحين تقدم كان بيانًا لمكانها؛ لأن التقدم لم يخل بالتعلق، كما أن الجملة إذا كانت صفة لنكره- وهي إما فاعل أو مفعول- فإذا تقدمت صارت حالًا، وهذه وإن لم تكن وصفًا لتقدمها، ولا حالًا

стр. 7219

ومعنى "أرض الله واسعة": أن لا عذر للمفرطين في الإحسان البتة؛ حتى إن اعتلوا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لفقدان العامل، لم يخل التقدم بتعلقها بالحسنة فيكون بيانًا لمكانها أي: مكان الحسنة على نحو ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] كأن قائلًا لما سمع ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ سأل: أين هي؟ قيل: في هذه الدنيا. قوله: (ومعنى "أرض الله واسعة")، المبتدأ، والخبر: "أن لا عذر"، و "حتى" غاية "أن لا عذر"، وهي التي تدخل على الجملة، والجملة هي الشرطية، أعني: "إن اعتلوا" مع جزائه، وهو "قيل لهم: فإن أرض الله واسعة" إلى آخره. فإن قلت: من أين أفاد ﴿أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ﴾ هذه المعاني المتكاثرة؟ قلت: من حيث اتصاله بالكلام السابق، وذلك أن جملة قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ مع ما اتصل به من قوله: ﴿أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ﴾ مستأنفة تعليل للأمر بالتقوى، إنما قيد الفعل بالظرف وهو ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ للإشعار بأن الدنيا مكان الإحسان ومزرعة لحرث الآخرة، فأريد تتميم ذلك المعنى فقيل: ﴿أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ﴾ لئلا يعتذر العامل لتفريطه في الأعمال بالاعتلال بالأوطان، وأنه لم يكن متمكنًا من التوفر على الإحسان في أرضه كأنه قيل لهم: اتقوا ربكم فيما تأتون به وتذرون، وتيقنوا بحصول أمرين: جزاء الإحسان وفسحة المكان فتهاجروا وتحولوا إن لم تتمكنوا من التقوى في أرضكم، ثم اتجه لهم أن يسألوا ويقولوا: فماذا يكون بعد تلك الحسنة لنا من الأجر حينئذ؟ فأجيبوا ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يعني: أن الله تعالى وفي أجر من سبق عليكم من الأنبياء والصالحين بصبرهم على مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحسانًا إلى إحسانهم وطاعةً إلى طاعتهم، فلكم الأجر وتوفيته إذا اقتفيتم أثرهم واقتديتم بهداهم، هذا التأويل إنما يحسن إذا علق الظرف بـ ﴿أَحْسَنُوا﴾ لا بـ ﴿حَسَنَةٌ﴾ ومن ثم كان الوجه الثاني مرجوحًا لا لما قاله مكي، والأول أحسن؛ لأن الدنيا ليست بدار جزاء؛ لأن المعنى حينئذ: لهم في هذه الدنيا الصحة والعافية، وفي الآخرة يوفون أجورهم كاملة. وعلى الأول المعنى: أن لهم وراء دخول الجنة مالا عين رأت

стр. 7220

بأوطانهم وبلادهم، وأنهم لا يتمكنون فيها من التوفر على الإحسان، وصرف الهمم إليه قيل لهم: فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة، فلا تجثموا مع العجز، وتحولوا إلى بلاد أخر، واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم؛ ليزدادوا إحسانًا إلى إحسانهم وطاعةً إلى طاعتهم. وقيل: هو الذين كانوا في بلد المشركين فأمروا بالمهاجرة عنه، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]. وقيل: هي أرض الجنة. و ﴿الصَّابِرُونَ﴾: الذين صبروا على مفارقة أوطانهم وعشائرهم، وعلى غيرها؛ من تجرع الغصص، واحتمال البلايا في طاعة الله وازدياد الخير. ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: لا يحاسبون عليه. وقيل: بغير مكيال وغير ميزان يغرف لهم غرفًا، وهو تمثيل للتكثير. وعن ابن عباس ﵄: لا يهتدي إليه حساب الحساب ولا يعرف. وعن النبي ﷺ : "ينصب الله الموازين يوم القيامة، فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولا أذن سمعت، فوضع ﴿الصَّابِرُونَ﴾ موضع الضمير للغلبة، وهاهنا أيضًا نكتة سرية وهي أن اسم الإشارة في قوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ كما هو في قوله: هذا أبو الصقر فردًا في محاسنه لا كما في قوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ للإشعار بأن الدار الدنيا نعم الدار إن جعلت مكانًا للعمل وحرثًا للآخرة. قوله: (لا يهتدي إليه حساب الحساب)، مثال لقوله: "لا يحاسبون عليه"، أي: لا حساب ولا اهتداء إليه. وقوله: "وعن النبي ﷺ : ينصب الله الموازين" الحديث: مثال لقوله: "بغير مكيال وغير ميزان"، فإنه لما قال أولًا: "يغرف لهم غرفًا" جاء بقوله: "ويصب عليهم الأجر صبًا"، فتطابقا. وحاصل معنى الآية: ما يوفى الصابرون أجرهم إلا بغير حساب؛ لأن الحصر في ﴿إِنَّمَا﴾ هو في القيد الأخير؛ لأنه فرغ ﴿مَا﴾ و ﴿إِلَّا﴾ وفيه معنيان: أحدهما: أنوفيه معنيان: أحدهما: أن

стр. 7221

ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل". [﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ * وأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المُسْلِمِينَ * قُلْ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ﴾ ١١ - ١٥] ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ﴾ بإخلاص الدين ﴿وأُمِرْتُ﴾ بذلك ﴿لِـ﴾ أجل أن ﴿أَكُونَ أَوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ أي: مقدمهم وسابقهم في الدنيا والآخرة، ولمعنى: أن الإخلاص له السبقة في الدين، فمن أخلص كان سابقًا. فإن قلت: كيف عطف ﴿أُمِرْتُ﴾ على ﴿أُمِرْتُ﴾ وهما واحد؟ قلت: ليسا بواحد؛ لاختلاف جهتيهما؛ وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء، والأمر به ليحرز القائم به قصب السبق في الدين شيء، وإذا اختلف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حكم الغير بخلافه، وعليه ظاهر الحديث الذي أورده. المعنى: من جمع بين الصبر والصلاة والصدقة والحج لا يكون أجره كأجر من أفرد تلك الطاعات؛ لأن ذلك الصبر لا يعتد به إذا أتى به مفردًا. والثاني: أن لا يكون أجر صبر هؤلاء كأجر صلاتهم وصدقتهم وحجهم، فالمراد بأجرهم على الأول ما ينسب إليهم، وعلى الثاني أجر صبرهم، ودلالة الآية عل معنى الحديث من حيث تخصيص وصف الصابرين وترتب الثواب عليه نحو: "في سائمة الغنم زكاة" ودلالتها على المعنى الثاني من أداة الحصر، والله أعلم. قوله: (وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء)، يعنى: إذا كرر المعنى ليناط به معنى زائد كان المجموع غير المفرد، فالتقدير: أمرت بإخلاص الدين وأمرت بذلك؛ لأن أكون

стр. 7222

وجها الشيء وصفتاه تنزل بذلك منزلة شيئين مختلفين، ولك أن تجعل اللام مزيدةً مثلها في: أردت لأن أفعل، ولا تزاد إلا مع"أن" خاصة دون الاسم الصريح، كأنها زيدت عوضًا من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامه، كما عوض السين في"أسطاع" عوضًا من ترك الأصل الذي مو"أطوع"، والدليل على هذا الوجه: مجيئه بغير لام في قوله: ﴿وَاُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢]، ﴿وَاُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٤]. ﴿وَاُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من السابقين. وفائدته التنبيه على أن السبق المعتبر ليس بتقدم الزمان بل بالتقدم بالقدم، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١] قال القاضي: والعطف لمغايرة الثاني الأول بتقييده بالعلة والأشعار بأن العبادة المقرونه بالإخلاص وإن اقتضت لذاتها أن تؤمر بها فهي أيضًا تقتضيه لما يلزم من السبقة في الدين. وقوله: "ولك أن تجعل اللام مزيدة" عطف على قوله: "وأمرت بذلك لأجل أن أكون"، يعني: أن اللام إما للتعليل أو مزيدة، وكان يلزم على الأول تقدير المأمور به المستلزم للتكرير، وأن يقال: وأمرت بذلك، فسأل عنه وأجاب، ثم شرع في بيان أن اللام مزيدة؛ لأن ﴿أَكُونَ أَوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ هو المأمور به، واستشهد بأمثاله من قوله: ﴿أَنْ َكُونَ أَوَّلَ المُسْلِمِين﴾ وغيره. قوله: (من ترك الأصل الذي هو أطوع)، إلى"أطاع"، روي عن المصنف أنه قال: إن"أطاع" أضله"أطوع"، فحين غيروا الأصل عوضوا من تغييره زيادة السين، ونحوه زيادة الهاء في"أهراق" وأصله"أراق". وقيل: الأصل في الآية أن يكون المفعول به اسمًا صريحًا، فإذا أتى بدله أن مع الفعل فقد عدل عن الأصل إلى غيره. قال صاحب" الإنصاف": قوله: إنها لا تزاد إلا مع"أن"، ليس بصحيح، فمن مسائلها: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، و ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، و ﴿وَاُمِرْتُ لِأُسْلِمَ﴾، فلو اقتصر على أنها لا تزاد مع الاسم الصريح لكان أصح.

стр. 7223

وفي معناه أوجه: أن أكون أول من أسلم في زماني ومن قومي؛ لأنه أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها. وأن أكون أول الذين دعوتهم إلى الإسلام إسلامًا، وأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره؛ لأكون مقتدى بي في قولي وفعلي جميعًا، ولا تكون صفتي صفة الملوك الذين يأمرون بما لا يفعلون، وأن أفعل ما أستحق به الأولية من أعمال السابقين؛ دلالة على السبب بالمسبب، يعني: أن الله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفي معناه أوجه)، أي: في معنى الأولية وجوه أربعة، ومدار الوجوه على وجهين: أحدهما: السبق بحسب الزمان. وثانيهما: بحسب المعنى. والوجه الأول على وجوه: أحدها: أن يراد بالأولية أول المخالفين لغير دين الإسلام الدافعين لما يضاد الإيمان، قال تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤] فإن دفع نقيض الشيء إثبات له، كقول المنافقين: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] وهو من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤]. وثانيها: أن يراد بالأولية أول الموافقين والمدعوين إلى الإسلام وإليه الإشارة بقوله: "أول الذين دعوتهم إلى الإسلام إسلامًا"، والداعي إلى الشيء ينبغي أن يكون متحليًا به. وثالثها: أن يراد بالسبق السبق بحسب الدعوة، فإن الأفضل أن من يدعو الغير إلى خلق كريم أن يدعو نفسه إليه أولًا، ويتخلق به حتى يؤثر في الغير سنة الأنبياء والصالحين لا الملوك والمتجبرين، والفرق بين هذا الوجه والوجه السابق أن الأول مطلق وهذا مقيد. الانتصاف: هذا الوجه أحسن الوجوه. والوجه الثاني: أن يراد بالسبق السبق بالقدم والأعمال الصالحة، وهو المراد من قوله: "وأن أفعل ما أستحق به الأولية" كقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]، وهذا الوجه أوفق للتأليف على ما سبق. فقوله: "إسلامًا" الظاهر أنه تمييز وبيان لما أبهم في الأولية. قوله: (دلالة على السبب بالمسبب)، يعني: أطلق التقدم في الإسلام وأراد الأعمال

стр. 7224

أمرني أن أخلص له الدين من الشرك والرياء وكل شوب، بدليل العقل والوحي، فإن عصيت ربي بمخالفة الدليلين، استوجبت عذابه، فلا أعصيه ولا أتابع أمركم، وذلك حين دعوه إلى دين آبائه. فإن قلت: ما معنى التكرير في قوله: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ وقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾ قلت: ليس بتكرير؛ لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بإحداث العبادة والإخلاص. والثاني: إخبار بأنه يختص الله وحده دون غيره بعبادته مخلصًا له دينه؛ ولدلالته على ذلك قدم المعبود على فعل العبادة وأخره في الأول، فالكلام أولًا واقع في الفعل نفسه، وإيجاده، وثانيًا فيمن يفعل الفعل لأجله؛ ولذلك رتب عليه قوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ﴾، والمراد بهذا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الصالحة؛ لأن الأعمال سبب في السبق، على أن من لم يأت من المؤمنين بالأعمال حاصل في منزلة بين المنزلتين عندهم، وعند المحدثين والسلف الصالح هو من إطلاق الكل على البعض؛ لأن الأعمال ركن من ركني الإسلام. قوله: (فإن عصيت ربي بمخالفة الدليلين)، هذا بيان اتصال هذه الآية بما سبق، يعني: ما ذكرت من الأمر بالإخلاص في الدين والتبري من الشرك والرياء هو ما عرفته بالدليلين، أي: العقل والوحي. قوله: (ليس بتكرير)، وتلخيص الجواب: أن الأول: إخبار عن كونه كان مأمورًا بإيجاد الإخلاص. والثاني: إخبار عن أنه امتثل لذلك الأمر وأوجد المأمور به، ولذلك قدم المفعول على الفعل، وقد تقرر عند أصحاب المعاني أنهم إذا قدموا على الفعل معموله آذنوا بتقرير الفعل والترديد في المعمول، كأنهم قالوا له: اعبد ما نعبد لنعبد ما تعبد، كما قال في ﴿الْكَافِرُونَ﴾ يا محمد هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك، تعبد إلهنا سنةً ونعبد إلهك سنة، فأجاب هاهنا بما أجاب هناك بقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ﴾، ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم﴾، فهو بين القصر الإفرادي، وبهذا سقط قول ابن الحاجب والتمسك بمثل ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾ ضعيف؛ لأنه جاء ﴿فَاعْبُدِ اللهَ﴾ و ﴿اعْبُدُوا اللهَ﴾.

стр. 7225

الأمر الوارد على وجه التخيير: المبالغة في الخذلان والتخلية، على ما حققت فيه القول مرتين. ﴿قُلْ إِنَّ﴾ الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه وأسبابه: هم ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ لوقوعها في هلكة لا هلكة بعدها، ﴿وَ﴾ خسروا ﴿أَهْلِيهِمْ﴾؛ لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابًا لا رجوع بعده إليهم. وقيل: وخسروهم؛ لأنهم لم يدخلوا مدخل المؤمنين الذين لهم أهل في الجنة، يعني: وخسروا أهليهم الذين كانوا يكونون لهم لو آمنوا، ولقد وصف خسرانهم بغاية الفظاعة في قوله: ﴿أّلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾؛ حيث استأنف الجملة وصدرها بحرف التنبيه، ووسط الفصل بين المبتدإ والخبر، وعرف الخسران، ونعته بالمبين. [﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ ١٦] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على ما حققت فيه القول مرتين)، أحدهما: في هذه السورة في قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾، وثانيهما في قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. قوله: (﴿قُلْ إِنَّ﴾ الكاملين في الخسران)، هذا من إفادة تعريف الجنس، نحو ﴿ذّلِكَ الْكِتَابُ﴾ بالبقرة: ٢]، وحاتم الجواد. وقوله: "الجامعين لوجوهه" بيان له. قال في قوله: هو الرجل، أي: الكامل في الرجولية الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال، يعني: إنما يطلق اسم الجنس على فرد من أفراده إذا اجتمع فيه الخصائل المعتبرة في ذلك، فكأنه لذلك الجنس كله. وقوله: "هم الذين خسروا" إشارة إلى ما يعطيه التركيب من معنى الاختصاص، وفي إعادة ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ في الخبر بعد ذكر ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ مبالغة أخرى. قوله: (وقيل: وخسروهم؛ لأنهم لم يدخلوا مدخل المؤمنين)، وعلى هذا المراد بالأهل: ما يعد الأهل في الجنة من الحور والغلمان وغيرهم، وفيه تتميم، كأنه قيل: خسروا رأس المال والربح. وقوله: ﴿أَلَا ذّلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ تذييل، ولهذا قال: "ولقد وصف خسرانهم بغاية الفظاعة".

стр. 7226

﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ﴾ أطباق من النار هي ﴿ظُلَلٌ﴾ لآخرين، ﴿ذّلِكَ﴾ العذاب هو الذي يتوعد ﴿اللهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ ويخوفهم؛ ليجتنبوا ما يوقعهم فيه. ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي، وهذه عظة من الله تعالى ونصيحة بالغة. وقرئ: (يا عبادي). [﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وأَنَابُوا إلَى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرَى فَبِشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ١٧ - ١٨] ﴿الطَّاغُوتَ﴾: فعلوت؛ من الطغيان، كالملكوت والرحموت، إلا أن فيها قلبًا بتقديم اللام على العين، أطلقت على الشيطان أو الشياطين؛ لكونها مصدرًا وفيها مبالغات؛ وهي التسمية بالمصدر، كأن عين الشيطان ظغيان، وأن البناء بناء مبالغة؛ فإن الرحموت: الرحمة الواسعة، والملكوت: الملك المبسوط؛ والقلب وهو للاختصاص؛ إذ لا تطلق ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هي ﴿ظُلَلٌ﴾ لآخرين)، يريد أن ظللًا إنما يكون من فوق، فلما خصت بقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ نبه على الإدماج. وأن طبقة هؤلاء المشركين ظلة لآخرين وهم المنافقون؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] و ﴿مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ إما عطف جملة على ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ و ﴿ظُلَلٌ﴾ على ﴿ظُلَلٌ﴾ أو يقدر ﴿لَهُمْ﴾ فيكون عطف جملة على جملة؛ لأن ﴿لَهثمْ﴾ خبر و ﴿ظُلَلٌ﴾ مبتدأ و ﴿مِنَ النَّارِ﴾ صفة و ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يجوز أن يكون حالًا من ﴿ظُلَلٌ﴾ أو متعلقًا بالخبر ﴿وَأَهْلِيهِمْ﴾ ظلل كائنة من فوقهم. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ العذاب هو الذي يتوعد ﴿اللهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾)، هذا تصحيح لمعنى ﴿يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ وأنه خبر لذلك، والمشار إليه ما سبق. قوله: (والقلب)، أي: ومن المبالغات القلب، وحكمه حكم أسماء الأجناس إذا غلب على إحدى مسمياتها بأن تجعل مع الألف واللام علمًا له، فإن المصدر كما قال "فعلوت" من "الطغيان" يطلق على من طغى وتجاوز فيه الحد، ثم قلب وغلب على الشيطان، وإليه

стр. 7227

على غير الشيطان، والمراد بما ها هنا الجمع. وقرئ: (الطواغيت). ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾: بدل من ﴿الطَّاغُوتِ﴾ بدل الاشتمال. ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾: هي البشارة بالثواب، كقوله تعالى: ﴿لَهُمث الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، الله يبشرهم بذلك في وحيه على ألسنة رسله، وتتلقاهم الملائكة عند حضور الموت مبشرين، وحين يحشرون، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ [الحديد: ١٢]. وأراد بعباده ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾: الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم، وإنما أراد بهم أن يكونوا نقادًا في الدين يميزون بين الحسن والأحسن والفاصل والأفضل، فإذا اعترضهم أمران واجب وندب: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإشارة بقوله: "وهو للاختصاص". قوله: (وقرئ: "الطواغيت")، قال ابن جني: قرأها الحسن: ﴿الطَّاغُوتِ﴾ مقلوب، ووزنه "فلعوت" من: طغيت، وقالوا أيضًا: طغوت. وقولهم: "طغيان" دليل على أن اللام ياء فاصلة، إذن "طغيوت" مصدر كالرغبوت والرهبوت، ثم قدم اللام على العين فصارت "طيغوت" ثم قلبت الياء لتحركها وانفتاح ما قلبها الفاء فصار "طاغوت"، وكان القياس إذا كسر أن يقال: "طياغيت" إلا أنه قيل: "طواغيت" على لغة من قال: "طغوت". قوله: (وأراد بعباده ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾: الذين اجتنبوا لا غيرهم)، يعني: لا يجوز أن يراد غيرهم؛ لأن قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ مترتب على جملة قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾ إلى قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ على معنى إذا كان لهم البشرى فبشرهم، فأقيم المظهر موضع المضمر من غير لفظه السابق لتكرير استحقاق البشارة، أحدهما: الترتيب، والآخر: تخصيص الذكر، ولو ترك إقامة المظهر موضع المضمر وقيل: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ لم ينبه على كونهم نقادًا مميزين مع الاجتناب والإنابة.

стр. 7228

اختاروا الواجب، وكذلك المباح والندب، حراصًا على ما هو أقرب عند الله وأكثر ثوابًا ويدخل تحته المذاهب واختيار أثبتها على السبك، وأقواها عند السبر، وأبينها دليلًا أو أمارة، وأن لا تكون في مذهبك كما قال القائل: ولا تكن مثل غير قيد فانقادا يريد المقلد. وقيل: يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. وقيل: يستمعون أوامر الله فيتبعون أحسنها، نحو القصاص والعفو، والانتصار والإغضاء، والإبداء والإخفاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. وعن ابن عباس: هو الرجل يجلس مع القوم فيسمع الحديث فيه محاسن ومساو، فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه. ومن الوقفة من يقف على: (فبشر عبادي)، ويبتدئ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ﴾، ويرفعه على الابتداء، وخبره ﴿أُولَئِكَ﴾. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا تكن مثل عير قيد فانقادا)، أوله: شمر وكن في أمور الدين مجتهدًا أي: لا تكن في مذهبك مقلدًا واختر أقوى المذاهب. الانتصاف: ملأ كتابه من الاعتزال، وهو يظن أه قد أجاد فلا مطمع في رجوعه عن تقليده ونسأل الله العصمة. قوله: (ومن الوقفة من يقف)، وفي "التيسير": قرأ أبو شعيب: "فبشر عبادي الذين" بياء مفتوحة في الوصل، ساكنة في الوقف. وقال أبو حمدون وغيره عن اليزيدي: مفتوحة في الوصل، محذوفة في الوقف. وهو عند قياس قول أبي عمرو، وفي اتباع المرسوم عند الوقف. والباقون يحذفونها في الحالين. وفي "المرشد": إن جعلت ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ صفةً لـ ﴿عِبَادِي﴾ لم تفصل بينهما ووقفت على قوله: ﴿أَحْسَنَهُ﴾ ثم تبتدئ ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ،

стр. 7229

[﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾ ١٩] أصل الكلام: أمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه، جملة شرطية دخل عليها همزة الإنكار، والفاء فاء الجزاء، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف يدل عليه الخطاب، تقديره: أأنت مالك أمرهم، فمن حق عليه العذاب فأنت تنقيذه؟ والهمزة الثانية هي الأولى، كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد، ووضع ﴿مَن فِي النَّارِ﴾ موضع الضمير، فالآية- على هذا- جملة واحدة. ووجه آخر؛ وهو أن تكون الآية جملتين: أفمن حق عليه العذاب فأنت تخلصه؟ أفأنت تنقذ من النار؟ وإنما جاز حذف: فأنت تخلصه؛ لأن ﴿أَفَأَنتَ تُنقِذُ﴾ يدل عليه. نزل استحقاقهم العذاب- وهم في الدنيا- منزلة دخولهم النار، حتى نزل اجتهاد رسول الله ﷺ وكده نفسه في دعائهم إلى الإيمان منزلة إنقاذهم من النار. وقوله: ﴿أَفَأَنتَ تُنقِذُ﴾ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وخبره: ﴿الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ﴾. وإن جعلته مبتدأ كان الوقف على ﴿عِبَادِ﴾ تامًا، وتبتدئ ﴿الَّذِينَ﴾ على أنه مبتدأ، وخبره: ﴿الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ﴾، وعلى الوجهين: الوقف عند ﴿هَدَاهُمُ اللهُ﴾ جائز. وقلت: من وقف على ﴿عِبَادِي﴾ جعل موقع السؤال عنده، فيكون الاستئناف بإعادة صفة من استؤنف عنه الحديث، وقد مضى الفرق في أول البقرة. قوله: (والهمزة الثانية هي الأولى، كررت للتوكيد)، قال الزجاج: ﴿أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾ فيه معنى الجزاء، والهمزة في ﴿أَفَأَنتَ﴾ جاءت مؤكدةً معادةً لما طال الكلام؛ لأنه لا يصلح أن تأتي بهمزة الاستفهام في الاسم والأخرى في الخبر، والمعنى: أفمن حق عليه العذاب أفأنت تنقذه؟ قوله: (نزل استحقاقهم العذاب وهم في الدنيا منزلة دخولهم النار، حتى نزل اجتهاد رسول الله ﷺ … في دعائهم إلى الإيمان منزلة إنقاذهم من النار)، تلخيصه: أن أصل الكلام:

стр. 7230

يفيد أن الله تعالى هو الذي يقدر على الإنقاذ من النار وحده، لا يقدر على ذلك أحد غيره، فكما لا تقدر أنت أن تنقذ الداخل في النار من النار، لا تقدر أن تخلصه مما هو فيه من استحقاق العذاب بتحصيل الإيمان فيه. [﴿َكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعَادَ﴾ ٢٠] ﴿غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾: علالي بعضها فوق بعض. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿مَّبْنِيَّةٌ﴾؟ قلت: معناه، والله أعلم: أنها بنيت بناء المنازل التي على الأرض وسوت تسويتها. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ كما تجري تحت المنازل، من غير تفاوت بين العلو والسفل. ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد؛ لأن قوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ في معنى: وعدهم الله ذلك. [﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أفأنت تهدي من هو منغمس في الضلال؟ فوضع النار موضع الضلال وضعًا للمسبب موضع السبب لقوة أمره، ثم عقب المجاز بما يناسبه من قوله: ﴿تُنْقِذُ﴾ بدل ﴿تَهْدِي﴾ كما يعقب الاستعارة بالترشيح؛ لأن الإنقاذ أنسب لمن هو في النار من الهداية، وذلك لشدة حرصه صلوات الله عليه على إيمانهم والمبالغة في اجتهاده. قوله: (يفيد أن الله تعالى هو الذي يقدر على الإنقاذ)، إلى آخره. أراد أن تقديم الفاعل المعنوي على الفعل وإيلاءه همزة الإنكار يدل على أن الكلام في الفاعل لا في الفعل، أي: لست أنت الفاعل لهذا الفعل بل فاعله غيرك وهو الله وحده. قوله: (ما معنى قوله: ﴿مَّبْنِيَّةٌ﴾؟ )، يعني: وصف الغرف بالمبنية، والمتعارف أنها من أوصاف التحتانية لا العلالي، وخلاصة الجواب: أن غرف الجنة على خلاف ما في الدنيا، فيكون بناؤها بناء المنازل التي على الأرض وسويت بتسويتها، تجري من تحتها الأنهار كما تجري من تحت المنازل.

стр. 7231

مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ٢١] ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: هو المطر. وقيل: كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة، ثم يقسمه الله، ﴿فَسَلَكَهُ﴾: فأدخله ونظمه ﴿يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾: عيونًا ومسالك ومجاري كالعروق في الأجساد ﴿مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾: هيئاته؛ من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ذلك، أو أصنافه؛ من بر وشعير وسمسم وغيرها. ﴿يَهِيجُ﴾: يتم جفافه، عن الأصمعي؛ لأنه إذا تم جفافه حان له أن يثور عن منابته ويذهب، ﴿ ..... ﴾: فتاتًا ودرينًا. ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾: لتذكيرًا وتنبيهًا على أنه لابد من صانع حكيم، وأن ذلك كائن عن تقدير وتدبير، لا عن تعطيل وإهمال. ويجوز أن يكون مثلًا للدنيا، كقوله: ﴿إِنَّمَا مَثْلُ الْحِيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٤]، ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٥]. وقرئ: (مصفارًا). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلى الصخرة)، وهي التي في بيت المقدس. قوله: (عيونًا ومسالك)، نصب على التفسير لقوله: ﴿يَنَابِيعَ﴾، قال القاضي: أي: عيونًا ومجاري كامنةً فيها، أو قنوات نابعات فيها؛ إذ الينبوع جاء للمنع وللنابع فنصبها على المصدر أو على الحال. المغرب: نبع الماء ينبع، خرج من الأرض نبوعًا ونبعًا ونبعانًا. قوله: (أو أصنافه من بر)، عطف على "هيئاته". الجوهري: اللون هيئته كالسواد والحمرة، واللون: النوع. قوله: (فتاتًا ودرينًا)، الجوهري: الدرين حطام المرعى إذا قدم، وهو ما بلي من الحشيش، وقلما تنتفع به الإبل. قول: (ويجوز أن يكون مثلًا للدنيا)، عطف على قوله: "هو المطر"، أي: الآية إما واردة

стр. 7232

[﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ ٢٢] ﴿أَفَمَنْ﴾ عرف الله أنه من أهل اللطف فلطف به حتى انشرح صدره للإسلام ورغب فيه وقلبه كمن لا لطف له فهو حرج الصدر قاسي القلب، ونور الله: هو لطفه. وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية، فقيل: يا رسول الله، كيف انشراح الصدر؟ قال: "إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح"، فقيل: يا رسول الله، فما علامة ذلك؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للمت قبل نزول الموت"، وهو نظير قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: ٩] في حذف الخبر. ﴿مِنْ ذِكْرِ اللهِ﴾: من أجل ذكره، أي: إذا ذكر الله عندهم أو آياته اشمأزوا وازدادت قلوبهم قساوةً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على ظاهرها حاثة على التفكر في آيات الله الباهرة، أو المراد بها: التمثيل باعثةً على التذكير والإيقاظ، زاجرةً عن الركون إلى اللذات العاجلة. منبهةً أنها في وشك الزوال وسرعة الانفصال، يدل على الثاني سوابقها ولواحقها، فإنها مسبوقة للتذكير والوعظ لاسيما قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: لمن لا يلين قلبه لمواعظ الله وزواجره، ولذلك استشهد بقوله: "الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزول الموت". الزجاج: هـ له: (هو نظير قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ في حذف الخبر)، أي: في أحد وجهيه، قال فلم يهتد لقسوذه الفاء للمجازاة، المعنى: أفمن شرح الله صدره فاهتدى كمن طبع الله على قلبه﴾ ..... ؟ لأن في الكلام دليلًا على هذا المقدر، وهو قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم﴾

стр. 7233

كقوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]. وقرئ: (عن ذكر الله). فإن قلت: ما الفرق بين"من"و"عن" في هذا؟ قلت: إذا قلت: قسا قلبه من ذر الله، فالمعنى ما ذكرت؛ من أن القسوة من أجل الذكر وبسببه، وإذا قلت: عن ذكر الله، فالمعنى: غلظ عن قبول الذكر وجفا عنه. ونظيره: سقاه من العيمة، أي: من أجل عطشه، وسقاه عن العيمة: إذا أرواه حتى أبعده عن العطش. [﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وقُلُوبُهُمْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ٢٣] عن ابن مسعود ﵁: أن أصحاب رسول الله ﷺ ملوا ملة، فقالوا له حدثنا؛ فنزلت. وإيقاع اسم"الله" مبتدًا، وبناء ﴿نَزَّلَ﴾ عليه: فيه تفخيم لأحسن الحديث، ورفع منه، واستشهاد على حسنه، وتأكيد لاستناده إلى الله، وأنه من عنده، وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلا عنه، وتنبيه على أنه وحي معجز مباين لسائر الأحاديث. و ﴿كِتَابًا﴾ بدل من ﴿أَحْسَنَ الحَدِيثِ﴾، ويحتمل أن يكون حالًا منه. ﴿مُّتَشَابِهًا﴾: مطلق في مشابهة بعضه بعضًا، فكان متناولًا معانيه في الصحة والإحكام، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ملوا ملة)، الجوهري: مللت الشيء بالكسر أمله، ومللت منه أيضًا، مللًا وملةً وملالةً؛ إذا سئمته. قوله: (وإيقاع"اسم الله" مبتدأ)، يعني: التركيب من باب تقوي الحكم، لكن في تخصيص اسم الله الجامع بالذكر وإيقاع الفعل على أحسن الحديث وإبدال ﴿كِتَابًا﴾ عنه ووصفه بـ ﴿مُّتَشَابِهًا﴾ الإشعار بترتب الحكم على الوصف والدلالة على الاختصاص، وأن مثل هذا الكلام في حسن نظمه وغرابته وكونه جامعًا للمعارف الحقة وحائزًا لمحاسن الأخلاق ومكارم الشيم لا ينبغي أن يصدر إلا عمن استجمع فيه الأسماء الحسنى والصفات العليا، وفي قوله: "وأن مثله" إشارة إلى الكناية التي ذكرناها؛ لأنها على منوال مثلك يجود.

стр. 7234

والبناء على الحق والصدق، ومنفعة الخلق، وتناسب ألفاظه وتناصفها في التخير والإصابة، وتجاوب نظمه وتأليفه في الإعجاز والتبكيت، ويجوز أن يكون ﴿مَثَانِيَ﴾ بيانًا لكونه متشابهًا؛ لأن القصص المكررة لا تكون إلا متشابهة. والمثاني: جمع مثنى بمعنى: مردد ومكرر، لما ثني من قصصه وأنبائه، وأحكامه، وأوامره، ونواهيه، ووعده، ووعيده، ومواعظه. وقيل: لأنه يثنى في التلاوة، فلا يمل كما جاء في وصفه: لا يتفه ولا يتشان ولا يخلق على كثرة الرد. ويجوز أن يكون جمع مثنى مفعل، من التثنية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتناصفها في التخير والإصابة)، الجوهري: أنصف، أي: عدل، يقال: أنصفه من نفسه، وانتصفت أنا منه، وتناصفوا، أي: أنصف بعضهم بعضًا من نفسه، ومنه قول الشاعر: إني غرضت إلى تناصف وجهها .... غرض المحب إلى الحبيب الغائب يعني: اشتقت إلى استواء المحاسن، كأن بعض أعضاء الوجه أنصف بعضًا في أخذ القسط من الجمال. قوله: (ويجوز أن يكون ﴿مَثَانِيَ﴾ بيانًا)، عطف على قوله: "مطلق في مشابهة بعضه بعضًا"، أي يقيد ﴿مثتَشَابِهًا﴾ تارة بـ ﴿مَثَانِيَ﴾، ويطلق أخرى ليبقى على إطلاقه دالًا على ما هو شائع في جنسه، ومن ثم قدر ما قدر. قوله: (لا يتفه ولا يتشان)، النهاية: في حديث ابن مسعود يصف القرآن: "لا يتفه ولا يتشان". هو من الشيء التافه الحقير، يقال: تفه يتفه فهو تافه، ولا يتشان، أي: لا يخلق عن كثرة الرد، مأخوذ من الشن وهو السقاء الخلق. قال في"الفائق": أي: القرآن حلو طيب لا تذهب طلاوته ولا يبلى رونقه وطراوته بترديد القراءة كالشعر وغيره. وتفه، أي: من: تفه الطعام؛ إذا سنخ، أو من: تفه الثوب؛

стр. 7235

بمعنى التكرير والإعادة، كما كان قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٣] بمعنى: كرة بعد كرة، وكذلك: لبيك وسعديك، وحنانيك. فإن قلت: كيف وصف الواحد بالجمع؟ قلت: إنما صح ذلك؛ لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل، وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير، ألا تراك تقول: القرآن أسباع وأخماس، وسور وآيات، وكذلك تقول: أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات، ونظيره قولك: الإنسان عظام وعروق وأعصاب؟ إلا أنك تركت الموصوف إلى الصفة؛ وأصله: كتابًا متشابهًا فصولًا مثاني. ويجوز أن يكون كقولك: برمة أعشار، وثوب أخلاق. ويجوز أن لا يكون ﴿مَثَانِيَ﴾ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إذا بلي، "ولا يتشان" تأكيد له، أو من: تفه الشيء؛ إذا قل وحقر، أي: هو معظم في القلوب أبدًا، وقيل: معنى"التشان": الامتزاج بالباطل من الشنانة وهي: اللبن المذيق. وقلت: روينا عن علي ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة" قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو الحبل المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن حتى قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم". أخرجه الترمذي والدارمي. قوله: (برمة أعشار)، الجوهري: البرمة: القدر. وبرمة أعشار: إذا انكسرت قطعًا. وقلت: أعشار: جاء على بناء الجمع، كما قالوا: رمح أقصاد، وثوب أخلاق، إذا كانت الخلوقة فيه كله، كما قالوا: أرض سباسب، وبرمة أعشار. وعن بعضهم: وهي التي تسع

стр. 7236

صفةً، ويكون منتصبًا على التمييز من ﴿مُتَشَابِهًا﴾، كما تقول: رأيت رجلًا حسنًا شمائل، والمعنى: متشابهةً مثانيه. فإن قلت: ما فائدة التثنية والتكرير؟ قلت: النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكرر عليها عودًا عن بدء، لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله، ومن ثم كانت عادة رسول الله ﷺ أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح ثلاث مرات وسبعًا، ليركزه في قلوبهم ويغرسه في صدورهم. اقشعر الجلد: إذا تقبض تقبضًا شديدًا، وتركيبه من حروف القشع، وهو الأديم اليابس، مضمومًا إليها حرف رابع وهو الراء؛ ليكون رباعيًا ودالًا على معنى زائد. يقال: اقشعر جلده من الخوف، وقف شعره، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيها أعشار الجزور وهي أنصباؤها جمع عشر، والأقصاد: جمع قصد، وهو ما يكسر به الرمح. أخلق الثوب: إذا بلي، يتعدى ولا يتعدى. قوله: (حسنًا شمائل)، أي: شمائله، و"شمائل" نصب على التمييز. قوله: (عودًا عن بدء)، هو حال من الذي أقيم مقام الفاعل في"يكرره"، ونحوه: رجع عوده على بدء، أي: راجع في الطريق الذي جاء منه، ويجوز أن يكون مفعولًا مطلقًا، نحو قعدت جلوسًا. قوله: (ومن ثم كانت عادة رسول الله ﷺ أن يكرر عليهم)، روى الترمذي عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يكرر الكلمة ثلاثًا لتعقل عنه". وروى أبو داود عن رجل: أن النبي ﷺ كان إذا حدث حديثًا أعاده ثلاث مرات. قوله: (وتركيبه من حروف القشع)، إلى قوله: (وقف شعره)، عن بعضهم: هذا بيان الحكمة لفعل الواضع، لا أنه اشتقاق، كما "اقمطر" فإن "القمط" هو الأصل، ثم

стр. 7237

وهو مثل في شدة الخوف، فيجوز أن يريد به الله سبحانه التمثيل؛ تصويرًا لإفراط خشيتهم، وأن يريد التحقيق، والمعنى: أنهم إذا سمعوا بالقرآن وبآيات وعيده: أصابتهم خشية تقشعر منها جلودهم، إذا ذكروا الله ورحمته وجوده بالمغفرة: لانت جلودهم وقلوبهم، وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة. فإن قلت: ما وجه تعدية "لان" ب"إلى"؟ قلت: ضمن معنى فعل متعد ب"إلى"، كأنه قيل: سكنت، أو: اطمأنت إلى ذكر الله لينة غير متقبضة، راجية غير خاشية. فإن قلت: لم اقتصر على ذكر الله من غير ذكر الرحمة؟ قلت: لأن أصل أمره الرحمة والرأفة، ورحمته هي سابقة غضبه، فلأصالة رحمته إذا ذكر لم يخطر بالبال قبل كل شيء من صفاته إلا كونه رؤوفًا رحيمًا. فإن قلت: لم ذكرت الجلود وحدها أولًا، ثم قرنت بها القلوب ثانيًا؟ قلت: إذا ذكرت الخشية التي محلها القلوب، فقد ذكرت القلوب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ زيدت فيها الراء، فيكون رباعيا دالا على معنى زائد، ونظيره قوله النحويين: إن الضاد اسم للحرف الأول من: ضرب. قوله: (وهو مثل في شدة الخوف)، أي: استعمل القشعريرة في تغير يحصل في جلد الإنسان عند الوجل، فينتصب شعره، وكثر فيه حتى صار مثلًا لمجرد شدة الخوف. قوله: (لم اقتصر على ذكر الله من غير الرحمة)، يعني: ذكرت أن المعنى أنهم إذا سمعوا بالقرآن وآيات وعيده أصابتهم خشية، ثم إذا ذكروا رحمته لانت جلودهم، فلم حذفت الرحمة وليس في الكلام ما يدل على المحذوف؟ وأيضًا فلم اقتصر على المضاف إليه؟ وخلاصة الجواب: أن اسم الله وإن كان جامعًا لسائر الأسماء الحسنى، وتقييده بشيء من تلك الأسامي إنما يعلم بحسب القرائن، لكن عند فقدان القرينة يغلب جانب الرحمة على الغضب؛ لأن رحمته سبقت غضبه، وإليه الإشارة بقوله: " فلأصالة رحمته إذا ذكر لم يخطر بالبال إلا كونه رؤوفًا رحيمًا". قوله: (إذا ذكرت الخشية التي محلها القلوب فقد ذكرت القلوب)، يعني: إن لم تذكر "القلوب" في الأول صريحًا فقد ذكرت" الخشية" التي من عوارضها، فكأنها قد ذكرت،

стр. 7238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وتحرير المعنى: أنهم إذا فوجئوا بالقرآن وما فيه من القوارع والزواجر مجملًا تقشعر جلودهم وتخشى قلوبهم، فإذا ورد عليهم من ذكر اسم الذات وارد رحماني استبدلوا بالخشية رجاء، وبالقشعريرة لينًا، فلمًا جعل اقشعرار الجلود أصلًا في الاعتبار أولًا أتبع بذكر نا يناسب الاقشعرار من اللبن ثانيًا تغليبًا، وإلا كان مناسب الخشية الرجاء كما صرح به، وروى في تفسير قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام: ٢] عن أم الدرداء: "الوجل في القلب كاحتراق السعفة أما تجدله قشعريرة"، يعني: فزعت لذكره استعظاما له وتهيبًا من جلاله وعزة سلطانه وبطشه بالعصاة وعقابه، وهذا الذكر خلاف الذكر في قوله: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُدُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ لأن ذلك ذكر رحمته ورأفته وثوابه. وروى الإمام عن لسان أهل العرفان: العارفون السائرون في بيداء جلال الله إن نظروا إلى عالم الجلال طاشوا، وإن لاح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا. وقلت- والله أعلم-: إن الله تعالى لما وصف القرآن المجيد وبالغ في مدحه حتى بلغ غايته من الكمال على ما سبق في قوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ وأراد أن يبين كيفية هدايته للخلق، فإن جل الغرض من الكتب السماوية الهداية، قال: ﴿مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، يعني: من أراد الله أن يهديه به أوقع في قلبه الخشية، كقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ثم يتأثر منه ظاهره بأن يأخذه في بدء الحال قشعريرة في الجلد لضعف الحال أو قوة سطوة الوارد، فإذا أدمن سماعه وألف أنواره تلين جلوده فيتأثر منه القلب فيطمئن إليه فتنقلب النفس الأمارة مطمئنة، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، فكما يتأثر الظاهر من القلب في بدء الحال ينعكس في ثاني الحال، ويتأثر القلب من الظاهر، ولذلك جعل اقشعرار الجلد تابعًا لخشية الله أولًا، ولين القلب تابعًا للين الجلد ثانيًا، فيستمد الظاهر من الباطن أنواره، والباطن من الظاهر آثاره، فلا يزالان يتناوبان حتى يصعد السالك بذلك إلى مدارج القدس ومعارج الكمال، فيتوطن في مخدع

стр. 7239

فكأنه قيل: تقشعر جلودهم من آيات الوعيد، وتخشى قلوبهم في أوّل وهلة، فإذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والمرحمة: استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم، وبالقشعريرة لينا في جلودهم ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى الكتاب، وهو ﴿هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ﴾: يوفق به من يشاء، يعنى: عباده المتقين، حتى يخشوا تلك الخشية ويرجوا ذلك الرجاء، كما قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢). ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: ومن يخذله من الفساق والفجرة ﴿فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾، أو ذلك الكائن من الخشية والرجاء هدى الله، أي: أثر هداه، وهو لطفه، فسماه هدى لأنه حاصل بالهدى، ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ بهذا الأثر ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، يعنى: من صحب أولئك ورآهم خاشين راجين، فكان ذلك مرغبًا لهم في الاقتداء بسيرتهم وسلوك طريقتهم. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: ومن لم يؤثر فيه ألطافه لقسوة قلبه وإصراره على فجوره، ﴿فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ من مؤثر فيه بشيء قط. [﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ * كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢٤ - ٢٦]. يقال: اتقاه بدرقته: استقبله بها فوقى بها نفسه إياه واتقاه بيده. وتقديره: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القرب ثم يفيض نوره المستفيض على الغير، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يِشَاءُ﴾، وكشف عن القناع حيث أشار من صحب أولئك ورآهم خاشين راجين، فكان ذلك مرغبًا لهم في الاقتداء بسيرتهم وسوك طريقتهم، رزقنا الله الاقتداء بهم بفضله وجوده. قوله: (أو ذلك الكائن من الخشية والرجاء)، عطف على قوله: "ذلك إشارة إلى الكتاب"، وعلى الأول: المراد بذكر الله القرآن في نفسه، قد أقيم مقام المضمر من غير لفظه السابق؛ تعظيمًا للحال وتحقيقًا لما قال. قوله: (بدرقته)، أي: بترسه، يقال: اتقى بدرقته، أي: استقبل زيدًا بدرقته فوقى

стр. 7240

﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ﴾ كمن أمن العذاب، فحذف الخبر كما حذف في نظائره: و ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾: شدّته. ومعناه: أن الإنسان إذا لقي مخوفًا من المخاوف استقبله بيده، وطلب أن يقي بها وجهه، لأنه أعز أعضائه عليه، والذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه؛ فلا يتهيأ له أن يتقى النار إلا بوجهه الذي كان يتقى المخاوف بغيره، وقاية له ومحاماة عليه. وقيل: المراد بالوجه الجملة، وقيل: نزلت في أبي جهل. وقال لهم خزنة النار: ﴿ذُوقُوا﴾ وبال ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾: من الجهة التي لا يحتسبون، ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها، بينا هم آمنون رافهون إذ فوجئوا من مأمنهم. والخزي: الذل والصغار، كالمسخ والخسف والقتل والجلاء، وما أشبه ذلك من نكال الله. [﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ٢٧ - ٢٨] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حال مؤكدة، كقولك: جاءني زيد رجلًا صالحًا وإنسانًا عاقلًا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بدرقته نفسه زيدًا. الأساس: هذا وقاء ووقاية له لما يوقى به الشيء. ووقاه الله كل سوء ومن السوء وقاية. فعلى هذا: اتقاه بدرقته؛ استقبله بدرقته فوقى بها نفسه إياه، أي: منه. قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حال مؤكدة)، قال الزجاج: ﴿عَرَبِيًّا﴾ منصوب على الحال، أي: ضربنا للناس في هذا القرآن في حال عربيته وبيانه، وذكر ﴿قُرْآنًا﴾ توكيدًا، كما تقول: جاءني زيد رجلًا صالحًا، فتذكر رجلًا توكيدًا. وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: ﴿قُرْآنًا﴾ حال، و ﴿عَرَبِيًّا﴾ صفة؛ لأن القرآن مصدر، فيمكن أن يقع حالًا، أي: مقروءًا عربيًا. وقال أبو البقاء: ﴿قُرْآنًا﴾ هو حال من ﴿الْقُرْآن﴾ موطئة، والحال في المعنى قوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾. وقيل: انتصب بـ ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾.

стр. 7241

ويجوز أن ينتصب على المدح، ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾: مستقيمًا بريئًا من التناقض والاختلاف. فإن قلت: فهلا قيل: مستقيمًا، أو غير معوج؟ قلت: فيه فائدتان؛ إحداهما: نفي أن يكون فيه عوج قط، كما قال: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: ١]. والثانية: أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان. وقيل: المراد بالعوج: الشك واللبس. وأنشد: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نفي أن يكون فيه عوج قط)، وذلك من طريق الكتابة، فإنه إذا لم يكن صاحب عوج، فأن لا يكون معوجًا فبالطريق الأولى، كقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: ١]، أي: عوجًا وما يقال له عوج. قوله: (والثانية: أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان)، معناه: أن المطلوب أن يقال: إن معانيه صحيحة مستقيمة لا ترى فيها اختلافًا، كما قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فلو قيل: غير معوج، لفهم أن ألفاظه مستقيمة وكان تكريرًا؛ لأن قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ دل على ذلك، أو لأن العوج إذا استعمل في الأعيان دل على بلوغه في الاستقامة إلى حد لا يدرك العقل فيه خللًا كما ذكره في "طه". قوله: (والثاني: أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان)، قال الزجاج: العوج -بكسر العين- فيما لا يرى له شخص، وما كان شخصًا قلت فيه: عوج -بالفتح- تقول: في دينه عوج، وفي العصا عوج، فإذن لا بد من "ذي"، أي: غير ذي معانٍ مائلٍ عن الاستقامة. الانتصاف: تقدم له في "طه" الاعتذار عن استعمال العوج المكسورة في الأشخاص في قوله: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ بأن الأشياء التي تستوي في العادة لا تخلو عن عوج، وإن دق عن البصر ينفرد بإدراكه العقل، وبين أن الأرض بلغت من الاستواء إلى الحد الحقيقي الذي لا يدرك العقل فيه خللًا، فعبر عنه بالمكسور العين؛ لكونه مشبهًا بالمعاني، وحاصله يجوز غير ذي عوج، والمراد: ألفاظ القرآن.

стр. 7242

وقد أتاك يقين غير ذي عوج .... من الإله وقول غير مكذوب [﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢٩] اضرب لقومك مثلًا، وقل لهم: ما تقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء بينهم اختلاف وتنازع: كل واحد منهم يدعى أنه عبده، فهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهنٍ شتى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (واضرب لقومك مثلًا وقل لهم ما تقولون)، إنما دعاه إلى جعل الإخباري، أي: قوله ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا﴾ طلبيًا، وأتى بواو العطف ليتصل بما جاء في هذه السورة الكريمة من الأمر كقوله: ﴿قُلْ﴾ أو دعاه قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلَا﴾ فإنه سؤال تقرير وتبكيت للمشركين، فلا بد من السائل، والسائل رسول الله ﷺ ، وقوله: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا﴾ ماضٍ، فيجب التأويل وأن يقال: واضرب لقومك مثلًا وقل لهم كذا، ثم سل: هل يستويان مثلًا؟ أي: قل لهم: ما تقولون في هذا التمثيل؟ ثم بعد الفراغ سلهم: هل يستويان مثلًا؟ ثم إذا ألزمتهم الحجة قل: الحمد لله شكرًا على ما أولاك من النصرة وقهر الأعداء بالحجج الساطعة. قال صاحب "الكشف": ﴿رَجُلًا﴾ بدل من قوله: ﴿مَثَلًا﴾، و ﴿شُرَكَاءُ﴾ ترتفع بالظرف. قوله: (ويتعاورونه)، أي: يتداولونه. الجوهري: يقال: هم يعورون العواري بينهم. وقد قيل: مستعار بمعنى: متعاور، أي: متداول. قوله: (في مهن شتى)، الجوهري: المهنة -بالفتح- الخدمة. وحكى أبو زيد والكسائي: المهنة؛ بالكسر، وأنكره الأصمعي. والماهن: الخادم.

стр. 7243

ومشاده، وإذا عنت له حاجة تدافعوه، فهو متحير في أمره سادر، قد تشعبت الهموم قلبه وتوزعت أفكاره، لا يدرى أيهم يرضى بخدمته، وعلى أيهم يعتمد في حاجاته؛ وفي آخر قد سلم لمالك واحد وخلص له، فهو معتنق لما لزمه من خدمته، معتمد عليه فيما يصلحه، فهمه واحد وقلبه مجتمع، أي هذين العبدين أحسن حالًا وأجمل شأنًا؟ والمراد: تمثيل حال من يثبت آلهة شتى، وما يلزمه على قضية مذهبه من أن يدعى كل واحد منهم عبوديته، ويتشاكسوا في ذلك ويتغالبوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، ويبقى هو متحيرًا ضائعًا لا يدرى أيهم يعبد، وعلى ربوبية أيهم يعتمد، وممن يطلب رزقه، وممن يلتمس رفقه، فهمه شعاع، وقلبه أوزاع؛ وحال من لم يثبت إلا إلهًا واحدًا، فهو قائم بما كلفه، عارف بما أرضاه وما أسخطه، متفضل عليه في عاجله، مؤمل للثواب في آجله. و ﴿فِيهِ﴾ صلة ﴿شُرَكَاءَ﴾، كما تقول: اشتركوا فيه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومشاده)، الأساس: وهو مشدوه؛ مشغول مدهوش، وهو في مشاده: في مشاغل. قوله: (سادر)، الجوهري: السادر: المتحير. قوله: (فهمه شعاع)، الجوهري: رأي شعاع، متفرق. ونفس شعاع، تفرقت هممها. قوله: (وقلبه أوزاع)، الأساس: وزع المال والخراج توزيعًا: قسمه، وبها أوزاع من الناس: ضروب متفرقون. تقول: ذهبت نفسه شعاعًا ولحمه أوزاعًا. أوزاع: جمع صورة لا واحد له. قوله: (و ﴿فِيهِ﴾ صلة ﴿شُرَكَاءُ﴾، هذا يدل على أن الظرف مع اعتماده يجوز أن يكون غير عامل فيما بعده بل متعلقًا به، ويجوز أن يكون خبرًا له، كما ذهب إليه صاحب "المفتاح" في قوله: كأنه علمٌ في رأسه نار

стр. 7244

والتشاكس والتشاخس: الاختلاف، تقول: تشاكست أحواله، وتشاخست أسنانه. (سَالِمًا لِرَجُلٍ) خالصًا له. وقرئ: ﴿سَلَمًا﴾، بفتح الفاء والعين، وفتح الفاء وكسرها مع سكون العين، وهي مصادر "سلم"، والمعنى: ذا سلامة لرجل، أي: ذا خلوص له من الشركة، من قولهم: سلمت له الضيعة. وقرئ بالرفع على الابتداء، أي: وهناك رجل سالم لرجل، وإنما جعله رجلًا، ليكون أفطن لما شقي به أو سعد، فإن المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك. ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾: هل يستويان صفة؟ على التمييز. والمعنى: هل يستوي صفتاهما وحالاهما، وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس. وقرئ: (مثلين)، كقوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا﴾ مع قوله: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فاطر: ٤٤]، ويجوز فيمن قرأ: (مثلين)، أن يكون الضمير في ﴿يَسْتَوِيانِ﴾ للمثلين؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتشاخست أسنانه)، الأساس: تشاخس فوه، إذا اختلفت أسنانه. شاخس الحمار، إذا فتح فاه رافعًا رأسه بعد شم الروثة. قوله: (وقرئ: ﴿سَلَمًا﴾)، بفتح السين، قرأ ابن كثير وأبو عمرو: "سالمًا" بألف بعد السين وكسر اللام، والباقون: بفتح اللام من غير ألف. قوله: (وإنما جعله رجلًا)، في "المطلع": إنما خص المالك بالرجل دون الصبي والمرأة؛ ليكون أفطن بحال العبد من الدعة والكد، والمرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك. قوله: (كقوله: ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوالًا﴾)، عن بعضهم: كونه نظيرًا له في أن التمييز ليس بمفرد مع أنه سبق تمييز بمفرد. وقلت: شبه القراءتين- أعني: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ و "يستويان مثلين" بالآية لمجيء المثالين فيها، أي: وقرئ "مثلين" مع قراءة ﴿مَثَلًا﴾ كقوله: ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا﴾ [التوبة: ٦٩] مع قوله: ﴿أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فاطر: ٤٤] لكن الآية في "البراءة": ﴿أَشَدَّ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] بالخطاب، نعم جاء ﴿أَشَدُّ مِنْهُمْ﴾ بدون ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا﴾.

стр. 7245

لأن التقدير: مثل رجل ومثل رجل. والمعنى: هل يستويان فيما يرجع إلى الوصفية، كما تقول: كفى بهما رجلين. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الواحد الذي لا شريك له دون كل معبود سواه، أي: يجب أن يكون الحمد متوجهًا إليه وحده والعبادة، فقد ثبت أنه لا إله إلا هو. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ فيشركون به غيره. [﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ ٣٠ - ٣٢﴾ كانوا يتربصون برسول الله ﷺ موته، فأخبر أن الموت يعمهم، فلا معنى للتربص، وشماتة الباقي بالفاني. وعن قتادة: نعى إلى نبيه نفسه، ونعى إليكم أنفسكم: وقرئ: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن التقدير: مثل رجل ومثل رجل)، يعني: أجمل ثم فصل، نحو: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال: أبدل ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ من أو ﴿وَأَسَرُّوا﴾ إشعارًا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به. قوله: (فيما يرجع إلى الوصفية)، إشارة إلى أن ﴿مَثَلًا﴾ في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ بمعنى: صفة، مستعار لها، وهو تمييز كما سبق. ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ صفة على التمييز. قوله: (كما تقول: كفى بهما رجلين)، أي: فيما يرجع إلى الرجولية، إذا اعتبرت رجلين رجلين. الجوهري: هذا رجل كافيك من رجل، وهما رجلان كافيك من رجلين. قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الواحد] الذي لا شريك له دون [كل] معبود سواه)، وصف الله بنفي الشريك ليؤذن بأن الاسم الجامع في مقام ضرب المثل لنفي الأضداد والأنداد متجل بصفة الوحدانية والفردانية، و"دون" متعلق بالظرف المستقل وهو ﴿للهِ﴾، يدل عليه قوله: "أي: يجب أن يكون الحمد لله متوجهًا إليه وحده" والاختصاص مستفاد من اللام. ترتب الحمد على ضرب المثل ولزوم التوحيد منه، ومن ثم أتى بالفاء في قوله: "فقد ثبت أنه لا إله إلا هو"، أي: من ضرب المثل.

стр. 7246

مائت ومائتون. والفرق بين الميت والمائت: أن الميت صفة لازمة كالسيد، وأما المائت، فصفة حادثة. تقول: زيد مائت غدًا، كما تقول: سائد غدًا، أي: سيموت وسيسود. وإذا قلت: زيد ميت، فكما تقول: حي في نقيضه، فيما يرجع إلى اللزوم والثبوت. والمعنى في قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ إنك وإياهم وإن كنتم أحياء، فأنتم في عداد الموتى؛ لأن ما هو كائن فكأن قد كان. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾: ثم إنك وإياهم، فغلب ضمير المخاطب على ضمير الغيب، ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ فتحتج أنت عليهم بأنك بلغت فكذبوا، فاجتهدت في الدعوة فلجوا في العناد، ويعتذرون بما لا طائل تحته، تقول الأتباع: ﴿أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾، وتقول السادات: أغوتنا الشياطين وآباؤنا الأقدمون؛ وقد حمل على اختصام الجميع وأن الكفار يخاصم بعضهم بعضًا، حتى يقال لهم: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨]؛ ، والمؤمنون الكافرين يبكتونهم بالحجج، وأهل القبلة يكون بينهم الخصام. قال عبد الله بن عمر: لقد عشنا برهة من دهرنا ونحن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأما المائت فصفة حادثة)، الانتصاف: فاستعمال ﴿مَيِّتٌ﴾ مجاز؛ إذ الخطاب مع الأحياء، و"مائت" حقيقة؛ إذ لا يعطى اسم الفاعل حال الخطاب خلاف معناه. الإنصاف: هذا وهم؛ لأن "المائت" أيضًا مجاز، فإن اسم الفاعل حقيقة عند بقاء ما اشتق منه اسم الفاعل، والمختار أن استعماله فيما مضى مجاز، وأما استعماله في المستقبل عند الأصوليين فمجازٌ بلا خلاف. وقلت: لا بد من الفرق بين ﴿عَالِمَ﴾ و ﴿يَعْلَمُ﴾ قال صاحب "المفتاح": وليتعين -أي: المسند- كونه اسمًا كنحو: زيد عالم، فيستفاد الثبوت صريحًا، فأصل الاسم صفة وغير صفة للدلالة على الثبوت، نعم دلالة الصفة المشبهة عليه أظهر وألزم. قوله: (والمؤمنون الكافرين)، و"المؤمنون" عطف على محل "أن" واسمها. روى هذا

стр. 7247

نرى أن هذه الآية أنزلت فينا وفي أهل الكتاب؟ قلنا: كيف نختصم ونبينا واحد وديننا واحد وكتابنا واحد؟ حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها أنزلت فينا. وقال أبو سعيد الخدري: كنا نقول: ربنا واحد ونبينا واحد وديننا واحد، فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين وشدّ بعضنا على بعض بالسيوف، قلنا: نعم هو هذا. وعن إبراهيم النخعي: قالت الصحابة: ما خصومتنا ونحن إخوان؟ فلما قتل عثمان ﵁ قالوا: هذه خصومتنا. وعن أبى العالية: نزلت في أهل القبلة. والوجه الذي يدل عليه كلام الله هو ما قدمت أولًا، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الوجه محيي السنة عن ابن عباس قال: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ يعني: المحق والمبطل والظالم والمظلوم. قوله: (والوجه الذي يدل عليه كلام الله هو ما قدمت)، وهو قوله: "ثم إنك وإياهم تختصمون فتحتج أنت عليهم بأنك بلغت فكذبوا"، أي: يدل عليه الكلام السابق واللاحق، أما السابق فهو الاحتجاج من لدن مفتتح السورة إلى انتهاء ضرب المثل، وذلك أنه لما ختم الحجج بضرب المثل وتوهين أمر شركائهم وتسفيه رأيهم، وأمر حبيبه بعد ذلك كله بأن يذكر ربه بالمحامد والفضائل ويشكره على إثبات الفردانية والوحدانية، وأضرب عن ذلك كله بقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونِ﴾ تسجيلًا عليهم بالجهل المفرط، وأنهم ممن طبع على قلوبهم، فلا يلتفتون إلى هذه البيانات الظاهرة والحجج المتظاهرة اتجه لحبيبه صلوات الله عليه من حرصه على إيمان القوم وتهالكه عليهم أن يسأل: فإلى ماذا يرجع حالي وحالهم؟ فأجيب بقوله: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ تأييسًا لهم وإقناطًا كليًا من إيمانهم، يعني: لم يبق إلا الموت والاختصام عند مالك يوم الدين. قال: إلى ديان يوم الدين نمضي .... وعند الله تجتمع الخصوم

стр. 7248

وما هو إلا بيان وتفسير للذين يكون بينهم الخصومة. ﴿كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾: افترى عليه بإضافة الولد والشريك إليه، ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾: بالأمر الذي هو الصدق بعينه، وهو ما جاء به محمد ﷺ ﴿إِذْ جاءَهُ﴾: فاجأه بالتكذيب لما سمع به من غير وقفة لإعمال روية واهتمام بتمييز بين حق وباطل، كما يفعل أهل النصفة فيما يسمعون. ﴿مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾: أي لهؤلاء الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق، واللام في ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ إشارة إليهم. [﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣٣ - ٣٥] ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هو رسول الله ﷺ : جاء بالصدق وآمن به، وأراد به إياه ومن تبعه، كما أراد بموسى إياه وقومه في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإليه الإشارة بقوله: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ و ﴿يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ فتحتج عليهم أنت بأنك بلغت فكذبوا، واجتهدت في الدعوة فلجوا في العناد، وأما اللاحق فقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾، وإليه الإشارة بقوله: " وما هو إلا بيان وتفسير للذين يكون بينهم الخصومة"، وقوله بعده: " ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ بالذي جاء به محمد صلوات الله عليه" فاجأه بالتكذيب، والذي جاء بالصدق: هو رسول الله ﷺ ، وصدق به. قوله: (وأراد به إياه ومن تبعه)، يعني: جيء بقوله: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ على الإفراد، ثم حمل عليه: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، وحكم بقوله: ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ﴾، ولا بد من التأويل وأن يقال بأن الرسول ﷺ إمام أمته وقدوتهم، وأن مجيئه بالصدق وتصديقه كمجيئهم به وتصديقهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا، ونجوه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٨٧] أي: موسى وقومه، بدليل قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.

стр. 7249

يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩]، فلذلك قال: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، إلا أن هذا في الصفة وذاك في الاسم. ويجوز أن يريد: والفوج أو الفريق الذي جاء بالصدق وصدق به، وهم الرسول الذي جاء بالصدق، وصحابته الذين صدقوا به. وفي قراءة ابن مسعود: (والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به). وقرئ: (وصدق به) بالتخفيف، أي: صدق ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن هذا في الصفة وذاك في الاسم)، لأن هناك ذكر الاسم وهو موسى، وها هنا ذكر الصفة وهي: المجيء بالصدق. وقال محيي السنة: قال ابن عباس: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ يعني: النبي ﷺ جاء بلا إله إلا الله، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: الرسول أيضًا بلغه إلى الخلق. قوله: (ويجوز أن يريد: والفوج أو الفريق)، روى محيي السنة هذا الوجه عن مقاتل وقتادة، قال أبو البقاء: الذي هنا وفي "البقرة" مفرد في اللفظ، والمعنى على الجمع، وفيه وجهان: أحدهما: هو جنس مثل ﴿مَنْ﴾. والثاني: أريد ﴿الَّذِينَ﴾ فحذف النون لطول الكلام بالصلة. وقال الزجاج: و ﴿الَّذِينَ﴾ و ﴿الَّذِي﴾ في معنى واحد؛ لأنه غير موقف، والذي ها هنا للجنس المعني والقبيل الذي جاء بالصدق. وقلت: يعني الفريق الذي وقع فيه مجيء الصدق من بعض والتصديق من بعض، وهو المراد بقوله: "وهم الرسول" إلى آخره. قوله: (وقرئ: "وصدق به" بالتخفيف)، قال ابن جني: وهي قراءة أبي صالح وعكرمة بن سليمان، وفيه ضرب من الثناء على المؤمنين، فهو كقولك: الذي يأمر بالمعروف ويتبع سبيل الخير فيه مثاب عند الله، فكذا قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: استحق اسم الصدق بمجيئه.

стр. 7250

به الناس ولم بكذبهم به، يعنى: أداه إليهم كما نزل عليه من غير تحريف. وقيل: صار صادقًا به، أي: بسببه، لأنّ القرآن معجزة، والمعجزة تصديق من الحكيم الذي لا يفعل القبيح لمن يجريها على يده، ولا يجوز أن يصدق إلا الصادق، فيصير لذلك صادقًا بالمعجزة. وقرئ: (وصدّق به). فإن قلت: ما معنى إضافة الأسوأ والأحسن إلى الذي عملوا، وما معنى التفضيل فيهما؟ قلت: أما الإضافة فما هي من إضافة أفعل إلى الجملة التي يفضل عليها، ولكن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل، كقولك: الأشج أعدل بني مروان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: يستعمل الصدق في فعل الجوارح، نحو صدق في القتال، إذا وفى حقه وفعل ما يجب. وكذب في القتال، إذا كع وجبن. وعليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: حقق ما أورده قولًا بما تحراه فعلًا. قوله: (فيصير لذلك صادقًا بالمعجزة)، إشارة إلى توجيه قول من قال: إن معنى: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ صار صادقًا به. أي قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ كناية عن كونه صلوات الله عليه صار صادقًا بسبب القرآن، وذلك أنه صلوات الله عليه جاء بالصدق الذي هو القرآن، وسمي بالصدق مبالغة، كما أشار إليه بقوله: " ﴿بِالصِّدْقِ﴾ بالأمر الذي هو الصدق بعينه"، أي: جاء بالقرآن الذي هو محض الصدق، والحال أنه هو السبب في صيرورته صادقًا؛ لأنه معجزة، والمعجزة تصديق من الله الذي لا يصدق إلا الصادق. قوله: (الأشج أعدل بني مروان)، روي أن عمر بن عبد العزيز سمي بالأشج، بشجة أصابت رأسه. وروى الشيخ إسماعيل صاحب "سير السلف": أن عمر بن عبد العزيز كان ربعة، رقيق الوجه، نحيف الجسم، بجبهته أثر نفخة الدابة. وروى الشيخ أبو نعيم في "حلية الأولياء" عن نافع، قال: كنت أسمع عمر يقول: ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة يملأ الأرض عدلًا.
следующие страницы →