Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.
стр. 7176
بين أن يكونوا من أهل الجنة، وبين أن يكونوا من أهل النار، إلا أنه خفي عليهم مكانهم. والوجه الثاني: أن يتصل بـ ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا﴾، إما أن تكون ﴿أَمْ﴾ متصلة على معنى: أي: الفعلين فعلنا بهم: الاستسخار منهم، أم ازدراءهم وتحقيرهم، وأن أبصارنا كانت تعلو عنهم وتقتحمهم؟ على معنى أنكار الأمرين جميعًا على أنفسهم. وعن الحسن: كل ذلك قد فعلوا: اتخذوهم سخريًا، فزاغت عنهم أبصارهم محقرةً لهم. وإما أن تكون منقطعة بعد مضي ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا﴾ على الخبر أو الاستفهام،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبين أن يكونوا من أهل النار، فعلى هذا: المناسب أن يكون ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا﴾ إخبارًا صفة لـ ﴿رِجَالًا﴾.
قوله: (تعلو عنهم)، أي: تحقرهم. الأساس: اعل عني: تنح عني، وعال عن الوسادة واعل عنها، قال:
فيا حب ليلى اعل عني قتلتني .... وأعقب بإنسان صحيح مكانيا
قوله: (على الخبر أو الاستفهام)، التعريف في"الخبر" للعهد، و"الاستفهام" للعهد والمعهود قوله: " ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا﴾، قرئ بلفظ الإخبار"، إلى قوله: "وبهمزة الاستفهام"، أما المعنى على الخبر فإنهم أخبروا عن أنفسهم وسوء صنيعهم بالمسلمين من الاستهزاء والسخرية على سبيل الندم والتحسر، ثم أضربوا عن الإخبار بالأخذ في الإنكار وتأنيب أنفسهم، يعني: لم يكن موضع الإخبار؛ بل هو موضع الإنكار، أزاغت أبصارنا وكلت أفهامنا حيث ازدرينا بهم واستسخرنا منهم؟ فهو كقولك: إنها لإبل أم شاء، وأما على الاستفهام: فإنهم أنكروا أولًا على أنفسهم الاستسخار منهم ثم أضربوا عنه وأنكروا على أنفسهم أبلغ من ذلك، أي: دع ذلك، أزاغت أبصارنا وكلت أفهامنا حيث خفي عنا مكانهم وأنهم على الحق المبين ونحن على الباطل وما تبعناهم؟ فهو كقولك: أزيد عندك؟ أم عندك عمرو؟ فالمثالان في الكتاب نشر لقوله: "على الخبر أو الاستفهام".
стр. 7177
كقولك: إنها لإبل أم شاء؟ و: أزيد عندك أم عندك عمرو؟ ولك أن تقدر همزة الاستفهام محذوفةً فيمن قرأ بغير همزته؛ لأن ﴿أَمْ﴾ تدل عليها، فلا تفترق القراءتان: إثبات همزة الاستفهام وحذفها. وقيل: الضمير في ﴿وَقَالُوا﴾ لصناديد قريش كأبي جهل والوليد وأضرابهما، والرجال: عمار وصهيب وبلال وأشباههم. وقرئ: ﴿سِخْرِيًّا﴾ بالضم والكسر.
[﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ ٦٤]
﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أي: الذي حكينا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾ لا بد أن يتكلما به، ثم بين ما هو فقال: هو ﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾. وقرئ بالنصب على أنه صفة لـ ﴿ذَلِكَ﴾؛ لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس. فإن قلت: لم سمي ذلك تخاصمًا؟ قلت: شبه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: الضمير في ﴿وَقَالُوا﴾ لصناديد قريش)، عطف على قوله: " ﴿وَقَالُوا﴾ الضمير للطاغين"، فعلى هذا يلزم الإضمار قبل الذكر وحذم النظم، ولا يجوز أن يختص قوله: ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ بصناديد قريش؛ لأنه في مقابل قوله: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهو عام.
قوله: (وقرئ: ﴿سِخْرِيًّا﴾ بالضم والكسر)، بالضم: نافع وحمزة والكسائي، والباقون: بالكسر.
قوله: (لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس)، هذا مناقض لقوله في"المفضل": اسم الإشارة لا يوصف إلا بما فيه الألف واللام.
قال صاحب" التقريب": ﴿تَخَاصُمُ﴾ بدل من ﴿ذَلِكَ﴾، لا صفة لاسم الإشارة؛ إنما يوصف بما فيه الألف واللام. وقال ابن الحاجب: إنما التزم وصف باب ﴿هَذَا﴾ بذي اللام للإبهام، يعني: أن المبهم يدل على الحضور والتعيين، ولم يدل على حقيقة الذات التي أشير به إليها، فلا بد أن يذكر بعده ما يدل على حقيقة الذات، ولا طريق له إلا وصفه به،
стр. 7178
تقاولهم وما يجري بينهم من السؤال والجواب بما يجري بين المتخاصمين من نحو ذلك؛ ولأن قول الرؤساء: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقول أتباعهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، من باب الخصومة، فسمي التقاول كله تخاصمًا؛ لأجل اشتماله على ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فوصفه بما يدل على خصوصية الذات، قبل وصفه بما يدل على معنى الذات، هو القياس، والأسماء الدالة على حقيقة الذوات هي أسماء الأجناس لا العلم ونحوه، وتعريفها باعتبار معناها في نفسها إنما هو باللام. قال بعض المغاربة: وذلك أن اللام معرفة لحقيقة الذات بخلاف الإضافة، فإن تأثيرها في اختصاص حقيقة الذات بالمضاف إليه وذلك بعد تعرف حقيقة الذات.
وقلت: هاهنا سيء آخر، وهو الفصل بين اسم الإشارة وصفته بالخبر، وهو غير جائز.
وقال صاحب"المقتبس": ومن المسائل في هذا النحو لا يجوز أن تقول: مررت بهذا يوم الجمعة الرجل، ويجوز: مررت بزيد يوم الجمعة العاقل، والفرق: أن اتصال الصفة بالمبهم أشد من اتصالها بسائر الموصوفات؛ لأن اسم الإشارة واسم الجنس كالشيء الواحد من جهة أن المقصود بهما جميعًا ما يقصد من الأسماء، ومنه امتنع: مررت بهذين العاقل والطويل، وجاز: مررت بالزيدين العاقل والطويل؛ لأن صفة غير اسم المبهم ليست في الامتزاج كالمبهم، قالوا: ولذلك لم يجز أيضًا نحو قولك: مررت بهذا ذي المال؛ لأن ذلك يؤدي إلى جعل ثلاثة أشياء شيئًا واحدًا، وإنه مرفوض. ومما مثلوا أيضًا لا تقول: لقيت هذا والخطوب كثيرة الرجل، وقريب من الفصل الأول في شرح الركني.
قوله: (ولأن قول الرؤساء: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وقول أتباعهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ من باب الخصومة)، الانتصاف: هذا يوافق التخاصم؛ لأن الخصومة من الجبهتين، خلافًا لمن قال: إن الكلام الأول من كلام خزنة جهنم، والثاني من كلام الأتباع؛ لأن الخصومة حينئذ من أحد الفريقين. والجواب ما سيجيء في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلأِ الأَعْلَى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
стр. 7179
[﴿قُلْ إنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ ومَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ * رَبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا بَيْنَهُمَا العَزِيزُ الغَفَّارُ﴾ ٦٥ - ٦٦]
﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي مكة: ما ﴿أَنَا﴾ إلا رسول ﴿مُنذِرٌ﴾: أنذركم عذاب الله للمشركين، وأقول لكم: إن دين الحق توحيد الله، وأن يعتقد أن لا إله إلا الله ﴿الوَاحِدُ﴾ بلا ند ولا شريك ﴿القَهَّارُ﴾ لكل شيء، وأن الملك والربوبية له في العالم كله، وهو ﴿العَزِيزُ﴾ الذي لا يغلب إذا عاقب العصاة، وهو مع ذلك ﴿الغَفَّارُ﴾ لذنوب من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي مكة: ﴿أَنَا﴾ إلا رسول ﴿مُنذِرٌ﴾)، يعني: هذه الآية متعلقة بأول السورة، فإنه تعالى لما أقسم بقوله: ص، إن القرآن حق، وإن محمدًا صلوات الله عليه لصادق، ثم أنكر على مشركي مكة عزتهم وشقاقهم وقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: ٤]، وتعجبهم من كونه منذرًا وأن الإله واحد، وعد قبائحهم وعنادهم وحسدهم، ثم استهزأ بهم بقوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ ثم خسأهم وأنهم جند ما هنالك مهزوم من جنس الأحزاب الخالية الذين كذبوا رسلهم فأهلكهم الله، وفصل ذكر الأنبياء مسليًا لحبيبه صلوات الله عليه ومستصبرًا له، كل ذلك تمهيدًا للأمر بالإنذار والبشارة والدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وتوطئة له، فقال: ﴿قُلْ إنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ﴾ ويدل عليه قوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ وإنما قرن مع"المنذر" الرسول في الوجه الأول دون الثاني؛ لأن المنذر إذن كناية عن كونه رسولًا، فلا يكون رسولًا إلا أن يكون منذرًا ومبشرًا، ولهذا عطف قوله: "وأقول لكم: إن دين الحق توحيد الله" على"أنذركم"، وفسره بقوله: "وأن يعتقد أن لا إله إلا الله" إلى قوله: "وهو مع ذلك الغفار لذنوب من التجأ إليه"، وعلى الوجه الثاني: "المنذر" مجرى على حقيقته. وقوله: "ما أعلم" إشارة إلى إطلاق لفظ ﴿مُنذِرٌ﴾ وإبهامه لتفخيم أمر ما ينذر به، وقوله: "أنا أنذر عقوبة من هذه صفته" عطف تفسيري وتقييد للمطلق، والحاصل أن قوله: ﴿ومَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ اللَّهُ﴾ في التنزيل على الوجهين عطف على مضمر يقدر بحسب تفسير قوله: ﴿مُنذِرٌ﴾ وينصر الوجه الأول قوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ وإليه الإشارة بقوله: "من كوني رسولًا منذرًا وأن الله واحد".
стр. 7180
التجأ إليه. أو: قل لهم: ما أنا إلا منذر لكم ما أعلم، وأنا أنذركم عقوبة من هذه صفته، فإن مثله حقيق بأن يخاف عقابه، كما هو حقيق بأن يرجى ثوابه.
[﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلأِ الأَعْلَى إذْ يَخْتَصِمُونَ * إن يُوحَى إلَيَّ إلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ٦٧ - ٧٠]
﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أنبأتكم به- من كوني رسولًا منذرًا، وأن الله واحد لا شريك له- نبأ عظيم لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة. ثم احتج لصحة نبوته بأن ما ينبئ به عن الملإ الأعلى واختصامهم أمر ما كان له به من علم قط، ثم علمه ولم يسلك الطريق الذي يسلكه الناس في علم ما لم يعلموا، وهو الأخذ من أهل العلم وقراءة الكتب، فعلم أن ذلك لم يحصل إلا بالوحي من الله. ﴿إن يُوحَى إلَيَّ إلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ﴾ أي: لأنما نذير. ومعناه: ما يوحى إلى إلا للإنذار، فحذف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: لأنما أنا نذير)، هذا إذا قرئ: ﴿أَنَّمَا﴾ بالفتح، وهي المشهورة، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون على نزع الخافض وإفضاء الفعل، والقائم مقام الفاعل في: ﴿يُوحَى﴾ الظرف، والمعنى: ما يوحى من أمر من الأمور إلا لأنذر وأبلغ ولا أفرط في ذلك. وثانيهما: أن يكون ﴿أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ﴾ هو القائم مقام الفاعل و ﴿إلَيَّ﴾ ظرف، والوحي على هذا بمعنى: الأمر، ولهذا قال: "ما أومر إلا بهذا الأمر"، فقوله: "وحده وليس إلى غير ذلك" معنى: ﴿أَنَّمَا﴾؛ لأن في الكلام حصرين كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [فصلت: ٦].
فإن قلت: فما هذا الحصر؟ كأنه صلوات الله عليه لم يوح إليه إلا لاختصاص النذارة أولم يؤمر إلا باختصاص الإنذار، كما قال: "وليس إلى غير ذلك"؟ قلت: المخاطبون مشركون، وكان الذي ينكرون عليه صلوات الله عليه الإنذار والدعوة إلى التوحيد، كما مضى من مفتتح السورة إلى أن بلغ إلى قوله: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ فما أوثر اختصاص
стр. 7181
اللام وانتصب بإفضاء الفعل إليه. ويجوز أن يرتفع على معنى: ما يوحى إلى إلا هذا، وهو أن أنذر وأبلغ ولا أفرط في ذلك، أي: ما أومر إلا بهذا الأمر وحده، وليس غير ذلك. وقرئ: (إنما) بالكسر على الحكاية، أي: إلا هذا القول؛ وهو أن أقول لكم: إنما أنا نذير مبين، ولا أدعي شيئًا آخر. وقيل: النبأ العظيم: قصص آدم ﵇ والإنباء به من غير سماع من أحد. وعن ابن عباس: القرآن. وعن الحسن: يوم القيامة. فإن قلت: بم يتعلق ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾؟ قلت: بمحذوف؛ لأن المعنى ما كان لي من علم بكلام الملإ الأعلى وقت اختصامهم. و ﴿إِذْ قَالَ﴾ بدل من ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾. فإن قلت: ما المراد بالملإ الأعلى؟ قلت: أصحاب القصة: الملائكة وآدم وإبليس؛ لأنهم كانوا في السماء، وكان التقاول بينهم. فإن قلت: ما كان التقاول بينهم، إنما كان بين الله تعالى وبينهم؛ لأن الله سبحانه هو الذي قال لهم وقالوا له، فأنت بين أمرين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإنذار إلا لاختصاص من المنذرين وبذا أمرهم، وكان الواجب قلع الشرك وإزالة ما ينبغي إزالته، فإذا أزيل ذلك وبدل بالإيمان والأعمال الصالحة جاز أن يبشروا، كما قال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَاسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف: ٢]، كأنه قال صلوات الله عليه: ما يوحى الآن في شأنكم إلا لأن أنذركم.
قوله: (فأنت بين أمرين)، أي: أمرين ممتنعين؛ لأنك إذا قلت: الملأ الأعلى: الملائكة، والخصومة: هي المقاولة التي جرت بينهم وبين الله في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، إلى آخره، يدل عليه قوله ها هنا: ﴿إنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ﴾ فلا يصح معنى ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، لأن الاختصام ليس بين الملائكة، بل بينهم وبين الله تعالى، وإن جعلت ﴿اللهُ﴾ من قبيل الملأ الأعلى التغليب فقد أبعدت المرمى.
وأجاب بما يلزم إسناد ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ أن يكون حقيقة ومجازًا معًا، وهو ضعيف كما علم، والأولى أن لا يجعل ﴿إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ بدلًا من ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، بل يكون منصوبًا
стр. 7182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بإضمار "اذكر" ويفسر المخاصمة بما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي عن معاذ ابن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : "إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي فتعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي ﵎ في أحسن صورة، فقال: يا محمد، قلت لبيك يا ربي، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثًا، قال فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد، قلت: لبيك رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، قال ما هن؟ قلت: مشي الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين المكروهات، قال: ثم فيم؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سل، قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك. فقال رسول الله ﷺ : إنها حق، فادرسوها ثم تعلموها". وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا صحيح. وبه فسر محيي السنة الآية وصاحب"المطلع" أيضًا.
وقال التوربشتي: ومعنى اختصام الملائكة: تفاوضهم في فضل كل واحد من الجنسين، أعني الدرجات والكفارات، ويحتمل أن يكون المراد منه: اغتباط الملائكة بني آدم بهذه الفضائل لاختصاصهم بها وتقاولهم في فضل البشر، والسبب الموجب لذلك مع تهافتهم في الشهوات، ثم قال: والاختصام الذي في الآية والذي في الحديث يحتمل أنما في قضية واحدة، ويحتمل أن كل واحد في قضية، أما الأول فقد ذهب إليه بعض أهل العلم من
стр. 7183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المفسرين والمحدثين، وقد ذكروا الحديث في تفسير الآية، غير أنهم لم يبينوا وجه التناسب، وهو يسير على من يسره الله، وهو أن الملائكة لما استقروا الأوضاع البشرية فلم يهتدوا إلى وجه الحكمة في تكريم آدم بسجودهم، نبأهم الله عما أيدوا به من الدرجات والكفارات، ثم قال: والأظهر أن نقول: الاختصاص في الآية غير ما في الحديث، وذلك أن ما في الآية هو تقاول الملائكة في أمر السجود، وقد أمر الله نبيه بأن يحتج على منكري نبوته بما أوحى إليه من قصة الملائكة وآدم؛ ليكون دليلًا على نبوته، أما الحديث فإنه إخبار عما كوشف به في المنام، ومما يدل على التغاير أن في الآية نفى عن النبي ﷺ العلم باختصام الملائكة، وفي الحديث لم ينف هو عن نفسه علم الاختصام، وإنما نفى عنه علم ما كان الملائكة يختصمون فيه، مما يدل عليه أيضًا كشف الآية عن اختصام قد مضى، وإخبار النبي ﷺ عن اختصام لم يمض، إذ قال له ربه: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ تنبيها على أن حال الاختصام باقيه. وأيضًا إن السورة مكية، والحديث يدل على أن الرؤيا أريها صلوات الله عليه بالمدينة.
أما الجواب عن قوله: "إن تقاول الملائكة في أمر السجود"، وقوله: "وأما الحديث فإنه إخبار عما كوشف بها في المنام"، فإن هذا مبني على أن قوله: ﴿إذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ بدل من ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ وقد بينا ضعفه، على أن البدل فيه ما ينافي الخصومة وهو الفاء في ﴿فَسَجَدَ﴾ فإنها فصيحة، كأنه قيل: فسواه الله ونفخ فيه فسجد الملائكة، فآذنت بسرعة الامتثال وأنه ﵇ كما وجد لم يتوقف سجودهم عن الوجود مدحًا لهم عليه بالإذعان لأمر الله، فلو توهم التوقف كان ذمًا لهم، كما ذم إبليس بقوله: ﴿إلاَّ إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾ فضلًا عن المقاولة في المأمور به، وأيضًا لو كان قوله: ﴿إذْ قَالَ﴾ بدلًا من ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ لكان الظاهر أن يقال: إذ قال ربي للملائكة؛ لقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلأِ الأَعْلَى﴾، وليس المقام مما يقتضي الالتفات.
وعن قوله: "إن النفي في الآية غير النفي في الحديث؛ لأن نفي الاختصام غير، ونفي ما
стр. 7184
إما أن تقول: الملأ الأعلى هؤلاء، وكان التقاول بينهم، فلم يكن التقاول بينهم؛ وإما أن تقول: التقاول كان بين الله وبينهم؛ فقد جعلته من الملإ الأعلى. قلت: كانت مقاولة الله سبحانه بواسطة ملك، وكان المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسط، فصح أن التقاول كان بين الملائكة وآدم وإبليس، وهم الملأ الأعلى. والمراد بالاختصام: التقاول، على ما سبق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه الاختصام غير"، فإن غايته أن ما في الآية مبهم وما في الحديث مؤقت، فيكون الحديث مفسرًا للآية، على أن لابد من التفسير، ولذلك جعل المصنف ﴿إِذْ قَالَ﴾ بدلًا منه.
وعن قوله: "كشف الآية عن اختصام قد مضى، والخبر عن اختصام لم يمض"، فإن ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ في الآية وارد على حكاية الحال الماضية، فيدل على استمرار الخصومة واستحضارها في مشاهدة السامع فيما مضى وقتًا فوقتًا، وفيما سيجيء حالًا فحالًا.
وعن قوله: "السورة مكية، والحديث مدني"، فإن هذا النقل موقوف على بيان الرواية وصحتها على أنه يجوز أن يكون الله نبهه صلوات الله عليه في مكة على اختصام الملائكة واغتباطهم لبني آدم وما فيهم من الفضائل مجملًا، ثم نبهه ثانيًا في المدينة مفصلًا، والله أعلم بحقيقة الحال.
وأما بيان النظم فإنه تعالى لما أمر نبيه صلوات الله عليه بأن يقول: ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولًا منذرًا وأن الله واحد لا شريك له وقهار ومالك للعالمين وعزيز غفار، وأدمج فيه معنى العبادة، وأنه تعالى ما خلق الخلق إلا ليعبد ويعرف، وأراد أن يعظم ذلك أمر نبيه صلوات الله عليه بأن يعظمه ثانيًا ويقول: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلأِ الأَعْلَى﴾ أي: بفضل هذا واختصاصه ببني آدم واختصام الملائكة فيه واغتباطهم للبشر، وما أمروا بالسجود لآدم إلا لتلك الكرامات والفضائل، إلا أن الله تعالى أعلمني بالوحي وأمرني بالدعوة فيه والإنذار لمن امتنع منه، فيكون قوله: ﴿إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ مستطردًا لحديث الخصومة في فضائل البشر؛ لما فيه من التكرمة لآدم من كونه مسجودًا للملائكة، والله أعلم.
стр. 7185
[﴿إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ (٧١) فَإذَا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إلاَّ إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ﴾ ٧١ - ٧٤]
فإن قلت: كيف صح أن يقول لهم: ﴿إنِّي خَالِقٌ بَشَرًا﴾ وما عرفوا ما البشر ولا عهدوا به قبل؟ قلت: وجهه: أن يكون قد قال لهم: إني خالق خلقًا من صفته كيت وكيت، ولكنه حين حكاه اقتصر على الاسم. ﴿فَإذَا سَوَّيْتُهُ﴾: فإذا أتممت خلقه وعدلته، ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾: وأحييته وجعلته حساسًا متنفسًا ﴿فَقَعُوا﴾: فخروا.
"كل": للإحاطة. و ﴿أَجْمَعُونَ﴾: للاجتماع، فأفادا معًا أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعًا في وقت واحد غير متفرقين في أوقات.
فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله؟ قلت: الذي يسوغ هو السجود لغير الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فأفادا معًا أنهم سجدوا عن آخرهم … وأنهم سجدوا جميعًا في وقت واحد)، قال صاحب"الفرائد": يشكل ما ذكر بقوله حكايةً عن إبليس: ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]، ورأيت في بعض الحواشي عن الشيخ عبد القاهر: أن زعم من زعم أن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ للاجتماع خطأ؛ لأنه صح أن يقال: ناظرت علماء الشرق أجمعين، ولم تكن المناظرة بالاجتماع في وقت واحد، ويمكن أن يقال: إذا كان ﴿أَجْمَعُونَ﴾ بدون الكل أفاد التأكيد المجرد، وهو أن لا يخرج أحد من الفعل، فلم يكن الاجتماع في وقت واحد، بل الاجتماع في الفعل، وإذا كان مع الكل، فالكل للإحاطة، والأجمعون للاجتماع في وقت واحد.
وبيانه: أن اللام في الملائكة للاستغراق دخلت على صيغة الجمع فتفيد الشمول، ثم أكد بقوله: ﴿كُلُّهُمْ﴾ لدفع توهم غير الشمول والإحاطة، فأردف بقوله: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ ولا بد له من فائدة زائدة، وحاصله أن سبيل ﴿أَجْمَعُونَ﴾ سبيل المظهر إذا وضع موضع المضمر، لاسيما دلالة الفاء الفصيحة في قوله: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾ على ما سبق، على أن مطلق الأمر في هذا المقام لا يفيد إلا الفور.
стр. 7186
على وجه العبادة، فأما على وجه التكرمة والتبجيل فلا يأباه العقل، إلا أن يعرف الله فيه مفسدة فينهى عنه. فإن قلت: كيف استثني إبليس من الملائكة وهو من الجن؟ قلت: قد أمر بالسجود معهم فغلبوا عليه في قوله: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾، ثم استثني كما يستثنى الواحد منهم استثناء متصلًا. ﴿وكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ﴾ أريد: وجود كفره ذلك الوقت وإن لم يكن قبله كافرًا؛ لأن"كان" مطلق في جنس الأوقات الماضية في، فهو صالح لأيها شئت. ويجوز أن يراد: وكان من الكافرين في الأزمنة الماضية في علم الله.
[﴿قَالَ يَا إبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ٧٥ - ٧٦]
فإن قلت: ما وجه قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾؟ قلت: قد سبق لنا أن ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيديه، فغلب العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغيرهما، حتى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن"كان" مطلق في جنس الأوقات الماضية)، روى الزجاج عن أبي العباس أن"كان" لقوته على معنى المضي عبارة عن كل فعل ماض، ثم قال الزجاج: إن"كان" هو على باب سائر الأفعال؛ إلا أن فيه إخبارًا عن الحال قيما مضى، إذا قلت: كان زيد عالمًا، فقد أنبأت أن حاله فيما مضى من الدهر هذا، وإذا قلت: سيكون عالمًا، فقد أنبأت أن حاله سيقع فيما يستقبل، فهما عبارتان عن الأفعال والأحوال.
قوله: (فغلب العمل باليدين على سائر الأعمال)، الراغب: لما كانت اليد العاملة يختص بها الإنسان- وهي أعظم جارحة- نفعًا، بل عامة المنافع راجعة إليها حتى لو توهمناها مرتفعة ارتفع بها الصناعات التي بها قوام العالم كالبناء والحوك والصوغ والكتابة، صارت مستعارة في القوى جميعا والمنافع كلها، حتى قيل: فلان يد فلان، إذا قواه. وقيل
стр. 7187
قيل في عمل القلب: هو مما عملت يداك، وحتى قيل لمن لا يدي له: "يداك أو كتا وفوك نفخ"، وحتى لم يبق فرق بين قولك: هذا مما عملته، وهذا مما عملته يداك.
ومنه قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِنَا﴾ [يس: ٧١] و: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للنعمة: يد؛ لما صارت معينةً للمعطي إعانة يده، وحتى صارت مستعارةً في الله تعالى.
قوله: (يداك أو كتا وفوك نفخ)، قال الميداني: قال المفضل: أصله أن رجلًا كان في جزيرة من جزائر البحر فأراد أن يعبر على زق قد نفخ فيه، فلم يحسن إحكامه، حتى إذا توسط البحر خرجت منه الريح فغرق، فلما غشيه الموت استغاث برجل، فقال له: يداك أو كتا. يضرب لمن يجني على نفسه الحين.
وقال المصنف في " المستقصى": أصله أن شابًا انتهى إلى جوار يستقين بالقرب، فكان يلاعبهن وينفخ في بعض القرب ثم يوكيه، فقتله بعض إخوانهن غيرة، فأخبر أخ المقتول بملاعنتهن، فقال ذلك، فضرب للجاني على نفسه.
قوله: (فما معنى قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، الفاء للتسبيب، يعني إذا كان معنى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ العمل وكونه مخلوقًا لله، فما وجه اختصاصه في هذا المقام؟ وخلاصة الجواب: أن ذلك الأمر كان ابتلاءً محضًا للملائكة وإبليس في أنهم هل يؤثرون النص على القياس أو يرجحون القياس؟ بدليل التمثيل بالوزير والملك، فالملائكة مع جلالتهم آثروا النص فامتثلوا لأمر الله تعظيمًا له وإجلالًا لخطابه، وإبليس مع ضعته آثر القياس، حيث قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ فقيل له على سبيل القول بالموجب: هب أنه كان مخلوقًا من تراب فهلا نظرت إلى أمري فسجدت ولم تنظر إلى تلك العلة فلم تمتنع؟ وإليه الإشارة بقوله: "لم تركته مع وجود هذه العلة"، فقوله: "من السجود" بيان"ما
стр. 7188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تركته"، يعني: ذكر لإبليس السجود مع تلك العلة ووبخه عليها في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ هذا تطويل وإخفاء للشمس بالطين لحب المذهب، فإنه تعالى علل إنكاره عليه بعدم السجود بهذه العلة التي تدل عل تكرمة المسجود له، بدليل قوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ ثم إيراد اللعين ذلك القياس الفاسد حيث قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ فكيف يجعل قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ متضمنا لهذا، وقد جعل جوابًا للإنكار.
قال صاحب" الانتصاف": أطال الزمخشري فارًا من معتقدين:
أحدهما: أن اليدين من صفات الذات أثبتها السمع، هذا مذهب الشيخ أبي الحسن والقاضي، وأبطلا حمل اليدين على القدرة، بأن اليدين تثنية، وقدرة الله واحدة، وأبطلا الحمل على النعمة، فإن نعم الله لا تحصى. وأما غيرهما من أهل السنة كإمام الحرمين وغيه فاختار الحمل على النعمة والقدرة، أجاب عما ذكراه بنعمة الدنيا والآخرة، وبهذا يتحقق فضله على إبليس إذ لم يخلق لنعمة الآخرة، وقد يراد بالتثنية التعظيم.
والمعتقد الثاني: أن النبي ﷺ أفضل من الملك، والزمخشري شديد التعصب فيه، فلا جرم مثل قصة آدم في انحطاط رتبته ببعض سقاط الحشم مثالًا لآدم الذي هو عنصر الأنبياء، وأقام لإبليس عذره وصحح اعتقاده في أنه أفضل من آدم، وإنما غلطه من جهة أنه لم يجعل نفسه أسوة الملائكة مع علمهم بأن آدم ﵇ ساقط المنزلة، والمراد ضد ما ذكره الزمخشري وهو: تعظيم معصية إبليس إذ لم يعظم من كرمه الله عليه وخلقه بيديه؛ وذلك تعظيم لا تحقير، وفي حديث الشفاعة يقولون: "أنت آدم خلقك الله بيديه وأسجد لك ملائكته" وذلك كله تعظيم آدم وخصائصه، وقلت: كذلك في محاجة موسى وآدم.
стр. 7189
قلت: الوجه الذي استنكر له إبليس السجود لآدم، واستنكف منه: أنه سجود لمخلوق، فذهب بنفسه، وتكبر أن يكون سجوده لغير الخالق، وانضم إلى ذلك أن آدم مخلوق من طين، وهو مخلوق من نار، ورأى للنار فضلًا على الطين؛ فاستعظم أن يسجد لمخلوق مع فضله عليه في المنصب، وزل عنه أن الله سبحانه حين أمر به أعز عباده عليه وأقربهم منه زلفى، وهم الملائكة، وهم أحق بأن يذهبوا بأنفسهم عن التواضع للبشر الضئيل، ويستنكفوا من السجود له من غيرهم، ثم لم يفعلوا وتبعوا أمر الله وجعلوه قدام أعينهم، ولم يلتفتوا إلى التفاوت بين الساجد والمسجود له؛ تعظيمًا لأمر ربهم وإجلالًا لخطابه- كان هو مع انحطاطه عن مراتبهم حرى بأن يقتدي بهم يقتضي أثرهم، ويعلم أنهم في السجود لمن هو دونهم بأمر الله، أوغل في عبادته منهم في السجود له؛ لما فيه من طرح الكبرياء وخفض الجناح، فقيل له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، أي: ما منعك من السجود لشيء هو كما تقول مخلوق خلقته بيدي- لا شك في كونه مخلوقًا- امتثالًا لأمري وإعظامًا لخطابي كما فعلت الملائكة؟ فذكر له ما تركه من السجود مع ذكر العلة التي تشبث بها في تركه، وقيل له: لم تركته مع وجود هذه العلة، وقد أمرك الله به؟ يعني: كان عليك أن تعتبر أمر الله ولا تعتبر هذه العلة، ومثاله: أن يأمر الملك وزيره أن يزور بعض سقاط الحشم، فيمتنع اعتبارًا لسقوطه، فيقول له: ما منعك أن تتواضع لمن لا يخفى علي سقوطه؟ يريد: هلا اعتبرت أمري وخطابي وتركت اعتبار سقوطه! وفيه: أني خلقته بيدي، فأنا أعلم بحاله، ومع ذلك أمرت الملائكة بأن يسجدوا له لداعي حكمة دعاني إليه: من إنعام عليه بالتكرمة السنية، وابتلاء للملائكة، فمن أنت حتى يصرفك عن السجود له ما لم يصرفني عن الأمر بالسجود له؟ ! . وقيل: معنى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾: لما خلقت بغير واسطة. وقرئ: (بيدي)، كما قرئ: ﴿بِمُصْرِخِيِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، و: (بيدي) على التوحيد. ﴿مِنَ الْعَالِينَ﴾: ممن علوت وفقت،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ممن علوت وفقت)، "من" في "ممن علوت" موصلة، وصلته "علوت"، فسر
стр. 7190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ به؛ لأن أصله"أستكبرت أم علوت؟ " فأريد مزيد الإنكار عليه، فقيل: أستكبرت أم كنت الذي علوت؟ كما نقل عن سيبويه: أنت الذي يفعل، على الخطاب، ثم لمزيد التوبيخ جمعه وأدخله في زمرة العالين وقال: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ فوضع ﴿مِنَ الْعَالِينَ﴾ موضع"الذي علوت"، كقوله تعالى ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨]، أي: قال، وقولك: فلان من العلماء، أي: عالم، إيذانًا بأن له مساهمة معهم في العلم وأن الوصف كاللقب المشهود له، وإنما قلنا: إن الأصل ذلك؛ لأنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦١]، ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَلَاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٦٢]، أبلغكم صفة ﴿رَسُولٌ﴾ وجاز وإن كان الرسول لفظه لفظ الغائب؛ لأن الرسول واقع خبرًا عن ضمير المتكلم فكان في معناه، فعلم أن أصله: لكني أبلغكم رسالات ربي، فأدخل: ﴿رَسُولٌ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ توطئةً وتمهيدًا المزيد الإيهام والتعظيم.
ومن الأسلوب ما روينا في حديث جبير بن مطعم عن النبي ﷺ : "لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب". أخرجه مسلم والبخاري.
أنا الذي سمتني أمي حيدره .... كليث غابات كريه المنظره
لأنه ﵁ بيدي به بسالته، وأنه ممن لا يخفى حالة على أحد في شجاعته، ولو قيل: أنا الذي سمته أمه حيدرة؛ لكان أخبر عن شخص ما بينه وبين المخاطب عهد، وأنه مسمى بهذا الاسم، فقال: أنا ذلك المسمى فاعرفه، لكن عدل إلى قوله: "سمتني" لتلك النكتة، وإن شئت أن تعرف أن الموصولات مقحمة للتفخيم جرب ذوقك في الحديث الذي رويناه: "وقل: أنا الماحي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر يحشر الناس على قدمي":
стр. 7191
فأجاب بأنه من العالين حيث قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾. وقيل: أستكبرت الآن، أم لم تزل منذ كنت من المستكبرين؟ ومعنى الهمزة: التقرير. وقرئ: (استكبرت) بحذف حرف الاستفهام؛ لأن ﴿أَمْ﴾ تدل عليه. أو بمعنى الإخبار. هذا على سبيل الأولى، أي: لو كان مخلوقًا من نار لما سجدت له؛ لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني؛ لأنه من طين، والنار تغلب الطين وتأكله، وقد جرت الجملة الثانية من الأولى- وهي: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ﴾ - مجرى المعطوف عطف البيان من المعطوف عليه في البيان والإيضاح.
[﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإنَّكَ رَجِيمٌ * وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٧٧ - ٧٨]
﴿مِنْهَا﴾: من الجنة. وقيل: من السماوات. وقيل: من الخلقة التي أنت فيها؛ لأنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته فاسود بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنًا، وأظلم بعدما كان نورانيًا. والرجيم: المرجوم، ومعناه: المطرود، كما قيل له: المدحور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقل: أنا سمتني أمي حيدرة، وفي استشهاد سيبويه: أنت تفعل. لتجد صحة التركيب مع فقدان الذوق عند الحذف.
قوله: (هذا على سبيل الأولى)، ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ في قوله: "فأجاب بأنه من العالين"، حيث قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾، يعني: هذا المذكور أولى من الجواب المطابق وهو قوله: ﴿مِنَ الْعَالِينَ﴾؛ لأنه جواب مع العلة، ولهذا قال: لو كان مخلوقًا من نار سجدت له؛ لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني؟ ولو أجاب على مقتضى الظاهر وقال: أنا من العالين، لم يفد هذه الفائدة، ويقرب أن يسمى جواب إبليس من الأسلوب الأحمق، ولهذا عقبه بقوله: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾.
قوله: (وأظلم بعدما كان نورانيا)، قال: هذا يدل على أنه لم يكن كافرًا حين كان من الملائكة، ولأن الله لم يحك عنه إلا الاستكبار بأنه لم يسجد، وهذا دليل على أنه صار كافرًا حين لم يسجد.
стр. 7192
والملعون؛ لأن من طرد رمي بالحجارة على أثره. والرجم: الرمي بالحجارة. أو لأن الشياطين يرجمون بالشهب. فإن قلت: قوله: ﴿لَعْنَتِي إلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ كأن لعنة إبليس غايتها يوم الدين ثم تنقطع؟ قلت: كيف تنقطع وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤]. ولكن المعنى: أن عليه اللعنة في الدنيا، فإذا كان يوم الدين اقترن له باللعنة ما ينسى عنده اللعنة، فكأنها انقطعت.
[﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ * إلَى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ٧٩ - ٨١]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (اقترن له باللعنة ما ينسى عنده اللعنة)، يريد: أن اللعنة في الدنيا هي الطرد والبعد، فهي مطلقة من العذاب، فينتهي هذا المطلق ذلك اليوم ثم يصير المطلق مقيدًا بالعذاب، ونحوه حديث عائشة ﵂: "إذا حاضت حرم الحجران"، ومعناه أن حرمه الدبر قبل الحيض منفردة، وإذا حاضت انضمت إلى حرمة الدبر حرمة القبل وانقطع انفراد حرمة الدبر.
قال صاحب"الفرائد": سألني بعض الأكابر عن هذا فقلت: اللعنة: التبعيد عن رحمة الله تعالى، وتبعيد إبليس في كل زمان إلى يوم القيامة؛ لأن تبعيده بقدر إغوائه عباد الله وذلك إلى يوم القيامة؛ لأنه جاء يوم القيامة لم يكن له إغواء فبعده من رحمة الله في التزايد إلى يوم القيامة، فقبلوا هذا الجواب واستحسنوه.
وقلت: هاهنا ثلاث عبارات: ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠]، وهو: يوم الجزاء، و ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]، وهو يوم الحشر، و ﴿يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [ص: ٨١]، وهو الوقت الذي فيه النفخة الأولى، ولا ارتياب أن إغواءه إنما ينتهي إلى آخر أيام التكليف وهو الوقت المعلوم، ولهذا لما طلب الإغواء إلى يوم البعث أجيب إلى يوم الوقت المعلوم، واختصاص يوم الدين؛ لأجل أن الجزاء والعذاب إنما يبتدأ منه، فصح قول المصنف.
стр. 7193
فإن قلت: ما الوقت المعلوم الذي أضيف إليه اليوم؟ قلت: الوقت الذي تقع فيه النفخة الأولى. ويومه: اليوم الذي وقت النفخة جزء من أجزائه. ومعنى ﴿الْمَعْلُومِ﴾: أنه معلوم عند الله معين، لا يستقدم ولا يستأخر.
[﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ٨٢ - ٨٣]
﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾: إقسام بعزة الله تعالى؛ وهي سلطانه وقهره
[﴿قَالَ فَالْحَقُّ والْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٨٤ - ٨٥]
قرئ: (فالحق والحق) منصوبين؛ على أن الأول مقسم به، ك"الله" في:
إن عليك الله أن تبايعا
وجوابه: ﴿لأَمْلأَنَّ﴾، ﴿والْحَقَّ أَقُولُ﴾: اعتراض بين المقسم به والمقسم عليه، ومعناه: ولا أقول إلا الحق. والمراد بالحق: إما اسمه عز وعلا الذي في قوله: ﴿أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أو: الحق الذي هو نقيض الباطل؛ عظمه الله بإقسامه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قرئ: "فالحق")، كلهم إلا حمزة وعاصمًا.
قوله: (إن عليك الله أن تبايعا)، تمامه في"المطلع" من بيت الكتاب:
تؤخذ كرها أو ترد طائعا
كان شخص أخذ قهرًا بأن يبايع والياء، وقيل: إن عليك أن تبايع، أي: الواجب أو القسم عليك وحق الله أن تبايع فلانًا أخذت كرهًا لأجل ذلك، ثم بعد المبايعة ترد طوعًا، و"تؤخذ" بدل من"تبايع"، أي: بدل الفعل من الفعل كبدل الاسم من الاسم.
стр. 7194
به؛ ومرفوعين على أن الأول مبتدأ محذوف الخبر، كقوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢]، أي: فالحق قسمي لأملأن، والحق أقول، أي: أقول، كقوله:
كله لم أصنع
ومجرورين: على أن الأول مقسم به قد أضمر حرف قسمه، كقولك: الله لأفعلن، و"الحق" أقول، أي: ولا أقول إلا "الحق" على حكاية لفظ المقسم به، ومعناه: التوكيد والتشديد. وهذا الوجه جائز في المنصوب والمرفوع أيضًا، وهو وجه دقيق حسن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كقوله: كله لم أصنع)، يعني: أن الضمير المنصوب محذوف للتخفيف، تقديره: لم أصنعه. أوله لأبي النجم:
قد أصبحت أم الخيار تدعي .... علي ذنبًا كله لم أصنع
"كله" لم ينصبه؛ ولأنه لو نصبه لكان ذلك إقرارًا منه بأنه قد صنع بعضه، ورفعه ليؤذن بأنه لم يصنع منه شيئًا قط، ففي أحدهما: سلب العموم، وفي الآخر: عموم السلب.
قوله: (وهو وجه حسن دقيق)، أي: جعل الثاني حكاية عن الأول ومعربًا بإعرابه، فتقول على المجرور: فالله لأملأن جهنم. والحق أن القسم حق، وعلى المنصوب: فالله لأملان، والحق أن هذا القول حق، وعلى المرفوع: فالحق قسمي لأملأن.
﴿والْحَقَّ أَقُولُ﴾، أي: هو سنتي وعادتي، فعلى هذا لا يكون اعتراضًا بل يكون لمجرد التوحيد كالتكرير.
فإن قلت: فسر على تقدير النصب معنى قوله: "الحق أقول" على الحصر بقوله: "ولا أقول إلا الحق" وهو جائز؛ لأنه مفعول قدم على عامله؟ وما وجهه على الجر؟
стр. 7195
وقرئ: برفع الأول وجره مع نصب الثاني، وتخريجه على ما ذكرنا.
﴿مِنْكَ﴾: من جنسك؛ وهم الشياطين، ﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ من ذرية آدم. فإن قلت: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد لماذا؟ قلت: لا يخلو أن يؤكد به الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾، أو الكاف في ﴿مِنْكَ﴾ مع (من تبعك). ومعناه: لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحدًا. أو: لأملأنها من الشياطين وممن تبعهم من جميع الناس، لا تفاوت في ذلك بين ناس وناس بعد وجود الأتباع منهم من أولاد الأنبياء وغيرهم.
[﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ومَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ * إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ ٨٦ - ٨٨]
﴿عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ الضمير للقرآن، أو للوحي، ﴿ومَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله، وما عرفتموني قط متصنعًا ولا مدعيًا ما ليس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: إنه على القسم، والقسم في المعنى يفيد معنى الحصر والجزم في القول.
قوله: (وتخريجه على ما ذكرنا)، فرفع الأول للابتداء، وجره للقسم، ونصب الثاني على أنه مفعول مقدم، والجملة معترضة.
قوله: (ومعناه: لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين ﴿أَجْمَعِينَ﴾)، هذا على أن يكون ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيدًا للكاف مع ﴿مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الحجر: ٤٢]، فيرجع معنى التأكيد إلى التابع والمتبوع معًا، ولذلك قال: "لا أترك منهم أحدًا"، وقوله: "أو لأملأنها من الشياطين وممن يتبعهم من جميع الناس"، وعلى هذا يرجع معنى التأكيد إلى التابعين دون المتبوعين، ولذلك قال: "من جميع الناس، لا تفاوت في ذلك بين ناس وناس"؛ وإنما ترك توكيد الشياطين لما أن حال التابعين إذا بلغ إلى أن اتصل إلى أولاد الإنسان، فما بال المتبوعين؟
قوله: (وما عرفتموني قط متصنعًا)، يعنى: أن قوله: ﴿ومَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ليس
стр. 7196
عندي، حتى أنتحل النبوة وأتقول القرآن، ﴿إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ﴾ من الله ﴿لِّلْعَالَمِينَ﴾: للثقلين أوحي إلي فأنا أبلغه. وعن رسول الله ﷺ : "للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم". ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ أي: ما يأتيكم عند الموت، أو يوم القيامة، أو عند ظهور الإسلام وفشوه، من صحة خبره، وأنه الحق والصدق. وفيه تهديد.
عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة ﴿ص﴾ كان له بوزن كل جبل سخره الله لداود عشر حسنات، وعصمه أن يصر على ذنب صغير أو كبير".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بإعلام لهم، بل يستشهدهم ويذكرهم علمهم فيه بأن كما رأوه وعلموه ليس بمتكلف فيه.
تمت السورة
حامدًا الله ومصليًا على رسول الله
* * *
стр. 7197
سورة الزمر
مكية، إلا قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ الآية
وتسمى سورة الغرف
وهي خمس وسبعون آية، وقيل: ثنتان وسبعون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[﴿تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ * إنَّا أَنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ ولَدًا لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ﴾ ١ - ٤]
﴿تَنزِيلُ الكِتَابِ﴾ قرئ: بالرفع على أنه مبتدأ أخبر عنه بالظرف، أو خبر مبتدأ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الزمر
مكية إلا قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الاية
وهي خمس وسبعون، وقيل: ثنتان وسبعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (قرئ بالرفع)، وهي المشهورة.
стр. 7198
محذوف، والجار صلة التنزيل، كما تقول: نزل من عند الله، أو غير صلة، كقولك: هذا الكتاب من فلان، وهو على هذا خبر بعد خبر؛ أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا تنزيل الكتاب، هذا من الله، أوحال من التنزيل عمل فيها معنى الإشارة؛ بالنصب على إضمار فعل، نحو: اقرأ، والزم. فإن قلت: ما المراد بالكتاب؟ قلت: الظاهر على الوجه الأول: أنه القرآن، وعلى الثاني: أنه السورة. ﴿مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾: ممحضًا له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد وتصفية السر. وقرئ: (الدين) بالرفع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو حال من التنزيل عمل فيها معنى الإشارة)، هذا مما منعه بعضهم واختاره الزجاج، وقد استقصينا القول فيه في فاتحة"البقرة".
قوله: (الظاهر على الوجه الأول أنه القرآن)، والوجه الأول: هو أن يكون ﴿تَنزِيلُ الكِتَابِ﴾ مبتدأ أخبر عنه بالظرف؛ لأن المعنى: تنزيل القرآن من عند الله العزيز الحكيم.
والوجه الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه السورة قول من عند الله أو هذا تنزيل السورة كائنًا من عند الله، يدل عليه ما جاء في فواتح السور التي حليت بأسماء الإشارة نحو ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ فإن الكتاب مفسر فيها باسم السورة غالبا، كما استقرأنا من كلامه، وأما القراءة بالنصب على تقدير" الزم" أو اقرأ" فالظاهر أنه القرآن.
قوله: (من الشرك والرياء)، لف لقوله: "بالتوحيد وتصفية السر"، وفي"المطلع": قصد العبد بعمله ونيته رضا الله لا يشوبه بشيء من عرض الدنيا. الراغب: الخالص كالصافي؛ إلا أن الخالص هو ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه يقال: خلصته فخلص، ولذلك قال الشاعر:
стр. 7199
وحق من رفعه أن يقرأ (مخلصًا) بفتح اللام، كقوله تعالى: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خلاص الخمر من نسج الفدام
والفدام: ما يوضع في فم الإبريق ليصفى به ما فيه. وقال الله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] وإخلاص المؤمنين أنهم قد تبرؤوا مما يدعيه اليهود من التشبيه، والنصارى من التثليث. قال تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وحقيقة الإخلاص: التعري عن كل ما دون الله، وقال الشيخ العارف الأنصاري: الإخلاص إخراج رؤية العمل من العمل، والخلاص من طلب العوض على العمل، والنزول عن الرضا بالعمل.
قوله: (وحق من رفعه أن يقرأ" مخلصًا بفتح اللام)، إلى آخره، معرفة هذا الكلام موقوفة على معرفة كلام الزجاج؛ لأنه بناه عليه، قال الزجاج: قوله ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ منصوب بوقع الفعل عليه، و ﴿مُخْلِصًا﴾ منصوب على الحال، أي: فاعبد الله موحدًا له لا تشرك به شيئًا. وزعم بعض النحويين أنه يجوز" مخلصًا له الدين" برفع ﴿الدِّينَ﴾؛ على أن قولك" مخلصًا" تمام الكلام، ويكون ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ مبتدأ وخبرًا، وهذا لا يجوز من وجهين: أحدهما أنه لم يقرأ به، والآخر أنه يفسده ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ﴾، فيصير ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ مكررًا في الكلام لا يحتاج إليه.
وهو المراد من قول المصنف: "رجع الكلام إلى قولك: لله الدين، ألا لله الدين الخالص"، ولهذا الإشكال قال: "وحق من رفعه أن يقرأ" مخلصًا" بفتح اللام"، فيكون حالًا من" الله" تعالى لا من"العابد"، فيتصل قوله: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ بالحال اتصال قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قال عربيًا حال موطئة كقولك: جاءني زيد رجلًا صالحًا، فيقع الاستئناف في موقعه، أي:
стр. 7200
[النساء: ١٤٦] حتى يطابق قوله: ﴿ألَا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، والخالص والمخلص واحد، إلا أن يصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد المجازي، كقولهم: شعر شاعر، وأما من جعل ﴿مُخْلِصًا﴾ حالًا من العابد، و ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ مبتدًا وخبرًا، فقد جاء بإعراب رجع به الكلام إلى قولك: لله الدين ﴿ألَا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. ﴿ألَا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي: هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة كدر؛ لاطلاعه على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عند قوله: ﴿ألَا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ اللهم إلا أن يجعل من رفع"الدين" و ﴿مُخْلِصًا﴾ بالكسر " الدين" فاعل ﴿مُخْلِصًا﴾ على الإسناد المجازي، أي: فاعبد الله مخلصًا دينك لله، وأصله مخلصًا الدين لله؛ بالنصب، فيتصل به ويقع الاستئناف في موقعه، وقوله: "إلا أن يصف الدين بصفة صاحبه" مستثنى من قوله: "وحق من رفعه أن يقرأ مخلصًا بفتح اللام".
قال صاحب"التقريب" في قوله: "رجع الكلام إلى قولك: لله الدين ألا لله الدين الخالص" نظر، لأن تغاير دلالتي الجملتين على الإجمال والتفصيل ظاهر، وهو توكيد. وقلت: بين الجملتين بون؛ وغاية معنى الجملة الأولى بسبب تقديم الخبر تأكيد الاختصاص؛ لأن اللام أيضًا الاختصاص، وأما الجملة الثانية فهي منقطعة عنها؛ لتصدرها بكلمة التنبيه، قال: ﴿ألَا﴾ مركب من همزة الاستفهام وحرف النفي لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقًا، وموقع الجملة في هذا المقام موقع التذييل للكلام السابق، وحسنه أن يكون مؤكدًا لمضمون جملة قوله: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ لاتفاقهما وتطابقهما، وإليه الإشارة بقوله: "الخالص والمخلص"، أي: بفتح اللام "واحد" لأن الدين إذا كان مخلصًا كان خالصا، ولو جعل تذييلًا لقوله: له الدين وحده، جاء الكلام مبتورًا ونباه الطبع السليم، فإن معنى ﴿للهِ الدِّينُ﴾ أن الدين مختص به لا بغيره، وهو معنى ﴿أَلَا للهِ الدِّينُ﴾ فيبقى وصف الدين بالخالص خارجًا وتطويلًا، ومن ثم أحاله إلى الذوق في قوله: "رجع به الكلام إلى قولك: لله الدين ألا الله الدين الخالص".
قوله: (أي: هو الذي وجب اختصاصه)، تفسير للتذييل، قال القاضي: ألا هو الذي
стр. 7201
الغيوب والأسرار؛ ولأنه الحقيق بذلك؛ لخلوص نعمته عن استجرار المنفعة بها. وعن قتادة: ﴿الدِّينُ الْخَالِصُ﴾: شهادة أن لا إله إلا الله. وعن الحسن: الإسلام. ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ يحتمل المتخذين؛ وهم الكفرة، والمتخذين؛ وهم الملائكة وعيسى واللات والعزى. عن ابن عباس ﵄. فالضمير في ﴿اتَّخَذُوا﴾ على الأول: راجع إلى ﴿وَالَّذِينَ﴾، وعلى الثاني: إلى المشركين، ولم يجر ذكرهم؛ لكونه مفهومًا، والراجع إلى ﴿وَالَّذِينَ﴾ محذوف، والمعنى: والذين اتخذهم المشركون أولياء، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ في موضوع الرفع على الابتداء. فإن قلت: فالخبر ما هو؟ قلت: هو على الأول: إما ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، وأما ما أضمر من القول قبل قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾. وعلى الثاني: ﴿إِنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجب اختصاصه بأن يخلص له العبادة والطاعة، فإنه المنفرد بصفات الإلهية والاطلاع على الأسرار والضمائر.
وقلت: في إبراز اسم الجامع شأن عظيم وخطب جليل في هذا الباب، والمصنف خصه بحسب اقتضاء المقام، وهو إيجاب اختصاصه بأن تخلص له العبادة بأمرين مناسبين: أحدهما: أنه مطلع على الغيوب والأسرار، فيطلع على سر من أخلص ومن راءى. وثانيهما: أنه منعم على الإطلاق لا يستجر بما أنعم به نفعًا، فلا ينبغي أن يشوب عبادته بما يكدره، ولما أمر عباده المخلصين بما أمر عقبه على سبيل الاستطراد، وذكر من يكدر العبادة بالشرك ويتعلل بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا مِنَ اللهِ زُلْفَى﴾.
قوله: (وعلى الثاني: ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، فإن قلت: لم خص الثاني بوجه واحد؟ قلت: المعنى على الأول- أي: على تقدير المتخذين؛ بكسر الخاء- الكفرة الذين اتخذوا من دون الله أولياء ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أو يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا مِنَ اللهِ زُلْفَى﴾، وعلى الثاني- أي: على تقدير فتح الخاء- الذين اتخذهم المشركون أولياء ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، ولا يصح: يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللهِ﴾.
стр. 7202
اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. فإن قلت: فإذا كان ﴿إِنَّ اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ الخبر، فما موضع القول المضمر؟ قلت: يجوز أن يكون في موضع الحال، أي: قائلين ذلك. ويجوز أن يكون بدلًا من الصلة، فلا يكون له محل، كما أن المبدل منه كذلك. وقرأ ابن مسعود بإظهار القول: (قالوا ما نعبدهم)، وفي قراءة أبي: (ما نعبدكم إلا لتقربونا) على الخطاب، حكاية لما خاطبوا به آلهتهم. وقرئ: (نعبدهم) بضم النون إتباعًا للعين كما تتبعها الهمزة في الأمر والتنوين في ﴿وَعَذَابٍ * ارْكُضْ﴾ [ص: ٤١ - ٤٢]، والضمير في ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لهم ولأوليائهم. والمعنى: أن الله يحكم بينهم بأنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم النار مع الحجارة التي نحتوها وعبدوها من دون الله يعذبهم بها؛ حيث يجعلهم وإياها حصب جهنم. واختلافهم: أن الذين يعبدون موحدون وهم مشركون، وألئك يعادونهم ويلعنونهم، وهم يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله زلفى. وقيل: كان المسلمون إذا قالوا لهم: من خلق السماوات والأرض، أقروا وقالوا: الله، فإذا قالوا لهم: فما لكم تعبدون الأصنام؟ قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا مِنَ اللهِ زُلْفَى﴾؛ فالضمير في ﴿بَيْنَهُمْ﴾ عائد إليهم وإلى المسلمين. والمعنى: أن الله يحكم يوم القيامة بين المتنازعين من الفريقين. والمراد بمنع الهداية: منع اللطف تسجيلًا عليهم بأن لا لطف لهم، وأنهم في علم الله من الهالكين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يكون بدلًا من الصلة)، والتقدير: والكفرة الذين يقولون: لا نعبد الأصنام إلا ليقربونا، إن الله يحكم بينهم.
قوله: (وقيل: كان المسلمون)، عطف على قوله: "الضمير في ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لهم ولأوليائهم"، وعلى هذا: الضمير في ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لهم وللمسلمين، كما صرح بذلك.
قوله: (والمراد بمنع الهداية منع اللطف)، الانتصاف: يجب حمل الآية على ظاهرها وأن الله خالق الإيمان والضلال؛ لقوله: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفًّارُ﴾. وقلت: قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ الظاهر أنه اعترض للتأكيد ودفع ذلك التأويل.
стр. 7203
وقرئ: (كذاب)، (كذوب)، وكذبهم: قولهم في بعض من اتخذوا من دون الله أولياء: بنات الله؛ ولذلك عقبه محتجًا عليهم بقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ ولَدًا لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ يعني: أراد اتخاذ الولد لامتنع ولم يصح؛ لكونه محالًا، ولم يتأت إلا أن يصطفي من خلقه بعضه ويختصهم ويقربهم، كما يختص الرجل ولده ويقربه، وقد فعل ذلك بالملائكة، فافتتنتم به وغركم اختصاصه إياهم، فزعمتم أنهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكذبهم: قولهم في بعض ما تخذوا)، يعني: وضع ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ موضع ضمير المتخذين -بكسر الخاء-، والمتخذ -بالفتح- بعض ما اتخذوه، وهو الملائكة والمسيح واللات والعزى، كما سبق.
قوله: (فافتتنتم به)، افتتن الرجل وفتن فهو مفتون: إذا أصابه فتنة فذهب ماله وعقله.
وتقرير المسألة على ما قال صاحب "التقريب": لو أراد اتخاذ الولد لم يصح إلا أن يصطفي بعض خلقه، وقد اصطفى الملائكة وشرفهم، فغركم اختصاصه فزعمتم أنهم أولاده بل بناته فكنتم كذابين. وفي تحقيق معنى التلازم ونفي اللازم أو إثبات الملزوم على ما قرر نظر، فالأولى ما قيل: لو أراد يتخذ ولدًا كما زعمتم لاختار الأفضل لا الأنقص وهن الإناث.
وقلت: مراد المصنف: أن مؤدى ﴿لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ في هذا المقام مؤدى قولنا: لامتنع، ولم يصح، إلى آخره. والاستثناء في قوله: "ولم يتأت إلا أن يصطفي" على أسلوب قول لبيد:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم .... بهن فلول من قراع الكتائب
أراد: ليس فيهم عيب البتة، فوضع "غير أن سيوفهم بهن فلول" موضعه، أي: لو كان هذا عيبًا فهم موصوفون به، فإذن لا عيب فيهم، وكذلك المعنى: لو أراد الله أن يتخذ ولدًا
стр. 7204
أولاده، جهلًا منكم به وبحقيقته المخالفة لحقائق الأجسام والأعراض، كأنه قال: لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما يشاء من خلقه؛ وهم الملائكة، إلا أنكم لجهلكم به حسبتم اصطفاءهم اتخاذهم أولادًا، ثم تماديتم في جهلكم وسفهكم فجعلتموهم بنات، فكنتم كذابين كفارين متبالغين في الافتراء على الله وملائكته، غالين في الكفر، ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ فنزه ذاته عن أن يكون له أحد ما نسبوا إليه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لاصطفى من خلقه بعضه ويختصهم ويقربهم كما يختص الرجل ولده ويقربه، وقد فعل ذلك بالملائكة، ولا خفاء أن هذا الاصطفاء ليس من اتخاذ الولد في شيء، فإذا محال أن يتخذ ولدًا. تلخيصه: أنه لو أراد أن يتخذ ولدًا لكان الطريق إلى ذلك ما يمتنع أن يكون طريقًا وهو اصطفاء الملائكة، وإليه أشار بقوله: "لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل"، ونظيره من حيث المبالغة قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ قال: أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت البتة، فوضع قوله: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] موضع ذلك؛ لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل. وقال الإمام: المعنى لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لما رضى إلا بالأكمل وهو الابن، فكيف نسبتم إليه البنت؟ كقوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ [الإسراء: ٤٠] تم كلامه.
فإن قيل: الكلام غير وارد في اتخاذ الإناث حتى يرد إلى الذكور، بل في نفي الولد مطلقًا. قلت: إذن لا ينبغي أن يكون المفروض في قوله: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ الملائكة، بل غيرهم ممن هو أعلى مرتبة منهم وأقرب نسبة إلى الله وإلى الألوهية؛ ليصح الترقي من اتخاذ الملائكة والمسيح ولدًا إليهم، ولهذا جيء بالتنزيه والتوحيد الصرف، وتم المعنى بوصف القهارية وكلمه بدليلي الآفاق والأنفس، يعني: قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ وقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية. ثم بين غناه عن الخلق بقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾.
стр. 7205
من الأولاد والأولياء. ودل على ذلك بما ينافيه؛ وهو أنه واحد، فلا يجوز أن يكون له صاحبه؛ لأنه لو كانت له صاحبة لكانت من جنسه، ولا جنس له؛ وإذا لم يتأت أن يكون له صاحبة؛ لم يتأت أن يكون له ولد، وهو معنى قوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهث صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]. وقهار: غلاب لكل شيء، ومن الأشياء آلهتهم، فهو يغلبهم، فكيف يكونون له أولياء وشركاء؟
[﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ ويُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى أَلا هُوَ العَزِيزُ الغَفَّارُ﴾ ٥]
ثم دل بخلق السماوات والأرض، وتكوير كل واحد من الملوين على الآخر، وتسخير النيرين، وجريهما لأجل مسمى، وبث الناس على كثرة عددهم من نفس واحدة، وخلق الأنعام، على أنه واحد لا يشارك، قهار لا يغالب. والتكوير: اللف واللي، يقال: كار العمامة على رأسه، وكورها. وفيه أوجه؛ منها: أن الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويغشى مكانه هذا، وإذا غشي مكانه فكأنهما ألبسه ولف عليه كما يلف اللباس على اللابس، ومنه قول ذي الرمة في وصف السراب:
تلوي الثنايا بأحقيها حواشيه .... لي الملاء بأبواب التفاريج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تلوي الثنايا بأحقيها)، البيت. الثنية: العقبة، والثنايا: جمع، والحقو: الخصر مشد الإزار. حواشيه: جوانب السراب، والملاء جمع ملاءة، وهي: الجلباب، والتفراج -بالجيم- الباب الصغير، وجمعه التفاريج. يقول: تلوي الهضاب بأوساطها حواشي السراب مثل لي المرط بأبواب الدار، وليها بالدار هو أن لا يطرد اطرادًا.
والحاصل أن الآية تحتمل ثلاثة أوجه من التشبيه:
أحدها: أن يكون من تشبيه المحسوس بالمحسوس، والوجه أمور، ولكن في حكم واحد وهو تشبيه الهيئة الحاصلة من اختلاط الليل بالنهار عند طلوع الفجرين وظهور
стр. 7206
ومنها: أن كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه، فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار. ومنها: أن هذا يكر على هذا كرورًا متتابعًا، فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على أثر بعض. ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب القادر على عقاب المصرين ﴿الْغَفَّارُ﴾ لذنوب التائبين،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخيطين، في قوله: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] بالهيئة الحاصلة من لف اللباس على اللابس بحيث لا يطرد اللباس في التستر كما يرى من لي الهضبات حواشي السراب، ولي الملاء بأبواب التفاريج في بيت ذي الرمة.
وثانيها: تشبيه محسوس بمحسوس والوجه واحد حقيقة. شبه غشيان كل واحد من الليل والنهار الآخر في قوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ﴾ [يس: ٣٧] بشيء ظاهر لف ما غيبه عم مطامح الأبصار.
وثالثها: يحتمل أن يكون تمثيلًا بأن يشبه حالة كرور الليل والنهار ومجيء أحدهما في أثر بعض وما يتصل بها من المنافع كقوله: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] بحالة تتابع أكوار العمامة بعضها عقيب بعض وما يتصل بها من الحسن، فإنها كالتيجان للعرب وما يحصل من التغيير وتبديل الأحوال، كما قال الحماسي:
أشاب الصغير وأفنى الكبيـ .... ــــر كر الغداة ومر العشي
فإن قلت: هل يعد ما في الآية تشبيهًا كما صرح به المصنف؟ قلت: لا، بل استعارة، فإن قوله: ﴿يُكَوِّرُ﴾ إما مستعار للاختلاط على الأول، وإما للغشيان في الثاني، وإما للتتابع في الثالث، والمستعار له غير مذكور، وذكره التشبيه توطئة وبيان لطريق الاستعارة؛ لأن الاستعارة متفرعة على التشبيه.
قوله: (﴿الْغَفَّارُ﴾ لذنوب التائبين)، الانتصاف: ولمن شاء من المصرين دون الشرك على ما سبق.
стр. 7207
أو: الغالب الذي يقدر على أن يعالجهم بالعقوبة وهو يحلم عنهم ويؤخرهم إلى أجل مسمى، فسمى الحلم عنهم مغفرةً.
[﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٦]
فإن قلت: ما وجه قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وما يعطيه من معنى التراخي؟ قلت: هما آيتان من جملة الآيات التي عددها دالًا على وحدانيته وقدرته: تشعيب هذا الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، وخلق حواء من قصيراه؛ إلا أن أحداهما جعلها الله عادة مستمرة، والآخرى لم يجر بها العادة، ولم تخلق أنثى غير حواء من قيصرى رجل، فكانت أدخل في كونها آية، وأجلب لعجب السامع، فعطفها بـ ﴿ثُمَّ﴾ على الآية الأولى؛ للدلالة على مباينتها لها فضلًا ومزية، وتراخيها عنها فيما يرجع إلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو الغالب الذي يقدر أن يعاجلهم)، إلى قوله: (فسمى الحلم عنهم مغفرة)، وقلت: هذا أوفق لتأليف النظم؛ لأن قوله: ﴿ألَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ مقابل لقوله: ﴿ألَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ لأنه تعالى ذكر أولًا ما يدل على الدين من ذكر الكتاب، وأنه منزل من لدن عزيز حكيم، وأنه إنما نزل ملتبسًا بالحق ليترتب عليه العبادة والإخلاص وكان قوله: ﴿ألَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ تذييلًا له، وذكر بعده ما يدل على عظم شأن ما نسبوا إليه من الشرك والأولاد وما دل على تنزيهه عن ذلك، وأنه منفرد بالإلهية قهار خالق للأشياء كلها، ثم ذيله بقوله: ﴿ألَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ توكيدًا لتفظيع معنى ما نسبوا إليه، فلابد من تفسيره بما قال: "الغالب الذي يقدر أن يعاجلهم وهو يحلم عنهم".
قوله: (وخلق حواء)، عطف على "تشعيب"، وهما بدلان من قوله: "آيتان"، و"هما" ضمير مبهم مفسر بـ"آيتان".
قوله: (قصيراه)، وهو الضلع الأسفل، وهو أقصر الضلوع.
стр. 7208
زيادة كونها آية، فهو من التراخي في الحال والمنزلة، لا من التراخي في الوجود. وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ متعلق بمعنى ﴿وَاحِدَةٌ﴾، كأنه قيل: خلقكم من نفس وحدت، ثم شفعها الله بزوج. وقيل: أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر، ثم خلق بعد ذلك حواء. ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ﴾: وقضى لكم وقسم؛ لأن قضاياه وقسمه موصوفة بالنزول من السماء، حيث كتب في اللوح كل كائن يكون. وقيل: لا تعيش الأنعام إلا بالنبات، والنبات لا يقوم إلا بالماء، وقد أنزل الماء، فكأنه أنزلها. وقيل: خلقها في الجنة، ثم أنزلها. ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾: ذكرًا وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز. والزوج: اسم لواحد معه آخر، فإذا انفرد فهو فرد ووتر، قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [القيامة: ٣٩]. ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِخَلْقٍ﴾: حيوانًا سويًا، من بعد عظام مكسوة لحمًا، من بعد عظام عارية، من بعد مضغ، من بعد علق، من بعد نطف. والظلمات الثلاثة: البطن والرحم والمشيمة. وقيل: الصلب والرحم والبطن. ﴿ذَلِكُمُ﴾ الذي هذه أفعاله هو ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فهو من التراخي في الحال والمنزلة، لا من التراخي في الوجود)، قال صاحب "الفرائد": أي مانع يمنع من أن يكون التراخي في الوجود، لعل خلق حواء من آدم بعد مدة.
قلت: المانع جعل قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ معطوفًا على قوله: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ﴾ عطف الجملة على الجملة، ولا شك أن تشعيب الخلق الفائت للحصر من آدم لم يكن مقدمًا على خلق حواء من ضلع آدم، ولهذا لما أراد ذلك المعنى عدل من الظاهر وأوله على وجهين: أحدهما: قال: "وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ متعلق بمعنى ﴿وَاحِدَةٍ﴾ "، أي: أنها صفة لـ ﴿نَفْسٍ﴾ معطوفة على ﴿وَاحِدَةٍ﴾ على تأويل "وحدت"، إذ لو قيل: "وحدت" بدلها لصح على منوال "فأصدق وأكن"، وثانيهما: وقيل: أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر ثم خلق بعدها حواء، فالمراد من قوله: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ﴾ أخرج الذرية من ظهره، فيكون من عطف الجملة على الجملة على هذا التأويل، و ﴿ثُمَّ﴾ على حقيقتها، ولا يخفى على ذي دربة بالأساليب أن التأويل الأول أولى وأبعد من التعسف.
стр. 7209
إلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ فكيف يعدل بكم عن عبادته إلى عبادة غيره؟
[﴿إن تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ولا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ وإن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٧]
﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ﴾: عن إيمانكم، وإنكم المحتاجون إليه؛ لاستضراركم بالكفر واستنفاعكم بالإيمان، ﴿ولا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ رحمةً لهم؛ لأنه يوقعهم في الهلكة. ﴿وإن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أي: يرض الشكر لكم؛ لأنه سبب فوزكم وفلا حكم؛ فإذًا ما كره كفركم ولا رضي شكركم إلا لكم ولصلاحكم؛ لا لأن منفعة ترجع إليه؛ لأنه الغني الذي لا يجوز عليه الحاجة. ولقد تمحل بعض الغواة ليثبت لله تعالى ما نفاه عن ذاته من الرضا لعباده الكفر، فقال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا رضي شكركم إلا لكم ولصلاحكم، لا لأن منفعة ترجع إليه)، هذا من التراكيب التي منعها صاحب "المفتاح"، قال: لا يجوز ما جاء إلا زيد لا عمرو، وقد أجبنا عنه مرارًا.
قوله: (ولقد تمحل بعض الغواة ليثبت لله ما نفاه عن ذاته من الرضا لعباده الكفر)، قال الإمام: احتج الجبائي بهذه الآية من وجهين: أحدهما أن المجبرة يقولون: الله تعالى خلق كفر العباد، وإنه من جهة أنه من خلقه حق وصواب. فقال: لو كان الأمر كذلك لكان قد رضي الكفر من الوجه الذي خلقه، وذلك ضد الآية. والثاني: لو كان الكفر بقضاء الله لوجب علينا أن نرضى به؛ لأن الرضا بقضاء الله واجب، والرضا بالكفر كفر. وأجاب الأصحاب من وجوه:
أحدها: أن عادة الله جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ
стр. 7210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقال: ﴿عَيْنًا يَّشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ [الإنسان: ٦] وقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطّانٌ﴾ [الحجر: ٤٢].
قلت: ويؤيده ما روى محيي السنة عن ابن عباس والسدي: لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطّانٌ﴾ فيكون عامًا في اللفظ خاصًا في المعنى.
وثانيها: أن الكفر بإرادة الله لا برضاه؛ لأن الرضا من الله عبارة عن المدح عليه والثناء بفعله.
وثالثها: أن الرضا عبارة عن ترك اللوم والاعتراض لا عن الإرادة. قال ابن دريد:
رضيت قسرًا وعلى القسر رضا .... من كان ذا سخط على صرف القضا
وأقول- وبالله التوفيق-: اعلم أن قوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ متصل بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ وهم قوم مخصوصون، قال الواحدي: إن تكفروا يا أهل مكة، وقد تقرر أن قوله: ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ مقابل لقوله: ﴿أَلَا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ وهو متضمن لتهديد عظيم، والمشار إليه بقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾ جميع ما سبق من إجراء الأوصاف على من وصفوه بما لا ينبغي ونسبوه إلى ما هو منزه عنه من اتخاذ الأولياء والأولاد، يدل عليه قوله: ﴿لَا إِلَهَ إلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾، فيكون قوله: ﴿ولا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ جملةً مستطردةً كالتتميم للشرط الأول، تعريضًا بهم وبكفرهم، وهو مع الشرط كالمقابل للشرط الثاني. المعنى: أنهم ليسوا من جملة عباده المرتضين بل هم من الذين سخط الله عليهم، فوزانه وزان قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]، أي:
стр. 7211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غني عنكم وعن شكركم، حميد ومستوجب للحمد لكثرة نعمة فإن لم تحمدوه أنتم بحمده غيركم ممن هو خير منكم، كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] فإن المرا بـ ﴿قَوْمًا﴾: الأنبياء والصحابة. وكقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] كأنه قيل: وإن تكفروا فإني غني عنكم وعن شكركم؛ لأن لي عبادًا مكرمين ما أرضى أن ينزل الكفر بساحتهم ويحل قريبًا من دارهم، يشكرون نعمتي ولا يكفرونها، ومع ذلك إن تشكروا وترجعوا عما أنتم فيه أرض الشكر لكم وأدخلكم في زمرة المرتضين من عبادي، فإني غفور شكور. وستقف إن شاء الله في سورة "الشورى" عند قوله تعالى: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ على كلام في تخصيص لفظ عباده بالمصطفين.
انظر أيها المتأمل الناقد البصير بين التأويلين، واعجب بحصى عقول أهل السنة والجماعة، واقطع بأنهم هم المحدثون الملهمون، ومن مشكاة النبوة مقتبسون، وعلى آثار السلف الصالح مقتفون، ولأمثالهم هداة، وإلى دين الله دعاة، أيقال: غواة، اللهم غفرًا.
وقال صاحب "الانتصاف": إن المصر على قلبه رين، وفي ميزان نظره غين، ولا يخفى أن وجود المشروط قبل الشرط ممتنع عقلًا ونقلًا، فإرادة الله الشكر مقدمة لوجوده منهم، فكيف يسوغ حمل الرضا على الإرادة وقد جعل في الآية شرطًا وجزاء، وجعل وقوع الشكر شرطًا والرضا جزاء؟ فيلزم تقدم الشكر على الإرادة. والزمخشري أحد من يقول: إذا كان الجزاء ماضيًا مخصًا لزمته الفاء، نحو: إن تكرمني فقد أكرمتك قبل، وقد عريت الآية عن الحرف المذكور على أنه لا بد من تأويل يصحح الشرطية، فإذا بطل حمل الرضا على الإرادة، وجب حمله على المجازاة على الشكر بالكرامة، أي: وإن تشكروا يجزكم عليه الجزاء المرضي عنه، والمجازاة مستقبلة بالنسبة إلى الشكر، ومثله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ أي: لا يجازي عليه جزاء الراضي للمرضي عليه، بل جزاء المغضوب عليه.
стр. 7212
هذا من العام الذي أريد به الخاص، وما أراد إلا عبادة الذين عناهم في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥]، يريد: المعصومين، كقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ [الإنسان: ٦]، تعالى الله عما يقول الظالمون. وقرئ: ﴿يَرْضَهُ﴾ بضم الهاء بوصل وبغير وصل، وبسكونها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هذا من العام الذي أريد به الخاص)، الراغب: البعد على ضربين: عبد للإيجاد والتسخير، وذلك يطلق على كل أحد، وإياه عنى بقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]. وعبد على طريق التخصيص، وذلك قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] فعلى هذا يصح إن قال: فلان ليس عبدًا لله، وإنه عبد الهوى وعبد الشهوة، ومنه الحديث: "تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم، وتعس عبد الخميصة". وقال: تخصيص إضافة العبد إلى الله في كثير من المواضع تنبيه على مدحه في كونه مطيعًا له منصرفًا عن أمره، وأنه غير معرج على غيره، ثم أضافه بنون الملوكية مبالغةً في الاختصاص، وكل إضافة إلى الله تعالى بهذا الوجه فللمبالغة.
قوله: (وقرئ ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ بضم الهاء بوصل)، قال القاضي: قرأه ابن كثير ونافع في رواية، وأبو عمرو والكسائي بإشباع ضمة الهاء، وعن أبي عمرو ويعقوب إسكانها وهو لغة فيها. وقال الواحدي: منهم من أشبع الهاء حتى ألحق بها واوا؛ لأن ما قبلها متحركة فصار بمنزلة ضربه وله، ومنهم من حرك الهاء ولم يلحق بالواو؛ لأن أصله:
стр. 7213
[﴿وإذَا مَسَّ الإنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ٨]
﴿خَوَّلَهُ﴾: أعطاه. قال أبو النجم:
أعطى فلم يبخل ولم يبخل .... كوم الذرى من خول المخول
وفي حقيقته وجهان؛ أحدهما: جعله خائل مال، من قولهم: هو خائل مال، وخال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يرضاه، والألف المحذوفة للجزم ليس يلزم حذفها فكانت كالباقية ومع بقاء الألف لا يجوز إثبات الواو.
قوله: (أعطى فلم يبخل)، البيت. قبله في "المطلع":
الحمد لله الوهوب المجزل
ناقة كوماء: عظيمة السنام. والمخول: هو الله، يقال: خوله الله الشيء، أي: ملكه إياه. وقوله: "ولم يبخل" تأكيد، يقال: أبخلته، إذا وجدته بخيلا، وبخلته، نسبته إلى البخل، و "من خول" أي: من مال، وقيل: ما أعطى الله الإنسان من العبيد والنعم.
قوله: (خائل) قال الجوهري: قد خلت المال أخوله، إذا أحسنت القيام عليه. يقال: هو خال مال وخائل وخولي مال، أي: حسن القيام عليه. والتخول: التعهد. وفي الحديث: "كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة".
النهاية: قال أبو عمرو: الصواب أنه كان يتخولنا بالحال، أي: يطلب الحال التي ينشطون فيها للموعظة فيعطيهم فيها ولا يكثر عليهم فيملوا. وقال في "الفائق": وروي "يتخونهم"، أي: يتعهدهم. وقيل: يتخولهم، أي: يتأمل حالاتهم التي ينشطون فيها للموعظة.
стр. 7214
مال: إذا كان متعهدًا له حسن القيام به، ومنه ما روي عن رسول الله ﷺ : أنه كان يتخول أصحابه بالموعظة. والثاني: جعله يخول من خال يخول؛ إذا اختال وافتخر، وفي معناه قول العرب:
إن الغني طويل الذيل مياس
﴿مَا كَانَ يَدْعُو إلَيْهِ﴾ أي: نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه. وقيل: نسي ربه الذي كان يتضرع إليه ويبتهل إليه، ﴿مَا﴾ بمعنى "من"، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣]. وقرئ: ﴿لِيُضِلَّ﴾ بفتح الياء وضمها، بمعنى: أن نتيجة جعله لله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روينا عن البخاري ومسلم والترميذي، عن عبد الله "كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا"، في اختلاف، ولم يختلفوا في أنه "يتخولنا"، بالخاء المعجمة.
قوله: (مياس)، الجوهري: الميس: التبختر. وقد ماس يميس ميسًا وميسانًا فهو مياس. وتميس مثله.
قوله: و ﴿مَا﴾ بمعنى "من" كقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣])، وعن بعضهم: في هذا الوجه تكلف؛ لأنه لا يقال: دعا إليه بمعنى دعاه، كذلك "ما" بمعنى "من" لا حاجة إليه.
قلت: لا يقول هذا من ذاق حسن موقع "ما" في موقع "من" لإرادة الوصيفة باقتضاء المقام، ولطف محل تضمين ﴿دَعَا﴾ معنى "تصرع وابتهل"، كأنه نسي الكاشف لضر المضطرين، والسميع لدعاء المضطهدين، والعليم بأحوال الملهوفين، الذي كان يتضرع إليه هذا الفخور المختال، ويبتهل إليه هذا المتكبر المياس، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣] أي: القادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى.
قوله: (وقرئ: ﴿لِيُضِلَّ﴾) ابن كثير وأبو عمرو: بفتح الياء، والباقون: بضمها.
стр. 7215
أندادًا ضلاله عن سبيل الله، أو إضلاله. والنتيجة قد تكون غرضًا في الفعل، وقد تكون غير غرض. وقول: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ من باب الخذلان والتخلية، كأنه قيل له: إذ قد أبيت قبول ما أمرت به من الإيمان والطاعة، فمن حقك أن تؤمر به بعد ذلك، وتؤمر بتركه؛ مبالغةً في خذلانه وتخليته وشأنه؛ لأنه لا مبالغة في الخذلان أشد من أن يبعث على عكس ما أمر به، ونظيره في المعنى قوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: ١٩٧].
[﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ٩]
قرئ: (أمن هو قانت) بالتخفيف على إدخال همزة الاستفهام على "من"، وبالتشديد على إدخال "أم" عليه. و "من" مبتدأ خبره محذوف، وتقديره: أمن هو قانت كغيره، وإنما حذف؛ لدلالة الكلام عليه؛ وهو جري ذكر الكافر قبله، وقوله بعده:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والنتيجة قد تكون غرضًا في الفعل وقد تكون غير غرض)، أي: اللام في ﴿لِيُضِلَّ﴾ كاللام في قوله ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].
قوله: (قرئ: "أمن هو قانت" بالتخفبف)، نافع وحمزة، والباقون: بالتشديد.
قوله: (و "من" مبتدأ خبره محذوف، تقديره: أمن هو قانت كغيره)، هذا على التقديرين، أما على التخفيف فيقال: أمن هو قانت كغيره، وعلى التشديد "أم" منقطعة، والتقدير: بل أم من هو قانت كغيره، فعلى التقديرين لا بد من الخبر، وهذا مأخوذ من قول الزجاج: أم من هو قانت كهذا الذي ذكرناه ممن جعل له ندًا. وقيل: أمن هو قانت كغيره، أي: أمن هو مطيع كمن هو عاص.
следующие страницы →